الفصل الثامن في صفة المسح بالأحجار
اختلف الفقهاء في صفة المسح بالأحجار:
فقيل: لا كيفية له، فكيف حصل الإنقاء أجزأ. رجحه السرخسي من الحنفية، ومال إليه ابن نجيم، وهو المنصوص عليه في السراج الوهاج والمجتبى (١)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).وهو الراجح.
وقيل: كيفية الاستنجاء أن يمسح بالحجر الأول من جهة المقدم إلى خلف، وبالثاني من خلف الى قدام، وبالثالث من قدام الى خلف إذا كانت الخصية مدلاة، وإن كانت غير مدلاة يبتدئ من خلف الى قدام، والمرأة تبتدئ من قدام الى خلف خشية تلويث فرجها، وهو قول في مذهب الحنفية (٣).
وقيل: كيفيته في المقعد في الصيف للرجل إدبار الحجر الأول والثالث، وفي الشتاء العكس، اختاره بعض الحنفية (٤).
стр. 807
وقيل: يعم بكل حجر موضع النجو، وهو مذهب المالكية (١)، والحنابلة (٢).
وفي مذهب الشافعية ثلاثة أوجه:
فقيل: يمر حجراً من مقدم الصفحة اليمنى ويديره عليها، ثم على اليسرى حتى يصل الموضع الذي بدأ منه، ثم يمر الحجر الثاني من أول الصفحة اليسرى إلى آخرها، ثم على اليمنى حتى يصل موضع ابتدائه، ثم يمر بالثالث على المسربة، وهو الراجح في مذهب الشافعية (٣)، وذكره بعض الحنفية (٤)، واختاره القاضي من الحنابلة (٥).
الوجه الثاني: أن يمسح بحجر الصفحة اليمنى وحدها، ثم بحجر اليسرى وحدها، وبالثالث المسربة (٦)، واختاره بعض الحنابلة (٧).
والوجه الثالث: يضع حجراً على مقدم المسربة ويمره إلى آخرها، ثم حجراً على مؤخرة المسربة ويمره إلى أولها، ثم يحلق بالثالث، حكاه البغوي
стр. 808
قال النووي: وهو غريب.
واختلف الشافعية في هذا الخلاف، هل هو على الوجوب أو الاستحباب على قولين (١).
وقيل: يكفي لكل جهة مسحها ثلاثا بحجر، والوسط مسحه ثلاثاً بحجر، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
دليل من قال: لا كيفية للاستنجاء .
الدليل الأول:
قال: إن استحباب كيفية معينة تحتاج إلى توقيف من كتاب أو سنة أو إجماع أو قول صاحب، ولم يصح دليل في المسألة.
الدليل الثاني:
قالوا: إن المطلوب في الاستنجاء هو الإنقاء وإزالة النجاسة فكيف زالت النجاسة حصل المقصود، فلا يتكلف صفة معينة.
دليل من قال: يمسح بالأول من المقدم إلى خلف، وبالثاني من خلف إلى قدام، وبالثالث من قدام الى خلف .
علل هذا الاستحباب بأنه إذا بدأ من جهة الخلف في أول مرة ربما لوث
стр. 809
الخصية بالنجاسة، فتنتشر النجاسة إلى غير موضعها المعتاد، ثم لا تكفي إزالتها بالأحجار في حقه، ولكن إذا بدأ من جهة المقدم أمن تلوث الخصية بالنجاسة، ولذلك قال: إذا كانت الخصية غير مدلاة بدأ من جهة الخلف.
وهذا التعليل لا يكفي في استحباب هذه الصفة في الاستنجاء، بل إن التعليل السابق أقوى، وأن المقصود من الاستجمار هو إزالة النجاسة، فكيف زالت حصل مقصود الشارع من مشروعية الاستجمار.
دليل من طلب تعميم المحل بكل حجر
قالوا: إن المطلوب أن يعم المحل بكل حجر حتى يصدق عليه أنه مسح المحل ثلاث مسحات، فإذا لم تعم كل مسحة المحل كله لم تكن مسحة، بل كانت بعضها.
