٤٥ - وحدثني عن مالك، أنه بلغه: أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله: أن يضعوا الجزية عمن أسلم من أهل الجزية حين يسلمون.
قال مالك: مضت السنة أن لا جزية على نساء أهل الكتاب ولا على صبيانهم، وأن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال الذين قد بلغوا الحلم، وليس على أهل الذمة ولا على المجوس في نخيلهم ولا كرومهم ولا زروعهم ولا مواشيهم صدقة؛ لأن الصدقة إنما وضعت على المسلمين تطهيرًا لهم وردًا على فقرائهم، ووضعت الجزية على أهل الكتاب؛ صغارًا لهم، فهم ما كانوا ببلدهم الذين صالحوا عليه، ليس عليهم شيء سوى الجزية في شيء من أموالهم، إلا أن يتجروا في بلاد المسلمين، ويختلفوا فيها، فيؤخذ منهم العشر فيما يديرون من التجارات؛ وذلك أنهم إنما وضعت عليهم الجزية وصالحوا عليها على أن يقروا ببلادهم، ويقاتل عنهم عدوهم، فمن خرج منهم من بلاده إلى غيرها يتجر إليها فعليه العشر (١)، من تجر منهم من أهل مصر إلى الشام، ومن أهل الشام إلى العراق، ومن أهل العراق إلى المدينة، أو اليمن، أو ما أشبه هذا من البلاد، فعليه العشر. ولا صدقة على أهل الكتاب ولا المجوس في شيء من أموالهم ولا من مواشيهم ولا ثمارهم ولا زروعهم، مضت بذلك السنة، ويقرون على دينهم ويكونون على ما كانوا عليه، وإن اختلفوا في العام الواحد مرارًا في بلاد المسلمين فعليهم كلما اختلفوا العشر؛ لأن ذلك ليس مما صالحوا عليه ولا مما شرط لهم. وهذا الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا (٢).
стр. 142
١٨ - كتاب الصيام
باب ما جاء في رؤية الهلال للصوم والفطر في رمضان
٤ - وحدثني عن مالك، أنه بلغه: أن الهلال رئي في زمان عثمان بن عفان ﵁ بعشي، فلم يفطر عثمان حتى أمسى وغابت الشمس.
قال يحيى: سمعت مالكا يقول في الذي يرى هلال رمضان وحده: إنه يصوم (١)،لا ينبغي له أن يفطر وهو يعلم أن ذلك اليوم من رمضان، قال: ومن رأى هلال شوال وحده فإنه لا يفطر؛ لأن الناس يتهمون على أن يفطر منهم من ليس مأمونًا، ويقول أولئك إذا ظهر عليهم: قد رأينا الهلال، ومن رأى هلال شوال نهارًا، فلا يفطر ويتم صيام يومه ذلك؛ فإنما هو هلال الليلة التي تأتي.
قال يحيى: وسمعت مالكًا يقول: إذا صام الناس يوم الفطر وهم يظنون أنه من رمضان فجاءهم ثبت: أن هلال رمضان قد رئي قبل أن يصوموا بيوم وأن يومهم ذلك أحد وثلاثون، فإنهم يفطرون في ذلك اليوم أية ساعة جاءهم الخبر، غير أنهم لا يصلون صلاة العيد إن كان ذلك جاءهم بعد زوال الشمس (٢).
باب من أجمع الصيام قبل الفجر
٥ - حدثني يحيى، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه كان يقول: لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر (٣).
стр. 143
باب ما جاء في تعجيل الفطر
٦ - حدثني يحيى، عن مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» (١).
٨ - وحدثني عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن: أن عمر بن الخطاب (٢) وعثمان بن عفان ﵁ كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا، ثم يفطران بعد الصلاة، وذلك في رمضان (٣).
باب ما جاء في صيام الذي يصبح جنبًا في رمضان
٩ - حدثني يحيى، عن مالك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري، عن أبي يونس (مولى عائشة)، عن عائشة ﵁: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ وهو واقف على الباب وأنا أسمع-: يا رسول الله، إني أصبح جنبًا وأنا أريد الصيام فقال ﷺ : «وأنا أصبح جنبًا، وأنا أريد الصيام، فأغتسل، وأصوم»، فقال له الرجل: يا رسول الله، إنك لست مثلنا؛ قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله ﷺ ، وقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي» (٤).
стр. 144
١١ - وحدثني عن مالك، عن سمي (مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام): أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يقول: كنت أنا وأبي عند مروان بن الحكم -وهو أمير المدينة- فذكر له أن أبا هريرة يقول: من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم، فقال مروان: أقسمت عليك يا عبد الرحمن لتذهبن إلى أمي المؤمنين عائشة وأم سلمة، فلتسألنهما عن ذلك، فذهب عبد الرحمن وذهبت معه، حتى دخلنا على عائشة، فسلم عليها، ثم قال: يا أم المؤمنين، إنا كنا عند مروان بن الحكم، فذكر له: أن أبا هريرة يقول: من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم، قالت عائشة ﵁: ليس كما قال أبو هريرة، يا عبد الرحمن، أترغب عما كان رسول الله ﷺ يصنع؟! فقال عبد الرحمن: لا والله، قالت عائشة: فأشهد على رسول الله ﷺ : أنه كان يصبح جنبًا من جماع غير احتلام ثم يصوم ذلك اليوم، قال: ثم خرجنا حتى دخلنا على أم سلمة ﵁ فسألها عن ذلك، فقالت مثل ما قالت عائشة، قال: فخرجنا حتى جئنا مروان بن الحكم، فذكر له عبد الرحمن ما قالتا، فقال مروان: أقسمت عليك يا أبا محمد لتركبن دابتي، فإنها بالباب، فلتذهبن إلى أبي هريرة فإنه بأرضه بالعقيق، فلتخبرنه ذلك، فركب عبد الرحمن وركبت معه، حتى أتينا أبا هريرة، فتحدث معه عبد الرحمن ساعة، ثم ذكر له ذلك، فقال له أبو هريرة: لا علم لي بذاك، إنما أخبرينه مخبر (١).
