ثم سردها النبي ﷺ , على أن هذا الحديث تُكُلِّم فيه من أجل مصعب بن شيبة, لأن مصعب بن شيبة ضعيف عند الجمهور, لكن مسلماً انتقى من حديثه ما علم أنه قد حفظه كعادته في الانتقاء, وأما البخاري ﵀ فقد أعرض عن هذا الحديث رأساً, واتفق هو ومسلم على حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الفطرة خمس: الاختتان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط» (١)
قول المؤلف: (فالتي في الرأس: المضمضة, والاستنشاق, والسواك, وقص الشارب, وإعفاء اللحية)
فالمضمضة والاستنشاق من أفعال الوضوء, ومحلها عند غسل الوجه, وقد بينتها السنة, وهي واجبة في الوضوء والغسل من الجنابة، على الصحيح.
والمراد بالمضمضة وضع الماء في الفم وتحريكه, والصحيح أن مجَّ الماء من الفم غير واجب, فيجوز له أن يبتلعه.
стр. 72
والاستنشاق هو جذب الماء بالمنخرين, والاستنثار واجب؛ لأنه قد جاء فيه أمر, في قوله ﷺ : «استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثاً» (١) ولأن فائدة الاستنشاق هي نثر الماء من الأنف, فإذا وجب الاستنثار علم وجوب الاستنشاق ضرورة , والاستنثار يجب عند القيام من النوم, لقوله ﷺ : «إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاثاً فإن الشيطان يبيت على خيشومه» (٢) وهذا الاستنثار واجب سواءً كان الإنسان مريداً للوضوء أم لا, فإن توضأ وجب تثليث الاستنشاق والاستنثار, ولم يجئ مثل هذا في المضمضة عند القيام من النوم.
قوله: (والسواك)
السواك يطلق على عود الأراك, وكل ما يحصل به المقصود, وفيه مسائل كثيرة جداً, حتى أنه أُلِّفت فيه مؤلفات في أحكامه, وهو في الأصل سنة مؤكدة عن النبي ﷺ , وقد روى البخاري في صحيحه: أن النبي ﷺ ، قال: «أكثرت عليكم في السواك» (٣) وهو متأكد في عدّة مواضع,
стр. 73
عند الوضوء, والصلاة, ودخول المنزل؛ كما روى ذلك مسلم في صحيحه من حديث الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ قُلْتُ بِأَىِّ شَىْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ قَالَتْ بِالسِّوَاكِ. (١)
وفيه من الفوائد أن التسوك عند دخول المنزل مع كونه امتثالا لسنة النبي ﷺ ففيه أيضاً تطهير فم الإنسان لعشرة أهله.
واختلف فيه هل يكون باليمين أو بالشمال, ففي حديث عائشة ﵂ في الصحيحين، قالت: «كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وفي طهوره وفي شأنه كله» (٢) وزاد أبو داود: «وسواكه» (٣) لكن هذه الزيادة انفرد بها مسلم بن إبراهيم الفراهيدي, ومسلم لا بأس به, فهو ثقة من رجال الستة, لكنه خالف هنا شعبة بن الحجاج, فالزيادة هذه شاذة, وعلى القول بالتيمن عند التسوك اختُلف في صفة ذلك , فمنهم من قال: التيمن بالسواك أن يستاك باليد اليمنى, وهذا قال به قلة من أهل العلم, حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - بالفتاوى بالمجلد الحادي والعشرين: اتفقوا على أنه بالشمال، ولم يخالف فيه
стр. 74
أحد من الأئمة, مع أن جدّه أبا البركات يرى أنه باليمين, فلا أدري أنسي أم أنه لم يعدّ جدّه من الأئمة؟!! (١)
ومنهم من قال: يستاك بالشمال, وهو مذهب الأكثر وهو اختيار شيخنا ابن باز - رحمه الله تعالى - ويقولون: التيمن فيه أن يبدأ بشق الفم الأيمن, ومنهم من فصَّل، فقال: إن كان يستاك لمجرد فعل السنة فباليمين, وإن كان لإزالة الأذى فبالشمال, وهذا التفصيل ليس ببعيد.
وجمع السواك: سُوُك, وليس مساويك, مثل كتاب يجمع على كُتُب, ويجوز سُوك, على التخفيف وهذا عند الضرورة, ويقال للعود: سواك ومسواك.
قوله: (وقص الشارب)
علمنا من كلام المؤلف هنا أن المشروع القص لا الحلق, وقد اختلف أهل العلم في السنة في الشارب هل يحلق أم يُقص؟
فذهب بعض أهل العلم إلى أن الحلق أفضل, واحتجوا ببعض ألفاظ الحديث: أن النبي ﷺ أمر بإحفاء الشارب, والإحفاء هو المبالغة في الأخذ, ومنه قوله: "حتى أحفوه بالمسألة" , أي بالغوا فيه وآذوه, واحتجوا
стр. 75
أيضاً بفعل جماعة من الصحابة؛ كابن عمر وأبي رافع وغيرهم, أنهم كانوا يحفون شواربهم إحفاءً شديداً, وهذا مشهور مذهب الأحناف.
وقال بعضهم: بل السنة القص, وهذا مذهب الأكثر, بل ذهب مالك ﵀ إلى أن حلق الشارب بدعة, وقال: أرى أن يُضرب فيها الفاعل. وقال: إنها بدعة ظهرت في الناس.
والصحيح أن السنة القص, وأما الحلق فمباح, لكنه خلاف الأولى, وله وجهة وسلف, ومن الأدلة على سنية القص حديث زيد بن أرقم ﵁ الذي رواه النسائي وغيره بإسناد صحيح: أنه ﷺ قال: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» (١) و «من» هنا للتبعيض.
ومن الأدلة أيضاً أن المغيرة ﵁، قال: "أتيت النبي ﷺ وكان شاربي قد وفى فقصّه لي على سواك. (٢) وإسناده لا بأس به.
стр. 76
وفيه دلالة على أن الشارب يقص من أسفل, فتكون الشفة العليا مكشوفة, أما إعفاء الشارب حتى يكثر ويتوفر فالظاهر أنه من الكبائر؛ لأن فيه تشبه بالكفرة الذين يعفون شواربهم ويحلقون لحاهم.
