اعْمَلُوا، وَلَا تَتَّكِلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لمَا خُلِقَ لَهُ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠]).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقة حافظ شهير [١٠] ٥/ ٤٠.
٢ - (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السُّلَميّ (١)، أبو حمزة الكوفي، ثقة [٣].
روى عن المغيرة بن شعبة، وابن عمر، والبراء بن عازب، وحِبّان بن عطية، والمستورد بن الأحنف، وأبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وكان خَتَنَه على ابنته.
وروى عنه الأعمش، ومنصور، وفِطْرُ بن خليفة، وحصين، وأبو حَصِين، والحكم بن عتيبة، وزُبيد اليامي، وعمرو بن مرة، وعلقمة بن مرثد، وأبو مالك الأشجعي، وجماعة.
قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: كان يرى رأي الخوارج، ثم تركه، يكتب حديثه. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: تابعيّ ثقة. وقال ابن سعد، وابن حبّان، والكلاباذيّ: مات في ولاية عمر ابن هُبيرة على العراق.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم ٧٨ و ٢١١ و ٨٩٧ و ١٣٥١ و ٤٢٦٩.
٣ - (أبو عبد الرحمن السُّلَميّ) هو: عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعة الكوفيّ المقرىء، ثقة ثبتٌ، ولأبيه صحبة، تقدّم في ٢/ ٢٠.
стр. 1017
٤ - (علي بن أبي طالب) الخليفة الراشد ﵁ تقدّم في ٢/ ٢٠.
والباقون تقدّموا قبل حديث. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجاله الصحيح، غير شيخه عليّ بن محمد، فإنه من رجال الأربعة، وهو ثقة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين.
٤ - (ومنها): أن سعد بن عُبيدة هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وله فيه خمسة أحاديث فقط، كما بينتها آنفًا.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش عن سعد، عن أبي عبد الرحمن.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الأربعة، والعشر المبشّرين بالجنة، وهو جمّ المناقب ﵁، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) ووقع عند البخاريّ في "التفسير" من طريق شعبة، عن الأعمش، سمعت سعد بن عبيدة، فصرّح بالسماع (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حَبيب (السُّلَمِيِّ) -بضم السين المهملة، وفتح اللام: نسبة إلى سُليم قبيلة مشهورة. قاله في "لب اللباب" ٢/ ٢٣.
(عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ﵁، وفي رواية مسلم البطين، عن أبي عبد الرحمن السلميّ: "أخذ بيدي عليّ، فانطلقنا نمشي حتى جلسنا على شاطىء الفرات، فقال علي: قال رسول الله ﷺ ... " فذكر الحديث مختصرًا.
(قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا) جمع جالس، وفي رواية عبد الواحد، عن الأعمش: "كنا قعودا"، وزاد في رواية سفيان الثوري، عن الأعمش: "كنا مع النبي ﷺ في بقيع الْغَرْقَد
стр. 1018
-بفتح الغين المعجمة والقاف، بينهما راء ساكنة- في جنازة"، قال الحافظ: ظاهره أنهم كانوا جميعا شهدوا الجنازة، لكن أخرجه البخاريّ في "الجنائز" من طريق منصور، عن سعد بن عبيدة، فبين أنهم سبقوا بالجنازة، وأتاهم النبي ﷺ بعد ذلك، ولفظه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ ، فقعد، وقعدنا حوله".
(عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَبِيَدِهِ عُودٌ) بضم العين المهملة، وسكون الواو: الخشب، وجمعه أعواد (فَنكَتَ في الْأَرْضِ) أي ضرب فيها ضربًا أثّر فيها، قال في "القاموس": النّكْتُ -أي بفتح، فسكون-: أن تضرب في الأرض بقَضِيب، فيؤثّر فيها. انتهى.
وفي رواية البخاريّ: "ومعه عود ينكت به في الأرض"، وفي رواية: "ومعه مِخْصَرة" -بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح الصاد المهملة-: هي عصًا، أو قضيب يمسكه الرئيس ليتوكأ عليه، ويدفع به عنه، ويشير به لما يريد، وسميت بذلك لأنها تُحمَل تحت الْخِصْر غالبًا للإتكاء عليها. وفي اللغة اختصر الرجل: إذا أمسك المخصرة.
(ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ) أي بعد تنكيسه، ففي رواية البخاريّ: "فنكس"، وهو بتشديد الكاف أي أطرق.
(فَقَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) زاد في رواية عند البخاريّ: "ما من نفس منفوسة": أي مصنوعة مخلوقة (إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ) أي موضع قعوده (مِنَ الجنَّةِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ) قال الطيبيّ: كنى به عن كونه من أهل الجنّة أو النار باستقراره فيها، والواو المتوسّطة بينهما لا يُمكن أن تجري على ظاهرها، فإن "ما" النافية، و"من" الاستغراقيّة تقتضيان أن يكون لكلّ أحد مقعده من النار، ومقعده من الجنة، وإن ورد في حديث آخر هذا المعنى إلا أن التفصيل (١) الآتي يأبى حمله على ذلك، فيجب أن يقال: إن الواو بمعنى "أو". انتهى (٢).
стр. 1019
ووقع في البخاريّ بلفظ: "إلا قد كُتب مقعده من النار، أو من الجنة"، قال في "الفتح": "أو" للتنويع، قال: وفي رواية منصور: "إلا كتب مكانها من الجنة والنار"، وزاد فيها: "وإلا وقد كُتبت شقيةً أو سعيدةً، وإعادة "إلا" يحتمل أن يكون "ما من نفس" بدل "ما منكم"، و"إلا" الثانية بدلًا من الأولى، وأن يكون من باب اللف والنشر، فيكون فيه تعميم بعد تخصيص، والثاني في كُلٍّ منهما أعم من الأول، أشار إليه الكرماني. انتهى (١).
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّه) وفي رواية البخاريّ: "فقال رجل من القوم"، وفي رواية له: "فقالوا"، والرجل القائل هو سُراقة بن مالك بن جُعْشُم، فقد أخرجه المصنف برقم (٩١) عن مجاهد عن سراقة بن جعشم، قال: قلت: يا رسول الله العمل فيما جف به القلم، وجرت به المقادير، أم في أمر مُستقبل؟ قال: "بل فيما جف به القلم، وجرت به المقادير، وكل ميسر لما خلق له".
وفي رواية مسلم من حديث جابر ﵁ عند مسلم قال: "جاء سراقة، فقال: يا رسول الله أَنَعْمَل اليوم فيما حُفّت به الأقلام، وجرت به المقادير، أو فيما يُستَقبَل؟ قال: بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، فقال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، وأخرجه الطبراني، وابن مردويه نحوه، وزاد: "وقرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾.
ووقع هذا السؤال وجوابه سوى تلاوة الآية لشُرَيح بن عامر الكلابيّ، أخرجه أحمد والطبراني، ولفظه: قال: ففيم العمل إذًا؟ قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، وأخرج الترمذي من حديث ابن عمر قال: قال عمر: يا رسول الله أرأيت ما نَعمَل فيه أمر مُبتَدَعٌ، أو أمر قد فُرِغ منه؟ قال: "فيما قد فُرِغ منه ... "، فذكر نحوه، وأخرج البزار، والفريابيّ، من حديث أبي هريرة: أن عمر قال: يا رسول الله ... فذكره، وأخرجه أحمد،
стр. 1020
والبزار، والطبراني من حديث أبي بكر الصديق، قلت: يا رسول الله، نعمل على ما فُرغ منه ... الحديث نحوه، ووقع في حديث سعد بن أبي وقاص، فقال رجل من الأنصار.
والجمع بين هذه الروايات أن يُحمل على تعدد السائلين عن ذلك، فقد وقع في حديث عبد الله بن عمرو أن السائل عن ذلك جماعة، ولفظه: فقال أصحابه: ففيم العمل إن كان قد فُرغ منه؟ فقال: "سَدِّدُوا، وقاربوا، فإن صاحب الجنة يُختَم له بعمل أهل الجنة، وإن عَمِلَ أيَّ عملٍ ... " الحديث. أخرجه الفريابيّ. ذكره في "الفتح" (١).
(أَفَلَا نَتَّكِلُ؟) أي أفلا نعتمد على ما كُتب لنا في الأزل، ونترك العمل؟ يعني أنه إذا سبق القضاء لكل واحد منّا بالجنة أو النار، فأيّ فائدة في السعي، فإنه لا يردّ قضاء الله وقدره.
وقال في "الفتح": الفاء مُعَقِّبةٌ لشيء محذوف تقديره: فإذا كان كذلك، أفلا نتكل، وفي رواية للبخاريّ: "ألا نتكل يا رسول الله"، وفي رواية: "أفلا نتكل على كتابنا، وندع العمل": أي نعتمد على ما قُدِّر علينا، وزاد في رواية: "فمن كان منا من أهل السعادة، فيصير إلى عمل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاوة مثله".
وقال السنديّ ﵀ في "شرحه": قوله: "أفلا نتكل": ما حاصله: أي إذا كان العمل لا يردّ القضاء والقدر السابق، فلا فائدة فيه، فنبّه بالجواب عنه أن الله تعالى دبّر الأشياء على ما أراد، وربط بعضها ببعض، وجعلها أسبابًا ومسبّبات، ومن قدّره من أهل الجنّة قدّر له ما يُقرّبه إليها من الأعمال، ووفقه لذلك، بإقداره، ويُمكّنه منه، ويُحرّضه عليه بالترغيب والترهيب، ومن قدّر أنه من أهل النار قدّر له خلاف ذلك، وخذَلَهُ حتى اتّبع هواه، وترك أمر مولاه.
والحاصل أنه جعل الأعمال طريقًا إلى نيل ما قدّره له من جنة أو نار، فلا بدّ من المشي في الطريق، وبواسطة التقدير السابق يتيسّر ذلك المشي لكلٍّ في طريقه، ويَسهلُ
стр. 1021
عليه، وتلا الآية للاستشهاد على أن التيسير منه تعالى. انتهى (١).
(قَالَ) ﷺ (لَا) أي لا تتكلوا (اعْمَلُوا) وقوله: (وَلَا تَتَكلُوا) تأكيد لـ "لا" (فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لمِا خُلِقَ لَهُ) أي مهيّأٌ، ومصروف إليه.
وزاد في رواية البخاريّ: "أما من كان من أهل السعادة، فيُيَسَّر لعمل السعادة ... " الحديث، وفي رواية: قال: "أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة ... " الحديث.
وحاصل السؤال: ألا نترك مشقة العمل، فإنا سنصير إلى ما قُدّر علينا.
وحاصل الجواب: لا مشقة؛ لأن كل أحد ميسر لما خُلق له، وهو يسير على من يسره الله .
قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: حاصل هذا السؤال أنه إذا وجبت السعادة والشقاوة بالقضاء الأزليّ، والقدر الإلهيّ، فلا فائدة للتكليف، ولا حاجة بنا إلى العمل، فنتركه، وهذه أعظم شُبَه النافين للقدَر، وقد أجابهم النبيّ ﷺ بما لا يَبْقَى معه إشكال، فقال: "اعملوا، فكلّ ميسّر لما خُلق له"، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ الآيات [الليل: ٥ - ٦]. ووجه الانفصال أن الله تعالى أمرنا بالعمل، فلا بُدّ من امتثال أمره، وغَيّب عنا المقادير لقيام حجته وزجره، ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته، وحكمته، وعزّه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لا يبقى معها لقائل مقول، وقهر ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] يضع له المتكبّرون، قال: ومورد التكليف فعل الأخيار، وذلك ليس مناقضًا لما سَبَقت به الأقدار. انتهى (٢).
وقال الطيبي ﵀: الجواب من الأسلوب الحكيم، منعهم ﷺ عن الاتكال، وترك العمل، وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد من امتثال أمر مولاه، وهو عبوديته عاجلًا، وتفويض الأمر إليه آجلًا، يعني أنتم عبيد، ولا بُدّ لكم من العبوديّة، فعليكم
стр. 1022
بما أُمرتم به، وإياكم والتصرّف في الأمور الإلهيّة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فلا تجعلوا العبادة وتركها سببا مستقلا لدخول الجنة والنار، بل هي أمارات وعلامات لها، ولا بدّ في الإيجاب من لطف الله وكرمه أو خذلانه، كما ورد: "لن يدخل أحدكم عمله الجنة"، والفاء في ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ تُفصح عن هذه المقدّرات. انتهى كلام الطيبيّ (١).
(ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾) أي حقوق ماله ﴿وَاتَّقَى﴾ أي ربه، فاجتنب محارمه، وقيل: اتقى البخلَ ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ أي بالملة الحسنى، وهي ملة الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، أو بالكلمة الحسنى، وهي لا إله إلا الله ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ أي نهيّئه، ونُهَوّن عليه الخَلّة اليسرى، وهي العمل الصالح، والخير الراجح. وقيل: الجنّة ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ أي بماله، وقيل: بحقّ الله، وهو قريب مما قبله ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ عن ربّه، فلم يتّقه، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ أي بالإسلام، أو الجنة ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ أي للْخَلَّة المؤدّية إلى النار، فتكون الطاعة أعسر شيء عليه، وأشدّ، أو سَمّى طريق الخير باليسرى؛ لأن عاقبتها اليسر، وطريق الشرّ بالعسرى؛ لأن عاقبتها العسر، أو أراد بهما طريق الجنة والنار (٢).
وزاد في البزار بعد أن ساق الآيات: "فقال القوم بعضهم لبعض: فالجِدّ إذًا"، وأخرجه الطبراني في آخر حديث سراقة، ولفظه: "فقال: يا رسول الله ففيم العمل؟ قال: كل ميسر لعمله، قال: الآن الجدّ، الآن الجدّ"، وفي آخر حديث عمر عند الفريابي: "فقال عمر: ففيم العمل إذا؟، قال: كلٌّ لا يُنال إلا بالعمل، قال عمر: إذًا نجتهد"، وأخرج الفريابي بسند صحيح إلى بُشير بن كعب أحد كبار التابعين قال: "سأل غلامان رسول الله ﷺ فيم العمل، فيما جَفّت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم شيء نَستأنفه؟
стр. 1023
قال: بل فيما جفت به الأقلام، قالا: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما هو عامل، قالا: فالجد الآن". ذكره في "الفتح" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٧٨) وأخرجه (البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٦٢) و"التفسير" (٤٩٤٥) و (٤٩٤٦) و (٤٩٤٧) و (٤٩٤٨) و"الأدب" (٦٢١٧) و"القدر" (٦٦٠٥) و"التوحيد" (٧٥٥٢) و (مسلم) في "القدر" (٦٦٦٣) و (٦٦٧٤) و (٦٦٧٤) و (٦٦٧٥) و (٦٦٧٦) و (أبو داود) في "السنّة" (٤٦٩٤) و (الترمذيّ) في "القدر" (٢١٣٦) و (عبد الرزاق) (٢٠٠٧٤) و (أحمد) ١/ ٨٢ و ١٢٩ و ١٣٢ و ١٤٠ و ١٥٧ و (عبد بن حميد) (٨٤) و (ابن حبان) في "صحيحه" (٣٣٤) و (٣٣٥) و (الآجريّ) في "الشريعة" (١٧١) و (البيهقيّ) في "الاعتقاد" (٨٦) و (٨٧) و (البغويّ) في "السنّة" (٧٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو وجوب الإيمان بالقدر.
٢ - (ومنها): جوازُ القعود عند القبور، والتحدث عندها بالعلم والموعظة، وقال المهلب: نَكْتُهُ الأرض بالْمِخْصرة أصل في تحريك الإصبع في التشهد، نقله ابن بطال، وهو بعيد، وإنما هي عادة لمن يتفكر في شيء يستحضر معانيه، فيحتمل أن يكون ذلك تفكرا منه ﷺ في أمر الآخرة بقرينة حضور الجنازة، ويحتمل أن يكون فيما أبداه بعد ذلك
стр. 1024
لأصحابه من الحكم المذكورة، ومناسبته للقصة أن فيه إشارةً إلى التسلية عن الميت بأنه مات بفراغ أجله.
٣ - (ومنها): أن هذا الحديث أصل لأهل السنة في أن السعادة والشقاء بتقدير الله القديم.
٤ - (ومنها): أن فيه رَدًّا على الجبرية؛ لأن التيسير ضد الجبر؛ لان الجبر لا يكون إلا عن كره، ولا يأتي الإنسان الشيء بطريق التيسير إلا كاره له.
٥ - (ومنها): أن أفعال العباد، وإن صدرت عنهم، لكنها قد سبق علم الله بوقوعها بتقديره، ففيها بطلان قول القدرية صريحًا.
٦ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على إمكان معرفة الشقي من السعيد في الدنيا، كمن اشتَهَر له لسان صدق وعكسه؛ لأن العمل أمارة على الجزاء على ظاهر هذا الخبر.
ورُدَّ بما تقدم في حديث ابن مسعود ﵁، وأن هذا العمل الظاهر قد ينقلب لعكسه على وفق ما قُدَّرَ.
والحق أن العمل علامةٌ وأمارةٌ، فيحكم بظاهر الأمر، وأمرُ الباطن إلى الله تعالى.
قال الطيبيّ نقلًا عن الخطابي: إن قول الصحابيّ هذا مطالبة بأمر يوجب تعطيل العبوديّة، فلم يُرخّص ﷺ له، وذلك أن إخبار الرسول ﷺ عن سابق الكتاب، إخبار عن غيب علم الله تعالى فيهم، وهو حجة عليهم، فرام القوم أن يتخذوه حجة لأنفسهم في ترك العمل، فأعلمهم النبيّ ﷺ أن هنا أمرين محُكَمين، أحدهما لا يُبْطِلُ الآخر، باطن، وهو الحكمة الموجبة في حكم الربوبية، وظاهر، وهو السمة اللازمة في حق العبودية، وهو أمارة ومُخَيَّلةٌ، غير مفيدة حقيقة العلم، ويشبه أن يكون -والله أعلم- إنما عوملوا بهذه المعاملة، وتُعُبِّدوا بهذا التعبّد؛ ليتعلّق خوفهم ورجاؤهم بالباطن، وذلك من صفة الإيمان، وبَيَّنَ ﷺ لهم أن كلا ميسر لما خُلق له، وأن عمله في العاجل دليلُ مصيره في الآجل، وتلا قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٥ - ٨] وهذه الأمور في حكم الظاهر،
стр. 1025
ومن وراء ذلك حكم الله تعالى فيهم، وهو الحكيم الخبير: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
واطلب نظير ذلك من أمرين: الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب، والأجل المضروب مع المعالجة بالطبّ، فإنك تجد المعتبر فيهما علّة موجبة، والظاهر البادي سببًا مُخيّلا، وقد اصطلح الناس خواصهم وعوامهم على أن الظاهر منها لا يُترك بالباطن. انتهى (١).
وقال الخطابيّ في "معالم السنن": هذا الحديث إذا تأملته أصبت منه مما يتخالج في الضمير من أمر القدر، وذلك أن القائل: "أفلا نتكل، وندع العمل" لم يترك شيئًا مما يَدخُل في أبواب المطالبات والأسئلة الواقعة في التجويز والتعديل إلا وقد طالب به، وسأل عنه، فأعلمه رسول الله ﷺ أن القياس في هذا الباب متروك، والمطالبة عليه ساقطة، وأنه لا يشبه الأمور المعلومة التي قد عُقلت معانيها، وجَرَت معاملات البشر فيما بينهم عليها، وأخبر أنه إنما أمرهم بالعمل ليكون أمارة في الحال العاجلة لما يصيرون إليه في الحال الآجلة، فمن تيسّر له العمل الصالح كان مأمولًا له الفوز، ومن تيسّر له العمل الخبيث كان مخوفًا عليه الهلاك.
وهذه أمارات من جهة العلم الظاهر، وليست بموجبات، فإن الله طَوَى علم الغيب عن خلقه، وحجبهم عن دَرْكه، كما أخفى عنهم أمر الساعة، فلا يَعلَم أحد متى إِبّانُ قيامها، ثم أخبر على لسان رسوله ﷺ بعض أماراتها وأشراطها، فقال: "من أشراط الساعة أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان"، ومنها كيت وكيت. انتهى كلام الخطابيّ ببعض تصرّف (٢).
وقال غيره وجه الانفصال عن شبهة القدرية أن الله أمرنا بالعمل، فوجب علينا
стр. 1026
الامتثال، وغيّب عنّا المقاديرَ لقيام الحجة، ونَصَبَ الأعمالَ علامةً على ما سبق في مشيئته، فمن عَدَلَ عنه ضَلَّ وتاه؛ لأن القدر سر من أسرار الله، لا يَطَّلِع عليه إلا هو، فإذا أدخل أهل الجنةِ الجنةَ، كشف لهم عنه حينئذ (١). والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٧٩ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ، وَأَحَبُّ إِلَى اللَّه مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِص عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ، فَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّه، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ "لَوْ" تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد الحافظ الثبت [١٠] تقدم في ١/ ١.
٢ - (عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ) المذكور في الحديث الماضي.
٣ - (عَبْدُ اللَّه بْنُ إِدْرِيسَ) الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقيه عابدٌ [٨] تقدّم ٧/ ٥٢.
٤ - (رَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ) بن ربيعة بن عبد الله بن الْهُدَير التيميّ، أبو عثمان المدني، صدوقٌ له أوهامٌ [٦].
