← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الفصل الأول خلاف العلماء في جواز الاستجمار اختلف العلماء في جواز الاستجمار بالحجارة: فقيل: يجوز الاستجمار بالحجارة، ولو مع وجود الماء والقدرة عليه، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١)،مع أن الحجر قد لا ينقي المحل، فلا بد أن يبقى به أثر لا يزيله إلا الماء، وهذا من تيسير الشريعة، ومن التخفيف الذي وضعه الله عن عباده، خاصة أن الإنسان قد يحتاج إلى البول والغائط في مكان لا يوجد فيه ماء، فكان من سعة الله على عبادة أن يسر لهم إزالتها بأي مزيل من أجحار ونحوها. وقيل: لا يجوز الاستجمار بالحجارة إلا لمن عدم الماء، وادعى أن العمل بالاستجمار قد ترك العمل به، اختاره ابن حبيب من المالكية (٢).

стр. 842

الأدلة على جواز الاستجمار بالحجارة . الدليل الأول: (٣٤١ - ١٨٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا محمد بن عجلان، حدثني القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الخلاء فلا تستقبلوها ولا تستدبروها، ولا يستنجي بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة (١). [إسناده حسن] (٢). الدليل الثاني: (٣٤٢ - ١٨٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن مسلم بن قرط، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنهن تجزئ عنه (٣).

стр. 843

[إسناده أرجو أن يكون حسناً] (١). الدليل الثالث: (٣٤٣ - ١٨٧) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش ح وحدثنا يحيى بن يحيى، واللفظ له، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (٢). الدليل الرابع: (٣٤٤ - ١٨٨) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا بكر، ثنا عمرو بن هاشم، ثنا الهقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن عثمان بن أبي سودة، عن أبي شعيب الحضرمي، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا تغوط أحدكم فليتمسح بثلاثة أحجار، فإن ذلك كافيه (٣). [إسناده فيه لين إلا أنه صالح في الشواهد] (٤).

стр. 844

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 845

الدليل الخامس: (٣٤٥ - ١٨٩) ما أخرجه الطبراني، كما في مجمع البحرين، قال: حدثنا أحمد، ثنا محمد بن يحيى النيسابوري، ثنا أبو غسان محمد بن يحيى الكناني، حدثني أبي، عن ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، قال: أخبرني ابن خلاد، أنا أباه سمع من النبي ﷺ يقول: إذا تغوط أحدكم فليتمسح ثلاث مرات. [إسناده حسن لولا أن فيه يحيى بن علي بن عبد الحميد لم أقف له على ترجمة] (١). الدليل السادس: (٣٤٦ - ١٩٠) ما رواه أحمد، قال: ثنا علي بن بحر، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثاً (٢). [إسناده حسن إن كان أبو سفيان سمعه من جابر، ورواه أبو الزبير عن جابر في مسلم، ولم يقل: ثلاثاً] (٣).

стр. 846

الدليل السابع: (٣٤٧ - ١٩١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير وعبدة، عن هشام بن عروة، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة، عن خزيمة بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ : الاستطابة بثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع (١). [إسناده فيه لين] (٢).

стр. 847

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 848

الدليل الثامن: ما ثبت من فعله ﷺ أنه اكتفى بالحجارة في الاستنجاء، من ذلك: (٣٤٨ - ١٩٢) ما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل/ حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي، عن أبي هريرة ﵁، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة. فقال: ابغني أحجاراً أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعاماً (١).

