← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17128

اللباب «شرح فصول الآداب»

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (352 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

واحتجوا كذلك بما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ ، قال: «ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار» (١) وليس فيه تعرض للخيلاء. واحتجوا بحديث أبي سعيد: «إزرة المؤمن إلى نصف الساق, لا جناح فيما بينه وبين الكعبين، وما أسفل الكعبين فهو في النار» (٢) أخرجه أهل السنن وأحمد وإسناده صحيح, واحتج بعضهم بحديث أبي ذر ﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ....» (٣) وذكر المسبل, ولكن الصحيح أن هذا الحديث المطلق, محمول على حديث ابن عمر في معناه؛ لأنه له عقوبة خاصة, فوجب

стр. 247

حمل المطلق على المقيد؛ لأنه إذا اتحد الحكم والسبب وجب حمل المطلق على المقيد. وقول النبي ﷺ من حديث أبي ذر: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ....» فالحكم: لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم, والسبب: الإسبال. فوجب حمله على حديث ابن عمر: «من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» (١) فيكون هذا من حجج الأولين. ومن أدلة القائلين أنه محرم مطلقاً قول عمر ﵁: ارفع إزارك فإنه أتقى لربك. (٢) ولم يستفصل, وكان في كرب الموت, فدل على أن إسبال الإزار ليس من التقوى في شيء, وإذا لم يكن من التقوى كان من الإثم. وعلى هذا يكون جر الإزار ينقسم إلى قسمين: الأول: إن كان خيلاء فهو من الكبائر المغلظة, المستحق عليه بالوعيد الخاص مع النار. الثاني: وإن كان بغير خيلاء فإنه كبيرة؛ لأنه متوعد عليه بالنار.

стр. 248

وقد مر معنا أن التوعد على الذنب بالنار يكون من الكبائر, ففيه الدلالة على أن الكبائر تتفاوت. والقول الثاني: أنه مكروه وليس بمحرم, وحملوا الأدلة المطلقة التي فيها التحريم على أحاديث الخيلاء, وهذا لا يتأتّى؛ لأنه إنما يصح حمل المطلق على المقيد في صورتين: الصورة الأولى: أن يتحد الحكم والسبب. والصورة الثانية: أن يتحد الحكم ويختلف السبب. وفي حديث أبي هريرة ﵁ الحكم: دخول النار, والسبب: الإسبال, فلا يمكن حمله على حديث ابن عمر وغيره؛ لأن الحكم هنا دخول النار, والحكم هناك لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم. وإذا اختلف الحكم فإنه لا يحمل المطلق على المقيد عند جمهور الأصوليين. واحتجوا أيضاً بحديث ابن عمر: «إنك لست ممن يفعله خيلاء» (١)

стр. 249

والجواب عن هذا: أن أبا بكر ﵁ كان يلبس إزاره, وكان إزاره ينحل فيرفعه, ثم ينزل ثم يرفعه, ولا شك أن هذه ليست صورة الإسبال الموجودة أصلاً, فإنه منذ أن يتجاوز الكعب فإنه يرفعه. وأيضاً فإن أبا بكر قد زكاه النبي ﷺ فخرج من عهدة المحظور. واحتجوا بحديث ابن عمر: «من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» (١) وقالوا: مفهومه إن من لم يجره خيلاء لا يدخل في هذا الوعيد, وعليه فيكون مباحاً. ونقول: هذا المفهوم عارضه المنطوق في أحاديث أُخر بإثبات الوعيد بالنار لمن جر إزاره تحت الكعبين. وخلاصة ما تقدم أن الإسبال على قسمين: القسم الأول: الإسبال بخيلاء فيستحق الوعيد بعدم نظر الله إليه، وهو كبيرة مغلظة. القسم الثاني: الإسبال بغير خيلاء فهذا متوعد عليه بالنار، وهو كبيرة.

стр. 250

مسألة: وضع اللباس ينقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأول: أن يكون إلى نصف الساق, وهذا سنة. القسم الثاني: أن يكون إلى الكعبين وهذا مباح. القسم الثالث: أن يكون على الكعب, وهذا منهم من قال بالكراهة, ومنهم من قال: بالتحريم. والصحيح أنه محرم, لرواية في حديث أبي سعيد: ليس للكعبين حق في الإزار. (١) وإسناده صحيح. القسم الرابع: ما نزل من الكعبين وقد تقدم الكلام عليه. مسألة: نصف الساق هل هو سنة وما تحته مباح إلى الكعبين أم كله سنة؟

стр. 251

فمنهم من قال: إن السنة إلى نصف الساق, فإن النبي ﷺ ، قال: «إزرة المؤمن إلى نصف الساق» (١) واختلفوا في التقدير هنا, فمن قال: إزرة المؤمن محلها إلى نصف الساق، قال: إن نصف الساق سنة. ومن قال: أن إزرة المؤمن منتهية إلى نصف الساق والخبر محذوف تقديره "منتهية" قال: من نصف الساق إلى الكعب كله سنة, وهذا اختيار شيخنا الشيخ عبدالله بن قعود، واحتج بكلام الطيبي أنه قال: أن التقدير في هذا الحديث إزرة المؤمن منتهية. ومعنى هذا أنه من فوق الكعب إلى النصف كله مضاف إلى المؤمن, والإضافة هنا إضافة تشريف، أي: إزرة المؤمن الكامل الإيمان, المتمسك المهتدي بالهدي النبوي. والذي يظهر لي: أنه إذا ارتفع إلى نصف الساق فهو أفضل قد جاءت أحاديث؛ كحديث أبي جحيفة قال: دفعت إلى النبي ﷺ وهو بالأبطح في قبة وكان بالهاجرة خرج بلال فنادى بالصلاة ثم دخل فأخرج فضل وضوء رسول الله ﷺ فوقع الناس عليه يأخذون منه ثم دخل فأخرج

