ومن الصور التي لم يذكرها الناظم وقد تكون ضمن ما ذكر (المستشار)، كما جاء في سنن الترمذي: عن النبي ﷺ : «المستشار مؤتمن» (١) بإسناد لا بأس به.
وثبت في الصحيح: أن فاطمة بنت قيس القرشية أتت النبي ﷺ فقالت: إن معاوية وأبا جهل خطباني فكيف تقول، فقال: «أما معاوية فصعلوك - أي فقير معدم - وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» (٢)
وجاءت في رواية أخرى عند مسلم أن أبا جهم ضَرَّاب للنساء «ولكن انكحي أسامة بن زيد» (٣) وفي رواية عند مسلم، قالت: فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت. (٤) فالشاهد جواز ذلك في الاستشارة.
وكذلك في الولاية لتولية أحد ولا يدرى هل يصلح لها أم لا، فيؤتى بشخص يعرف أحواله، وباطن أمره، حتى لا يولى على المسلمين من ليس
стр. 212
بكفء سواء كانت الولاية ولاية عامة، أو خاصة فيجب على من كان على علم بحاله أن يخبر به، حتى تتم النصيحة لأهل الإسلام في ذلك.
وفيما تقدم من صورة الاستشارة يجب عليه أن يخبر ويكون مأجوراً، وله ثواب النصيحة، فإن أراد التشفي فإنه يأثم من هذه الجهة، وأما من حيث الإشارة فهو مثاب.
قول المؤلف قول النبي ﷺ : «قولوا في الفاسق ما فيه ليحذره الناس» (١)
لا يصح عن النبي ﷺ بل هو خبر باطل.
ولكن دلت الأحاديث على مقتضاه كما في صحيح مسلم (٢) وذكره البخاري في ترجمة باب (٣) حديث أبي رقية ولمسلم من حديث أبي رقية تميم
стр. 213
بن أوس الداري عن النبي ﷺ : «الدين النصيحة، قلن لمن يارسول الله .. قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١)
قوله: (ولا يظن بعمر ﵁ أنه أقدم على ما هو غيبة عند نصه على الستة الشورى فيهم، من ذكر عيب كل واحد، بل قصد بذلك النصح لله ولرسوله ولأهل الإسلام)
لا أدري ما هو مراد المؤلف هل ذكر عمر كل واحد فيهم ولا اعلم أن عمر ﵁، نص على هؤلاء الستة وذكر عيب كل واحد منهم، وفي خبر الصحيح بل هو خير لهم، وتزكية لهم، حينما نص عليهم ولعله أراد هذا الخبر: أن ابن عباس قال: خدمت عمر خدمة لم يخدمها أحد من أهل بيته، ولطفت به لطفا لم يلطفه أحد من أهله، فخلوت به ذات يوم في بيته وكان يجلسني ويكرمني، فشهق شهقة ظننت أن نفسه سوف تخرج منها، فقلت: أمن جزع يا أمير المؤمنين، فقال: من جزع، قلت: وماذا،
стр. 214
فقال: اقترب فاقتربت، فقال: لا أجد لهذا الأمر أحدا، فقلت: وأين أنت عن فلان وفلان وفلان وفلان وفلان وفلان، فسمى - ابن عباس - له الستة أهل الشورى، فأجابه في كل واحد منهم يقول، ثم قال: إنه لا يصلح لهذا الأمر إلا قوي في غير عنف، لين في غير ضعف، جواد من غير سرف، ممسك في غير بخل. عزاه صاحب الكنز (رقم: ١٤٢٥٥) إلى ابن سعد , وفيه نظر من حيث الصحة أما من حيث المعنى فتقدم ما يدل على جواز مثل هذا، بل في هذا الحالة يجب نصحاً للمسلمين والله المستعان.
стр. 215
فَصْلٌ
فَصَارَتِ الغِيْبَةُ: مَا يُذْكَرُ مِنَ النَّقْصِ وَالعَيْبِ؛ لَا يُقْصَدُ بِهِ إِلَّا الإِزْرَاءَ عَلَى المَذْكُوْرِ، وَالطَّعْنَ فِيْهِ.
وَيُسْتَحَبُّ ضَبْطُ الأَلْسِنَةِ وَحِفْظُهَا، وَالإِقْلَالُ مِنَ الكَلَامِ إِلَّا فِيْمَا يَعْنِي، وَلَا بُدَّ مِنْهُ.
وَأَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ إِجْرَاءُ الأَلْسِنَةِ بِمَا فِيْهِ النَّفْعُ لِغَيْرِهِ، وَالانْتَفَاعُ لِنَفْسِهِ مِثْلُ قِرَاءَةِ القُرْآنَ، وَتَدْرِيْسِ العِلْمِ، وَذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوْفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وَالإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ.
