← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17128

اللباب «شرح فصول الآداب»

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (352 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تشريف, وهنا لم يجيء أن نور الله إضافة تشريف, فيكون من إضافة الشيء إلى خالقه وموجده, يعني أن الله جعله نوراً, فيستحيل الشيب على الصراط نوراً, وهذا جزء من النور الذي يكون على الصراط, الذي يُعطاه أهل الإيمان. قوله: (وهو أيضاً نذير الموت ..... وهو وقار). كل هؤلاء الأربع لا أحفظ أنه صح فيها خبر عن النبي ﷺ , وإنما هي بالنظر إلى الحال, وقد فُسِّر قوله تعالى: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (١) بأنه الشيب, وأيضاً في هذا التفسير نظر, بل النذير هو الرسول, وقد يشيب الإنسان في سن مبكرة فيكون قوي الآلات والأعضاء فلا يكون على إطلاقه نذير موت, وقد يتأخر الشيب في شخص مع وهن الأعضاء وضعف البنية، وتعبير المؤلف بالغالب. قوله: (ويكره حلق القفا ....... كذلك روي في السنن)

стр. 107

مراد المؤلف في السنن يعني الأخبار الواردة عن النبي ﵊, وهناك خبر في النهي عن القزع في الصحيحين (١) , وأما النهي عن حلق القفا فلا يصح فيه خبر. وأما شعر الرأس وأحكامه, فالأصل جواز توفير شعر الرأس, وقد اختلف في توفيره وتوفيته وإكثاره, فقال بعض أهل العلم أنه سنة, بشرط الإكرام والتعاهد, وقالوا أيضاً بشرط أن يكون الإكرام والتعاهد غبّاً؛ (٢) لأن النبي ﷺ صح عنه أنه نهى عن الترجل إلا غبّاً, والمراد بالترجل أن يزين

стр. 108

الإنسان شعره باستخدام الدهن وما يصلح الشعر, أما مجرد التسريح فيجوز في كل وقت للّحية والرأس. والمراد بالترجل في ألفاظ الحديث النبوي وألفاظ الفقهاء هو: استعمال مادة لإصلاح الشعر من دهن أو نحوه, وأما مجرد استعمال المشط فلا يسمى ترجلاً. وهذا أحد الأقوال المنقولة عن الإمام أحمد, وقال: إنه سنة ولكن له مؤنة وكلفة, وقد كان النبي ﷺ يوفر شعره، وهذه حجة من قال أن توفير الشعر سنة. وكان ﷺ يفرقه من الوسط, وكان يتعاهده بنفسه أو بأهله, كما في خبر عائشة في قصة اعتكافه ﵊, حينما كانت ترجل شعره وهو في المسجد (١) , وقالوا: أنه لم يعهد عنه حلقه إلا في حج أو عمرة, وهذه حجة من اشترط الإكرام، وقالوا أيضاً: أنه قد كان لبعض أصحابه لمّة كأبي قتادة وغيره.

стр. 109

وقال بعضهم: ليس بسنة, والنبي ﷺ مشى على عادة العرب في اتخاذ الشعر, فهو يحكمه العادات. لكن السنة جاءت بضوابط في إكرامه ودهنه وتنظيفه وألا يكون ثائراً, ولم تجيء قط بالأمر بتوفيته وإصلاحه وما أشبه ذلك, إنما جاءت بأنه إذا اُتخذ فإنه يفعل به كذا وكذا, وفي الحديث: «من كان له شعر فليكرمه» (١) وهو حديث لا بأس به، وقد بسطت الكلام عليه وتخريجه في شرح منتقى الأخبار يسر الله إتمامه. ونهي الرسول ﷺ عن الترجل إلا غبّاً (٢) , يدل على هذا الشيء, وكان لأبي قتادة لمّة كبيرة فاستأذن النبي ﷺ أن يتعاهدها يوميّاً، فأذن له، لأنه كان إذا تعاهدها غبّاً أسرع إليها الشعث, فقيل أنه أذن له لذلك, وقد رواه النسائي من طريق محمد بن المنكدر عن أبي قتادة، وقيل لم يسمع منه مع أن في متنه اختلافاً .. وقد روي عن أحمد ﵀ أن توفير الشعر عن

стр. 110

بضعة عشر رجلاً من أصحاب النبي ﷺ ولكن نقول أن من وفّره بنية اتباع النبي وأصحابه فإنه لا يلام على ذلك, ولكن إن كان شعاراً لأهل الفسق فينبغي مخالفته؛ لأنها لم تثبت بها سنة صريحة، وتغلب جانب المفسدة إذا تحققت. فحينئذٍ يكره ترك الشعر وقد نص على مثل هذا ابن عبد البر ﵀ في التمهيد وغيره من أهل العلم, قال ابن عبد البر: وإنما توفية الشعر وإكثاره في عصرنا, إنما هو لأهل الفسق والمجون. (١) وأما بالنسبة لحكم حلق الشعر، فقد اختلف فيه أهل العلم - رحمهم الله تعالى - وقد قسّم أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الحلق إلى أقسام: القسم الأول: هو حلق الرأس على وجه التدين والتعبد والزهد من غير حج ولا عمرة أو عند التوبه فهذا ونحوه من البدع. القسم الثاني: حلقه في نسك الحج أو العمرة, فيكون مخيراً فيها بين الحلق وبين التقصير, وهذا واجب، وقربة.

