← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17128

اللباب «شرح فصول الآداب»

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (352 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فلا يتسبب الإنسان في ضرر نفسه، فيدع الطعام حتى يبرد, أو يبرِّده بطريقة صحيحة ليس فيها ركوب للنهي. وجاءت أخبار في أكل الطعام الحار, منها: «اللهم لا تطعمنا ناراً» (١) ولكن لا يصح. وفي لفظ أن النبي ﷺ : نهى عن أكل الطعام الحار, وقال: «اصبروا حتى يذهب فوره» وهذا أيضاً لا يصح, لكن على القاعدة أنه إذا كان يؤدي إلى ضرر فإنه لا يجوز, والغالب أن شرب الشراب الساخن أو أكل الطعام الحار يؤذي في الفم وما بعده. قوله: (ولا يكره الأكل والشرب قائماً) وهذا أيضاً من المسائل المهمة. فقد ثبت في الصحيحين من طريق الشعبي عن عبد الله بن عباس: أن النبي ﷺ : شرب من ماء زمزم قائماً. (٢) وصح عن علي أيضاً في البخاري ومسلم وأحمد من غير وجه عنه: أنه أتي بماء فشربه قائماً, وقال: إن أناساً يكره أحدهم أن يشرب

стр. 142

وهو قائم، وإني رأيت النبي ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت. (١) وأحاديث الفعل في الصحيحين, وأحاديث النهي عن الشرب قائماً أعرض عنها البخاري ومالك في الموطأ فلم يوردوها, وأخرج مسلم منها ما رواه من حديث أنس وأبي هريرة وأبي سعيد, وكل هذه الأحاديث الثلاثة قُد تكلم فيها. أما حديث أنس فيروى من طريق قتادة عنه أن: النبي ﷺ زجر عن الشرب قائماً، قيل لأنس: فالأكل؟ قال: ذاك أشر وأخبث. (٢) وأما الحديث الآخر فهو ما رواه عمر بن حمزة عن أبي غطفان المرِّي عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا يشربن أحد منكم قائماً فمن نسى فليستقيء» (٣) والحديث الثالث حديث أبي سعيد الذي رواه أيضاً مسلم من طريق أبي عيسى الأسواري عن أبي سعيد. (٤)

стр. 143

أما حديث أنس فاختلف على قتادة فيه, فمنهم من طعن فيه، وقال: لا يصح, ومنهم من قال: لا بأس به, وأصح حديث في النهي هو حديث أنس, وانفرد بإخراجه مسلم. وأما حديث: «لا يشربن أحدكم قائماً فمن نسى فليستقيء» ففي إسناده عمر بن حمزة, وهو حفيد عبد الله بن عمر, وعمر بن حمزة هذا له مناكير, وهو الذي روى عنه هذا الحديث: عن عمر بن حمزة عن عمه سالم، عن ابن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟» (١) فعمر بن حمزة هو الذي انفرد بلفظة الشمال عند مسلم, وهذه اللفظة شاذة, ومن هنا اختلف أهل العلم هل تسمى اليد الأخرى لله بالشمال؟ بعد اتفاقهم على تسمية إحداها باليمين, فقيل: هي يمين مباركة, كما في الحديث: «وكلتا يديه يمين» (٢)

стр. 144

وقيل: بل تسمى شمال, ولكن ليس فيها نقص كما هو المتبادر في النقص عند المخلوقين, والأقرب في هذا أنه لا يصح حديث في تسمية اليد الأخرى لله بالشمال. وأما حديث أبي سعيد ففيه أبو عيسى الأسواري, وهو غير مشهور. فعلى كل حال أحاديث النهي عن الشرب قائماً لا تقاوم أحاديث الإباحة, ومن أحاديث النهي أيضاً ما رواه الإمام أحمد وغيره: أن النبي ﷺ رأى رجلاً يشرب قائماً، فقال له: «قه» قال: لمه، قال: «أيسرك أن يشرب معك الهر» قال: لا، قال: «فإنه قد شرب معك من هو شر منه الشيطان» وهذا الحديث رواه شعبة عن أبي زياد الطحان مولى الحسن عن أبي هريرة, وأبو زياد هذا لا يعرف اسمه, وقد وثقه ابن معين, لكن قد أُعِل هذا الحديث بالوقف, ومن المنكرات في حديث عمر ابن حمزة، أنه ﷺ أمر بالاستقاءة, والاستقاءة فيها ضرر، ومن هنا نأتي بفائدة أخرى، وهي أنه إذا شرب الإنسان طعاماً محرماً وعلم بعد شُربه بتحريمه - لاسيما إذا كان محرماً لكسبه لا لوصفه - كأن يكون من مال غصب أو ربا. فقد روى البخاري قصة أبي بكر ﵁، أن أبا بكر كان له غلام، فأتاه يوماً بطعام فأكل منه أبو بكر ﵁ , وكان عادة أبي بكر ﵁ أن يسأل: من أين هذا؟ فلم يسأله ذلك اليوم, فقال له الغلام: إنك لم

стр. 145

تسألني عن هذا الطعام! فسأله، فقال: إني كنت تكهنت في الجاهلية لأناس, ولا أحسن الكهانة, فأعطوني فاشتريت هذا الطعام, فلما علم أبو بكر ﵁ وضع أصبعه في فمه فأخرج ما في جوفه. (١) فسألت شيخنا ابن باز ﵀ عن هذه الاستقاءة هل تجب؟ قال: لا تجب. ا. هـ. قلت: لأن عين الطعام مباحة, لكن أبو بكر ﵁ أخذ بشيء من الورع, وقد يكون فيه ضرر على المستقيء, وهذا يمكن أن يعل به حديث عمر بن حمزة عن أبي غطفان المري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ ، قال: «لا يشربن أحدكم منكم قائماً فمن نسي فليستقيء» وقد شرب النبي ﷺ قائماً. وقد نقل بعضهم الاتفاق على أن من شرب قائماً لا يلزمه أن يستقيء.