باب ما جاء في الرخصة في القبلة للصائم
١٥ - وحدثني عن مالك، عن يحيى بن سعيد: أن عاتكة ابنة زيد بن عمرو بن نفيل (امرأة عمر بن الخطاب ﵁) كانت تقبل رأس عمر بن الخطاب ﵁ وهو صائم فلا ينهاها (٢).
стр. 145
١٦ - وحدثني عن مالك، عن أبي النضر (مولى عمر بن عبيد الله): أن عائشة بنت طلحة أخبرته أنها كانت عند عائشة زوج النبي ﷺ ، فدخل عليها زوجها هنالك، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وهو صائم فقالت له عائشة ﵁: ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتقبلها وتلاعبها؟ فقال: أقبلها وأنا صائم؟! قالت: نعم (١).
باب ما جاء في التشديد في القبلة للصائم
١٨ - حدثني يحيى، عن مالك، أنه بلغه: أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت إذا ذكرت أن رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، تقول: وأيكم أملك لنفسه من رسول الله ﷺ (٢).
قال يحيى: قال مالك: قال هشام بن عروة قال عروة بن الزبير: لم أر القبلة للصائم تدعو إلى خير.
١٩ - وحدثني عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: أن عبد الله بن عباس ﵁ سئل عن القبلة للصائم، فأرخص فيها للشيخ، وكرهها للشاب (٣).
٢٠ - وحدثني عن مالك، عن نافع: أن عبد الله بن عمر ﵁ كان ينهى عن القبلة والمباشرة للصائم (٤).
стр. 146
باب ما جاء في الصيام في السفر
٢٤ - وحدثني يحيى، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، إني رجل أصوم، أفأصوم في السفر؟ فقال له رسول الله ﷺ : «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» (١).
٢٦ - وحدثني عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنه كان يسافر في رمضان ونسافر معه، فيصوم عروة، ونفطر نحن، فلا يأمرنا بالصيام (٢).
باب ما يفعل من قدم من سفر أو أراده في رمضان
٢٧ - حدثني يحيى، عن مالك، أنه بلغه: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا كان في سفر في رمضان، فعلم أنه داخل المدينة من أول يومه دخل وهو صائم (٣).
قال يحيى: قال مالك: من كان في سفر فعلم أنه داخل على أهله من أول يومه وطلع له الفجر قبل أن يدخل دخل وهو صائم.
قال مالك: وإذا أراد أن يخرج في رمضان فطلع له الفجر وهو بأرضه قبل أن يخرج فإنه يصوم ذلك اليوم.
قال مالك في الرجل يقدم من سفره وهو مفطر وامرأته مفطرة حين طهرت من حيضها في رمضان: إن لزوجها أن يصيبها إن شاء (٤).
стр. 147
باب كفارة من أفطر في رمضان
٢٩ - وحدثني عن مالك، عن عطاء بن عبد الله الخراساني، عن سعيد بن المسيب أنه قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يضرب نحره وينتف شعره، ويقول هلك الأبعد، فقال له رسول الله ﷺ : «وما ذاك؟» فقال: أصبت أهلي، وأنا صائم في رمضان، فقال له رسول الله: «هل تستطيع أن تعتق رقبة؟» فقال: لا، فقال: «هل تستطيع أن تهدي بدنة؟» قال: لا، قال: «فاجلس»، فأتي رسول الله ﷺ بعرق تمر، فقال: «خذ هذا فتصدق به»، فقال: ما أحد أحوج مني، فقال: «كله وصم يومًا مكان ما أصبت» (١).
باب ما جاء في حجامة الصائم
٣١ - وحدثني عن مالك، عن ابن شهاب أن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ﵁ كانا يحتجمان وهما صائمان (٢).
٣٢ - وحدثني عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنه كان يحتجم وهو صائم ثم لا يفطر، قال: وما رأيته احتجم قط إلا وهو صائم.
стр. 148
قال مالك: لا تكره الحجامة للصائم إلا خشية من أن يضعف، ولولا ذلك لم تكره، ولو أن رجلًا احتجم في رمضان ثم سلم من أن يفطر لم أر عليه شيئًا، ولم آمره بالقضاء لذلك اليوم الذي احتجم فيه؛ لأن الحجامة إنما تكره للصائم لموضع التغرير بالصيام، فمن احتجم وسلم من أن يفطر حتى يمسي، فلا أرى عليه شيئًا، وليس عليه قضاء ذلك اليوم (١).
باب صيام يوم عاشوراء
٣٣ - حدثني يحيى، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة، وترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه (٢).
٣٥ - وحدثني عن مالك، أنه بلغه: أن عمر بن الخطاب ﵁ أرسل إلى الحارث بن هشام: أن غدًا يوم عاشوراء، فصم وأمر أهلك أن يصوموا (٣).
стр. 149
باب صيام يوم الفطر والأضحى والدهر
٣٧ - وحدثني عن مالك: أنه سمع أهل العلم يقولون: لا بأس بصيام الدهر (١) إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله ﷺ ، عن صيامها وهي أيام منى ويوم الأضحى ويوم الفطر فيما بلغنا. قال: وذلك أحب ما سمعت إلي في ذلك.
باب النهي عن الوصال في الصيام
٣٩ - وحدثني عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والوصال، إياكم والوصال»، قالوا: فإنك تواصل، يا رسول الله، قال: «إني لست كهيئتكم؛ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» (٢).