стр. 849

الدليل التاسع: (٣٤٩ - ١٩٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة وقال: هذا ركس (١). فلجميع هذه النصوص يجزم المسلم أن الحجارة تكفي في إزالة النجاسة من البول والغائط، وللاستجمار بالحجارة شروط، سوف نذكرها، ونذكر كلام أهل العلم حولها إن شاء الله تعالى في المباحث التالية. دليل من قال: الاستجمار لا يجزي إلا لمن عدم الماء . لا أعلم له دليلاً من السنة على أن الاستنجاء بالحجارة مشروط بعدم القدرة على الماء، وأحاديث الاستجمار مطلقة، وليست مقيدة. قال ابن رشد: لا اختلاف في أن من اكتفى في استنجائه بالأحجار دون الماء، فصلى أن صلاته تامة، ولا إعادة عليه في وقت ولا غيره، لما جاء أن النبي ﵇ سئل عن الاستطابة، فقال: أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار إلا أن الماء أطهر وأطيب، ومن قدر على الجمع بين الأحجار والماء فهو أولى وأحسن (٢).

стр. 850

الفصل الثاني في شروط الاستجمار ويشتمل على ثماني شروط: الشرط الأول: في اشتراط ثلاثة أحجار. الشرط الثاني: أن تكون الأحجار ونحوها طاهرة. الشرط الثالث: أن يكون المستنجى به غير عظم وروث. الشرط الرابع: في اشتراط أن يكون المستجمر به من الأحجار. الشرط الخامس: أن يكون الحجر ونحوه منقياً. الشرط السادس: هل يشترط أن يكون جامداً. الشرط السابع: ألا يكون المستجمر به حممة. الشرط الثامن: أن يكون المستجمر به غير محترم.

стр. 851

الشرط الأول في اشتراط ثلاثة أحجار اختلف الفقهاء هل يشترط في الاستجمار ثلاثة أحجار، أم لا؟ فقيل: لا يجب العدد، بل المعتبر الإنقاء، فكيف حصل أجزأ، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢). وقيل: لا بد من ثلاثة أحجار، فأكثر، وهو مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، واختيار ابن حزم (٥). دليل الحنفية والمالكية على الاكتفاء بحجر واحد . الدليل الأول: (٣٥٠ - ١٩٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن

стр. 852

الأسود، عن أبيه، أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة وقال: هذا ركس (١). وجه الاستدلال: قال الطحاوي: ففي هذا الحديث ما يدل أن النبي ﷺ قعد للغائط في مكان ليس فيه أحجار، لقوله لعبد الله: ناولني ثلاثة أحجار، ولو كان بحضرته من ذلك شيء لما احتاج إلى أن يناوله من غير ذلك المكان، فلما أتاه عبد الله بحجرين وروثة، فألقى الروثة، وأخذ الحجرين، دل ذلك على استعماله الحجرين، وعلى أنه قد رأى أن الاستجمار بهما يجزيء، ولو كان لا يجزيء الاستجمار بما دون الثلاث لما اكتفى بالحجرين، ولأمر عبد الله أن يبغيه ثالثاً، ففي تركه ذلك دليل على اكتفائه بالحجرين (٢). وطريق آخر للاستدلال على جواز الأقل من ثلاثة: أن الرسول ﷺ طلب من ابن مسعود ثلاثة أحجار، فأتاه بحجرين، فإما أن يكون ابن مسعود لم يأته بالثالث، أو أنه أتاه به، وعلى الحالين ففيه دليل على عدم اشتراط ثلاثة أحجار؛ لأنه ﷺ اقتصر في الموضعين على ثلاثة، فحصل لكل منهما أقل من ثلاثة. وأجيب عن هذا الدليل: قالوا: كون الرسول ﷺ لم يطلب حجراً ثالثاً لاحتمال أن يكون اكتفى

