من ترتيب المخبر به، ويحتمل أن يكون ذلك من تصرف الرواة برواياتهم بالمعنى الذي يفهمونه.
قال الحافظ: كذا قال، والحمل على ظاهر الأخبار أولى، وغالب ما نُقِل عن هؤلاء دَعَاوي لا دلالة عليها.
قال ابن العربي ﵀: الحكمة في كون الملك يكتب ذلك، كونه قابلًا للنسخ، والمحو، والإثبات، بخلاف ما كتبه الله تعالى، فإنه لا يتغير، انتهى.
[تنبيه]: سقط هنا في هذه الرواية قوله: "ثم يُنفخ فيه الروح"، وقد ثبت في رواية البخاريّ، ووقع في رواية مسلم بلفظ: "ثم يُرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات"، وظاهره قبل الكتابة.
قال الحافظ ﵀: ويجمع بأن الرواية الأولى صريحةٌ في تأخير النفخ للتعبير بقوله: "ثم"، والرواية الأخرى محتملة، فترد إلى الصريحة؛ لأن الواو لا ترتب، فيجوز أن تكون معطوفة على الجملة التي تليها، وأن تكون معطوفة على جملة الكلام المتقدم: أي يُجمع خلقه في هذه الأطوار، ويؤمر الملك بالكتب، وتوسط قوله: "يُنفخ فيه الروح" بين الجُمَل، فيكون من ترتيب الخبر على الخبر، لا من ترتيب الأفعال المخبر عنها.
ونقل ابن الزملكاني عن ابن الحاجب في الجواب عن ذلك أن العرب إذا عَبّرت عن أمر بعده أمور متعددة، ولبعضها تعلق بالأول حسن تقديمه لفظا على البقية، وإن كان بعضها متقدما عليه وجودًا، وحسن هنا لأن القصد ترتيب الخلق الذي سيق الكلام لأجله.
وقال عياض: اختلفت ألفاظ هذا الحديث في مواضع، ولم تَخْتَلِف أن نفخ الروح فيه بعد مائة وعشرين يومًا، وذلك تمام أربعة أشهر ودخولِهِ في الخامس، وهذا موجود بالمشاهدة، وعليه يُعَوّل فيما يُحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق عند التنازع، وغير ذلك بحركة الجنين في الجوف.
وقد قيل: إنه الحكمة في عدة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وهو الدخول
стр. 982
في الخامس، وزيادة حذيفة بن أَسِيد مُشعرة بأن الملك لا يأتي لرأس الأربعين بل بعدها، فيكون مجموع ذلك أربعة أشهر وعشرًا، وهو مصرح به في حديث ابن عباس: "إذا وقعت النطفة في الرحم مكثت أربعة أشهر وعشرًا، ثم يُنفخ فيها الروح".
وما أشار إليه من عدة الوفاة جاء صريحًا عن سعيد بن المسيب، فأخرج الطبري عنه أنه سئل عن عدة الوفاة، فقيل له: ما بال العشرة بعد الأربعة أشهر؟ فقال: يُنفخ فيها الروح.
وقد تمسك به من قال كالأوزاعي وإسحاق: إن عدة أم الولد مثل عدة الحرة، وهو قويّ؛ لأن الغرض استبراء الرحم، فلا فرق فيه بين الحرة والأمة، فيكون معنى قوله: "ثم يُرسل إليه الملك": أي لتصويره وتخليقه، وكتابة ما يتعلق به، فينفخ فيه الروح إثر ذلك، كما دلت عليه رواية البخاري وغيره.
ووقع في حديث علي بن عبد الله عند ابن أبي حاتم: "إذا تمت للنطفة أربعة أشهر، بعث الله إليها ملكًا فَيَنفُخ فيها الروح، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وسنده منقطع.
وهذا لا ينافي التقييد بالعشر الزائدة، ومعنى إسناد النفخ للملك أنه يفعله بأمر الله، والنفخ في الأصل إخراج ريح من جوف النافح ليدخل في المنفوخ فيه، والمراد بإسناده إلى الله تعالى أن يقول له: كن فيكون.
وجمع بعضهم بأن الكتابة تقع مرتين، فالكتابة الأولى في السماء، والثانية في بطن المرأة. ويحتمل أن تكون إحداهما في صحيفة، والأخرى على جبين المولود. وقيل: يختلف باختلاف الأجنة، فبعضها كذا، وبعضها كذا، والأول أولى (١).
(فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ) ولفظ البخاريّ: "فوالله إن أحدكم"، وفي لفظ: "فإن أحدكم"، ومثله لأبي داود، وفي لفظ: "فإن الرجل منكم ليعمل"، وفي رواية
стр. 983
مسلم، والترمذي وغيرهما: "فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل".
لكن وقع عند أبي عوانة، وأبي نعيم في "مستخرجيهما" من طريق يحيى القطان، عن الأعمش قال: "فوالذي لا إله غيره"، وهذه محتملة لأن يكون القائل النبي ﷺ ، فيكون الخبر كله مرفوعًا، ويحتمل أن يكون بعض رواته.
ووقع في رواية وهب بن جرير، عن شعبة بلفظ: "حتى إن أحدكم ليعمل"، ووقع في رواية زيد بن وهب ما يقتضي أنه مدرج في الخبر من كلام ابن مسعود، لكن الإدراج لا يثبت بالاحتمال، وأكثر الروايات يقتضي الرفع، إلا رواية وهب بن جرير فبعيدة، من الإدراج، فأخرج أحمد، والنسائي، من طريق سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود، نحو حديث الباب، وقال بعد قوله: "اكتبه شقيا أو سعيدًا، ثم قال: والذي نفس عبد الله بيده إن الرجل ليعمل كذا"، وقع مفصلا في رواية جماعة عن الأعمش، منهم المسعودي، وزائدة، وزهير بن معاوية، وعبد الله بن إدريس، وآخرون، فيما ذكره الخطيب.
وقد روى أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أصل الحديث بدون هذه الزيادة، وكذا أبو وائل، وعلقمة، وغيرهما عن ابن مسعود، وكذا اقتصر حبيب بن حسان، عن زيد بن وهب، وكذا وقع في معظم الأحاديث الواردة عن الصحابة، كأنس، وحذيفة بن أسيد، وابن عمر، وكذا اقتصر عبد الرحمن بن حميد الرؤاسيّ، عن الأعمش على هذا القدر.
نعم وقعت هذه الزيادة مرفوعةً في حديث سهل بن سعد عند البخاريّ، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم، وفي حديث عائشة عند أحمد، وفي حديث ابن عمر، والْعُرْس بن عَمِيرة في البزار، وفي حديث عمرو بن العاص، وأكثم بن أبي الجون في الطبراني.
لكن وقعت في حديث أنس من وجه آخر قويٍّ مفردةً من رواية حميد، عن الحسن البصري عنه، ومن الرواة من حَذَف الحسن بين حميد وأنس، فكأنه كان تاما عند
стр. 984
أنس، فحَدّث به مُفَرَّقًا، فحفظ بعض أصحابه ما لم يحفظ الآخر عنه، فيقوى على هذا أن الجميع مرفوع، وبذلك جزم المحب الطبري، وحينئذ تُحمَل رواية سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب على أن عبد الله بن مسعود لتحقق الخبر في نفسه أقسم عليه، ويكون الإدراج في القسم، لا في المقسم عليه، وهذا غاية التحقيق في هذا الموضع، ويؤيد الرفع أيضا أنه مما لا مجال للرأي فيه، فيكون له حكم الرفع.
[تنبيه]: قد اشتملت جملة "فوالذي نفسي بيده الخ" على أنواع من التأكيد، منها: التأكيد بالقسم، ووصف المقسم به، وبـ "إنّ"، وباللام، والأصل في التأكيد أنه يكون لمخاطبة المنكِر، أو المستبعِد، أو من يُتَوَهّم فيه شيء من ذلك، وهنا لمّا كان الحكم مستبعدًا، وهو دخول مَنْ عمل الطاعة طول عمره النارَ، وبالعكس حَسُنَ المبالغة في تأكيد الخبر بذلك. والله أعلم.
(إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ) الباء زائدة، والأصل ليعمل عملَ أهل الجنة؛ لأن قوله: "عَمَلَ" إما مفعول مطلق، وإما مفعول به، وكلاهما مُستَغنٍ عن الحرف، فكان زيادة الباء للتأكيد، أو ضُمِّن "يعمل" معنى يَتَلَبّس في عمله بعمل أهل الجنة.
يعني أنه عمل أهل الجنة من الطاعات الاعتقادية، والقولية، والفعلية، ثم يحتمل أن الحفظة تكتب ذلك، ويُقبل بعضها، ويرد بعضها، ويحتمل أن تقع الكتابة، ثم تمحى، وأما القبول فيتوقف على الخاتمة.
(حَتَّى مَا يَكُونَ) قال الطيبي: "حتى" هنا هي الناصبة، و"ما" نافية، ولم تَكُفَّ "حتى" عن العمل في "يكون"، فهو منصوب بـ "حتى". وأجاز غيره أن تكون "حتى" ابتدائية، فـ "يكون" على هذا بالرفع، وهو مستقيم أيضًا.
(بَيْنه وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ) كناية عن غاية القرب. ووقع عند البخاريّ بلفظ: "غير ذراع، أو باع"، وفي رواية: "باع أو ذراع"، وفي رواية: "إلا ذراع"، من دون شكّ.
قال في "الفتح": والتعبير بالذراع تمثيل بقرب حاله من الموت، فيحال من بينه
стр. 985
وبين المكان المقصود بمقدار ذراع أو باع من المسافة، وضابطُ ذلك الحسيّ الغرغرة التي جُعلت علامةً لعدم قبول التوبة.
وقد ذَكَر في هذا الحديث أهلَ الخير صِرْفًا، وأهل الشر صِرْفًا إلى الموت، ولا ذكر للذي خَلَطُوا، وماتوا على الإسلام؛ لأنه لم يُقصَد في الحديث تعميم أحوال المكلفين، وإنما سيق لبيان أن الاعتبار بالخاتمة. انتهى.
(فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ) وفي رواية للبخاريّ: "كتابه" قال الطيبيّ: الفاء للتعقيب على حصول السبق بلا مُهلة، وضَمّن "يسبق" معنى يَغْلِب فعدّاه بـ "على": أي يغلب عليه الكتاب، وما قُدّر عليه سبقًا بلا مُهلة، فعند ذلك يعمل بعمل أهل الجنّة، أو أهل النار. انتهى كلام الطيبيّ ببعض تصرّف (١).