باب صيام الذي يقتل خطأ أو يتظاهر
٤٠ - حدثني يحيى سمعت مالكًا يقول: أحسن ما سمعت فيمن وجب عليه صيام شهرين متتابعين في قتل خطأ أو تظاهر فعرض له مرض يغلبه ويقطع عليه صيامه: أنه إن صح من مرضه وقوي على الصيام فليس له أن يؤخر ذلك، وهو يبني على ما قد مضى من صيامه، وكذلك المرأة التي يجب عليها الصيام في قتل النفس خطأ إذا حاضت بين ظهري صيامها: أنها إذا طهرت لا تؤخر الصيام وهي تبني على ما قد صامت. وليس لأحد وجب عليه صيام شهرين متتابعين في كتاب الله أن يفطر إلا من علة مرض أو حيضة وليس له أن يسافر فيفطر (٣).
قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت في ذلك.
стр. 150
باب ما يفعل المريض في صيامه
٤١ - قال يحيى: سمعت مالكًا يقول: الأمر الذي سمعت من أهل العلم: أن المريض إذا أصابه المرض الذي يشق عليه الصيام معه ويتعبه ويبلغ ذلك منه، فإن له أن يفطر، وكذلك المريض الذي اشتد عليه القيام في الصلاة، وبلغ منه وما الله أعلم بعذر ذلك من العبد، ومن ذلك ما لا تبلغ صفته، فإذا بلغ ذلك صلى وهو جالس، ودين الله يسر، وقد أرخص الله للمسافر في الفطر في السفر، وهو أقوى على الصيام من المريض، قال الله تعالى في كتابه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فأرخص الله للمسافر في الفطر في السفر، وهو أقوى على الصوم من المريض. فهذا أحب ما سمعت إلي، وهو الأمر المجتمع عليه (١).
باب النذر في الصيام، والصيام عن الميت
٤٢ - حدثني يحيى، عن مالك، أنه بلغه: عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن رجل نذر صيام شهر، هل له أن يتطوع؟ فقال سعيد: ليبدأ بالنذر قبل أن يتطوع (٢).
قال مالك: وبلغني عن سليمان بن يسار مثل ذلك.
قال مالك: من مات وعليه نذر من رقبة يعتقها أو صيام أو صدقة أو بدنة فأوصى بأن يوفى ذلك عنه من ماله فإن الصدقة والبدنة في ثلثه وهو يبدى على ما سواه من الوصايا إلا ما كان مثله؛ وذلك أنه ليس الواجب عليه من النذور وغيرها كهيئة ما يتطوع به مما
стр. 151
ليس بواجب، وإنما يجعل ذلك في ثلثه خاصة دون رأس ماله (١)؛
لأنه لو جاز له ذلك في رأس ماله لأخر المتوفى مثل ذلك من الأمور الواجبة عليه، حتى إذا حضرته الوفاة وصار المال لورثته، سمى مثل هذه الأشياء التي لم يكن يتقاضاها منه متقاض، فلو كان ذلك جائزًا له، أخر هذه الأشياء، حتى إذا كان عند موته، سماها، وعسى أن يحيط بجميع ماله، فليس ذلك له.
٤٣ - وحدثني عن مالك، أنه بلغه: أن عبد الله بن عمر ﵁ كان يسأل: هل يصوم أحد عن أحد، أو يصلي أحد عن أحد؟ فيقول: لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد (٢).
стр. 152
١٩ - كتاب الاعتكاف
باب ذكر الاعتكاف
١ - حدثني يحيى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان (١).
٣ - وحدثني عن مالك: أنه سأل ابن شهاب عن الرجل يعتكف، هل يدخل لحاجته تحت سقف؟ فقال: نعم، لا بأس بذلك
قال مالك: الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه أنه لا يكره الاعتكاف في كل مسجد يجمع فيه ولا أراه كره الاعتكاف في المساجد التي لا يجمع فيها إلا كراهية أن يخرج المعتكف من مسجده الذي اعتكف فيه إلى الجمعة أو يدعها فإن كان مسجدًا لا يجمع فيه الجمعة ولا يجب على صاحبه إتيان الجمعة في مسجد سواه فإني لا أرى بأسًا بالاعتكاف فيه؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فعم الله المساجد كلها ولم يخص شيئًا منها.
قال مالك: فمن هنالك جاز له أن يعتكف في المساجد التي لا يجمع فيها الجمعة، إذا كان لا يجب عليه أن يخرج منه إلى المسجد الذي تجمع فيه الجمعة (٢).
стр. 153
قال مالك: ولا يبيت المعتكف إلا في المسجد الذي اعتكف فيه، إلا أن يكون خباؤه في رحبة من رحاب المسجد، ولم أسمع أن المعتكف يضرب بناء يبيت فيه إلا في المسجد أو في رحبة من رحاب المسجد، ومما يدل على أنه لا يبيت إلا في المسجد: قول عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان.
ولا يعتكف فوق ظهر المسجد، ولا في المنار يعني: الصومعة (١).
وقال مالك: يدخل المعتكف المكان الذي يريد أن يعتكف فيه قبل غروب الشمس (٢) من الليلة التي يريد أن يعتكف فيها، حتى يستقبل باعتكافه أول الليلة التي يريد أن يعتكف فيها، والمعتكف مشتغل باعتكافه لا يعرض لغيره مما يشتغل به من التجارات أو غيرها، ولا بأس بأن يأمر المعتكف بضيعته ومصلحة أهله، وأن يأمر ببيع ماله أو بشيء لا يشغله في نفسه، فلا بأس بذلك إذا كان خفيفًا، أن يأمر بذلك من يكفيه إياه.
قال مالك: لم يسمع أحدًا من أهل العلم يذكر في الاعتكاف شرطًا (٣)، وإنما الاعتكاف عمل من الأعمال مثل الصلاة والصيام والحج، وما أشبه ذلك من الأعمال ما كان من ذلك فريضة أو نافلة، فمن دخل في شيء من ذلك، فإنما يعمل بما مضى من السنة، وليس له أن يحدث في ذلك غير ما مضى عليه المسلمون، لا من شرط يشترطه ولا يبتدعه، وقد اعتكف رسول الله ﷺ ، وعرف المسلمون سنة الاعتكاف. قال مالك: والاعتكاف والجوار سواء، والاعتكاف للقروي والبدوي سواء.