стр. 111

القسم الثالث: ما تدعو إليه الحاجة؛ كحجامة, أو تداو بالحلق, أو ما أشبه ذلك, فهذا مباح. القسم الرابع: حلقه لغير حاجة فمن أهل العلم من كره حلق الرأس والمواظبة عليه, وهذا مشهور مذهب مالك, واستدل بأن الخوارج سيماهم التسبيد, أي التحليق, وكانوا يواظبون عليه, ولما جاء ذو الخويصرة التميمي, وكان كث اللحية, محلوق الرأس, وقال النبي ﷺ : «يخرج من ضئضئ هذا الرجل» أي من أصله أناس يتشبهون به, وقد خرج الخوارج بهذا الشيء, ولما أمر النبي ﷺ بمقاتلتهم، قال: «تمرق مارقة على حين فرقة من الدين (١) سيماهم التحليق، أي يلزمونه, وقيل يوجبونه ويتعاهدون رؤوسهم دائماً بالحلق, ومن هنا كرهه الإمام مالك. وجمهور أهل العلم على جواز الحلق بلا حاجة، واحتجوا بما سيأتي من كونه ﷺ نهى عن القزع, كما في حديث ابن عمر في الصحيحين (٢) , وفسره نافع أن يحلق بعض شعر رأس الصبي ويترك البعض, فدل على أن القزع المحرم أن يحلق بعض الشعر ويترك بعضه, وأما إذا حلقه كله أو تركه

стр. 112

كله فمباح, فدل على أن الحلق كلياً مباح, وهذا هو الصحيح, لكن المواظبة على الحلق من غير حاجة ولا تداو ولا مصلحة تعود إلى الشخص ينبغي تركها, إنما يفعله للحاجة. وأما حكم حلق بعض الرأس وترك البعض, فقد ثبت في الصحيحين من غير وجه من حديث ابن عمر، من طريق نافع مولى ابن عمر، عنه، ومن طريق مالك، عن عبد الله بن دينار، عنه: أن النبي ﷺ نهى عن القزع. (١) والقزع مأخوذ من القزعة, وهي السحابة المنفردة في السماء, ومنه قول أنس في حديث الاستسقاء: والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، فخرجت سحابة من خلف سلع، ثم توسطت السماء ثم رعدت. (٢) الحديث. فالقزع مثل ما فسره نافع، هو: أن يحلق بعض شعر الصبي ويترك البعض. وأجمع العلماء على كراهيته ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة, واختلف في علة الكراهة:

стр. 113

فقيل: أنه يشوه الخلقة, وقيل: أنه زي الشيطان وصفته, وقيل: أنه من زي اليهود, وعلى هذه العلة الأخيرة يكون القزع من التشبه بالكفرة. وصورة القزع: هو: أن يحلق بعض الرأس ويترك البعض, ففي أي بقعة وقع الحلق مع ترك الباقي فهذا قزع, سواءً كان هذا المحلوق هو وسط الرأس وترك الجانبين, أو كان المحلوق الجانبين وترك الوسط, أو كان المحلوق من الأمام وترك الخلف, أو كان المحلوق من الخلف وترك الأمام, أو غير ذلك مما يكون فيه حلق البعض وترك البعض, فهذا كله من القزع المنهي عنه. والمراد بالقزع المنهي عنه: أن يكون هناك استئصال للشعر, أو قريب منه. ومما يكون من ذلك ما ذكر المؤلف، بقوله: (ويكره حلق القفا). والصحيح أنه يحرم إلا لحاجة كالتخلص من أذى الشعر وحركته على الملابس، وأما لغير حاجة فكما أنه ارتكاب للنهي, ففيه أيضاً مشابهة للمجوس، على ما قيل وقد قيل أن المجوس يحلقون القفا, فهذا لا يجوز؛ إلا إذا كان الإنسان يداوي بعض رأسه بالحجامة أو نحوها. وعلم بهذا أن كثيراً من قصات الشعر الموجودة التي يفعلها كثير من الشباب, داخلة في القزع المحرم, ومنها القصة المشهورة التي تسمى

стр. 114

(الكابوريا) وهي التي يحلق أطراف الشعر من الصدغين والقفا, ويترك الوسط؛ كما أن القزع المحرم فيه تشبه بالكفرة, فهي جاءت من النصارى, فحينئذٍ تكون فيها مفسدتان. أما ما يتعلق بأحكام شعر الرأس بالنسبة للمرأة، فإنه لا يتأتى فيها مسألة الحلق, وقد اختلف العلماء في حلق المرأة رأسها, ونقول: من أهل العلم من رأى جواز حلق شعر رأس المرأة عند الحاجة التي لا تصل إلى الضرورة, والصحيح أن المرأة لا يجوز لها أن تحلق رأسها. وقد جاء في حديث خلاس بن عمرو، عن علي: أن النبي ﷺ نهى أن تحلق المرأة رأسها. (١) ولكن إسناده منقطع. ولهذا فالمرأة في الحج والعمرة تقصر من شعرها تقصيرا يسيرا أيضاً, ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الحيض: أن نساء النبي ﵊ لما مات قصصن رؤوسهن كالوفرة. (٢) والوفرة هي الشعر الذي يضرب الأذنين, والجمة الشعر الذي يضرب إلى المنكبين, ومن هنا اختلف أهل العلم في قص المرأة شعر رأسها.

стр. 115

فقال بعضهم: لا يجوز مطلقاً, وهذا اختيار صاحب كتاب المستوعب من الحنابلة. وقال بعضهم: يجوز مع الكراهة, واستدلوا بفعل أزواج النبي ﵊، حينما قصصن شعورهن كالوفرة. وهن فعلنه للحاجة, ولأنهن أيِسنَ من الأزواج بعد النبي ﵊, فهن أزواجه في الآخرة, ولا سبيل لهن إلى الزواج في الدنيا بعد موته , والشعر له كلفة ومؤونة، ولكن لا يتجاوز حد الوفرة، ولا يصل إلى حد شعر الرجال, وعليه فهو جائز إلى هذا الحد, لا سيما إذا دعت الحاجة إلى ذلك, ومن الحاجة كثرة الشعر, وتشعثه, وخروج رائحة منه, وقشرة، وما أشبه ذلك, وإلا فالأولى ألا تفعل, وأما فعل أزواج النبي ﷺ فالظاهر أنه كان يشق عليهن توفير الشعر, وليس حال الناس فيما مضى كالحال الآن, فالآن يمكن القضاء على هذه الآفات بالمستحضرات والغسل المتكرر, هذا إذا تجرد القص عن العلة المحرمة, فأما إذا كان القص مشابهةً لكافرة معينة, أو للكوافر بعامة, أو للفواسق, فهذا لا يجوز, لما فيه من التشبه. ومن أهل العلم من قال: إن الوفرة هي ما وصل إلى المنكبين, وقال: إن شعر المرأة لا يجوز أن يكون أنقص من المنكبين.