وقال في "الفتح": قوله: "عليه" في موضع نصب على الحال: أي يسبق المكتوب واقعًا عليه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الطيبيّ من التضمين أوضح. والله تعالى أعلم.
(فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا) قال في "الفتح": ظاهره أنه يعمل بذلك حقيقةً، ويُختم له بعكسه، وثبت في حديث سهل بلفظ: "ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس"، وهو محمول على المنافق والمرائي، بخلاف حديث الباب، فإنه يتعلق بسوء الخاتمة.
قال: والمراد بسبق الكتاب سبق ما تضمنه على حذف مضاف، أو المراد المكتوب، والمعنى أنه يتعارض عمله في اقتضاء السعادة، والمكتوب في اقتضاء الشقاوة، فيتحقق مقتضى المكتوب، فعبر عن ذلك بالسبق؛ لأن السابق يحصل مراده دون المسبوق، ولأنه لو تمثل العمل والكتاب شخصين ساعيين، لظفر شخص الكتاب، وغُلِب شخص
стр. 986
العمل. انتهى.
(وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونَ) تقدّم أنه يجوز نصبه، ورفعه (بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا) ووقع في حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم: "وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار، ثم يُختَم له بعمل أهل الجنة"، زاد أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة: "سبعين سنة".
وفي حديث أنس ﵁ عند أحمد، وصححه ابن حبان: "لا عليكم أن لا تَعْجَبُوا بعمل أحد حتى تنظروا بم يُختَم له، فإن العامل يعمل زمانًا من عمره بعمل صالح، لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملًا سيئًا ... " الحديث.
وفي حديث عائشة ﵂ عند أحمد مرفوعًا: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، وهو مكتوب في الكتاب الأول من أهل النار، فإذا كان قبل موته تَحَوّل، فعَمِل عمل أهل النار، فمات فدخلها ... " الحديث.
ولأحمد، والنسائي، والترمذي، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄: "خرج علينا رسول الله ﷺ ، وفي يده كتابان ... " الحديث، وفيه: "هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أُجمِل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبدًا، فقال أصحابه: ففيم العمل؟ فقال: سَدِّدوا، وقاربوا، فإن صاحب الجنة يُختم له بعمل أهل الجنة، وإن عَمِل أي عمل ... " الحديث.
وفي حديث عليّ ﵁ عند الطبراني نحوه، وزاد: "صاحبُ الجنة مختوم له بعمل أهل الجنة، وإن عَمِل أيَّ عَمَلٍ، وقد يُسلَك بأهل السعادة طريق أهل الشقاوة، حتى يقال: ما أشبههم بهم، بل هم منهم، وتدركهم السعادة، فتستنقذهم ... " الحديث، ونحوه للبزار من حديث ابن عمر ﵄. وفي حديث سهل بن سعد عند البخاريّ: "إنما الأعمال بالخواتيم"، ومثله في حديث عائشة عند ابن حبان، ومن حديث معاوية نحوه، وفي آخر حديث علي المشار إليه قبلُ: "الأعمال بخواتيمها". ذكر هذا كلّه
стр. 987
في "الفتح" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا مُتّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا بهذا السند فقط، وأخرجه (البخاريّ) في "كتاب القدر" (٦٥٩٤) و"كتاب التوحيد" (٧٤٥٤) و"بدء الخلق" (٣٢٠٨) و"أحاديث الأنبياء" (٣٣٣٢)، و (مسلم) في "القدر" (٦٦٦٥) و (٦٦٦٦) و (أبو داود) في "السنّة" (٤٧٠٨) و (الترمذيّ) في "القدر" (٢١٣٧). و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٢٦) و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٧٤ و ٣٨٢ و ٤١٤ و ٤٣٠) والله تعالى أعلم.
[المسألة الثالثة]: قال الحافظ ﵀: هذا الحديث اشتهر عن الأعمش بالسند المذكور هنا قال علي بن المديني في "كتاب العلل": كنا نَظُنُّ أن الأعمش تفرد به حتى وجدناه من رواية سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب. قال الحافظ: وروايته عند أحمد، والنسائي، ورواه حبيب بن حَسّان، عن زيد بن وهب أيضًا وروايته عند أبي نعيم في "الحلية"، ولم ينفرد به زيد، عن ابن مسعود، بل رواه عنه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عند أحمد، وعلقمةُ عند أبي يعلى، وأبو وائل في "فوائد تَمّام"، ومُخَارق بن سُليم، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي كلاهما عند الْفِرْيابي في "كتاب القدر"، وأخرجه أيضا من رواية طارق، ومن رواية أبي الأحوص الْجُشَمِيّ كلاهما عن عبد الله مختصرًا. وكذا لأبي
стр. 988
الطفيل عند مسلم، وناجية بن كعب في "فوائد العيسوي"، وخيثمة بن عبد الرحمن عند الخطابيّ، وابن أبي حاتم، ولم يرفعه بعض هؤلاء عن ابن مسعود، ورواه عن النبي ﷺ مع ابن مسعود جماعة من الصحابة مُطَوَّلًا ومختصرًا، منهم: أنس، عند البخاريّ في "صحيحه"، وحُذيفة بن أَسِيد عند مسلم، وعبد الله بن عمر في "القدر" لابن وهب، وفي "أفراد الدارقطني".
وفي "مسند البزار"، من وجه آخر ضعيف، والفريابي بسند قوي، وسهل بن سعد عند البخاريّ، وأبو هريرة عند مسلم، وعائشة عند أحمد بسند صحيح، وأبو ذر عند الْفِرْيابي، ومالك بن الحويرث عند أبي نعيم في "الطبّ"، والطبراني، ورَبَاح اللَّخْميّ عند بن مردويه في "التفسير"، وابن عباس في "فوائد المخلص" من وجه ضعيف، وعلي في "الأوسط" للطبراني من وجه ضعيف، وعبد الله بن عمرو في "الكبير" بسند حسن، والْعُرْس بن عَمِيرة عند البزار بسند جيد، وأكثم بن أبي الْجَوْن عند الطبراني، وابن مَنْدَه بسند حسن، وجابر عند الْفِريابي، وقد أشار الترمذي في الترجمة إلى أبي هريرة، وأنس فقط، وقد أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" عن بضع وعشرين نفسًا، من أصحاب الأعمش، منهم من أقرانه: سليمان التيمي، وجرير بن حازم، وخالد الحذّاء، ومن طبقة شعبةَ الثوريُّ، وزائدة، وعمار بن زريق، وأبو خيثمة.
ومما لم يقع لأبي عوانة رواية شَريك، عن الأعمش، وقد أخرجها النسائي في "التفسير" من "الكبرى".
ورواية وَرْقَاء بن عمر، ويزيد بن عطاء، وداود بن عيسى أخرجها تَمّام، قال الحافظ: وكنت خرجته في جزء من طرق نحو الأربعين نفسًا عن الأعمش، فغاب عني الآن، ولو أمعنت التتبع لزادوا على ذلك. انتهى (١)، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيق أنيسٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 989
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو إثبات القدر، ووجوب الإيمان به، والمراد بالقدر في لسان الشرع أن الله علم مقادير الأشياء، وأزمانها أزلًا، ثم أوجدها بقدرته ومشيئته على وفق ما علمه منها، وأنه كتبها في اللوح المحفوظ قبل إحداثها.
وقد تقدّم في شرح حديث عمر ﵁ الحديث (٦٣) البحث في القدر والإيمان به مستوفًى، فراجعه تستفد.
٢ - (ومنها): أن فيه أن خلق السمع والبصر يقع والجنين داخل بطن أمه، وقد رْعم بعضهم أنه يُعطَى ذلك بعد خروجه من بطن أمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ الآية [النحل: ٧٨]، وتُعُقّب بأن الواو لا تُرَتِّب، والتحقيق أن خلق السمع والبصر وهو في بطن أمه محمولٌ جزمًا على الأعضاء، ثم على القوة الباصرة والسامعة؛ لأنها مودعة فيها، وأما الإدراك بالفعل فهو موضع النزاع، والذي يترجح أنه يتوقف على زوال الحجاب المانع.
٣ - (ومنها): أن الأعمال حسنها وسيئها أماراتٌ، وليست بموجبات، وأن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء، وجرى به القدر في الابتداء. قاله الخطابي.
٤ - (ومنها): أن فيه القسمَ على الخبر الصدق تأكيدًا في نفس السامع.
٥ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى علم المبدإ والمعاد، وما يتعلق ببدن الإنسان، وحاله في الشقاء والسعادة.
٦ - (ومنها): أن فيه عِدّةَ أحكام تتعلق بالأصول والفروع، والحكمةِ، وغير ذلك.
٧ - (ومنها): أن السعيد قد يَشقَى، وأن الشقي قد يَسْعَد، لكن بالنسبة إلى الأعمال الظاهرة، وأما ما في علم الله تعالى فلا يتغير.
٨ - (ومنها): أن الاعتبار بالخاتمة، قال ابن أبي جمرة نفع الله به: هذه التي قَطَعَت
стр. 990
أعناق الرجال، مع ما هم فيه من حسن الحال؛ لأنهم لا يَدرُون بماذا يُختَم لهم.
٩ - (ومنها): أن عموم مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ الآية [النحل: ٩٧] مخصوص بمن مات على ذلك، وأن من عمل السعادة، وختم له بالشقاء، فهو في طول عمره عند الله شقي وبالعكس، وما ورد مما يخالفه يُؤَوَّلُ إلى أن يَؤُولَ إلى هذا، وقد اشتهر الخلاف في ذلك بين الأشعرية والحنفية، وتمسك الأشاعرة بمثل هذا الحديث، وتمسك الحنفية بمثل قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ الآية [الرعد: ٣٩]، وأكثرَ كلٌّ من الفريقين الاحتجاجَ لقوله، والحق أن النزاع لفظيٌّ، وأن الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل، وأن الذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، ولا يبعد أن يتعلق ذلك بما في علم الحفظة، والموكلين بالآدمي، فيقع فيه المحو والإثبات، كالزيادة في العمر والنقص، وأما ما في علم الله، فلا محو فيه ولا إثبات، والعلم عند الله تعالى.
