← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

[البقرة: ٣٠]، فأخبر قبل كون آدم أنه إنما خَلقه للأرض، وأنه لا يتركه في الجنة، حتى ينْقُله منها إليها، فكان تناوله من الشجرة سببًا لإهباطه إلى الأرض التي خلق لها، وللكون فيها خليفة، وواليًا على من فيها. قال: وإنما أدلى آدم ﵇ بالحجة على هذا المعنى، ودفع لائمة موسى ﵇ عن نفسه على هذا الوجه، ولذلك قال: "أتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل أن يخلقني؟ ". [فإن قيل]: فعلى هذا يجب أن يسقط عنه اللوم أصلًا؟. [قيل]: اللوم ساقط من قبل موسى؛ إذ ليس لأحد أن يُعيّر أحدًا بذنب كان منه؛ لأن الخلق كلهم تحت العبودية أكفاء سواء. وإنما يتجه اللوم من قِبَلِ الله ؛ إذ كان قد أمره ونهاه، فخرج إلى معصيته، وباشر ما نهاه عنه، ولله الحجة البالغة ، لا شريك له. قال: وقول موسى ﵇، وإن كان منه في النفس شبهة، وفي ظاهره مُتَعَلَّقٌ لاحتجاجه بالسبب الذي قد جُعل أمارة لخروجه من الجنّة، فقول آدم في تعلّقه بالسبب الذي هو بمنزلة الأصل، أرجح، والْفَلَج فيه قد يقع مع المعارضة بالترجيح، كما يقع بالبرهان الذي لا يُعارض له. انتهى كلام الخطابيّ في "معالم السنن" (١). وقال في "أعلام الحديث" نحوه مُلَخّصًا وزاد: ومعنى قوله: "فحَجّ آدم موسى" دفع حجته التي ألزمه اللومَ بها، قال: ولم يقع من آدم إنكار لما صدر منه، بل عارضه بأمر دَفَعَ به عنه اللوم. قال الحافظ ﵀: ولم يتلخص من كلامه مع تطويله في الموضعين، دفعٌ للشبهة إلا في دعواه أنه ليس للآدمي أن يلوم آخر مثله على ما فَعَل ما قدره الله عليه، وإنما يكون ذلك لله تعالى؛ لأنه هو الذي أمره ونهاه. وللمعترض أن يقول: وما المانع إذا كان ذلك لله، أن يباشره من تَلَقَّى عن الله من

стр. 1052

رُسُله، ومن تلقى عن رسله، ممن أُمر بالتبليغ عنهم. وقال القرطبي ﵀: إنما غلبه بالحجة؛ لأنه عَلِم من التوراة أن الله تاب عليه، فكان لومه له على ذلك نوع جفاء، كما يقال: ذكر الجفاء بعد حصول الصفاء جفاء، ولأن أثر المخالفة بعد الصفح يَنمحي حتى كأنه لم يكن، فلا يصادف اللوم من اللائم حينئذ محلا. انتهى. وهو محصل ما أجاب به المازري وغيره من المحققين، وهو المعتمد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قد أنكر القدرية هذا الحديث؛ لأنه صريح في إثبات القدر السابق، وتقرير النبي ﷺ لآدم ﵇ على الاحتجاج به، وشهادته بأنه غلب موسى، فقالوا: لا يصحّ؛ لأن موسى ﵇ لا يلوم على أمر قد تاب منه صاحبه، وقد قَتَلَ هو نفسًا لم يؤمر بقتلها، ثم قال: رب اغفر لي فغفر له، فكيف يلوم آدم على أمر قد غُفر له. ثانيها (١): لو ساغ اللوم على الذنب بالقدر الذي فُرغ من كتابته على العبد، لا يصح هذا لكان من عوتب على معصية، قد ارتكبها، فيحتج بالقدر السابق، ولو ساغ ذلك لانسد باب القصاص والحدود، ولاحتج به كل أحد على ما يرتكبه من الفواحش، وهذا يفضي إلى لوازم قطعية، فدل ذلك على أن هذا الحديث لا أصل له. [والجواب]: من أوجه: [أحدها]: آن آدم إنما احتج بالقدر على المعصية، لا المخالفة، فإن محصل لوم موسى إنما هو على الإخراج، فكأنه قال: أنا لم أخرجكم، وإنما أخرجكم الذي رَتَّبَ الإخراج على الأكل من الشجرة، والذي رتب ذلك قَدَّرَه قبل أن أُخلق، فكيف تلومني على أمر ليس لي فيه نسبة إلا الأكل من الشجرة، والإخراج المرتب عليها ليس من فعلي. وهذا الجواب لا يدفع شبهة الجبرية.