واختلف في السنة في طرفي الشارب, هل توصل باللحية أم لا؟ فمنهم من قال: مباح, من شاء وصل ومن شاء فصل, ومنهم من قال: الفصل أولى, واحتجوا بأن البخاري ﵀ علق عن ابن عمر: أنه كان يأخذ طرفي شاربه, ولم يتحرر لي في هذا شيء, فهو مباح, إن شاء أخذ الطرفين, وإن شاء وصلهما باللحية.
قوله: (وإعفاء اللحية) (١)
هذه فيها مسائل:
الأولى: أن العلماء عليهم رحمة الله اتفقوا على تحريم حلق الحية، وهي الشعر النابت على الخدين والذقن, فيشمل عظم اللحي إلى ملتقى العظمين في الذقن، ويشمل ما على الخدين, وخرج بهذا الشعر الذي على
стр. 77
الحلق, فليس من اللحية, أما الشعر الذي على الفك السفلي فهو من اللحية. فالشعر على الخدين والفكين فهو من اللحية، والعنفقة - وهي الشعر النابت على الشفة السفلى- من اللحية أيضاً؛ كما قال أنس ﵁:
ولم يختضب رسول الله ﷺ وإنما كان البياض في عنفقته وفي الصدغين وفي الرأس نبذ. وهذا استثناء متصل.
ومن المسائل أيضاً مسألة حد الإعفاء, فالأصل في الإعفاء الترك, والإعفاء المراد به التكثير, ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ (١) أي كثُروا, وقد وردت ألفاظ تدل بمجملها على تركها مطلقاً؛ كما قال ﷺ : «أعفوا اللحى» (٢) «أوفوا» (٣) «أرخوا» (٤) «وفروا» (٥) فهذه أربعة ألفاظ تدل على ترك اللحية وعدم التعرض لها, وهذا المذهب الأول في صفة اللحية, واحتجوا أيضاً بأنه صح عن النبي ﷺ أن لحيته كانت كثة, واللحية الكثة تدل على كثرة الشعر وطوله, والأخذ ينافي الكثرة والطول, واحتجوا أيضاً بأنه ﷺ
стр. 78
كانت لحيته ترى من خلفه, كما روى البخاري في صحيحه من حديث أبي معمر وهو عبد الله بن سخبرة قال: سألنا خباباً بأي شيء كنتم تعرفون قراءة النبي ﷺ في صلاة الظهر؟ فقال: باضطراب لحيته. (١)
قالوا: واللحية القصيرة لا تضطرب.
واحتجوا أيضا بما صح عن علي ﵁ أن لحيته قد ملأت مابين منكبيه؛ كما قاله الشعبي وحكاه عن علي ﵁ وقد أدركه، أخرجه ابن المنذر في الأوسط عنه.
وأما المذهب الثاني في هذه المسألة: أن اللحية الشرعية تكون قبضة, فما فضل يؤخذ شرعاً, واحتجوا بأن ابن عمر ﵁: كان إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه. روى ذلك عنه مالك في الموطأ, ورواه البخاري من طريقه. (٢) وقد روي عنه غير مقيد في الحج والعمرة. (٣) وقد قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح: والذي يظهر لي
стр. 79
أن ابن عمر ﵁ كان يفعل ذلك دون التقيد بالنسك. (١)
ولكن نقول أن المحفوظ عن ابن عمر ﵁ أنه كان يفعله في الحج والعمرة فقط, وروي عن أبي هريرة ﵁ نحوه.
ولكن نقول: هذا لا حجة لهم فيه لأمور: أولاً لأن ابن عمر ﵁ هو أحد رواة حديث: «وفروا اللحى».
وابن عمر ﵁ له اجتهادات يخالف فيها مرويّه, ويخالف فيها السنة, فهو الذي روى: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأتموا عدة شعبان ثلاثين» (٢) ومع ذلك صح عنه كما في الموطأ وغيره, أنه كان يبعث نافعاً فينظر مع الناس, فإن رأوا الهلال أصبح صائماً, وإن كانت الدنيا صحواً ولم يروا الهلال أصبح مفطراً, وإن كان هناك قتر ولم يُرَ الهلال أصبح صائماً. (٣) وهذا خلاف ما روى ﵁ , وقد كان ﵁ يضع الماء في عينيه عند
стр. 80
الغُسل حتى عمي ﵁. (١) وقد كان ﵁ في الحج يدّهن بدهن غير مطيب. (٢) مع أنه ﷺ كما في الصحيح كان يدّهن بالمسك ويتضمخ به, (٣)
وقد كان ابن عمر ﵁ شاهداً , ولكنه كان يشدد على نفسه ﵁ , فنقول في مسألة اللحية: أن ابن عمر ﵁ خالف المعلوم من السنة في هذا, ولا يجوز لنا أن نختزل السنة كلها في فعل ابن عمر ﵁ , ونقول أيضاً للذين يرون القبضة: ما استدللتم به هو في الحقيقة دليل عليكم, فإن ابن عمر ﵁ حينما كان يحج ويعتمر ويأخذ الزيادة على القبضة فهذا يدل على أنها تطول وتتسع ثم بعد ذلك يأخذ منها, وهذا يدل على طولها وتجاوزها القبضة, وإلا فلو كان يتعاهدها لما كانت تتعدى القبضة, والأمر الثاني أن ابن عمر ﵁ لم يكن داعية إلى هذا الشيء كما هو فعل الكثير الآن، والدعوة لأخذ ما زاد على القبضة بدعة، وقد روي عن ابن عباس أنه كان يأخذ من لحيته في الحج، وتأول قوله تعالى ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا﴾ والإجابة عنه مثل الإجابة عن أثر ابن عمر, والمقبضون في عصرنا في الحقيقة يشرقون بصريح
стр. 81
دلالة الأثرين، فلا يقولون بمقتضاهما من كل وجه، ففرق بين التعاهد (لزوم التقبيض)، وبين الأخذ في الحين بعد الآخر، أو في الحج أو العمرة، فمن لم يفهم هذا فليسكت، وأعظم من هذا الدعوة إلى التقبيض وأعظم منه الإنكار على من تركه وهذه من طوام الخلف ومتفقهة هذا الزمان، فواعجباً
المذهب الثالث في هذه المسألة: أنه يجوز أخذ ما شذ ونفر وآذى من اللحية, وهذا لا ينافي الإعفاء في الحد والحقيقة فهو راجع إلى القول الأول، وهذا الذي بيّنه فعل السلف والأئمة كالإمام أحمد وغيره, فالمنقول عن السلف قولان التقبيض أحياناً، وهذا القيد لابد منه أعني أحياناً، وهذا القول الذي حكيته أخيراً، فصار خلاصة مذهب السلف في المسألة قولان سائغان وإن كان أحدهما أرجح من الآخر، أما القول بأن أخذ شعرة واحدة محرم فهذا فيه نظر, بل لا يصح، فيجوز للإنسان أن يأخذ من شعر لحيته ما علم أنه زائد وشاذ, أو كانت لحيته طويلة تدخل في طعامه وشرابه, دون التقصيص الكثير الذي ينافي الإعفاء, فمتى كان القص منافياً للإعفاء حرُم، ومما يجلي ذلك، وتقدم ذكره حديث المغيرة السابق وأن شاربه قد وفى: أي طال فتأمل هذه اللفظة مع قوله ﷺ : أوفوا: أي طوِّلوا، فدلّ على أن القص ينافي التوفية وكذا ما ثبت في الصحيحين «جزوا الشوارب» و «قصوا الشوارب» و «أعفوا اللحى» يدل على أن
стр. 82
الإعفاء ينافيه القص أو الجزّ ومثله في سنن الفطرة «قص الشارب، وإعفاء اللحية ....»