стр. 252

العنزة وخرج رسول الله ﷺ كأني أنظر إلى وبيص ساقيه فركز العنزة ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين يمر بين يديه الحمار والمرأة فدلَّ على أن النبي ﷺ كان يرفع حتى يخرج كثير من ساقه, وهذا المعروف عنه وهو التشمير وكان يحبه ﵊ في لباسه. وجاء في حديث عمرو بن زرارة عند أحمد وغيره: أن النبي ﷺ ضرب على ركبته مقدار أربعة أصابع, فقال: «هذا موضع الإزار» ثم ضرب أخرى فقال: «هذا موضع الإزار» (١) ولهذا ذهب بعضهم إلى أن الإزار يكون تحت الركبة بأربعة أصابع، والحديث رواه أحمد بإسناد لا بأس به, فعلى هذا يكون نهايته إلى نصف الساق, وهو الأشهر في الأحاديث, أو قبل الركبة بأربعة أصابع, ورواية أربعة أصابع، ثم أربعة أصابع، توافق نصف الساق, فإن الأربعة ثم الأربعة تكون إلى العضلة, وفي رواية أخرى: أخذ بعضلة ساقي، وقال: «هذا معقد الإزار» (٢) ونصف الساق يكون من ثمانية أصابع تحت الركبة.

стр. 253

ومن أهل العلم من فرق بين الإزار والثياب أو السراويل, فقال: السراويل أربعة أصابع أو نصف الساق, وأما الثياب فلا تكون أربعة أصابع؛ لأن الإزار بانحناء الإنسان وركوعه وسجوده وجلوسه يكون ساتراً. أما الثياب وهي القمص إذا لم يكن عليه سراويل فإنه لا يجوز أن يجعله تحت الركبة بأربعة أصابع؛ لأنه ينشمر ويرتفع عند ركوعه وسجوده, فيتثنى على جسده فيصل الثوب إلى الركبة، ويخرج جزء من العورة وهذا محرم، وأيضاً لو صلى به لم تصح صلاته لانكشاف عورته. وقال: وإنما هذا في حق من عليه سراويل, وهذا رأي الشيخ بكر أبو زيد، وهو بذلك نظر إلى المعنى. ولا شك أن الإنسان إذا كان عليه ثوب وليس عليه سراويل ولا إزار, ثم لبس قميصاً تحت الركبة بأربعة أصابع, ثم ركع, فلا شك أنه يخرج من الخلف أطراف فخذيه. وأما إذا سجد فينشمر إلى ثلث الفخذ, وقد قال شيخ الإسلام ﵀:واتفق العلماء على وجوب ستر العورة ما بين السرة والركبة، حتى على القول بأن الفخذ فيه خلاف, ففي الصلاة يجب ستره ونص كلامه: وَنَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ﴾.

стр. 254

فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُؤْمَرُ فِي الصَّلَاةِ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ: الْفَخْذِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ جَوَّزْنَا لِلرَّجُلِ النَّظَرَ إلَى ذَلِكَ. فَإِذَا قُلْنَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد: أَنَّ الْعَوْرَةَ السَّوْأَتَانِ وَأَنَّ الْفَخْذَ لَيْسَتْ بِعَوْرَةِ فَهَذَا فِي جَوَازِ نَظَرِ الرَّجُلِ إلَيْهَا؛ لَيْسَ هُوَ فِي الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مَكْشُوفَ الْفَخْذَيْنِ سَوَاءٌ قِيلَ هُمَا عَوْرَةٌ أَوْ لَا. وَلَا يَطُوفَ عُرْيَانَا. بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ إنْ كَانَ ضَيِّقًا اتَّزَرَ بِهِ وَإِنْ كَانَ وَاسِعًا الْتَحَفَ بِهِ؛ كَمَا أَنَّهُ لَوْ صَلَّى وَحْدَهُ فِي بَيْتٍ كَانَ عَلَيْهِ تَغْطِيَةُ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا صَلَاةُ الرَّجُلِ بَادِيَ الْفَخْذَيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِزَارِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ وَمَنْ بَنَى ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْعَوْرَةِ كَمَا فَعَلَهُ طَائِفَةٌ فَقَدْ غَلِطُوا؛ وَلَمْ يَقُلْ أَحْمَد وَلَا غَيْرُهُ: أَنَّ الْمُصَلِّيَ يُصَلِّي عَلَى هَذِهِ الْحَالِ. كَيْفَ وَأَحْمَد يَأْمُرُهُ بِسَتْرِ الْمَنْكِبَيْنِ فَكَيْفَ يُبِيحُ لَهُ كَشْفَ الْفَخْذِ فَهَذَا هَذَا. وقد شغب بعض الناس على الشيخ بكر أبو زيد ﵀ بسبب هذا, والشيخ لم يرد إلا خيراً, وقد لحظ معنىً صحيحاً, بل إن من جعل ثوبه إلى نصف الساق وليس عليه سراويل لا يأمن انكشافه في حال السجود. مسألة: هل كان إزار أبي بكر ﵁ إلى نصف الساق أو لا؟

стр. 255

الظاهر من الأدلة أن إزار أبي بكر لم يكن إلى نصف الساق؛ لأن أبا بكر ﵁، قال: إن إزاري يسترخي, يعني ينزل إلى تحت الكعب إلا أن أتعاهده, فلو كان إزار أبي بكر ﵁ إلى نصف الساق فيحتاج من النزول من نصف الساق إلى تحت الكعب أن تظهر العورة بالكلية, وهذه من حجج شيخنا الشيخ عبد الله بن قعود ﵀ على أن إزار أبي بكر لم يكن إلى نصف الساق, إذ لو كان إلى نصف الساق فنزل حتى تحت الكعب لانكشف القبل بل وبعض الفخذين والاستدلال بهذا ظاهر لا يمكن دفعه. واحتج أيضاً بحديث رواه أحمد في مسنده: أن عكرمة، قال: رأيت ابن عباس وإزاره على ظهر قدمه. (١) وهذا لا يكون إلا مع طول الإزار. وهذا صحيح عن ابن عباس .. وهنا تنبيه أن هذا من أدلة المجيزين للإسبال من غير خيلاء تحت الكعب ولكن لم تتم فرحتهم به فلفظه عند كل من خرجه" أن ابن عباس كان إذا اتزر أرخى مقدم إزاره، حتى تقع حاشيته على ظهر قدمه، ويرفع الإزار مما وراءه، فقلت لم تتزر هكذا؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ يتزر هذه الأزرة" فانظر كيف يستدلون ببعض ويكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك؟!