стр. 1053

[ثانيها]: إنما حكم النبي ﷺ لآدم بالحجة في معنى خاص، وذلك لأنه لو كانت في المعنى العام لا تقدم من الله تعالى لومه بقوله: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]، ولا واخذه بذلك، حتى أخرجه من الجنة، وأهبطه إلى الأرض، ولكن لما أخذ موسى في لومه، وقدم قوله له: أنت الذي خلقك الله بيده، وأنت وأنت لم فعلت كذا؟ عارضه آدم بقوله: أنت الذي اصطفاك الله، وأنت وأنت. وحاصل جوابه إذا كنت بهذه المنزلة، كيف يَخفَى عليك أنه لا محيد من القدر، وإنما وقعت الغلبة لآدم من وجهين: [أحدهما]: أنه ليس لمخلوق أن يلوم مخلوقا في وقوع ما قُدّر عليه، إلا بإذن من الله تعالى، فيكون الشارع هو اللائم، فلما أخذ موسى في لومه من غير أن يؤذن له في ذلك، عارضه بالقدر فأسكته. [والثاني]: أن الذي فعله آدم اجتمع فيه القدر والكسب، والتوبة تمحو أثر الكسب، وقد كان الله تاب عليه، فلم يبق إلا القدر، والقدر لا يتوجه عليه لوم؛ لأنه فعل الله، ولا يسأل عما يفعل. [ثالثها]: قال ابن عبد البر: هذا عندي مخصوص بآدم؛ لأن المناظرة بينهما وقعت بعد أن تاب الله على آدم قطعًا، كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، فحسن منه أن ينكر على موسى لومه على الأكل من الشجرة؛ لأنه كان قد تيب عليه من ذلك، وإلا فلا يجوز لأحد أن يقول لمن لامه على ارتكاب معصية، كما لو قتل، أو زنى، أو سرق: هذا سبق في علم الله وقدره عليّ قبل أن يخلقني، فليس لك أن تلومني عليه، فإن الأمة أجمعت على جواز لوم من وقع منه ذلك، بل على استحباب ذلك، كما أجمعوا على استحباب محمدة من واظب على الطاعة، قال: وقد حَكَى ابنُ وهب في "كتاب القدر" عن مالك، عن يحيى بن سعيد: أن ذلك كان من آدم بعد أن تيب عليه. [رابعها]: إنما توجهت الحجة لآدم؛ لأن موسى لامه بعد أن مات، واللوم إنما

стр. 1054

يتوجه على المكلف ما دام في دار التكليف، فإن الأحكام حينئذ جارية عليهم، فيلام العاصي، ويقام عليه الحد والقصاص، وغير ذلك، وأما بعد أن يموت، فقد ثبت النهي عن سَبّ الأموات، "ولا تذكروا موتاكم إلا بخير"؛ لأن مرجع أمرهم إلى الله، وقد ثبت أنه لا يُثنى العقوبة على من أُقيم عليه الحد، بل ورد النهي عن التثريب على الأمة إذا زنت، وأقيم عليها الحد، وإذا كان كذلك، فلوم موسى لآدم إنما وقع بعد انتقاله عن دار التكليف، وثبت أن الله تاب عليه، فسقط عنه اللوم، فلذلك عَدَل إلى الاحتجاج بالقدر السابق، وأخبر النبي ﷺ بأنه غلب موسى بالحجة. قال المازريّ: لمّا تاب الله على آدم، صار ذكر ما صَدَرَ منه إنما هو كالبحث عن السبب الذي دعاه إلى ذلك، فأخبر هو أن الأصل في ذلك القضاء السابق، فلذلك غلب بالحجة. قال الداودي فيما نقله ابن التين: إنما قامت حجة آدم؛ لأن الله خلقه ليجعله في الأرض خليفة، فلم يَحتَجّ آدم في أكله من الشجرة بسابق العلم؛ لأنه كان عن اختيار منه، وإنما احتج بالقدر لخروجه؛ لأنه لم يكن بُدٌّ من ذلك. وقيل: إن آدم أب، وموسى ابن، وليس للابن أن يلوم أباه. حكاه القرطبي وغيره، ومنهم من عَبّر عنه بأن آدم أكبر منه، وتعقّبه بأنه بعيد من معنى الحديث، ثم هو ليس على عمومه، بل يجوز للابن أن يلوم أباه في عدة مواطن. وقيل: إنما غلبه لأنهما في شريعيتن متغايرتين، وتُعُقّب بأنها دعوى لا دليل عليها، ومن أين يَعلَم أنه كان في شريعة آدم أن المخالف يحتج بسابق القدر، وفي شريعة موسى أنه لا يحتج، أو أنه يتوجه له اللوم على المخالف. وفي الجملة فأصح الأجوبة الثاني والثالث، ولا تنافي بينهما، فيمكن أن يمتزج منهما جواب واحد، وهو أن التائب لا يُلام على ما تِيب عليه منه، ولا سيما إذا انتقل عن دار التكليف، وقد سلك النووي هذا المسلك، فقال: معنى كلام آدم: إنك يا موسى تَعلَم أن هذا كُتب عليّ قبل أن أُخلق، فلا بُدَّ من وقوعه، ولو حرصتُ أنا، والخلق

стр. 1055

أجمعون على رد مثقال ذرة منه لم نقدر، فلا تلمني، فإن اللوم على المخالفة شرعي لا عقلي، وإذا تاب الله عليّ، وغفر لي زال اللوم، فمن لامني كان محجوجًا بالشرع. [فإن قيل]: فالعاصي اليوم لو قال: هذه المعصية قُدّرت عليّ، فينبغي أن يسقط عني اللوم. [قلنا]: الفرق أن هذا العاصي باق في دار التكليف، جارية عليه الأحكام، من العقوبة واللوم، وفي ذلك له ولغيره زجرٌ وعظةٌ، فأما آدم فميت، خارج عن دار التكليف، مستغنٍ عن الزجر، فلم يكن للومه فائدة، بل فيه إيذاءٌ وتخجيلٌ، فلذلك كان الغلبة له. وقال التوربشتي: ليس معنى قوله: "كتبه الله عليّ" ألزمني به، وإنما معناه أثبته في أم الكتاب قبل أن يَخلُق آدم، وحَكَمَ أن ذلك كائن. ثم إن هذه المحاججة إنما وقعت في العالم العلوي، عند مُلْتَقَى الأوراح، ولم تقع في عالم الأسباب، والفرق بينهما أن عالم الأسباب لا يجوز قطع النظر فيه عن الوسائط والاكتساب، بخلاف العالم العلوي بعد انقطاع موجب الكسب، وارتفاع الأحكام التكليفية، فلذلك احتج آدم بالقدر السابق. قال الحافظ: وهو محصل بعض الأجوبة المتقدم ذكرها (١). وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى ان احتجاج آدم على موسى ﵉ كان في المصائب، لا في الذنوب، قال: وقد ظنّ قوم أن آدم احتجّ بالقدر السابق على نفي الملام على الذنب، ثم صاروا لأجل هذا الظنّ ثلاثة أحزاب: (فريق): كذبوا بهذا الحديث، كأبي عليّ الجبّائيّ وغيره؛ لأنه من المعلوم بالاضطرار أن هذا خلاف ما جاءت به الرسل، ولا ريب أنه يمتنع أن يكون هذا مراد الحديث، ويجب تنزيه النبيّ ﷺ ، بل وجميع الأنبياء، وأتباع الأنبياء أن يَجعلوا القدر حجة لمن عصى الله تعالى ورسوله ﷺ .