стр. 853

بالأمر الأول في طلب ثلاثة أحجار، فلم يجدد الأمر بطلب الثالث، أو اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث؛ لأن المقصود بالثلاث أن يمسح بها ثلاث مسحات، وذلك حاصل ولو بواحد. قال ابن حزم ﵀: وليس في الحديث أنه ﵇ اكتفى بالحجرين، وقد صح أمره ﷺ له أن يأتيه بثلاثة أحجار، فالأمر باق لازم، لابد من إبقائه (١). أما قولكم: إنه استعمل في الموضعين ثلاثة، فحصل لكل منهما أقل من ثلاثة، فيحتمل أن يكون لم يخرج منه شيء إلا من سبيل واحد، خاصة إذا علمنا أن الرسول ﷺ من عادته إذا أراد الغائط أبعد، حتى يستتر عن أعين الناس، بحيث لا يراه أحد، ولم يكن يفعل هذا في البول، فقد بال ﷺ قائماً، وحذيفة عند عقبه، فقول ابن مسعود: " أتى الغائط، فأمرني " ظاهره أنه لم يأمره حتى أتى مكان قضاء الحاجة، وهذا يرجح أنه كان للبول فقط. وقال الحافظ: وعلى تقدير أن يكون خرج منهما، فيحتمل أن يكون اكتفى للقبل بالمسح في الأرض، وللدبر بالثلاثة، أو مسح من كل منهما بطرفين. وأجاب ابن حزم بجواب آخر، وقصر وجوب ثلاثة أحجار للغائط فقط دون البول. قال ﵀: فإن قيل: أمره ﵇ بثلاثة أحجار، هو للغائط والبول معاً، فوقع لكل منهما أقل من ثلاثة أحجار. قلنا: هذا باطل؛ لأن النص ورد بأن لا يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار،

стр. 854

ومسح البول لا يسمى استنجاء (١). وقال ابن حزم أيضاً: فإن بدأ بمخرج البول، أجزأت تلك الأحجار بأعيانها لمخرج الغائط، وإن بدأ بمخرج الغائط لم يجزه من تلك الأحجار إلا ما كان لا رجيع عليه فقط، والله أعلم (٢). (٣٥١ - ١٩٥) وقد روى أحمد ﵀، قال: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس، عن ابن مسعود أن النبي ﷺ ذهب لحاجته، فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار، فجاءه بحجرين وبروثه، فألقى الروثة وقال: إنها ركس ائتني بحجر (٣). [إسناده منقطع] (٤).

стр. 855

الدليل الثاني: (٣٥٢ - ١٩٦) استدلوا بما رواه أحمد، قال: حدثنا سريج بن النعمان، قال: حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا ثور بن يزيد، عن حصين الحبراني، عن أبي سعد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج عليه. ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، ومن أكل بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج (١). [إسناده ضعيف، يرويه مجهول، عن مجهول] (٢).

стр. 856

الدليل الثالث: من النظر، قالوا: إن المقصود من الاستنجاء: هو الإنقاء، فلا معنى لاشتراط الزيادة بالثلاث بعد حصوله، ولهذا لو لم يحصل الإنقاء بالثلاث يزاد عليها إجماعاً، لكونه هو المقصود. وأجيب عن هذا: قولكم: إن المقصود: هو الإنقاء غير صحيح، فلو كان المقصود هو الإنقاء لخلا اشتراط العدد عن فائدة، فلما اشترط العدد لفظا، وعلم الإنقاء به معنى، دل على إيجاب الأمرين، ونظيره العدة بالأقراء، فإن العدد معتبر، ولو تحققت براءة الرحم بقرء. دليل الشافعية والحنابلة على اشتراط الثلاث . الدليل الأول: (٣٥٢ - ١٩٦) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش ح وحدثنا يحيى بن يحيى، واللفظ له، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (١).