قوله (فصل: فصارت الغيبة ....... والطعن فيه).
فإذا قصد الإزراء والطعن لا شك أنه آثم، وإذا لم يقصد الإزراء ولا الطعن وإنما ذكر مطلق القول فإنه آثم إذا لم تكن من الصور التي مرت معنا، ولهذا التعريف الذي سبق بيانه في ضابط إباحة الغيبة جامع مانع، وهو: إباحته في كل غرض صحيح شرعاً لا يمكن الوصول إليه إلا بها.
стр. 216
فلو جلس مجموعة من طلاب العلم وأخذوا يتندرون ببعض الرواة الضعفاء دون الحاجة إلى جرحهم في دراسة إسناد أو غيره .. فلان كذا .. وأنت مثل فلان فهذا لا يحل ...
فتباح الغيبة بقدر الحاجة؛ لأن أعراض المسلمين حرام، ولهذا يقول ابن دقيق العيد في الاقتراح: أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها المحدثون والحكام. (١)
فليس معناه أن أعراضهم مباحة مطلقاً، فتجد بعضهم يتندر براوٍ كابن لهيعة فتجده يتندر بهذا الرجل الصالح، الذي هو من أولياء الله من أجل ضعفه، وما وُصم به من سوء الحفظ والاختلاط - وهو سيء الحفظ مطلقاً - فإذا لم يكن يتضمن مصلحة لدرس أو نحوه, كان من الغيبة الحرام، ويكون يوم القيامة يقف لك عبد الله بن لهيعة في العرصات وأنت لم تره ولم يسمع بك.
فليحذر طالب العلم من هذه الزلات؛ إلا إذا تضمن مصلحة؛ كأن يختبر طلاب العلم بالسؤال عن عشرة ضعفاء؟ ويعرف منهم الطلب والاستفادة أو ائتوني بعشرين ضعيفاً في كتاب التهذيب، حتى يصقل
стр. 217
مواهبهم ويعلمهم؛ لأن هؤلاء طلبة للحديث وطلبة علم، فهذا لا بأس به، وأما التندر بأعراض المسلمين فلا يحل فافهم أيها اللبيب.
قوله (ويستحب ضبط الألسنة ........ والإصلاح بين الناس)
يجمع هذا الذي ذكره المؤلف قوله تعالى في سورة النساء: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ (١)
في هذه الآية من الفوائد: أن الأعمال المتعدية بمجرد فعلها يؤجر عليها الإنسان، حتى لو لم ينو، لقوله تعالى ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ (١١٤)﴾ أي أن هذه الخصال فيها خير ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾
فالأجر حاصل والخيرية حاصلة بمطلق القول، حتى لو ضعفت النية فإذا تضمن ابتغاء وجه الله كان الأجر أعظم، وهذه قاعدة في كل عمل متعد فافهم هذا فإنه عزيز.
стр. 218
كما في حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري عن أبي مسعود الأنصاري البدري في الصحيحين: «إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة» (١)
مع أن النبي ﷺ قال كما في حديث سعد بن أبي وقاص في الصحيح: «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله؛ إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك» (٢)
ومعلوم أن للشهوة مدخلاً ظاهراً في كون الإنسان يضع اللقمة في فم زوجته، ومع ذلك ثبت له الأجر.
وحديث جابر ﵁ عند مسلم: «ما من مسلم يغرس غرساً، إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل السبع منه فهو
стр. 219
له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد؛ إلا كان له صدقة» (١)
ومعلوم أنه لا يريد من اللص أن يأخذ منه شيئاً ولا العصافير أن تنقب هذا التمر.
فالكلام على مراتب ثلاث:
المرتبة الأولى: كلام في واجب أو مستحب.
المرتبة الثانية: الصمت.
المرتبة الثالثة: كلام في محرم أو مكروه.
وأفضلها الكلام في واجب ومستحب من تعليم العلم وقراءة القران والإقراء والتدريس والإفتاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما أشبه
стр. 220
ذلك، وهذا هو صنيع الموفقين من عباد الله من العلماء والأخيار ممن أراد الله رحمتهم.
القسم الثاني: هو الصامت الذي يمسك عن الكلام، فهذا الصمت في حقه خير من الكلام في محرم، ولا شك أن الصمت خير من قول السوء, وأما صمته عن قول الحق إذا تعين عليه فمحرم.
القسم الثالث: الكلام في محرم أو مكروه.
فالكلام قد يكون واجباً أو مستحباً أو مباحاً أو مكروهاً أو محرماً.
وفي حالة كون الكلام مكروهاً أو محرماً حينئذ يكون الصمت مستحباً أو واجباً، فإذا كان مكروهاً فالصمت مستحب، وإذا كان الكلام محرماً فالصمت واجب.