стр. 256

مسألة: يجوز الإسبال في صور: الصورة الأولى: لستر جرح يتأذى بالذباب ونحوه, كما لو كان هذا الجرح على كعبه أو تحته, فيكون هذا من باب دفع الضرر وهل يلتحق بذلك ما إذا كان هناك عيب كحموشة (دقة في الساقين ونحو ذلك) فقد أخرج ابن أبي شيبة بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ «أنه كان يُسبل إزاره, فقيل له في ذلك, فقال: إني حمش الساقين» لكن يعارض هذا حديث أبي أمامة قال: «بينما نحن مع رسول الله ﷺ إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة إزار ورداء قد أسبل , فجعل رسول الله ﷺ يأخذ بناحية ثوبه لله ويقول: عبدك وابن عبدك وابن أمتك, حتى سمعها فقال يا رسول الله: إني حمش الساقين ,فقال: ياعمرو إن الله قد أحسن كل شيء خلقه، ياعمرو إن الله لا يحب المسبل ..» الحديث وأخرجه أحمد عن عمرو نفسه بلفظ عمرو بن فلان, وله سياق آخر عند الطبراني، ... وحينئذ يكون المنقول عن ابن مسعود مؤولا بأنه أسبله زيادة على المستحب - وهو أن يكون إلى نصف الساق - ولا يظن أنه جاوز به

стр. 257

الكعبين , والتعليل يرشد إليه فإن الإسبال إلى ما فوق الكعب تندفع به المفسدة المذكورة، ولا يقع في المحذور (١) ,. الصورة الثانية: يجوز أن يكون مسبلاً إذا انحنى الإنسان ونزل الثوب تحت الكعب - حال نزوله - فلا بأس؛ لأن هذا إسبال عارض, ومن أهل العلم من رخص في الإسبال عند الحرب, ولم أقف على دليل لهؤلاء. وعُلم من قول المؤلف: (ولا يحل لأحد أن يجر ثوبه خيلاء وبطرا) أنه يجوز أن يكون لغير خيلاء, وهذا قول مشهور, وينسب هذا للشافعي ولا يصح, وهو رواية عن أحمد, بل قيل أنه المشهور من المذهب، وتقدم دحضه بالأدلة. بقي أن نقول أن هناك إسبال واجب وهو في حق النساء لأنهن عورة ويجب ستر أرجلهن ولهذا أمر النبي ﷺ بإرخاء ذيل المرأة ذراعاً حتى لا تنكشف أقدامهن كما في حديث أم سلمة ﵁ وفيه «يرخين شبراً فقالت: إذن تنكشف أقدامهن قال: يرخين ذراعاً لا يزدن ...»، وعلم من هذا (وهو حديث ثابت) أن الإرخاء الزائد كما يفعله ضعيفات العقل في حفلات النكاح أنه من السرف الممنوع ومن المفاخرة من الناقصات ..

стр. 258

فائدة: الكلام في ذيل المرأة في الحديث السابق إنما هو في حال الخروج , وأما في البيوت فإلى الكعب قال شيخ الإسلام ﵀ في المجموع (١): وأما الثوب التي كانت المرأة ترخيه وسألت عن ذلك النبي ﷺ ، فقال: " شبرًا " فقلن: إذن تبدو سوقهن، فقال: " ذراع لا يزدن عليه ". وقول عمر بن أبي ربيعة:. . كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول فهذا كان إذا خرجن من البيوت؛ ولهذا سئل عن المرأة تجر ذيلها على المكان القذر، فقال: " يطهره ما بعده ". وأما في نفس البيت، فلم تكن تلبس ذلك. كما أن الخفاف اتخذها النساء بعد ذلك لستر السوق إذا خرجن، وهن لا يلبسنها في البيوت؛ ولهذا قلن: إذن تبدو سوقهن. فكان المقصود تغطية الساق؛ لأن الثوب إذا كان فوق الكعبين بدا الساق عند المشي ا. هـ.

стр. 259

قول المؤلف: (ودخول الحمام جائز للرجال في الميازر الساترة ويكره للنساء إلا من علة وحاجة). الحمام هو الموضع الذي يغتسل فيه بالحميم, والحميم هو الماء الحار, ومن ثم قيل للاغتسال بالماء الاستحمام, سواءً كان ماءً حاراً، أو بارداً مع أنه في الأصل كان الاغتسال بالماء الساخن, ثم أُطلق على كل غسل من ماء بارد وحار. والأحاديث الواردة في الحمام فيها كلام, وقد ألفت مؤلفات في الحمام وأحكامه، ومن أحسنها كتاب آداب الحمام, أو أحكام الحمام, للحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - وهو مطبوع. والمراد به ما يغتسل به لواجب أو مستحب أو نظافة، ويكون الماء ساخناً، وقد كان هذا موجوداً في البلاد الباردة في الشام وفلسطين, ولم يكن موجوداً في الحجاز, لشدة الحر واستغناء الناس عن ذلك, ويشبه في عصرنا هذا ما يسمى بحمام " السونا " الذي يدخلها الرجال, وقد يكون هناك حمامات يدخلها النساء من أجل إزالة الوسخ وما على الجسم من قذر, ولا يخرج إلا بالحرارة العالية, وقد يكون في هذا شفاء من بعض الأمراض.