أرسل عن سهل بن سعد، وروى عن زيد بن أسلم، وعامر بن عبد الله بن الزبير، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، وابن المنكدر، ونافع، وهشام بن عروة.
стр. 1027
وروى عنه ابن عجلان، وهو من أقرانه، وابن المبارك، وابن إدريس، وابن أبي فُديك، ووكيع، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: إلى الصدق ما هو، وليس بذاك القوي. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، يُكتب حديثه. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد عن الواقدي: وكان ثقةً، قليل الحديث، وكان فيه عسر. وقال ابن وَضّاح: سمعت ابن نمير يقول: ربيعة بن عثمان ثقة. وقال مسعود السجزي عن الحاكم: كان من ثقات أهل المدينة، ممن يُجمَع حديثه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: أمه أم يحيى بنت المنكدر.
وقال الواقدي: مات سنة (١٥٤)، وهو ابن سبع وسبعين سنة، وكذا أرخه ابن حبان في "الثقات".
أخرج له مسلم، والنسائيّ في "عمل اليوم والليلة"، والمصنّف، وله عندهم هذا الحديث فقط. ووقع له ذكر في "صحيح البخاري" ضمنًا في أَثَرٍ عَلّقَه.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) -بفتح المهملة، وتشديد الموحّدة- ابن مُنْقِذ بن عمرو بن مالك بن خنساء بن مَبْذُول بن عمرو بن غَنْم بن مازن بن النجار الأنصاري المازنيّ، أبو عبد الله الأنصاريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٤].
روى عن أبيه، وعمه واسع، ورافع بن خَديج، وأنس، وعَبّاد بن تميم، ويحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري، والأعرج، وعمرو بن سليم الزُّرَقي، وغيرهم.
وروى عنه الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد ربه بن سعيد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وربيعة بن عثمان التيمي، وابن عجلان، وابن إسحاق، ومالك، وآخرون.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الواقدي: كانت له حلقة في مسجد المدينة، وكان يفتي، وكان ثقة، كثير الحديث، مات بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومائة، وهو ابن أربع وسبعين سنة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
стр. 1028
٦ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ثقة ثبتٌ عالم بالأنساب والعربيّة [٣].
روى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وعبد الله بن مالك ابن بُحينة، وابن عباس، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومعاوية بن أبي سفيان، وخلق كثير.
وروى عنه زيد بن أسلم، وصالح بن كيسان، والزهري، وأبو الزبير، ويحيى بن سعيد، وربيعة، وموسى بن عقبة، وعمرو بن أبي عمرو، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، وأيوب، وجعفر بن ربيعة، وسعد بن إبراهيم، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، وغيرهم.
وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. وقال المُقَدَّميُّ: سئل ابن المديني عن أعلى أصحاب أبي هريرة، فبدأ بابن المسيب، وذكر جماعة، قيل له: فالأعرج؟ قال: دون هؤلاء، وهو ثقة. وقال العجلي: مدني تابعيّ ثقة. وقال أبو زرعة، وابن خِرَاش ثقة. وقال ابن عيينة: قال أبو إسحاق: قال أبو صالح، والأعرج: ليس أحد يُحدّث عن أبي هريرة إلا علمنا أصادق هو أم كاذب. وقال ابن حبان في "الثقات": كنيته أبو داود. وقد قيل: أبو حازم. وقد قيل: إن اسم أبيه كيسان، فقال غندر: ثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، ثنا عبد الرحمن بن كيسان الأعرج. وقال الحاكم أبو أحمد: عبد الرحمن بن هُرْمز، ويقال: كيسان. وقال الداني: رَوَى عنه القراءة عَرْضًا نافع بن أبي نُعَيم. وقال ابن لَهِيعة عن أبي النضر: كان الأعرج عالمًا بالأنساب والعربية.
قال ابن يونس وغير واحد: مات بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة. وقال الفلاس وغيره: مات سنة (١١) وهو وَهَمٌ، والأصح الأول.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٧) حديثًا.
٧ - (أبو هريرة) ﵁ تقدّم في ١/ ١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه عليّ بن محمد، فإنه من أفراده
стр. 1029
والنسائي في "مسند عليّ"، وهو ثقة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين من ربيعة، والباقون كوفيون.
٤ - (ومنها): ربيعة، ومحمد بن يحيى، والأعرج هذا أول محل ذكرهم من الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لمحمد (١١) حديثًا، وللأعرج (٤٧) حديثًا، ولربيعة هذا الحديث فقط.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ محمد بن يحيى عن الأعرج.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ) القادر على تكثير الطاعة، وهو مبتدأ خبره قوله (خَيْرٌ) وقوله: (وَأَحَبُّ إِلَى اللَّه) عطفٌ تفسير لـ "خير" (مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ) متعلّق بـ "أحبّ": أي العاجز عن تكثير الطاعة.
وقال النوويّ ﵀: المراد بالقوة هنا عزيمةُ النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدوّ في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه، وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمةً في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاقّ في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها، ومحافظةً عليها، ونحو ذلك. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: المؤمن القويّ البدن والنفس الماضي العزيمة الذي يصلح للقيام بوظائف العبادات من الصوم، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على ما يُصيبه في ذلك، وغير ذلك مما يقوم به الدين، وتنهَض به كلمة المسلمين، فهذا هو الأفضل والأكمل، وأما من لم يكن كذلك من
стр. 1030
المؤمنين، ففيه خيرٌ من حيث كان مؤمنًا، قائمًا بالصلوات، مكثّرًا لسواد المسلمين، ولذلك قال ﷺ : "وفي كلّ خيرٌ"، لكنه قد فاته الحظّ الأكبر، والقام الأفخر. انتهى (١).
وقال الطيبيّ ﵀: قيل: أراد بالمؤمن القويّ الذي قوي في إيمانه، وصَلُب في إيقانه بحيث لا يرى الأسباب، ووثق بمسبّب الأسباب، والمؤمن الضعيف بخلافه، وهو أدنى مراتب الإيمان. قال: ويمكن أن يُذهَب إلى اللفّ والنشر، فيكون قوله: "احرص على ما ينفعك" بيانًا للقويّ، وقوله: "ولا تعجز" بيانًا للضعيف. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "لا يرى الأسباب" إن أراد أنه لا يعتمد على الأسباب، فمسلّم، وإن أراد أنه لا يأخذ بالأسباب أصلًا، فهذا لا مدح فيه؛ لأنه خلاف هدي النبيّ ﷺ ، فإنه ﷺ كان يأخذ بالأسباب، ويحثّ عليه، وهو سيّد المتوكلين.
وبالجملة فالواجب على العبد أن يأخذ بالأسباب، ولا يعتمد عليها، بل يعتمد على الله . والله تعالى أعلم.
وقال القاري ﵀: قيل: المراد بالمؤمن القويّ الصابر على مخالطة الناس، وتحمّل أذيّتهم، وتعليمهم الخير، وإرشادهم إلى الهدى، ويؤيّده ما أخرجه أحمد وغيره، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "المؤمن الذي يُخالط الناس، ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يُخالط الناس، ولا يَصْبر على أذاهم" (٣).
(وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ) أي في كلّ من المؤمن القويّ والمؤمن الضعيف أصل الخير موجود؛ لاشتراكهما في الإيمان مع ما يأتي به الضعيف من العبادات.
(احْرِصْ) بكسر الراء، وفتحها، وضمّها: أمرٌ من حرَص يحرِص، من باب ضرب، وسمع، ونصر.
стр. 1031
[تنبيه]: اختُلِف في اشتقاق الحرص -بكسر، فسكون- وهو الْجَشَعُ، فقيل: مشتقّ من حَرَصَ القصارُ الثوبَ: إذا قشره بدقّه، وهذا قول الراغب، وقال الأزهريّ: أصلُ الحرص الشقّ، وقيل للشَّرِهِ حريصٌ؛ لأنه يقشر بحرصه وجوهَ الناس. وقيل: هو مأخوذ من السحابة الحارصة التي تقشر وجه الأرض، كأن الحارص ينال من نفسه بشدّة اهتمامه بتحصيل ما هو حريصٌ عليه، وهذا قول صاحب "الاقتطاف"، وقد نقله محمد بن الطيب الفاسي في شرح "القاموس"، واستبعده (١).
(عَلَى مَا يَنْفَعُكَ) أي من أمور الدين (وَاسْتَعِنْ بِاللَّه) أي على فعلك، فإنه لا حول ولا قوّة إلا بالله (وَلَا تَعْجَزْ) بكسر الجيم، وفتحها، من بابي ضرب، وسمع، قاله في "القاموس".
والمعنى: لا تعجز عن الحرص، والاستعانة بالله، فإن الله قادرٌ على أن يُعطيك قوّة على طاعته، إذا استقمت على استعانته. وقيل: معناه: لا تعجز عن العمل بما أُمرت به، ولا تتركه مقتصرًا على الاستعانة به، فإن كمال الإيمان أن يجمع بينهما (٢).
وقال النوويّ: معناه: احرص على طاعة الله تعالى، والرغبة فيما عنده، واطلب الإعانة من الله تعالى على ذلك، ولا تعجز، ولا تَكْسِل عن طلب الطاعة، ولا عن طلب الإعانة. انتهى.
وقال القرطبيّ: أي استعمل الحرص، والاجتهاد في تحصيل ما تنتفع به في أمر دينك ودنياك التي تستعين بها على صيانة دينك، وصيانة عيالك، ومكارم أخلاقك، ولا تُفرّط في طلب ذلك، ولا تتعاجز عنه متّكلًا على القدَر، فتُنسَبَ للتقصير، وتلام على التفريط شرعًا وعادةً، ومع إنهاء الاجتهاد نهايته، وإبلاع الحرص غايته، فلا بُدّ من الاستعانة بالله، والتوكّل عليه، والالتجاء في كلّ الأمور إليه، فمن سلك هذين
стр. 1032
الطريقين حصل على خير الدارين. انتهى (١).
(فَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ) أي من المكروه الدينيّ، أو الدنيويّ، وفي الرواية الآتية في "كتاب الزهد" من طريق ابن عجلان عن الأعرج: "فإن غلبك أمرٌ" (فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا) "لو" شرطيّة، وجوابها مقدّر: أي لما أصابني ذلك الشيء، فإن هذا القول غير سديد، ومع هذا فإنه غير مفيد، فإن الله جلّ شأنه قال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، وقال ﷺ : "ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك"، وقال : ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣].
ويحتمل أن تكون للتمنّي، فلا تحتاج إلى تقدير جواب، والوجه الأول أولى؛ لأنه يؤيّده رواية مسلم بلفظ: "لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا".
وقال الطيبيّ: أي لو كان الأمر لي، وكنت مستبدّا بالفعل والترك كان كذا وكذا، وفيه تأسّف على الفائت، ومنازعة للقدر، وإيهام بأن ما يفعله باستبداده، ومقتضى رأيه خير مما ساقه القدر إليه، من حيث إن "لو" تدلّ على انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيما مضى، ولذلك استكرهه، وجعله يفتح عمل الشيطان. انتهى (٢).