стр. 146

واختلف أهل العلم في الجمع بين أحاديث النهي وأحاديث الإباحة, فمن أهل العلم من غلّب أحاديث الجواز وطعن في أحاديث النهي كما تقدم, ومنهم من قال: إن النهي كان متقدماً والإباحة جاءت بعد فهي منسوخة. والقول الثالث، وهو: أصحها طريقة الجمع. ويقال: إن أحاديث النهي جاءت على خلاف الأولى، وليست الكراهة فقط، وأحاديث الإباحة دلت على الجواز، وهذا أصح ما جاء في المسألة. أما قول أنس ﵁ كما أخرجه مسلم، لما قيل له: فالأكل؟ فقال: أشر وأخبث, فلا أعلم أحداً وافق أنساً ﵁ على هذا, ولا أعلم أحداً من أهل العلم كره الأكل قائماً, والخلاف المعروف في الشرب, وهذا مذهب لأنس, وإلا فالأكل ليس أشر وأخبث, فهو أخف من الشرب بكثير, وليست المفسدة في الشرب موجودة في الأكل, للفرق بينهما. وقوله: أشر وأخبث. هذا سائغ في اللغة, بمعنى شر وخبيث, والأصل في شر أشر, وفي خير أخير, وهذه اللغة موجودة وقليلة في الأخبار, ولكن

стр. 147

الناس تساهلوا في الأشر، فقالوا: شر، فصارت مخففة, وجرى فيها لفظ الكتاب والسنة. والراجح ما ذكره المؤلف من عدم الكراهة. قوله: (ويكره متكئاً) الأصل في هذا ما رواه البخاري من حديث علي بن الأقمر عن أبي جحيفة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا آكل متكئاً» (١) وهذا الحديث فيه إخبار النبي ﵊ أنه لا يأكل متكئاً، وليس فيه صيغة نهي, وقد اختلف في معنى الإتكاء, فقال بعضهم: الاتكاء هو لكل متمكن من جلسة يريد التكثر من الأكل على أي صفة كانت, وهذا تفسير الخطابي, يقول: أي لا أقعد متكئاً على وطاء عند الأكل فعلَ من يستكثر من الطعام, وهذا أحد الأقوال, وعلى هذا لو تربع فهو متكئ على هذا التعريف, ولو جلس جلسة غير هذه وفيها التمكن والتكثر من الطعام فهو متكئ, فضلاً عن أنه يميل على أحد الشقين, فهذا اتكاء بلا إشكال. وقيل: إن الاتكاء هو الميل على أحد الشقين؛ لأن هذا هو التعريف اللغوي, ويؤيده حديث أبي بكرة ﵁، عن النبي ﷺ : أنه سئل عن أكبر

стр. 148

الكبائر، فقال: «الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئاً فجلس ..» (١) الحديث، ففرق بين مطلق الجلوس والاتكاء, فعُلم بهذا أن الاتكاء ضرب من ضروب الجلوس, وفيه الميل, وهذا هو الصحيح وهو اختيار شيخنا ابن باز- ﵀. ولكن لشخص أن يسأل: هل يدخل في هذا أنه إذا اتكأ على إحدى يديه بحيث لو أزال هذه اليد التي قد اتكأ عليها واستند عليها بعض الشيء لا يسقط؟ نقول: لا, الاتكاء هو الميل على أحد الشقين بحيث لو زال الوطاء الذي تحته -كالمركاة مثلاً- أو يده لسقط, هذا هو ضابط الاتكاء الذي جاء فيه الخبر, أما كون الإنسان الذي يستند بيده ويرتفق بها شيئاً يسيراً فهذا لا يخرج عن كونه جالسا غير متكئ كما هو معلوم. وقد بوب البخاري ﵀ بقوله: باب الأكل متكئاً, (٢) فقال الحافظ ابن حجر: وإنما لم يجزم به لأنه لم يأت فيه نهي صريح. (٣)

стр. 149

وهذا ذهول من الحافظ ﵀ فقد صحح الحافظ نفسه حديثاً رواه الطبراني في معجمه, وذكره الزمخشري في تفسيره وهو حديث ابن مسعود ﵁ وقال عنه الحافظ: "وإسناده جيد", وفيه التصريح بالنهي عن الأكل متكئاً, وقد كتبت فيه جزءاً وقرئ على شيخنا ابن باز ﵀ ولكنه ليس بالمطبوع في نفح العبير, وسيكون بإذن الله من نصيب الجزء القادم, وتكلمت عن ألفاظه وطرقه, فهذا الحديث يرويه الطبراني من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ نهى عن صومين، وعن صلاتين، وعن لباسين، وعن مطعمين، وعن نكاحين، وعن بيعتين- ثم ذكر صوم اليومين والصلاتين واللبستين، ثم قال: - وأما المطعمان: فأن يأكل بشماله ويمينه صحيحة، ويأكل متكئاً. (١) وإسناده صحيح.

стр. 150

وهذا الحديث رواه النسائي من وجه آخر من طريق أبي إسحاق نفسه مختصراً، فنحا بعضهم أنه يعل سياق الطبراني بهذا، وهذا ليس بصحيح, فالذي عند النسائي إنما هو اختصار له, وإلا فالحديث محفوظ لا إشكال في إسناده, وقد أخرجه الطبراني في المعجم في الجزء العاشر, غير أن هذا النهي على القول الراجح للكراهة, كما قال شيخنا بعدما قرئ عليه البحث؛ لأن صيغة النهي إما على التحريم أو الكراهة ورجح جانب الكراهة إخبار النبي ﷺ أنه لا يأكل متكئاً. وقد اختُلف في علة النهي عن الاتكاء. فقيل: أنه مخافة أن تعظم البطن؛ كما روى ذلك ابن أبي شيبة في مصنفه، عن إبراهيم النخعي أنه، قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا تكاة، مخافة أن تعظم بطونهم. (١) وظاهر إسناده لا بأس به. وهناك قول آخر: بأن الاتكاء خلاف الأولى, لأن الحديث الذي في صحيح البخاري هو أصح شيء في الباب, وانفراد الطبراني بهذا الخبر يشعر بشيء من الضعف, فنقول: لا, فقد انفرد الطبراني بأحاديث صحاح, ورواية أبي إسحاق عن أبي الأحوص من أصح ما يكون من أحاديث ابن مسعود, وقد قال أبو إسحاق، عن أبي الأحوص: كنا