دليل من فرق الأحجار بين الصفحتين والمسربة .
(٣٢٨ - ١٧٢) ما رواه الدارقطني، قال: نا علي بن أحمد بن الهيثم العسكري، نا علي بن حرب، نا عتيق بن يعقوب الزبيري، نا أبي بن العباس بن سهل بن سعد، عن أبيه،
عن جده سهل بن سعد أن النبي ﷺ سئل عن الاستطابة؟ فقال: أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار: حجرين للصفحتين، وحجراً للمسربة (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 810
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 811
والراجح أن الاستجمار لم يرد له في الشرع صفة معينة، بل المطلوب أمران:
الأول: الإنقاء، وهو إزالة عين النجاسة، على الصفة المطلوبة التي قدمناها في صفة الإنقاء.
الثاني: استعمال ثلاثة أحجار، بحيث لا يكتفي بحجر واحد، وكيف استعمل هذه الأحجار أجزأه، والكلام على استحباب صفة معينة يحتاج إلى توقيف، ولا توقيف في المسألة، والله أعلم.
стр. 812
الفصل التاسع لا يباشر الاستنجاء بيده اليمنى ولا يمس الذكر بها حال البول
ويشتمل على خمس مباحث:
المبحث الأول: هل يكره مس الذكر مطلقاً، أو حال البول فقط؟
المبحث الثاني: إذا استنجى بيمينه هل يجزئه ذلك؟.
المبحث الثالث: اشكال وجوابه.
المبحث الرابع: حكم مس الدبر.
المبحث الخامس: حكم مس فرج المرأة.
стр. 813
الفصل التاسع لا يباشر الاستنجاء بيده اليمنى ولا يمس ذكره بها
كره الفقهاء مس الفرج باليمين حال البول، واستنجاؤه واستجماره بها، وهو مذهب الأئمة (١).
وقيل: يحرم الاستنجاء باليمين، رجحه ابن نجيم من الحنفية (٢)، واختاره ابن حزم (٣)، ورجحه الشوكاني (٤).
وقيل: يكره مس الذكر باليمين، ويحرم الاستنجاء بها (٥).
стр. 814
دليل من قال: يحرم الاستنجاء باليمين
قال: ورد النهي عن الاستنجاء باليمين في أحاديث كثيرة، والأصل في النهي التحريم. ومن تلك الأحاديث مايلي:
الدليل الأول:
(٣٢٩ - ١٧٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة،
عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه، ولا يستنجي بيمينه، ولا يتنفس في الإناء، ورواه مسلم (١).
الدليل الثاني:
(٣٣٠ - ١٧٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش ح
وحدثنا يحيى بن يحيى، واللفظ له، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد،
عن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (٢).
стр. 815
الدليل الثالث:
(٣٣١ - ١٧٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا محمد بن عجلان، حدثني القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الخلاء فلا تستقبلوها ولا تستدبروها، ولا يستنجي بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة (١).
[إسناده حسن] (٢).
الدليل الرابع:
(٣٣٢ - ١٧٦) روى أحمد، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود،
عن عائشة أنها قالت: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره ولطعامه وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى.
قال أحمد: وحدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن رجل عن أبي معشر عن إبراهيم عن عائشة نحوه
[الحديث الراجح فيه أن إسناده منقطع] (٣).
فهذه الأحاديث فيها النهي عن مس الذكر باليمين، وعن الاستنجاء باليمين، وأخذ بظاهرها ابن حزم فقال بتحريم الاستنجاء باليمين.
стр. 816
دليل من قال: يكره الاستنجاء باليمين .
حملوا النهي في الأحاديث السابقة على الكراهة، والقرينة الصارفة عندهم أن ذلك أدب من الآداب، فلا يصل النهي فيها للتحريم، فيحتمل أن تكون الحكمة من النهي كون اليد اليمنى معدة للأكل بها، فلو استنجى بها لأمكن أن يتذكر ذلك عند الأكل فيتأذى بذلك، والله أعلم.
