← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17128

اللباب «شرح فصول الآداب»

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (352 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قوله: (ثلاثاً) راجع إلى تكرار النبي ﷺ القول, لا أن وجود الرائحة لا يزول إلا بعد هذه الأيام الثلاث, فالرائحة تزول قبل ذلك بكثير, ولكنه فهم ﵀ أنه يسمح للإنسان ثلاثة أيام في ترك الجماعة، وقد وهم في هذا. فإذا قلنا أن العلة مركبة من أذية الملائكة, وأذية المؤمنين, فالتقسيم حينئذٍ كالتالي: ١ - أن يأكل بعض جماعة المسجد ولا يأكل البعض فحينئذ يحرم على الذين أكلوا أن يحضروا المسجد؛ لأن فيه أذيتين الأذية الأولى أذية الملائكة, وأذية الذين لم يأكلوا. ٢ - أن يأكلوا جميعاً بإمامهم فبعض أهل العلم رخص لهؤلاء أن يحضروا, فقالوا: لا أذية, فالجميع قد أكل ورضي بالرائحة لنفسه ولغيره, والصحيح أنه يحرم للعلة الأولى وهي أذية الملائكة. ٣ - أن يأكل الرجل الثوم أو الكراث ثم يدخل المسجد, سواءً كان للصلاة أو بدون صلاة, وليس في المسجد أحد, فهذا أيضاً يمنع لما فيه من أذية للملائكة. ولو أن الناس يصلون في الخارج, وليسوا في المسجد فلا يخلو من حالين:

стр. 177

الحالة الأولى: إذا أكلوا جميعاً فلا بأس أن يصلوا جماعة, إذا لم يؤذِ بعضهم بعضاً لزوال العلتين. الحالة الثانية: إذا أكل البعض وترك البعض ويحصل الأذى فحينئذ لا يصلي من أكل مع غير الآكلين لوجود إحدى العلتين وهي أذية المؤمنين. وقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد ﵁ لما فتحت خيبر -: أن رسول الله ﷺ مر على زَرّاعة بصل هو وأصحابه، فنزل ناس منهم فأكلوا منه، ولم يأكل آخرون، فرحنا إليه فدعا الذين لم يأكلوا البصل، وأخر الآخرين حتى ذهب ريحها. (١) والمقصود أنه عزل من أكل ولم يثرّب عليهم, لأنهم إنما أكلوا لحاجة, فقد كانوا جميعاً جياعاً, وهؤلاء الذين أكلوا لم يتعرض لهم في الحديث, هل صلوا جميعاً أم لا, ولكن نقول كما تقدم: إن صلوا جميعاً فلا بأس, وإن تأذى بعضهم بأكل غيره فصلى لوحده فلا بأس. وعلم بهذا أن داخل المسجد ولو لم يكن في وقت صلاة ينبغي أن تكون رائحته طيبة.

стр. 178

فمن أراد أن يأكل هذه الأشياء فكما قال عمر ﵁: إنكم تأكلون شجرتين ما أراهما إلا خبيثتين, فمن أراد أن يأكلهما فليمتهما طبخاً. (١) فقد يشتهي بعض الناس هذا الأشياء, فنقول: بالغ في طبخها حتى تزول منها الرائحة الخبيثة, وإن كان الثوم في الغالب لو بالغ في طبخه فإنه لا تزول رائحته. لكن ذكر ابن القيم (٢) وغيره أن مصّ ورق السَذَاب يذهب رائحة البصل والثوم, وعلى من ابتلي بهذا أن يستعمل السواك ويستخدم المنظفات والمعطرات حتى تزول هذه الرائحة. وإذا وجدت رائحتها من رجل فإنه يشرع للإمام أو غيره أن يخرجه, وقد وقع عند مسلم من حديث عمر ﵁: أنه خطب الناس فقال: أيها الناس إنكم تأكلون شجرتين ما أراهما إلا خبيثتين -أي أظنهما- ولقد كان الرسول ﷺ إذا وجد ريحها من رجل أمر به فأُخرج إلى البقيع. (٣)

стр. 179

وفي هذا الحديث من الدلائل أنه يخرج بعيداً، ليس في رحبة المسجد؛ لأن العلة فيها أذية الملائكة أيضاً, فهو إذا أخرج من المكان الذي به المصلون زالت علة وهي أذية المصلين, ولكن بقيت أذية الملائكة، وهم في الرحبة وفيما يسمى مسجداً، فإن الملائكة تكون في المساجد. فائدة: روى الإمام أحمد في مسنده (١٦٩٧٢): حدثنا أبو المغيرة حدثنا حريز بن عثمان الرّحبي قال: سمعت عبد الله بن غابر الألهاني قال: دخل المسجد حابس بني سعد الطائي في السحر وقد أدرك النبي ﷺ فرأى الناس يصلون في مقدم المسجد، فقال: مُراءون وربُّ الكعبة، أرعبُوهم، فمن أرعبهم، فقد أطاع الله ورسوله، فأتاهم الناس، فأخرجوهم، قال: فقال: إن الملائكة تصلي من السحر في مقدم المسجد» وهذا إسناد لا بأس به وقد رواه الطبراني في الكبير من طريق حريز ... ورواه غيره. وهذا - أعني صلاة الملائكة في مقدم المساجد في السحر - لا أحفظه مرفوعاً في الأخبار .. ، ونهي الناس عن الصلاة في مُقدمِ المسجد في وقت السحر فيه نظر، بل لا يجوز حتى يثبت عن النبي ﷺ في ذلك خبرٌ صحيح صريح، وهذا اجتهاد صحابي.