стр. 151

نجتمع معه في المسجد فيسكب علينا حديث ابن مسعود, وكان أبو الأحوص من أحفظ الناس لحديث ابن مسعود. فلا إشكال في إسناده إن شاء الله, لكنه لا يدل إلا على الكراهة. قوله: (وإذا دفع إناء الشُّرب أو اللقمة دفع إلى من على يمنيه، كذلك كان يفعل النبي ﷺ ) السنة إذا أتي بطعام يدور على مجموعة من الناس أنه يبدأ برئيس أو عالم أو والٍ أو أكبر من في المجلس أو صاحب الدار, ثم بعد ذلك من على يمين الشارب, ويستوي في هذا أن يكون هذا الإناء به الطعام كاملاً؛ كإناء الشرب, أو يكون يسقيهم شيئاً فشيئاً؛ كما هي حال القهوة والشاي الآن, ودل على هذا خبر أنس ﵁ في الصحيحين، أنه قال: أتي النبي ﷺ بلبن قدِ شيب بماء فشرب، وعن يمينه أعرابي، وعن شماله أبو بكر ﵁ , ثم أعطى الأعرابي وقال: «الأيمن فالأيمن» (١) أي: أعطوا الأيمن فالأيمن, ونحوه أيضاً عند البخاري من حديث سهل بن سعد، وفيه: وعن يمينه غلام. (٢)

стр. 152

وفي بعض الأخبار أنه ابن عباس, فقال: أتأذن لي أن أعطي الأشياخ؟ وكانوا عن يساره فقال: لا أوثر بنصيبي منك أحداً، فتلّه في يده. وفي هذا الحديث من الفوائد كما ذكرنا أنه يعطى رئيس المجلس ثم من على رئيس المجلس والأفضل أن يُرَدّ الإناء للساقي، وأن يكون هناك من يطوف ويخدم, وقد دل على هذا حديث أبي هريرة في قصة سقاية أهل الصفة, قال: فكنت أسقي الواحد منهم, ثم آخذه ثم أعطيه الآخر. (١) هذا هو الأفضل أن يلي خدمة القوم في الشرب من يفعل هكذا تأسياً في الصحابة في ذلك. وفيه من الفوائد أن التفضيل هنا بالجهة لا بالأشخاص, فيفضل من على اليمين مطلقاً, ولو كان الذي على الشمال أفضل. وفي قوله ﷺ : «أتأذن لي أن أعطي الأشياخ» أنه لا بأس من استئذان صاحب الحق لإعطائه الجانب الآخر. وفيه من الفوائد أن الاستئذان إنما يلزم الرجل الأول فقط لا جميع الرجال؛ لأنه صاحب الجهة وصاحب الاستحقاق الأول وإن تم الإذن فيعود للأول.

стр. 153

وقد جاء حديث رواه أبو يعلى بإسناده من حديث ابن عباس ﵁: كان رسول الله ﷺ : إذا سقى، قال: «ابدؤوا بالكبير - أو قال -: بالأكابر» (١) وهذا يؤيد ما نحن فيه, والمراد بالأكابر هنا الجنس, لا سيما إذا ترتب القوم, أما إذا لم يترتبوا فنأخذ الحديث على ظاهره وهو: الأكبر فالأكبر, أما إذا ترتبوا فتعطي الأكبر ثم بعد ذلك تعطي من على يمين الأكبر, كما فصلت ذلك الأحاديث الأخرى، وهذا كله إن كان هذا الخبر محفوظاً فإنه يرويه أبو يعلى (٢٤٢٥) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن سهم الأنطاكي ثنا عبد الله بن المبارك عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس هكذا، وخالفه عبدان (عبد الله بن عثمان المروزي) فرواه عن ابن المبارك عن خالد الحذاء عن عكرمة مرسلاً (أخرجه البيهقي في الشعب (١٠٤٩٥) .. وقال والصحيح رواية عبدان عن ابن المبارك يعني الإرسال ... ، قلت وهو المحفوظ ومن أهل العلم من، قال: أنه إذا كان الساقي - في مثل عصرنا الآن- الشاي والقهوة (المشروب) - يسقي رئيس المجلس, فإنه يسقي

стр. 154

بعده على يمين الساقي، لا من على يمين المسقي, وقال: هذا هو الفهم الصحيح للحديث, وقال: لأنه ﷺ يقول: «الأيمن فالأيمن» (١) وفي قصة اللبن كان الساقي هو النبي ﷺ بعد أن أعطي النبي ﷺ اللبن, بينما إذا كان الأمر شاي أو قهوة، وما أشبه ذلك، فإنك تعطي رئيس المجلس، ثم على يمينك أنت ليس على يمين المسقي, وهذا ما قال به شيخنا ابن عثيمين ﵀ وفيه نظر؛ لأنه لا فرق، وذلك لأمرين: الأمر الأول: فإن جهة اليمين عادةً عند الناس أفضل من جهة الشمال, والذي يجلس على يمين الرئيس أفضل في الجملة, وهو في محل الإكرام وهم الأشرف. والأمر الثاني: أن السنة -كما قررنا- أن الإنسان يدفع الإناء إلى الساقي, ثم بعد ذلك يدور, مع العلم أن الساقي حينئذٍ يمر على يساره, فتبين بهذا أن المراد عن اليمين يمين أول مسقي, وعلى هذا فلا فرق بين صب الشاي والقهوة وبين الإناء الذي يطوف, وهذا اختيار شيخنا ابن باز ﵀.