стр. 857

وجه الاستدلال: قوله: " نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار" والأصل في النهي التحريم، ولا صارف له عنه. الدليل الثاني: (٣٥٣ - ١٩٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا محمد بن عجلان، حدثني القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الخلاء فلا تستقبلوها ولا تستدبروها، ولا يستنجي بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة (١). [إسناده حسن] (٢). وجه الاستدلال: قوله: " وكان يأمر بثلاثة أحجار" والأصل في الأمر الوجوب، ولا صارف له عنه. الدليل الثالث: (٣٥٤ - ١٩٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن مسلم بن قرط، عن عروة بن الزبير،

стр. 858

عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنهن تجزئ عنه (١). [إسناده أرجو أن يكون حسناً] (٢). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : فليذهب معه بثلاثة أحجار. فهذا أمر، والأصل فيه الوجوب. الدليل الرابع: (٣٥٥ - ١٩٩) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا بكر، ثنا عمرو بن هاشم، ثنا الهقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن عثمان بن أبي سودة، عن أبي شعيب الحضرمي، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا تغوط أحدكم فليتمسح بثلاثة أحجار، فإن ذلك كافيه (٣). [إسناده فيه لين إلا أنه صالح في الشواهد] (٤). الدليل الخامس: (٣٥٦ - ٢٠٠) ما أخرجه الطبراني، كما في مجمع البحرين، قال: حدثنا أحمد، ثنا محمد بن يحيى النيسابوري، ثنا أبو غسان محمد بن يحيى الكناني،

стр. 859

حدثني أبي، عن ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، قال: أخبرني ابن خلاد، أنا أباه سمع من النبي ﷺ يقول: إذا تغوط أحدكم فليتمسح ثلاث مرات. [إسناده حسن لولا أن فيه يحيى بن علي بن عبد الحميد لم أقف له على ترجمة] (١). الدليل السادس: (٣٥٧ - ٢٠١) ما رواه أحمد، قال: ثنا علي بن بحر، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثاً (٢). [إسناده حسن إن كان أبو سفيان سمعه من جابر، ورواه أبو الزبير عن جابر في مسلم، ولم يقل: ثلاثاً] (٣). الدليل السابع: (٣٥٨ - ٢٠٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير وعبدة، عن هشام بن عروة، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة، عن خزيمة بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ : الاستطابة بثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع (٤).

стр. 860

[إسناده فيه لين] (١). الدليل الثامن: من النظر، قالوا: ليس الحجر كالماء، إذا أنقى كفى؛ لأن الماء يزيل العين والأثر فدلالته قطعية، فلم يحتج إلى الاستظهار بالعدد، وأما الحجر فلا يزيل الأثر، وإنما يفيد الطهارة ظاهراً لا قطعاً، فاشترط فيه العدد (٢). جواب الحنفية والمالكية عن أدلة الشافعية والحنابلة: أجابوا عن الأحاديث السابقة بأن ذكر الأحجار الثلاثة خرجت مخرج الغالب والعادة؛ لأن النقاء يحصل بها غالباً، أو أن الثلاثة تحمل على الكمال والاستحباب (٣). وقال ابن الهمام: وما رووه من الأحاديث متروك ظاهرها، فإنه لو استنجى بحجر واحد له ثلاثة أحرف جاز بالإجماع (٤). ويجاب عن هذا: بأن حمل الأحاديث على الاستحباب خلاف الأصل، لإن الأصل في الأمر الوجوب، وفي النهي التحريم. كما أن القول بأنها خرجت مخرج الغالب يحتاج إلى دليل، وكما قلنا سابقاً، لما كان الماء يطهر طهارة كاملة، لم يشترط عدد، ولما كانت الحجارة

стр. 861

يبقى منها أثر معفو عنه، اشترط لحصول العفو عن هذا النجاسة عدد معين، وهو ثلاثة أحجار. أما قولكم: إن الأحاديث التي تنص على ثلاثة أحجار متروك ظاهرها بالإجماع كما لو استنجى بحجر واحد له ثلاث شعب. فيقال: حكاية الإجماع ليست دقيقة، فإن ابن المنذر وابن حزم يريان وجوب ثلاثة أحجار، ولا يكفي ثلاث مسحات بحجر واحد له شعب. وعلى التنزل فمن تمسح بثلاث مسحات لا يكون بمنزلة من تمسح بحجر واحد مرة واحدة. فالقول الراجح أنه لا بد من ثلاثة أحجار أو ثلاثة مسحات، والله أعلم.