стр. 260

واختلف العلماء في دخول الحمام على أقوال: القول الأول: المنع المطلق للرجال والنساء. القول الثاني: الإباحة للرجال والنساء, ولكن بشروط. القول الثالث: الإباحة للرجال دون النساء. القول الرابع: الإباحة للرجال دون النساء إلا مريضة أو نفساء, وهذا الذي أخذ به المؤلف وأنه يكره للنساء إلا من علة وحاجة. القول الخامس: كراهة دخول الحمام تورعاً, وهذا منقول عن الإمام أحمد, وأصح الأقوال في هذه المسألة القول بالإباحة مطلقاً, ولكن بشروط, وهذا الذي صححه ابن كثير في كتابه الآنف الذكر. ونقل بعضهم الإجماع على ذلك, وقد دخله جماعة من الصحابة, فصح عن ابن عباس ﵁: أنه دخله في الجحفة, (١) وروي أن خالد بن الوليد ﵁ دخله بحمص. (٢) وشروط جوازه:

стр. 261

١ - أن يكون دخوله لحاجة, كإزالة وسخ أو غسل حيض أو جنابة أو غسل مستحب, كجمعة وعيد. ٢ - أن يكون مستور العورة. ٣ - أن يكن النساء في الخروج إليه متسترات, غير متبرجات. ٤ - أن لا يعهد في الحمام كشف العورات ولا وجود منكرات. ٥ - أن يحفظ بصره عن عورات الناس. ٦ - أن تكون حمامات الرجال مفصولة عن حمامات النساء. قوله: (ولا بأس بالخضاب بالحناء، وهو يستحب وكذلك الكتم، ويكره بالسواد). الخضاب: تغيير الشعر بشيء، إما بحناء, أو حناء وكتم, أو بصفرة, أو بسواد، واختلف العلماء ﵏ في الخضاب بغير السواد للشيب على أقوال: الأول: أنه مسنون, وهذا المشهور من مذهب الجمهور عند الحنفية والشافعية والحنابلة. الثاني: أنه مباح, وهذا ظاهر مذهب المالكية. الثالث: أنه لا يسن تغيير الشيب. الرابع: أن خضاب الشيب واجب.

стр. 262

وأدلة من قال أنه مسنون قول النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» (١) قالوا: فأقل المخالفة الاستحباب. وقالوا: إن النبي ﷺ أيضاً قد خضب, وقالوا: وقد خضب الصحابة؛ كأبي بكر ﵁ , وقد صح أنه خضب بالحناء والكتم. وأيضاً قول النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» (٢) ومن أدلة من قال إن الخضاب مباح أن النبي ﷺ لم يصبغ, مع أنه كان فيه شعرات بيض في لحيته وصدغيه, وقالوا أيضاً: مع أنه ﷺ ، قال: «إن اليهود والنصارى يصبغون فخالفوهم» فهو ﷺ قد ترك, وقد ترك أيضاً الخضاب جماعة من الصحابة, قال الحافظ (٣) ﵀: وترك

стр. 263

الخضاب جماعة من الصحابة كعلي، وأبي بن كعب، وسلمة بن الأكوع، وأنس، وجماعة ﵃، وصح عن هؤلاء. ومن أدلتهم, ما رواه مسلم عن أنس: أنه يكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء. (١) وحديث أبي نجيح السلمي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من شاب شيبة كانت له نوراً» (٢) رواه الطيالسي بسند صحيح. وأيضاً ما رواه بعض أهل السنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ ، قال: «لا تنتفوا الشيب فإنه نور المسلم» (٣) والصبغ يذهب الشيب. ويجاب عن هذا القول الأخير بأن الصبغ لا يغير الخلقة, فإن الشيب موجود, ولكن حصل به صبغ, فهو لا يمنع الفضل في الآخرة, بخلاف

стр. 264

النتف فإنه يزيل الخلقة بالكلية ففرق بين إزالة الأصل وبين تغيير الوصف مع بقاء الأصل. وأدلة من قال أن الصبغ واجب, أنهم احتجوا بأن النبي ﷺ أمر بالمخالفة، وقال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» وهذا أمر يقتضي الوجوب, واحتجوا بأن الصحابة قد صبغوا, وقال أحمد: الخضاب عندي هو كالفرض. واحتج بالأمر بالمخالفة. والقائلون بأن هذا الأمر للاستحباب أجابوا عن هذه الأدلة, فقالوا: إن النبي ﷺ لم يصبغ, وتقدم الكلام على هذا, وكذلك بعض أصحابه فيكون الأمر في حديث أبي هريرة ﵁ للاستحباب, وهذا هو أصح الأقوال, أن صبغ الشيب مستحب متأكد الاستحباب ولا يصل إلى الوجوب, وأصحابه ﵃ هم خير من يفهم هذا عنه, والخلفاء الراشدون منهم من فعل ومنهم من ترك, فأبو بكر ﵁ خضب وعلي ﵁ ترك, واشتهر هذا عند التابعين, حتى أنكر بعضهم الصبغ, وقال سعيد بن جبير: يعمد أحدكم إلى نور قد جعله الله في وجهه فيطفئه. وقد أدركنا جماعة من شيوخنا فمنهم من يصبغ ومنهم من يترك، وسئل شيخنا ابن عثيمين ﵀ عن تركه الصبغ, فقال: له كلفة ويشق علي.

стр. 265

وكذلك شيخه ابن سعدي ﵀ لا يصبغ, وأما شيخنا ابن باز ﵀ فهو وإن كان خفيف شعر اللحية فإنه كان يصبغ وقد يبطيء ﵀ في صبغه فتبيض لحيته .. وسمعته يقول إن من أدلة عدم وجوب الصبغ أن الصحابة قد يتأخرون في الصبغ. وأفضل ما يصبغ به الحناء والكتم, والحناء معروف, وهو يصبغ بالحمرة الشديدة. والكتم هو خضاب بالسواد, وإذا خُلط الحناء بالكتم صار لونه جميلاً؛ لأن الكتم أسود فاحم جداً, وإذا خُلط الحناء بالكتم كما كان يفعل أبو بكر ﵁ فإنه يكون شديد الشقرة يضرب إلى اللون الداكن, ويقرب إلى السواد وليس بسواد. قوله: (ويكره بالسواد). ومن المسائل المهمة الخلاف في الخضاب بالسواد وله أحوال: الحالة الأولى: أن يكون الخضاب بالسواد في الحرب, فنقل جماعة من أهل العلم الإجماع على جوازه, قال الحافظ: وقال مالك: الحناء والكتم واسع والصبغ بغير السواد أحب إلي ويستثني من ذلك المجاهد اتفاقاً. (١) وعلله بعضهم بإيقاع الرهبة في قلوب العدو.