وكان بعض السلف يلزم الصمت خوفاً من الوقوع في الزلل، وقد قيل إن شريحاً إذا أحرم في الحج كأنه حية صماء حتى يحل من إحرامه.
وبعض الناس يتحفظ في كلامه إذا دخل مكة، وإذا دخل في إحرام تحفظ، وإذا جاء رمضان مثلاً، أو العشر الأواخر تحفظ، أو في الأشهر
стр. 221
الحرم , وكذا إذا جاء في بقعة فاضلة؛ لأنه يخشى أن يؤخذ بفلتات لسانه، وكم من أسير ومحبوس في النار بسبب هذا فرحماك ربي رحماك.
وقد قيل (إن الساكت عن الحق شيطان أخرس) وهذا ليس بحديث، وإنما هو من كلام أبي علي الدقاق.
وتقسيم الكلام إلى واجب ومستحب أو مكروه أو محرم، من علم الخواص، فبعض العوام مثلاً يدعى إلى شهادة فيقول، أنا لا أريد، ويتورع من ذلك؛ وتورعه ليس في محله؛ لأنه قد يكون الكلام واجباً.
وقد قال عزوجل ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (١) وقال عن الشهادة ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٢)
فبعض الناس لا يضبط هذا الشيء، فطالب العلم ينبغي أن يعرف متى يتكلم وجوباً أو استحبابا أو كراهية أو تحريماً.
стр. 222
تتمة:
جاء في ترجمة عبد الله بن وهب القرشي: أنه قال: عالجت نفسي في الغيبة فكنت كلما اغتبت أحد صليت ركعتين فكثرت صلاتي، فقلت لنفسي إن اغتبتي أحداً لأصومن يوماً فكثر صيامي فقلت لنفسي إن اغتبتي أحداً لأتصدقن بدرهم فأمسكت عن الغيبة (١).
فائدة:
وقفت على كلام لشيخ الإسلام ﵀ ونصه: " فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون أو فيه بعض ما يقولون لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس واستثقله أهل المجلس ونفروا عنه فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب المصاحبة وقد يغضبون فيغضب لغضبهم فيخوض معهم ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى تارة في قالب ديانة وصلاح فيقول ليس لي عادة أن أذكر أحدا إلا بخير ولا أحب الغيبة ولا الكذب وإنما أخبركم بأحواله ويقول والله إنه مسكين أو رجل جيد ولكن فيه كيت وكيت وربما يقول دعونا منه الله يغفر لنا وله وإنما قصده استنقاصه وهضما لجنابه
стр. 223
ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة يخادعون الله بذلك كما يخادعون مخلوقا وقد رأينا منهم ألوانا كثيرة من هذا وأشباهه
ومنهم من يرفع غيره رياء فيرفع نفسه فيقول لو دعوت البارحة في صلاتي لفلان لما بلغني عنه كيت وكيت ليرفع نفسه ويضعه عند من يعتقده أو يقول فلان بليد الذهن قليل الفهم وقصده مدح نفسه وإثبات معرفته وأنه أفضل منه
ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين الغيبة والحسد وإذا أثنى على شخص أزال ذلك عنه بما استطاع من تنقصه في قالب دين وصلاح أو في قالب حسد وفجور وقدح ليسقط ذلك عنه
ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب ليضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزأ به
ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب فيقول تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت ومن فلان كيف وقع منه كيت وكيت وكيف فعل كيت وكيت فيخرج اسمه في معرض تعجبه
ومنهم من يخرج الاغتمام فيقول مسكين فلان غمني ما جرى له وما تم له فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف وقلبه منطو على التشفي به ولو
стр. 224
قدر لزاد على ما به وربما يذكره عند أعدائه ليشتفوا به وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه
ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر فيظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول وقصده غير ما أظهر والله المستعان ". (١)
وننبه إلى حديث أخرجه الضياء المقدسي في المختارة (رقم:١٦٩٧) من طريق حبان بن هلال نا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: كانت العرب تخدم بعضها بعضا في الأسفار وكان مع أبي بكر وعمر رجل يخدمهما فناما فاستيقظا ولم يهيء لهما طعاما فقال أحدهما لصاحبه إن هذا ليوائم نوم نبيكم ﷺ فأيقظاه فقالا إئت رسول الله ﷺ فقل له إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام وهما يستأدمانك فقال أقرأهما للسلام وأخبرهما أنهما قد إئتدما ففزعا فجاءا إلى النبي ﷺ فقالا يا رسول الله بعثنا إليك نستأدمك فقلت قد آئتدما فبأي شيء ائتدمنا قال بلحم أخيكما والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين أنيابكما قالا فاستغفر لنا قال هو فليستغفر لكما
لفظ ابن صاعد وفي رواية السامري (يخدم بعضهم بعضا) وعنده ... (يخدمهما فنام) وعنده (فقالا إن هذا ليوائم نوم بيتكم) وعنده بعد
стр. 225
يستأدمانك (فأتاه فقال ﷺ أخبرهما) وعنده (قال بأكل لحم أخيكما إني لأرى لحمه بين ثناياكما) وقد رواه عفان بن مسلم عن حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن العرب كانت تخدم بعضهم بعضا في الأسفار فذكره قيل الموائمة الموافقة ومعناه إن هذا النوم يشبه نوم البيت لا نوم السفر عابوه بكثرة النوم ا. هـ.