стр. 862

المبحث الأول في الاكتفاء بحجر واحد له ثلاث شعب اختلف القائلون باشتراط ثلاثة أحجار، هل المطلوب ثلاث مسحات، بحيث يكفي الحجر الواحد إذا كان ذا ثلاث شعب، أو لا بد من ثلاثة أحجار. فقيل: يكفي الحجر الواحد إذا كان له ثلاث شعب، وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢). وقيل: لا بد من ثلاثة أحجار مطلقاً، هو رواية عن أحمد (٣)، واختاره ابن المنذر (٤)، ورجحه ابن حزم (٥). دليل من قال: يكفي حجر واحد له ثلاث شعب . قالوا: إن الشارع لما نص على ثلاثة الأحجار أراد من المستجمر ألا يتكفي بمسح المحل مرة واحدة، بل يكرر المسح ثلاث مرات، فكان المعنى ثلاثة أحجار: أي ثلاث مسحات، وإذا كان ذلك كذلك كان هذا حاصلاً ولو بحجر واحد، والدليل على صحته أنه لو مسح بطرف واحد وروماه، ثم

стр. 863

جاء شخص آخر، فمسح بطرفه الآخر لأجزأهما بلا خلاف، واعتبر لكل واحد منهما مسحة. وأيضاً لو استجمر، ثم كسر المتنجس منها، واستجمر به ثانية لعد حجرين، وكذا لو غسله، ثم استنجى به. دليل من قال: لا بد من ثلاثة أحجار . الدليل الأول: حديث سلمان ﵁: " ونهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار" فمن استنجى بحجر واحد ثلاث مسحات يكون قد استنجى بحجر واحد، وقد وقع في ما نهى عنه رسول الله ﷺ ، ولو كان المقصود ثلاث مسحات لجاء بها النص، والرسول ﷺ أعطي جوامع الكلم، فلما لم يأت نص بالتعبير بالمسح، لزم الأخذ بظاهر النص، وأنه لا بد من ثلاثة أحجار. الدليل الثاني: قال ابن المنذر: ليس يخلو الأمر بثلاثة أحجار من أحد أمرين: إما أن يكون أريد بها إزالة نجاسة، فإن كان هكذا فبما أزيلت النجاسة يجزي بحجر وغير حجر ولو أزيلت بحجر واحد. أو يكون عبادة فلا يجزي أقل من العدد. أو معنى ثالثاً. فيقال: أريد بها إزالة نجاسة وعبادة، فلما بطل المعنى الأول لم يبق إلا هذان المعنيان، ولا يجزي في واحد من المعنيين إلا بثلاثة أحجار؛ لأن العبادات لا يجوز أن ينتقص عددها، والخبر يدل على صحة ما قاله هذا القائل، وذلك موجود في حديث سلمان: "لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار" وكلما أمر الناس بعدد شيء لم يجز أقل منه، ولا يجزي أن أن ترمي الجمرة مع سبع

стр. 864

حصيات، مع أن قول رسول الله ﷺ مستغنى به عن غيره، ولا تأويل لما قال: " لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار " لمتأول معه (١). وهذا الكلام جيد، إلا أن قياسه على الرمي فيه نظر، فالرمي عبادة غير معقولة المعنى، بخلاف إزالة النجاسة. فالراجح مذهب الشافعية والحنابلة، وأن المقصود من ثلاثة الأحجار تكرار المسح ثلاث مرات، كما أن المعتبر بقطع الاستنجاء على وتر إنما هو في المسح، وليس في عدد الأحجار، فلو مسح المستنجي ست مرات من ثلاثة أحجار لم يكن قد أتى بسنة الإيتار، لأن الإيتار المقصود به في عدد المسحات، لا عدد الأحجار، والله أعلم.