стр. 154
باب ما لا يجوز الاعتكاف إلا به
٤ - حدثني يحيى، عن مالك، أنه بلغه: أن القاسم بن محمد ونافعًا (مولى عبد الله ابن عمر) قالا: لا اعتكاف إلا بصيام؛ بقول الله ﵎ في كتابه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإنما ذكر الله الاعتكاف مع الصيام.
قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا: أنه لا اعتكاف إلا بصيام (١).
باب خروج المعتكف للعيد
٦ - حدثني يحيى، عن زياد، عن مالك: أنه رأى بعض أهل العلم إذا اعتكفوا العشر الأواخر من رمضان لا يرجعون إلى أهاليهم حتى يشهدوا الفطر مع الناس.
قال زياد: قال مالك: وبلغني ذلك عن أهل الفضل الذين مضوا، وهذا أحب ما سمعت إلى في ذلك (٢).
стр. 155
باب قضاء الاعتكاف
٧ - حدثني زياد، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أراد أن يعتكف فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه وجد أخبية خباء عائشة ﵁ وخباء حفصة وخباء زينب فلما رآها سأل عنها فقيل له هذا خباء عائشة وحفصة وزينب، فقال رسول الله ﷺ : (آلبر تقولون بهن)؟! ثم انصرف، فلم يعتكف حتى اعتكف عشرًا من شوال.
وسئل مالك عن رجل دخل المسجد لعكوف في العشر الأواخر من رمضان، فأقام يومًا أو يومين، ثم مرض، فخرج من المسجد: أيجب عليه أن يعتكف ما بقي من العشر إذا صح أم لا يجب ذلك عليه؟ وفي أي شهر يعتكف إن وجب عليه ذلك؟ فقال مالك: يقضي ما وجب عليه من عكوف إذا صح في رمضان أو غيره، وقد بلغني: أن رسول الله ﷺ أراد العكوف في رمضان، ثم رجع، فلم يعتكف، حتى إذا ذهب رمضان اعتكف عشرًا من شوال، والمتطوع في الاعتكاف في رمضان والذي عليه الاعتكاف أمرهما واحد، فيما يحل لهما ويحرم عليهما، ولم يبلغني أن رسول الله ﷺ كان اعتكافه إلا تطوعًا (١) ....
قال مالك في المرأة: إنها إذا اعتكفت، ثم حاضت في اعتكافها: إنها ترجع إلى بيتها، فإذا طهرت رجعت إلى المسجد أية ساعة طهرت، ثم تبني على ما مضى من اعتكافها،
стр. 156
ومثل ذلك المرأة يجب عليها صيام شهرين متتابعين فتحيض ثم تطهر، فتبني على ما مضي من صيامها، ولا تؤخر ذلك (١).
٨ - وحدثني زياد، عن مالك، عن ابن شهاب: أن رسول الله ﷺ كان يذهب لحاجة الإنسان في البيوت.
قال مالك: لا يخرج المعتكف مع جنازة أبويه ولا مع غيرها (٢).
باب النكاح في الاعتكاف
قال مالك: لا بأس بنكاح المعتكف نكاح الملك ما لم يكن المسيس والمرأة المعتكفة -أيضًا- تنكح نكاح الخطبة ما لم يكن المسيس، ويحرم على المعتكف من أهله بالليل ما يحرم عليه منهن بالنهار.
قال يحيى: قال زياد: قال مالك: ولا يحل لرجل أن يمس امرأته وهو معتكف، ولا يتلذذ منها بقبلة ولا غيرها.
ولم أسمع أحدًا يكره للمعتكف ولا للمعتكفة أن ينكحا في اعتكافهما، ما لم يكن المسيس فيكره، ولا يكره للصائم أن ينكح في صيامه (٣).
وفرق بين نكاح المعتكف ونكاح المحرم:
أن المحرم: يأكل، ويشرب، ويعود المريض، ويشهد الجنائز، ولا يتطيب.
стр. 157
والمعتكف والمعتكفة: يدهنان، ويتطيبان، ويأخذ كل واحد منهما من شعره، ولا يشهدان الجنائز، ولا يصليان عليها، ولا يعودان المريض. فأمرهما في النكاح مختلف، وذلك الماضي من السنة في نكاح المحرم والمعتكف والصائم.
باب ما جاء في ليلة القدر
١١ - وحدثني زياد، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر» (١).
١٥ - وحدثني زياد، عن مالك: أنه سمع من يثق به أهل العلم يقول: إن رسول الله ﷺ أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر (٢).
стр. 158
وحدثني زياد، عن مالك، أنه بلغه: أن سعيد بن المسيب كان يقول: من شهد العشاء من ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها (١).
стр. 159
٢٠ - كتاب الحج
باب غسل المحرم
٤ - حدثني يحيى، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه: أن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة ﵁ اختلفا بالأبواء:
فقال عبد الله: يغسل المحرم رأسه.
وقال المسور بن مخرمة لا يغسل المحرم رأسه (١).
قال فأرسلني عبد الله بن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري ﵁ فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستر بثوب فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين، أرسلني إليك عبد الله بن عباس، أسألك: كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم؟
قال: فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسان يصب عليه: اصبب، فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل.
٦ - وحدثني مالك، عن نافع: أن عبد الله بن عمر ﵁ كان إذا دنا من مكة بات بذي طوى بين الثنيتين حتى يصبح، ثم يصلي الصبح، ثم يدخل من الثنية التي بأعلى مكة، ولا يدخل إذا خرج حاجًا أو معتمرًا حتى يغتسل قبل أن يدخل مكة إذا دنا من مكة بذي طوى، ويأمر من معه فيغتسلون قبل أن يدخلوا (٢).