فمن قال: إن الإعفاء والتقصيص يجتمعان فهذا وسواس فليستعذ بالله منه فإنه يذهب عنه إن شاء الله، ومما يؤيد ذلك زيادة على ما تقدم ما أخرجه أحمد بسند لا بأس به (٥/ ٢٦٤) ورقم (٢٢٢٨٣) من طريق عبد الله بن العلاء بن زبرحدثني القاسم قال: سمعت أبا أمامة يقول: خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار .... الحديث وفيه: فقلنا يارسول، إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم، ويوفَّرون سبالهم! قال: فقال النبي ﷺ «قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب»
والعثانين: جمع عُثنون وهي اللحية، والسَّبال: الشوارب.
وهذا فيه فوائد: المنع من تقصيص اللحى لأنه من التشبه باليهود والنصارى وهذه آفة غير مخالفة أمر الشارع كما تقدم.
وفيه من الفوائد: أن القصّ ينافي التوفير لأن النبي ﷺ جعل هذا بإزاء هذا.
قوله: (والتي في الجسد: حلق العانة, ونتف الإبطين, وتقليم الأظفار, والاستنجاء, والختان) وهذه الأشياء كلها تؤخذ.
وقوله: (حلق العانة، ونتف الإبطين)
стр. 83
أي حلق شعر العانة, وهو شعر القبل من الذكر والأنثى, ونتف الإبطين.
والشعور في البدن تنقسم ثلاثة أقسام:
الأول: شعرٌ يؤمر بأخذه كالعانة والإبطين.
والثاني: شعرٌ يُنهى عن أخذه كاللحية والحواجب.
والثالث: شعرٌ مسكوت عنه.
وقد اختُلف في هذا الثالث, فقال بعضهم: يُبقى, وهذا اختيار الشيخ محمد ابن عثيمين رحمه الله تعالى.
وقال بعضهم: بل هو مما عفى الله عنه, وما سكت الله عنه فهو عفو, وهذا هو الصحيح, لكن على وجه يكون فيه الإنسان غير عامد لمشابهة النساء, وعلامة ذلك المواظبة عليه.
واختلف في شعر الدبر, فقال بعضهم: هو ملحق بشعر العانة فيؤخذ. وقال بعضهم: لا يلحق, ولكن إن كثر حتى آذى ومنع من تكميل الطهارة فيؤخذ, وهذا هو الصواب.
وهذه الأشياء التي ذكرها المؤلف منها ما يحتاج إلى أخذه على رأس الأسبوع كالأظفار وبعضها مؤقتة بأربعين يوماً؛ كما روى مسلم في
стр. 84
صحيحة من حديث أنس ﵁، قال: وُقِّت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة. (١)
والمراد بهذا التوقيت أي النهاية التي يكون بعدها الإنسان داخلاً في الإثم, وجاء في مسند الإمام أحمد أن الموقت هو الرسول ﵊, ولكن في سند هذه الرواية صدقة بن موسى الدقيقي, وهو ضعيف, (٢) ولكن لا شك أن الموقت هو الرسول ﷺ , لكن الصيغة الموجودة في مسند أحمد ضعيفة.
والأفضل في شعر العانة الحلق لا النتف, والأفضل في شعر الإبطين النتف لا الحلق, والفرق بين المكانين ظاهر, فالحلق في شعر العانة أولى في شد المحل, ونتفه يضعف المحل ويرخيه, مع ما فيه من ألم, أما الإبط فحلقه مما يجعل الشعر يغزر, ونتفه مما يجعل الشعر يضعف, وأما تقليم
стр. 85
الأظفار فبالمقلمة, وكانت المقلمة من قبل آلة حادة, تُبرى بها الأقلام, فصاروا يسمون أخذ الأظفار تقليماً.
وقوله: (والاستنجاء): هو استعمال الماء لإزالة النجو من الدبر والقبل.
وأما الختان: فهو قطع القلفة من الذكر, وهو في الذكور واجب؛ لأنه متعلق بالطهارة, فلا تكمل طهارة الذكر إلا بإزالته, وقد اختلف في حكمه بالنسبة للنساء, والصحيح أنه مستحب في حقهن, وقد اختتن إبراهيم ﵇ بالقدّوم بعدما مر عليه ثمانون سنة, واختلف في القدوم هل هو آلة أو اسم مكان, وعادة الناس في هذه الأزمنة أن يختنون الذكور وهم صغار, وهذا فيه مصالح كثيرة.