стр. 116

ولكن جمهور أهل اللغة على أن الوفرة هي إلى شحمة الأذن, وهذا مذهب جمهور أهل اللغة. وأجاز بعض الحنابلة أن تقص المرأة شعرها من الأمام فقط، وتتركه من الخلف، لدعاء الحاجة لذلك, حتى لا ينزل على جبهتها ووجهها, والصحيح في مسألة قص الشعر من الأمام إذا دعت الحاجة إليه بالنسبة للمرأة، أنه لا بأس به؛ لأنه قد يؤذيها بكثرة سقوطه على وجهها, فتحتاج إلى كفّه.

стр. 117

فَصْلٌ وَلَا يَنْبَغِيْ لِأَحَدٍ أَنْ يَهْجُمَ عَلَى أَقَارِبٍ أَوْ أَجَانِبٍ؛ لِئَلَّا يُصَادِفَ بَذْلَةً مِنْ كَشْفِ عَوْرَةٍ. وَيَسْتَأْذِنُ ثَلَاثَاً، فَإِنْ أُذِنَ لَهُ وَإِلَّا رَجَعَ. (فصل: ولا ينبغي لأحد أن يهجم ....... وإلا رجع). هذا الفصل يتعلق بمسألة الاستئذان. والاستئذان طلب الإذن من أجل الدخول في البيوت، والمحالّ التي يستتر فيها الناس كالحُجر, والأبنية, والمجالس المستورة, ومثله في عصرنا الاستراحات وما أشبه ذلك, فالأصل أن الإنسان لا يتقحم بيت غيره, ولا مكاناً يستتر به الناس عادة، سواء كان هذا المستتر واحداً أو جماعة إلا بإذن, وهذا الإذن إما أن يكون إذناً صريحاً, أو إذناً جرت به العادة. فالإذن الصريح: بأن يسمح صاحب الدار بكلام, أو إرسال من يأذن له، ثم الإتيان فوراً. والعرفي: كأن يكون الباب مفتوحاً وقد سبق له سماح بالقدوم.

стр. 118

وأما فتح الباب من دون سبق إذن بالدخول فلا يبيح الدخول, فإن بعض الناس قد يفتح بابه, فهذا لا يعني جواز الدخول, ولا يعني جواز النظر أيضاً. وقال بعض الناس: أن الإنسان إذا فتح باب داره, فيجوز للمار أن ينظر؛ لأنه لا ينظر من ثقب الباب, بل ينظر والباب مفتوح، وليس هذا بصحيح فلا يجوز النظر للعورة، ولو كانت مكشوفة في الشارع, فكيف وهي في البيت، وأما الدخول فمتفقون على أنه لا يدخل إلا باستئذان, سواءً كان الباب مفتوحاً أو مغلقاً. وقد ثبت في السنة: أن الإنسان إذا أتى دار غيره أن يستأذن ثلاث مرات من أجل أن يسمع أهل الدار, وينظروا في الأمر ويتأملوا, فإن شاؤوا بعد الثالثة سمحوا بالدخول, وإن شاؤوا سكتوا, وعلى الذي في الخارج أن يرجع, كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ (١) وصفة الاستئذان: إن كان الإنسان قريباً يسمع الكلام أن يقول: السلام عليكم يا فلان أأدخل؟ ثلاث مرات, ويفرق بينها, فإن لم يجد جواباً فليرجع, وإن لم يكن أهل الدار قريبين والباب مقفل أو به جرس فبالدق بحيث يغلب على الظن أن أهل الدار يسمعون, وقد روى أبو

стр. 119

داود في باب الاستئذان بالدق (١) في سننه, فهذا يجري مجرى الاستئذان, وجرت به العادة في هذه الأعصار وقبلها بأزمنة, بل وجد في عهد الصحابة أن طرق الباب يؤذن بأن شخصاً عند الباب, فيضربه ثلاث مرات متفرقة, فالمرة الثالثة إن لم يؤذن له فينصرف, وحينئذٍ يجب الانصراف ويحرم أن يزيد رابعة ,ويجب على الإنسان إذا سئل عن اسمه وهو يستأذن على أهل البيت، أن يصرح باسمه, ولا يقول: أنا, وقد استأذن جابر مرةً على النبي ﷺ ، فقال: «من»؟ , فقال: أنا, فقال: "أنا أنا", فكأنه كرهها. (٢)؛ لأنه لا يحصل بها التعريف, فإن (أنا) تصدُق على جميع الناس، فلا يقول الإنسان: أنا, بل يقول: أنا فلان, وإن كان معروفاً بصوته، لأجل أنه قد تختلط الأصوات على صاحب المكان، وصح عن أبي موسى ﵁: أنه أتى عمر، فاستأذن ثلاثاً، فقال: يستأذن أبو موسى، يستأذن الأشعري، يستأذن عبد الله بن قيس. فلم يؤذن له، فرجع، فبعث إليه عمر ما ردك، قال: قال رسول الله ﷺ : «يستأذن أحدكم ثلاثاً فإن أذن له وإلا فليرجع» (٣)

стр. 120

يعني أتى بالاسم والكنية واللقب, هذا ما يتعلق بالاستئذان من خارج البيوت. أما بالنسبة للاستئذان من داخل البيوت: فهو أشد على أهل الدار, وقد يقال أيضاً: الاستئذان من الخارج أشد؛ لأجل أنه أجنبي. واستئذان أهل الدار بعضهم على بعض, هذا جاء في قوله تعالى في سورة النور: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)﴾ (١) ثم قال تعالى في الآية التي بعدها: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)﴾ (٢) هذه الآية دلت على وجوب الاستئذان داخل الدور إذا كان للشخص مكان خاص ليس مفتوحاً؛ كالصالة أو نحوها, يجب أن يعلم الولد أدب الاستئذان, فالذي لم يبلغ يستأذن في هذه الأوقات الثلاثة,