دليل من حرم مس الذكر باليمين وكره الاستنجاء بها .
قالوا: ثبت النهي عن مس الذكر باليمين، وعن الاستنجاء باليمين كما في حديث أبي قتادة المتقدم، لكن قالوا: إن الاستنجاء باليمين أقبح من مس الذكر حال البول؛ لأن في الأولى مباشرة إزالة النجاسة من طريق اليد اليمنى، وفي الثاني مسه فقط دون الاستنجاء، والذكر في نفسه طاهر، وليس بنجس، لهذا حملنا النهي على الأصل في إزالة النجاسة باليمين، وأنه للتحريم، وحملنا النهي على الكراهة في مس الذكر، لأنه بضعة من الإنسان، والله أعلم.
القول بالتحريم قول قوي؛ لأن الصارف ليس واضحاً؛ نعم يتساهل الفقهاء بالصارف لو وجد، ويصرفون اللفظ من الوجوب للندب، ومن التحريم للكراهة لأدنى صارف، لكن لم يظهر لي حكمة كونه أدباً من الآداب أن نحمله على الكراهة، ولا يخفى أن هذا الصارف ليس نصاً منصوصاً عليه، إنما هو شيء انقدح في النفس، وهي علة مستنبطة، فلا بد من حمله على الكراهة من قرينة جلية تكون سبباً في نقله من أصله الذي هو التحريم إلى الكراهة، والله أعلم.
стр. 817
المبحث الأول هل يكره مس الذكر باليمين مطلقاً أو حال البول فقط
فقيل: يكره مس الذكر باليمين مطلقاً حال البول وغيره (١).
وقيل: يكره حال البول فقط، وهو الظاهر (٢).
دليل من قال: يكره حال البول .
استدلوا بأدلة منها:
الدليل الأول:
(٣٣٣ - ١٧٧) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي، عن همام، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة،
عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه، وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء، ورواه البخاري بنحوه (٣).
وفي رواية للبخاري: إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمينه. وتقدم تخريجها.
فقوله: وهو يبول: أي حالة كونه يبول، فلا يتعدى النهي إلى غيرها؛
стр. 818
لأن الأصل الحل، فلا يكره شيء، ولا يحرم إلا بيقين.
الدليل الثاني:
(٣٣٤ - ١٧٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق،
عن أبيه قال: خرجنا وفداً حتى قدمنا على رسول الله ﷺ ، فبايعناه وصلينا معه، فجاء رجل فقال: يا رسول الله ما ترى في مس الذكر في الصلاة؟ فقال: وهل هو إلا بضعة أو مضغة منك (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 819
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 820
وجه الاستدلال:
قوله: إنما هو بعضة منك: دل على جواز مسه بكل حال، خرجت حالة البول بحديث أبي قتادة المتفق عليه، وبقي ما عداها على الإباحة.
دليل من قال يكره مس الذكر مطلقاً .
قالوا: إذا نهي عن مس الذكر حال البول، مع مظنة الحاجة في تلك الحالة، فيكون النهي في غيرها مع عدم الحاجة من باب أولى.
стр. 821
والراجح القول بجواز مس الذكر في غير حالة البول، ولا يمكن القياس على النهي عن مسه حال البول؛ لأن الشارع حريص على عدم ملابسة النجاسة، أما إذا انقطع البول فلا فرق بين الذكر وغيره من الأعضاء، ولا يقاس الأخف على الأغلظ، ولو كان مسه منهياً عنه مطلقاً لجاءت النصوص الواضحة التي تنهى عن مسه مطلقاً، والإنسان قد لا ينفك عن الحاجة إلى مسه، فالقول بالمنع مع عدم قيام الدليل المانع فيه حرج وكلفة بلا دليل واضح، والله أعلم.