стр. 86
فصل في كلام بعض أهل العلم في المسألة
قال النووي في المجموع (١/ ٣٤٩) الختان واجب على الرجال والنساء عندنا وبه قال كثيرون من السلف كذا حكاه الخطابي وممن أوجبه أحمد وقال مالك وأبو حنيفة سنة في حق الجميع. ا. هـ.
وقال ابن عابدين في حاشيته تعليلاً لإباحة النظر إلى محل الختان لأن الختان سنة للرجال من جملة الفطرة لا يمكن تركها، وهو مكرمة في حق النساء.
وقال الباجي في شرح الموطأ (٧/ ٢٣٢): وقال مالك ومن ابتاع أمةً فليخفضها إن أراد حبسها ... وقال النساء يخفضن الجواري.
وقال أبو محمد في المغني (١/ ١١٥) فأما الختان فواجب على الرجال ومكرمة في حق النساء، وليس واجباً عليهن هذا قول كثير من أهل العلم، وقال أحمد الرجل أشد.
وسئل شيخ الإسلام ﵀ (٢١/ ١١٤) عن المرأة هل تختن أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، نعم تختتن، وختانها أن تقطع أعلى الجلدة التى كعرف الديك قال رسول الله ﷺ ، للخافظة، وهي الخاتنة: «أشمِّي ولا تنهكي،
стр. 87
فإنه أبهى للوجه، وأحظى لها عند الزوج» يعني لا تبالغي في القطع وذلك أن المقصود بختان الرجال تهيره من النجاسة المحتقنة في القلفة، والمقصود من ختان المرأة تعديل شهوتها، فإنها إذا كانت قلفاء كانت مغتلمة شديدة الشهوة، ولهذا يُقال في المشاتمة يابن القلفاء! فإن القلفاء تتطلع إلى الرجال أكثر، ولهذا يوجد في نساء التتر ونساء الافرنج ما لا يوجد في نساء المسلمين، وإذا حصلت المبالغة في الختان ضعفت الشهوة، فلا يكمل مقصود الرجل، فإذا قطع من غير مبالغة حصل المقصود بالاعتدال. أ. هـ.
وقال ابن القيم في تحفة المودود «الفصل التاسع» في أن حكمه يعني الختان يعم الذكر والأنثى.
قال صالح ابن أحمد: إذا جامع الرجل امرأته ولم ينزل؟ قال إذا التقى الختانان وجب الغسل.
قال أحمد وفي هذا أن النساء كن يختتن، وسئل عن الرجل تدخل عليه امرأته فلم يجدها مختونة أيجب عليها الختان؟ قال الختان سنة.
قال الخلال: وأخبرني أبو بكر المروذي وعبد الكريم بن الهيثم ويوسف بن موسى؛ دخل كلام بعضهم في بعض أن أبا عبد الله سئل عن المرأة تدخل على زوجها ولم تختتن أيجب عليها الختان؟ فسكت والتفت إلى أبي
стр. 88
حفص قال: تعرف في هذا شيئاً؟ قال: لا فقيل، إنه أتى عليها ثلاثون أو أربعون سنة فسكت قيل له فإن قدرت على أن تختتن؟ قال: حسن، قال وأخبرني محمد بن يحيى الكحال قال سألت أبا عبدالله عن المرأة تختتن؟ فقال خرجت فيه أشياء ونظرت فإذا خبر النبي ﷺ ، حين يلتقي الختانان ولا يكون واحداً إنما هو اثنان قلت لأبي عبد الله: فلا بد منه قال الرجل أشد وذلك أن الرجل يختتن فتلك الجلدة مدلاة على الكمرة فلا يبقى ما ثمَّ، والنساء أهون قلت لا خلاف في استحبابه، واختلف في وجوبه وعن أحمد في ذلك روايتان أحدهما يجب على الرجل والنساء، والثانية يختص وجوبه بالذكور. ا. هـ.
وقال القاري في المرقاة (٨/ ٢٨٩) وأما النساء فمكرمة ففي خزانة الفتاوى ختان الرجال سنة واختلفوا في المرأة، فقال في أدب القاضي مكروه وفي موضع آخر سنة وقال بعض العلماء واجب وقال بعضهم فرض قلت والصحيح أنه سنة. أ. هـ.
ولمزيد النظر في الخلاف انظر: شرح السنة (١٢/ ١١٠) شرح الشنقيطي على النسائي (١/ ١٤٥)، غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام (١/ ٣٦٢)، مجموع رسائل الشيخ ابن عثيمين (٤/ ١١٧)، أحكام الطفل
стр. 89
للعيسوي ص ٢٠٦، مجموع مؤلفات ابن سعدي، الفقه (٢/ ٩٦)، فتاوى اللجنة جمع الدويش (٥/ ١١٩).
وقد حصل من أقوال العلماء في المسألة أقوال كما تقدم تبتدى من الكراهة حتى الوجوب، ولا شك أن إطلاق القول بأن حكم هذا الشيء محرم أو واجب لا بد له من دليل وإلا كان قولاً على الله بغير علم، وهو من أشد المحرمات، نسأل الله السلامة قال تعالى ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)(١)﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ (٢)
وقد روى عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وأبو داود من طريق سعيد بن أبي أيوب عن بكر بن عمرو عن أبي عثمان مسلم بن يسار عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ «من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه» ولفظ الدارمي: «من أفتى من غير ثبت» إسناده صحيح.
стр. 90
وروى الدارمي من طريق ابن المبارك عن سعيد بن أبي أيوب عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: قال رسول الله ﷺ : «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار» مرسل جيد، واعلم أن أحاديث الأمر بالختان أو أنه سنة في حق المرأة كلها معلولة وقد ضعفها أبو داود، والبيهقي وابن عبد البر كما في التمهيد (٢١/ ٥٩)، وابن المنذر نقله عن المناوي في الفيض (١/ ٢١٦)، والعراقي كذلك ضعفها كما في تخريج الإحياء (١/ ٣١٢) والحافظ في الفتح (١٠/ ٣٤١)، والتلخيص (٤/ ٨٢ - ٨٣)، والشوكاني في النيل (١/ ١١٣) وغيرهم.