стр. 121

وكذلك الخدم الذين يخدمون أهل الدار يستأذنون في هذه الأوقات الثلاثة, فلهم أن يدخلوا على أهل الدار في كل وقت؛ إلا في هذه الأوقات الثلاثة, فيجب عليهم أن يستأذنوا قبل صلاة الفجر, وحين وضع الثياب من الظهيرة وعند القيلولة, وبعد صلاة العشاء, فإن الناس في هذه الأوقات قد يدخلون أماكنهم الخاصة, ويستريحون فيها, ويضعون ثيابهم, وقد يكون المرء على أهله فيجب حينئذٍ الاستئذان؛ حتى على الصبية الذين لم يبلغوا, حتى ينشأ هذا الولد على الطهر والعفاف, ولا يألف المناظر السيئة بذاكرته, أما إذا بلغ الأطفال الحلم, فيجب أن يستأذنوا في كل وقت, إنما الذي يستأذن في الأوقات الثلاثة هم الخدم (١) لدعاء الحاجة والتردد للخدمة, والصبية الصغار الذين لم يبلغوا، وأما إذا بلغوا فيستأذنون في كل وقت. فمن الآداب أن الإنسان إذا دخل على أمه في غرفة النوم، ولو كان الوقت ظهراً أو عصراً أو مغرباً أو عشاءً، أن يستأذن عند الباب, فيدخل إذا سمح له بالدخول, وإلا انصرف, وقد روى مالك عن صفوان بن سليم وكان أحد كبار العُبَّاد, عَبَدَ اللهَ حتى انحنت جبهته، عن عطاء بن يسار: إن النبي ﷺ أتاه رجل، فقال: أستأذن على أمي؟ قال:

стр. 122

«نعم» قال: إني معها في البيت! قال: «استأذن عليها» فقال: إني أخدمها!! قال: «أتحب أن تراها عريانة»؟ قال: لا, قال: «فاستأذن عليها» (١) ويستأذن الإنسان على أمه؛ لأنه قد تكون الأم في غرفتها الخاصة على هيئة لا تحب أن يرى منها هذا الشيء, وكذلك الأخ على أخيه, والبنت على أخيها, ومن باب أولى الذكر على الأنثى, وهذا الأثر عند مالك وقال عنه ابن عبد البر: (٢) هو مرسل صحيح لا يصح وصله من طريق. ا. هـ لكن معناه لا شك فيه, وسواءً كان باب الغرفة التي يستأذن عليها مفتوحاً أو مغلقاً, أما الصبية الذين لا يميزون، فينبغي أن يكون معهم من يربيهم على هذه الآداب, ومما ذكر عن ابن عمر ﵁: أنه إذا أراد جماع أهله يُخرج من في البيت, حتى الصبي الذي في المهد يأمر به فيخرج, فيأتي أهله. ولأن بعض الصبية الصغار تقع هذه الرؤية في مخيلته وذاكرته فلا ينساها، فإذا كبر صارت هذه الصورة في مخيلته، وقد تقوده إلى ما لا

стр. 123

ينبغي, وهذا من محاسن الشريعة, ولهذا قال ابن كثير (١) عند هذه الآية: هذا كله لما يُخشى من هجوم الأولاد على أبيهم، أو على أمهم، وهي مع زوجها، وقد علاها فيكون هناك مالا تحمد عقباه. ا. هـ قوله: (لئلا يصادف بِذلة من كشف عورة) البذلة: هي التبذل وهي اللباس الغير ساتر. وقوله: (ويستأذن ثلاثاً، فإن أُذن له وإلا رجع) فينبغي للمرء تعليم أولاده هذا الأدب.

стр. 124

فَصْلٌ وَيَحْرُمُ أَنْ يَتَنَاجَى اِثْنَانِ دُوْنَ ثَالِثٍ ، لِأَنَّهُ يُوْجِبُ إِيْحَاشًا، وَكَسْرَ القَلْبِ. قوله: (فصل: ويحرم أن يتناجى .... القلب) هذا من أدب التناجي والتخاطب بين الناس, وأصل هذه المسألة ما أخرجه صاحبا الصحيح، من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «إذا كانوا ثلاثةً، فلا يَتَنَاجَى اثنانِ دونَ الثالثِ» (١) وفي حديث منصور عن أبي وائل عن ابن مسعود ﵁ عند مسلم، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى رجلان دون الآخر، حتى تختلطوا من أجل أن ذلك يحزنه» (٢) وفي سنن أبي داود، من حديث أبي صالح، عن ابن عمر ﵁ قال: فإن كانوا أربعة؟ قال: «لا يضره» (٣)

стр. 125

في هذه الأحاديث من الفوائد والأحكام تعليل الحكم فإن الحكم لا يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يحزنه. وتعليل الأحكام بالشريعة فيه من الفوائد: ١ - اطمئنان القلب. ... ٢ - وبيان سمو الشريعة. ٣ - وإمكان القياس. ومن هذا نقول: كل شيء يُدخل الحزن على المرء المسلم فإنه لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ نهى عن تناجي اثنان دون الثالث، وقال: «من أجل أن ذلك يحزنه» فعُلِم أن كل شيء يجلب الحزن للمسلم أنه محرم, وعلم بالمفهوم أن كل شيء يدخل السرور على المسلم أنه مشروع ومستحب. وخلاصة الكلام على هذا الحديث، وفوائده، أنه يحرم أن يتناجى اثنان دون الثالث, وهذا صريح لفظ الحديث, ومفهوم الموافقة: لا يتناجى ثلاثة دون الرابع, ولا يتناجى الأربعة دون الخامس, بل قد يقال أنه كلما زاد العدد مع انفراد واحد زاد النهي؛ لأنه يشتد عليه الأمر, فاثنان أهون عليه من ثلاثة. وفيه من الفوائد: أنه إذا كان المنفرد أكثر من واحد فهو جائز؛ كما لو تناجى اثنان دون اثنين, أو تناجى ثلاثة دون اثنين, أو تناجى خمسة