стр. 822
المبحث الثاني إذا استنجى بيمينه هل يجزئه ذلك ؟
أما القائلون بالكراهة، فظاهر أنه يجزئ بلا إثم.
وأما القائلون بالتحريم، فقد اختلفوا:
فقيل: يجزئ مع الإثم (١).
وقيل: لا يجزئ، وهو اختيار ابن حزم (٢).
دليل من قال: لا يجزئ .
قال: إذا صححنا الفعل المحرم نكون بذلك قد رتبنا على الفعل المحرم أثراً صحيحاً، وهذا فيه مضادة لله ولرسوله ﷺ ، ولأن تصحيح الفعل المحرم فيه تشجيع على فعله، بخلاف ما إذا جعل لغواً، فهذا يحمله على تركه.
(٣٣٥ - ١٧٩) وقد روى مسلم، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد، جميعاً، عن أبي عامر، حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري، عن سعد بن إبراهيم، قال: سألت القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن، فأوصى بثلث كل مسكن منها، قال يجمع ذلك كله في مسكن واحد، ثم قال: أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد (٣).
وروى البخاري القدر المرفوع منه معلقاً (٤).
стр. 823
وجه الاستدلال:
قال ابن القيم: وقوله: " فهو رد " الرد: فَعْل بمعنى المفعول، أي فهو مردود، وعبر عن المفعول بالمصدر مبالغة، حتى كأنه نفس الرد، وهذا تصريح بإبطال كل عمل على خلاف أمره ورده، وعدم اعتباره في حكم المقبول، ومعلوم أن المردود هو الباطل بعينه، بل كونه رداً أبلغ من كونه باطلاً، إذ الباطل قد يقال لما لا نفع فيه أو منفعته قليلة جداً، وقد يقال لما ينتفع به ثم يبطل نفعه، وأما المردود فهو الذي لم يجعله شيئاً ولم يترتب عليه مقصوده أصلاً (١).
دليل من قال يجزئ مع الإثم .
قالوا: إن التحريم والصحة غير متلازمين، فتلقي الجلب منهي عنه، وإذا تُلُقِيَ كان البيع صحيحاً، وللبائع الخيار إذا أتى السوق، فثبوت الخيار فرع عن صحة البيع، ومثله الصلاة في الأرض المغصوبة، والصلاة في الثوب المسروق الصحيح صحة الصلاة مع الإثم، والله أعلم.
ومن النظر: قالوا: لا يمكن أن نحكم بنجاسة المحل، مع زوال النجاسة، فالحكم مرتبط بعلته، فإذا ذهبت النجاسة طهر المحل.
ولأن القاعدة الشرعية: أن العبادة الواقعة على وجه محرم:
إن كان التحريم عائداً إلى ذات العبادة، كصوم يوم العيد، لم تصح العبادة.
وإن كان التحريم عائداً إلى شرطها على وجه يختص بها كالصلاة بالثوب النجس على القول بأن الطهارة من النجاسة شرط، لم تصح إلا لعاجز
стр. 824
أو عادم.
وإن كان التحريم عائداً إلى شرط العبادة، ولكن لا يختص بها، ففيها روايتان:
فقيل: يصح، وهو الأرجح.
وقيل: لا يصح، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.
وإن كان التحريم عائداً على أمر خارج لا يتعلق بشرطها، كالوضوء من الإناء المحرم، فالراجح صحة العبادة، وعليه الأكثر (١).
وهنا المنع ليس عائداً على شرط العبادة التي هي الطهارة، وإنما عائد على أمر خارج، وهو الاستنجاء باليمين، فيصح الاستنجاء مع الإثم، والله أعلم.