стр. 865

الشرط الثاني أن تكون الأحجار ونحوها طاهرة يشترط في ما يستجمر به أن يكون طاهراً، لا نجساً، ولا متنجساً (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وقيل: يجزئ الاستجمار بكل ما يزيل العين من طاهر ونجس، وهو مذهب الحنفية (٥)، وقول للإمام

стр. 866

الطبري ﵀ (١)، واختاره ابن تيمية (٢). الدليل على اشتراط الطهارة . الدليل الأول: (٣٥٩ - ٢٠٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (٣). وجه الاستدلال: قوله: هذا ركس. فإن معنى الركس في اللغة يحتمل أمرين:

стр. 867

الأول: الركس بمعنى: الرجيع. والثاني: الركس بمعنى: النجس. فعلل النبي ﷺ تركه بأنه رجس. وقد قال بعضهم: ليس في الحديث دليل على اشتراط الطهارة، وإنما فيه ترك الاستنجاء بالروث، ولا يلزم من ذلك النجاسة، كما لم يلزم من تركه الاستنجاء بالعظم والمحترمات. فأجاب النووي بقوله: إن الاعتماد في الاستدلال على قوله ﷺ : إنها ركس" وليس على مجرد تركه الاستنجاء بها، قال: ولا يجوز أن يحمل على أنه مجرد إخبار بأنها رجيع، فإن ذلك إخبار بالمعلوم، فيؤدي الحمل عليه إلى خلو الكلام عن فائدة، فوجب حمل الكلام على ما ذكرناه من تفسير الركس بمعنى: النجس (١). الدليل الثاني: (٣٦٠ - ٢٠٤) ما رواه الدارقطني، من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، نا سلمة بن رجاء، عن الحسن بن فرات القزاز، عن أبيه، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة، قال: إن النبي ﷺ نهى أن يستنجى بروث أو عظم، وقال: إنهما لا يطهران (٢). [إسناده ضعيف] (٣).

стр. 868

الدليل الثالث: من جهة النظر، قالوا: إن النجس: نجس في نفسه، فلا يمكن أن يطهر غيره. الدليل الرابع: قالوا: إن الاستجمار رخصة عندهم؛ لأن الأصل في إزالة النجاسة هو الماء، والرخصة لا تحصل بحرام، يعني: بملابسة النجاسة. والصحيح أن الاستجمار على وفق القياس، وليس هو رخصة، لأن إزالة النجاسة إذا أزيلت بأي مزيل زال حكمها، ولا يختص هذا في محل الاستجمار، كما قدمنا في دلك النعل بالتراب (١)، وفي تطهير ذيل المرأة (٢)، ونحوهما. دليل من قال: يجزئ الاستجمار بكل مزيل ولو كان نجساً . قالوا: إن النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها، وحديث ابن مسعود غايته عدم الاستنجاء بالنجس، لكن إذا استنجى فقد طهر مع الإثم، لكن لا يمكننا الحكم بنجاسة المحل، وقد ارتفعت النجاسة، فالنهي والصحة غير متلازمين، فقد تجتمع الصحة والتحريم. وهذا القول فيه قوة، ولا يقال هذا القول ابتداء، لكن لو استنجى أحد بما نهي عن الاستنجاء به، وجاء يسأل هل يجزؤه ذلك؟ قلنا: يجزؤك، ولا تعد.

стр. 869

الشرط الثالث أن يكون المستنجى به غير عظم وروث لا يستنجي بعظم، ولا روث، وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وابن حزم من الظاهرية (٣). وقيل: يستنجي بهما، وهو اختيار أشهب من المالكية (٤). وقيل: لا يستنجي بهما، وإن خالف واستنجى أجزأه، وهو مذهب الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، وابن تيمية من الحنابلة (٧).

стр. 870

دليل من قال: لا يستنجي بعظم وروث . الدليل الأول: (٣٦١ - ٢٠٥) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (١). الدليل الثاني: (٣٦٢ - ٢٠٦) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش ح وحدثنا يحيى بن يحيى، واللفظ له، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (٢).