стр. 1056

(وفريق): تأوّلوه بتأويلات معلومة الفساد، كقول بعضهم: إنما حجه لأنه كان أباه، والابن لا يلوم أباه. وقول بعضهم: لأن الذنب كان في شريعة، واللوم في أخرى. وقول بعضهم: لأن الملام كان بعد التوبة. وقول بعضهم: لأن هذا تختلف فيه دار الدنيا ودار الآخرة. (وفريق ثالث) جعلوه عمدة سقوط الملام عن المخالف لأمر الله سبحانه وتعالي ورسوله ﷺ ، ثم لم يمكنهم طرد ذلك، فلا بدّ في نفس معاشهم في الدنيا أن يلام من فعل ما يضرّ نفسه وغيره، لكن منهم من صار يحتج بهذا عند أهوائه وأغراضه، لا عند أهواء غيره، كما قيل في مثل هذا: أنت عند الطاعة قدريّ، وعند المعصية جبريّ، أي أيّ مذهب وافق هواك تمذهبت به، فالواحد من هؤلاء إذا أذنب أخذ يحتجّ بالقدر، ولو أذنب غيره، أو ظلمه لم يعذُره، وهؤلاء ظالمون معتدون. ومنهم من يقول: هذا في حقّ أهل الحقيقة الذين شهدوا توحيد الربوبيّة، وفنُوا عما سوى الله، فيرون أن لا فاعل إلا الله، فهؤلاء لا يستحسنون حسنةً، ولا يستقبحون سيّئةً، فإنهم لا يرون لمخلوق فعلًا، بل لا يرون فاعلا إلا الله، بخلاف من شهد لنفسه فعلًا، فإنه يُذَمُّ ويُعاقَب، وهذا قول كثير من متأخري الصوفيّة المدّعين للحقيقة، وقد يجعلون هذا نهاية التحقيق، وغاية العرفان والتوحيد، وهذا قول طائفة من أهل العلم. قال: وممن يُشبه هؤلاء كثير من الفلاسفة، كقول ابن سينا بأن يشهد سرّ القدر، والرازيّ يقرّر ذلك؛ لأنه كان جبريًّا محضًا. وفي الجملة فهذا المعنى دائر في نفوس كثير من أهل العلم والعبادة، فضلًا عن العامّة، وهو مناقض لدين الإسلام. قال: إذا عرفت هذا، فنقول: الصواب في قصّة آدم وموسى- ﵉ أن موسى لم يَلُم آدم إلا من جهة المصيبة التي أصابته وذريّته بما فعل، لا لأجل أن تارك الأمر مذنبٌ عاصٍ، ولهذا قال: "لِمَ أخرجتنا ونفسك من الجنّة؟ "، ولم يقل: لماذا

стр. 1057

خالفت الأمر، ولماذا عصيت؟. إلى آخر كلامه ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي صوّبه شيخ الإسلام ﵀ من أن لوم موسى لآدم ﵉ على المصيبة، لا على الذنب هو الذي يترجّح عندي؛ لوضوح حجته، كما فصّله ﵀ تفصيلًا حسنًا، وحققه تحقيقًا بليغًا، فراجعه بتأمل تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٨١ - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيك، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ عَليٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله : "لَا يُؤْمنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمنَ بِأَرْبَعٍ: بِالله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأنِّي رَسُولُ الله، وَبِالْبَعثِ بَعْدَ الموْتِ، وَالْقَدَرِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الله بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ) الحضرميّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] تقدّم في ٤/ ٣٠. ٢ - (شَرِيكٌ) بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ القاضي، صدوقٌ يخطىء كثيرًا، وتغير حفظه [٨] تقدّم في ١/ ١. ٣ - (مَنْصُور) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت فاضل عابد [٦] ٤/ ٣١. ٤ - (رِبْعِيٍّ) بن حِرَاش العبسيّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقة عابدٌ مخضرم [٢] ٤/ ٣١. ٥ - (عَليّ) بن أبي طالب الخليفة الراشد ﵁, تقدّم في ٢/ ٢٠. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَليٍّ ﵁) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَ ﷺ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ) هذا نفي لأصل الإيمان، لا نفي للكمال، فمن لم يؤمن بواحد من هذه الأربعة لم يكن مؤمنًا، ويلزم منه