стр. 266

الحالة الثانية: الخضاب بالسواد في غير الحرب على أقوال: القول الأول: أنه يحرم, وهو قول في مذهب الشافعية, واختاره جماعة منهم ورجحه النووي. القول الثاني: أنه يكره وهو قول في مذهب الحنفية, وهو مذهب مالك, وهو قول في مذهب الشافعية, وهو المشهور من مذهب الحنابلة وأخذ به المؤلف. القول الثالث: أنه جائز بلا كراهة, وهو قول في مذهب الحنفية, واختيار صاحبي أبي حنيفة، أبي يوسف ومحمد بن الحسن, وهو مذهب بعض الصحابة, وجماعة من التابعين. القول الرابع: أنه يجوز للمرأة دون الرجل وهو قول إسحاق بن راهويه واختاره الحليمي. واحتج القائلون بتحريم الصبغ بالسواد بما أخرجه مسلم عن أبي الطاهر، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير،

стр. 267

عن جابر ﵁، قال: أُتي بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثَّغَامة بياضاً, فقال النبي ﷺ : «غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد» (١) والثغامة هي نبت أبيض اللون, واحتجوا بما رواه أحمد وأبو داود وغيرهم، من طريق عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن ابن جبير، عن ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يكون قوم يصبغون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة» (٢) وحديث جابر السابق اختلف فيه, فأُعِلَّ بعدة علل: العلة الأولى: أن أبا الزبير نفى أن لفظة: «واجتنبوا السواد» من الحديث, فهذا الحديث يرويه عن أبي الزبير جماعة فيرويه زهير بن معاوية, وعزرة بن ثابت, وعبد الملك بن جريج, وليث بن أبي سليم, والأجلح, وأيوب السختياني, ومطر الوراق, وفي رواية زهير بن معاوية وعزرة بن ثابت: «غيروا هذا بشيء» وليس فيه «وجنبوه السواد»

стр. 268

وفي رواية ابن جريج ومن طريقه أخرجه مسلم جاءت: «واجتنبوا السواد» وجاءت من طريق ليث بن أبي سليم, وليث ضعيف, ورواه عبد الرزاق من طريق أحمد. ورواية الأجلح عن أبي الزبير عن جابر فيها «وجنبوه السواد» رواه أبو يعلى, ولكن في الطريق إلى الأجلح شريك بن عبد الله القاضي, وشريك في حفظه شيء, ورواه أيضاً أيوب السختياني عن أبي الزبير عن جابر, ورواه أبو عوانة وإسناده صحيح, وكذلك رويت من طريق مطر الوراق وهي ضعيفة جداً, وفي إسنادها ابن الزبرقان وهو متروك ومطر الوراق ضعيف. وفي لفظ أحمد أن زهير بن معاوية قال لأبي الزبير: أقال أجنبوه السواد؟ قال: لا, ونفى أن تكون هذه الرواية من الحديث أصلاً. ويجاب عن هذه العلة بأن أبا الزبير مثله مثل أي راوٍ, فقد يكون يحدث بالشيء ثم ينساه، والمصحح عند أهل العلم أن التلاميذ إذا حفظوا عن شيخهم ما كان حدث به ثم نسي الشيخ ما حدث به أنهم يقبلون ما حدث به, بل إن بعض الشيوخ قد يجحد هذه الرواية, والعبرة بحفظ من حفظ من تلاميذه, وفيه مؤلف اسمه: "تذكرة المؤتسي فيمن حدث ونسي".

стр. 269

وحِفظُ من حَفِظَ عنه مقدم على هذا الإنكار, ولعل أبا الزبير كان يتردد, فمرة يذكرها ومرة ينفيها، وأجابوا أيضاً بإجابة أخرى فقالوا: إن ابن جريج كان يصبغ بالسواد, وهو الذي روى عن أبي الزبير, ولو كان عن النبي ﷺ لما صبغ. والجواب: أن ابن جريج ليس صحابياً ولا تابعياً، وإذا كنا نقول الصحابي إذا خالف ما روى يؤخذ بروايته لا برأيه, فكيف بمن دونه؟ وابن جريج تابع تابعي وروايته عن النبي ﷺ معضلة. وليس الأمر كما يقول بعضهم: إنها مدرجة, فالإدراج عادةً يكون من راوٍ في طريق واحدة, وهذه قد جاءت من عدة طرق، فالصواب أن يقال أن أبا الزبير يذكرها مرة وينفيها أخرى هكذا يقول المجيبون. ومن أدلة من قال إن هذه الزيادة محفوظة ما ذكره الخلال في كتاب الوقوف والترجل، قال: أخبرنا عصمة بن عصام، قال: حدثنا حنبل، قال: سمعت أبا عبد الله يقول وأكره السواد؛ لأن النبي ﷺ ، قال: «وجنبوه السواد» وأيضاً فقد ثبت عن أحمد كراهة السواد, وأجيب عن قول أحمد بأجوبة: فيقال أن كراهية السواد عن أحمد صحيحة؛ لكن الكلام في ثبوت هذه اللفظة عنه؛ لأنها من طريق حنبل وكتاب "الوقوف والترجل"

стр. 270

مطبوع صغير للخلال, فإن حنبل يروي عن أحمد روايات لا يتابعه فيها أصحاب الإمام أحمد, بل يغلِّطه أيضاً بعض أصحاب أحمد, وقد غلطوه في عدة مسائل معروفة مشهورة، يعرفها من له نظر في مذهب أحمد ﵀ وأيضاً فأحمد قد يذكرها تسمّحاً في المذاكرة، كما أن الإمام أحمد يقول بمقتضى أحاديث التسمية في الوضوء, والمشهور عنه أنه قال: لا يصح في هذا الباب شيء. ونوقش هذا بأننا لسنا بحاجة إلى هذا النقل عن أحمد فيكفينا ما تقدم. ومن الطعون على هذه الرواية أن البخاري قد عدل عن رواية جابر هذه أصلاً، ولم يخرجها في الصحيح, وأجيب بأنه يكفي أن الإمام مسلم أخرجها, وكم من حديث أخرجه مسلم وعدل عنه البخاري, وهو صحيح لا مطعن في صحته عند الحفاظ. وأما قولهم بأن النبي ﷺ أطلق الصبغ وقال: «وخالفوهم» وترك البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وقد صح عن جماعة من الصحابة الصبغ بالسواد؛ كالمغيرة بن شعبة، والحسن، والحسين، وجرير ابن عبد الله، وسعيد بن أبي وقاص، وعمر، وعثمان، وعقبة بن عامر، فأجيب