(وَلَكِنْ قُلْ) أي بلسان القال، أو بلسان الحال. قاله القاري (قَدَّرَ اللَّه) بتشديد الدال، ويجوز تخفيفها بصيغة الفعل الماضي: أي قل: قدّر الله عليّ ذلك، أي وقع ذلك بمقتضى قضائه، وعلى وفق قدره، ويجوز كونه بصيغة المصدر، مضافا إلى لفظ الجلالة، وهو مرفوع على أنه خبر لمحذوف: أي هذا قَدَرُ الله تعالى، والوجه الأول أولى؛ ليتناسب مع قوله: (وَمَا شَاءَ فَعَلَ) أي ما شاء الله تعالى فعلَهُ فعله، فإنه فعّال لما يريد، ولا رادّ لقضائه، ولا معَقّب لحكمه (فَإِنَّ "لَوْ") الفاء للتعليل: أي إن كلمة "لو"، وفي رواية ابن عجلان الآتية: "وإياك واللّوّ، فإن "اللّوّ" تفتح عمل الشيطان".
стр. 1033
[تنبيه]: إنما دخلت "ال" على "لو" في هذه الرواية؛ لأنها أُريد لفظها، فاستُعملت استعمال الأسماء، وهذه قاعدة عامّة في كل ما أريد لفظه، سواء كان حرفًا، أو غيره، قال ابن مالك ﵀ في "شرح الكافية": وإذا نُسب إلى حرف أو غيره حكمٌ هو للفظه دون معناه جاز أن يُحكى، وجاز أن يُعرب بما يقتضيه العوامل، فمن الحكاية قول النبيّ ﷺ : "إياك و"لو"، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
بُثَيْنُ الْزَمِي "لا" إِنَّ "لا" إِنْ لَزِمْتِهِ ... عَلَى كَثْرَةِ الْوَاشِينَ أَيُّ مَعُونِ
ومن الإعراب قول الشاعر [من الخفيف]:
لَيْتَ شِعْرِي وَأَيْنَ مِنِّي "لَيْتٌ" ... إِنَّ "لَوًّا" وَإِنَّ "لَيْتًا" عَنَاءُ
وفي حديث رسول الله ﷺ : "ونهاكم عن قِيلَ وقَالَ" على الحكاية، و"عن قيل وقالٍ" على الإعراب.
وإذا كانت الكلمة على حرفين ثانيهما حرف لين، وجُعلت اسمًا ضُعِّف ثانيهما، فقيل في "لَوْ": "لَوٌّ"، وفي "في": فِيٌّ، وفي "ما": "ماءٌ"، فُعِل بألف "ما" من التضعيف ما فُعِل بواو "لو"، وياء "في"، فاجتمعت ألفان، فقُلبت الثانية همزةً.
ثم إنّ الأداة التي يُحكم لها بالاسميّة في هذا الاستعمال إن أُوّلت بـ "كلمة" مُنِعَ الصرف، وجاز أيضًا إن كانت ثُلاثيّة ساكنة الوسط، وإن أُوّلت بـ"لفظ" صُرِفت قولًا واحدًا.
وإلى هذا أشار في "الكافية" بقوله:
وَإِنْ نَسَبْتَ لأَدَاةٍ حُكْمَا ... فَابْنِ أَوَ اعْرِبْ وَاجْعَلَنَّهَا اسْمَا
وَضَعِّفَنْ ثَانِيَ "في" وَ"لَوْ" و"مَا" ... وشِبْهِهَا وَإِنْ نَويتَ الْكَلِمَا
فَأَنِّثَنْ وَذَكِّرِ أنْ لَفْظٌ قُصِدْ ... وَصَرْفٌ أوْ مَنْعٌ عَلَى ذَيْنِ يَرِدْ
انتهى كلام ابن مالك رحمه الله تعالى (١).
وقوله: (تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) أي تُلقي في القلب معارضة القدر، ويوسوس به
стр. 1034
الشيطان.
قال القرطبيّ ﵀: يعني أن الذي يتعيّن بعد وقوع المقدور التسليم لأمر الله، والرضا بما قدّر الله تعالى، والإعراض عن الالتفات لما مضى وفات، فإن افتكر فيما فاته من ذلك، وقال: لو أني فعلتُ كذا لكان كذا جاءته وساوس الشيطان، ولا تزال به حتى تُفضي به إلى الخسران؛ لتعارض توهّم التدبير سابق المقادير، وهذا هو عَمَلُ الشيطان الذي نَهَى عنه النبيّ ﷺ بقوله: "فلا تقل: لو، فإن لو تفتح عمل الشيطان"، ولا يُفهم من هذا أنه لا يجوز النطقُ بـ "لو" مطلقًا، إذ قد نطق بها النبيّ ﷺ ، فقال: "لو أني استقبلتُ ما استدبرتُ لم أسُق الهدي، ولجعلتها عمرةً"، متّفقٌ عليه، و"لو كنت راجمًا أحدًا بغير بيّنة لرجمتُ هذه"، متّفقٌ عليه، وقال أبو بكر ﵁: "لو أن أحدهم نظر إلى رجليه لرآنا"، ومثله كثير؛ لأن محل النهي عن إطلاقها إنما هو فيما إذا أُطلقت في معارضة القَدَر، أو مع اعتقاد أن ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور، فأما لو أخبر بالمانع على جهة أن تتعلّق به فائدة في المستقبل، فلا يُختلَف في جواز إطلاقه؛ إذ ليس في ذلك فتحٌ لعمل الشيطان، ولا شيء يُفضي إلى ممنوع ولا حرام. انتهى كلام القرطبيّ (١)، وهو نفيس جدّا. والله تعالى أعلم.
وقال القاضي عياض ﵀: قال بعض العلماء: هذا النهي إنما هو لمن قاله معتقدًا ذلك حتمًا، وأنه لو فَعَل ذلك لم تُصبه قطعًا، فأما من رَدّ ذلك إلى مشيئة الله تعالى بأنه لن يصيبه إلا ما شاء الله، فليس من هذا، واستَدَلَّ بقول أبي بكر الصديق ﵁ في الغار: "لو أن أحدهم رفع رأسه لرآنا".
قال القاضي: وهذا لا حجة فيه؛ لأنه إنما أخبر عن مُستَقبَلٍ، وليس فيه دعوى لردّ قدر بعد وقوعه، قال: وكذا جميع ما ذكره البخاري في "باب ما يجوز من اللَّوّ"، كحديث: "لولا حِدْثانُ عهد قومك بالكفر، لأتممت البيت على قواعد إبراهيم"،
стр. 1035
و"لو كنت راجما بغير بينة لرجمت هذه"، و"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك"، وشبه ذلك فكله مستقبل لا اعتراض فيه على قدر، فلا كراهة فيه؛ لأنه إنما أخبر عن اعتقاده فيما كان يَفعَل لولا المانع، وعما هو في قدرته، فأما ما ذهب فليس في قدرته.
قال القاضي: فالذي عندي في معنى الحديث أن النهي على ظاهره وعمومه، لكنه نهي تنزيه، ويدل عليه قوله ﷺ : "فإن "لو" تفتح عمل الشيطان". انتهى.
قال النوويّ بعد نقل كلام القاضي: ما نصّه: وقد جاء من استعمال "لو" في الماضي قوله ﷺ : "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي"، وغير ذلك، فالظاهر أن النهي إنما هو عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه، فيكون نهيَ تنزيه لا تحريم، فأما من قاله تأسفًا على ما فات من طاعة الله تعالى، أو ما هو متعذر عليه من ذلك، ونحو هذا، فلا بأس به، وعليه يُحمَل أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). وهو بحثٌ نفيس جدّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (١٠/ ٧٩) بهذا السند، وأعاده في "كتاب الزهد" (٤١٦٨) عن محمد بن الصبّاح، عن سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه (مسلم) في "القدر" (٦٧١٦) و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٦٢٢) و (٦٢٣) و (٦٢٤) و (٦٢٥) و (أحمد) في "مسنده" ٢/ ٣٦٦ و ٣٧٠ و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٧٢٢) وابن أبي عاصم في "السنّة" (٣٥٦)
стр. 1036
و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢٦٢) و (البيهقيّ) في "السنن" ١٠/ ٨٩ وفي "الأسماء والصفات" ١/ ٢٦٣. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الدكتور بشّار عوّاد في تحقيقه لهذا الكتاب: سيأتي في الرقم (٤١٦٨) من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن الأعرج، أخرجه النسائيّ في "عمل اليوم والليلة" (٦٢١) وابن حبان (٥٧٢١) والطحاويّ في "شرح مشكل الآثار" (٢٥٩) وهو إسناد ضعيف؛ لأن ابن عجلان دلّسه عن الأعرج، فقد رواه أحمد ٢/ ٣٦٦ و ٣٧٠ والنسائيّ في "عمل اليوم والليلة" (٦٢٣) و (٦٢٤) والطحاويّ في "شرح المشكل" (٢٦٠) و (٢٦١) من طريق ابن المبارك، عن ابن عجلان، عن ربيعة به، انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "وهو إسناد ضعيف" فيه نظر لا يخفى، بل هو إسناد صحيح، وما ادّعاه من التدليس لا يستلزم الضعف؛ لأنه تبيّن أنه دلّسه عن الثقة، فإن ربيعة وثقه جماعة، كابن معين، وابن نمير، وابن سعد، وغيرهم، ومن المعروف في اصطلاح المحدثين أن من تبيّن تدليسه عن ثقة يُقبل تدليسه، فراجع كتب المصطلحات في باب التدليس، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان وجوب الإيمان بالقدر.
٢ - (ومنها): بيان فضل المؤمن القويّ على غير القويّ؛ لأنه ينفع نفسه، وينفع المؤمنين.
٣ - (ومنها): بيان فضل الإيمان، وإن كان صاحبه ضعيفًا.
٤ - (ومنها): الحثّ على الحرص على تحصيل ما ينفع المؤمن من خير الدنيا والآخرة، وعدم التواني في طلب ذلك.
٥ - (ومنها): الحثّ على الاستعانة بالله في تحقيق ما يريده؛ لأن مجرّد الحرص لا يُجدي شيئًا إلا بعون من الله تعالى على حصوله، بل يكون حرصه وبالًا عليه، ولقد
стр. 1037
أحسن من قال، وأجاد في المقال [من الطويل]:
إِذَا كَانَ عَوْنُ الله لِلْمَرْءِ مُسْعِفَا ... تَهَيَّا لَهُ في كُلِّ أَمْرٍ مُرَادُهُ
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ الله لِلْفَتَى ... فَأَوَّلُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ
٦ - (ومنها): ذمّ العجز، والتواني في طلب المنافع.