стр. 180

وسألت شيخنا ابن باز ﵀ عن ملائكة البيوت وأن الإنسان قد يأكل ويصلي في البيت؟ فقال: ملائكة البيوت لا حيلة في ذلك, والمراد في الحديث ملائكة المسجد. مسألة: ذكر جماعة من أهل العلم أن أصحاب العاهات أيضاً يمنعون من دخول المسجد, إذا كانت هذه العاهة مما قد يعدي, أو مما يتقزز الناظر منها, ويحصل له أذية لأن الأذية قد تكون في هذه الصورة أشد من الرائحة، فقد تكون أذية صوت أو منظر أو ريح أو ما أشبه ذلك, فللإمام أن يمنع أصحاب العاهات المعدية من دخول المسجد, والنبي ﷺ قال لذاك الرجل الذي أصيب بالجذام: «ارجع فقد بايعناك» (١) فترك مبايعة النبي ﷺ وبايعه النبي ﷺ دون أن تمس يده يده، ولهذا المريض بالعنقز (جدري الماء) وما أشبهه يرخص له في ترك صلاة الجماعة. قوله: (ويستحب الإجابة إلى وليمة العرس، وليس له أن يستجيب إلى وليمة الختان؛ فإنها محدثة) قرر المؤلف أن إجابة وليمة العرس مستحبة, وفي هذا نظر, فقد صح عن النبي ﷺ من غير وجه من حديث ابن عمر وحديث جابر وغيرهما:

стр. 181

أن النبي ﷺ قال: «إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجب، ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله» (١) وهذا صريح في الوجوب. فقول المؤلف: (يستحب الإجابة) ليس بسديد, بل الصواب وجوب الإجابة إلى وليمة العرس. وقد اختلف العلماء في دعوة الوليمة, هل هي عامة لكل فرح أم هي خاصة بطعام العرس؟ فجمهور اللغويين على أن الوليمة إنما يراد بها دعوة العرس (النكاح) وقال بعض الفقهاء: هي عامة لكل فرح, من عرس وبناء بيت, وشفاء مريض, وعقيقة, وما أشبه ذلك.

стр. 182

والصحيح أن الوليمة المراد بها دعوة النكاح والعرس, ولاشك أن الفرح بها والدعوة إليها لا يشاكل غيرها, وقد تكلم الناس في أسماء الأفراح والولائم فسموا الوليمة عند تمام البناء بالوكيرة, والنقيعة عند القدوم من السفر؛ وفي حديث جابر ﵁ عند البخاري: أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة نحر جزوراً أو بقرةً. (١) والعقيقة ذبيحة الولادة, والخَرْس هي ذبيحة الختان على خلاف في مشروعية بعضها. وأما في إجابة الدعوة لوليمة العرس فالصحيح أنها واجبة وأما ما سواها فاختلف أهل العلم في ذلك، فمنهم من قال: إذا كانت الوليمة يسمى بها كل ما يصنع لكل فرح حادث، فيجب على الإنسان أن يستجيب إلى كل دعوة, سواءً كانت الدعوة إلى وليمة عرس، أو غيرها؛ لأن هذا مما يؤلف القلوب, والصحيح كما أسلفنا أن الوجوب معلق بوليمة النكاح للفرق بينها وبين غيرها, فإن قيل قد روى مسلم من حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من دعي إلى وليمة فليجب,

стр. 183

عرساً كان أو نحوه» (١) وهذا صريح في العموم, لكن نقول: هذا السياق غير محفوظ, والمحفوظ في الحديث: «من دعي إلى وليمة فليجب» (٢) كما هي ألفاظ حديث ابن عمر الصحيحة, وما جاء في معناها, من حديث جابر وحديث أبي هريرة, والحديث صريح في الوليمة فقط, وأخشى أن يكون هذا إدراجاً من الراوي. والحضور إلى وليمة العرس واجب إلا أنه يسقط بأسباب, كمشقة حضور, أو عجز, أو ما أشبه ذلك من الموانع المعتبرة, وأيضاً يسقط عنه إذا أذن صاحب الدعوة؛ لأن الحق له. فمن مسقطات وجوب إجابة الدعوة: ١ - المرض الذي يبيح التخلف عن صلاة الجماعة. ٢ - إذن صاحب الدعوة بالتخلف. ٣ - المشقة التي مثلها يسقط الحضور كالبعد ونحوه.

стр. 184

٤ - وجود دعوة سابقة. ٥ - وجود دعوة في الوقت نفسه, وبيت صاحبها أقرب, وفي هذه والتي قبلها حديث عائشة الذي رواه أبو داود بإسناده عن النبي ﷺ قال: ﴿إذا اجتمع داعيان فأجب أقربهما بابا فإن أقربهما بابا أقربهما جوارا فإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق﴾ وروى البخاري بإسناده ﴿عن عائشة قالت قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي قال: أقربهما منك بابا﴾ ولأن هذا من أبواب البر فقدم بهذه المعاني. ٦ - أن يكون الداعي ممن يشرع هجره. ٧ - أن يوجد في الوليمة منكر لا يستطيع تغييره أو إزالته. مسألة: بم تحصل الدعوة؟ تحصل الدعوة بالتنصيص عليه بقوله: "يا فلان احضر", أو بطاقة دعوة فيها اسمه كما هو حاصل الآن, أو بالاتصال الهاتفي, أو بتوكيل رجل يدعوه, في كل هذه الحالات يحصل تعيين المدعو, ويجب عليه أن يحضر, ومما لا يجب عليه الحضور: لو قال: "ادع لي كل من لقيت", وهذه يسميها العلماء دعوة الجفلى, وقد قال طرفة:

стр. 185

نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب منا ينتقر الآدب: هو صاحب المأدبة والانتقار: هي دعوة البعض وترك البعض, فيقول: نحن في المشّتات, وفي شدة البرد, ووفرة الجوع, ندعو كل من لقينا كرماً منا, كذلك بطاقات الدعوة أحياناً يكون الذي يلي كتابة الأسماء ليس صاحب الدعوة, بل صاحب الدعوة لا يدري عن كثير من الأشخاص الذين دُعوا, فإذا عُلم أن صاحب هذه الدعوة ليس هو الداعي ولا وكيله فلا يلزم الناس الحضور, وهي تشبه حينئذ دعوة الجفلى وقد صرح الفقهاء بأن دعوة الجفلى ليست ملزمة. ويجب الحضور ولو كان الإنسان صائماً, فقد ثبت أن النبي ﷺ قال: «إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائما فليصل وإن كان مفطرا فليطعم» (١) والمراد بالصلاة هنا الدعاء, وفي قوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (٢)

стр. 186

أي: ادع لهم, وكان ابن عمر ﵁ يجيب الدعوة فإن كان صائماً برّك ودعا ثم انصرف, وإن كان مفطراً طعِم. مسألة: حكم الأكل عند حضور الدعوة. قال بعضهم: يلزمك إذا دعيت أن تأكل, وقال في حديث ابن عمر: «وإن كان مفطراً فليطعم» وهذا أمر. وقال بعضهم: الواجب الإجابة وليس الأكل, بدليل وتعليل, أما الدليل فهو حديث جابر ﵁: «إذا دعي أحدكم فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك» (١) وهذا أخرجه مسلم في الصحيح. وهذا صريح, فإن شاء طعم وإن شاء ترك, وأيضاً لو كان الأكل واجباً لما شُرِع دعوة الصائم, ومع ذلك فالصائم يجيب, ثم إذا حضر دعا وانصرف, وهذا القول هو الصحيح, وأُورد على حديث جابر إيرادٌ وهو: «فإن شاء طعم وإن شاء ترك» حمل هذا على الصائم «إذا دعي أحدكم وهو صائم فإن شاء طعم وإن شاء ترك» كأنه يخير الصائم بين الطعام والترك، وهذا فيما إذا كان الصوم نفلاً, أما إذا كان فريضة فلا يجوز أن

стр. 187

يقطع الصوم, ونقول: أن الإشكال لم يزل إلى الآن فإنه إذا خير الصائم نفلاً بين كونه يفطر أو لا يفطر, علم أن الأكل أصلاً ليس بواجب؛ لأنه لو كان واجباً لتحتم على صائم النفل أن يأكل, فتعين ما ذكرنا أن الأكل ليس بواجب في دعوة الوليمة, ويستحب الأكل لأن فيه إتمام الدعوة, وبه جبر قلب صاحب الدعوة. ومن مسقطات الدعوة: وجود منكر فيها لا يستطيع إنكاره, فإذا كان المدعو يستطيع إنكاره فيجب الحضور والإنكار؛ لأن في حضوره حينئذٍ مصلحتين: المصلحة الأولى: إجابة الدعوة. والمصلحة الثانية: إزالة المنكر. بل يتأكد على من علم أن في الوليمة الفلانية منكراً وهو أحد المدعويين فعليه أن يحضر وينكر, فإن لم يستطع الإنكار أو علم مسبقاً أنه لا يستطيع فإنه لا يجوز له الحضور. فإن حدث المنكر وهو حاضر, فإنه يجب عليه أن ينكر, وكذا كل واحد في الوليمة, فإن زال فالحمد لله, وإن لم يزل نُظِر, فإن كان المنكر

стр. 188

عاماً يعم أهل الوليمة, كأن يكون في الوليمة صوت منكر, فحينئذ إما أن ينكر أو يذهب, وإن كان المنكر خاصاً, كأن يتعلق ببعض الحاضرين, فهذا يجب فيه الإنكار, ولا يلزم المغادرة؛ كأن يدخن إنسان في زاوية المجلس, فهذا رأى منكراً يجب عليه إنكاره, وإنكاره فرض كفاية, فإن زال فالحمد لله, وإن لم يزل فلا يجب مغادرة المكان؛ لأن هناك فرقاً عند أهل العلم بين مجلس المنكر ومجلس فيه منكر. وأيضاً المنكرات تختلف فالمجلس الذي فيه هتك حرمة وركوب الكبائر ليس مثل مجلس يخلو من ذلك وفيه مخالفة دون ذلك بكثير، ومراعاة المصالح في الجلوس أو المفاسد يجب أن تؤخذ في الاعتبار، وقد صح عن النبي ﷺ من حديث جابر وله شاهد من حديث عمر: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر» (١) قال: (وليس له أن يستجيب إلى وليمة الختان فإنها محدثة)

стр. 189

وليمة الختان لم تكن في عهد النبي ﵊، ولا في عهد الصحابة, وقال شيخ الإسلام: وأما دعوة الختان فلم تكن الصحابة تفعلها وهي مباحة. (١) ثم من العلماء من أصحاب أحمد وغيره من كرهها, ومنهم من رخص فيها, والصحيح أن الوليمة لها مباحة, لحصول القيام بواجب الختان ولسلامة الولد وهي ليست بسنة ولا بدعة, كوليمة نهاية البناء, على أن في المسألة تفصيلاً ليس هذا مكانه. ومما ينبغي التنبه له الحرص على تآلف القلوب، والحذر الشديد من زوال ذلك كأن يحصل منه حين الدعوة لهذه الوليمة، أن يقول: إنها بدعة وليست بسنة، وكان الأولى حين الامتناع أن يرد بلطف. وأيضاً على الطرف الآخر قبول العذر؛ لأن مثل هذه الولائم مباحة فكيف يكون التثريب عليه بعدم الحضور مع العلم أنها ليست واجبة. مسألة: اختُلف في رقص النساء للزواج, فمنهم من منعه, وكان شيخنا ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - يشدد فيه، ويقول: يبلغني عنه