стр. 1058

أن يكون القدريّ كافرًا، وهو خلاف ما عليه الجمهور، وقد تقدّم تحقيق الخلاف في ذلك فلا تغفل. (حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ) أي أي بأربع خصال (بالله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) ولفظ الترمذيّ: "يشهد أن لا إله إلا الله" (وأنِّي رَسُولُ الله) زاد في رواية الترمذيّ: "بعثني بالحقّ" (وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الموْتِ) أي يؤمن ببعث الناس من قبورهم بعد الموت. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر رواية المصنّف أن هذا هو الثالث من الأمور الأربعة، فالإيمان بالله ، أولها، والإيمان بالرسول ﷺ ثانيها، والإيمان بالبعث ثالثها، ولفظ الترمذيّ: "ويؤمن بالموت، والبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر"، وعليه يكون الأول هما الشهادتان، والثاني الإيمان بالموت، والثالث الإيمان بالبعث بعد الموت، والرابع الإيمان بالقدر. قال المظهر معنى الإيمان بالموت اعتقاد فناء الدنيا، وهو احتراز عن مذهب الدهريّة القائلين بقدم العالم، وبقائه أبدًا. قال القاري: وفي معناه التناسخيّ، ويحتمل أن يراد اعتقاد أن الموت يحصل بأمر الله، لا بفساد المزاج، كما يقول الطبيعيّ. انتهى. (وَالْقَدَرِ) أي الإيمان بأن جميع ما يجري في العالم بقضاء الله وقدره. قال الطيبيّ ﵀: قوله: "حتى يؤمن بأربع الخ" هذا نفي أصل الإيمان، لا نفي الكمال، فمن لم يؤمن بواحد من هذه الأربعة لم يكن مؤمنًا: [أحدها]: الإقرار بأن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، بعثه بالحقّ إلى كافة الجنّ والإنس. [الثاني]: أن يؤمن بالموت حتى يعتقد أن الدنيا وأهلها تفنى، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] , وهذا احتراز عن مذهب الدهريّة، فإنهم يقولون: العالم قديم باق. ويحتمل أن يراد الإيمان بالموت أي يعتقد أن الموت يحصل بأمر الله، لا بالطبيعة، خلافًا للطبيعيّ، فإنه يقول: يحصل الموت بفساد المزاج.

стр. 1059

[الثالث]: أن يؤمن بالبعث بعد الموت. [الرابع]: أن يؤمن بالقدر، يعني يعتقد أن جميع ما في العالم بقضاء الله وقدره، كما ذُكر قبل هذا. قال: و"حتى" في قوله: "حتى يؤمن" للتدريج، كما في قوله ﷺ : "إن الرجل ليصدُق حتى يُكتب صديقًا"، يعني أنه لا يُعتبر التصديق بالقلب حتى يتمكّن منه التصديق إلى أن يبلغه إلى هذه الأوصاف الأربعة. وقوله: "بعثني بالحق" -أي في رواية الترمذيّ- استئناف، كأنه قيل: لم يشهد بذلك؟ فأجيب "بعثني بالحقّ"، أي لأن الله تعالى بعثني بالحقّ، ويجوز أن يكون حالًا مؤكّدةً، أو خبرًا بعد خبر، فعلى هذا يدخل في حيّز الشهادة، وقوله ﷺ حكايةُ معنى قول الشاهد، لا قوله، فإن قوله: "أن محمدًا رسول الله بعثه بالحقّ". [فإن قلت]: لم ذكر في الثلاث الأخيرة -أي في رواية الترمذيّ أيضًا- لفظة "يؤمن"، وذكر في الأولى لفظة "يشهد"؟. [قلت]: "يشهد" إلى آخره تفصيل لقوله: "يؤمن بأربع"، فلن يكون التفصيل مخالفًا للمجمل، كأن أصل الكلام أن يقال: يؤمن بالله وحده لا شريك له، وبأني رسول الله حقًّا، ويؤمن بكذا، ويؤمن بكذا، فعدل إلى لفظ الشهادة أمنًا من الالتباس، ودلالة على أن النطق بالشهادتين أيضًا ركن من الأركان، ولأن هذه الشهادة غاية للإيمان، ويتدرّج منه إليه، فلا يتصور الشهادة باللسان دون التصديق بالقلب، كأنه قيل: يشهد باللسان بعد التصديق الراسخ في القلب. قوله: "يؤمن بالموت" أي يؤمن أن الموت حقّ، وأن البعث حقّ، وتكرير الموت إيذانٌ باهتمام شأنه، فهو مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٥ - ١٦] في أن المراد الاهتمام بشأن الموت، ثم الذي يليه من البعث، فإن الموت ذريعة إلى وصول السعادة الكبرى، ووسيلة إلى ارتقاء الدرجة العليا.

стр. 1060

قال الراغب: الموت أحد الأسباب الموصلة إلى النعيم، فهو وإن كان في الظاهر فناءً واضمحلالًا، لكن في الحقيقة ولادة ثانية، وهو باب من أبواب الجنة، منه يُتوصّل إليها، ولو لم يكن لم تكن الجنة من الله تعالى على الإنسان، فقال: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢] قدّم الموت على الحياة تنبيهًا على أنه يُتوصّل منه إلى الحياة الحقيقيّة، وعدّه علينا من الآلاء في قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، ونبّه الله تعالى بعد قوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٤ - ١٦] على أن هذه التغييرات لخلق أحسن، فنقض هذه البنية لإعادتها على وجه أشرف، كالنوى المزروع الذي لا يصير نخلًا مثمرًا إلا بعد فساد حبتها، وكذلك البرّ إن أردنا أن نجعله زيادة في أجسادنا نحتاج إلى أن يُطحن، ويُعجن، ويُطبخ، ونأكل، فهذه تغييرات كثيرة، هي فساد في الظاهر، وكذلك البذر إذا أُلقي في الأرض يعدّه من لا يتصوّر حاله فسادًا، فالنفس لا تحبّ البقاء في هذه الدار إلا إذا كانت قذرة راضيةً بالأعراض الدنيئة، رضا الجُعْل بالحشّ، أو تكون جاهلةً نجاتها في المآل. انتهى كلام الطيبيّ ﵀. وهو بحث مفيدٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عليّ ﵁ هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده شريك بن عبد الله النخعيّ، وهو متكلّم فيه؟. [قلت]: لم ينفرد به شريك، بل تابعه عليه شعبة، عند الترمذيّ، فقد أخرجه في "الجامع" من طريقه، ونصّه:

стр. 1061

حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود، قال: أنبأنا شعبة، عن منصور، عن رِبْعي بن حِرَاش، عن عليّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني محمد رسول الله، بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر". حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا النضر بن شُميل، عن شعبة نحوه، إلا أنه قال ربعي: عن رجل، عن عليّ. قال أبو عيسى: حديث أبي داود عن شعبة عندي أصح، من حديث النضر، وهكذا روى غير واحد عن منصور، عن ربعي، عن علي. انتهى. فتبيّن بهذا أن الحديث صحيح. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا بهذا السند فقط، وأخرجه (الترمذيّ) في "القدر" (٢١٤٥) و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٠٦) و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٩٧ و ١٣٣) و (عبد بن حميد) في "مسنده" (٧٥) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٨) و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٣٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو وجوب الإيمان بالقدر. ٢ - (ومنها): أن من لم يؤمن بهذه الأربعة لا يكون مؤمنًا. ٣ - (ومنها): وجوب الإيمان بالموت، أي بأنه حقّ، لا كما يقول الضالون من الدهريّة، وأهل الطبائع. ٤ - (ومنها): وجوب الإيمان بأن الخلائق يبعثون بعد موتهم يوم القيامة. ٥ - (ومنها): أن من لم يؤمن بالقدر لا يسمّى مؤمنًا، وبهذا قال بعض أهل العلم، وأما الجمهور فعلى التفصيل الذي مرّ تحقيقه عند شرح حديث عمر ﵁ في سؤال جبريل للنبيّ ﷺ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1062

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٨٢ - (حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنينَ ﵂ قَالَتْ: دُعِيَ رَسُوُل الله ﷺ إِلَى جِنَازة غُلَامٍ مِنَ الْأنصَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله طُوبَى لهِذَا، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافَيرِ الجنَّةِ، لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكهُ، قَالَ: "أَوَ غَيْرُ ذَلِكِ يَا عَائِشَةُ، إِنَ الله خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لهَا وَهُمْ في أَصْلَابِ آبائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لهَا وَهُمْ في أَصْلَابِ آبائِهِمْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبةَ) المذكور قبل حديثين. ٢ - (عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ المذكور قبل حديثين أيضًا. ٣ - (وكيع) بن الجرّاح المذكور قريبًا. ٤ - (طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله) التيمي المدني، نزيل الكوفة، صدوقٌ يُخطئ [٦]. روى عن أبيه، وأعمامه، وابني عميه: إبراهيم بن محمد بن طلحة، ومعاوية بن إسحاق بن طلحة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ومجاهد بن جبر، وغيرهم. وروى عنه السفيانان، وعبد الله بن إدريس، وعبد الواحد بن زياد، وشريك، وأبو أسامة، وعبدة بن سليمان، ويحيى القطان، ووكيع، وغيرهم. قال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد القطان: لم يكن بالقوي، وعمر بن عثمان أحب إلي منه. وقال أحمد: صالح الحديث، وهو أحب إلي من بريد بن أبي بردة، بُريد له أحاديث مناكير، وطلحة إنما أنكر عليه حديث: "عصفور من عصافير الجنة". وقال ابن معين: ثقة، وقَدّمه على أخيه إسحاق. وقال يعقوب بن شيبة، والعجلي: ثقة. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو داود: ليس به بأس. وقال أبو زرعة، والنسائي: صالح. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، حسن الحديث، صحيح الحديث. وقال صالح

стр. 1063

ابن أحمد عن أبيه، والحاكم، عن الدارقطني: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة أيضًا: لا بأس به، في حديثه لين. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، وأمه أم أبان بنت أبي موسى الأشعري. وقال الساجيّ: صدوق، لم يكن بالقوي. وقال ابن عدي: رَوَى عنه الثقات، وما برواياته عندي بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يُخطىء. وقال ابن معين: مات سنة ثمان وأربعين ومائة. وقال ابن حبان: مات سنة (٦)، قال: وقد قيل: إنه رأى ابن عمر، وليس عليه اعتماد. وقال الفلاس: وُلد سنة (٦١) هو، والأعمش، وهشام بن عروة، وعمر بن عبد العزيز. أخرج له الجماعة سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٨٢) و (٦٥٢) و (٧٢٥) و (١٧٠١) و (٢٩٨٩). ٥ - (عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيمية، أُمُّ عمران، أمها أم كلثوم بنت أبي بكر، ثقة [٣]. روت عن خالتها عائشة، وعنها ابنها طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن، وحَبِيب ابن أبي عَمْرو، وابن أخيها طلحة بن يحيى بن طلحة، وابن أخيها الآخر معاوية بن إسحاق، وابن ابن أخيها موسى بن عبيد الله بن إسحاق، والمنهال بن عمرو، وفضيل ابن عمرو، وعطاء بن أبي رباح، وعمر بن سعيد، وغيرهم. قال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجة. وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة. وقال أبو زُرعة الدمشقي: حَدّث عنها الناس لفضلها وأدبها. وذكرها ابن حبان في "الثقات". أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٨٢) و (٢٩٠١) و (٤٢١٢). ٦ - (عائشة أم المؤمنين ﵂ تقدّمت في ٢/ ١٤، والله تعالى أعلم.