стр. 160
٧ - وحدثني عن مالك، عن نافع: أن عبد الله بن عمر ﵁ كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من الاحتلام.
قال مالك: سمعت أهل العلم يقولون: لا بأس أن يغسل الرجل المحرم رأسه بالغسول بعد أن يرمي جمرة العقبة وقبل أن يحلق رأسه، وذلك أنه إذا رمى جمرة العقبة (١) فقد حل له قتل القمل وحلق الشعر وإلقاء التفث ولبس الثياب.
باب تخمير المحرم وجهه
١٣ - حدثني يحيى، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، أنه قال: أخبرني الفرافصة بن عمير الحنفي: أنه رأى عثمان بن عفان ﵁ بالعرج يغطي وجهه وهو محرم (٢).
- وحدثني عن مالك، عن نافع: أن عبد الله بن عمر ﵁ كان يقول: ما فوق الذقن من الرأس، فلا يخمره المحرم (٣).
باب مواقيت الإهلال
٢٤ - وحدثني عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵁، أنه قال: أمر رسول الله ﷺ أهل المدينة أن يهلوا من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن. قال عبد الله بن عمر ﵁: أما هؤلاء الثلاث فسمعتهن
стр. 161
من رسول الله ﷺ ، وأخبرت أن رسول الله ﷺ قال: «ويهل أهل اليمن من يلملم» (١).
٢٥ - وحدثني عن مالك، عن نافع: أن عبد الله بن عمر ﵁ أهل من الفرع (٢).
٢٦ - وحدثني عن مالك، عن الثقة عنده: أن عبد الله بن عمر ﵁ أهل من إيلياء (٢).
٢٧ - وحدثني عن مالك، أنه بلغه: أن رسول الله ﷺ أهل من الجعرانة (٣) بعمرة.
باب العمل في الإهلال
٢٨ - حدثني يحيى، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵁: أن تلبية رسول الله ﷺ : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: لبيك لبيك، لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك والعمل (٤).
стр. 162
٣٠ - وحدثني، عن مالك، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله: أنه سمع أباه يقول: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله ﷺ فيها، ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد، يعني: مسجد ذي الحليفة (١).
باب قطع التلبية
٤٤ - وحدثني عن مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه (٢): أن علي بن أبي طالب ﵁ كان يلبي في الحج حتى إذا زاغت الشمس من يوم عرفة قطع التلبية.
قال يحيى: قال مالك: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا.
٤٨ - وحدثني عن مالك، عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن عبد العزيز غدا يوم عرفة من منى فسمع التكبير عاليًا، فبعث الحرس يصيحون في الناس: أيها الناس، إنها التلبية (٣).
باب إهلال أهل مكة ومن بها من غيرهم
٤٩ - حدثني يحيى، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا أهل مكة، ما شأن الناس يأتون شعثًا، وأنتم مدهنون، أهلوا إذا رأيتم الهلال (٤).
стр. 163
باب ما لا يوجب الإحرام من تقليد الهدي
٥٠ - وحدثني عن مالك، عن هشام بن عروة أن عبد الله بن الزبير ﵁ أقام بمكة تسع سنين، وهو يهل بالحج لهلال ذي الحجة (١)، وعروة بن الزبير معه يفعل ذلك.
قال يحيى: قال مالك: وإنما يهل أهل مكة وغيرهم بالحج إذا كانوا بها، ومن كان مقيمًا بمكة من غير أهلها من جوف مكة لا يخرج من الحرم ...
وسئل مالك عن رجل من أهل مكة: هل يهل من جوف مكة بعمرة؟ قال: بل يخرج إلى الحل فيحرم منه (٢).
٥١ - حدثني يحيى، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد، عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة ﵁ زوج النبي ﷺ : أن عبد الله بن عباس قال: من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي، وقد بعثت بهدي فاكتبي إلى بأمرك أو مري صاحب الهدي، قالت عمرة: قالت عائشة ﵁: ليس كما قال ابن عباس، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي، ثم قلدها رسول الله ﷺ بيده، ثم بعث بها رسول الله ﷺ مع أبي، فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحله الله له حتى نحر الهدي (٣).
стр. 164
٥٤ - وحدثني عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير: أنه رأى رجلًا متجردًا بالعراق (١)، فسأل الناس عنه، فقالوا: إنه أمر بهديه أن يقلد فلذلك تجرد، قال ربيعة: فلقيت عبد الله بن الزبير ﵁، فذكرت له ذلك، فقال: بدعة ورب الكعبة ....
وسئل -أيضًا- عما اختلف فيه الناس من الإحرام لتقليد الهدي ممن لا يريد الحج ولا العمرة فقال: الأمر عندنا الذي نأخذ به في ذلك قول عائشة أم المؤمنين إن رسول الله ﷺ بعث بهديه ثم أقام فلم يحرم عليه شيء مما أحله الله له حتى نحر هديه (٢).
باب جامع ما جاء في العمرة
٦٧ - وحدثني عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم؛ فإن ذلك أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته: أن يعتمر في غير أشهر الحج (٣).
٦٨ - وحدثني عن مالك، أنه بلغه: أن عثمان بن عفان ﵁ كان إذا اعتمر ربما لم يحطط عن راحلته حتى يرجع.
قال مالك: العمرة سنة (٤)، ولا نعلم أحدًا من المسلمين أرخص في تركها ...
стр. 165
باب نكاح المحرم
٧٠ - وحدثني عن مالك، عن نافع، عن نبيه بن وهب (أخي بني عبد الدار): أن عمر بن عبيد الله أرسل إلى أبان بن عثمان -وأبان يومئذ أمير الحاج وهما محرمان-: إني قد أردت أن أنكح طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير وأردت أن تحضر، فأنكر ذلك عليه أبان، وقال سمعت عثمان بن عفان ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب» (١).