стр. 190

مفاسد, منها أن بعض النساء يسقط في أثناء الرقص, ومنها أن بعضهن يفتن بعضاً, بحركاتها ولعبها, ومنها أن فيه إظهاراً لبعض المفاتن - كأن يكون اللباس غير كاسٍ. وسئل شيخنا ابن باز - رحمه الله تعالى - فقال: جائز, إن لم يكن فيه مضرة وهذا هو الصحيح.

стр. 191

مسألة ضرب الدف: يضرب الدف في ثلاثة أحوال: في العرس والعيد وعند قدوم الغائب. وحكم ضرب الدف مستحب وما تقدم من الأحوال الثلاثة فأدلتها ما يلي: الحالة الأولى: أمر النبي ﷺ به في إعلان النكاح. الحالة الثانية: في العيد وفيه خبر أبي بكر ﵁ لما دخل على النبي ﷺ ووجد عنده جاريتين تدففان فزجرهما، وقال: بمزمور الشيطان في بيت الرسول ﷺ ، فقال: «دعهما فإن لكل قوم عيدا» (١) ويستفاد من هذا الحديث: - بيان التعليل بقوله: «إن لكل ..» بعد الحكم بقوله «دعهما» أي لجواز اللعب وإباحته.

стр. 192

- الأصل في الدف المنع إذ لو كان غير ذلك لما ذكر العلة. - أن الدف يليه النساء وسئل مالك أيضربه الرجال، فقال: إنما يفعله الفساق عندنا. (١) وأما الحالة الثالثة: عند قدوم الغائب، ودليله عودة النبي ﷺ من تبوك حينما ضربت الجارية السوداء الدف عند رأسه ﷺ ، وقيامها بذلك بنذر نذرته إن عاد النبي ﷺ سالماً، فقال لها: «إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا» (٢) رواه أحمد وغيره من طريق حسين بن واقد عن عبدالله بن بريدة عن أبيه وهذا سند لا بأس به. ومنهم من خصها للنبي ﷺ ؛ لأن الفرح به ليس كغيره، وقال بعضهم: للسلاطين، والصحيح العموم لكل غائب بقدر الحاجة.

стр. 193

وأما مدة ضرب الدف في النكاح فإن كان اليوم التالي وما بعده من مكملات اليوم الأول وتمام الإعلان فلا بأس، وأما الضرب في العيد فيفوت بفوات أيامه. وأما ما يكون عند الرجال من العرضة للرجال، فكان الشيخ ابن باز في فتاويه القديمة يُسهل في ذلك وأنها لا بأس بها إذا لم يكن فيها دف. وقد يكون في بعض ذلك تصفيق، والتصفيق فيه الخلاف عند مشايخنا، والصحيح أنه إذا كان عند الحاجة ويسيراً فلا بأس به، ودليله الحديث الذي أخرجه مسلم حينما قال ﷺ : «الشهر هكذا ومد عشرة أصابع ثم صفق ..» (١) الحديث. وأما ما يحصل به الاتفاق فالأولى تركه ويرى شيخنا ابن باز: أن أقل أحواله الكراهة. وابن عثيمين يرى إباحته وجوابه عن آية الأنفال في قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ الأنفال: ٣٥ أنها سيقت في صلب العبادة، وأما التصفيق للنساء فهو للتنبيه للإمام في الصلاة.

стр. 194

ومما يصلح دليلاً للكراهية على أقل تقدير ما أخرجه أحمد من حديث ابن عباس لما أخبر الرسول ﷺ المشركين بعد رجوعه من بيت المقدس ليلة الاسراء وفيه «.... فاستغربوا ذلك فمنهم الواضع يده على رأسه ومنهم المصفق ....» فهذا يدل على أن من صفات المشركين التصفيق في غير العبادة، وإسناده لا بأس به. فائدة: الفرق بين الطبل والدف: أن الأول مغلق من جهتين ولهذا يكون الإزعاج شديداً بخلاف الدف فيكون من جهة واحدة وهو أقل صوتاً ويحصل به الإسماع. قوله: (إذا لم يكن فيها لعب ..... الإجابة) هذا عام فالمنكر بكل صوره حرام، وأما اللهو: فقد يكون منه ما هو مباح، فينبغي مراعاة المصلحة، وأما الولائم غير الشرعية فتحرم، ومن القدوة أشد؛ لأنه قد يكون فيها شيء من التغرير. ومن هنا كره بعض أهل العلم, الإتيان إلى الوليمة من غير دعوة؛ لأنه أكل طعاماً وحصل منه إتلافه من غير دعوة فهذا نوع من الغصب, وقد

стр. 195

ذكر أهل العلم - رحمهم الله تعالى - أن الطفيلي في حكم السارق, وجاء فيه أخبار منها: «من جاء من غير دعوة دخل سارقاً وخرج مغيراً» (١) والحضور من غير دعوة قد ينبئ عن دناءة النفس وصغرها. قوله: (وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ المُرُوْءَاتِ ...... الناس) نعم هو كذلك، وليس هذا تكبراً وجفاءً، بل هو لحفظ المروءة وترك ما يسقطها، وأهل المروءات والفضائل إنما يسارعون إلى الفضائل من السخاء والجود وبذل العلم والإعانة في النوائب وهم لهم شأن ومن سواهم له شأن فأفهم. قوله: (ويستحب للمسلم عيادة ....... يا يهودي) لاشك في استحباب هذه الأمور, واختلف أهل العلم في عيادة المسلم, ولعل خلافهم في المسلم المعين, واحتج من قال بوجوب عيادة المسلم بأدلة منها ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «حق المسلم