стр. 825
المبحث الثالث إشكال وجوابه
نهي عن الاستنجاء باليمين، وعن مس الذكر بها، فإن استنجى باليد اليسرى، لزم منه مس الذكر باليمين، وهو منهي عنه، وإن استنجى باليمين وقع في النهي، فما المخرج من ذلك؟
قال النووي: الصحيح الذي قاله الجمهور أنه يأخذ الحجر بيمينه، والذكر بيساره، ويحرك اليسار دون اليمين، فإن حرك اليمين، أو حركهما كان مستنجياً باليمين، مرتكباً لكراهة التنزيه (١). اهـ
وقال الخطابي في معالم السنن: الصواب في مثل هذا أن يتوخى الاستنجاء بالحجر الضخم الذي لا يزول عن مكانه بأدنى حركة تصيبه، أو بالجدار، أو بالموضع الناتئ من وجه الأرض، أو بنحوها من الأشياء، فإن أدته الضرورة إلى الاستنجاء بالحجارةوالنبل ونحوها، فالوجه أن يتأتى بأن يلصق مقعدته إلى الأرض، ويمسك الممسوح بين عقبيه، ويتناول عضوه بشماله، فيمسحه به، وينزه عنه يمينه (٢). اهـ
وتعقبه ابن حجر، فقال: وأثار الخطابي هنا بحثاً، وبالغ في التبجح به، وقال عن رأي الخطابي: بأنه هذه هيئة منكرة، بل يتعذر فعلها في غالب
стр. 826
الأوقات (١).
وذكر النووي قولاً ثالثاً، ونسبه لبعض أصحابهم: بأنه يأخذ الذكر بيمينه، والحجر بيساره، ويحرك اليسار، لئلا يستنجي باليمين. حكاه صاحب الحاوي وغيره.
قال النووي: وهذا غلط؛ فإنه منهي عن مس الذكر باليمين.
стр. 827
المبحث الرابع حكم مس الدبر
المس وإن كان منصوصاً على الذكر، لكن يلحق به الدبر قياساً، والتنصيص على الذكر لا مفهوم له.
وقال ابن حزم: بأن النهي عن الاستنجاء باليمين خاص بالدبر، ويرى أن مسح البول باليمين جائز.
وتعليل ابن حزم: بأنه لم ينه عنه، وإنما نهي عن الاستنجاء باليمين، ومسح البول لا يسمى استنجاء.
وهذا القول ضعيف جداً؛ لأنه إذا نهي عن مس الذكر، وهو يبول، فنهيه عن مباشرة البول من باب أولى، ثم هل يسلم له بأن مسح البول لا تسمى استنجاء؟
فإذا نظرنا إلى أصل النجو في اللغة وجدنا أن من معانيه القطع، من قولهم: نجوت الشجرة: إذا قطعتها. وفي الاستنجاء من البول ونحوه قطع له، والمسح الذي لم يره ابن حزم استنجاء هو بحد ذاته قطع وإزالة للنجاسة، فاتضح أن مسح البول يمكن أن يسمى استنجاء، والله أعلم.
стр. 828
المبحث الخامس حكم مس فرج المرأة
التنصيص على الذكر لا مفهوم له، بل فرج المرأة كذلك، وإنما خص الذكر بالذكر لكون الرجال في الغالب هم المخاطبين، والنساء شقائق الرجال في الأحكام إلا ما خصه الدليل.
وقال ابن حزم: ومس المرأة فرجها بيمينها وشمالها جائز (١).
ودليل ابن حزم.
أخذ ابن حزم ﵀ بالظاهر، وأن المنهي عنه هو مس الذكر، لا مس فرج المرأة، وكل ما لا نص في تحريمه، فهو مباح بقوله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾ (٢).
وبحديث: " دعوني ما تركتكم ".
ولكن يقال: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ (٣).
стр. 829
الفصل العاشر الشك بعد الفراغ من الاستنجاء
لو شك بعد الاستنجاء هل غسل ذكره أم لا، وهل مسح ثنتين أم ثلاثاً لم تلزمه إعادته كما لو شك بعد الوضوء (١).
وقد نص الفقهاء على أن الشك بعد الفراغ من العبادة لا يؤثر فيها (٢).