قلت: ورواية عفان أصح فإن عفان من أثبت أصحاب حماد وهو أثبت من حبان فالصحيح أن الحديث من مراسيل عبد الرحمن بن أبي ليلى لا يصح رفعه، وقد أخرجه الخرائطي أيضاً في مساويء الأخلاق، وقد اغتر بعض المتأخرين فصححه ووهم في ذلك.
وَلَا يَجْتَمِعُ رَجُلَانِ وَلَا امْرَأَتَانِ عَرْيَانَيْنِ، فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ، وَلَا إِزَارٍ وَاحِدٍ.
وَلَا يَجُوْزُ تَعَمُّدُ حُضُوْرِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، وَلَا شَيءٌ مِنَ المَلَاهِي المُطْرِبَةِ، كَالطَّبْلِ وَالزَّمْرِ، وَخُصَّ مِنْ ذَلِكَ الدُّفُ لِلنِّكَاحِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ((أَعْلِنُوا النِّكَاحَ، وَاضْرِبُوْا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ)).
وَلَا بَأْسَ بِالرُّقْيَةِ بِأَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ التَعْوِيْذُ بِهِ.
قوله: (ولبس الحرير محرم على الرجال مباح للنساء ...)
اتفق العلماء ﵏ على تحريم أن يلبس الرجل الحرير, وأن يجلس عليه, وأن يلتحف به، أو أن يقعد عليه في حال الاختيار والسعة, والأدلة في ذلك كثيرة:
منها حديث البراء ﵁ المتفق عليه، قال: أمرنا النبي ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: ومنها-: خاتم الذهب ولبس الحرير. (١) وكذلك ما أخرجه
стр. 228
البخاري عن حذيفة ﵁، قال: نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه» (١)
والديباج، هو: ضرب من الثياب الجميلة، ولحمته من الحرير فهو فارسي معرب.
وكذلك في حديث عمر المتفق عليه: أن النبي ﷺ ، قال: «لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» (٢)
وكذلك حديث أنس (٣) المتفق عليه, وكذلك حديث عمر:
стр. 229
«إنما يلبس هذه في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة» (١) والأحاديث في ذلك كثيرة.
وأما التحلي بالذهب: ففي الباب حديث علي: أخذ النبي ﷺ ذهباً بيمينه وحريراً بشماله، فقال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي حِل لإناثهم» رواه الأربعة. (٢)
стр. 230
وله شاهد من حديث أبي موسى (١) , وفي أسانيدها نظر, فحديث أبي موسى فيه اضطراب, والأشبه أن فيه انقطاعاً.
والعلماء متفقون على تحريم الحرير على الرجال, وأن هذه الحرمة لبساً وافتراشاً وتلحفاً في حال السعة والاختيار.
أما في حال الحرج؛ كأن لا يجد ما يستر عورته إلا ثوب حرير فيجب أن يستر عورته به, وكذلك إذا كان به حكة ومشقة في لبس غيره, فلا بأس، وقد رخص النبي ﷺ للزبير وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير، لحكة كانت بهما.
وأما لباس الذهب؛ كخاتم الذهب على الرجال, ففيه خلاف قديم، وجمهور أهل العلم على تحريم لبس الخاتم من الذهب على الرجال, وقد
стр. 231
نُقلت الإباحة عن بعض الصحابة؛ ولكن الصحيح أنه محرم, وفي الباب حديث ابن عباس الذي أخرجه مسلم: أن النبي ﷺ رأى في يد رجل خاتماً من ذهب، قال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده» ثم أخذه ورمى به. فقيل للرجل خذه، قال: والله لا أرفعه وقد طرحه النبي ﷺ . (١)
والحكمة في تحريم الذهب والحرير على الرجال ظاهرة, ففيه سرف وتشبه بالنساء, وفيه كذلك التخنث والنعومة والليونة المنافية لشهامة الرجل وخشونته, وقد تكلم ابن القيم كلاماً حسناً في مسألة تحريم الحرير على الرجال في الزاد. (٢)
стр. 232
وقد قال الله : ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ (١) حيث عاب الله على المشركين أن جعلوا له البنات اللاتي هذه صفتهن قال مجاهد: رخص للنساء في الذهب والحرير وقرأ هذه الآية.