стр. 91
فصل في تخريج الأحاديث والآثار الواردة في الباب
الحديث الأول: قوله «أشمي ولا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب إلى البعل»
رواه أبو داود عون (١٤/ ١٨٣) ومن طريق البيهقي (٨/ ٣٢٤) حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي وعبد الوهاب الأشجعي عن مروان عن محمد بن حسان عن عبد الوهاب الكوفي عن عبد الملك بن عمير عن أم عطية أن امرأة كانت تختتن بالمدينة فقال له النبي ﷺ فذكره ..
وقد وقع في إسناده اضطراب واختلاف كثير، فرواه البيهقي في السنن والمعرفة (١٣/ ٦٢) من وجه آخر عن عبيد الله بن عمرو الرقي حدثني رجل من أهل الكوفة عن عبد الملك بن عمير عن الضحاك بن قيس قال كان بالمدينة امرأة يقال لها أم عطية تخفض الجواري فقال لها رسول الله ﷺ يا أم عطية الحديث.
ومن طريق محمد بن حسان رواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٢٢٣) عن عبد الملك بن عمير عن أم عطية ... دون ذكر عبد الوهاب ورواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٥٢٥) من طريق عبيد الله به وسمى الرجل المبهم زيد ابن أبي أنيسة، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب العيال (٢/ ٧٨٠) من
стр. 92
طريق عبيد الله بن عمرو عن عطية القرظي قال كان بالمدينة خافضة يقال لها أم عطية وهذا اختلاف شديد واضطراب.
قال الحافظ في التلخيص (٤/ ٨٣) واختلف فيه على عبد الملك بن عمير فقيل عنه عن الضحاك بن قيس كان بالمدينة امرأة ... وقيل عنه عن عطية القرظي رواه أبو نعيم في المعرفة، وقيل عنه عن أم عطية رواه أبو داود في السنن وأعله بمحمد بن حسان فقال مجهول ضعيف .. أ. هـ
وطريق الحاكم المذكورة لا تصلح للمتابعة فإنها من طريق هلال بن العلاء عن أبيه عن عمرو به، والعلاء ضعفه أبو حاتم بقوله منكر الحديث ضعيف، وكذلك حصل في إسناده اختلاف آخر هل سمعه عبد الملك بن عمير من أم عطية أم بينهما واسطة فقد قال الحافظ في الإصابة في ترجمة الضحاك وذكر بعض طرق هذا الحديث قال: وظهر من هذا أن عبد الملك دلسه على أم عطية والواسطة بينهما الضحاك بن قيس، والضحاك هذا قال يحيى لما سأله المفضل الغلابي عنه قال: الضحاك بن قيس هذا ليس بالفهري وعبد الملك بن عمير قال عنه أحمد كما في بحر الدم (٢٧٩) مضطرب الحديث جداً، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غلط في كثير منها وهو مع ذلك مدلس قال الحافظ: مشهور بالتدليس
стр. 93
وصفه بذلك الدارقطني وابن حبان، وذكر ذلك عنه الذهبي والعلائي والمقدسي والحلبي.
قلت: وتغير حفظه فإنه كبر وشاخ فالحديث ضعيف مضطرب.
حديث آخر:
روى الخطيب في تاريخه (١٢/ ٢٩١) من طريق عوف بن محمد أبو غسان حدثنا أبو تغلب عبدالله بن أحمد بن عبد الرحمن الأنصاري حدثنا مسعر بن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي قال: كانت خافضة بالمدينة فأرسل إليها رسول الله ﷺ : «إذا خفضت فأشمي ولا تنهكي، فإنه أحسن للوجه وأرضى للزوج ....» رواه في ترجمة عوف هذا وقال عنه حدث عن يوسف بن عبده، وعنه عمرو بن علي وبندار قاله ابن منده. ا. هـ.
وأبو البختري لم يسمع من علي شيئاً قال ابن سعد في الطبقات (٦/ ٢٩٣) كان أبو البختري كثير الحديث يرسل حديثه ويروي عن أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يسمع من كبير أحد فما كان من حديثه سماعاً فهو حسن وما كان عن فهو ضعيف. ا. هـ. وأبو تغلب لا يُدرى ما حاله فالحديث لا يصح.
стр. 94
حديث آخر:
روى البيهقي (٨/ ٣٢٤) وابن أبي الدنيا (٢/ ٧٧٩) والطبراني في الصغير (١/ ٩٢)، والأوسط (٧/ ١٩٥)،وابن عدي في الكامل (٣/ ١٠٨٣) والخطيب في تاريخه (٥/ ٣٢٧)، كلهم من طريق زائدة بن أبي الرقاد عن ثابت عن أنس قال قال رسول الله ﷺ : «إذا خفضت فأشمي ولا تنهكي فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج». وزائدة منكر الحديث كما قال البخاري والنسائي، قال ابن عدي له أحاديث أفرادات وفي بعض حديثه ما ينكر.
حديث آخر:
روى أبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٢٤٥)، حدثنا أبو محمد بن حيان حدثنا جعفر بن أحمد بن فارس حدثنا إسماعيل بن أبي أمية حدثنا أبو هلال الراسبي سمعت الحسن حدثنا أنس قال: كانت خاتنة بالمدينة يقال لها أم أيمن فقال لها النبي ﷺ : «إذا خفضت فأضجعي يدك، ولا تنهكيه، فإنه أسنى للوجه وأحظى للزوج».
وإسماعيل بن أبي أمية غالب ظني أنه الذي ذكره الدارقطني في سننه (٣/ ٣٢،٣٤) و (٤/ ٢٠) فإنه من هذه الطبقة قال الدارقطني ضعيف
стр. 95
متروك الحديث، وقال مرّة: يضع الحديث فإن يكنه فالحديث باطل، وأبو هلال لين الحديث.