стр. 155

ويقال ثالثاً: لو كان النبي ﷺ هو الساقي لكان آخر الناس شرباً، بل كان هو المسقي ﷺ لما زار من زار من أصحابه بينما لما جاءه أهل الصفة شرب آخرهم بأبي هو وأمي ﷺ لأنه هو الساقي وقد قال: ساقي القوم آخرهم شرباً فالساقي في الحقيقة المُضِيف وبهذا يحل الاشكال بالكلية. ومن آداب الشرب التي لم يذكرها المؤلف ﵀: النهي عن الشرب من ثُلمة القدح, وقد جاء فيه الخبر من حديث أبي سعيد ﵁: أنه ﷺ نهى عن الشرب من ثلمة القدح. (١) وعامة أهل العلم على أن النهي للكراهة، ومنهم من قال: يحرم. والثلمة: هي الكسر والخدش الذي يكون بيّناً, أما الصغير جداً الذي قد لا يكاد يرى, فهذا لا يتعلق به حكم. واختُلف في علة النهي, فقال بعضهم: أن العلة في هذا أن الأوساخ عادةً تجتمع في هذه الثلمة, فنُهي عن مباشرتها بالشفة, وقال بعضهم: بل العلة خشية الأذى, لأن الثلمة عادةً تكون كسراً غير منضبط, فقد يشق شفة الشارب أو يجرحه.

стр. 156

والصحيح أنه يجمع هذا وهذا وفيه علة ثالثة وهي أنه قد ينسكب الشراب على الشارب, فحينئذٍ لا ينبغي للإنسان أن يشرب من ثلمة القدح, وظاهر النهي التحريم. ومن آداب الشرب أيضاً: أن النبي ﷺ نهى عن اختناث الأسقية. (١) وكانت أسقية القوم أُدُم تدبغ, ثم يوضع فيها الماء, ويستبردون الماء, لا سيما كل ما طال العهد بالقربة وكانت شنّاً بالية, كلما كان الماء أبرد؛ لأنه يكون جلدها رقيقاً, ويتبخر الماء بسرعة, فيسرع إليها الإبراد, وقد روي أن النبي ﷺ أتى لرجل، فقال: «هل عندك ماء بات في شن وإلا كرعنا» (٢) والشن هي القربة البالية. واختناث الاسقية أن يأتي الإنسان إلى هذه القربة, ويجمع فمها ويكسره ويثنيه ثم يشرب منه, مأخوذ من الخَنَث وهو التثنّي, وهو الميل والثني، ومنه سمى المُخنَّث وهو الذي يتشبه بالنساء, لتكسره وتخنثه ويقال:

стр. 157

اخنِث فم القربة, أي اثنه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عنه, وثبت أنه ﷺ شرب من فم قربة وهو قائم. (١) واختلف أهل العلم في علة النهي. فقيل: لعدم رؤية ما فيها, فإنه قد يختنث ويشرب، وقد يكون فيها قذىً أو قذراً, وروي أن رجلاً شرب من قربه فانساب جانٌّ في بطنه, والجان هي الحية الصغيرة. وقيل: لانصباب الماء عليه بكثرة, لأن هذا الفم واسع, وإن ثناه وضغط عليه أصبح المخرج ضيقاً, فربما تدفق عليه الماء فشرق به وتأذى. وقيل: العلة أنه ينتن فم القربة, وقد روى الحاكم في المستدرك من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن النبي ﷺ نهى أن يشرب من في السقاء لأن ذلك ينتنه. لكن هذه زيادة مدرجة من كلام عروة بن الزبير, فالصحيح أنها موقوفة, لكنها مستنبطة، وعليه فالنهي يتضمن الكراهة جمعاً بين فعله ﷺ ونهيه.

стр. 158

وعلى هذا فهل يجوز للإنسان أن يشرب الآن من القوارير التي أفواهها ملساء, ويُرى ما فيها لشفافية الزجاج أو البلاستيك؟ نقول: لا بأس حينئذٍ من الشرب من فم هذه القوارير؛ لأنه: أولاً: يرى ما فيها. وثانياً: أنه يأمن من تناثر الماء عليه. وثالثاً: أنه لا يحصل نتن في الغالب في أفواههم. وقد يقال: التتابع على الشرب من فم هذه القارورة يحصل هناك إنتان, أو قد يكون هناك نقل للأمراض, على أن في هذا عندي نظر, لأن أهل الصفة شربوا من إناء واحد وهم أعدادٌ كثيرة, وسيقع فم الواحد منهم على فم الآخر, النبي ﷺ كان يتعرق العظم ويضع فمه على مكان ما تضع عائشة فمها, وكذلك يشرب من الإناء فيضع فمه أو فاه على موضع فيها.

стр. 159

فَصْلٌ وَمَنْ أَرَادَ النَّوْمَ يُغْلِقُ بَابَهُ ، وَيُوْكِيْ سِقَاءَهُ، وَيُغَطِّيْ إِنَاءَهُ، وَيُطْفِئُ سِرَاجَهُ، كَذَلِكَ رُوِيَ فِيْ السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَكَرِهَ أَحْمَدُ ﵁ غَسْلَ اليَدِ لِلطَّعَامِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الخَبَرِ غَسْلُ اليَدِ لَهُ، وَلَعَلَّهُ مَا صَحَّ عِنْدَ أَحْمَدَ ﵁. قوله: (فصل: ومن أراد النوم ... في السنن عن النبي ﷺ ) الأصل في هذه المسألة ما أخرجه صاحبا الصحيح من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا كان جُنح الليل فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ, فإذا ذهب ساعة العشاء، فخلوا» قال: «وأغلق بابك واذكر اسم الله، وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله, وخمر إناءك واذكر اسم الله، ولو تعرض عليه عوداً» (١) وفي لفظ مسلم: «غطوا الإناء وأوكوا السقاء» (٢)

стр. 160

وفي لفظ: «خَمِّروا الآنية, وأوكوا الأسقية وأجيفوا الأبواب -أي أغلقوها- واكفتوا صبيانكم عند المساء فإن للجن انتشاراً وخطفة, وأطفئوا المصابيح عند الرقاد فإن الفويسقة ربما اجترت الفتيلة فأحرقت أهل البيت» (١) وفي حديث ابن عمر عند البخاري ومسلم: «لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون» (٢) أما إغلاق الأبواب فالمصلحة فيه ظاهرة, وقد نقل الحافظ عن ابن دقيق العيد أنه قال: في الأمر بإغلاق الأبواب من المصالح الدينية والدنيوية، حراسة الأنفس والأموال من أهل العبث والفساد, ولاسيما الشياطين. (٣) فالمصلحة ظاهرة في إغلاق الأبواب, ومن السنة أن الإنسان إذا أراد أن ينام أن يغلق من الأبواب ما يحتاج إلى غلقه.