стр. 871

الدليل الثالث: (٣٦٣ - ٢٠٧) ما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل/ حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي، عن أبي هريرة ﵁، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة. فقال: ابغني أحجاراً أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعاماً (١). الدليل الرابع: (٣٦٤ - ٢٠٨) ما رواه مسلم، قال: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا زكرياء بن إسحق، حدثنا أبو الزبير، أنه سمع جابراً يقول: نهى رسول الله ﷺ أن يتمسح بعظم أو ببعر (٢). الدليل الخامس: (٣٦٥ - ٢٠٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا محمد بن عجلان، حدثني القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح،

стр. 872

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الخلاء فلا تستقبلوها ولا تستدبروها، ولا يستنجي بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة (١). [إسناده حسن] (٢). قال الطحاوي: الرمة: العظام. الدليل السادس: (٣٦٦ - ٢١٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن غيلان، قال: حدثنا المفضل، قال: حدثني عياش بن عباس، أن شييم بن بيتان أخبره، أنه سمع شيبان القتباني يقول: استخلف مسلمة بن مخلد رويفع بن ثابت الأنصاري على أسفل الأرض، قال: فسرنا معه قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي، فأخبر الناس أنه من عقد لحيته، أو تقلد وتراً، أو استنجى برجيع دابة أو بعظم فإن محمداً ﷺ بريء منه (٣). [إسناده ضعيف] (٤).

стр. 873

الدليل السابع: (٣٦٧ - ٢١١) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني

стр. 874

عبد الكريم بن أبي المخارق، أن الوليد بن مالك بن عبد القيس أخبره، أن محمد بن قيس مولى سهل بن حنيف أخبره، أن سهل بن حنيف أخبره، أن رسول الله ﷺ قال له: أنت رسولي إلى أهل مكة. قل: إن رسول الله ﷺ أرسلني يقرأ السلام عليكم، ويأمركم بثلاث لا تحلفوا بغير الله، وإذا تخليتم فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولا تستنجوا بعظم ولا ببعرة (١). [إسناده ضعيف جداً] (٢). والعلة في النهي: إما أن يكون الروث والعظم طاهرين، أو نجسين:

стр. 875

(٣٦٨ - ٢١٢) فإن كانا طاهرين، فالعلة فيهما ما رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، عن داود، عن عامر قال: سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل. قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما طعام إخوانكم (١). فإن كان العظم والروث طاهرين، فعلة النهي أنهما طعام إخواننا من الجن وطعام دوابهم. (٣٦٩ - ٢١٣) وإن كان العظم والروث نجسين، فالعلة ماروه البخاي ما ورد في حديث ابن مسعود ﵁، قال: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا

стр. 876

ركس (١). وسقنا إسناده في أول دليل في مسألتنا هذه. فقوله ﷺ : هذا ركس: أي نجس كما بيناه من قبل، ولا ينبغي أن يفسر الركس بمعنى الرجيع،، فإن ذلك إخبار بالمعلوم، فيؤدي الحمل عليه إلى خلو الكلام من فائدة، والله أعلم. دليل من قال: يجوز الاستنجاء بالعظم والروث . لا أعلم له دليلاً، وقد صرح أشهب بأنه لا يعلم فيه نهياً، وهذا دليل على أنه لم يبلغه النهي، ولو بلغه لقال به، لأن النهي ثابت في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة وابن مسعود وغيرهما كما سقناه في أدلة القول الأول. دليل من قال: لا يستنجي، وإذا استنجى أجزأ . قالوا: إن كان العظم والروث طعام إخواننا من الجن، فإن هذا لا يمنع من صحة الاستنجاء، كما لو استنجى بثوب غيره، فكون اعتدى على ثوب غيره لم يمنع من الاستنجاء به، وإن كان العظم والروث نجسين فإن هذا أيضاً لا يمنع من صحة الاستنجاء، لإن العظم نجاسته لا تتعدى كما لو كان خالياً من الرطوبة، وكذلك البعر الناشف لا تتعدى نجاسته إلى البدن، فهو يزيل النجاسة، ولا ينجس غيره، وبالتالي فإن النهي عن الاستنجاء منهما منفك عن كونهما ينظفان المحل، وكيف نحكم على المحل بالنجاسة وقد زالت عينها.