стр. 271

عنه بأن الإطلاق مقيد بحديث جابر ﵁ والنقول عن الصحابة فيها كلام ولم يثبت؛ إلا عن عقبة بن عامر والحسن، ويبقى أن من صبغ من الصحابة لم يبلغه الخبر. واستدل المانعون أيضاً بحديث ابن عباس ﵁ الذي ذكرناه قريباً: «يكون قوم يصبغون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة» ومن الطعون في هذا الخبر: أن عبد الكريم الذي في هذا الإسناد هو عبد الكريم بن أبي المخارق, أبو أمية البصري الضعيف, وهذا الطعن سمْج فإن عبد الكريم الذي في الإسناد هو ابن مالك الجزري الثقة, المخرج له في الصحيح, والطعن الآخر أن هذا الخبر يُروى عن مجاهد من قوله, وأيضاً فهذا الطعن ليس بصحيح, فإن طريق مجاهد من قوله غير طريق عبد الكريم, فهذه الطريق محفوظة, وهناك طريقة أخرى وهي الطعن في متن هذا الحديث, فكيف يكون هذا الوعيد الشديد على الصبغ بالسواد؟ فالصبغ بالسواد شيء يسير, فكيف يستقيم أن يكون هذا الوعيد الشديد عليه؟ وهذا دلالة على نكارة الحديث, إذ كيف تكون المعصية يسيرة, والإثم عظيم؟ ومثله أن يكون العمل يسيراً والأجر عظيم جداً؟

стр. 272

وأجيب عنه بأن هذا له نظائر, فقد جاء في الإسبال ما جاء فيه بالتوعد عليه بالنار, وإذا كان خيلاء بعدم النظر إليه, وعدم الكلام من الله , وعدم التزكية, وهو نظير مسألة الصبغ, بل هذا يكفي أنه مثله إن لم يكن أولى منه, وطعن في دلالة حديث ابن عباس أيضاً بأن الوعيد منصب على شيء آخر لقوم هذه صفتهم, وأن الوعيد منصب على أفعال لهؤلاء, إما لكفرهم وإما لفسقهم بكبائر, وصفتهم أنهم يصبغون بالسواد, فهذا الوعيد على شيء آخر, والصفة العارضة: كونهم يصبغون بالسواد كالتعريف والوصف لهم , مثل قول النبي ﷺ : «تقاتلون قوماً نعالهم الشعر» (١) فلا يدل على تحريم الانتعال بنعال الشعر. وأجيب بأن ذكر الحكم بعد الوصف يدل على أنه علة له, فلم يكن يذكر النبي ﷺ هذا الوصف؛ إلا لأنه هو المؤثر في الحكم, فيكون قوم يصبغون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة, أي: بسبب الصبغ بالسواد, وطُعن في هذا الحديث أيضاً بأن يقال: كيف يكون هذا الوعيد العظيم للصحابة ﵃؟ وقد فعلوه وفعله جماعة من التابعين؟ والإجابة أن نقول: لعله لم يبلغهم الخبر, فإن بلغهم الخبر فقد يكونوا تأولوا, بخلاف من بعدهم الذين يكثر فيهم الفساد, فمن خالف متأولاً

стр. 273

غير من خالف راكباً للمعصية, فهذه خلاصة الكلام في مسألة الصبغ بالسواد وبعد هذه المناقشة. أقول الذي يتحرر لي أن ما وقع في مسلم من لفظه «وجنبوه السواد» غير محفوظ وأن أبا الزبير اضطرب فيها وأحسن المذاهب عندي في هذه المسألة ما ذهب إليه الزهري، ولم اذكره ضمن الأقوال الماضية وهو إباحته للشباب ومن في وجوههم ماء الشباب وكراهته للشيوخ الذين ظهر عليهم الِكبرُ .. وهذا مذهبٌ لا يضيق به صدر من نظر في الأدلة أو تفقه على طريقة الراسخين فلا يسأل: كيف يكون مكروهاً وما الدليل؟! وتأمل (على طريقة مسلم في تصحيحه) كيف جاء الخبر بالنهي عن الصبغ بالسواد لأبي قحافة وهو شيخ كبير جداً ففيها بيان أن مثل هذا لا يصلح له، فبقي من شاب وهو دون ذلك بكثير ولم ينقبض وجهه على الفسحة وهذه طريقة الزهري ﵀ وما اخترنا والحمد لله رب العالمين. فائدة: خطر لي في تفسير حديث ابن عباس ﵁ وماجاء فيه من الصبغ بالسواد. .كحواصل الحمام. . ما يفعله كثير من الناس الآن من حلق العارضين والإبقاء على الذقن مع تخفيفه وصبغه بالسواد الفاحم حتى إنك ترى عند سطوع الشمس عليه ألوانا عدة من الأحمر والأصفر

стр. 274

والأزرق والأخضر وغيرها, تماما كما تراه على حوصلة حمامة سوداء في ضوء الشمس, وإذا تأملت أصحاب هذه الهيئة حولك لاسيما أهل الترف والنفوذ, وتأملت أفعالهم وأحوالهم فستحمد الله كثيرا على نجاتك منهم ومن مجالسهم وبراءتك من أفعالهم فالحمد لله على ذلك. قوله: (ولا يجوز أن يخلو الرجل بامرأة ليست له بمحرم) لحديث ابن عباس ﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: «لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم» (١) والحديث متفق عليه, وفي حديث عمر في سنن الترمذي وغيره وقال عنه: حديث حسن صحيح: أن النبي ﷺ ، قال: «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما» (٢) وهذا من باب تحريم الوسائل؛ لأن الخلوة بالمرأة وسيلة إلى وقوع الفجور بها, وهذا أيضاً يكون من الذرائع. فإن الذرائع أحياناً تكون وسائل إلى وسائل أخرى محرمة, فإن الخلوة بالأجنبية وسيلة إلى تقبيلها ومباشرتها, وتقبيلها ومباشرتها سبيل ووسيلة