٧٣ - وحدثني عن مالك، أنه بلغه: أن سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار سئلوا عن نكاح المحرم، فقالوا: لا ينكح المحرم ولا ينكح.
قال مالك في الرجل المحرم إنه يراجع امرأته: إن شاء إذا كانت في عدة منه (٢).
باب حجامة المحرم
٧٤ - حدثني يحيى، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار: أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم فوق رأسه، وهو يومئذ بـ «لحيي جمل»: مكن بطريق مكة (٣).
стр. 166
باب ما يجوز للمحرم أكله من الصيد
٧٦ - حدثني يحيى، عن مالك، عن أبي النضر (مولى عمر بن عبيد الله التيمي)، عن نافع (مولى أبي قتادة الأنصاري)، عن أبي قتادة: أنه كان مع رسول الله ﷺ حتى إذا كانوا ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم، فرأى حمارًا وحشيًا، فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه، فأبوا عليه، فسألهم رمحة، فأبوا، فأخذه، ثم شد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، وأبى بعضهم، فلما أدركوا رسول الله ﷺ سألوه عن ذلك، فقال: «إنما هي طعمة أطعمكموها الله» (١).
٧٩ - وحدثني عن مالك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، أنه قال: أخبرني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، عن عمير بن سلمة الضمري، عن البهزي: أن رسول الله ﷺ خرج يريد مكة وهو محرم، حتى إذا كان بالروحاء إذا حمار وحشي عقير، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: «دعوه؛ فإنه يوشك أن يأتي صاحبه»، فجاء البهزي - وهو صاحبه - إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، شأنكم بهذا الحمار، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر، فقسمه بين الرفاق، ثم مضى، حتى إذا كان بالأثابة بين الرويثة والعرج، إذا ظبي حاقف في ظل فيه سهم، فزعم: أن رسول الله ﷺ أمر رجلًا أن يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزه (٢).
стр. 167
٨٢ - وحدثني عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: أن كعب الأحبار أقبل من الشام في ركب، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، وجدوا لحم صيد، فأفتاهم كعب بأكله، قال: فلما قدموا على عمر بن الخطاب ﵁ بالمدينة، ذكروا ذلك له، فقال: من أفتاكم بهذا؟! قالوا: كعب، فإني قد أمرته عليكم حتى ترجعوا، ثم لما كانوا ببعض طريق مكة مرت بهم رجل من جراد، فأفتاهم كعب: أن يأخذوه فيأكلوه، فلما قدموا على عمر بن الخطاب ﵁ ذكروا له ذلك، فقال: ما حملك على أن تفتيهم بهذا؟! قال: هو من صيد البحر، قال: وما يدريك؟! قال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده إن هي إلا نثرة حوت ينثره في كل عام مرتين (١).
باب ما لا يحل للمحرم أكله من الصيد
٨٥ - وحدثني عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين ﵁ أنها قالت له: يا ابن أختي إنما هي عشر ليال، فإن تخلج في نفسك شيء فدعه تعني أكل لحم الصيد ....
وسئل مالك عن الرجل يضطر إلى أكل الميتة وهو محرم، أيصيد فيأكله أم يأكل الميتة؟ فقال: بل يأكل الميتة، وذلك أن الله ﵎ لم يرخص للمحرم في أكل الصيد، ولا في أخذه في حال من الأحوال، وقد أرخص في الميتة على حال الضرورة (٢) ...
стр. 168
باب الحكم في الصيد
٨٧ - قال مالك: قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]. قال مالك: فالذي يصيد الصيد وهو حلال ثم يقتله وهو محرم، بمنزلة الذي يبتاعه وهو محرم ثم يقتله، وقد نهى الله عن قتله، فعليه جزاؤه (١). والأمر عندنا: أن من أصاب الصيد وهو محرم حكم عليه بالجزاء ...
باب ما يقتل المحرم من الدواب
٨٨ - حدثني يحيى، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» (٢).
باب ما يجوز للمحرم أن يفعله
٩٢ - حدثني يحيى، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن ربيعة بن أبي عبد الله بن الهدير أنه رأى عمر بن الخطاب ﵁ يقرد بعيرًا له -في طين بالسقيا- وهو محرم (٣). قال مالك: وأنا أكرهه.
стр. 169
٩٣ - وحدثني عن مالك، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه أنها قالت: سمعت عائشة زوج النبي ﷺ تسأل عن المحرم: أيحك جسده؟ فقالت: نعم، فليحككه، وليشدد، ولو ربطت يداي ولم أجد إلا رجلي لحككت (١).
٩٥ - وحدثني عن مالك، عن نافع: أن عبد الله بن عمر ﵁: كان يكره أن ينزع المحرم حلمة أو قرادًا، عن بعيره.
قال مالك: وذلك أحب ما سمعت إلي في ذلك (٢).
٩٦ - وحدثني عن مالك، عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم أنه سأل سعيد بن المسيب عن ظفر له انكسر وهو محرم، فقال سعيد: اقطعه.
وسئل مالك عن الرجل يشتكي أذنه: أيقطر في أذنه من البان الذي لم يطيب وهو محرم؟ فقال: لا أرى بذلك بأسًا، ولو جعله في فيه لم أر بذلك بأسًا.
قال مالك: ولا بأس أن يبط المحرم خراجه، ويفقأ دمله، ويقطع عرقه، إذا احتاج إلى ذلك (٣).
باب الحج عمن يحج عنه
٩٧ - حدثني يحيى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عباس ﵁ قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ ، فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله، إن فريضة
стр. 170
الله في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم»، وذلك ففي حجة الوداع (١).
باب ما جاء فيمن أحصر بعدو
٩٨ - حدثني يحيى، عن مالك قال: من حبس بعدو، فحال بينه وبين البيت، فإنه يحل من كل شيء، وينحر هديه، ويحلق رأسه حيث حبس، وليس عليه قضاء (٢).