стр. 877

فرع النهي عن العظام والروث للكراهة أو للتحريم اختلف الفقهاء هل النهي عن الاستجمار بالروث والعظام هل هو للكراهة أم للتحريم؟ فقيل: يكره، اختاره بعض الحنفية (١). وقيل: يكره في العظم والروث الطاهرين، وهو مذهب المالكية (٢). وقيل: يحرم، اختاره بعض الحنفية (٣)، واختاره أيضاً بعض المالكية (٤)، وهو مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦).

стр. 878

دليل من قال: يكره . قالوا: إن الأصل في النهي التحريم، لكن مقتضى التعليل بأنه زاد إخواننا من الجن جعلنا نحمل النهي على أنه مكروه، وليس بمحرم. دليل من قال: يحرم . قالوا: الأصل في النهي التحريم، ولا توجد قرينة صارفة للنهي عن هذا الأصل. بل قالوا: إن مقتضى التعليل يقتضي التحريم؛ لأن العظم والروث لما كان طعام إخواننا من الجن، كان في الاستنجاء به، تعد وإفساد له، أما التعدي فظاهر، فلأن كل عظم وروث جعل من طعامهم وطعام دوابهم، فكانوا أحق به. وأما الإفساد، فلأن هذا الطعام إذا استنجي به أدى إلى إفساده عليهم، وما جمع بين التعدي والإفساد كيف لا يكون حراماً. دليل من قال: يكره إن كان العظم والروث طاهرين ويحرم إن كانا نجسين . لعلهم سبب التفريق عندهم إن العظم والروث إن كانا طاهرين كان في الاستنجاء به ملابسة النجاسة، وهي مكروهة عندهم، بخلاف ما إذا كانا طاهرين. ولو عكسوا لم يبعدوا، لأن العظم والروث إن كانا نجسين فاستعمال النجاسة على وجه لا يتعدى لا يمنع منه، كما انتفع من شحم الميتة، فإنه يطلى به السفن ويدهن به الجلود ويستصبح به الناس كما في حديث جابر

стр. 879

المتفق عليه. (٣٧٠ - ٢١٤) فقد روى البخاري، قال: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح، وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه، ورواه مسلم (١). وأما إذا كان العظم والروث طاهرين فإن فيه كما بينا سابقاً تعدياً وإفساداً فينبغي أن يكون حراماً، لو قيل هذا لم يبعد. الراجح أن النهي للتحريم، لأنه الأصل في نهي رسول الله ﷺ ، وإذا خالف، واستنجى به، فهل يجزؤه أم لا؟ أما القائلون بالكراهة فظاهر، وأما القائلون بالتحريم فهل يصح أم لا فيه خلاف بيناه في مسألة مستقلة في اشتراط أن يكون المستنجى به طاهراً، وفي ما سبق من الفصول، والله أعلم.

стр. 880

الشرط الرابع في اشتراط أن يكون المستجمر به من الأحجار اختلف الفقهاء هل يشترط أن يكون الاستجمار من الأحجار، أو يجوز أن يكون من الخشب والورق ونحوهما؟ فقيل: يجوز الاستجمار بكل طاهر منق من حجر أو ورق أو خشب ونحوها، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وقيل: لا يجوز إلا الماء أو الأحجار ونحوها مما هو من جنس الأرض، ولا يجوز بالورق والخشب وغيرها من غير جنس الأحجار، وهو اختيار أصبغ من المالكية (٥)، وابن حزم من الظاهرية (٦).
следующие страницы →