١٠ - (ومنها): أن فيه التنبيهَ على صدق البعث بعد الموت؛ لأن من قَدَرَ على خلق الشخص من ماء مهين، ثم نقله إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم ينفخ الروح فيه، قادر على نفخ الروح بعد أن يصير ترابا، ويجمع أجزاءه بعد أن يفرقها، ولقد كان قادرًا على أن يخلقه دفعة واحدة، ولكن اقتضت الحكمة بنقله في الأطوار رِفْقًا بالأم؛ لأنها لم تكن معتادة، فكانت المشقة تعظم عليها، فهيأه في بطنها بالتدريج إلى أن تكامل، ومن تأمل أصل خلقه من نطفة، وتنقله في تلك الأطوار إلى أن صار إنسانا جميل الصورة، مُفَضّلًا بالعقل والفهم والنطق، كان حقّا عليه أن يشكر من أنشأه، وهيأه، ويعبده حَقَّ عبادته، ويطيعه ولا يعصيه.
١١ - (ومنها): أن فيه أن في تقدير الأعمال ما هو سابق ولاحق، فالسابق ما في علم الله تعالى، واللاحق ما يُقَدَّر على الجنين في بطن أمه، كما وقع في هذا الحديث، وهذا هو الذي يَقبَل النسخ، وأما ما وقع في "صحيح مسلم" من حديث عبد الله بن عمر
стр. 991
رضي الله عنهما مرفوعًا: "كَتَبَ الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة"، فهو محمول على كتابة ذلك في اللوح المحفوظ على وفق ما في علم الله .
١٢ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن السِّقْطَ بعد الأربعة أشهر يُصَلَّى عليه؛ لأنه وقت نفخ الروح فيه، وهو منقول عن القول القديم للشافعي، والمشهور عن أحمد، وإسحاق، وعن أحمد: إذا بلغ أربعة أشهر وعشرًا، ففي تلك العشر يُنفخ فيه الروح، ويُصلّى عليه، والراجح عند الشافعية أنه لا بد من وجود الروح، وهو القول الجديد للشافعيّ، وقد قالوا: فإذا بَكَى، أو اختلج، أو تنفس، ثم بطل ذلك صُلِّي عليه، وإلا فلا، والأصل في ذلك ما أخرجه النسائي، وصححه ابن حبان، والحاكم، عن جابر ﵁ رفعه: "إذا استَهَلَّ الصبي وَرِثَ، وصُلِّيَ عليه".
وقد ضعفه النووي في "شرح المهذّب"، والصواب أنه صحيح الإسناد، لكن المرجح عند الحفاظ وقفه، وعلى طريق الفقهاء لا أثر للتعليل بذلك؛ لأن الحكم للرفع لزيادته، قالوا: وإذا بلغ مائة وعشرين يومًا غُسِل، وكُفِّنَ، ودُفِن بغير صلاة، وما قبل ذلك لا يُشرَع له غسل ولا غيره.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تحقيق المسألة حيث يذكره المصنّف في "كتاب الجنائز" رقم (١٥٠٨) إن شاء الله تعالى.
١٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن التخليق لا يكون إلا في الأربعين الثالثة، فأقل ما يتبين فيه خلق الولد أحد وثمانون يومًا، وهي ابتداء الأربعين الثالثة، وقد لا يتبين إلا في آخرها، ويترتب على ذلك أنه لا تنقضي العدة بالوضع إلا ببلوغها، وفيه خلاف، ولا يثبت للأمة أُمّيةُ الولد إلا بعد دخول الأربعين الثالثة، وهذا قول الشافعية والحنابلة، وتوسع المالكية في ذلك، فأداروا الحكم في ذلك على كلِّ سِقْطٍ، ومنهم من قَيَّده بالتخطيط، ولو كان خفيا، وفي ذلك رواية عن أحمد، وحجتهم ما تقدم في بعض طرقه أن النطفة إذا لم يُقَدّر تخليقها لا تصير علقة، وإذا قُدِّر أنها تتخلق تصير علقة، ثم
стр. 992
مضغة الخ، فمتى وَضَعَت علقة عُرِف أن النطفة خرجت عن كونها نطفة، واستحالت إلى أول أحوال الولد.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الأولون أظهر، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم.
١٤ - (ومنها): أن كلا من السعادة والشقاء، قد يقع بلا عمل ولا عُمْر، وعليه ينطبق قوله ﷺ : "الله أعلم بما كانوا عاملين"، وهذا البحث قد استوفيته في "شرح النسائيّ" عند شرح الحديث المذكور، فراجعه برقم (١٩٤٩) وبالله تعالى التوفيق.
١٥ - (ومنها): أن فيه الحثَّ القويَّ على القناعة، والزجرَ الشديد عن الحرص؛ لأن الرزق إذا كان قد سبق تقديره لم يُغنِ التعني في طلبه، وإنما شُرع الاكتساب؛ لأنه من جملة الأسباب التي اقتضتها الحكمة في دار الدنيا.
١٦ - (ومنها): أن فيه أن الأعمال سبب دخول الجنة أو النار، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]، ولا يعارض ذلك حديث: "لن يُدخل أحدًا عمله الجنّة"؛ لما سيأتي في المسألة التالية من الجمع بينهما -إن شاء الله تعالى-.
١٧ - (ومنها): أن من كُتِب شقيا لا يُعلَم حاله في الدنيا وكذا عكسه، واحتج من أثبت ذلك بحديث عليّ ﵁ المتّفق عليه: "أما من كان من أهل السعادة، فإنه يُيَسَّر لعمل أهل السعادة ... " الحديث.
والتحقيق أن يقال: إن أريد أنه لا يُعلم أصلًا ورأسًا فمردود، وإن أريد أنه يُعلم بطريق العلامة المثبتة للظن الغالب فنعم، ويُقَوِّي ذلك في حق من اشتَهَر له لسانُ صدق بالخير والصلاح، ومات على ذلك؛ لقوله في الحديث الصحيح المتّفق عليه: "أنتم شُهداء الله في الأرض"، وإن أريد أنه يُعلم قطعًا لمن شاء الله أن يُطلِعه على ذلك، فهو من جملة الغيب الذي استَأْثَرَ الله بعلمه، وأطلَع من شاء ممن ارتضى من رسله عليه.
١٨ - (ومنها): أن فيه الحثَّ على الاستعاذة بالله تعالى من سوء الخاتمة، وقد عَمِل به جمع جَمٌّ من السلف، وأئمة الخلف، وأما ما قال عبد الحق في "كتاب العاقبة": إن
стр. 993
سوء الخاتمة لا يقع لمن استقام باطنه، وصلح ظاهره، وإنما يقع لمن في طويته فساد أو ارتياب، ويَكُثر وقوعه للمُصِرّ على الكبائر، والمجترىء على العظائم، فيَهْجُمُ عليه الموت بغتة، فيَصْطَلِمه الشيطان، عند تلك الصدمة، فقد يكون ذلك سببًا لسوء الخاتمة -نسأل الله السلامة- فهو محمول على الأكثر الأغلب. قاله في "الفتح" (١).
وقد أورد الحافظ ابن رجب ﵀ في "جامع العلوم والحكم" بعض ما ورد عن السلف من خوفهم سوء الخاتمة أعاذنا الله تعالى منها، فأورد حديث "الصحيحين" عن سهل بن سعد ﵁ أن النبيّ ﵁ التقى هو والمشركون، وفي أصحابه رجل لا يَدَعُ شاذّةً، ولا فاذّةً إلا اتبعها، يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحدٌ كما أجزأ فلان، فقال رسول الله ﷺ : "هو من أهل النار"، فقال رجل من القوم: أنا أصاحبه، فاتّبعه، فجُرح الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نَصْل سيفه على الأرض، وذُبَابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه، فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله ﷺ ،، فقال: أشهد أنك رسول الله ﷺ ، وقَصّ عليه القصة، فقال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة"، زاد البخاري في رواية له: "إنما الأعمال بالخواتيم".
وقوله: "فيما يبدو للناس" إشارةٌ إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وإن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسةٍ باطنة للعبد لا يَطَّلِع عليها الناسُ، إما من جهة عمل سيىء ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار، وفي باطنه خصلة خفيةٌ من خصال الخير، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة.
قال عبد العزيز بن أبي رَوّاد حضرتُ رجلًا عند الموت يُلَقَّنُ "لا إله إلا الله"،
стр. 994
فقال في آخر ما قال: هو كافر بما تقول، ومات على ذلك، قال: فسألت عنه، فإذا هو مدمن خمر، وكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب، فإنها هي التي أوقعته.
وفي الجملة فالخواتيم ميراث السوابق، فكل ذلك سبق في الكتاب السابق، ومن هنا كان يشتد خوف السلف من سوء الخواتيم، ومنهم من كان يَقْلَقُ من ذكر السوابق.
وقد قيل: إن قلوب الأبرار معلقة بالخواتيم، يقولون: بماذا يُختَم لنا، وقلوب المقربين معلقة بالسوابق، يقولون: ماذا سبق لنا.
وبكى بعض الصحابة عند موته، فسئل عن ذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله تعالى قبض خلقه قبضتين، فقال هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار"، ولا أدري في أي القبضتين كنت؟ (١).
قال بعض السلف: ما أبكَى العيونَ ما أبكاها الكتاب السابق. وقال سفيان لبعض الصالحين: هل أبكاك قط علم الله فيك؟ فقال له ذلك الرجل: تركني لا أفرح أبدًا. وكان سفيان يشتد قلقه من السوابق والخواتيم، فكان يبكي ويقول: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيا، ويبكي ويقول: أخاف أن أُسلب الإيمان عند الموت. وكان مالك بن دينار يقوم طولَ ليله قابضًا على لحيته، ويقول: يا رب قد علمتَ ساكن الجنة من ساكن النار، ففي أيٍّ مالكٌ؟. وقال حاتمٌ الأصمّ: من خلا قلبه من ذكر أربعة أخطار، فهو مُغْتَرٌّ، فلا يَأمَن الشقاء:
(الأولُ): خطر يوم الميثاق، حين قال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي، فلا يَعلَم في أيّ الفريقين كان.
(والثاني): حين خُلق في ظلمات ثلاث، فنادى الملك بالشقاوة والسعادة، ولا يَدرِي أَمِنَ الأشقياء هو أم من السعداء.
(والثالث): ذكر هول الطلع فلا يَدرِي أيبشر برضا الله أم بسخطه.
стр. 995
(والرابع): يومَ يصدُر الناس أشتاتًا فلا يَدري أي الطريقين يُسلَك به.
وقال سهل التستري: المريد يخاف أن يُبْتلَى بالمعاصي، والعارف يخاف أن يُبتلَى بالكفر.
ومن هنا كان الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد قلقهم وجزعهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة، فيخرجَهُ إلى النفاق الأكبر، كما تقدم أن دسائس السوء الخفيّة توجب سوء الخاتمة.