стр. 830
الفصل الحادي عشر نضح الماء على الفرج والسراويل
إذا فرغ من الاستنجاء بالماء استحب له أن ينضح فرجه أو سراويله بشيء من الماء، إن كان الشيطان يريبه كثيراً، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢).
وقيل: يستحب مطلقاً، وهو مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، قطعاً للوسواس.
стр. 831
وقيل: لا ينتضح في الاستنجاء كما لا ينتضح في الاستجمار، وهو رواية عن أحمد (١).
دليل من قال: ينضح فرجه .
الدليل الأول:
(٣٣٦ - ١٨٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد،
عن أبي الحكم أو الحكم بن سفيان الثقفي قال: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم توضأ، ونضح فرجه. قال أحمد: حدثنا أسود بن عامر، قال: قال شريك: سألت أهل الحكم بن سفيان فذكروا أنه لم يدرك النبي ﷺ (٢).
[اختلف في إسناده، وهل هو متصل أم منقطع] (٣).
стр. 832
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 833
وعلى تقدير صحته فليس فيه دليل؛ لأنه يحتمل أن يكون النضح هنا بمعنى الغسل، فيكون إشارة إلى الاستنجاء، كما قال في المذي: توضأ وانضح فرجك كما هو في مسلم سواء بسواء.
стр. 834
الدليل الثاني:
(٣٣٧ - ١٨١) رواه أحمد، قال: ثنا عفان، ثنا: حماد، ثنا علي بن زيد، عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر،
عن عمار بن ياسر، أن رسول الله ﷺ قال: إن من الفطرة - أو الفطرة - المضمضة والاستنشاق وقص الشارب والسواك وتقليم الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط والاستحداد والاختتان والانتضاح.
[ضعيف] (١).
الدليل الثالث:
(٣٣٨ - ١٨٢) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي وأحمد بن أبي عبيد الله السليمي البصري، قالا: حدثنا أبو قتيبة سلم بن قتيبة، عن الحسن بن علي الهاشمي، عن عبد الرحمن الأعرج،
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: جاءني جبريل، فقال: يا محمد إذا توضأت فانتضح (٢).
[إسناده ضعيف] (٣).
стр. 835
الدليل الرابع:
(٣٣٩ - ١٨٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا هيثم -قال عبد الله: وسمعته أنا من الهيثم بن خارجة- حدثنا رشدين بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،
عن أسامة بن زيد عن النبي ﷺ أن جبريل ﵇ لما نزل على النبي ﷺ فعلمه الوضوء، فلما فرغ من وضوئه أخذ حفنة من ماء فرش بها نحو الفرج، قال فكان النبي ﷺ يرش بعد وضوئه.
[إسناده ضعيف] (١).
стр. 836
الدليل الخامس:
(٣٤٠ - ١٨٤) ما رواه أبو داود، قال: أخبرنا قبيصة، أنبأ سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن ابن عباس أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ونضح فرجه.
[إسناده ضعيف] (١).
стр. 837
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 838
الدليل السادس:
(٣٤١ - ١٨٥) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا قيس، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير،
عن جابر قال توضأ رسول الله ﷺ ، فنضح فرجه (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
دليل من قال: لا ينضح فرجه .
الدليل الأول:
القياس على الاستجمار، كما أن الاستجمار لا ينضح الإنسان فرجه، فكذلك الاستنجاء بالماء.
الدليل الثاني:
أن الأحاديث الصحيحة في وضوء رسول الله ﷺ في الصحيحين وغيرها من حديث عثمان وحديث عبد الله بن زيد وغيرهما لم تذكر
стр. 839
النضح، وهي مقدمة على غيرها.
الدليل الثالث:
أن أحاديث النضح في الوضوء لا تخلو من مقال، وبالتالي لو كان النضح ثابتاً لجاء فيه حديث صحيح، ولا أرى في مثل هذه المسألة التي تتكرر أن يتساهل فيها فيصحح النضح بالشواهد، بل كون الأحاديث التي جاءت فيها كلها ضعيفة دليل على ضعف القول.