стр. 1064

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه عليّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من طلحة، والباقون كوفيّون، وطلحة أيضًا نزيل الكوفة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمته: طلحة عن عائشة. ٥ - (ومنها): أن طلحة وعائشة بنت طلحة هذا أول محلّ ذكرهما من الكتاب، وجملة ما رواه المصنف لطلحة فيه خمسة أحاديث فقط، ولعائشة ثلاثة أحاديث فقط، كما نبهت عليه آنفًا. ٦ - (ومنها): أن عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المؤمنين ﵂ أنها (قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ الله ﷺ ) ببناء الفعل للمفعول، ورفع "رسول الله ﷺ " على أنه نائب الفاعل: أي دُعي للَصلاة (إِلَى جِنَازة) بفتح الجيم، وكسرها (غُلَامٍ) متعلّق بـ "دُعي"، وفي رواية مسلم: "إلى جنازة صبيّ" (مِنَ الْأنصَارِ) بفتح الهمزة لقب لمسلمي الأوس والخزرج الذين نصروا الإسلام، وآووا المسلمين، قال في "اللسان": والأنصار أنصار النبيّ ﷺ غَلَبت عليهم الصفة، فجرى مَجْرَى الأسماء، وصار كأنه اسم الحيّ، ولذلك أُضيف إليه بلفظ الجمع، فقيل: أنصاريّ. انتهى (١) (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله طُوبَى لهَذَا) قال الطيبيّ ﵀: "طوبى" فُعلى من الطيب، قُلبت الياء واوًا للضمة قبلها، قيل: معنى طوبى له: أطيب

стр. 1065

المعيشة له. وقيل: معناه أُصيب خيرًا على الكناية؛ لأن إصابة الخير مستلزم لطيب العيش له، فأَطلق اللازم، وأراد الملزوم. انتهى (١). وقال في "اللسان": طوبى فُعلى من الطِّيبِ، كأن أصله طُيْبَى، فقلبوا الياء واوًا للضمة قبلها، ويقال: طُوبى لك، وطُوباك بالإضافة، ولا تقل: طُوِبيك بالياء، والإضافة، وأثبته الأخفش، وأنكره بعضهم، وقال: هو لحن، والصواب طوبى لك باللام، و"طوبى" شجرة في الجنة. وفي التنزيل العزيز: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩]، وذهب سيبويه بالآية مذهب الدعاء، قال: هو في موضع رفع يدلّك على رفعه رفعُ ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾، قال ثعلب: وقرىء "طوبى لهم وحسن مآب"، فجعل طوبى مصدرًا، كقولك: سقيًا لك، ونظيره من المصادر الرُّجْعَى، واستدلّ على أن موضعه نصبٌ بقوله: "وحسنَ مآب". وقيل: معنى طوبى لهم: حُسْنَى لهم، وقيل: خيرٌ لهم، وقيل: خِيرَةٌ لهم. وقيل: المعنى أن العيش الطيّب لهم. انتهى باختصار (٢). وقيل: طوبى لهم: معناه: فرحٌ وقرّة أعين لهم. وقيل: اسم الجنة بالحبشية، وقيل: اسمها بالهنديّة. وقيل: طوبى تأنيث أطيب: أي الراحة، وطيب العيش حصل لهذا الصبيّ (٣). (عُصْفُورٌ) خبر لمحذوف: أي هو عصفور: أي طير صغير، والعصفور بضم العين المهملة، على المشهور، وقد تُفتح، وأنكر الفتح بعضهم، طائر معروف، سُمّي بذلك لأنه عصى، وفَرّ (٤). (مِنْ عَصَافِيرِ الجنَّةِ) أي هو مثلها من حيث إنه لا ذنب عليه، وينزل في الجنة حيث يشاء. قال ابن الملك: شبّهته بالعصفور كما هو صغير، إما بالنسبة إلى

стр. 1066

ما هو أكبر منه من الطيور، وإما لكونه خاليًا من الذنوب من عدم كونه مكلّفًا. انتهى. قال القاريّ: والأظهر الثاني، فهو تشبيه بليغ، وما قيل: من أن هذا ليس من باب التشبيه؛ لأنه لا عصفور في الجنة، فممنوع؛ لما ورد في الحديث: "إن في الجنّة طيرًا كأمثال البخت تأتي الرجل، فيُصيب منها، ثم تذهب كأن لم ينقص منها شيء"، وقد قال الله : ﴿وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: ٢٢]، وقال: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١]. وأما ما ذكره ابن حجر -يعني الهيتمي- من حديث: "أرواح الشهداء في أجواف طيور خُضْر ... " (١) "، وخبر: "إنما نسمة المؤمن -أي روحه- طائر في شجر الجنة ... " (٢)، فليس يصلح سندًا للمنع، كما لا يخفى (٣). انتهى (٤). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي قال: إنه ليس من باب التشبيه، هو الطيبيّ، ونصّ عبارته في "الكاشف": [فإن قلت]: هذا فيه إشكال؛ لأنه ليس من باب التشبيه، كما تقول: هذا

стр. 1067

كعصفور من عصافير الجنة؛ إذ ليس المراد أن ثمة عصفورًا، وهذا مشبه به، ولا من باب الاستعارة؛ لأنه المشبّه والمشبّه به مذكوران؛ لأن التقدير هو عصفور، والمقدّر كالملفوظ. [قلت]: هو من باب الادّعاء، كقولهم تحيّة بينهم ضربٌ وجيعٌ، وقولهم: القلم أحد اللسانين، جُعل بالادّعاء التحيّة والقلم ضربين: أحدهما المتعارف من الضرب واللسان، والآخر غير المتعارف من الضرب واللسان، فبيّن في الأول بقوله: ضرب وجيعٌ أن المراد غير المتعارف، كما بيّن في الثاني بقوله: أحد اللسانين أن المراد منه غير المتعارف، جَعَلت ﵂ العصفور صنفين: أحدهما المتعارف، وثانيهما الأطفال من أهل الجنّة، وعيّنت بقولها: "من عصافير الجنة" أن المراد الثاني. وقولها: "لم يعمل السوء" بيان لإلحاق الطفل بالعصفور، وجعله منه، كما جَعَل القائل القلمَ لسانًا بواسطة إفصاحهما عن الأمر المضمر. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قرّر الطيبيّ أنه لا تشبيه هنا، لكن الحقّ أنه من باب التشبيه، وقد عرفت تحقيقه في كلام القاري المذكور قبله، فتفطّن، ولا تكن أسير التقليد، والله الهادي إلى سواء السبيل. (لَمْ يَعْمَلِ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تعب (السُّوءَ) بضم السين المهملة، وتُفتَح: أي الذنب، قال المظهر: أي لم يعمل ذنبًا يتعلّق بحقوق الله، وأما حقوق العباد، كإتلاف مال مسلم، وقتل نفس، فيؤخذ منه الغرم والدية، وإذا سرق يؤخذ منه المال، ولا تقطع يده؛ لأنه من حقوق الله. انتهى. قال القاريّ: لا تُسمّى هذه الأفعال منه ذنوبًا. فتأمل (٢) (وَلَمْ يُدْرِكْهُ) أي لم يَلحقه السوء، فيكون تأكيدًا، أو لم يدرك هو السوء: أي وقته؛ لموته قبل التكليف، فضلًا عن