٧ - (ومنها): أنه إذا وقع بعد حرصه على طلب ما ينفعه خلاف مطلوبه، لا ينبغي له التأسّف، وقولُ "لو أني فعلتُ كذا كان كذا" تسخّطًا لقدر الله تعالى، بل الواجب أن يستسلم لقضائه وقدره، ولا يتسخّط؛ لأن الله أعلم بمصالح عباده، فربما يكون عكس ما حرص عليه خيرًا إما في الدنيا، وإما في الآخرة، قال الله : ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، بل الواجب عليه حينئذ أن يقول: "قدّر الله، وما شاء فعل".
٨ - (ومنها): أن قول العبد "لو فعلت كذا" يفتح عليه باب الشيطان؛ إذ يحمله على تسخّط ما قدر الله تعالى عليه، والتبرّم منه، وعدم الرضا بالقضاء، وسوء الظنّ بربه ، وكلها من نزغات الشيطان، فلا ينبغي للعبد أن يفتح بابها؛ إذ يخسر دنياه وآخرته، نسأل الله أن يجعلنا من عباده الذين قال فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ الآية [الحجر: ٤٢] وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٨٠ - (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى ﵉، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا آدَمُ انتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا، وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الجنَّةِ بِذَنْبِكَ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّه بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ
стр. 1038
التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ، قَدَّرَهُ اللَّه عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ثَلَاثًا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ) الدمشقيّ، صدوق كبر، فصار يتلقّن، من كبار [١٠] ١/ ٥.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ) المدنيّ، نزيل مكة، صدوق ربما وهم [١٠] ١/ ٩.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحجة الثبت المكيّ [٨] تقدّم في ٢/ ١٣.
٤ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الجُمَحِيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبتٌ [٤].
روى عن ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وأبي الطفيل، والسائب بن يزيد، وجماعة.
وروى عنه قتادة، ومات قبله، وأيوب، وابن جريج، وجعفر الصادق، ومحمد بن جُحَادة، ومالك، وشعبة، وداود بن عبد الرحمن العطار، ورَوْح بن القاسم، وجماعة.
قال محمد بن علي الْجُوزَجَاني، عن أحمد بن حنبل: كان شعبة لا يُقَدِّم على عمرو ابن دينار لا الحَكَمَ، ولا غيرَهُ -يعني في التثبت-. وقال ابن المديني، عن ابن مهديّ، عن شعبة مثل ذلك. وقال نعيم بن حماد: سمعت ابن عيينة يذكر عن ابن أبي نَجِيح قال: ما كان عندنا أحد أفقه، ولا أعلم من عمرو بن دينار، زاد غيره: لا عطاء، ولا مجاهد، ولا طاوس. وقال الحميدي وغيره، عن سفيان: قلت لمسعر: مَنْ رأيت أشد إتقانا للحديث؟ قال: عمرَو بنَ دينار، والقاسمَ بنَ عبد الرحمن. وقال إسحاق بن إسماعيل، عن سفيان: قالوا لعطاء: بمن تأمرنا؟ قال: بعمرو بن دينار. وقال عبد الرحمن بن الحكم عن ابن عيينة: ثنا عمرو بن دينار، وكان ثقة ثقة، وحديث أسمعه من عمرو أحب إلي من عشرين حديثًا من غيره. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وقال ابن عيينة، وعمرو بن جرير: كان ثقة ثبتًا كثير الحديث، صدوقًا عالمًا، وكان مفتي أهل مكة في زمانه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: جاوز
стр. 1039
السبعين.
قال أحمد: مات سنة (٥) أو (١٢٦).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٩) حديثًا.
٥ - (طاوس) بن كيسان الحميريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليماني، ثقة فقيه فاضل [٣] تقدّم في ٣/ ٢٧.
٦ - (أبو هريرة) رضي الله تقدّم في ١/ ١. والله تعالى أعلم؟
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه يعقوب، فإنه من أفراده.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات المكيين إلى عمرو بن دينار، غير شيخه هشام، فدمشقيّ، وأما طاوس فيمنيّ، وأبو هريرة ﵁ فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عمرو عن طاوس.
٥ - (ومنها): أن عمرو بن دينار هذا أول محل ذكره في هذا الكتاب، وجملة ما روى له المصنّف فيه (٥٩) حديثًا كما مرّ آنفًا.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحد المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) وقال البخاريّ: حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدثنا سفيان قال: حَفِظناه من عمرو ... ووقع في "مسند الحميديّ" عن سفيان حدثنا عمرو بن دينار (سَمِعَ طَاوُسًا) اليمانيّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى ﵉ أي اختصما، وفي رواية همام، ومالك: "تحاجّ"، وهي أوضح، وفي رواية أيوب ابن النجار، ويحيى بن كثير: "حج آدم وموسى"، وعليها شرح الطيبي، فقال: معنى قوله: "حج آدم وموسى": غلبه بالحجة، وقوله بعد ذلك: "قال موسى: أنت آدم الخ" توضيح لذلك، وتفسير لما أُجمِل، وقوله في آخره: "فحج
стр. 1040
آدم موسى" تقرير لما سَبَقَ، وتأكيد له، وفي رواية يزيد بن هرمز: "عند ربهما"، وفي رواية محمد بن سيرين: "التقى آدم وموسى"، وفي رواية عمار، والشعبي: "لقى آدم موسى"، وفي حديث عمر: "لقي موسى آدم" كذا عند أبي عوانة، وأما أبو داود فلفظه: "قال موسى: يا رب أرني آدم".
وقد اختَلَفَ العلماء في وقت هذا اللفظ، فقيل: يحتمل أنه في زمان موسى ﵇، فأحيا الله له آدم معجزة له، فكلمه، أو كُشِف له عن قبره، فتحدثا، أو أراه الله روحه كما أُري النبي ﷺ ليلة المعراج أرواح الأنبياء، أو أراه الله له في المنام، ورؤيا الأنبياء وحي، ولو كان يقع في بعضها ما يَقبَل التعبير، كما في قصة الذبيح، أو كان ذلك بعد وفاة موسى، فالتقيا في البرزخ أول ما مات موسى، فالتقت أرواحهما في السماء، وبذلك جزم ابن عبد البر والقابسي، وقد وقع في حديث عمر: "لمّا قال موسى: أنت آدم؟ قال له: من أنت؟ قال: أنا موسى، وأن ذلك لم يقع بعدُ، وإنما يقع في الآخرة، والتعبير عنه في الحديث بلفظ الماضي لتحقق وقوعه.
وذكر ابن الجوزي احتمال التقائهما في البرزخ، واحتمال أن يكون ذلك ضرب مثل، والمعنى لو اجتمعا لقالا ذلك، وخص موسى بالذكر؛ لكونه أول نبي بُعث بالتكاليف الشديدة، قال: وهذا وإن احتمل لكن الأول أولى، قال: وهذا مما يجب الإيمان به؛ لثبوته عن خبر الصادق، وإن لم يُطَّلَع على كيفية الحال، وليس هو بأول ما يجب علينا الإيمان به، وإن لم نَقِف على حقيقة معناه، كعذاب القبر ونعيمه، ومتى ضاقت الحيل في كشف المشكلات، لم يبق إلا التسليم.
وقال ابن عبد البر: مثل هذا عندي يجب فيه التسليم، ولا يوقف فيه على التحقيق، لأنا لم نُؤْتَ من جنس هذا العلم إلا قليلًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن الجوزيّ، وابن عبد البرّ من وجوب التسليم لهذا الخبر، وإن لم نعلم كيفية الحال، هو الحق الأبلج، والطريق الأبهج، وما عده من التأويلات التي مرّت فيما لا ينبغي الالتفات إليها؛ إذ هي مجرّد تخمين
стр. 1041
وظنون، ليس عليها أثارة من علم، فعليك بالاستسلام، ولا تتهوّر باتباع الأوهام، لعلك تلقى ربك بلا ملام. والله الهادي إلى سواء السبيل.
(فَقَالَ لَهُ) أي لآدم (مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا) وفي رواية يحيى بن أبي كثير: "أنت أبو الناس"، وكذا في حديث عمر، وفي رواية الشعبي: "أنت آدم أبو البشر".
(خَيَّبْتَنَا، وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الجَنَّةِ بِذَنْبِكَ) وفي رواية حميد بن عبد الرحمن: "أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة"، وفي رواية: "أخرجت ذريتك"، وفي رواية: "أنت الذي أغويت الناس، وأخرجتهم من الجنة".
ومعنى: "أغويت": كنت سببًا لِغَواية من غَوَى منهم، وهو سبب بعيد؛ إذ لو لم يقع الأكل من الشجرة، لم يقع الإخراج من الجنة، ولو لم يقع الإخراج ما تسلط عليهم الشهوات والشيطان المسبب عنهما الإغواء، والغي ضد الرشد، وهو الانهماك في غير الطاعة، ويطلق أيضًا على مجرد الخطأ، يقال: غَوَى، من باب ضرب: أي أخطأ صواب ما أُمر به.
وفي رواية أبي سلمة: "أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك"، وعند أحمد من طريقه: "أنت الذي أدخلت ذريتك النار"، والقول فيه كالقول في أغويت، وزاد همام: "إلى الأرض"، وكذا في رواية يزيد بن هرمز: "فأهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض"، وأوله عنده: "أنت الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته"، ومثله في رواية أبي صالح، لكن قال: "ونفخ فيك من روحه"، ولم يقل: "وأسجد لك ملائكته"، ومثله في رواية محمد بن عمرو، وزاد: "وأسكنك جنته"، ومثله في رواية محمد بن سيرين، وزاد: "ثم صنعت ما صنعت"، وفي رواية عمرو بن أبي عمرو، عن الأعرج: "يا آدم خلقك الله بيده، ثم نفخ فيك من روحه، ثم قال لك: كن فكنت، ثم أمر الملائكة فسجدوا لك، ثم قال: لك: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، فنهاك عن شجرة واحدة، فعصيت"، وزاد الفريابي: "وأكلت منها"، وفي رواية عكرمة بن عمار، عن أبي سلمة:
стр. 1042
"أنت آدم الذي خلقك الله بيده"، فأعاد الضمير في قوله: "خلقك" إلى قوله: "أنت"، والأكثر عوده إلى الموصول، فكأنه يقول: خلقه الله، ونحو ذلك ما وقع في رواية الأكثر: "أنت الذي أخرجتك خطيئتك"، وفي حديث عمر بعد قوله: "أنت آدم؟ "، "قال: نعم، قال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه، وعلمك الأسماء كلها، وأمر الملائكة فسجدوا لك؟، قال: نعم، قال: فلم أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ "، وفي لفظ لأبي عوانة: "فواللِّه لولا ما فعلتَ ما دخل أحد من ذريتك النار"، ووقع في حديث أبي سعيد عند ابن أبي شيبة: "فأهلكتنا، وأغويتنا"، وذكر ما شاء الله أن يذكر من هذا.