وحدثني عن مالك، أنه بلغه: أن رسول الله ﷺ حل هو وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي، وحلقوا رءوسهم، وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل أن يصل إليه الهدي، ثم لم يعلم أن رسول الله ﷺ أمر أحدًا من أصحابه، ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئًا، ولا يعودوا الشيء.
٩٩ - وحدثني عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵁، أنه قال - حين خرج إلى مكة معتمرًا في الفتنة: «إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ﷺ فأهل بعمرة؛ من أجل أن رسول الله ﷺ أهل بعمرة عام الحديبية»، ثم إن عبد الله نظر في أمره، فقال: «ما أمرهما إلا واحد»، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: «ما أمرهما إلا واحد، أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة»، ثم نفذ حتى جاء البيت فطاف طوافًا واحدًا، ورأى ذلك مجزيًا عنه، وأهدى.
стр. 171
قال مالك: فهذا الأمر عندنا فيمن أحصر بعدو، كما أحصر النبي ﷺ وأصحابه ﵃، فأما من أحصر بغير عدو، فإنه لا يحل دون البيت (١).
باب ما جاء فيمن أحصر بغير عدو
١٠٠ - حدثني يحيى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه قال: «المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا اضطر إلى لبس شيء من الثياب -التي لا بد له منها- أو الدواء صنع ذلك، وافتدى» (٢).
١٠٢ - وحدثني عن مالك، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن رجل من أهل البصرة كان قديمًا، أنه قال: خرجت إلى مكة، حتى إذا كنت ببعض الطريق، كسرت فخذي، فأرسلت إلى مكة وبها عبد الله بن عمر والناس، فلم يرخص لي أحد أن أحل، فأقمت على ذلك الماء سبعة أشهر حتى أحللت بعمرة (٣).
стр. 172
١٠٣ - وحدثني عن مالك، عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر ﵁، أنه قال: «من حبس دون البيت بمرض فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة» (١) ...
قال مالك: وعلى هذا الأمر عندنا فيمن أحصر بغير عدو، وقد أمر عمر بن الخطاب ﵁ أبا أيوب الأنصاري وهبار بن الأسود ﵁ حين فاتهما الحج وأتيا يوم النحر: أن يحلا بعمرة، ثم يرجعا حلالًا، ثم يحجان عامًا قابلًا، ويهديان. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله (٢).
قال مالك: وكل من حبس عن الحج بعد ما يحرم إما بمرض أو بغيره أو بخطإ من العدد أو خفي عليه الهلال فهو محصر عليه ما على المحصر.
قال يحيى: سئل مالك عمن أهل من أهل مكة بالحج، ثم أصابه كسر أو بطن متحرق أو امرأة تطلق؟ قال: من أصابه هذا منهم فهو محصر، يكون عليه مثل ما على أهل الآفاق إذا هم أحصروا (٣) ...
باب ما جاء في بناء الكعبة
١٠٤ - قال يحيى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق أخبر عبد الله بن عمر، عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: «ألم تري أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟!» قالت: فقلت:
стр. 173
يا رسول الله، أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال رسول الله ﷺ : «لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت»، قال: فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم (١).
١٠٥ - وحدثني عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن عائشة أم المؤمنين ﵁ قالت: ما أبالي أصليت في الحجر أم في البيت (٢).
باب الرمل في الطواف
١٠٧ - حدثني يحيى، عن مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: «رأيت رسول الله ﷺ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف» (٣).
قال مالك: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا.
١٠٩ - وحدثني عن مالك، عن هشام بن عروة: أن أباه كان إذا طاف بالبيت يسعى الأشواط الثلاثة، يقول: اللهم لا إله إلا أنت، وأنت تحيي بعد ما أمت، يخفض صوته بذلك (٤).
стр. 174
١١٠ - وحدثني عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنه رأى عبد الله بن الزبير أحرم بعمرة من التنعيم، قال: ثم رأيته يسعى حول البيت الأشواط الثلاثة (١).
١١١ - وحدثني عن مالك، عن نافع: أن عبد الله بن عمر ﵁ كان إذا أحرم من مكة لم يطوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى (٢)، وكان لا يرمل إذا طاف حول البيت إذا أحرم من مكة.
باب الاستلام في الطواف
١١٣ - وحدثني عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه قال: قال رسول الله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف ﵁: «كيف صنعت، يا أبا محمد في استلام الركن؟» فقال عبد الرحمن: استلمت وتركت، فقال له رسول الله ﷺ : «أصبت» (٣).
١١٤ - وحدثني عن مالك، عن هشام بن عروة: أن أباه كان إذا طاف بالبيت يستلم الأركان كلها، وكان لا يدع اليماني إلا أن يغلب عليه (٤).
стр. 175
باب تقبيل الركن الأسود في الاستلام
١١٥ - حدثني يحيى، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب قال وهو يطوف بالبيت للركن الأسود: «إنما أنت حجر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك»، ثم قبله.
قال مالك: سمعت بعض أهل العلم يستحب إذا رفع الذي يطوف بالبيت يده عن الركن اليماني أن يضعها على فيه (١).
باب ركعتا الطواف
١١٦ - حدثني يحيى، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنه كان لا يجمع بين السبعين، لا يصلي بينهما، ولكنه كان يصلي بعد كل سبع ركعتين، فربما صلى عند المقام أو عند غيره (٢).
وسئل مالك عن الطواف إن كان أخف على الرجل أن يتطوع به، فيقرن بين الأسبوعين أو أكثر، ثم يركع، ما عليه من ركوع تلك السبوع؟ قال: لا ينبغي ذلك، وإنما السنة أن يتبع كل سبع ركعتين (٣).