стр. 161

وهذا من حسن التدبير, وهو واجب من الواجبات, لأن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب, فلا يتم حفظ النفوس, والعورات, والأموال, والأعراض, إلا بهذا, فحينئذٍ يكون من الواجبات. قوله: (ويوكي السقاء) السقاء، هو: القربة وما أشبه ذلك, يوكيها ويربط عليها, وهذا فيه مصالح عديدة, حتى لا تأتيها الدواب, ولا تدخلها المؤذيات, فيتأذى هو بعد ذلك, ويغطي الإناء كذلك. وهذه الأفعال مقرونة باسم الله, فتغلق الباب، وتقول: "بسم الله", ويشمل إغلاق الأبواب إغلاق باب السيارة, فإن السيارة تُنزَّل على أنها بيت صغير, ولا تنزل على أنها دابة, فأحكام البيت الصغير فيها أكثر, ولها أبواب, فهي مشابهة للبيت الصغير, فتغلق الباب وتذكر اسم الله, سواءً أكنت تريد الركوب أو كنت تريد الخروج, كما قال النبي ﷺ : «فإن الشيطان لا يفتح باباً ذكر اسم الله عليه» (١) وقد يكون من بركة هذا حفظ هذه السيارة من السرقة.

стр. 162

وأصناف أواني الطعام قسمان: القسم الأول: ما يحتاج إلى غطاء خاص, فغطاؤه وكاؤه, فأغلقه واذكر اسم الله. والقسم الآخر من الأواني: إذا كان فيه طعام وليس له عادةً غطاء، كالطِّيس وبعض الصحون فأنت مخير, إما أن تغطيه غطاءً كاملاً وهذا أحسن, ويوجد الآن البلاستيك المحكم ويقول: "بسم الله", فإن تعذر أو تعسر فضع عوداً، وقل: "بسم الله", وهذا يكفي إن شاء الله, ولهذا قال: «ولو أن تعرض عليه عوداً وتذكر اسم الله» وهذا إن لم يجد الغطاء. والحكمة في ذلك حفظها من الأذى, وقد جاء في سنن الترمذي: أن الشيطان حساس لحّاس, (١) والخبر فيه مقال.

стр. 163

وإذا بات هذا الطعام مكشوفاً ففي جواز الأكل منه من الغد نظر, لأن النبي ﷺ أمر -كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة- بتغطية الآنية, وقال: «غطّوا الآنية, وأوكوا الأسقية, فإن في السنة ليلة ينزل فيها داء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء ولا سقاء ليس عليه وكاء إلا حل فيه من ذلك البلاء» (١) فقد يكون في تلك الليلة حل ذلك البلاء. وعليه فالطعام البائت إذا كان مكشوفاً يكون فيه مضرة. ويقوم مقام تغطية الآنية التي ليس لها غطاء, وضعها في الثلاجة, وتُغلق الثلاجة -وهي الآلة الكبيرة وهي كالإناء الكبير - ويقول: "بسم الله", وهذا يكفي. قوله: (ويطفي سراجه) وفي لفظ جابر: «وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله» (٢) وقد أمر النبي ﷺ بإطفاء النيران, وحُدِّث ﷺ كما في حديث أبي موسى عن قوم احترق عليهم بيتهم في المدينة, فقال: «إن هذه النار إنَّما هي عدو لكم فإذا نمتم فأطفئوها» (٣)

стр. 164

وقال بعضهم: هذا خاص بالمصابيح الحرارية التي قد يوجد منها معرّة - إيقاد نار وما أشبه ذلك - وهذا لا شك فيه, فالمصابيح الحرارية - أو المدفأة- يجب إطفاؤها عند النوم, أما المصابيح الأخرى فسمعت شيخنا ابن باز ﵀ قال: تُطفأ إلا ماله حاجة. قلت: لأن في إبقاء بعض المصابيح إسراف, لاسيما بعض المصابيح المتوهجة التي قد يخشى من إحراقها. وجاء في الخبر أيضاً أمر النبي ﷺ بإكفاء الآنية. وهذا أيضاً أدب للآنية الفارغة, فالسنة أنها تنكس إذا كانت فارغة, لا تكون مكشوفة, والحكمة في هذا حتى لا تأتي دواب فتقع فيها أو تمر عليها أو تلامسها فقد يقع الضرر حينئذٍ، ولا يلزم الغسل إذا كانت منكوسة. وقوله: (وكره أحمد ﵁ غسل اليد .... ما صح عند أحمد ﵁) الصواب أنه لم يصح في غسل اليد للطعام خبر وقد تتبعت هذا كثيراً, فلم أجد حديثاً صحيحاً صريحاً سالماً من المعارضة, ومن أصح ما ورد في هذا: أن النبي ﷺ أمر الجنب إذا أراد أن يأكل ويشرب وينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة. (١)

стр. 165

وهذا أيضاً ليس صريحاً؛ لأنه في حق الجنب, وهذا لمعنى آخر, فهو لتخفيف الجنابة لا لغسل اليدين, ولما سئل شيخنا ابن باز ﵀: هل يؤخذ من هذا الحديث غسل اليدين للطعام؟ قال: لا, هذا لأجل الجنابة. وأما حديث سلمان ﵁ الذي قال فيه: قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده. (١) فهذا فيه علل, فيه قيس بن ربيع, له مناكير، وهناك من حسّن حديثه, ولكن بعد التتبع, فحديثه ضعيف, وأيضاً فالوضوء المعروف هو الوضوء الشرعي, والوضوء لأجل الطعام ليس بسنة, دل على هذا ما رواه مسلم في صحيحه أن: النبي ﷺ أتى الخلاء ثم خرج منه فأتي بطعام فقيل له: ألا تتوضأ؟ فقال: «أريد أن أصلي فأتوضأ»؟ فأكل ولم يغسل يده. (٢)