وهذا يشعر بأن جميع ما ذُكر في هذه الروايات محفوظ، وأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر.
وقوله: "أنت آدم" استفهام تقرير، وإضافة الله خلق آدم إلى يده في الآية إضافة تشريف، وكذا إضافة روحه إلى الله، و"من" في قوله: "من روحه" زائدة على رأي، والنفخ بمعنى الخلق: أي خلق فيك الروح.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "وإضافة الله خلق آدم إلى يده في الآية إضافة تشريف" هكذا قال في "الفتح"، يعني أنه من المجاز، لا من الحقيقة، وفيه نظر، بل الحقّ أنه على ظاهره، وأن لله تعالى يدًا حقيقيّة، تليق بجلاله، لا تشبه يد الخلق، فنحن نثبت ما أثبته لنفسه من اليد والأصابع، والعين، والوجه، ونحو ذلك، من غير تمثيل ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تحريف، وكون الإضافة حقيقية يستفاد منها مع إثبات اليد تشريف آدم وذريته، حيث خلقه الله بيده. فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد، والله الهادي إلى سواء السبيل.
ومعنى قوله: "أخرجتنا": كنت سبببا لإخراجنا، كما تقدم تقريره.
وقوله: "أغويتنا، وأهلكتنا" من إطلاق الكل على البعض، بخلاف "أخرجتنا" فهو على عمومه.
ومعنى قوله: "أخطأت، وعصيت" ونحوهما: فعلتَ خلاف ما أُمرت به. وأما
стр. 1043
قوله: "خيبتنا" بالخاء المعجمة، ثم الموحدة، من الخيبة، فالمراد به الحرمان، وقيل: هي كـ "أغويتنا" من إطلاق الكل على البعض، والمراد من يجوز منه وقوع المعصية، ولا مانع من حمله على عمومه، والمعنى أنه لو استمر على ترك الأكل من الشجرة، لم يخرج منها، ولو استمر فيها لوُلِد له فيها، وكان ولده سكان الجنة على الدوام، فلما وقع الإخراج، فات أهلَ الطاعة من ولده استمرار الدوام في الجنة، وإن كانوا إليها ينتقلون، وفات أهل المعصية تأخر الكون في الجنة مدة الدنيا، وما شاء الله من مدة العذاب في الآخرة، إما مؤقتا في حق الموحدين، وإما مستمرا في حق الكفار، فهو حرمان نسبي.
(فَقَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّه بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ) وفي رواية: "أنت موسى الذي أعطاك الله علم كل شيء، واصطفاك على الناس برسالته"، وزاد في رواية: "وقرّبك نجيا، وأعطاك الألواح فيها بيان كل شيء"، وفي رواية: "اصطفاك الله برسالته، واصطفاك لنفسه، وأنزل عليك التوراة"، ووقع في رواية "فقال: نعم"، وفي حديث عمر: قال: أنا موسى، قال: نبي بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: أنت الذي كلمك الله من وراء حجاب، ولم يجعل بينك وبينه رسولًا من خلقه؟ قال: نعم".
(أتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ، قَدَّرَهُ اللَّه عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً) قال في "الفتح": وفي رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: "فكيف تلومني على أمر كتبه الله، أو قدره الله عليّ؟ "، ولم يذكر المدة، وثبت ذكرها في رواية طاوس، وفي رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، ولفظه: "فكم تَجِد في التوراة أنه كتب عليّ العمل الذي عملته قبل أن أُخلَق؟ قال: بأربعين سنة، قاك: فكيف تلومني عليه؟، وفي رواية يزيد بن هرمز نحوه، وزاد: "فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ٢٠]؟ قال: نعم.
وكلام ابن عبد البر قد يوهم تفرُّد ابن عيينة عن أبي الزناد بزيادتها، لكنه بالنسبة لأبي الزناد، وإلا فقد ذَكَرَ التقييد ابن عيينة كما ترى، وفي رواية الزهري، عن أبي سلمة عند أحمد: "فهل وجدت فيها -يعني الألواح، أو التوراة- أني أهبط؟ "، وفي رواية الشعبي: "أفليس تجد فيما أنزل الله عليك أنه سيخرجني منها قبل أن يدخلينها؟ قال:
стр. 1044
بلى"، وفي رواية عمار بن أبي عمار: "أنا أقدم أم الذكر؟ قال: بل الذكر"، وفي رواية عمرو ابن أبي عمرو، عن الأعرج: "ألم تعلم أن الله قدّر هذا عليّ قبل أن يخلقني؟ "، وفي رواية ابن سيرين: "فوجدتَهُ كتب عليّ قبل أن يخلقني؟ قال: نعم"، وفي رواية أبي صالح: "فتلومني في شيء كتبه الله عليّ قبل خلقي"، وفي حديث عمر: "قال: فلم تلومني على شيء سبق من الله تعالى فيه القضاء؟، ووقع في حديث أبي سعيد الخدري: "أتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل أن يخلق السماوات والأرض".
ويُجمَع بينه وبين الرواية القيدة بأربعين سنة بحملها على ما يتعلق بالكتابة، وحمل الأخرى على ما يتعلق بالعلم.
وقال ابن التين: يحتمل أن يكون المراد بالأربعين سنة ما بين قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] إلى نفخ الروح في آدم.
وأجاب غيره بأن ابتداء المدة وقت الكتابة في الألواح، وآخرها ابتداء خلق آدم.
وقال ابن الجوزي: المعلومات كلها قد أحاط بها علم الله القديم قبل وجود المخلوقات كلها، ولكن كتابتها وقعت في أوقات متفاوتة، وقد ثبت في "الصحيح" -يعني "صحيح مسلم"-: أن الله قدّر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة"، فيجوز أن تكون قصة آدم بخصوصها كُتبت قبل خلقه بأربعين سنة، ويجوز أن يكون ذلك القدر مدة لبثه طينًا إلى أن نُفخت فيه الروح، فقد ثبت في "صحيح مسلم" أن بين تصويره طينًا، ونفخ الروح فيه كان مدة أربعين سنة، ولا يخالف ذلك كتابة المقادير عمومًا قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
وقال المازري: الأظهر أن المراد أنه كتبه قبل خلق آدم بأربعين عامًا، ويحتمل أن يكون المراد أظهره للملائكة، أو فعل فعلًا ما أضاف إليه هذا التاريخ، وإلا فمشيئة الله وتقديره قديم، والأشبه أنه أراد بقوله: "قدّره الله عليّ قبل أن أُخلق": أي كتبه في التوراة؟ لقوله في الرواية المشار إليها قبلُ: "فكم وجدته كتب في التوراة قبل أن أُخلق؟ ".
وقال النووي: المراد بتقديرها كَتْبُهُ في اللوح المحفوظ، أو في التوراة، أو في
стр. 1045
الألواح، ولا يجوز أن يراد أصل القدر، لأنه أزليّ، ولم يزل الله مريدًا لما يقع من خلقه، وكان بعض شيوخنا يزعم أن المراد إظهار ذلك، عند تصوير آدم طينًا، فإن آدم أقام في طينته أربعين سنة، والمراد على هذا بخلقه نفخ الروح فيه.
قال الحافظ: وقد يعكر على هذا روايةُ الأعمش، عن أبي صالح: "كتبه الله عليّ قبل أن يخلق السماوات والأرض"، لكنه يُحمَل قوله فيه: "كتبه الله على قدّره، أو على تعدد الكتابة؛ لتعدد المكتوب، والعلم عند الله تعالى. انتهى.
(فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) أي غلبه بالحجة، يقال: حاججت فلانًا، فحَجَجْتُهُ، مثل خاصمته فخصمته (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ثَلاثًا) قال في "الفتح": كذا في هذه الطرق ولم يكرر في أكثر الطرق، عن أبي هريرة، ففي رواية أيوب بن النجار كالذي هنا لكن بدون قوله: "ثلاثًا"، وكذا لمسلم من رواية ابن سيرين، وكذا في حديث جندب عند أبي عوانة، وثبت في حديث عمر، بلفظ: "فاحتجا إلى الله، فحج آدم موسى"، قالها ثلاث مرات، وفي رواية عمرو بن أبي عمرو، عن الأعرج: "لقد حجّ آدم موسى، لقد حج آدم موسى، لقد حج آدم موسى"، وفي حديث أبي سعيد عند الحارث: "فحج آدم موسى" ثلاثًا، وفي رواية الشعبي عند النسائي: "فخصم آدم موسى، فخصم آدم موسى".
واتفق الرواةُ، والنَّقَلَة، والشُّرّاح على أن "آدم" بالرفع، وهو الفاعل، وشذ بعض الناس، فقرأه بالنصب، على أنه المفعول، و"موسى" في محل الرفع على أنه الفاعل، نقله الحافظ أبو بكر بن الخاصية، عن مسعود بن ناصر السِّجْزي الحافظ، قال: سمعته يَقْرَأُ: "فحج آدمَ" بالنصب، قال: وكان قدريا.
قال الحافظ: هو محجوج بالاتفاق قبله على أن آدم بالرفع على أنه الفاعل، وقد أخرجه أحمد من رواية الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بلفظ: "فحجه آدم"،
стр. 1046
وهذا يرفع الإشكال، فإن رواته أئمة حفاظ، والزهري من كبار الفقهاء الحفاظ، فروايته هي المعتمدة في ذلك (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (١٠/ ٨٠) و (البخاريّ) (٤/ ١٩٢ و ٦/ ١٢٠ و ١٢١ و (٨/ ١٥٧) و (٩/ ١٨٢) و (مسلم) (٨/ ٤٩ و ٥٠ و٥١) و (الترمذيّ) (٢١٣٤) و (النسائيّ) في "الكبرى" و (مالك) في "الموطإ" (٥٦٠) و (الحميديّ) في "مسنده" (١١١٦) و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦٤ و ٢٦٨ و ٣٣١٤ و ٣٩٢ و ٤٤٨) و (ابن خزيمة) في "التوحيد" (٥٤) و (ابن أبي عاصم) في "السنّة" (١٥٣ و ١٥٤ و١٥٥) و (الآجرّيّ) في "الشريعة" (١٨١ و ٣٢٤) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٢١٠) و (البيهقيّ) في "الأسماء والصفات" (٢٣٢)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر ﵀: هذا الحديث ثابت بالاتفاق، رواه عن أبي هريرة جماعة من التابعين، ورُوي عن النبي ﷺ من وجوه أخرى، من رواية الأئمة الثقات الأثبات.