وقد كان النبي ﷺ يُكثر أن يقول في دعائه: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، فقيل له: يا نبي الله آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ فقال: "نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن قلبها كيف شاء". أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، من حديث أنس (١).
وأخرج الإمام أحمد من حديث أم سلمة: أن النبي ﷺ كان يكثر في دعائه أن يقول: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، فقلت: يا رسول الله، أَوَ إن القلوب لتتقلب؟ قال: "نعم ما من خلق الله من بني آدم من بشر إلا أن قلبه بين إصبعين من أصابع الله ، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه، فنسأل الله ربنا أن لا يُزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب"، قالت: قلت: يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: "بلى، قولي: اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مُضِلات الفتن ما أحييتني" (٢).
стр. 996
وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة.
وأخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء"، ثم قال رسول الله ﷺ : "اللهم مُصَرِّفَ القلوب صَرِّفْ قلوبنا على طاعتك".
انتهى المقصود مما كتبه ابن رجب رحمه الله تعالى (١).
١٩ - (ومنها): أن قدرة الله تعالى لا يوجبها شيء من الأسباب إلا بمشيئته، فإنه لم يجعل الجماع علّةً للولد؛ لأن الجماع قد يَحصُل ولا يكون الولد حتى يشاء الله ذلك.
٢٠ - (ومنها): أن الشيء الكثيف يحتاج إلى طول الزمان، بخلاف اللطيف، ولذلك طالت المدة في أطوار الجنين حتى حصل تخليقه، بخلاف نفخ الروح، ولذلك لمّا خلق الله الأرض أوّلًا عَمَد إلى السماء فسواها، وترك الأرض لكثافتها بغير فتق، ثم فُتِقَتَا معًا، ولما خلق آدم، فصوره من الماء والطين، تركه مدة، ثم نفخ فيه الروح.
٢١ - (ومنها): أن الداوديّ استدل بقوله: "فتدخل النار" على أن الخبر خاص بالكفار، واحتج بأن الإيمان لا يُحبطه إلا الكفر.
وتُعُقِّب بأنه ليس في الحديث تَعَرُّض للإحباط، وحمله على المعنى الأعم أولى، فيتناول المؤمن حتى يُختَم له بعمل الكافر مثلًا فيرتدّ، فيموت على ذلك، فنستعيذ بالله من ذلك، ويتناول المطيع حتى يختم له بعمل العاصي، فيموت على ذلك، ولا يلزم من إطلاق دخول النار أنه يُخَلَّد فيها أبدًا، بل مجرد الدخول صادق على الطائفتين.
٢٢ - (ومنها): أنه استدل به على أنه لا يجب على الله رعاية الأصلح، خلافًا لمن قال به من المعتزلة؛ لأن فيه أن بعض الناس يذهب جميعُ عمره في طاعة الله، ثم يختم له بالكفر -والعياذ بالله- فيموت على ذلك، فيدخل النار، فلو كان يجب عليه رعاية
стр. 997
الأصلح لم يَحبِط جميع عمله الصالح بكلمة الكفر التي مات عليها، ولا سيما إن طال عمره، وقرب موته من كفره.
٢٣ - (ومنها): أنه استدل به بعض المعتزلة على أن من عمل عمل أهل النار وجب أن يدخلها؛ لترتب دخولها في الخبر على العمل، وترتبُ الحكم على الشيء يُشعِر بعليته.
وأُجيب بأنه علامة لا علة، والعلامة قد تتخلف، سلمنا أنه علة، لكنه في حق الكفار، وأما العصاة فخرجوا بدليل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، فمن لم يُشرك فهو داخل في بالمشيئة.
٢٤ - (ومنها): أنه استدل به الأشعري في تجويزه تكليف ما لا يطاق؛ لأنه دلّ على أن الله كَلَّفَ العباد كلهم بالإيمان، مع أنه قَدَّرَ على بعضهم أنه يموت على الكفر.
وقد قيل: إن هذه المسألة لم يثبت وقوعها إلا في الإيمان خاصة، وما عداه لا توجد دلالة قطعية على وقوعه، وأما مطلق الجواز فحاصل.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تعقّب بعض المحقّقين هذا الاستدلال، وأجاد في ذلك، فقال: إطلاق القول بالتكليف بما لا يُطاق من البدع المحدثة من المتكلّمين في أصولي الدين والفقه، والحقّ فيه التفصيل، فتكليف ما لا يُطاق لعجز العبد عنه عادةً، كالمشي على القفا، أو على الرأس وغيره، فهو غير موجود في الشريعة البتّة، قال : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقال أيضًا: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقال: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقال : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فهو مما رفق الله به علينا من الحرج، فخفّفه على عباده، ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦].
وأما تكليف ما لا يُطاق لا للعجز عنه، بل للاشتغال بضدّه من الكفر والفسوق والعصيان، فهذا مما جاءت به الشريعة أمرًا ونهيًا، وتسميته بما لا يطاق خطأٌ، ولم يَرِد بها الشرع الحنيف. وراجع في هذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع
стр. 998
الفتاوى" ٨/ ٤٦٩ وما بعدها، و"درء التعارض" ١/ ٦٥. والله تعالى أعلم.
٢٥ - (ومنها): أن فيه أن الله يَعلَم الجزئيات كما يَعلَم الكليات؛ لتصريح الخبر بأنه يأمر بكتابة أحوال الشخص مفصلة.
٢٦ - (ومنها): أنه مريد لجميع الكائنات بمعنى أنه خالقها ومُقَدِّرها، لا أنه يحبها ويرضاها.
٢٧ - (ومنها): أن جميع الخير والشر بتقدير الله تعالى، وإيجاده، وخالف في ذلك القدرية والجبرية.
فذهبت القدرية إلى أن فعل العبد من قبل نفسه، ومنهم من فرق بين الخير والشر، فنسب إلى الله الخير، ونفى عنه خلق الشر، وقيل: إنه لا يُعرَف قائله، وإن كان قد اشتَهَرَ ذلك، وإنما هذا رأي المجوس.
وذهبت الجبرية إلى أن الكل فعل الله، وليس للمخلوق فيه تأثير أصلًا، وتوسط أهل السنة، فمنهم من قال: أصل الفعل خلقه الله، وللعبد قدرة غير مؤثّرة في المقدور، وأثبت بعضهم أن لها تأثيرًا، لكنه يُسَمَّى كسبا، وبَسطُ أدلتهم يطول. قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التقرير الذي ذكره الحافظ فيه نظرٌ؛ لأنه تقرير منه لكسب الأشاعرة في باب القضاء والقدر، والحقّ أن قدرة العبد ينشأ عنها فعله، ولهذا هو محاسب ومؤاخذٌ عليها، وهي على كلّ حال لا تخرُج عن قدرة الله، ومشيئته بحال، والله تعالى خلق العبد، وخلق قدرته، فـ "الله خالق كلّ صانع وصنعته"، فتبصّر فإن هذا من مزالّ الأقدام، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقد أخرج أحمد، وأبو يعلى من طريق أيوب بن زياد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، حدثني أبي، قال: دخلت على عبادة، وهو مريض، فقلت: أوصني، فقال إنك لن تَطعَم طُعمَ الإيمان، ولن تبلغ حقيقة العلم بالله، حتى تؤمن بالقدر خيره
стр. 999
وشره، وهو أن تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك ... " الحديث، وفيه: "وإن مُتّ، ولست على ذلك دخلت النار".
وأخرجه الطبراني من وجه آخر بسند حسن، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي الدرداء، مرفوعًا مقتصرًا على قوله: "إن العبد لا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه".
٢٨ - (ومنها): أن فيه أن الأقدار غالبة، والعاقبة غائبة، فلا ينبغي لأحد أن يغتر بظاهر الحال، ومن ثَمَّ شُرِع الدعاء بالثبات على الدين، وبحسن الخاتمة، اللهم أحينا وأمتنا على السنّة، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها في محيانا ومماتنا، إنك أنت السميع العليم.
[تنبيه]: حديث ابن مسعود ﵁ المذكور في الباب قد يقال: يُعارضه حديث علي ﵁ الآتي بعد حديث، وهو متّفقٌ عليه، حيث سأل الصحابة ﵃ عن فائدة العمل مع تقدم التقدير، فأجابهم النبيّ ﷺ بقوله: "اعملوا فكل ميسر لما خُلِق له".
ويُجمع بينهما بحمل حديث علي ﵁ على الأكثر الأغلب، وحمل حديث الباب على الأقل، ولكنه لما كان جائزًا تعين طلب الثبات، قاله في "الفتح".
[تنبيه آخر]: حَكَى ابن التين أن عمر بن عبد العزيز ﵀ لمّا سمع هذا الحديث أنكره، وقال: كيف يصحّ أن يعمل العبد عمره الطاعةَ، ثم لا يدخل الجنة. انتهى.
وقد توقف ابن الملقن في صحة ذلك عن عمر، قال الحافظ ﵀: وظهر لي أنه إن ثبت عنه حُمِل على أن راويه حذف منه قوله في آخره: "فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها"، أو أكمل الراوي، لكن استبعد عمر وقوعه، وإن كان جائزًا، ويكون إيراده على سبيل التخويف من سوء الخاتمة، انتهى (١)، والله تعالى أعلم
стр. 1000
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): هذا الحديث يعارضه ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لن يُدخِل أحدًا منكم عمَلُهُ الجنةَ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمّدني الله بفضل ورحمةٍ ... " الحديث.
وأجاب ابن بطال ﵀ عن ذلك بأن تحمل الآية -أي وكذا حديث الباب- على أن الجنة تُنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن يُحمَل الحديث المذكور على دخول الجنة، والخلود فيها.
ثم أورد على هذا الجواب قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، فصَرّح بأن دخول الجنة أيضًا بالأعمال.
وأجاب بأنه لفظ مُجمَل بينه الحديث، والتقدير: ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد بذلك أصل الدخول.
ثم قال: ويجوز أن يكون الحديث مُفَسِّرًا للآية، والتقدير: ادخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله لكم، وتفضله عليكم؛ لأن اقتسام منازل الجنة برحمته، وكذا أصل دخول الجنة هو برحمته، حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته وفضله، وقد تفضل عليهم ابتداء بإيجادهم، ثم برزقهم، ثم بتعليمهم.
وقال القاضي عياض ﵀ طريق الجمع أن الحديث فسّر ما أُجمل في الآية، فذكر نحوًا من كلام ابن بطال الأخير، وأن من رحمة الله توفيقَهُ للعمل، وهدايته للطاعة، وكل ذلك لم يستحقه العامل بعمله، وإنما هو بفضل الله وبرحمته.