دليل من قال: ينضح إن كان الشيطان يريبه كثيراً .
رأى أن هذا من العلاج للوسواس، وأن فيه نوعاً من قطع الوسوسة، حتى إذا رابه شيء قال: هذا من الماء، والقول به كعلاج لقطع الوسواس جيد، ومجرب، ولكن لا يقال: إنه سنة، وإنما يفعله لعارض، وإن كان العبد يقدر على دفع الوسوسة بدونه فهو أحب إلي، ومتى ما فتح الإنسان باباً للشيطان أفسد عليه عبادته إما بغلو وإما بتقصير، والله المستعان وحده على شر الشيطان وشركه.
стр. 840
الباب الرابع في الاستجمار
ويشتمل على فصلين:
الفصل الأول: خلاف العلماء في جواز الاستجمار.
الفصل الثاني: في شروط الاستتجمار.
стр. 841
الفصل الأول خلاف العلماء في جواز الاستجمار
اختلف العلماء في جواز الاستجمار بالحجارة:
فقيل: يجوز الاستجمار بالحجارة، ولو مع وجود الماء والقدرة عليه، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١)،مع أن الحجر قد لا ينقي المحل، فلا بد أن يبقى به أثر لا يزيله إلا الماء، وهذا من تيسير الشريعة، ومن التخفيف الذي وضعه الله عن عباده، خاصة أن الإنسان قد يحتاج إلى البول والغائط في مكان لا يوجد فيه ماء، فكان من سعة الله على عبادة أن يسر لهم إزالتها بأي مزيل من أجحار ونحوها.
وقيل: لا يجوز الاستجمار بالحجارة إلا لمن عدم الماء، وادعى أن العمل بالاستجمار قد ترك العمل به، اختاره ابن حبيب من المالكية (٢).
стр. 842
الأدلة على جواز الاستجمار بالحجارة .
الدليل الأول:
(٣٤١ - ١٨٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا محمد بن عجلان، حدثني القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الخلاء فلا تستقبلوها ولا تستدبروها، ولا يستنجي بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة (١).
[إسناده حسن] (٢).
الدليل الثاني:
(٣٤٢ - ١٨٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن مسلم بن قرط، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنهن تجزئ عنه (٣).
стр. 843
[إسناده أرجو أن يكون حسناً] (١).
الدليل الثالث:
(٣٤٣ - ١٨٧) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش ح
وحدثنا يحيى بن يحيى، واللفظ له، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد،
عن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (٢).
الدليل الرابع:
(٣٤٤ - ١٨٨) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا بكر، ثنا عمرو بن هاشم، ثنا الهقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن عثمان بن أبي سودة، عن أبي شعيب الحضرمي،
عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا تغوط أحدكم فليتمسح بثلاثة أحجار، فإن ذلك كافيه (٣).
[إسناده فيه لين إلا أنه صالح في الشواهد] (٤).
стр. 844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 845
الدليل الخامس:
(٣٤٥ - ١٨٩) ما أخرجه الطبراني، كما في مجمع البحرين، قال: حدثنا أحمد، ثنا محمد بن يحيى النيسابوري، ثنا أبو غسان محمد بن يحيى الكناني، حدثني أبي، عن ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، قال: أخبرني ابن خلاد،
أنا أباه سمع من النبي ﷺ يقول: إذا تغوط أحدكم فليتمسح ثلاث مرات.
[إسناده حسن لولا أن فيه يحيى بن علي بن عبد الحميد لم أقف له على ترجمة] (١).
الدليل السادس:
(٣٤٦ - ١٩٠) ما رواه أحمد، قال: ثنا علي بن بحر، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان،
عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثاً (٢).
[إسناده حسن إن كان أبو سفيان سمعه من جابر، ورواه أبو الزبير عن جابر في مسلم، ولم يقل: ثلاثاً] (٣).