وقال الحافظ: وقع لنا من طريق عشرة عن أبي هريرة، منهم: طاوس في "الصحيحين"، والأعرج عند مسلم من رواية الحارث بن أبي ذباب، وعند النسائي، عن عمرو بن أبي عمرو كلاهما عن الأعرج، وأبو صالح السمان عند الترمذي، والنسائي، وابن خزيمة، كلهم من طريق الأعمش عنه، والنسائي أيضًا من طريق
стр. 1047
القعقاع بن حكيم عنه.
ومنهم: أبو سلمة بن عبد الرحمن عند أحمد، وأبي عوانة، من رواية الزهري عنه، وقيل: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وقيل: عنه، عن حميد بن عبد الرحمن. ومن رواية أيوب بن النجار، عن أبي سلمة في "الصحيحين" أيضًا. ومن رواية محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة عند ابن خزيمة، وأبي عوانة، وجعفر الفريابي في "القدر". ومن رواية يحيى بن أبي كثير عنه، عند أبي عوانة.
ومنهم: حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة في "الصحيحين" أيضًا.
ومنهم: محمد بن سيرين في "الصحيحين" أيضًا.
ومنهم: الشعبي، أخرجه أبو عوانة، والنسائي.
ومنهم: همام بن منبه، أخرجه مسلم.
ومنهم: عمار بن أبي عمار، أخرجه أحمد.
وممن رواه عن النبي ﷺ : عمرُ عند أبي داود، وأبي عوانة، وجندب بن عبد الله عند النسائي، وأبو سعيد عند البزار، وأخرجه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، والحارث من وجه آخر عنه، وقد أشار إلى هذه الثلاثة الترمذي. انتهى (١).
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان إثبات القدر، ووجوب الإيمان به.
٢ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ﵀: ففيه حجة لأهل السنة في أن الجنة التي أُخرج منها آدم هي جنة الخلد التي وُعد المتقون، ويدخلونها في الآخرة، خلافًا لمن قال من المعتزلة وغيرهم: إنها جنة أخرى، ومنهم من زاد على ذلك، فزعم: أنها كانت في الأرض.
стр. 1048
٣ - (ومنها): أنّ فيه إطلاقَ العموم، وإرادة الخصوص في قوله: "أعطاك علم كل شيء"، والمراد به كتابه النزل عليه، وكل شيء يتعلق به، وليس المراد عمومه؛ لأنه قد أقر الخضرَ على قوله: "وإني على علم من علم الله لا تعلمه أنت".
٤ - (ومنها): أن فيه مشروعية الْحُجَج في المناظرة؛ لإظهار طلب الحق، وإباحة التوبيخ والتعريض في أثناء الحجاج؛ ليتوصل إلى ظهور الحجة.
٥ - (ومنها): أنه فيه دلالةً على أن اللوم على من أيقن، وعَلِم أشدّ من اللوم على من لم يحصل له ذلك.
٦ - (ومنها): أن فيه مناظرةَ العالم من هو أكبر منه، والابن أباه، ومحل مشروعية ذلك إذا كان لإظهار الحق، أو الازدياد من العلم، والوقوف على حقائق الأمور.
٧ - (ومنها): أن فيه حجةً لأهل السنة في إثبات القدر، وخلق أفعال العباد.
٨ - (ومنها): أنه يُغتَفَر للشخص في بعض الأحوال ما لا يُغتَفَر في بعضٍ، كحالة الغضب والأسف، وخصوصًا ممن طُبع على حِدَّة الخلق، وشدة الغضب، فإن موسى ﵇ لمّا غلبت عليه حالة الإنكار في المناظرة، خاطب آدم مع كونه والده باسمه مجردًا، وخاطبه بأشياء لم يكن ليخاطب بها في غير تلك الحالة، ومع ذلك فأقره على ذلك، وعدل إلى معارضته فيما أبداه من الحجة في دفع شبهته.
٩ - (ومنها): أن فيه استعمالَ التعريض بصيغة المدح، يؤخذ ذلك من قول آدم لموسى: "أنت الذي اصطفاك الله برسالته ... " إلى آخر ما خاطبه به، وذلك أنه أشار بذلك إلى أنه اطّلع على عذره، وعرفه بالوحي، فلو استحضر ذلك ما لامه، مع وضوح عذره، وأيضًا ففيه إشارة إلى شيء آخر أعم من ذلك، وإن كان لموسى فيه اختصاص، فكأنه قال: لو لم يقع إخراجي الذي رُتّب على أكلي من الشجرة ما حصلت لك هذه المناقب؛ لأني لو بقِيتُ في الجتة، واستمرّ نسلي فيها ما وُجِد من تجاهر بالكفر الشنيع بما جاهر به، فرعون حتى أُرسلت أنت إليه، وأعطيت ما أعطيت، فإذا كنتُ أنا السبب في حصول هذه الفضائل لك، فكيف يسوغ لك أن تلومني.
стр. 1049
١٠ - (ومنها): ما قاله الطيبي ﵀: (اعلم): أن هذه القصّة تشتمل على معاني محرّرة لدعوى آدم ﵇، مقرّرةً لحجّته.
[منها]: أن هذه المحاجّة لم تكن في عالم الأسباب الذي لم يجوز فيه قطع النظر عن الوسائط والاكتساب، وإنما كانت في العالم العلويّ عند مُلتقى الأرواح.
[ومنها]: أن اللائمة كانت بعد سقوط الذنب، ووجوب المغفرة.
قال: أقول: -والعلم عند الله- مذهب الجبرية إثبات التقدير لله تعالى، ونفي القدرة عن العبد أصلًا، ومذهب المعتزلة بخلافه، وكلا الفريقين من الإفراط والتفريط على شفا جُرُف هَارٍ، والطريق المستقيم القصد بين الأمرين، كما هو مذهب أهل السنّة؛ إذ لا يقدر أحد أن يُسقط الأصلَ الذي هو القدر، ولا أن يبطل الكسب الذي هو السبب، فلما جعل موسى ﵇ مساق كلامه وقصّته إلى الثاني بأن صَدّر الجملة بحرف الإنكار والتعجب، وصَرّح باسم آدم ﵇، ووصفه بصفات أربع، كل واحدة منها مستقلة في علية عدم ارتكابه الخطيئة، ثم جاء بكلمة الاستبعاد في قوله: "ثم أهبطت"، فأسند الإهباط إليه على الحقيقة، والله هو المهبط في الحقيقة؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا﴾ الآية [البقرة: ٣٨] وقرن الإهباط بالأرض، والإهباط لا يكون إلا إليها؛ ليؤذن بسفالتها التي تورث الخساسة والرذالة، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٦]، بل الغرض الأول من ذلك الإنكار البليغ هذا لقوله: "ثم أهبطت الناس"، كأنه ﵇ قال: ما أبعد هذه السفالة عن تلك المعالي والمناصب، فأجاب عنه ﵇ بما يقابلها، بل أبلغ، من تصرير الجملة بالهمزة، وتصريح باسم موسى ﵇، ووصفه بصفات أربعٍ، كلُّ واحدة مستقلة في علية عدم الإنكار عليه، ثم رَتّب العلم الأزلي على ذلك، ثم أتى بدل كلمة الاستبعاد بهمزة الإنكار في قوله: "أفتلومني"، وحذف ما تقتضيه الهمزة، والفاء العاطفة من الفعل: أي أتجد في التوراة هذا النصّ الجليّ، فتلومني على ذلك؟، فما أبعده من إنكار!.
وفي هذا التقرير تنبيه على تحري قصد الأمور، قال: وختم النبي ﷺ الحديثَ
стр. 1050
بقوله: "فحَجَّ آدم موسى"، تنبيهًا على ما قصدناه من أن تحرّي قصد الأمور هو الصواب، ثم إنه ﷺ ختم الحديث بقوله: "فحجّ آدم موسى" بعد افتتاحه، وبيانه بقوله: "قال موسى: أنت آدم" إلى آخر الحديث مجملًا أوّلًا، ومفصّلًا ثانيًا، ومُعيدًا له ثالثًا؛ تنبيهًا على أن بعض أمته، من المعزلة ينكر حديث القدر، فاهتم لذلك، وبالغ في الإرشاد (١). انتهى كلام الطيبيّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فيما قاله أهل العلم في هذا الحديث من المباحث المفيدة المكملة لما سبق من الفوائد:
قال الإمام أبو عمر ابن عبد البر: هذا الحديث أصل جسيم لأهل الحق في إثبات القدر، وأن الله قضى أعمال العباد، فكل أحد يصير لما قُدِّر له بما سبق في علم الله، قال: وليس فيه حجة للجبرية، وإن كان في بادىء الرأي يساعدهم.
وقال الإمام الخطابي ﵀ في "معالم السنن": يَحسَب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر يستلزم الجبر، وقهرَ العبد، ويَتَوَهّم أن غلبة آدم كانت من هذا الوجه، وليس كذلك، وإنما معناه الإخبار عن إثبات علم الله بما يكون من أفعال العباد، وصدورها عن تقدير سابق منه، فإن القدر اسم لما صَدَرَ عن فعل القادر، وإذا كان كذلك، فقد نُفي عنهم من وراء علم الله أفعالهم، وأكسابهم، ومباشرتهم تلك الأمور عن قصد وتعمد واختيار، فالحجة إنما تلزمهم بها، واللائمة إنما تتوجه عليها.
وجِمَاعُ القول في ذلك أنهما أمران لا يُبَدّل أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هدم البناء ونقضه.
وإنما كان موضع الحجة لآدم على موسى أن الله إذ كان عَلِمَ من آدم أنه يتناول من الشجرة، ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه، وأن يبطله بعد ذلك، وبيان هذا في قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾
стр. 1051
[البقرة: ٣٠]، فأخبر قبل كون آدم أنه إنما خَلقه للأرض، وأنه لا يتركه في الجنة، حتى ينْقُله منها إليها، فكان تناوله من الشجرة سببًا لإهباطه إلى الأرض التي خلق لها، وللكون فيها خليفة، وواليًا على من فيها.
قال: وإنما أدلى آدم ﵇ بالحجة على هذا المعنى، ودفع لائمة موسى ﵇ عن نفسه على هذا الوجه، ولذلك قال: "أتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل أن يخلقني؟ ".
[فإن قيل]: فعلى هذا يجب أن يسقط عنه اللوم أصلًا؟.
[قيل]: اللوم ساقط من قبل موسى؛ إذ ليس لأحد أن يُعيّر أحدًا بذنب كان منه؛ لأن الخلق كلهم تحت العبودية أكفاء سواء.
وإنما يتجه اللوم من قِبَلِ الله ؛ إذ كان قد أمره ونهاه، فخرج إلى معصيته، وباشر ما نهاه عنه، ولله الحجة البالغة ، لا شريك له.