وقال ابن الجوزي ﵀: يتحصل عن ذلك أربعة أجوبة:
(الأول): أن التوفيق للعمل من رحمة الله، ولولا رحمة الله السابقة ما حصل الإيمان، ولا الطاعة التي يحصل بها النجاة.
(الثاني): أن منافع العبد لسيده، فعمله مُستَحَقٌّ لمولاه، فمهما أنعم عليه من الجزاء فهو من فضله.
стр. 1001
(الثالث): جاء في بعض الأحاديث أن نفس دخول الجنة برحمة الله، واقتسام الدرجات بالأعمال.
(الرابع): أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير، والثواب لا يَنْفَد، فالإنعام الذي لا ينفد في جزاء ما ينفد بالفضل، لا بمقابلة الأعمال.
وقال الكرماني: الباء في قوله ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] ليست للسببية، بل للإلصاق، أو المصاحبة: أي أورثتموها ملابسة، أو مصاحبة، أو للمقابلة، نحو أَعطيتُ الشاة بالدرهم، وبهذا الأخير جزم الشيخ جمال الدين ابن هشام في "المغني"، فسبق إليه، فقال: تَرِدُ الباء للمقابلة، وهي الداخلة على الأعواض، كاشتريته بألف، ومنه: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] وإنما لم تُقَدَّر هنا للسببية كما قالت المعتزلة (١)، وكما قال الجميع في: "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله" لأن المُعْطِي بعوض قد يعطي مَجّانًا، بخلاف المسبب فلا يوجد بدون السبب، قال: وعلى ذلك ينتفي التعارض بين الآية والحديث.
وقد سبقه إلى ذلك ابن القيم، فقال في كتاب "مفتاح دار السعادة": الباء المقتضية للدخول غير الباء الماضية، فالأولى السببية الدالة على أن الأعمال سبب الدخول المقتضية له، كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها، والثانية بالمعاوضة، نحو اشتريت منه بكذا، فأخبر أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد، وأنه لولا رحمة الله لعبده لما أدخله الجنة، لأن العمل بمجرده، ولو تناهى لا يوجب بمجرده دخول الجنة، ولا أن يكون عوضا لها، لأنه ولو وقع على الوجه الذي يحبه الله، لا يقاوم نعمة الله، بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة، فتبقى سائر نعمه مقتضية لشكرها، وهو لم يُوَفِّها حَقَّ شكرها، فلو عذبه في هذه الحالة لعذبه وهو غير ظالم له، وإذا رحمه في هذه الحالة كانت
стр. 1002
رحمته خيرًا من عمله، كما في حديث أُبَيّ بن كعب الذي أخرجه أبو داود وابن ماجه (١) في ذكر القدر، ففيه: "لو أن الله عذب أهل سماواته وأرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم ... " الحديث.
قال: وهذا فصل الخطاب مع الجبرية الذين أنكروا أن تكون الأعمال سببًا في دخول الجنة من كل وجه، والقدرية الذين زعموا أن الجنة عوض العمل، وأنها ثمنه، وأن دخولها بمحض الأعمال، والحديث يبطل دعوى الطائفتين. والله أعلم.
وجوز الكرماني أيضا أن يكون المراد أن الدخول ليس بالعمل، والإدخال المستفاد من الإرث بالعمل، وهذا إنْ مشى في الجواب عن قوله تعالى: ﴿أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] لم يمش في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢].
قال الحافظ: ويظهر لي في الجمع بين الآية والحديث جواب آخر، وهو أن يحمل الحديث على أن العمل من حيث هو عمل، لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولًا، وإذا كان كذلك فأمر القبول إلى الله تعالى، وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي تعملونه من العمل المقبول، ولا يضر بعد هذا أن تكون الباء للمصاحبة، أو للإلصاق، أو المقابلة، ولا يلزم من ذلك أن تكون سببية.
ثم رأيت النووي جزم بأن ظاهر الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال، والجمع بينها وبين الحديث أن التوفيق للأعمال، والهداية للإخلاص فيها وقبولها إنما هو برحمة الله وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الحديث، ويصح أنه دخل بسبب العمل، وهو من رحمة الله تعالى.
وردّ الكرماني الأخير بأنه خلاف صريح الحديث.
стр. 1003
وقال المازري: ذهب أهل السنة إلى أن إثابة الله تعالى من أطاعه بفضل منه، وكذلك انتقامه ممن عصاه بعدل منه، ولا يثبت واحد منهما إلا بالسمع، وله أن يعذب الطائع، وينعم على العاصي، ولكنه أخبر أنه لا يفعل ذلك، وخبره صدق لا خلف فيه، وهذا الحديث يُقَوِّي مقالتهم، ويرد على المعتزلة حيث أثبتوا بعقولهم أعواض الأعمال، ولهم في ذلك خبط كثير، وتفصيل طويل. انتهى (١). وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٧٧ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سِنَانٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ خَالِدٍ الْحِمْصِيِّ، عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ، قَالَ: وَقَعَ في نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ، خَشِيتُ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيَّ دِينِي وَأَمْرِي، فَأتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ: أَبَا الْمُنْذِرِ إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ في نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ، فَخَشِيتُ عَلَى دِينِي وَأَمْرِي، فَحَدِّثْنِي مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ، فَقَالَ: لَوْ أنَّ اللَّه عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ، وَهُوَ غَيْرُ ظَالمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَته خَيْرًا لهُمْ مِنْ أَعْمَالهِمْ، وَلَوْ كَانَ لَكَ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا، أَوْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ، تُنْفِقُهُ في سَبِيلِ اللَّه، مَا قُبِلَ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، فَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَأنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ، وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ أَخِي عَبْدَ اللَّه بْنَ مَسْعُودٍ، فَتَسْأَلهُ، فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللَّه، فَسَأَلْته، فَذَكَرَ مِثْلَ مَا قَالَ أُبَيٌّ، وَقَالَ لِي: وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ حُذَيْفَةَ، فَأَتَيْتُ حُذَيْفَةَ، فَسَأَلْته، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَا، وَقَالَ: ائْتِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَاسْأَلْهُ، فَأَتيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُوُل: "لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالمٍ لهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَته خَيْرًا لهُمْ مِنْ أَعْمَالهِمْ، وَلَوْ كَانَ لَكَ
стр. 1004
مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، أَوْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا، تُنْفِقُهُ في سَبِيلِ اللَّه، مَا قَبِلَهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ، فَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَأَنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطَّنَافسيّ الكوفيّ، ثقة عابدٌ [١٠] ٩/ ٥٧.
٢ - (إِسْحَقُ بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو يحيى العبديّ الرازيّ، كوفيّ الأصل، ثقة فاضلٌ [٩].
روى عن مالك، وابن أبي ذئب، وحَرِيز بن عثمان، وحنظلة بن أبي سفيان، وأفلح بن حميد، وداود بن قيس الفَرّاء، وأبي سنان البرجُميّ، وغيرهم.
وروى عنه قتيبة، وعمرو الناقد، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وابن نمير، وأبو كريب، وعليّ بن محمد الطنافسيّ، وغيرهم.
قال أبو أسامة: كنا نَستسقِي به، وأثنى عليه أحمد. وقال محمد بن سعيد الأصبهاني: ثنا إسحاق بن سليمان، وكان ثقة. وقال أبو الأزهر: كان من خيار المسلمين. وقال العجلي: ثقة رجل صالح. وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن قانع: صالح. ووثقه ابن نمير. وقال الحاكم: ثقة. وقال ابن وَضّاح الأندلسيّ: ثقة ثبت في الحديث، مُتَعَبِّدٌ كبير. وقال الخليلي في "الإرشاد": ثقة. وقال محمد بن سعد: كان ثقة، له فضل في نفسه وورع، مات بالرّيّ سنة (١٩٩)، وقال أبو الحسين بن قانع: مات سنة (٢٠٠). وذكره ابن حبان في الطبقة الرابعة من الثقات، وأَرَّخَهُ سنة مائتين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث برقم ٧٧ و ٤٠٨ و ٨٢٤ و ٨٤٢ و ١١٤٠ و ١٦٠٤ و ٢٢٦٤ و ٣٥١٣ و ٣٦٩١ و ٣٨٥٣.
٣ - (أبو سِنَانٍ) هو: سعيد بن سنان الْبُرْجميّ -بضم الموحّدة، والجيم بينهما راء ساكنة- الشيبانيّ الأصغر الكوفيّ، نزيل الريّ، صدوقٌ، له أوهامٌ [٦].
رَوَى عن طاوس، وأبي إسحاق السبيعي، وعمرو بن مرة، وسعيد بن جبير،
стр. 1005
وعلقمة بن مرثد، وحبيب بن أبي ثابت، ووهب بن خالد الحمصي، وغيرهم.
وروى عنه الثوري، وابن المبارك، ووكيع، وجرير بن عبد الحميد، وإسحاق بن سليمان الرازي، وأسباط بن محمد القرشي، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: كان رجلًا صالحًا، ولم يكن يقيم الحديث. وقال عبد الله ابن أحمد عن أبيه: ليس بالقوي في الحديث. وقال الدُّوريّ وغيره عن ابن معين: ثقة.
وقال العجلي: كوفي جائز الحديث. وقال ابن سعد: كان من أهل الكوفة، ولكنه سكن الرّيّ، وكان سيء الْخُلُق. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة من رُفَعاء الناس. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان عابدًا فاضلًا. ووثقه يعقوب بن سفيان. وقال ابن عديّ: له غرائب، وأَفْراَدٌ، وأرجو أنه ممن لا يتعمد الكذب، ولعله إنما يَهِمُ في الشيء بعد الشيء. وقال الدارقطني: سعيد بن سنان اثنان: أبو مهدي حمصي يضع الحديث، وأبو سنان كوفي سكن الرّيّ من الثقات.
أخرج له البخاري في "جزء القراءة خلف الإمام"، ومسلم، وأبو داود، والترمذي والنسائي، والمصنّف، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم ٧٧ و ٧٦٥ و ١٥٣٢ و ٣٠٥٧ و ٤٢٢٦.
٤ - (وَهْبُ بْنُ خَالِدٍ الْحِمْصِيِّ) أبو خالد الحميريّ، ثقة [٧].
رَوَى عن ابن الديلمي، ومحمد بن زياد الألهاني، وأسد بن وَدَاعَة، وأم حبيبة بنت العرباض بن سارية.
وروى عنه أبو سنان سعيد بن سنان البرجميّ، وأبو عاصم النبيل.