стр. 166

وروى البيهقي أيضاً: عن عمر ﵁ بإسنادٍ صحيح: أنه قضى حاجته ثم أتي بطعام، فقيل له: ألا تغسل يدك؟ فقال: إنما استجمرت باليسرى وأنا آكل باليمنى. ولهذا اختلف أهل العلم في غسل اليد عند الطعام, وهما قولان في مذهب أحمد - رحمه الله تعالى - وأكثر السلف على عدم مشروعية ذلك, بل قال بعضهم: أنه من زي العجم، وصح عن أحمد: أنه غسل يديه عند الطعام، فلعله لحاجة. وساق ابن القيم - رحمه الله تعالى - الخلاف في المسألة، وقال: والصحيح أنه لا يستحب. (١) وشيخنا ابن باز ﵀ يميل إلى هذا, وقد رأيته مراراً في بعض المناسبات يدعى إلى الطعام فيذهب إلى الطعام مباشرة ولا يغسل يديه. ونقل البيهقي في الشعب عن الشافعي، قوله: وأولى الآداب أن يؤخذ ما فعل رسول الله، فيأكل المرء قبل أن يغسل يديه أحب إلي ما لم يكن مس يده قذراً. (٢) فهذا هو المعروف عند السلف.

стр. 167

ولكن هذه المسألة ليست من جانب التعبد في شيء، فمن غسل فلا شيء عليه, ومن ترك فلا شيء عليه, لكن من أراد مذهب السلف في هذه المسألة فالمشهور عنهم ترك غسل اليدين، وأما إذا خشي أن يكون عليها أذى فالغسل يتأكد. أما غسل اليد بعد الطعام فهو مشروع, وقد روى البخاري من حديث جابر ﵁، قال: كنا إذا طعمنا مع النبي ﷺ لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا. (١) وهذا محمول على قلة الماء أو له أسباب اقتضت ذلك. وأيضاً قوله: لم يكن لنا مناديل ... يدل على عدم وجود المناديل، وإلا لو وجدت لاستعملوها والتمندل نوع تنظيف فهو شبيه بالغسل، وأيضاً يبقى في اليد زهومة، لو لم يغسل يديه وسيأتي في الفصل القادم تكميل - إن شاء الله -.

стр. 168

فَصْلٌ ويُسْتَحَبُّ تَحْوِيْلُ غَسْلِ اليَدِ مِنَ الزُّهَامِ ، وَعِنْدَ النَّوْمِ أَشَدُّ اِسْتِحْبَابًا، فَقَدْ وَرَدَ التَّحْذِيْرُ مِنْهُ مِنْ أَجْلِ الهَوَامِّ. وَيُكْرَهُ لِمَنْ أَرَادَ الْمَسَاجِدَ لِلصَّلَاةِ، وَالاعتِكَافِ، أَنْ يَتَعَرَّضَ لِأَكْلِ الخَبَائِثِ مِنَ البُقُوْلِ، كَالبَصَلِ، وَالثُّوْمِ، وَالكُرَّاثِ، فَقَدْ نَهَى النَبَيُّ ﷺ عَنْ قُرْبَانِ الْمَسْجِدِ مَعَهُ. وَيُسْتَحَبُّ الإِجَابَةُ إِلَى وَلِيْمَةِ العُرْسِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَجِيْبَ إِلَى وَلِيْمَةِ الخِتَانِ؛ فَإِنَّهَا مُحْدَثَةٌ. وَإِذَا حَضَرَ وَلَيْمَةَ العُرْسِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الأَكْلُ، بَلْ إِنْ أَكَلَ وَإِلَّا دَعَا وَانْصَرَفَ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الإِجَابَةُ إِلَيْهَا؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيْهَا لَعِبٌ وَلَا مُنْكَرٌ وَلَا لَهْوٌ، فَإِنْ كَانَ فِيْهَا مُحَرَّمٌ حَرُمَتِ الإِجَابَةُ، وَإِنْ كَانَ فِيْهَا مَكْرُوْهٌ كُرِهَتِ الإِجَابَةُ. وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ المُرُوْءَاتِ وَالفَضَائِلِ التَسَرُّعُ إِلَى إِجَابَةِ الطَّعَامِ، وَالتَسَامُحُ، وَحُضُوْرُ الوَلَائِمِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ يُوْرِثُ دَنَاءَةً وَإِسْقَاطَ الهَيْبَةِ مِنْ صُدُوْرِ النَّاسِ.

стр. 169

وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِ عِيَادَةُ أَخِيْهِ المُسْلِمِ، وَحُضُوْرُ جَنَازَتِهِ إِذَا مَاتَ، وَتَعْزِيَةُ أَهْلِهِ. وَلَا بَأْسَ بِعِيَادَةِ الذِّمِّيِّ، فَقَدْ عَادَ النَّبِيُّ ﷺ يَهُوْدِيًّا، وَقَالَ: ((كَيْفَ تَجِدُكَ يَا يَهُوْدِي)). قوله: (فصل ويستحب غسل اليد ..... من أجل الهوام) فغسل اليد بعد الطعام لا شك في مشروعيته؛ كأن يكون في هذا الطعام زهومة سواء نام أو لم ينم، وعند النوم أشد، لحديث رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من بات وفي يده غَمَر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه» (١)

стр. 170

وهذا الحديث في إسناده اختلاف كثير واضطراب، وقد ذكره ابن أبي حاتم في العلل (١) , والدارقطني في علله (٢) , وأعرض عنه صاحبا الصحيح, وقد أومأ أبو حاتم إلى أنه موقوف، وجاء أيضاً في معنى هذا الحديث أخبار, وهو يدل على التحذير من كون الإنسان ينام وفي يده دسومة طعام. الغمر -ضُبط بالتسكين وبالفتح- هي زهومة اللحم. (٣) والإنسان قد ينام ويكون في يده من بقايا الأكل, فربما أتت دابة وحسبت أن هذا طعاماً أو لحماً فنهشته, فأصابه إما مرض, أو سمّته فمات, أو ما أشبه ذلك, وفي بعض ألفاظ الحديث: «فأصابه وَضَح» (٤)