стр. 275

إلى وقوع الفاحشة بها, فقد تحرم الوسيلة ووسيلة الوسيلة, فتكون ذريعةً قريبةً، وذريعةً بعيدةً, وكلمات عظمت الحرم وغلطت جاء النهي عن انتهاكها من وسائل وذرائع كثيرة قريبة وبعيدة وقد ذكر هذا الفقهاء عند كلامهم على الضرورات الخمس: النفس، الدين، العقل، العرض، المال ومن تأمل ذلك علمه، وهذا كله من محاسن الشريعة؛ أنه حمى المرأة عن الرجل الأجنبي, والرجل عن المرأة التي هي أجنبية عنه, فنهى عن الخلوة بها, والنظر إليها, ونهيت أن تضرب برجلها ليعلم ما تخفي من زينتها, ونهيت عن التطيب إذا خرجت, وغير ذلك, كله من أجل حمايتها، وأما دعاة الرذيلة والفساد، وهم منافقوا الوقت، فقد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر .. قاتلهم الله. قوله: (ولا يجتمع رجلان ولا امرأتان عريانين في فراش واحد، ولا إزار واحد. ولا يجوز تعمد حضور اللهو واللعب، ولا شيء من الملاهي المطربة؛ كالطبل، والزمر، وخص بذلك الدف للنكاح؛ لقول النبي ﷺ : «أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف» (١)

стр. 276

لما نهى عن اجتماع الرجل بالمرأة الأجنبية أتى بما هو أخص من ذلك من اجتماع الرجلين في فراش واحد, ولا إزار بينهما, أو امرأتان في فراش واحد, أو امرأة ورجل, وهذا الأخير ينقسم إلى قسمين: الأول: امرأة ورجل أجنبي وهذا أظهر من أن يُسأل عنه. الثاني: رجل وامرأة من المحارم. وقد أمر الشارع بالتفريق بين الصبية في المضاجع كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ ، قال: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع» (١) وهذا الأمر يتضمن النهي عن الاجتماع في المضجع, بل يكون الفراش مختلفاً, وظاهره ولو مع وجود الملابس من الطرفين, سواءً كانا صبيين أو بنتين أو صبي وصبية, والبالغين من باب أولى؛ لأن هذا من وسائل الشر والفجور.

стр. 277

فلا يجتمع رجل ورجل في فراش واحد عريانين، ولا يلبسان إزاراً واحداً، فتلتقي بشرتهما, وكذلك لا يجتمع امرأتان عريانتان في فراش واحد, ولا تلبسا إزاراً واحداً فتلتقي بشرتهما, وأفحش منه التقاء رجل بامرأة, سواءً كانت هذه من المحارم, كأخته أو عمته, أو كانت أجنبية, وهذا الأمر فيه أشد؛ إلا أنه يستثنى من هذا صورة واحدة كما هو معلوم, وهي اجتماع الرجل وأهله في فراش واحد، أو في لحاف واحد, أو في إزار واحد, وهذا كله من سد الوسائل المفضية إلى ما لا تحمد عقباه, وقد جاء في هذا الباب حديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي والدارمي من حديث أبي ريحانة: أن النبي ﷺ نهى عن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار، ومكامعة المرأة المرأة بغير شعار» (١) والمراد بالمكامعة: المضاجعة، يقال: لزوج المرأة كميعها، أي: ضجيعها, وقد جاء في النهاية: كمع فيه أنه نهى عن المكامعة, وهي أن

стр. 278

يضاجع الرجل صاحبه في ثوب واحد لا حاجز بينهما, والكميع الضجيع وزوج المرأة كميعها. (١) وحديث أبي ريحانة فيه اضطراب وفيه جهالة, فهو لا يثبت؛ لكن لاشك أنه يُنهى عنه لما تقدم. ويعلم مما تقدم أنه يجوز اجتماع الرجل مع الرجل إذا كان ليسا عريانيين, لاسيما إذا دعت الحاجة إلى ذلك, حتى لو كانا يلتصقان, وهذا عليه إزار أو قميص, وهذا عليه إزار أو قميص, وكذلك المرأتان تلتصقان للحاجة؛ كالزحام ونحوه وكذا الرجل مع بعض محارمه على وجه لا يكون فيه هتك حرمة أو وسيلة إليها، ولهذا يباح حمل الرجل لأخته مثلاً إذا أعيت ونحو ذلك من الحاجات وهذا ظاهر. أما بالنسبة لاضطجاع الرجل مع محارمه في فراش واحد فلا يجوز, ولو كان عليهما لباس, وأيضاً فلا يجوز للرجل أن ينام بجانب الرجل, في فراش واحد, وفي لحاف واحد؛ لأن النبي ﷺ نهى الصبية عن هذا فقال: «فرقوا بينهم في المضاجع» (٢)

стр. 279

فإذاً, الصبي ابن عشر يعتبر مراهقاً, وقد يوجد منه إنزال, وقد يميل إلى صاحبه, وهذا بالنسبة للصبي والصبية, فكيف بالبالغين؟! فلا يجوز جمعهم في لحاف واحد, ولا في فراش واحد؛ إلا أن يقال أنه جائز للضرورة, فالضرورة تقدر بقدرها, لكن ينبغي أن ينفرد أحدهما عن الآخر ولا يكون التصاق. وأكمل الصفات أن ينفصل هذا بفراش وهذا بفراش, وهذا بلحاف وهذا بلحاف, وأكمل منه أن يُجعل للنساء والبنات مكان مستقل, وللصبية غرفة مستقلة ينامون فيها, بل هذا متحتم سداً لباب الفساد. قوله: (ولا يجوز تعمد حضور اللهو واللعب). اللهو واللعب جاءا في كتاب الله , يُعطف هذا على هذا, وأحياناً يقدم اللعب, وأحياناً يقدم اللهو، ففي موضعين قد اللهو كما في الأعراف (٥١) والعنكبوت (٦٤) وقدم اللعب في الباقي الأنعام (٣٢) و (٧٠) وفي محمد (٣٦) والحديد (٢٠) والملاهي تنقسم إلى قسمين: الأول: ملاهٍ جائزة. ... والثاني: ملاهٍ ممنوعة.