قال الآجري عن أبي داود: ثقة لقيه أبو عاصم بمكة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: وهب بن خالد حمصي ثقة.
أخرج له أبو داود، والترمذي، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (ابْنُ الدَّيْلَمِيِّ) هو: عبد الله بن فَيْروز، ثقة، من كبار التابعين، ومنهم من
стр. 1006
ذكره في الصحابة، تقدّم في ٧/ ٤٩.
٦ - (زيد بن ثابت) بن الضحاك بن زيد بن لُوذان بن عمرو بن عَبد عَوف بن غَنْم بن مالك بن النجار الأنصاري، أبو سعيد، ويقال: أبو خارجة المدني، قَدِمَ النبي ﷺ المدينة، وهو ابن إحدى عشرة سنة، وكان يكتب له الوحي، رَوَى عنه، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵁.
وروى عنه ابناه: خارجة، وسلمان، ومولاه ثابت بن عبيد، وأم سَعْد، قيل: إنها ابنته، وأبو هريرة، وأنس، وأبو سعيد، وسهل بن حُنيف، وابن عمر، وسهل بن سعد، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وسهل بن أبي حَثْمَةَ، ومروان بن الحكم، وأبان بن عثمان، وبُسْر بن سعيد، وطاووس، وعُبيد بن السَّبَّاق، وعطاء بن يسار، وغيرهم من الصحابة والتابعين.
قال عاصم عن الشعبي: غلب زيدٌ الناسَ على اثنتين: الفرائضِ والقرآنِ. وقيل: إن أوّل مشاهده يوم الخندق. قاله الواقدي. وكانت معه راية بني النجار يوم تبوك، وكانت أوّلًا مع عُمارة بن حَزْم، فأخذها النبي ﷺ منه، فدفعها لزيد بن ثابت، فقال: يا رسول الله بلغك عني شيء؟ قال: "لا، ولكن القرآن مُقَدَّم". أخرجه الحاكم في "المستدرك" ٣/ ٤٢١.
وكان زيد من علماء الصحابة، وكان هو الذي تولى قسم غنائم اليرموك. وهو الذي جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ ثبت ذلك في "الصحيح"، وقال له أبو بكر: إنك شابٌّ عاقل، لا نَتَّهِمُك. وروى البخاري تعليقًا، والبغوي، وأبو يعلى موصولًا عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن أبيه، قال: أُتِي بي النبي ﷺ مَقْدَمَهُ المدينة، فقيل: هذا من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأتُ عليه فأعجبه ذلك، فقال: "تعلم كتاب يهودَ، فإني ما آمنهم على كتابي"، ففعلت، فما مضى لي نصف شهر حتى حَذِقتُهُ، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له. ورواه عبد بن حميد من طريق ثابت بن عبيد، عن زيد بن ثابت، قال: قال لي النبي ﷺ : "إني أكتب إلى قوم، فأخاف أن يزيدوا عليّ، أو
стр. 1007
ينقصوا، فتَعَلَّمِ السُّرْبانية، فتعلمتها في سبعة عشر يومًا. وروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح عن الشعبي قال: ذهب زيد بن ثابت ليركب، فأمسك ابن عباس بالركاب، فقال: تَنَحّ يا ابن عَمّ رسول الله ﷺ قال: لا، هكذا نفعل بالعلماء والكبراء. وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أفرضكم زيد"، رواه أحمد بإسناد صحيح، وقيل: إنه معلول. ورَوَى ابن سعد بإسناد صحيح قال: كان زيد بن ثابت أحد أصحاب الفتوى، وهم ستة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وأُبَيٌّ، وأبو موسى، وزيد بن ثابت. ورُوِي بسند فيه الواقدي من طريق قبيصة قال: كان زيد رأسًا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض، وقال مسروق: قَدِمتُ المدينة، فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم.
وقال علي بن زيد بن جُدْعان، عن سعيد بن المسيب: شَهِدتُ جنازة زيد بن ثابت، فلما دُلِّيَ في قبره قال ابنُ عباس ﵄: مَن سَرّه أن يعلم كيف ذَهَاب العلم؟ فهكذا ذهاب العلم، والله لقد دُفن اليوم علم كثير. وقال أبو هريرة ﵁ حين مات: مات حبر هذه الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا.
مات زيد سنة اثنتين، أو ثلاث، أو خمس وأربعين، وقيل: سنة إحدى، أو اثنتين، أو خمس وخمسين، وفي خمس وأربعين قول الأكثر، وفضائله كثيرة (١).
أخرج له الجماعة، روى من الأحاديث (٩٢) حديثًا، اتفق الشيخان على (٥) وانفرد البخاريّ بـ (٤) ومسلم بحديث واحد، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث برقم ٧٧ و٢٣٠ و ١٦٩٤ و ٢٢٦٨ و ٢٢٦٩ و ٢٣٨١ و ٢٤٦١ و ٢٨٢٣ و ٣١٧٦ و ٤١٠٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
стр. 1008
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى أبي سنان.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحد الراسخين في العلم، وأعلم الناس بالفرائض، وكاتب الوحي للنبيّ ﷺ .
٥ - (ومنها): أن جملة ما رواه المصنف لكل من زيد بن ثابت ﵁، وإسحاق بن سليمان عشرة أحاديث، ولأبي سنان خمسة، ولوهب بن خالد حديث واحد فقط، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن) عبد الله (ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ) بفتح الدال المهملة، واللام، بينهما ياء تحتانيّة ساكنة-: نسبة إلى الديلم، وهي بلاد معروفة نُسب إليها خلق كثير من العلماء. قاله السمعانيّ (١) (قَالَ: وَقَعَ في نَفْسِي شَيْءٌ) أي حزازة واضطراب عظيم (مِنْ هَذَا الْقَدَرِ) أي لأجل القدر، أي القول به، يريد أنه وقع في نفسه من الشُّبَه لأجل القول بالقدر، أو المراد بالقدر هو القول بنفي القدر الذي هو مذهب القدريّة. قاله السنديّ ﵀.
(خَشِيتُ) بكسر الشين المعجمة، من باب تَعِبَ، يقال: خَشِيَ خَشْيَةً: خاف، فهو خَشْيان، والمرأة خَشْيَا، مثلُ غضبان وغضبى، وربما قيل: خَشِيتُ بمعنى عَلِمْتُ. قاله في "المصباح" (٢) (أَنْ يُفْسِدَ) بضم أوله، من الإفساد (عَلَيَّ دِينِي) أي بخروجي من ملّة الإسلام بسبب إنكاره أحد أركان الإيمان، وهو الإيمان بالقدر (وَأَمْرِي) أي أمر الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فحيث يخرج من صفوف المسلمين، ويدخل في صفوف القدريّة الضالين، وأما في الآخرة، فحيث لا ينال درجة المؤمنين الذين استكملوا أركان الإيمان، ويدخلون الجنة (فَأَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) ﵁، هو: أُبَيّ بن كعب بن قيس بن عُبيد بن زيد
стр. 1009
بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، أبو المنذر، ويقال: أبو الطفيل المدنيّ، سيد القراء. رَوَى عن النبي ﷺ ، وروى عنه عمر بن الخطاب، وأبو أيوب، وأنس بن مالك، وسليمان بن صرد، وسهل بن سعد، وغيرهم.
شَهِد بدرًا، والعقبة الثانية. وسماه النبيّ ﷺ سيّد الأنصار، وقال عمر بن الخطاب ﵁: سيد المسلمين أبي بن كعب. وكان يكتب الوحي للنبيّ ﷺ ، وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، وأحد الفقهاء الستة الذين كانوا يُفتون على عهد رسول الله ﷺ ، وثبت في "الصحيح" أن النبي ﷺ قال له: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا". ورَوَى الترمذيّ حديث أنس الذي فيه: "وأقرؤهم أُبي بن كعب".
قال الهيثم بن عدي: مات سنة (١٩). وقيل: سنة (٣٢) في خلافة عثمان ﵁، وفي موته اختلاف كثير جدًّا، والأكثرون على أنه في خلافة عمر.
وروى ابن سعد في الطبقات بإسناد رجاله ثقات، لكن فيه إرسال أن عثمان أمره أن يجمع القرآن، فعلى هذا يكون موته في خلافته، قال الواقدي وهو أثبت الأقاويل عندنا.
أخرج له الجماعة، روى (١٦٤) حديثًا، اتّفق الشيخان على ثلاثة، وانفرد البخاريّ بأربعة، ومسلم بسبعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا.
(فَقُلْتُ: أَبَا الْمُنْذِرِ) كنية أبيّ ﵁ (إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الذي تفسّره الجملة بعده، وقد تقدّم تمام البحث فيه، فلا تغفل (قَدْ وَقَعَ في نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ) تقدّم آنفًا المراد به (فَخَشِيتُ عَلَى دِيني وَأَمْرِي، فَحَدِّثْني مِنْ ذَلِكَ بِشَيْء) أي بحديث مما يتعلّق بمسألة القدر ثبوتًا حتى يزول ذلك منّي (لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَني بِهِ) قال الطيبيّ ﵀: أدخَلَ "أن" في خبر "لعلّ" تشبيهًا لها بـ "عسى". ووقع في رواية أبي داود: "بلفظ: "فحدّثني لعلّ الله أن يُذهبه من قلبي".
قال الطيبيّ: قال أوّلًا: "في نفسي"، وثانيًا "منْ قلبي" إشعارًا بأن ذلك تمكّن منه،
стр. 1010
وأخذ بمجامعه من ذاته وقلبه. انتهى (١).
قال القاري بعد ذكر كلام الطيبيّ: والأظهر أن الحزازة تنشأ من الخطرات النفسيّة، والثبات والاطمئنان من الصفات القلبيّة. انتهى (٢).
(فَقَالَ) أُبيّ بن كعب ﵁ مجيبًا لسؤاله (لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ) من الملائكة المقرّبين (وَأَهْلَ أَرْضِهِ) من الأنبياء والأولياء والصالحين (لَعَذَّبَهُمْ) قال القاري: وفيه إشكال، ودفعه أن الشرطيّة غير لازمة الوقوع. انتهى. وقوله: (وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لهُمْ) جملة في محلّ نصب على الحال: أي والحال أنه غير ظالم لهم في تعذيبهم ذلك؛ لأنه متصرّفٌ في مُلْكِه ومِلْكه، فعذابه عدلٌ، وثوابه فضلٌ.