стр. 196

على المسلم ست ..... ومنها: إذا مرض فعده» (١) وفي لفظ: «خمس تجب للمسلم على أخيه ....» (٢) الحديث. ويرى البخاري - رحمه الله تعالى - وجوب عيادة المريض, وقد قال في صحيحه: "باب وجوب عيادة المريض", (٣) وذكر حديث أبي موسى: «أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني» (٤) والأشبه أنها واجبة ولكن بشروط, أولها ألا يكون هناك مشقة, وأن يكون هذا المسلم معيّناً؛ لأن مرضى المسلمين لا حصر لهم، والمشقة تجلب التيسير، وواجبات الشريعة تسقط بالعجز، فقد تكون من الواجبات الكفائية، وعلى ذلك يبدأ بالأقرب فالأقرب. وهذا الأرجح لما فيها من الخبر العائد على المريض من حسن الظن بالله والتنفيس له بالأجل. وقول المؤلف: (وتعزية أهله ....)

стр. 197

والتعزية هي التصبير, فتقول: عزّى فلان فلاناً, أي صبره, وعلى هذا المعنى تكون التعزية للمسلم والكافر, وهي مستحبة على الأرجح. قوله: (ولا بأس بعيادة الذمي؛ فقد عاد النبي ﷺ ذمّياً، وقال: «كيف تجدك يا يهودي» (١)؟ واحتج أهل العلم بهذا وغيره على جواز عيادة المشرك, سواءً كان ذمّياً أو غيره, وقد عاد ﷺ عمّه أبا طالب, وهو في السياق - يعني سياق الموت فقال له: «يا عمّاه, قل لا إله إلا الله, كلمة أحاج لك بها عند الله» فأبى، وقال له صناديد الكفر: أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فذهبت روحه وهو يقول: على ملّة عبد المطلب. (٢) والعياذ بالله ـ ويشترط في عيادة الكافر ألا يكون هذا الكافر المريض حربياً. والسنة في عيادة المسلم أن يقال له: لا بأس, طهور إن شاء الله. وقد أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الطب: " باب عيادة الأعراب"، (٣) ثم ساق حديث ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ عاد أعرابياً،

стр. 198

فقال: «لا بأس, طهور إن شاء الله» فقال هذا الأعرابي: بل حمّى تفور, على شيخ كبير, تزيره القبور. (١) وفي رواية أخرى عند الطبراني: فقال النبي ﷺ : «فنعم إذن» فمات. (٢) والبلاء موكل بالمنطق فعلى الإنسان إذا زار مريضاً أن يقول له كلاماً طيباً, وقد جاء في حديث أبي سعيد، وإن كان إسناده واهياً: «إذا دخلتم على المريضِ فَنَفِّسُوا له في الأجلِ، فإن ذلك لاَ يَرُدُّ شيئًا وهو يُطَيِّبُ نفْسَ المريضِ» (٣)، فهذا كلام حسن ولو لم يصح حديثاً.

стр. 199

فَصْلٌ وَالغِيْبَةُ حَرَامٌ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَنْكَشِفْ بِالمَعَاصِي وَالقَبَائِحِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (١) وَمَنْ ذَكَرَ فِيْ فَاسِقٍ مَا فِيْهِ لِيُحْذَرَ مِنْهُ، أَوْ سَأَلَ عَنْهُ مَنْ يُرِيْدُ تَزْوِيْجَهُ أَوْ شَرِكَتُهُ أَوْ مُعَامِلَتُهُ، لَمْ يَكُنْ مُغْتَابًا لَهُ، وَلَا عَلَيْهِ إِثْمُ الغِيْبَةِ، وَلَهُ ثَوَابُ النَّصِيْحَةِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ((قُوْلُوْا فِيْ الفَاسِقِ مَا فِيْهِ يَحْذَرْهُ النَّاسُ)). وَلَا يُظَنُّ بِعُمَرَ ﵁ أَنَّهُ أَقْدَمَ عَلَى مَا هُوَ غِيْبَةٌ؛ عِنْدَ نَصِّهِ عَلَى السِّتَّةِ، وَجَعْلِ الشُّوْرَى فِيْهِم، وَذِكْرِ عَيْبِ كُلِّ وَاحِدٍ، بَلْ قَصَدَ بِذَلَكَ النُّصْحَ للهِ وَلِرَسُوْلِهِ وَلِأَهْلِ الإِسْلِامِ.