стр. 126

دون ثلاثة, والمقصود أنه إذا كان المنفرد أكثر من واحد فهو جائز, وقد سارّ النبي ﷺ فاطمة فضحكت, ثم سارّها مرة أخرى فبكت, وكانت عائشة حاضرة, والظاهر أنه كان في البيت غيرها, ففي الحديث عند البخاري إنّا كنا أزواج النبي ﷺ عنده جميعاً فأقبلت فاطمة ... وفيه قصة المسارة فلا تعارض حينئذٍ لوجود جمع من النساء (١) فاستدل أهل العلم بمفهوم هذا الحديث وغيره من القصص؛ أنه يجوز المسارّة بين أشخاص إذا كان المنفرد أكثر من واحد. وخص بعضهم هذا التناجي الممنوع في السفر فقط, أما في الحضر والعمارة والبيوت فهو مباح, لزوال العلة ولكن الصحيح أنه يشتد في السفر، كأن يكون ثلاثة في سفر فيتناجى اثنان دون الثالث, لكن هذا لا يمنع أن يكون أيضا محرماً ولو في الحضر, بل لو كانوا في مجلس واحد والناس حولهم لكن لا يشاركونهم في المجلس فلا يجوز أن يتناجى اثنان دون الثالث. وهناك صور يجوز فيها أن يتناجى اثنان دون الثالث, منها أنهم إذا استأذنوه فأذن لهم, لأن الحق له, فإن قال قائل: إذا تناجوا سيحزن, فنقول: يستطيع أن يمنعهم, وهو الذي سلط الحزن عليه، وكان ابن عمر

стр. 127

- ﵁، إذا أراد أن يناجي رجلاً، وكانوا ثلاثة دعا شخصاً رابعاً، ثم قال: ابتعدا, ثم تناجى مع هذا الرجل, حتى لا يكون واقعاً في النهي, والمقصود أنه إذا أذن المنفرد جاز لأن الحق له, وهذا مراعاةً لخاطره, ومن ذلك نهى أن يخطب الرجل على خِطبة أخيه لأن الحق له؛ إلا إذا أذن، وحينئذ تزول المشاحة والحزن. ومن صور جواز أن يتناجى اثنان دون الثالث: أن يتناجى اثنان ثم يَرِد عليهما ثالث وقد شرعا في التناجي, فنقول: هم لم يتناجوا دون الثالث, بل الثالث ورد عليهما وقد شرعا في التناجي, فلا يكون هذا داخلاً في النهي فلهما الاستمرار ولهما الانقطاع، بل يُنهى هو عن الدخول والاستفسار عن حديثهم, (١) ومن صور الجواز أن يتناجى ثلاثة ثم ينفرد واحد باختياره فلهما أن يستمرا. ومن صور جواز تناجي الاثنين دون الثالث أخذاً من مفهوم حديث: «فإن ذلك يحزنه» إذا تناجى الوالدان دون أحد الأولاد، فإن هذا لا بأس به؛ لأنهما أشفق أهل الأرض على هذا المنفرد, غير أنه قد يقال: أنه إذا

стр. 128

قامت قرائن على أنهما يتناجيان في شيء يتعلق بتأديبه أو تقويمه أو ما أشبه ذلك فإن العلة موجودة وهي التحزين، فحينئذٍ يترك التناجي حتى يكون في غيبته أو بحضرة غيره من الأولاد. ولهذا قال المصنف: (لأنه يوجب إيحاشاً وكسر القلب) ومما يدخل في التناجي المنهي عنه، التخاطب بين اثنين بلسان لا يحسنه الثالث مع إمكانهما الحديث بلسان يفهمه، فالمعنى موجود وعدولهما عن اللغة التي يفهمها إلى لغة لا يفهمها هو في معنى التناجي المنهي عنه، فلا يجوز.

стр. 129

فَصْلٌ وَيُسْتَحَبُّ اِفْتِتَاحُ الأَكْلِ بِبِسْمِ اللهِ ، وَخَتْمُهُ بِالحَمْدُ للهِ. وَأَنْ يَأْكُلَ بِيَمِيْنِهِ مِمَّا يَلِيْهِ، إِذَا كَانَ الطَّعَامُ نَوْعًا وَاحِدًا. وَلَا يَأْكُلُ مِنْ ذِرْوَةِ الطَّعَامِ لَكِنْ مِنْ جَوَانِبِهِ. وَكَذَلِكَ الكَيْلُ فَإِنَّهُ أَدْعَى لِلْبَرَكَةِ، كَذَلِكَ رُوِيَ فِي السُّنَنِ. وَلَا يَنْفَخُ الطَّعَامَ الحَارَّ وَلَا البَارِدَ. وَلَا يُكْرَهُ الأَكْلُ والشُّرْبُ قَائِمًا، وَيُكْرَهُ مُتَّكِئًا. وَإِذَا دَفَعَ إِنَاءَ الشَّارِبِ، أَوِ اللُّقْمَةَ، دَفَعَ إِلَى مَنْ عَنْ يَمِيْنِهِ، كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ النَّبِيُ ﷺ . وقوله: (ويستحب افتتاح ... السنن) يستحب افتتاح الأكل: "ببسم الله". وختمه: "بالحمد لله". ثم ذكر آداب الطعام, وآداب الأكل كثيرة, والمؤلف ذكر طرفاً منها, فيفهم من كلام المؤلف هنا أنه يستحب افتتاح الأكل ببسم الله, ولو تركها لم يأثم, وهناك من قال: أن التسمية عند الأكل واجبة, وهذا هو الصحيح لأمور:

стр. 130

الأمر الأول: أن النبي ﷺ أمر بها، وقال لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام سم الله» (١) فأمره بالتسمية, والأصل في الأوامر الوجوب. الأمر الثاني: أخبر أن الطعام إذا لم يسمَّ عليه يستحله الشيطان ويشاركه, ومشاركة الشيطان تدل على أن دفع مشاركته واجبة, ولا تدفع إلا بالتسمية. الأمر الثالث: أن البركة تحل بالتسمية؛ كما في الحديث الذي فيه أن النبي ﷺ كان يأكل مع أصحابه, فجاء أعرابي فأكله بلقمة فقال النبي ﷺ : «أما إنه لو سمّى لكفاكم ....» (٢) الحديث, واحتُج به على أن من لم يسم يؤثر على من سمى, والحديث فيه اضطراب, وعلى كل حال فالصحيح في التسمية أنها واجبة عند الأكل وعند الشرب, قلّ أو كثُر. وصفة التسمية عند الطعام- على الصحيح-أن يقول:"بسم الله"؛لأنه لم يجئ عن النبي ﵊ ما يدل على التكميل, بخلاف البسملة عند القراءة, ومما يُطلق عنده التسمية ولا تُكمَّل أيضاً عند الذبح, فتقول: "بسم الله", وتضيف: "والله أكبر". وأما الختم بـ "الحمد لله" فهو مستحب ومؤكد.

стр. 131

قال المؤلف: (وأن يأكل بيمينه مما يليه) ذكر هنا أدبين: الأول: أن يأكل بيمينه, وهو من الواجبات فقد أمر به النبي ﷺ عمر بن أبي سلمة وكان ربيبه, قال: وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي النبي ﷺ : «يا غلام سم الله وكل بيمينك» (١) وأخبر النبي ﷺ أن الإنسان إذا أكل بشماله يشابه الشيطان فقال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، ويشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» (٢) ومشابهة الشيطان محرمة, ودعا النبي ﷺ على الرجل الصحابي كما ذكر الحافظ في الإصابة, واسمه بسر بن راعي العير الأشجعي, ولكنه تكبر فدعا عليه النبي ﷺ فشُلَّت يده, وهذا كله لا يناسب الاستحباب, بل يناسب الوجوب. قال المؤلف: (مما يليه إذا كان الطعام نوعاً واحداً) وهذا الأدب الثاني: وقد أدَبَّ به النبي ﷺ ربيبه عمر, فقال:

стр. 132

«وكل مما يليك» قال عمر: فما زالت تلك طِعمتي بعد. أي: صفة طعامي, فعُلم من هذا أن الأكل مما يلي الإنسان، إذا كان الطعام واحداً واجب, ولأن الأكل مِمَّا يلي الآخرين فيه أذية وشره ونهم, ويكفي أن الرسول ﷺ أمر به, أما إذا كان الطعام متنوعاً, فلا بأس من تخطي الطعام الأول إلى الثاني, ونقول أيضاً: إن كان الطعام الثاني في صحن فكل مما يليك أيضاً, ولا تذهب إلى ما يلي الشخص الآخر, ونقول أيضاً: أنه إذا كان الإناء يسيراً فلا بأس أن تأكل من أي جهة إذا كان متنوعاً، والأواني في عهد النبي ﷺ كانت القصعة وهي تكفي لقليل من الناس وأكبر منها الصحفة وأكبر من ذلك الجفنة وهي عظيمة. قال المؤلف: (ولا يأكل من ذروة الطعام ولكن من جوانبه) وهذا أيضا من الآداب, والمعلوم عند أهل العلم أن هذا الأدب مستحب, وأصله ما رواه أهل السنن, وأصح إسنادٍ لهذا ما جاء عند أبي داود من حديث شعبة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يأكل من أعلى الصحفة, ولكن ليأكل من أسفلها فإن البركة تنزل من أعلاها» (١)

стр. 133

وله لفظ آخر: «إذا وُضع الطعام فكلوا من حافته وذروا وسطه فإن البركة تنزل في وسطه» (١) والله حينما خلق هذه الأعيان علويها وسفليها جعل في بعضها البركة, ومن ذلك ما أخبرنا عن الحجر الأسود أن فيه بركة فمسحه يحط الخطايا وهو قربة فمسحه حسنات, والعسل فيه شفاء, وكذا الحبة السوداء, وأشياء كثيرة, ومن ذلك أن من رحمة الله أن الناس إذا اجتمعوا على الطعام, فإن الله يجعل البركة تنزل في الوسط ثم تنتشر, ولو كانت البركة لا تنتشر لكان النهي عن الأكل من الوسط فيه منع للبركة, لكنها تنزل في الوسط ثم تنتشر, فإذا أُكلت من الوسط ضاعت على الجميع, وقد تكون هذه البركة حسية, يمكن أن تكون معنوية، ويمكن حصولها جميعاً. وقد وجدت في عهد النبي ﷺ حسية, فكان الطعام يؤكل منه وهو بحاله, كما في قصة جابر وغيره, وقصة الماء الذي يصب حينما أخذ من مزادة (٢) المرأة المشركة ثم وزع على أهل العسكر ولم ينقص من الماء شيء.

стр. 134

وقصة الإناء اليسير الذي أخذه أبو هريرة ﵁ ودار به على أهل الصفة, وأقل ما قيل أنهم سبعين رجلاً, فدار على هؤلاء كلهم ويبقى فضله, ويشربه النبي ﷺ وأبو هريرة ﵁. (١)

стр. 135

فمن السنة أن الإنسان ولو كان وحده فإنه يأكل مما يليه ويترك وسط الطعام, ويدع ذروته، حتى لو كان وحده وليس معه أحد؛ لأن هذا معنى لا يتعلق بالجماعة, بل يتعلق بالبركة. وبعض أهل العلم أجاز تتبع الطعام , والأخذ من جوانبه، إذا لم يشق هذا على الآخرين، أو أحبوا ذلك، واحتجوا بأن أنساً ﷺ أكل مع النبي ﷺ , قال أنس: فكان النبي ﷺ يتتبع الدباء. (١) والدُّباء هو القرع, فكان يتتبعها ولو كانت عند شق أنس, قال أنس: فما زلت أحب الدباء بعد ذلك. فهذا محمول على أن الصحابة كانوا يحبون هذا, ويؤثرون النبي ﷺ بذلك.