وفيه إرشاد عظيم، وبيان شافٍ لإزالة ما طَلَب منه؛ لأنه هَدَم قاعدة القول بالحسن والقبح عقلًا؛ لأنه مالك السموات والأرض، وما فيهنّ، ويتصرّف في ملكه كيف شاء، ولا يُتصوّر فيه الظلم؛ لأنه تصرّف في ملك غيره، ولا ملك لغيره أصلًا. أفاده الطيبيّ (٣).
ثم عطف على ما سبق قوله: (وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَته خَيْرًا لهُمْ مِنْ أَعْمَالهِمْ) إيذانًا بأن النجاة من العذاب إنما هي برحمته وفضله، لا بالأعمال الصالحة، وإيجابها إياها؛ إذ هي لا توجبها عليه، كيف، وهي من جملة رحمته بهم، فرحمته إياهم محض فضل منه تعالى عليهم، فلو رحم الأولين والآخرين فله ذلك، ولا يخرج ذلك عن حكمة، غايته أنه أخبر أن المطيعين لهم الثواب، وأن العاصين لهم العقاب، كما هو مثبت في أم الكتاب، فالأمر المقدّر لا يتبدّل، ولا يتغيّر، وهذا هو الصواب في الجواب. قاله القاري (٤).
стр. 1011
(وَلَوْ كانَ لَكَ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ) بضمّتين: جبل عظيم قرب المدينة النبويّة، معروف، وقعت فيه الوقعة المشهورة (ذَهَبًا) منصوب على التمييز (أَوْ) للشكّ من الراوي: أي أو قال (مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ، تُنْفِقُهُ) بضم أوله، من الإنفاق رباعيّا (في سَبِيلِ اللَّهِ) أي مرضاته، وطريق خيراته، أو المراد الإنفاق في الجهاد (مَا قُبِلَ مِنْكَ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية أبي داود: "ما قبل الله منك". يعني أن الله لا يقبل منك ذلك الإنفاق، أو مثل ذلك الجبل، وهو تمثيل على سبيل الفرض، لا تحديد؛ إذ لو فُرض إنفاق ملء السموات والأرض كان كذلك. قاله الطيبي (١).
وقال السنديّ ﵀: قوله: "ما قُبِل منك" يشير إلى أنه لا قبول لعمل المبتدع عند الله تعالى، أو هو مبنيّ على القول بكفر منكره.
(حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ) أي بأن جميع الأمور الكائنة خيرها وشرّها، حُلْوها ومُرّها، نفعها وضرّها، قليلها وكثيرها، كبيرها وصغيرها كلّ بقضائه ، وقدره، وإرادته، وأمره، وأنه ليس فيها لهم إلا مباشرة الفعل بقدرة ناشئة من قدرته تعالى، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠].
(فَتَعْلَمَ) بالنصب عطفًا على "تؤمن"، وهو شروع في التخصيص بعد التعميم (أَنَّ مَا أَصَابَكَ) من النعمة والبليّة، أو الطاعة والمعصية مما قدّر الله لك، أو عليك (لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ) بضم أوله رباعيّا: أي يَتجاوز عنك، فلا يصيبك، بل لا بدّ من إصابته، والحيل غير نافعة في دفعه، وعنوان "لم يكن ليخطئك" يدلّ على أنه محال أن يخطئك، والوجه في دلالته أن "لم يكن" يدلّ على المضيّ، و"ليُخطئك" يدلّ على الاستقبال بواسطة الصيغة، سيّما مع "أَنْ" المقدّرة، فيدلّ على أنه ما كان قبل الإصابة في الأزمنة الماضية قابلًا لأن يُخطئك في المستقبل بواسطة تقدير الله تعالى وقضائه في الأزل بذلك. (٢).
стр. 1012
وقال الطيبيّ ﵀: هذا وُضع موضع المحال، كأنه يقول: محالٌ أن يُخطئك، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ الآية [آل عمران: ١٧٩]: أي لا ينبغي، ولا يصحّ، ومحال أن يُطلعكم عليه، لأن فيه ثلاث مبالغات:
[أحدها]: دخول اللام المؤكّدة للنفي في الخبر.
[وثانيها]: تسليط النفي على الكينونة.
[وثالثها]: سرايته في الخبر. قال بعض المغاربة: فائدةُ دخول "كان" المبالغةُ في نفس الفعل الداخلة عليه؛ لتعديد جهته لنفيه عمومًا باعتبار الكون، وخصوصًا باعتبار الخبر، فهو نفي مرّتين. انتهى.
كأنه أشير إلى أن هذا الفعل من الشئون التي عدمها راجح على الوجود، وأنها من قبيل المحال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية [الأنفال: ٣٣]. انتهى كلام الطيبيّ (١).
(وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ) أي من الخير والشرّ (لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ) قال الطيبيّ ﵀: الخطأ: العدول عن الجهة، ومن أراد شيئًا، واتّفق غيره يقال: أخطأ، وإن وقع منه كما أراده، يقال: أصاب. انتهى (٢).
(وَأَنَّكَ إِنْ مُتَ) ولفظ أبي داود: "ولو متّ"، وهو بضم الميم وكسرها، يقال: مات يموت موتًا، من باب نصر، ومات يَمَات من باب خاف يخاف، ويقال أيضًا مِتُّ بالكسر أموتُ بالضمّ لغة ثالثة، وهي من تداخل اللغتين. قاله في "المصباح" (٣) (عَلَى غَيْرِ هَذَا) أي على اعتقاد غير هذا الذي ذكرت لك من الإيمان بالقدر (دَخَلْتَ النَّارَ) قال القاري ﵀: يحتمل هذا الوعيد، ويحتمل التهديد. انتهى (٤) (وَلَا عَلَيْكَ) أي
стр. 1013
ليس عليك حرج (أَنْ تَأْتِيَ أَخِي) أراد به أخوّة الإسلام؛ لأنه ليس بينهما نسبٌ؛ لأن أُبيّ ابن كعب ﵁ أنصاريّ خزرجيّ، وعبد الله بن مسعود ﵁ مهاجريّ هُذَليّ (عَبْدَ اللَّهَ بْنَ مَسْعُودٍ) الصحابيّ المشهور صاحب السجادة، والمِخَدّة، والنعلين، والطهور، تقدّمَت ترجمته في ٢/ ١٩ (فَتَسْأَلَهُ) أي عما سألتني عنه ليتأكّد لك الجواب، وهذا فيه أن أبيّا ﵁ يعلم أن ابن مسعود ﵁ لا يخالفه فيه، حيث إنه من الأمور المسلّمة لدى الصحابة ﵃، فإنهم مجمعون على وجوب الإيمان بالقدر.
قال ابن الديلميّ ﵀ (فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللَّه) أي ابن مسعود ﵁ (فَسَأَلْتُهُ، فَذَكَرَ) أي ابن مسعود ﵁ (مِثْلَ مَا قَالَ أُبَيّ) بن كعب ﵁، أي مثل جوابه في سؤالي له (وَقَالَ) أي ابن مسعود ﵁ (لِي: وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ حُذَيْفَةَ) بن اليمان الصحابيّ الجليل، صاحب سرّ رسول الله ﷺ ، فقد ثبت في "صحيح مسلم" أنه ﷺ أعلمه بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأبوه أيضًا صحابيّ، واسمه حِسْل بكسر فسكون، أو حُسيل مصغّرًا، واليمان لقبه، استُشهِد بأحد ﵄، وقد تقدّمت ترجمة حذيفة ﵁ في ٧/ ٤٩ (فَأَتَيْتُ حُذيْفَةَ) ﵁ (فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَا) أي أبيّ وابن مسعود ﵄ (وَقَالَ) أي حذيفة ﵁ (ائْتِ زيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) ﵁، سبقت ترجمته مع رجال الإسناد (فَاسْأَلْهُ، فَأَتيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ) أي زيد ﵁ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: "لَوْ أَنَّ اللَّه عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لهُمْ مِنْ أَعْمَالهِمْ، وَلَوْ كَانَ لَكَ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، أَوْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا، تُنْفِقُهُ في سَبِيلِ اللَّه، مَا قَبِلَهُ مِنْكَ حَتَى تُؤْمِنَ بالْقَدَرِ كُلِّهِ، فَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَأَنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ") فظهر بهذا أن حديث الثلاثة: أُبيّ، وابن مسعود، وحُذيفة ﵃ موقوفٌ، وحديث زيد بن ثابت ﵁ مرفوع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 1014
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث زيد بن ثابت ﵁ هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا بهذا السند فقط، وأخرجه (أبو داود) (٤٦٩٩) و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٨٢ و ١٨٥ و ١٨٩) و (عبد بن حميد) في "مسنده" (٢٤٧) و (ابن أبي عاصم) في "السنة" (٢٤٥) و (ابن حبان) في "صحيحه" (٧٢٧) و (الآجرّيّ) في "الشريعة" (١٨٧) و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٤٩٤٠) و (البيهقيّ) في "السنن الكبرى" ١٠/ ٢٠٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان وجوب الإيمان بالقدر، فيجب على العبد أن يؤمن أن كلّ شيء بقدر، وأن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
٢ - (ومنها): عناية السلف بطلب العلم، ولا سيّما ما يتعلّق بالعقائد.
٣ - (ومنها): أنه ينبغي للشخص إزالة ما يعتري قلبه من الشكوك والشبهات بسؤال أهل العلم؛ لأن الشك والشبهة ظلمات، والعلم نور، ولا يزيل الظلمات إلا النور.
٤ - (ومنها): أنه ينبغي الخوف والقلق مما يصيب القلب من الانحرافات؛ لأنه يفسد الدين والدنيا.
٥ - (ومنها): أن في سؤال ابن الديلميّ ﵀ هؤلاء الصحابة واحدًا بعد واحد، واتفاقهم في الجواب من غير تغيير، ثم انتهاء الجواب إلى النبيّ ﷺ دليلٌ على الإجماع المستند إلى النصّ الجليّ، انظر إلى هذه التشديدات والمبالغات، ثم احكم على من
стр. 1015
خالفها بالمكابرة والعناد الصريح. أفاده الطيبيّ ﵀ (١).
٦ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم إذا رأى من المستفتي قَلَقًا أن يرشده بعد أن يفتيه إلى عالم غيره ليزول عنه قلقه، ويطمئنّ قلبه أتمّ اطمئنان.
٧ - (ومنها): أنه لا يتصوّر الظلم في تصرّف الله في خلقه؛ لأنهم ملكه، يفعل فيهم ما يشاء، ويحكم فيهم بما يريد، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
٨ - (ومنها): أن الأعمال ليست موجبة للنجاة من النار ودخول الجنة، بل ذلك بمحض فضل الله ورحمته، كما سبق حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه مرفوعًا: "لن يدخل أحدًا عمله الجنة"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: "لا ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة ... " الحديث.