قوله: (حتى الخاتم ولو بقدر عين الجرادة)
وهذا إشارة إلى رواية جاءت في الباب, والخلاصة أن الخاتم من الذهب لا يحل للرجال, ويجوز من لباس الحرير على الرجال ما كان فيه أربعة أصابع في أربعة أصابع فما دون فقد رخص النبي ﷺ أن يكون في ثوب الحرير الأصبع والأصبعين والثلاثة والأربعة, يعني مجموع ما يكون في الثوب من الحرير أربعة أصابع في أربعة, يعني لو جمع لكان مجموعها أربعة في أربعة فهذا يجوز.
والمراد بالحرير هنا: الحرير الطبيعي الذي تنتجه الدودة المعروفة, دودة القز.
وأما الحرير الصناعي: ما يسمى بالسلك, فهذه مباحة لا كراهة فيها, على القول الراجح.
стр. 233
قوله: (ولا يكره لبس الخز الذي يشوبه الوبر وكذلك العتّابي الذي يكون القطن فيه أكثر من القز).
السلف بينهم خلاف في لبس الخز, وأبو داود بعدما أخرج حديث: «يأتي زمان على أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف» قال: وقد لبس الخز أكثر من عشرين نفساً من أصحاب النبي ﷺ . (١)
والظاهر أن الخز حرير يشوبه شيء من الوبر, ففيه حرير مخلوط, والمعروف في النهي: «يأتي زمان على أمتي يستحلون الحر والحرير» وجاءت في لفظ عند أبي داود: «الخز والحرير»
وفي هذا اللفظ نكارة, والصحيح المحفوظ: «الحر» أي: الفرج, ومما يدل على نكارته أيضاً أنه أردفه على الحرير, فيكون عطف شيء على شيء من جنسه, بل دونه, فإذا نهي عن الخز لأجل بعض الحرير فالنهي عما هو أكثر من باب اولى! , فالمحفوظ في رواية البخاري: «الحر والحرير والخمر والمعازف» فتكون أربعة أجناس.
стр. 234
قوله: (ولا يجوز جعل الصور في الثياب ولا في المفارش والستور وهو ما كان على صورة الحيوان لأن النبي ﷺ قال: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة» (١)
المراد بالصورة هنا صورة الوجوه, والصورة إذا أطلقت في اللفظ فالمراد بها صورة الوجه.
وفي صحيح مسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم» أي: وجوهكم, وفي قصة الرجل الذي لطم جاريه، قال: أما علمت أن الصورة محترمة. (٢) أي: ضرب الوجه.
ومنه قول العلماء الذين يتكلمون في الأخلاق والسلوك ويذكرون ما يسمى بعشق الصور, والمراد به عشق صور الوجوه, وفي الجنة أن الإنسان ما يشتهي صورة إلا دخل فيها, أي: وجهاً, فالصورة هي الوجه, وصح عن ابن عباس عند البيهقي، أنه قال: الصورة الرأس. (٣)
стр. 235
والمراد به الوجه والرأس جميعاً، ومما يدل على أن الصورة هي الوجه ما أخرجه النسائي بسند قوي من حديث أبي هريرة ﵁ في قصة جبرائيل حينما أمر النبي ﷺ بالتمثال بأن يقطع ويجعل كهيئة الشجرة. (١) فإذا زال الوجه والرأس زال الحكم.
وقوله: (لا يجوز جعل الصور في الثياب)
أي: الملبوسة, ولا المفارش الموطوءة, ولا الستور المعلقة, وهو ما كان على صورة حيوان.
واحتج بما ثبت في الصحيحين من غير وجه أن النبي ﷺ ، قال: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة» وهذا يشمل الصورة المنحوتة, والصورة المعلقة.
стр. 236
واتفق العلماء على تحريم الصور المنحوتة, وهو أصل شرك العالم, وشرك قوم نوح, وأجمعوا أيضاً على تحريم الصورة المرقومة, وهي المرسومة باليد؛ إلا ما روي عن القاسم بن محمد.
واختلف المعاصرون في صور الآلات الحديثة.
فالصور إما أن تكون معظمة: -سواءً كانت منحوتة أو مرقومة أو غيرهما - فهي محرمة.
ومن صور التعظيم: التعليق أو وضع المنحوت في الرفوف والدواليب, فهذا لا شك في تحريمه.
وأما غير المعظمة التي لا تكون معلقة, لا في ثياب ولا على ستور ولا على جدر, ولا تكون ممتهنة تداس بالأقدام, ففيها خلاف بين أهل العلم, حتى بين المعاصرين, والصحيح أنها محرمة لعموم الحديث: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة»
أو ممتهنة: الصور الممتهنة التي تداس, وهذه من أهل العلم من حرمها, وقال: هذه داخلة في عموم الصور.