стр. 136

ومن ذلك الأكل مع الزوجة مثلاً, أو مع المحبوب, فإن الإنسان يفرح أن يأكل من جهته أو ما أشبه ذلك, فحينئذٍ لا مشاحة, وعليه إذا حصل التسامح وأحب أن يؤخذ من جهته فلا بأس، بل قال ﷺ : «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله؛ إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك» (١) وأمر بأن تُلعق اليد, (٢) وقد قال أهل العلم: تلعقها الزوجة، أو الابن، أو حيوان طاهر، وما أشبه ذلك «وكان النبي ﷺ يضع فاه على موضع في عائشة ﵁ في تعرق العظم». مسألة: يكثر عندنا الآن مسألة دفع اللحم، أو دفع الطعام للغير, ويفعلها الناس ابتغاء الكرم, كأن يقطع بعض الناس اللحم ويناولها غيره.

стр. 137

فمن أهل العلم من كره هذا؛ لأن هذه اللقمة أو الطعام قد مس اليد التي مست فم الشخص وقد يُتقزز من هذا؛ لأنه قد يعلق فيها شيء من اللعاب, وهذه من إحدى الحكم التي فيها أن الإنسان يأكل من طعامه الذي يليه، ولا يأكل من أماكن الآخرين؛ لأنه قد يكره أن يمس يدك التي مست فاك, فهذا وجه كراهة هذا الشيء, بل ذهب الحنابلة إلى أنه يحرم إذا كان الإناء مختلفاً؛ لأنه لا يجوز أن تنقل الطعام إلا بإذن أهل الإناء, ولكن الصحيح جوازه. وقد روى البخاري في كتاب الأطعمة: باب من ناول صاحبه القطع من الطعام إذا علم طيب نفوس أصحابه. (١) فعلى كل حال يتنبه لمثل هذه الآداب؛ لأن بعض الناس يريد الخير لصاحبه, ولكن صاحبه لا يريد هذا الشيء, فنقول: رفقاً لأنه ليس كل أحد يحب هذا الشيء. قوله: (ولا ينفخ الطعام الحار ولا البارد) هذا أيضاً من آداب الأكل والشرب, أن الإنسان لا ينفخ في الطعام الحار لتبريده, والأصل في ذلك ما رواه الشيخان من حديث عبد الله

стр. 138

ابن أبي قتادة عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء» (١) والمراد بالتنفس هنا، أي: داخل الإناء, فلا يشرب وهو مواصل النفس, وزاد ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عبد الله بن قتادة النهي عن النفخ في الإناء وأن يتنفس فيه. (٢) وله شاهد أيضاً أخرجه أبو داود والترمذي من حديث ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ : نهى عن التنفس في الإناء وأن ينفخ فيه. (٣) فهذه الأحاديث تدل على أن الإنسان لا يخرج منه هواء لا من فمه ولا من أنفه, فالتنفس في الإناء يكون فيه الهواء من الأنف, والنفخ يكون فيه الهواء من الفم, وهذا غير الحديث الذي فيه: أن النبي ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثاً. (٤)

стр. 139

فإن المراد بالتنفس بالإناء عند الشرب يعني خارج الإناء. فالأحاديث تنقسم إلى قسمين: قسم فيه النهي عن التنفس في الإناء، وقسم فيه التنفس خارج الإناء, بأن يشرب الإنسان مرتين أو ثلاثاً, وأن الإنسان إذا شرب فأحفزه النفس فلا يتنفس, بل يُبين القدح عن فيه, ثم يتنفس خارج الإناء, ثم يعود فيشرب, ثم إذا احتاج إلى النفس أبعد الإناء ثم تنفس في الخارج, ثم يشرب, ففرق بين التنفس في الإناء والتنفس خارج الإناء. والحديث الذي جاء فيه: أن النبي ﷺ كان يتنفس إذا شرب ثلاثاً. أي خارج الإناء, حتى لا يحتاج الإنسان إلى أن يشرب ويتنفس في الإناء، وسواءً كان هذا المشروب حاراً أو بارداً، فالسنة أن الإنسان يتنفس ثلاثاً، هذا فيما إذا كان يشرب دفعة واحدة، وتحتمل حرارته أو برودته فالسنة أن يقطعه ثلاثاً. أما الأشربة الساخنة، فقد جرت عادة الإنسان أنه لا يستطيع أنه يشربه دفعةً واحدةً, كالشاي مثلاً، فمنهيٌ عن تبريدها بالنفخ يها. واختلف في علة النهي عن النفخ في الشراب فقيل: لأنه قد يقذِّر الطعام والشراب, فقد يخرج منه شيء فيقع على الطعام أو الشراب فيقذره.

стр. 140

وقد يقول قائل: هل تزول المفسدة ويتسامح فيه إذا كان الطعام للإنسان خاص به ككأس ماء؛ لأن العلة هي تقذيره لغيره، وهو لا يتقذر من نفخ نفسه؟ فنقول: الوقوف على ظاهر الخبر أحسن, فلعل العلة أوسع من ذلك, فقد قال بعضهم: أن هذا الهواء يخرج من الرئتين وفيه من الأشياء ما لا يراه الإنسان, فقد يدخل في الطعام وهو لا يراه، وعليه فلا يتنفس فيه لتبريده، ولا لغرض آخر. مسألة: أكل الطعام الحار يُكره من حيث الصحة , فشرب الشراب الساخن مضر لا يجوز, وأكل الطعام الحار الذي يؤذي لا يجوز أيضاً, لقول النبي ﷺ لا ضرر ولا ضرار، (١) والضرر بلا قصد, والضرار بقصد،