٩ - (ومنها): أن من لم يؤمن بالقدر لا يُقبل عمله الصالح؛ لأنه مبتدع، وليس من المتقين، وقد قال الله : ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
١٠ - (ومنها): أن فيه الحثّ على التوكل والرضا، ونفي الحول والقوّة إلا بالله، وملازمة القناعة والصبر على المصائب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٧٨ - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ...
(ح) وحَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ ابْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِب، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَبِيَدِهِ عُودٌ، فَنكَتَ في الْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجنَّةِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّه، أَفلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: "لَا
стр. 1016
اعْمَلُوا، وَلَا تَتَّكِلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لمَا خُلِقَ لَهُ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠]).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقة حافظ شهير [١٠] ٥/ ٤٠.
٢ - (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السُّلَميّ (١)، أبو حمزة الكوفي، ثقة [٣].
روى عن المغيرة بن شعبة، وابن عمر، والبراء بن عازب، وحِبّان بن عطية، والمستورد بن الأحنف، وأبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وكان خَتَنَه على ابنته.
وروى عنه الأعمش، ومنصور، وفِطْرُ بن خليفة، وحصين، وأبو حَصِين، والحكم بن عتيبة، وزُبيد اليامي، وعمرو بن مرة، وعلقمة بن مرثد، وأبو مالك الأشجعي، وجماعة.
قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: كان يرى رأي الخوارج، ثم تركه، يكتب حديثه. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: تابعيّ ثقة. وقال ابن سعد، وابن حبّان، والكلاباذيّ: مات في ولاية عمر ابن هُبيرة على العراق.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم ٧٨ و ٢١١ و ٨٩٧ و ١٣٥١ و ٤٢٦٩.
٣ - (أبو عبد الرحمن السُّلَميّ) هو: عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعة الكوفيّ المقرىء، ثقة ثبتٌ، ولأبيه صحبة، تقدّم في ٢/ ٢٠.
стр. 1017
٤ - (علي بن أبي طالب) الخليفة الراشد ﵁ تقدّم في ٢/ ٢٠.
والباقون تقدّموا قبل حديث. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجاله الصحيح، غير شيخه عليّ بن محمد، فإنه من رجال الأربعة، وهو ثقة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين.
٤ - (ومنها): أن سعد بن عُبيدة هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وله فيه خمسة أحاديث فقط، كما بينتها آنفًا.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش عن سعد، عن أبي عبد الرحمن.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الأربعة، والعشر المبشّرين بالجنة، وهو جمّ المناقب ﵁، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) ووقع عند البخاريّ في "التفسير" من طريق شعبة، عن الأعمش، سمعت سعد بن عبيدة، فصرّح بالسماع (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حَبيب (السُّلَمِيِّ) -بضم السين المهملة، وفتح اللام: نسبة إلى سُليم قبيلة مشهورة. قاله في "لب اللباب" ٢/ ٢٣.
(عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ﵁، وفي رواية مسلم البطين، عن أبي عبد الرحمن السلميّ: "أخذ بيدي عليّ، فانطلقنا نمشي حتى جلسنا على شاطىء الفرات، فقال علي: قال رسول الله ﷺ ... " فذكر الحديث مختصرًا.
(قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا) جمع جالس، وفي رواية عبد الواحد، عن الأعمش: "كنا قعودا"، وزاد في رواية سفيان الثوري، عن الأعمش: "كنا مع النبي ﷺ في بقيع الْغَرْقَد
стр. 1018
-بفتح الغين المعجمة والقاف، بينهما راء ساكنة- في جنازة"، قال الحافظ: ظاهره أنهم كانوا جميعا شهدوا الجنازة، لكن أخرجه البخاريّ في "الجنائز" من طريق منصور، عن سعد بن عبيدة، فبين أنهم سبقوا بالجنازة، وأتاهم النبي ﷺ بعد ذلك، ولفظه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ ، فقعد، وقعدنا حوله".
(عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَبِيَدِهِ عُودٌ) بضم العين المهملة، وسكون الواو: الخشب، وجمعه أعواد (فَنكَتَ في الْأَرْضِ) أي ضرب فيها ضربًا أثّر فيها، قال في "القاموس": النّكْتُ -أي بفتح، فسكون-: أن تضرب في الأرض بقَضِيب، فيؤثّر فيها. انتهى.
وفي رواية البخاريّ: "ومعه عود ينكت به في الأرض"، وفي رواية: "ومعه مِخْصَرة" -بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح الصاد المهملة-: هي عصًا، أو قضيب يمسكه الرئيس ليتوكأ عليه، ويدفع به عنه، ويشير به لما يريد، وسميت بذلك لأنها تُحمَل تحت الْخِصْر غالبًا للإتكاء عليها. وفي اللغة اختصر الرجل: إذا أمسك المخصرة.
(ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ) أي بعد تنكيسه، ففي رواية البخاريّ: "فنكس"، وهو بتشديد الكاف أي أطرق.
(فَقَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) زاد في رواية عند البخاريّ: "ما من نفس منفوسة": أي مصنوعة مخلوقة (إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ) أي موضع قعوده (مِنَ الجنَّةِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ) قال الطيبيّ: كنى به عن كونه من أهل الجنّة أو النار باستقراره فيها، والواو المتوسّطة بينهما لا يُمكن أن تجري على ظاهرها، فإن "ما" النافية، و"من" الاستغراقيّة تقتضيان أن يكون لكلّ أحد مقعده من النار، ومقعده من الجنة، وإن ورد في حديث آخر هذا المعنى إلا أن التفصيل (١) الآتي يأبى حمله على ذلك، فيجب أن يقال: إن الواو بمعنى "أو". انتهى (٢).
стр. 1019
ووقع في البخاريّ بلفظ: "إلا قد كُتب مقعده من النار، أو من الجنة"، قال في "الفتح": "أو" للتنويع، قال: وفي رواية منصور: "إلا كتب مكانها من الجنة والنار"، وزاد فيها: "وإلا وقد كُتبت شقيةً أو سعيدةً، وإعادة "إلا" يحتمل أن يكون "ما من نفس" بدل "ما منكم"، و"إلا" الثانية بدلًا من الأولى، وأن يكون من باب اللف والنشر، فيكون فيه تعميم بعد تخصيص، والثاني في كُلٍّ منهما أعم من الأول، أشار إليه الكرماني. انتهى (١).
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّه) وفي رواية البخاريّ: "فقال رجل من القوم"، وفي رواية له: "فقالوا"، والرجل القائل هو سُراقة بن مالك بن جُعْشُم، فقد أخرجه المصنف برقم (٩١) عن مجاهد عن سراقة بن جعشم، قال: قلت: يا رسول الله العمل فيما جف به القلم، وجرت به المقادير، أم في أمر مُستقبل؟ قال: "بل فيما جف به القلم، وجرت به المقادير، وكل ميسر لما خلق له".
وفي رواية مسلم من حديث جابر ﵁ عند مسلم قال: "جاء سراقة، فقال: يا رسول الله أَنَعْمَل اليوم فيما حُفّت به الأقلام، وجرت به المقادير، أو فيما يُستَقبَل؟ قال: بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، فقال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، وأخرجه الطبراني، وابن مردويه نحوه، وزاد: "وقرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾.
ووقع هذا السؤال وجوابه سوى تلاوة الآية لشُرَيح بن عامر الكلابيّ، أخرجه أحمد والطبراني، ولفظه: قال: ففيم العمل إذًا؟ قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، وأخرج الترمذي من حديث ابن عمر قال: قال عمر: يا رسول الله أرأيت ما نَعمَل فيه أمر مُبتَدَعٌ، أو أمر قد فُرِغ منه؟ قال: "فيما قد فُرِغ منه ... "، فذكر نحوه، وأخرج البزار، والفريابيّ، من حديث أبي هريرة: أن عمر قال: يا رسول الله ... فذكره، وأخرجه أحمد،
стр. 1020
والبزار، والطبراني من حديث أبي بكر الصديق، قلت: يا رسول الله، نعمل على ما فُرغ منه ... الحديث نحوه، ووقع في حديث سعد بن أبي وقاص، فقال رجل من الأنصار.
والجمع بين هذه الروايات أن يُحمل على تعدد السائلين عن ذلك، فقد وقع في حديث عبد الله بن عمرو أن السائل عن ذلك جماعة، ولفظه: فقال أصحابه: ففيم العمل إن كان قد فُرغ منه؟ فقال: "سَدِّدُوا، وقاربوا، فإن صاحب الجنة يُختَم له بعمل أهل الجنة، وإن عَمِلَ أيَّ عملٍ ... " الحديث. أخرجه الفريابيّ. ذكره في "الفتح" (١).
(أَفَلَا نَتَّكِلُ؟) أي أفلا نعتمد على ما كُتب لنا في الأزل، ونترك العمل؟ يعني أنه إذا سبق القضاء لكل واحد منّا بالجنة أو النار، فأيّ فائدة في السعي، فإنه لا يردّ قضاء الله وقدره.
وقال في "الفتح": الفاء مُعَقِّبةٌ لشيء محذوف تقديره: فإذا كان كذلك، أفلا نتكل، وفي رواية للبخاريّ: "ألا نتكل يا رسول الله"، وفي رواية: "أفلا نتكل على كتابنا، وندع العمل": أي نعتمد على ما قُدِّر علينا، وزاد في رواية: "فمن كان منا من أهل السعادة، فيصير إلى عمل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاوة مثله".
وقال السنديّ ﵀ في "شرحه": قوله: "أفلا نتكل": ما حاصله: أي إذا كان العمل لا يردّ القضاء والقدر السابق، فلا فائدة فيه، فنبّه بالجواب عنه أن الله تعالى دبّر الأشياء على ما أراد، وربط بعضها ببعض، وجعلها أسبابًا ومسبّبات، ومن قدّره من أهل الجنّة قدّر له ما يُقرّبه إليها من الأعمال، ووفقه لذلك، بإقداره، ويُمكّنه منه، ويُحرّضه عليه بالترغيب والترهيب، ومن قدّر أنه من أهل النار قدّر له خلاف ذلك، وخذَلَهُ حتى اتّبع هواه، وترك أمر مولاه.
والحاصل أنه جعل الأعمال طريقًا إلى نيل ما قدّره له من جنة أو نار، فلا بدّ من المشي في الطريق، وبواسطة التقدير السابق يتيسّر ذلك المشي لكلٍّ في طريقه، ويَسهلُ