قال: وقول موسى ﵇، وإن كان منه في النفس شبهة، وفي ظاهره مُتَعَلَّقٌ لاحتجاجه بالسبب الذي قد جُعل أمارة لخروجه من الجنّة، فقول آدم في تعلّقه بالسبب الذي هو بمنزلة الأصل، أرجح، والْفَلَج فيه قد يقع مع المعارضة بالترجيح، كما يقع بالبرهان الذي لا يُعارض له. انتهى كلام الخطابيّ في "معالم السنن" (١).
وقال في "أعلام الحديث" نحوه مُلَخّصًا وزاد: ومعنى قوله: "فحَجّ آدم موسى" دفع حجته التي ألزمه اللومَ بها، قال: ولم يقع من آدم إنكار لما صدر منه، بل عارضه بأمر دَفَعَ به عنه اللوم.
قال الحافظ ﵀: ولم يتلخص من كلامه مع تطويله في الموضعين، دفعٌ للشبهة إلا في دعواه أنه ليس للآدمي أن يلوم آخر مثله على ما فَعَل ما قدره الله عليه، وإنما يكون ذلك لله تعالى؛ لأنه هو الذي أمره ونهاه.
وللمعترض أن يقول: وما المانع إذا كان ذلك لله، أن يباشره من تَلَقَّى عن الله من
стр. 1052
رُسُله، ومن تلقى عن رسله، ممن أُمر بالتبليغ عنهم.
وقال القرطبي ﵀: إنما غلبه بالحجة؛ لأنه عَلِم من التوراة أن الله تاب عليه، فكان لومه له على ذلك نوع جفاء، كما يقال: ذكر الجفاء بعد حصول الصفاء جفاء، ولأن أثر المخالفة بعد الصفح يَنمحي حتى كأنه لم يكن، فلا يصادف اللوم من اللائم حينئذ محلا. انتهى.
وهو محصل ما أجاب به المازري وغيره من المحققين، وهو المعتمد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قد أنكر القدرية هذا الحديث؛ لأنه صريح في إثبات القدر السابق، وتقرير النبي ﷺ لآدم ﵇ على الاحتجاج به، وشهادته بأنه غلب موسى، فقالوا: لا يصحّ؛ لأن موسى ﵇ لا يلوم على أمر قد تاب منه صاحبه، وقد قَتَلَ هو نفسًا لم يؤمر بقتلها، ثم قال: رب اغفر لي فغفر له، فكيف يلوم آدم على أمر قد غُفر له.
ثانيها (١): لو ساغ اللوم على الذنب بالقدر الذي فُرغ من كتابته على العبد، لا يصح هذا لكان من عوتب على معصية، قد ارتكبها، فيحتج بالقدر السابق، ولو ساغ ذلك لانسد باب القصاص والحدود، ولاحتج به كل أحد على ما يرتكبه من الفواحش، وهذا يفضي إلى لوازم قطعية، فدل ذلك على أن هذا الحديث لا أصل له.
[والجواب]: من أوجه:
[أحدها]: آن آدم إنما احتج بالقدر على المعصية، لا المخالفة، فإن محصل لوم موسى إنما هو على الإخراج، فكأنه قال: أنا لم أخرجكم، وإنما أخرجكم الذي رَتَّبَ الإخراج على الأكل من الشجرة، والذي رتب ذلك قَدَّرَه قبل أن أُخلق، فكيف تلومني على أمر ليس لي فيه نسبة إلا الأكل من الشجرة، والإخراج المرتب عليها ليس من فعلي.
وهذا الجواب لا يدفع شبهة الجبرية.
стр. 1053
[ثانيها]: إنما حكم النبي ﷺ لآدم بالحجة في معنى خاص، وذلك لأنه لو كانت في المعنى العام لا تقدم من الله تعالى لومه بقوله: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]، ولا واخذه بذلك، حتى أخرجه من الجنة، وأهبطه إلى الأرض، ولكن لما أخذ موسى في لومه، وقدم قوله له: أنت الذي خلقك الله بيده، وأنت وأنت لم فعلت كذا؟ عارضه آدم بقوله: أنت الذي اصطفاك الله، وأنت وأنت.
وحاصل جوابه إذا كنت بهذه المنزلة، كيف يَخفَى عليك أنه لا محيد من القدر، وإنما وقعت الغلبة لآدم من وجهين:
[أحدهما]: أنه ليس لمخلوق أن يلوم مخلوقا في وقوع ما قُدّر عليه، إلا بإذن من الله تعالى، فيكون الشارع هو اللائم، فلما أخذ موسى في لومه من غير أن يؤذن له في ذلك، عارضه بالقدر فأسكته.
[والثاني]: أن الذي فعله آدم اجتمع فيه القدر والكسب، والتوبة تمحو أثر الكسب، وقد كان الله تاب عليه، فلم يبق إلا القدر، والقدر لا يتوجه عليه لوم؛ لأنه فعل الله، ولا يسأل عما يفعل.
[ثالثها]: قال ابن عبد البر: هذا عندي مخصوص بآدم؛ لأن المناظرة بينهما وقعت بعد أن تاب الله على آدم قطعًا، كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، فحسن منه أن ينكر على موسى لومه على الأكل من الشجرة؛ لأنه كان قد تيب عليه من ذلك، وإلا فلا يجوز لأحد أن يقول لمن لامه على ارتكاب معصية، كما لو قتل، أو زنى، أو سرق: هذا سبق في علم الله وقدره عليّ قبل أن يخلقني، فليس لك أن تلومني عليه، فإن الأمة أجمعت على جواز لوم من وقع منه ذلك، بل على استحباب ذلك، كما أجمعوا على استحباب محمدة من واظب على الطاعة، قال: وقد حَكَى ابنُ وهب في "كتاب القدر" عن مالك، عن يحيى بن سعيد: أن ذلك كان من آدم بعد أن تيب عليه.
[رابعها]: إنما توجهت الحجة لآدم؛ لأن موسى لامه بعد أن مات، واللوم إنما
стр. 1054
يتوجه على المكلف ما دام في دار التكليف، فإن الأحكام حينئذ جارية عليهم، فيلام العاصي، ويقام عليه الحد والقصاص، وغير ذلك، وأما بعد أن يموت، فقد ثبت النهي عن سَبّ الأموات، "ولا تذكروا موتاكم إلا بخير"؛ لأن مرجع أمرهم إلى الله، وقد ثبت أنه لا يُثنى العقوبة على من أُقيم عليه الحد، بل ورد النهي عن التثريب على الأمة إذا زنت، وأقيم عليها الحد، وإذا كان كذلك، فلوم موسى لآدم إنما وقع بعد انتقاله عن دار التكليف، وثبت أن الله تاب عليه، فسقط عنه اللوم، فلذلك عَدَل إلى الاحتجاج بالقدر السابق، وأخبر النبي ﷺ بأنه غلب موسى بالحجة.
قال المازريّ: لمّا تاب الله على آدم، صار ذكر ما صَدَرَ منه إنما هو كالبحث عن السبب الذي دعاه إلى ذلك، فأخبر هو أن الأصل في ذلك القضاء السابق، فلذلك غلب بالحجة.
قال الداودي فيما نقله ابن التين: إنما قامت حجة آدم؛ لأن الله خلقه ليجعله في الأرض خليفة، فلم يَحتَجّ آدم في أكله من الشجرة بسابق العلم؛ لأنه كان عن اختيار منه، وإنما احتج بالقدر لخروجه؛ لأنه لم يكن بُدٌّ من ذلك.
وقيل: إن آدم أب، وموسى ابن، وليس للابن أن يلوم أباه. حكاه القرطبي وغيره، ومنهم من عَبّر عنه بأن آدم أكبر منه، وتعقّبه بأنه بعيد من معنى الحديث، ثم هو ليس على عمومه، بل يجوز للابن أن يلوم أباه في عدة مواطن.
وقيل: إنما غلبه لأنهما في شريعيتن متغايرتين، وتُعُقّب بأنها دعوى لا دليل عليها، ومن أين يَعلَم أنه كان في شريعة آدم أن المخالف يحتج بسابق القدر، وفي شريعة موسى أنه لا يحتج، أو أنه يتوجه له اللوم على المخالف.
وفي الجملة فأصح الأجوبة الثاني والثالث، ولا تنافي بينهما، فيمكن أن يمتزج منهما جواب واحد، وهو أن التائب لا يُلام على ما تِيب عليه منه، ولا سيما إذا انتقل عن دار التكليف، وقد سلك النووي هذا المسلك، فقال: معنى كلام آدم: إنك يا موسى تَعلَم أن هذا كُتب عليّ قبل أن أُخلق، فلا بُدَّ من وقوعه، ولو حرصتُ أنا، والخلق
стр. 1055
أجمعون على رد مثقال ذرة منه لم نقدر، فلا تلمني، فإن اللوم على المخالفة شرعي لا عقلي، وإذا تاب الله عليّ، وغفر لي زال اللوم، فمن لامني كان محجوجًا بالشرع.
[فإن قيل]: فالعاصي اليوم لو قال: هذه المعصية قُدّرت عليّ، فينبغي أن يسقط عني اللوم.
[قلنا]: الفرق أن هذا العاصي باق في دار التكليف، جارية عليه الأحكام، من العقوبة واللوم، وفي ذلك له ولغيره زجرٌ وعظةٌ، فأما آدم فميت، خارج عن دار التكليف، مستغنٍ عن الزجر، فلم يكن للومه فائدة، بل فيه إيذاءٌ وتخجيلٌ، فلذلك كان الغلبة له.
وقال التوربشتي: ليس معنى قوله: "كتبه الله عليّ" ألزمني به، وإنما معناه أثبته في أم الكتاب قبل أن يَخلُق آدم، وحَكَمَ أن ذلك كائن.
ثم إن هذه المحاججة إنما وقعت في العالم العلوي، عند مُلْتَقَى الأوراح، ولم تقع في عالم الأسباب، والفرق بينهما أن عالم الأسباب لا يجوز قطع النظر فيه عن الوسائط والاكتساب، بخلاف العالم العلوي بعد انقطاع موجب الكسب، وارتفاع الأحكام التكليفية، فلذلك احتج آدم بالقدر السابق. قال الحافظ: وهو محصل بعض الأجوبة المتقدم ذكرها (١).
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى ان احتجاج آدم على موسى ﵉ كان في المصائب، لا في الذنوب، قال: وقد ظنّ قوم أن آدم احتجّ بالقدر السابق على نفي الملام على الذنب، ثم صاروا لأجل هذا الظنّ ثلاثة أحزاب:
(فريق): كذبوا بهذا الحديث، كأبي عليّ الجبّائيّ وغيره؛ لأنه من المعلوم بالاضطرار أن هذا خلاف ما جاءت به الرسل، ولا ريب أنه يمتنع أن يكون هذا مراد الحديث، ويجب تنزيه النبيّ ﷺ ، بل وجميع الأنبياء، وأتباع الأنبياء أن يَجعلوا القدر حجة لمن عصى الله تعالى ورسوله ﷺ .