стр. 141

فلا يتسبب الإنسان في ضرر نفسه، فيدع الطعام حتى يبرد, أو يبرِّده بطريقة صحيحة ليس فيها ركوب للنهي. وجاءت أخبار في أكل الطعام الحار, منها: «اللهم لا تطعمنا ناراً» (١) ولكن لا يصح. وفي لفظ أن النبي ﷺ : نهى عن أكل الطعام الحار, وقال: «اصبروا حتى يذهب فوره» وهذا أيضاً لا يصح, لكن على القاعدة أنه إذا كان يؤدي إلى ضرر فإنه لا يجوز, والغالب أن شرب الشراب الساخن أو أكل الطعام الحار يؤذي في الفم وما بعده. قوله: (ولا يكره الأكل والشرب قائماً) وهذا أيضاً من المسائل المهمة. فقد ثبت في الصحيحين من طريق الشعبي عن عبد الله بن عباس: أن النبي ﷺ : شرب من ماء زمزم قائماً. (٢) وصح عن علي أيضاً في البخاري ومسلم وأحمد من غير وجه عنه: أنه أتي بماء فشربه قائماً, وقال: إن أناساً يكره أحدهم أن يشرب

стр. 142

وهو قائم، وإني رأيت النبي ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت. (١) وأحاديث الفعل في الصحيحين, وأحاديث النهي عن الشرب قائماً أعرض عنها البخاري ومالك في الموطأ فلم يوردوها, وأخرج مسلم منها ما رواه من حديث أنس وأبي هريرة وأبي سعيد, وكل هذه الأحاديث الثلاثة قُد تكلم فيها. أما حديث أنس فيروى من طريق قتادة عنه أن: النبي ﷺ زجر عن الشرب قائماً، قيل لأنس: فالأكل؟ قال: ذاك أشر وأخبث. (٢) وأما الحديث الآخر فهو ما رواه عمر بن حمزة عن أبي غطفان المرِّي عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا يشربن أحد منكم قائماً فمن نسى فليستقيء» (٣) والحديث الثالث حديث أبي سعيد الذي رواه أيضاً مسلم من طريق أبي عيسى الأسواري عن أبي سعيد. (٤)

стр. 143

أما حديث أنس فاختلف على قتادة فيه, فمنهم من طعن فيه، وقال: لا يصح, ومنهم من قال: لا بأس به, وأصح حديث في النهي هو حديث أنس, وانفرد بإخراجه مسلم. وأما حديث: «لا يشربن أحدكم قائماً فمن نسى فليستقيء» ففي إسناده عمر بن حمزة, وهو حفيد عبد الله بن عمر, وعمر بن حمزة هذا له مناكير, وهو الذي روى عنه هذا الحديث: عن عمر بن حمزة عن عمه سالم، عن ابن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟» (١) فعمر بن حمزة هو الذي انفرد بلفظة الشمال عند مسلم, وهذه اللفظة شاذة, ومن هنا اختلف أهل العلم هل تسمى اليد الأخرى لله بالشمال؟ بعد اتفاقهم على تسمية إحداها باليمين, فقيل: هي يمين مباركة, كما في الحديث: «وكلتا يديه يمين» (٢)

стр. 144

وقيل: بل تسمى شمال, ولكن ليس فيها نقص كما هو المتبادر في النقص عند المخلوقين, والأقرب في هذا أنه لا يصح حديث في تسمية اليد الأخرى لله بالشمال. وأما حديث أبي سعيد ففيه أبو عيسى الأسواري, وهو غير مشهور. فعلى كل حال أحاديث النهي عن الشرب قائماً لا تقاوم أحاديث الإباحة, ومن أحاديث النهي أيضاً ما رواه الإمام أحمد وغيره: أن النبي ﷺ رأى رجلاً يشرب قائماً، فقال له: «قه» قال: لمه، قال: «أيسرك أن يشرب معك الهر» قال: لا، قال: «فإنه قد شرب معك من هو شر منه الشيطان» وهذا الحديث رواه شعبة عن أبي زياد الطحان مولى الحسن عن أبي هريرة, وأبو زياد هذا لا يعرف اسمه, وقد وثقه ابن معين, لكن قد أُعِل هذا الحديث بالوقف, ومن المنكرات في حديث عمر ابن حمزة، أنه ﷺ أمر بالاستقاءة, والاستقاءة فيها ضرر، ومن هنا نأتي بفائدة أخرى، وهي أنه إذا شرب الإنسان طعاماً محرماً وعلم بعد شُربه بتحريمه - لاسيما إذا كان محرماً لكسبه لا لوصفه - كأن يكون من مال غصب أو ربا. فقد روى البخاري قصة أبي بكر ﵁، أن أبا بكر كان له غلام، فأتاه يوماً بطعام فأكل منه أبو بكر ﵁ , وكان عادة أبي بكر ﵁ أن يسأل: من أين هذا؟ فلم يسأله ذلك اليوم, فقال له الغلام: إنك لم

стр. 145

تسألني عن هذا الطعام! فسأله، فقال: إني كنت تكهنت في الجاهلية لأناس, ولا أحسن الكهانة, فأعطوني فاشتريت هذا الطعام, فلما علم أبو بكر ﵁ وضع أصبعه في فمه فأخرج ما في جوفه. (١) فسألت شيخنا ابن باز ﵀ عن هذه الاستقاءة هل تجب؟ قال: لا تجب. ا. هـ. قلت: لأن عين الطعام مباحة, لكن أبو بكر ﵁ أخذ بشيء من الورع, وقد يكون فيه ضرر على المستقيء, وهذا يمكن أن يعل به حديث عمر بن حمزة عن أبي غطفان المري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ ، قال: «لا يشربن أحدكم منكم قائماً فمن نسي فليستقيء» وقد شرب النبي ﷺ قائماً. وقد نقل بعضهم الاتفاق على أن من شرب قائماً لا يلزمه أن يستقيء.
следующие страницы →