стр. 200

قوله: (والغيبة حرام): أجمع العلماء على تحريم الغيبة، ودل على تحريمها النص والإجماع، فأما النص فما نقل المؤلف من آية الحجرات صدر الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ ونقل بعض العلماء الإجماع على تحريمها، فقال بعضهم: إنها من الصغائر، ونقل القرطبي وغيره: أنها من الكبائر، والصحيح أنها من الكبائر. (١) وأما حد الغيبة فأحسن من حدَّها هو النبي ﷺ فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وهو من مفاريده من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أتدرون ما الغيبة»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره» قيل:

стр. 201

أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» (١) فقول النبي ﷺ : «ذكرك» يشمل الذكر القولي، والذكر الفعلي، ويشمل أقوال الإنسان، فلان كذا وكذا، ويشمل الإشارة أن يشير إشارة تفهم عنه فلان كذا وكذا؛ إما يعيبه في بدنه، أو فعله أو كلامه .. بإشارة مفهومة. ولا غيبة لمجهول؛ لأن «ذكرك» تفيد التعيين. اختلف أهل العلم في شمول هذا الذكر إذا تكلم الإنسان، أو قذف بغير حضرة أحد؛ كما لو كان وحده، فقال بعضهم: من خلا وحده خالياً، وقال: فلان زانٍ فإنه يكون قاذفاً له، وعليه ما يترتب على القذف، وقال بعضهم: بل ليس هذا من القذف؛ لأنه لم يحصل للمقذوف ما يشينه ويقبحه، فلم يك قذفاً ولا غيبة ولا شيء، وهذا هو الصحيح؛ أنه لا يكون قذفاً كالقذف المعروف الذي يقام على صاحبه الحد، وليس عليه إثم القذف ولا يكون غيبةً وليس عليه إثم الغيبة.

стр. 202

وهل يكون وجوده كعدمه سواء، فالجواب: لا يصل إلى درجة القذف أو الغيبة المحرمة؛ لأنه لم يحصل، وفي نفس الوقت لا يكون كمن لم يقل شيئا بل يكون بينهما. فمن قذف شخصاً خالياً لا يكون قاذفاً، ولا يكون عادماً، ولا مرتكباً لشيء يسير، بل يكون بينهما فهو إثم بين إثمين، وقد قرر هذا العز بن عبد السلام في كتابه قواعد الأحكام. قوله: «ذكرك»: يشمل القول والفعل وهذا الذكر يشمل إذا كان هذا في نفس المغتاب. وهل المغتاب يطلق على الفاعل أو على المفعول؟ الجواب: يطلق على الاثنين والسياق هو الذي يحدد، فتقول فلان مغتاب للناس، كثير الشر، فهذا يراد به الفاعل، وفلان مغتاب عند الناس مسكين، يراد به المفعول، والسياق يحدد مثل مختار، ومن اغتاب أحداً؛ فإنه يشمل نفسه وأهله وولده وعلمه وماله ومشيته وأكلته، وكل شيء يشنؤه الجرح فيه، وهو عرضه، والعرض هو جانب الإنسان الذي يسعى لصيانته وحفظه. ومن الدلالة على الغيبة القولية: ما أخرجه أبو داود بإسناد قوي عن عائشة قالت: قلت للنبي ﷺ حسبك من صفية كذا وكذا، قال غير

стр. 203

مسدد يعني قصيرة، فقال: «لقد قلتي كلمة لو مزجت بها البحر لمزجته» قالت: وحكيت له إنساناً، فقال: «ما أحب أني حكيت إنساناً، وأن لي كذا وكذا» (١) يعني لو كان لهذه الكلمة لون ثم خلطت بالبحر لغيرت لون هذا البحر، مما يدل على عظم هذا الأمر. قول النبي ﷺ : «ذكرك» هذا من باب الإضافة إلى المفعول، أي ذكرت أنت المغتاب. وقوله: «أخاك» هذا قيد، والأصل أن الكافر لا غيبة له، بناء على هذا التعريف؛ لأن الكافر ليس أخا للمسلم، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٢) ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٣) والكافر ليس أخا للمسلم، غير أنه ليس معنى هذا أن الإنسان يغتاب ويتكلم فيه، فيقيد بالحاجة والمصلحة؛ وإلا هو غير داخل في تعريف الغيبة.

стр. 204

«أخاك» يشمل الرجل والمرأة، والصغير والكبير، ولو في المهد؛ لأنه أخاً لنا، فمن اغتاب صبياً ولو في مهده، بقوله كثير الصياح مؤذي، وما أشبه ذلك، فالأصل أنه داخل في الغيبة، لكن قد يقال إن قوله ﷺ : «بما يكره» والصغير لا تتأتى منه كراهية، وقد يقال ينزل منزلة العاقل لحرمته. وأيضاً الأصل أن الغيبة تشمل جميع أهل الإسلام صغاراً وكباراً، وتقبح حينما تكون في العلماء والولاة الصالحين. ولا شك أن غيبة العالم الورع ليست مثل غيبة آحاد الناس. وقوله: «بما يكره» ما هنا موصولة، أي: بالذي يكره وحذف المفعول ولم يقل بـ "الذي"، بل كل ما يكره في نفسه، أو في ماله، أو في مشيته، فكل شيء يكرهه الآدمي لا يحل أن يتكلم فيه في حال غيبته. ويظهر في هذا التعريف، أنه يشمل إذا كان يكره تزكيته؛ كما لو عُلم أنه إذا مُدح في وجهه، أو زكي يكره هذا، ويتألم غاية الألم، فهل إذا قيل هذا في غيبته يكون من الغيبة. وعامة كلام العلماء أنه غير داخل في الغيبة، نظراً إلى المعنى المقصود؛ ولأنه قد لا يحتاج إلى إذن هذا الشخص في تزكيته، قد يتعلق هذا بمصلحة أخرى؛ لكن إن خشي عليه العجب، فلا يجوز؛ لأنه قد يبلغه هذا الكلام