والصحيح أن هذا مما جاء استثناؤه, وقد أمر النبي ﷺ عائشة بشق الوساد الذي فيه التصاوير, قالت: فجعلنا منه وسادتين توطآن. (١)
стр. 237
فيدل على أنه إذا امتهنت زال حكمها؛ لأنه يخشى من أن تكون وسيلة للغلو فيها وتعظيمها لا سيما صور المعظمين من الملوك والعلماء وهذا ما حصل في قوم نوح حتى أفضى إلى عبادتهم من دون الله ولا تقل هذا بعيد فشواهد العصر كالشمس من عبادة الأبقار والأصنام .. وهذا الخليل الكليم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ (١) فمن يأمن على نفسه بعده؟!.
وعليه فتكون الصور الآن الموجودة في الألبومات وما يحتفظ به لأجل الذكرى محرمة على القول الراجح.
أما الصور التي للضرورة, كصور بطاقة الأحوال, وجواز السفر, فهذه للضرورة, وتكون بقدر الحاجة أيضاً, والصحيح أنه يدخل فيها الصور التي للحاجة, كالصور التي تفرض على العاملين في بعض المنشآت, فإن هذه قد تكون حاجة وليست ضرورة, لكن الصحيح جوازها أيضاً.
ولكن ينبغي عدم إظهارها في الصلاة, وعدم وضعها على النحر مكشوفة, إلا عند الرؤية والمعاينة للتأكد من الشخصية.
стр. 238
قوله: (والاختيار التختم باليسار، وإن تختم باليمين فلا بأس)
يظهر من خطابه مسألة تختم الرجال بالفضة, والسياق ليس بظاهر.
ولكن لمّا ذكر أنه يحرم تختم الرجال بالذهب؛ كأن فيه إلماحاً إلى هذا.
وقد اتخذ النبي ﷺ خاتماً من فضة, واختلف العلماء ﵏ في التختم بالفضة، فأصل المسألة: أنه يجوز للرجال التختم بالفضة بالاتفاق, وإن كان فيه نزاع يسير لبعض أهل الشام يأتي تحريره ... واختلفوا هل هو سنة أم لا, على أقوال:
القول الأول: أنه مباح للرجال, وهذا مذهب كثير من أهل العلم, وهو مشهور قول الأحناف، وبعض أصحاب أحمد ومالك.
القول الثاني: أنه مستحب, وهذا مذهب بعض السلف, وهو منصوص مالك, ووجه عند الحنابلة.
القول الثالث: أنه مكروه إلا لذي السلطان, وهذا ما ذهب إليه بعض الحنفية, وبعض الشافعية, ووجه عند الحنابلة.
القول الرابع: أن التختم للرجل مكروه مطلقاً, وحكاه ابن عبد البر عن طائفة من العلماء.
стр. 239
من أدلة القول الأول: أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من ذهب, ثم رمى به وألقاه, ثم اتخذ خاتماً من وَرِق, وحديث ابن عمر في الصحيحين, وكذلك لبس أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم وقع من عثمان في بئر أريس. (١)
ولبس جماعة من الصحابة كطلحة وسعد وابن عمرو والبراء والمغيرة ﵃ وحكي الإجماع على جوازه.
ومن قال بالاستحباب قال أن لبس النبي ﷺ يدل على استحبابه, وكذلك لبس الخلفاء له من بعده, وكذلك أن النبي ﷺ كان يلبسه مطلقاً, ولم يكن يلبسه عند الختم فقط، وتأسى به عامة الصحابة فلبسوه ..
ودليل من قال أنه مكروه؛ إلا لذي سلطان حديث أبي ريحانة: أن النبي ﷺ نهى عن لبس الخاتم إلا لذي سلطان. رواه أبو داود والنسائي (٢) , ولكن إسناده ضعيف.
وقد سئل عنه مالك فضعفه, وقال أحمد: إن الكراهة لغير ذي سلطان إنما تروى عن أهل الشام, وإن كثيراً من السلف تختّموا, ولم ينكروا لبس الخاتم,
وبعض أهل العلم كرهه لغير السلطان, وقال: لذي السلطان سنة أما لغير السلطان فهو مكروه.
стр. 240
ويرد على هؤلاء بأحاديث الإباحة المتقدمة, ويأتي أيضا أحاديث أخرى, واحتج هؤلاء أيضاً بأن النبي ﷺ كما جاء في حديث أنس ﵁ حينما أراد أن يكتب إلى كسرى وقيصر وقيل له أنهم لا يقبلون كتاباً إلا مختوماً, فاتخذ خاتماً وصاغه من فضة, ونقش عليه: "محمد رسول الله, ثم قال: «لا ينقش أحد كنقشنا» (١)
والحديث أصله متفق عليه, وقالوا أن هذا سبب اتخاذ الخاتم, وإلا فكانت العرب لا تلبسه ولم يلبسه النبي ﷺ إلا لهذا, فقالوا لغير ذي السلطان مكروه, وقالوا: لأنه زينة والنساء أحق بالزينة من الرجال, وقالوا أيضاً: أنه مقيد بالحاجة, والحاجة يقتصر عليها.