стр. 171

أي برص, وهذا الحديث يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يغسل يده من الطعام إذا كان له زهومة وأثر في اليد. وهذا عام في وجود جزء من الزهومة على الجسم, سواء في اليد أو في الرجل, أو رائحة البدن فإنه يتأكد عند النوم تنظيف البدن. قوله: (ويكره لمن أراد المساجد للصلاة أو الاعتكاف أن يتعرض لأكل الخبائث من البقول؛ كالبصل والثوم والكراث، فقد نهى عنه النبي ﷺ عن قربان المسجد معه) هذا يتعلق بآداب الحضور إلى المساجد, وقد جاء عن النبي ﷺ من غير وجه من حديث جابر وحديث أنس وحديث ابن عمر، أنه قال: «من أكل ثوماً فلا يقربن المساجد» (١)

стр. 172

وفي سياق حديث جابر عند مسلم: نهى رسول الله ﷺ عن أكل البصل والكراث، فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها، فقال: «من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا» (١) وسميت هذه خبائث؛ لأنها طعام دنيء, وأيضاً لرائحتها, وقد يسمى الشيء الحلال خبيثاً باعتبار دناءته أو رائحته, وفي التنزيل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ (٢) يعني لا تيمموا الدنيء من المطعومات والمشروبات فتصدقون به, بل اعمدوا إلى الأطيب, فـ «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً» (٣) وليس هذا الخبث مما يتعلق به التحريم كما في قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٤) ويؤيد هذا قوله تعالى في بني إسرائيل حينما

стр. 173

تمنوا البصل والثوم والعدس: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ (١) فقوله تعالى: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ أي: من المطاعم التي اخترتموها. والحكمة واضحة في النهي عن دخول المساجد لمن أكل بصلاً أو ثوماً أو كراثاً, والمراد مع بقاء الرائحة, لأن هذا النهي معلل بعلتين: أذية المؤمنين, وأذية الملائكة. وهل يلحق بهذه الثلاثة ما سواها من المأكولات ذوات الرائحة الخبيثة؟ نعم, قد جاء في حديث جابر نفسه عند الطبراني في الصغير التنصيص على الفجل، ولكن في إسناده يحيى بن راشد (٢). وألحق أهل العلم كل ماله رائحة تؤذي المصلين, سواءً كان هذه المطعوم أو المشروب حلالاً أو حراماً, وإن كان حراماً فهو أشد وأخبث,

стр. 174

فألحقوا السمّاك الذي يبيع السمك أو يصطاده, فإن رائحة السمك شديدة, وقد لا تخرج من الإنسان بسهولة, وفي الأعصار المتأخرة صاحب الدخان, وهو شارب التبغ, من أجل الرائحة الخبيثة التي تفوح من فيه, مع أن الدخان محرم, وتحريمه ظاهر, ومفاسده كثيرة، وعلى هذا يحرم دخول المسجد لمن فيه رائحة منتنة من بصل, أو ثوم, أو كراث, أو دخان, أو عرق, أو بخر شديد يظهر أثناء الكلام, أو اتساخ ملابس برائحة مطعوم أو مشروب أو غير ذلك لحصول الأذية للمسلمين والملائكة. ونستفيد من هذا الحديث وما جاء في معناه, أنه يحرم لمن أراد المساجد للصلاة أو الاعتكاف أن يتعرض لهذا الشيء. وتعبير المؤلف بقوله: (أن يتعرض) فيه نظر، فإن أكل الإنسان الثوم أو الكراث أو البصل أوكل ذي رائحة نتنة لا يخلو من أقسام: القسم الأول: أن يكون لحيلة إسقاط صلاة الجماعة, فهذا لا يحضر ويأثم, أما عدم حضوره فللأحاديث الواردة في الباب, وأما كونه يأثم فلأنه احتال لإسقاط واجب. القسم الثاني: أن يأكلها لشهوة ولم يتخذها عادة هذا جائز ولا يأثم, ولكن لا يحضر صلاة الجماعة.

стр. 175

ولكن هل يكتب له أجر الجماعة؟ قال بعض أهل العلم: إن كان عادته حضور الجماعة فإنه يكتب له أجر صلاة الجماعة؛ لأنه تأخر عن حضور صلاة الجماعة بسبب إعذار ومسامحة من الشارع, بل الشارع هو الذي نهاه, وقال بعضهم: الذين يأكلون الثوم والكراث ينقسمون إلى قسمين: فمنهم من يأكله لحاجة كتطبب ودواء وحاجة كأن لا يكون عنده طعام سواه فهذا يعذر, وله أجر الجماعة, لأنه مريد لها. أما إذا أكلها شهوةً, فهو الذي أسقط الجماعة باختياره وهذا هو الصحيح، وحسبه عفو الشارع عن الجماعة أما ثبوت أجرها فلا، هذا ما ظهر لي. وأما حد إباحة حضور المسجد لمن أكل الثوم أو البصل أو الكراث: فهو زوال الرائحة, فإذا زالت الرائحة جاز له دخول المسجد بعد ذلك, وعليه أن يتعاطى الأشياء التي تزيل الرائحة إذا قرب وقت الصلاة, وقد بوب ابن خزيمة باباً يوهم أن حد إزالة الرائحة ثلاثة أيام, فجاء عنده: «من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مساجدنا ثلاثاً» (١) وبوب عليه: (باب توقيت النهي عن إتيان الجماعة لآكل الثوم) (٢) وفي هذا نظر لأن

стр. 176

قوله: (ثلاثاً) راجع إلى تكرار النبي ﷺ القول, لا أن وجود الرائحة لا يزول إلا بعد هذه الأيام الثلاث, فالرائحة تزول قبل ذلك بكثير, ولكنه فهم ﵀ أنه يسمح للإنسان ثلاثة أيام في ترك الجماعة، وقد وهم في هذا. فإذا قلنا أن العلة مركبة من أذية الملائكة, وأذية المؤمنين, فالتقسيم حينئذٍ كالتالي: ١ - أن يأكل بعض جماعة المسجد ولا يأكل البعض فحينئذ يحرم على الذين أكلوا أن يحضروا المسجد؛ لأن فيه أذيتين الأذية الأولى أذية الملائكة, وأذية الذين لم يأكلوا. ٢ - أن يأكلوا جميعاً بإمامهم فبعض أهل العلم رخص لهؤلاء أن يحضروا, فقالوا: لا أذية, فالجميع قد أكل ورضي بالرائحة لنفسه ولغيره, والصحيح أنه يحرم للعلة الأولى وهي أذية الملائكة. ٣ - أن يأكل الرجل الثوم أو الكراث ثم يدخل المسجد, سواءً كان للصلاة أو بدون صلاة, وليس في المسجد أحد, فهذا أيضاً يمنع لما فيه من أذية للملائكة. ولو أن الناس يصلون في الخارج, وليسوا في المسجد فلا يخلو من حالين:

стр. 177

الحالة الأولى: إذا أكلوا جميعاً فلا بأس أن يصلوا جماعة, إذا لم يؤذِ بعضهم بعضاً لزوال العلتين. الحالة الثانية: إذا أكل البعض وترك البعض ويحصل الأذى فحينئذ لا يصلي من أكل مع غير الآكلين لوجود إحدى العلتين وهي أذية المؤمنين. وقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد ﵁ لما فتحت خيبر -: أن رسول الله ﷺ مر على زَرّاعة بصل هو وأصحابه، فنزل ناس منهم فأكلوا منه، ولم يأكل آخرون، فرحنا إليه فدعا الذين لم يأكلوا البصل، وأخر الآخرين حتى ذهب ريحها. (١) والمقصود أنه عزل من أكل ولم يثرّب عليهم, لأنهم إنما أكلوا لحاجة, فقد كانوا جميعاً جياعاً, وهؤلاء الذين أكلوا لم يتعرض لهم في الحديث, هل صلوا جميعاً أم لا, ولكن نقول كما تقدم: إن صلوا جميعاً فلا بأس, وإن تأذى بعضهم بأكل غيره فصلى لوحده فلا بأس. وعلم بهذا أن داخل المسجد ولو لم يكن في وقت صلاة ينبغي أن تكون رائحته طيبة.

стр. 178

فمن أراد أن يأكل هذه الأشياء فكما قال عمر ﵁: إنكم تأكلون شجرتين ما أراهما إلا خبيثتين, فمن أراد أن يأكلهما فليمتهما طبخاً. (١) فقد يشتهي بعض الناس هذا الأشياء, فنقول: بالغ في طبخها حتى تزول منها الرائحة الخبيثة, وإن كان الثوم في الغالب لو بالغ في طبخه فإنه لا تزول رائحته. لكن ذكر ابن القيم (٢) وغيره أن مصّ ورق السَذَاب يذهب رائحة البصل والثوم, وعلى من ابتلي بهذا أن يستعمل السواك ويستخدم المنظفات والمعطرات حتى تزول هذه الرائحة. وإذا وجدت رائحتها من رجل فإنه يشرع للإمام أو غيره أن يخرجه, وقد وقع عند مسلم من حديث عمر ﵁: أنه خطب الناس فقال: أيها الناس إنكم تأكلون شجرتين ما أراهما إلا خبيثتين -أي أظنهما- ولقد كان الرسول ﷺ إذا وجد ريحها من رجل أمر به فأُخرج إلى البقيع. (٣)

стр. 179

وفي هذا الحديث من الدلائل أنه يخرج بعيداً، ليس في رحبة المسجد؛ لأن العلة فيها أذية الملائكة أيضاً, فهو إذا أخرج من المكان الذي به المصلون زالت علة وهي أذية المصلين, ولكن بقيت أذية الملائكة، وهم في الرحبة وفيما يسمى مسجداً، فإن الملائكة تكون في المساجد. فائدة: روى الإمام أحمد في مسنده (١٦٩٧٢): حدثنا أبو المغيرة حدثنا حريز بن عثمان الرّحبي قال: سمعت عبد الله بن غابر الألهاني قال: دخل المسجد حابس بني سعد الطائي في السحر وقد أدرك النبي ﷺ فرأى الناس يصلون في مقدم المسجد، فقال: مُراءون وربُّ الكعبة، أرعبُوهم، فمن أرعبهم، فقد أطاع الله ورسوله، فأتاهم الناس، فأخرجوهم، قال: فقال: إن الملائكة تصلي من السحر في مقدم المسجد» وهذا إسناد لا بأس به وقد رواه الطبراني في الكبير من طريق حريز ... ورواه غيره. وهذا - أعني صلاة الملائكة في مقدم المساجد في السحر - لا أحفظه مرفوعاً في الأخبار .. ، ونهي الناس عن الصلاة في مُقدمِ المسجد في وقت السحر فيه نظر، بل لا يجوز حتى يثبت عن النبي ﷺ في ذلك خبرٌ صحيح صريح، وهذا اجتهاد صحابي.

стр. 180

وسألت شيخنا ابن باز ﵀ عن ملائكة البيوت وأن الإنسان قد يأكل ويصلي في البيت؟ فقال: ملائكة البيوت لا حيلة في ذلك, والمراد في الحديث ملائكة المسجد. مسألة: ذكر جماعة من أهل العلم أن أصحاب العاهات أيضاً يمنعون من دخول المسجد, إذا كانت هذه العاهة مما قد يعدي, أو مما يتقزز الناظر منها, ويحصل له أذية لأن الأذية قد تكون في هذه الصورة أشد من الرائحة، فقد تكون أذية صوت أو منظر أو ريح أو ما أشبه ذلك, فللإمام أن يمنع أصحاب العاهات المعدية من دخول المسجد, والنبي ﷺ قال لذاك الرجل الذي أصيب بالجذام: «ارجع فقد بايعناك» (١) فترك مبايعة النبي ﷺ وبايعه النبي ﷺ دون أن تمس يده يده، ولهذا المريض بالعنقز (جدري الماء) وما أشبهه يرخص له في ترك صلاة الجماعة. قوله: (ويستحب الإجابة إلى وليمة العرس، وليس له أن يستجيب إلى وليمة الختان؛ فإنها محدثة) قرر المؤلف أن إجابة وليمة العرس مستحبة, وفي هذا نظر, فقد صح عن النبي ﷺ من غير وجه من حديث ابن عمر وحديث جابر وغيرهما:
следующие страницы →