стр. 205

فيفتتن، وقد يكون يتحدث عند أناس في مجلس فيسمع أنه مدح في مجلس فيه فلان وفلان، فيقع فيه العجب، فيهلك وقد بوب البخاري: باب في الغيبة (١)، وقال بعد باب ذكر الغيبة باب آخر باب قول النبي ﷺ خير دور الأنصار (٢) دار كذا وكذا وأدخله في الغيبة. قال الحافظ: واستشكل إيراد البخاري لهذا الكتاب، ولعله أراد الرد على من قال: أن ذكر الإنسان بالخير إذا كان يكره غيبة، والصحيح أنه لا يشمل الغيبة؛ لكن ليس معناه أنه يتمادى فيه. (٣) وكما سبق البيان عنه، بأن الغيبة من الكبائر جاء في الغيبة ما ذكره الحافظ في الفتح، عدة أحاديث من أحسنها ما رواه أبو داود من طريق ابن المصفى، حدثنا بقية، وأبو المغيرة، قالا: حدثنا صفوان، قال: حدثني

стр. 206

راشد بن سعد، وعبد الرحمن بن جبير، عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل، قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» (١) وهذا الإسناد لا بأس به وبقية صرح فيه بالتحديث، وأيضاً مقروناً بغيره، وذكر الحافظ (٢) عدة أحاديث مجموعة، لا تقصر عن درجة الاحتجاج، فلا شك أن الغيبة من كبائر الذنوب. قوله: (ومن ذكر في فاسق ما فيه ليحذر منه أوسأل عنه من يريد تزويجه أو شريكته أو معاملته لم يكن مغتاب له ولا عليه آثم الغيبة، وله ثواب النصيحة، لقوله النبي ﷺ : «قولوا في الفاسق ما فيه يحذره الناس» والغيبة كبيرة، غير أنها قد تباح، ومن أهل العلم من حد هذه الأسباب، ومنهم من وضع قيداً لحِل الغيبة، فمن وضع قيداً لحِل الغيبة،

стр. 207

قال: تباح الغيبة لكل غرض صحيح شرعاً حيث يتعين طريقاً للوصول إليه بها. (١) وما سيأتي من صور هي من أفراد هذه الإباحة المقيدة بالقيد العام، بل قال بعضهم: إن الغيبة تحِل ولها أربع مائة صورة؛ كما ذكر المناوي نقلاً عن بعضهم في فيض القدير. ذكر المؤلف صوراً مما تحل فيه الغيبة وقد نظمها بعضهم وذكر فيها: الذّمُّ ليس بغيبة في ستة ... متظلم ومعرف ومحذر ولمظهر فسقاً ومستفتٍ ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر وقوله: الذم يعني الغيبة. قول الناظم: ليس بغيبة قد تكون الغيبة أحياناً واجبة، وقد كان شعبة يقول لبعض من عنده: تعالوا بنا نغتاب في الله يعني يتكلمون في الرواة. (٢) والأصل فيها التحريم؛ لكن قد تباح أحياناً بل قد تجب.

стр. 208

ومما تباح فيه الغيبة، عند التظلم: كما قال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ (١) فكون الإنسان يتظلم عند من يرفع مظلمته عند حاكم أو أمير أو من يقدر على إزالة مظلمته فإنه جائز. قوله: ومُعَرِّف كأن يُعرَّف الشخص بصفة فيه، للتعريف لا للعيب به؛ كقولهم، الأعمش، والأخفش، وفلان الأعور، وقد وجد رواة كثيرون لا يكاد يذكر اسمه في الإسناد بل يذكرون بنحو هذه الأوصاف للتعريف. ومُحذِّر: كمن يُحذِّر الناس من مبتدع، ويدخل في ذلك من يجرح الشهود، ومن ذلك جرح رواة الحديث، فإن هذا ضرورة وتجب؛ لأنه صيانة للدين، وصيانة لكلام الله، وكلام الرسول ﷺ . قوله: ولِمُظْهِرٍ فسقاً، أي: المجاهر، وعُلم من هذا أن غير المجاهر لا تحل غيبته فيما لم يجاهر به، أو يكون فاسقاً غير معلن، فهذا لا يجوز بل ينكر عليه، ولكن لا يجوز أن يفشى سره؛ لأن هذا كما أنه يضره، يهون المعصية على الناس، ودليل هذا ما أخرجه صاحبا الصحيح: أن النبي ﷺ استأذن له رجل، فقال: ائذنوا له بئس أخوُ العشيرة» يعني ذماً له لما بلغه عنه ﷺ ، قالت: عائشة فلما دخل ألان له القول - وكان النبي ﷺ لا

стр. 209

يواجه أحدًا بما يكره - فلما خرج، قالت عائشة: يا رسول الله، قلت ما قلت فلما دخل ألنت له القول، فقال: «إن من شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه» (١) وينقل عن الحسن البصري، أنه قال: ليس لفاسق غيبة. (٢) وهذا لا يصح مرفوعاً، وأيضا في ثبوته عن الحسن مقال، ولو صح لكان محمولاً على المجاهر. فمثلاً قول فلان مغني فهذا ليس من الغيبة، وأما إذا كان يستتر في معصيته كمن يشرب الدخان ولا يظهره عند الملأ، بل يأنف من ذلك

стр. 210

ويظهر كراهته، فلا يجوز لمن رآه وهو يشرب الدخان مختفياً، أن يقول فلان يشرب الدخان وهذا من الغيبة المحرمة، بل عليه النصيحة والستر. قوله: (ومستفتٍ) كذلك كون الإنسان يستفتي عند المفتي، ودليله ما ثبت في الصحيحين في قصة هند امرأة أبي سفيان ﵁: أنها أتت النبي ﷺ ، فقالت: إن أبا سفيان رجل مسيك لا يعطيني من ماله، فقال: «خذي ما يكفيك وما يكفي بنيك» (١) وأمرها النبي ﷺ ولم ينهرها، فأقرها على قولها أنه مسيك أو بخيل وهذا يجوز عند الاستفتاء، ومثل المستفتي المستشير وسيأتي. قوله: (ومن طلب الإعانة في إزالة منكر) كذا من طلب الإعانة في إزالة منكر فدعا غيره لزوال منكر واستعان بهم ولا يستطيع إزالته بنفسه؛ كأن يكون الواقعون على المنكر جماعة فحينئذ لا بأس بذكر المنكر ومن يقوم به ولا غيبة لهم.