حديث آخر:
روى أحمد في مسنده (٥/ ٧٥) وابن أبي الدنيا (٢/ ٧٧) في كتاب العيال)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣١٧)، والبيهقي (٨/ ٣٢٥)، والطبراني في الكبير (٧/ ٣٢٩)، من طريق حجاج بن أرطاة عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال: «الختان سنة للرجال، ومكرمة للنساء».
عند أحمد والبيهقي دون ذكر شداد.
وروي من وجه آخر
فرواه البيهقي (٨/ ٣٢٥)، وابن عساكر في تبيين الامتنان بالأمر بالختان (ح٢٦) من طريق حجاج عن مكحول عن أبي أيوب عن النبي ﷺ قال فذكره بمثل الذي قبله.
قال أبو حاتم في علله (٢/ ٢٤٧) سألت أبي عن حديث رواه حفص بن غياث عن حجاج بن أرطاة عن أبي المليح عن أبيه عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال: «الختان سنة للرجال ومكرمة للرجال»، ورواه عبد
стр. 96
الواحد بن زياد عن حجاج عن مكحول عن أبي أيوب عن النبي ﷺ قال أبي: الذي عن حجاج عن مكحول خطأ وإنما أراد حجاج ما قد رواه مكحول عن أبي الشمال عن أبي أيوب عن النبي ﷺ «خمس من سنن المرسلين ....» الحديث فترك أبا الشمال فلا أدري هذا من الحجاج أم من عبد الواحد وقد رواه النعمان بن المنذر عن مكحول عن النبي ﷺ فذكره. ا. هـ. يعني مرسلاً.
قال ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٥٩) بعد ذكر حديث شداد واحتج من جعل الختان سنة بحديث أبي المليح هذا وهو يدور على حجاج بن أرطأة وليس ممن يحتج بما انفرد به، والذي أجمع عليه المسلمون الختان في الرجال على ما وصفناه. ا. هـ.
وقال البيهقي عقب حديث شداد: «الحجاج بن أرطأة لا يحتج به وقيل عنه عن مكحول عن أبي أيوب، وهذا منقطع ثم أسنده عن حجاج به» قلت لأن مكحولاً لم يسمع من أبي أيوب.
وقال الحافظ في التلخيص (٤/ ٨٢) والحجاج مدلس وقد اضطرب فيه فتارة يروي كذا (يعني عن أبي المليح عن أبيه) وتارة بزيادة شداد بن أوس بعد والد أبي المليح ثم ذكر ما تقدم من كلام الأئمة، فالحديث ضعيف مضطرب.
стр. 97
حديث آخر.
روى البيهقي (٨/ ٣٢٥) والطبراني (١١/ ٢٣٣) من طريق الوليد حدثنا ابن ثوبان عن محمد بن عجلان عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الختان سنة للرجال مكرمة للنساء» وضعفه البيهقي بقله هذا إسناد ضعيف والمحفوظ موقوف وقال في المعرفة لا يصح رفعه، ورواته موثقون إلا أن فيه تدليس (كذا في التلخيص).
قلت: الوليد بن الوليد قال أبو حاتم صدوق وقال الدارقطني متروك. ا. هـ. من الميزان ووقع في تعيينه اختلاف كما في اللسان وقال ابن حبان في المجروحين (٣/ ٨١): «الوليد بن الوليد يروي عن ابن ثوبان وثابت بن يزيد العجائب» وشيخه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان متكلم فيه.
ثم رواه البيهقي في سننه من طريق ابراهيم بن مجشر ثنا وكيع عن سعيد بن بشير عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس ﵁ من قوله، ورواه ابن عدي في الكامل (١/ ٢٧٢) من طريق ابراهيم به، ثم قال: وابراهيم له أحاديث منكرة من جهة الإسناد غير محفوظة وترجمه في اللسان، وذكر في حديث الترجمة من منكراته، وذكر جرحه عن طريق
стр. 98
جماعة وسعيد ضعيف، ورواة الطبراني في الكبير (١٢/ ١٨٢) من طريق سعيد به.
رواه الطبراني في الكبير من وجه آخر (١١/ ٣٥٩).
حدثنا الحسن بن علي الفسوي ثنا خلف بن عبد الحميد ثنا عبد الغفور عن أبي هاشم عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: فذكره موقوفاً وعبد الغفور متروك ترجمه في المجروحين والميزان وضعفاء العقيلي وغيرها
حديث آخر.
روى البزار في مسنده (١/ ٦٦٩) مختصر الزوائد لابن حجر من طريق مندل بن علي عن ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر ﵁. قال: «دخل على النبي ﷺ نسوة من الأنصار فقال: يا نساء الأنصار اختضبن غمساً، واخفضن ولا تنهكن، فإنه أحظى عند أزواجكن، وإياكن وكفر المنعمين. قال مندل يعني الزوج، ومندل ضعيف، ورواه ابن عدي (٣/ ٩٠١) من طريق خالد بن عمرو القرشي عن الليث عن يزيد عن أبي حبيب عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ نحوه وخالد بن عمرو متروك الحديث بل كذبه يحى بن معين ونسبه إلى الوضع جماعة كصالح جزرة وابن عدي وغيرهم.
стр. 99
فصل في الآثار:
روى البخاري في الأدب المفرد (١٢٤٥):حدثنا موسى ابن إسماعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثتنا عجوز من أهل الكوفة ـ جدة علي بن غراب ـ حدثتني أم المهاجر قالت: سبيت في جوار من الروم فعرض علينا عثمان الإسلام فلم يسلم منا غيري وغير أخرى، فقال عثمان: ... «اذهبوا فاخفضوهما وطهروهما».
والعجوز هذه اسمها طلحة تكنى بأم غراب لا يعرف حالها وأم المهاجر الرومية مقبولة.
أثر آخر:
روى البخاري في الأدب المفرد: حدثنا أصبغ أخبرني ابن وهب أخبرني عمرو أن بكيراً حدثه أن أم علقمة أخبرته أن بنات أخي عائشة ﵁، ختنا فقيل لعائشة ألا ندعو لهن من يلهيهن ...».