стр. 1068

عمله، والتأسيس أولى، ومع إفادة المبالغة أحرى. قاله القاري. قال القرطبيّ: رحمه الله تعالى: إنما قالت عائشة ﵂ هذا؛ لأنها بَنَت على أن كلّ مولود يولد على فطرة الإسلام، وأن الله تعالى لا يُعذّب حتى يبعث رسولًا، فحكمت بذلك، فأجابها النبيّ بما ذُكر. انتهى (١). (قَالَ) ﷺ (أَوَ غيرُ ذَلِكِ) بفتح الواو، ورفع "غير"، وكسر الكاف، قال القاري: هو الصحيح المشهور من الروايات، والتقدير: أتعتقدين ما قلتِ؟، والحقّ غيرُ ذلكِ، وهو عدم الجزم بكونه من أهل الجنّة، فالواو للحال. قاله القاري. وفي "الفائق" للزمخشريّ: الهمزة للاستفهام، أي الإنكاريّ، والواو عاطفة على محذوف، و"غير" مرفوع بعامل مضمر، تقديره: أقلتِ هذا، ووقع غير ذلك. ويجوز أن تكون "أو" بسكون الواو التي هي لأحد الأمرين: أي الواقع هذا أو غيرُ ذلك. وقيل: التقدير: أو هو غير ذلك. ورُوي بنص "غير": أي أو يكون غيرَ ذلك، أو التقدير أو غير ما قلتِ. قاله القاري (٢). وقال الطيبيّ: ويجوز أن تكون "أو" بمعنى "بل"، أنشد الجوهريّ [من الطويل]: بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشِّمْسِ في رَوْنَقِ ... وَصُورَتُهَا أَوْ أَنْتِ في الْعَيْنِ أَمْلَحُ يريد بل أنت، وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، أي بل يزيدون، كأنه ﷺ لم يرتض قولها ﵂، فأضرب عنه، وأثبت ما يُخالفه؛ لما فيه من الحكم بالغيب، والجزم بتعيين إيمان أبوي الصبيّ، أو أحدهما؛ إذ هو تبعٌ لهما، ومرجع معنى الاستفهام إلى هذا؛ لأنه لإنكار الجزم، وتقرير لعدم التعيين. ولعلّ الرّدّ كان قبل إنزال ما أُنزل عليه في ولدان المؤمنين.

стр. 1069

(يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا) أي يدخلونها، ويتنعّمون بها (خَلَقَهُمْ لهَا) قال الطيبيّ: كرّر "خلق" لإناطة أمر زائد عليه، وهو قوله: "وهم في أصلاب آبائهم" اهتمامًا بشأنه، كما قال زهير [من البسيط]: مَنْ يَلْقَ يَوْمًا عَلَى عِلَّاتِهِ هَرِمًا ... يَلْقَ السَّمَاحَةَ مِنْهُ وَالنَّدَى خُلِقَا عِلَاته بكسر العين: أي على كلّ حال، و"هرمًا" اسم رجل، وكرّر "يَلْقَ"، وعلّق به السماحة والندى اهتمامًا به. وقوله: (وَهُمْ في أَصْلَابِ آبائهم) أي قبل أن يولدوا، والجملة حالٌ. قيل: عيّن في الأزل من سيكون من أهل الجنّة، ومن سيكون من أهل النار، فعبّر عن الأزل بأصلاب الآباء تقريبًا لأفهام العامّة. وقال الطبيّ: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "وهم في أصلاب آبائهم" خلق الذرّيّة في ظهر آدم ﵇، وإخراجها ذرّيّةً بعد ذُرّيّة من صلب كل والد إلى انقراض العالم (١). (وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا) فيه إيماء إلى أنه لا اعتراض، فإنهم أهل لها أهليّة لا يعلمها إلا خالقها (خَلَقَهُمْ لهَا وَهُمْ في أَصْلَابِ آبائهم) أي وإنما يظهر منهم من الأعمال ما قُدّر لهم في الأزل. وقال القرطبيّ: هذا لا يعارض ما تقدّم من أنه يُكتب، وهو في بطن أمه شقيّ أو سعيدٌ؛ لما قدّمناه من أن قضاء الله وقدره راجعٌ إلى علمه وقُدرته، وهما أزليّان، لا أول لهما، ومقصود هذه الأحاديث كلِّها أن قدر الله سابق على حدوث المخلوقات، وأن الله تعالى يظهر من ذلك ما شاء لمن شاء متى شاء قبل وجود الأشياء. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 1070