стр. 211

ومن الصور التي لم يذكرها الناظم وقد تكون ضمن ما ذكر (المستشار)، كما جاء في سنن الترمذي: عن النبي ﷺ : «المستشار مؤتمن» (١) بإسناد لا بأس به. وثبت في الصحيح: أن فاطمة بنت قيس القرشية أتت النبي ﷺ فقالت: إن معاوية وأبا جهل خطباني فكيف تقول، فقال: «أما معاوية فصعلوك - أي فقير معدم - وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» (٢) وجاءت في رواية أخرى عند مسلم أن أبا جهم ضَرَّاب للنساء «ولكن انكحي أسامة بن زيد» (٣) وفي رواية عند مسلم، قالت: فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت. (٤) فالشاهد جواز ذلك في الاستشارة. وكذلك في الولاية لتولية أحد ولا يدرى هل يصلح لها أم لا، فيؤتى بشخص يعرف أحواله، وباطن أمره، حتى لا يولى على المسلمين من ليس

стр. 212

بكفء سواء كانت الولاية ولاية عامة، أو خاصة فيجب على من كان على علم بحاله أن يخبر به، حتى تتم النصيحة لأهل الإسلام في ذلك. وفيما تقدم من صورة الاستشارة يجب عليه أن يخبر ويكون مأجوراً، وله ثواب النصيحة، فإن أراد التشفي فإنه يأثم من هذه الجهة، وأما من حيث الإشارة فهو مثاب. قول المؤلف قول النبي ﷺ : «قولوا في الفاسق ما فيه ليحذره الناس» (١) لا يصح عن النبي ﷺ بل هو خبر باطل. ولكن دلت الأحاديث على مقتضاه كما في صحيح مسلم (٢) وذكره البخاري في ترجمة باب (٣) حديث أبي رقية ولمسلم من حديث أبي رقية تميم

стр. 213

بن أوس الداري عن النبي ﷺ : «الدين النصيحة، قلن لمن يارسول الله .. قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١) قوله: (ولا يظن بعمر ﵁ أنه أقدم على ما هو غيبة عند نصه على الستة الشورى فيهم، من ذكر عيب كل واحد، بل قصد بذلك النصح لله ولرسوله ولأهل الإسلام) لا أدري ما هو مراد المؤلف هل ذكر عمر كل واحد فيهم ولا اعلم أن عمر ﵁، نص على هؤلاء الستة وذكر عيب كل واحد منهم، وفي خبر الصحيح بل هو خير لهم، وتزكية لهم، حينما نص عليهم ولعله أراد هذا الخبر: أن ابن عباس قال: خدمت عمر خدمة لم يخدمها أحد من أهل بيته، ولطفت به لطفا لم يلطفه أحد من أهله، فخلوت به ذات يوم في بيته وكان يجلسني ويكرمني، فشهق شهقة ظننت أن نفسه سوف تخرج منها، فقلت: أمن جزع يا أمير المؤمنين، فقال: من جزع، قلت: وماذا،

стр. 214

فقال: اقترب فاقتربت، فقال: لا أجد لهذا الأمر أحدا، فقلت: وأين أنت عن فلان وفلان وفلان وفلان وفلان وفلان، فسمى - ابن عباس - له الستة أهل الشورى، فأجابه في كل واحد منهم يقول، ثم قال: إنه لا يصلح لهذا الأمر إلا قوي في غير عنف، لين في غير ضعف، جواد من غير سرف، ممسك في غير بخل. عزاه صاحب الكنز (رقم: ١٤٢٥٥) إلى ابن سعد , وفيه نظر من حيث الصحة أما من حيث المعنى فتقدم ما يدل على جواز مثل هذا، بل في هذا الحالة يجب نصحاً للمسلمين والله المستعان.

стр. 215

فَصْلٌ فَصَارَتِ الغِيْبَةُ: مَا يُذْكَرُ مِنَ النَّقْصِ وَالعَيْبِ؛ لَا يُقْصَدُ بِهِ إِلَّا الإِزْرَاءَ عَلَى المَذْكُوْرِ، وَالطَّعْنَ فِيْهِ. وَيُسْتَحَبُّ ضَبْطُ الأَلْسِنَةِ وَحِفْظُهَا، وَالإِقْلَالُ مِنَ الكَلَامِ إِلَّا فِيْمَا يَعْنِي، وَلَا بُدَّ مِنْهُ. وَأَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ إِجْرَاءُ الأَلْسِنَةِ بِمَا فِيْهِ النَّفْعُ لِغَيْرِهِ، وَالانْتَفَاعُ لِنَفْسِهِ مِثْلُ قِرَاءَةِ القُرْآنَ، وَتَدْرِيْسِ العِلْمِ، وَذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوْفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وَالإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ. قوله (فصل: فصارت الغيبة ....... والطعن فيه). فإذا قصد الإزراء والطعن لا شك أنه آثم، وإذا لم يقصد الإزراء ولا الطعن وإنما ذكر مطلق القول فإنه آثم إذا لم تكن من الصور التي مرت معنا، ولهذا التعريف الذي سبق بيانه في ضابط إباحة الغيبة جامع مانع، وهو: إباحته في كل غرض صحيح شرعاً لا يمكن الوصول إليه إلا بها.
следующие страницы →