أصبغ بن الفرج وراق عبد الله بن وهب، وعمرو بن الحارث وبكير بن الأشج لا يُسأل عنهم، وأما علقمة هذه خرج لها البخاري في الآداب كما
стр. 100
هنا وعلق لها في الحيض من صحيحه (١)، قال العجلي، مدينة تابعية، ثقة وذكرها ابن حبان في الثقات وفي التقريب مقبولة (٢) واسمها مرجانة.
آثر آخر:
قال إبراهيم ابن إسحاق الحربي في غريب الحديث (٢/ ٥٥٣).
حدثنا موسى حدثنا حماد عن عبيد الله ابن أبي المليح عن أبي المليح «أن ختانة خفضت جارية فماتت فرفعت إلى عمر فقال: كيف خفضتيها؟ قالت: كما كنت أخفض قال: وما أبقيتي، فضمّنها».
قلت: موسى هو ابن إسماعيل المنقري، وحماد هو ابن سلمة وعبيد الله ابن أبي حميد هكذا صوابه لا ابن أبي المليح فهذا تحريف وليس لأبي المليح ابن أسمه عبيد الله، ثم لو كان كذا لقيل عن أبيه، كما هو الجادة، وعبيد الله هذا هو أبو الخطاب ضعيف منكر الحديث يروي عن أبي المليح عجائب كما قال الأئمة. وأبو المليح لا أظن أنه ادرك عمر.
стр. 101
هذا ما وقفت عليه من الأخبار في ختان المرأة وهي كما ترى معلولة سوى أثر عائشة مع بنات أخيها، وظاهر ما نقله الخلال عن أحمد ﵀ حينما احتج بحديث «إذا التقى الختانان» الذي رواه مسلم وغيره، أقول ظاهره أنه لم يعول على هذه الأخبار ولم تصح عنده وإلا لذكر ذلك، وأما استدلال بعضهم بحديث «خمس من الفطرة» أخرجاه، أقول الفرق ظاهر بين الجنسين شرعاً وحساً.
فالختان في حق الرجل تعود مصلحته إلى شرط من شروط الصلاة وهو الطهارة لاجتماع بقايا البول في القلفة وهو أيضاً ميزة للمسلمين يتميزون بها عن الكفار، حيث كان المسلمون يعرفون قتلاهم في المعارك بهذا وغايته في المرأة أن يعدل شهوتها ويقلل من غلمتها (١) ثم إن قوله ... «أشمي ولا تنهكي .....» لو صح يفيد أن المرأة لها ثلاثة أحوال (٢).
الحالة الأولى: أن لا تختتن، وبها الوجه والحظوة عند الزوج حاصلة لها مع وفور الشهوة، فإن قوله «فإنه أحظى عند الزوج وأبهى للوجه» راجع إلى قوله: «ولا تنهكي» لا إلى قوله «اشمي».
стр. 102
الحالة الثانية: أن تختتن من غير مبالغة، وهذا تعتدل شهوتها، والحظوة عند الزوج، وبهاء الوجه حاصل لبقاء شيء من موضع الختان، وهذه الحال الفضلى.
الحالة الثالثة: أن تختتن فتبالغ جداً ولا تبقي شيئاً فهذا تذهب شهوتها أو تكاد، فتذهب حظوتها عند زوجها.
وخلاصة الكلام أن ختان المرأة لم يصح بالأمر به شيء عن رسول الله ﷺ ، وهو دائر بين الإباحة والاستحباب (١) فإن مجموع ما ذكر يفيد هذا أن شاء الله - أما الوجوب فلا والله. فواعجباً للشافعية كيف يقولون به. (٢)
стр. 103
فَصْلٌ
وَيُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ ، فَقَدْ وَرَدَ فِيْ الْحَدِيْثِ أَنَّهُ نُوْرُ اللهِ.
وَهُوَ أَيْضًا نَذِيْرُ الْمَوْتِ، وَيُقَصِّرُ الأَمَلَ، وَحَاثٌ عَلَى حُسْنِ
العَمَلِ، وَوَقَارٌ.
وَيُكْرَهُ حَلْقُ القَفَا؛ إِلَّا لِمَنْ أَرَادَ الحِجَامَةَ، كَذَلِكَ رُوِيَ فِيْ
السُّنَنِ.
قال المؤلف: (فصل ويكره نتف ..... كذلك روي في السنن)
الأصل فيما ذكره المؤلف ما رواه أهل السنن وأحمد والسياق عند أحمد مطولاً من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وطريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حسن إذا صح السند إليها. وهو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وعمرو بن شعيب يروي عن أبيه شعيب, وشعيب يروي عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص, وليس الضمير راجعاً إلى عمرو نفسه, فإن محمداً ليس صحابياً, وإنما عمرو بن شعيب يروي عن أبيه شعيب,
стр. 104
وشعيب يروي عن جده عبد الله, وقد روى أهل السنن وأحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ نهى عن نتف الشيب. (١)
وفي لفظ: «لا تنتفوا الشيب فإنه نور المسلم، ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كتب الله له بها حسنة، ورفع بها درجة، أو حط عنه خطيئة» (٢)
هذا سياق أحمد ﵀ وروى مسلم عن أنس موقوفاً ﵁، أنه قال: يكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ولحيته. (٣)
فهذا الحكم ثابت في نتف الشيب لهذا الخبر أولاً, وحمل النهي جماهير أهل العلم على الكراهة.
والأمر الثاني: أنه علله بالنور, فالذي ينتف يذهب نوره على الصراط.
стр. 105
وتشتد الكراهة إذا كان الأخذ من اللحية؛ لأنه حينئذٍ يكون فيه أخذ من اللحية من غير حاجة, فهو في اللحية أشد, والحكم العام عند جماهير أهل العلم أنه مكروه.
مسألة: أما الصبغ بغير السواد للشيب إذا كثر, فهذا سنة, فإن قال قائل: قد ورد في الحديث التعليل بأنه نور المسلم, نقول: كونه نوراً لا يمنع من صبغه, فإنه يسمى شيباً مصبوغاً, وليس بلازم اشتراك البياض بالنور، فمادام أن هذه الشعرة تسمى شيبة, فإنها تكون نوراً يوم القيامة, فإذا صبغها فقد صبغ الصحابة ومن بعدهم, فلا منافاة بين صبغ الشيب وكونه نوراً.