فالأجوبة على ما تقدم:
من قال: مكروه مطلقاً فهذا لا وجه له.
وأما من قال: أنه مباح لذي السلطان، مكروه لغيره، أنه لو كان مقيد بالحاجة لما استدام لبسه, ولبسه أصحابه, فإنهم استداموا لبسه أيضاً مطلقاً, ولم يكونوا بأهل ولايات, فحينما لبس الخاتم اتخذ الناس خواتم, ولبسوا الفضة, واشتروه بالأموال, وأنفقوها فيه, وهذا يدل على إقرار النبي ﷺ الصحابة على ذلك, وهذا الدليل الذي أوردناه فيه رد على من قال
стр. 241
بالكراهة, وعلى من قال بالإباحة, ولا شك أن كون أصحاب النبي ﷺ كما في الصحيحين يتخذون خاتماً من فضة, والنبي ﷺ يراهم, يدل على أن أقل أحواله أنه مشروع, والصحابة كانوا يتأسون بالنبي ﷺ التأسي المطلق.
فإن قيل: قد روى النسائي من حديث ابن عمر وفيه: «اتخذ خاتم من فضة فكان يختم به ولا يلبسه» (١)
وهذا احتج به من قال أنه مكروه إلا للسلطان, وقالوا: النبي ﷺ يلبسه عند الختم, فنقول أن لفظة «ولا يلبسه» في هذا الحديث شاذة.
قوله: (والاختيار التختم باليسار ,وإن تختم في اليمين فلا بأس)
стр. 242
والمشهور عن الإمام أحمد ﵀ وهذا على أحد الأقوال فإنه قال: وأحاديث التختم باليسار أحب لي وهي أقوى وأثبت، وفي المسألة أقوال:
القول الأول: أنه مباح في اليمين والشمال, قالوا: والذي ثبت عن النبي ﷺ التختم, وفي الخنصر.
وأما في اليمين أو الشمال فلا يصح شيء، والأحاديث في ذلك متدافعة ومضطربة.
والقول الثاني: أنه باليمين أفضل وهذا مذهب البخاري, وقد أخرج فيه حديث أنس المتفق عليه: أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً وكان في يمينه. (١)
стр. 243
وفيه كذلك حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود والترمذي وصححه البخاري (١) ﵀.
وأيضاً فإنه زينة واليمين أحق بالزينة, وأيضاً فإنه قد ينقش فيه ذكراً فيصان ويكون باليمنى حتى لا يمتهن, واتفقوا على أن مكانه الخنصر, وهو أصغر الأصابع, فإن قيل قد روى مسلم عن أنس: كان خاتم النبي ﷺ في هذه وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى. (٢)
فنقول الأحاديث في يمينه أصح, وعلى كل حال فالترجيح في كونه في يمينه ليس بذلك الوضوح, فإن الأحاديث كما قال غير واحد من الحفاظ: القدر الصحيح فيها التختم, ومنهم من صحح الأيسر، ومنهم من صحح الأيمن, فالذي يظهر لي أنه يكون في اليمين أكثر, وإن تختم باليسار أحياناً فلا بأس، فيكون فيه جمع بين القولين, وظاهر كلام المؤلف خلاف
стр. 244
ما اخترنا بقوله: (والاختيار التختم باليسار ومن تختم باليمين فلا بأس).
قوله: (ولا يحل لأحد أن يجر ثوبه خيلاءً وبطراً)
هذا الحكم مما يختص به الرجال.
والإسبال هو إرخاء الرجل لباسه تحت الكعب, فقولنا: "لباسه" يشمل السراويل والأزر والثياب والعمائم والمشالح وغيرها، ودونكم مما يتعلق في الباب من مسائل:
أولاً: اتفق العلماء على تحريم الإسبال, إذا كان للخيلاء وللعجب وللكبر, بل عدّوه من كبائر الذنوب, فهذه المسألة لا خلاف فيها, وحججهم ظاهرة: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» أخرجه البخاري من حديث ابن عمر. (١)
стр. 245
وفي لفظ: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه» فقال أبو بكر: يا رسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده, قال: إنك لست ممن يصنع ذلك خيلاء. (١)
ثانياً: من أقسام الإسبال: إذا أرخى إزاره بغير خيلاء تحت الكعب, فهنا انقسم العلماء ﵏ في هذه المسألة على قسمين:
القسم الأول: أنه محرم, ولهم أدلة:
الدليل الأول: أن مجرد جر الثوب معدود من الخيلاء, لقول النبي ﷺ : «إياك والإسبال فإنه من المخيلة» (٢) رواه أبو داود والترمذي من حديث جابر بن سليم, وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو. (٣)
стр. 246
واحتجوا كذلك بما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ ، قال: «ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار» (١) وليس فيه تعرض للخيلاء.