قال مالك في الرجل يدخل في الطواف فيسهو حتى يطوف ثمانية أو تسعة أطواف؟ قال: يقطع إذا علم أنه قد زاد، ثم يصلي ركعتين، ولا يعتد بالذي كان زاد، ولا ينبغي له
стр. 176
أن يبني على التسعة، حتى يصلي سبعين جميعًا؛ لأن السنة في الطواف أن يتبع كل سبع ركعتين (١).
قال مالك: ومن شك في طوافه بعدما يركع ركعتي الطواف، فليعد فليتمم طوافه على اليقين، ثم ليعد الركعتين؛ لأنه لا صلاة لطواف إلا بعد إكمال السبع (٢)، ومن أصابه شيء ينقض وضوءه وهو يطوف بالبيت أو يسعى بين الصفا والمروة أو بين ذلك، فإنه من أصابه ذلك وقد طاف بعض الطواف أو كله ولم يركع ركعتي الطواف فإنه يتوضأ ويستأنف الطواف والركعتين. وأما السعي بين الصفا والمروة فإنه لا يقطع ذلك عليه ما أصابه من انتقاض وضوئه، ولا يدخل السعي إلا وهو طاهر بوضوء (٣).
باب الصلاة بعد الصبح والعصر في الطواف
١١٧ - حدثني يحيى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عبد القاري أخبره: أنه طاف بالبيت مع عمر بن الخطاب ﵁ بعد صلاة الصبح، فلما قضى عمر طوافه نظر فلم ير الشمس طلعت، فركب حتى أناخ بذي طوى، فصلى ركعتين سنة الطواف (٤).
стр. 177
١١٩ - وحدثني عن مالك، عن أبي الزبير المكي، أنه قال: «لقد رأيت البيت يخلو بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر ما يطوف به أحد» (١).
قال مالك: ومن طاف بالبيت بعض أسبوعه ثم أقيمت صلاة الصبح أو صلاة العصر فإنه يصلي مع الإمام، ثم يبني على ما طاف حتى يكمل سبعًا، ثم لا يصلي حتى تطلع الشمس أو تغرب، قال: وإن أخرهما حتى يصلي المغرب فلا بأس بذلك.
قال مالك: ولا بأس أن يطوف الرجل طوافًا واحدًا بعد الصبح وبعد العصر، لا يزيد على سبع واحد، ويؤخر الركعتين حتى تطلع الشمس، كما صنع عمر بن الخطاب ﵁، ويؤخرهما بعد العصر حتى تغرب الشمس، فإذا غربت الشمس صلاهما إن شاء، وإن شاء أخرهما حتى يصلي المغرب، لا بأس بذلك (٢).
باب جامع الطواف
١٢٣ - حدثني يحيى، عن مالك، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنها قالت: شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي، فقال: «طوفي من وراء الناس
стр. 178
وأنت راكبة»، قالت: فطفت راكبة بعيري ورسول الله ﷺ حينئذ يصلي إلى جانب البيت، وهو يقرأ بـ: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١، ٢] (١).
١٢٤ - وحدثني عن مالك، عن أبي الزبير المكي: أن أبا ماعز الأسلمي (عبد الله بن سفيان) أخبره: أنه كان جالسًا مع عبد الله بن عمر ﵁ فجاءته امرأة تستفتيه، فقالت: إني أقبلت أريد أن أطوف بالبيت، حتى إذا كنت بباب المسجد هرقت الدماء، فرجعت حتى ذهب ذلك عني، ثم أقبلت حتى إذا كنت عند باب المسجد هرقت الدماء، فرجعت حتى ذهب ذلك عني، ثم أقبلت حتى إذا كنت عند باب المسجد هرقت الدماء؟ فقال عبد الله بن عمر: إنما ذلك ركضة من الشيطان فاغتسلي ثم استثفري بثوب ثم طوفي (٢).
١٢٥ - وحدثني عن مالك، أنه بلغه: أن سعد بن أبي وقاص كان إذا دخل مكة مراهقًا خرج إلى عرفة قبل أن يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يطوف بعد أن يرجع. قال مالك: وذلك واسع إن شاء الله (٣).
وسئل مالك: هل يقف الرجل في الطواف بالبيت الواجب عليه يتحدث مع الرجل؟ فقال: لا أحب ذلك له (٤).
قال مالك: لا يطوف أحد بالبيت ولا بين الصفا والمروة إلا وهو طاهر (٥).
стр. 179
باب البدء بالصفا في السعي
١٢٦ - حدثني يحيى، عن مالك، عن جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول - حين خرج من المسجد، وهو يريد الصفا وهو يقول-: «نبدأ بما بدأ الله به»، فبدأ بالصفا (١).
١٢٧ - وحدثني عن مالك، عن جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا وقف على الصفا يكبر ثلاثًا ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (٢)، يصنع ذلك ثلاث مرات، ويدعو. ويصنع على المروة مثل ذلك.
١٢٨ - وحدثني عن مالك، عن نافع أنه سمع عبد الله بن عمر ﵄ وهو على الصفا يدعو يقول اللهم إنك قلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وإنك لا تخلف الميعاد وإني أسألك كما هديتني للإسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم (٣).
باب جامع السعي
١٢٩ - حدثني يحيى، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه قال: قلت لعائشة أم المؤمنين ﵁ وأنا يومئذ حديث السن: أرأيت قول الله ﵎: ﴿إِنَّ
стр. 180
الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، فما على الرجل شيء أن لا يطوف بهما، فقالت عائشة: كلا، لو كان كما تقول لكانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما؛ إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] (١).
١٣٠ - وحدثني عن مالك، عن هشام بن عروة: أن سودة بنت عبد الله بن عمر كانت عند عروة بن الزبير، فخرجت تطوف بين الصفا والمروة في حج أو عمرة ماشية (٢)، وكانت امرأة ثقيله، فجاءت حين انصرف الناس من العشاء، فلم تقض طوافها حتى