واختُلِف هل صبغ النبي ﷺ ,أم لا؟ والتحقيق أنه لم يصبغ وفيه بحث متفرق للحافظ أبي الفضل ابن حجر في شرح البخاري فليراجعه من أحب.
قوله: (وفي الحديث أنه نور الله)
كأن المؤلف وهم في سياق الحديث, فإنه نور المسلم.
ولعل لفظة: (نور الله) هنا بمعنى إضافة مخلوق إلى خالقه, أي: النور الذي جعله الله للمسلم, كناقة الله وبيت الله, ولكن هذه إضافة
стр. 106
تشريف, وهنا لم يجيء أن نور الله إضافة تشريف, فيكون من إضافة الشيء إلى خالقه وموجده, يعني أن الله جعله نوراً, فيستحيل الشيب على الصراط نوراً, وهذا جزء من النور الذي يكون على الصراط, الذي يُعطاه أهل الإيمان.
قوله: (وهو أيضاً نذير الموت ..... وهو وقار).
كل هؤلاء الأربع لا أحفظ أنه صح فيها خبر عن النبي ﷺ , وإنما هي بالنظر إلى الحال, وقد فُسِّر قوله تعالى: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (١) بأنه الشيب, وأيضاً في هذا التفسير نظر, بل النذير هو الرسول, وقد يشيب الإنسان في سن مبكرة فيكون قوي الآلات والأعضاء فلا يكون على إطلاقه نذير موت, وقد يتأخر الشيب في شخص مع وهن الأعضاء وضعف البنية، وتعبير المؤلف بالغالب.
قوله: (ويكره حلق القفا ....... كذلك روي في السنن)
стр. 107
مراد المؤلف في السنن يعني الأخبار الواردة عن النبي ﵊, وهناك خبر في النهي عن القزع في الصحيحين (١) , وأما النهي عن حلق القفا فلا يصح فيه خبر.
وأما شعر الرأس وأحكامه, فالأصل جواز توفير شعر الرأس, وقد اختلف في توفيره وتوفيته وإكثاره, فقال بعض أهل العلم أنه سنة, بشرط الإكرام والتعاهد, وقالوا أيضاً بشرط أن يكون الإكرام والتعاهد غبّاً؛ (٢) لأن النبي ﷺ صح عنه أنه نهى عن الترجل إلا غبّاً, والمراد بالترجل أن يزين
стр. 108
الإنسان شعره باستخدام الدهن وما يصلح الشعر, أما مجرد التسريح فيجوز في كل وقت للّحية والرأس.
والمراد بالترجل في ألفاظ الحديث النبوي وألفاظ الفقهاء هو: استعمال مادة لإصلاح الشعر من دهن أو نحوه, وأما مجرد استعمال المشط فلا يسمى ترجلاً.
وهذا أحد الأقوال المنقولة عن الإمام أحمد, وقال: إنه سنة ولكن له مؤنة وكلفة, وقد كان النبي ﷺ يوفر شعره، وهذه حجة من قال أن توفير الشعر سنة.
وكان ﷺ يفرقه من الوسط, وكان يتعاهده بنفسه أو بأهله, كما في خبر عائشة في قصة اعتكافه ﵊, حينما كانت ترجل شعره وهو في المسجد (١) , وقالوا: أنه لم يعهد عنه حلقه إلا في حج أو عمرة, وهذه حجة من اشترط الإكرام، وقالوا أيضاً: أنه قد كان لبعض أصحابه لمّة كأبي قتادة وغيره.
стр. 109
وقال بعضهم: ليس بسنة, والنبي ﷺ مشى على عادة العرب في اتخاذ الشعر, فهو يحكمه العادات.
لكن السنة جاءت بضوابط في إكرامه ودهنه وتنظيفه وألا يكون ثائراً, ولم تجيء قط بالأمر بتوفيته وإصلاحه وما أشبه ذلك, إنما جاءت بأنه إذا اُتخذ فإنه يفعل به كذا وكذا, وفي الحديث: «من كان له شعر فليكرمه» (١) وهو حديث لا بأس به، وقد بسطت الكلام عليه وتخريجه في شرح منتقى الأخبار يسر الله إتمامه.
ونهي الرسول ﷺ عن الترجل إلا غبّاً (٢) , يدل على هذا الشيء, وكان لأبي قتادة لمّة كبيرة فاستأذن النبي ﷺ أن يتعاهدها يوميّاً، فأذن له، لأنه كان إذا تعاهدها غبّاً أسرع إليها الشعث, فقيل أنه أذن له لذلك, وقد رواه النسائي من طريق محمد بن المنكدر عن أبي قتادة، وقيل لم يسمع منه مع أن في متنه اختلافاً .. وقد روي عن أحمد ﵀ أن توفير الشعر عن
стр. 110
بضعة عشر رجلاً من أصحاب النبي ﷺ ولكن نقول أن من وفّره بنية اتباع النبي وأصحابه فإنه لا يلام على ذلك, ولكن إن كان شعاراً لأهل الفسق فينبغي مخالفته؛ لأنها لم تثبت بها سنة صريحة، وتغلب جانب المفسدة إذا تحققت.
فحينئذٍ يكره ترك الشعر وقد نص على مثل هذا ابن عبد البر ﵀ في التمهيد وغيره من أهل العلم, قال ابن عبد البر: وإنما توفية الشعر وإكثاره في عصرنا, إنما هو لأهل الفسق والمجون. (١)
وأما بالنسبة لحكم حلق الشعر، فقد اختلف فيه أهل العلم - رحمهم الله تعالى - وقد قسّم أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الحلق إلى أقسام:
القسم الأول: هو حلق الرأس على وجه التدين والتعبد والزهد من غير حج ولا عمرة أو عند التوبه فهذا ونحوه من البدع.
القسم الثاني: حلقه في نسك الحج أو العمرة, فيكون مخيراً فيها بين الحلق وبين التقصير, وهذا واجب، وقربة.