стр. 280

كما في حديث عقبة بن عامر الذي يُروى من غير وجه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «..... ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله، ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها» أو قال: «كفرها» (١) والمراد باللهو هنا: هو كل شيء باطل ذاهب, إلا هذه الثلاثة, ومما جاء فيه اللهو المباح, اللهو بالدف في النكاح, وفي الأعياد كذلك. قوله ﵀: (ولاشيء من الملاهي المطربة؛ كالطبل، والزمر) يعني هذا ممنوعٌ منه مطلقاً, وخص من ذلك الدف, فدل كلام المؤلف على أن الدف من الملاهي, فالأصل أنه من الملاهي, وهو كذلك,

стр. 281

فإن الدف آلة لهو لا شك، هو آلة لهو بالنصوص, لكن جاء استثناؤه في مواضع. استدل المؤلف بهذا الحديث فقد جاء بلفظ: «أعلنوا النكاح» (١) فقد رواه أحمد، والبزار، والطبراني، من طريق عبد الله بن وهب، قال: حدثني عبد الله بن الأسود القرشي، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن النبي ﷺ . وعبد الله بن الأسود، قال عنه أبو حاتم: (شيخ) , وذكره ابن حبان في الثقات, فالحديث فيه لين بهذا الإسناد, لكن له شاهد من حديث محمد بن حاطب الجمحي القرشي وهو صحابي صغير, وهو الذي وضع يده في القدر وهو صغير في المرق فاحترقت يده، وقرأ عليه النبي ﷺ فشفي، فحديثه هذا أخرجه، أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ولفظه: «فصلُ بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح» (٢) وجاء بلفظ (فُصل) بالضم. فهذا يدل على مشروعية الدف في النكاح, ومشروعية الإعلان, وكان هذا يُفعل في عهد النبي ﷺ , وبحضرة

стр. 282

نسائه ﷺ , والدف له وجه واحد, ويسمونه: (الطار) , وهذا يجوز عند جماهير أهل العلم, بخلاف الطبل؛ لأن الطبل له وجهان. مسألة: متى يجوز الدف؟ وما حكم الطبل؟ ذكرنا أن الدف من الملاهي, والأصل في الملاهي المنع؛ إلا أنه جاء في غير موضع في العهد النبوي, وأقر النبي ﷺ ضربه في غير مكان. اختلف أهل العلم في ضرب الدف, على أقوال: القول الأول: يستخدم في كل فرح حادث؛ كالعيد, والختان, والعرس, وقدوم الغائب, وانتهاء البناء, والولادة, إلى غير ذلك, فكل فرح يحدث للناس فإنه يستخدم فيه الدف, وهذا أوسع الأقوال. القول الثاني: يستخدم في العيد والعرس والختان وقدوم الغائب. القول الثالث: يستخدم في العرس والعيد وقدوم الغائب. وهو مشهور مذهب الحنابلة, واختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀. القول الرابع: أنه يستخدم في العيد والعرس فحسب, وهو اختيار شيخنا ابن باز ﵀.

стр. 283

وأما استخدامه بإطلاق فالصحيح أنه من آلات اللهو التي لا يجوز استخدامها بإطلاق, وإنما تجوز في مواضع. واختلفوا في هذه المواضع, ومن المواضع التي ثبت في السنة استخدامه فيها: الأول: العيد من ذلك حديث عائشة في الصحيحين، قالت: دخل علي أبو بكر، وعند النبي ﷺ جاريتان تغنيان، أو تدففان في أيام العيد، فقال أبو بكر: ﵁ أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ! فقال النبي ﷺ : «دعهما فإن لكل قوم عيداً» (١) وجه المنع في هذا الحديث ما سيأتي من الفوائد: الأولى: أن أبا بكر سمى الدف بمزمور الشيطان, فدل على أن الدف الأصل فيه المنع؛ لأنه سماه مزمور الشيطان وأقره النبي ﷺ على هذه التسمية، ولم ينكر عليه. الثانية: الدلالة على المنع من الدف أن النبي ﷺ علل الحِل وإجازة الضرب في قوله: «فإن لكل قوم عيداً» و «إن» هنا من الحروف التي تفيد التعليل, يعني علّة الإباحة وجود العيد, فلو كان ضرب الدف جائزاً في كل

стр. 284

وقت, لما كان للتعليل به فائدة, وهذا الموضع شبه اتفاق بين أهل العلم في جواز ضرب الدف فيه. الثالثة من الفوائد: استحباب ضرب الدف به في العيد لما فيه من تمام الفرح للنساء خاصته. الثاني مما يباح فيه ضرب الدف: النكاح وقد جاء جواز الدف فيه وتقدم حديث محمد بن حاطب وما جاء له من شواهد ومن ذلك ما أخرجه البيهقي من طريق أبي عامر العقدي واسمه عبد الملك بن عمرو عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد البجلي قال: دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود وذكر ثالثا قال عبد الملك: ذهب عليٌ، وجواري يضربن بالدف ويغنين فقلت تقرون على هذا وأنتم أصحاب محمد ﷺ قالوا إنه قد رخص لنا في العرسات. الثالث: الضرب في الختان وهذا لم أقف على خبر صحيح فيه, غاية ما في الأمر أنه روى البيهقي والطبراني وغيرهما من طريق ابن سيرين عن

стр. 285

عمر ﵁: كان إذا سمع صوتاً أو دفاً، قال: ما هذا فإن قالوا: عرس أو ختان صمت. (١) ولكن هذا لا يصح فإنه منقطع فإن ابن سيرين لم يدرك عمر فالصحيح أنه لا يضرب في الختان؛ لأن الأصل المنع حتى يثبت سبب الحل، فافهم. الرابع: في قدوم الغائب: فيه ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما من طريق: حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: أنه حينما أتى النبي ﷺ من تبوك أتته امرأة، فقالت: إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف إن ردك الله سالماً، فقال: «إن كنت نذرت فاضربي؛ وإلا فلا تضربي»
следующие страницы →