واحتجوا بحديث أبي سعيد: «إزرة المؤمن إلى نصف الساق, لا جناح فيما بينه وبين الكعبين، وما أسفل الكعبين فهو في النار» (٢) أخرجه أهل السنن وأحمد وإسناده صحيح, واحتج بعضهم بحديث أبي ذر ﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ....» (٣) وذكر المسبل, ولكن الصحيح أن هذا الحديث المطلق, محمول على حديث ابن عمر في معناه؛ لأنه له عقوبة خاصة, فوجب
стр. 247
حمل المطلق على المقيد؛ لأنه إذا اتحد الحكم والسبب وجب حمل المطلق على المقيد.
وقول النبي ﷺ من حديث أبي ذر: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ....»
فالحكم: لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم, والسبب: الإسبال.
فوجب حمله على حديث ابن عمر: «من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» (١) فيكون هذا من حجج الأولين.
ومن أدلة القائلين أنه محرم مطلقاً قول عمر ﵁: ارفع إزارك فإنه أتقى لربك. (٢) ولم يستفصل, وكان في كرب الموت, فدل على أن إسبال الإزار ليس من التقوى في شيء, وإذا لم يكن من التقوى كان من الإثم.
وعلى هذا يكون جر الإزار ينقسم إلى قسمين:
الأول: إن كان خيلاء فهو من الكبائر المغلظة, المستحق عليه بالوعيد الخاص مع النار.
الثاني: وإن كان بغير خيلاء فإنه كبيرة؛ لأنه متوعد عليه بالنار.
стр. 248
وقد مر معنا أن التوعد على الذنب بالنار يكون من الكبائر, ففيه الدلالة على أن الكبائر تتفاوت.
والقول الثاني: أنه مكروه وليس بمحرم, وحملوا الأدلة المطلقة التي فيها التحريم على أحاديث الخيلاء, وهذا لا يتأتّى؛ لأنه إنما يصح حمل المطلق على المقيد في صورتين:
الصورة الأولى: أن يتحد الحكم والسبب.
والصورة الثانية: أن يتحد الحكم ويختلف السبب.
وفي حديث أبي هريرة ﵁ الحكم: دخول النار, والسبب: الإسبال, فلا يمكن حمله على حديث ابن عمر وغيره؛ لأن الحكم هنا دخول النار, والحكم هناك لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم.
وإذا اختلف الحكم فإنه لا يحمل المطلق على المقيد عند جمهور الأصوليين.
واحتجوا أيضاً بحديث ابن عمر: «إنك لست ممن يفعله خيلاء» (١)
стр. 249
والجواب عن هذا: أن أبا بكر ﵁ كان يلبس إزاره, وكان إزاره ينحل فيرفعه, ثم ينزل ثم يرفعه, ولا شك أن هذه ليست صورة الإسبال الموجودة أصلاً, فإنه منذ أن يتجاوز الكعب فإنه يرفعه.
وأيضاً فإن أبا بكر قد زكاه النبي ﷺ فخرج من عهدة المحظور.
واحتجوا بحديث ابن عمر: «من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» (١)
وقالوا: مفهومه إن من لم يجره خيلاء لا يدخل في هذا الوعيد, وعليه فيكون مباحاً.
ونقول: هذا المفهوم عارضه المنطوق في أحاديث أُخر بإثبات الوعيد بالنار لمن جر إزاره تحت الكعبين.
وخلاصة ما تقدم أن الإسبال على قسمين:
القسم الأول: الإسبال بخيلاء فيستحق الوعيد بعدم نظر الله إليه، وهو كبيرة مغلظة.
القسم الثاني: الإسبال بغير خيلاء فهذا متوعد عليه بالنار، وهو كبيرة.
стр. 250
مسألة: وضع اللباس ينقسم إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: أن يكون إلى نصف الساق, وهذا سنة.
القسم الثاني: أن يكون إلى الكعبين وهذا مباح.
القسم الثالث: أن يكون على الكعب, وهذا منهم من قال بالكراهة, ومنهم من قال: بالتحريم.
والصحيح أنه محرم, لرواية في حديث أبي سعيد: ليس للكعبين حق في الإزار. (١) وإسناده صحيح.
القسم الرابع: ما نزل من الكعبين وقد تقدم الكلام عليه.
مسألة: نصف الساق هل هو سنة وما تحته مباح إلى الكعبين أم كله سنة؟