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (١٠/ ٨٢) بهذا السند فقط، وأخرجه (مسلم) في "كتاب القدر" (٦٧١٠) و (أبو داود) في "كتاب السنّة" (٤٧١٣) و (النسائيّ) في "كتاب الجنائز" (١٩٤٦) و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٥٧٤) و (الحميديّ) في "مسنده" (٢٦٥) و (أحمد) في "مسنده" ٦/ ٤١ و ٢٠٨ و (ابن حبان) في "صحيحه" (١٣٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو إثبات القدر، وبيان وجوب الإيمان به. ٢ - (ومنها): مشروعية إعلام أهل الفضل حتى يصلّوا على موتى المسلمين، وليس ذلك من النعي المنهيّ عنه. ٣ - (ومنها): مشروعيّة الصلاة على أطفال المسلمين. ٤ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ﵀: في هذا الحديث إشارة إلى أن الثواب والعقاب لا لأجل الأعمال، وإلا لكان ذراريّ المسلمين والكافرين لا من أهل الجنّة، ولا من أهل النار، بل الموجب هو اللطف الربّانيّ، والخذلان الإلهيّ المقدّر لهم، وهم في أصلاب الآباء، فالواجب التوقّف، وعدم الجزم. وقال النوويّ ﵀: أجمع من يُعتدّ به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين، فهو من أهل الجنّة، وتوقّف في ذلك بعضهم لهذا الحديث، وأجابوا عنه بأنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليلٌ قاطع. ويحتمل أنه ﷺ قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنّة. انتهى. وقال القاري ﵀: والأصحّ ما تقدّم من أنه لم يرتض هذا القول منها؛ لما فيه

стр. 1071

من الحكم بالغيب، والجزم بإيمان أصل الولد؛ لأنها أشارت إلى طفل معيّن، فالحكم على شخص معيّن بأنه من أهل الجنة لا يجوز من غير ورود النصّ؛ لأنه من علم الغيب. وقد يقال: التبعيّة في الدنيا من الإيمان والكفر، وحكمها من أمور الآخرة. ففيه إرشاد للأمة إلى التوقّف في الأمور المبهمة، والسكوت عما لا علم لهم به، وحسن الأدب بين يدي علام الغيوب. وقال ابن حجر الهيتميّ الفقيه: ولعل هذا كان قبل ما نزل عليه في ولدان المؤمنين والكفّار؛ إذ هم في الجنة إجماعًا في الأول، وعلى الأصحّ في الثاني. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن حجر الهيتميّ هو الحقّ، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الأطفال: قال في "الفتح": اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسألة على أقوال: [أحدهما]: أنهم في مشيئة الله تعالى، وهو منقول عن الحمادين، وابن المبارك، وإسحاق، ونقله البيهقي في "الاعتقاد" عن الشافعي في حق أولاد الكفار خاصة، قال ابن عبد البر: وهو مقتضى صنيع مالك، وليس عنده في هذه المسألة شيء منصوص، إلا أن أصحابه صَرّحوا بأن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار خاصة في المشيئة، والحجة فيه حديث: "الله أعلم بما كانوا عاملين". [ثانيها]: أنهم تبع لآبائهم، فأولاد المسلمين في الجنة، وأولاد الكفار في النار، وحكاه ابن حزم عن الأزارقة من الخوارج، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وتعقّبه بأن المراد قوم نوح خاصة، وإنما دعا بذلك لما أوحى الله إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]،

стр. 1072

وأما حديث: "هم من آبائهم"، أو "منهم"، فذاك ورد في حكم الحربي. وأما ما رواه أحمد من حديث عائشة: سألت رسول الله ﷺ عن ولدان المسلمين، قال: "في الجنة"، وعن أولاد المشركين قال: "في النار"، فقلت: يا رسول الله لم يدركوا الأعمال؟ قال: "ربك أعلم بما كانوا عاملين، لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار". فحديث ضعيف جدّا؛ لأن في إسناده أبا عَقِيل، مولى بُهَيّة، وهو متروك. [ثالثها]: أنهم يكونون في برزخ بين الجنة والنار؛ لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنة، ولا سيئات يدخلون بها النار. [رابعها]: هم خَدَم أهل الجنة، وفيه حديث عن أنس ضعيف، أخرجه أبو داود الطيالسي، وأبو يعلى، وللطبراني، والبزار، من حديث سمرة ﵁ مرفوعًا: "أولاد المشركين خدم أهل الجنة"، وإسناده ضعيف. [خامسها]: أنهم يصيرون ترابًا، رُوي عن ثمامة بن أشرس. [سادسها]: هم في النار، حكاه عياض عن أحمد، وغلطه ابن تيمية بأنه قول لبعض أصحابه، ولا يُحفَظ عن الإمام أصلًا. [سابعها]: أنهم يُمتحنون في الآخرة، بأن تُرفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن أبي عُذّب، أخرجه البزار من حديث أنس، وأبي سعيد ﵄، وأخرجه الطبراني من حديث معاذ بن جبل ﵁. وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون، ومن مات في الفترة، من طُرُق صحيحة، وحكى البيهقي في "كتاب الاعتقاد" أنه المذهب الصحيح. وتُعُقّب بأن الآخرة ليست دار تكليف، فلا عمل فيها، ولا ابتلاء. وأُجيب بأن ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنة أو النار، وأما في عَرَصات القيامة فلا مانع من ذلك، وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، وفي "الصحيحين": "أن الناس يؤمرون بالسجود، فيصير ظهر المنافق طبقًا فلا يستطيع أن يسجد".

стр. 1073

[ثامنها]: أنهم في الجنة، قال النووي: وهو المذهب الصحيحِ المختار الذي صار إليه المحققون؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وإذا كان لا يعذب العاقل؛ لكونه لم تبلغه الدعوة، فلأن لا يعذّب غير العاقل من باب أولى، ولما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث سمرة بن جندب ﵁ الطويل، وفيه قال: "وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم ﷺ ، وأما الولدان الذين حوله، فكلُّ مولود مات على الفطرة"، قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : "وأولاد المشركين" ... الحديث. ولما أخرجه أحمد بإسناد حسن من طريق خنساء بنت معاوية بن صُريم، عن عمتها، قالت: قلت: يا رسول الله، مَنْ في الجنة؟ قال: "النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة". [تاسعها]: الوقف. [عاشرها]: الإمساك، قال الحافظ: وفي الفرق بينهما دقة، انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرحج الأقوال عندي القول الثامن، وهو الذي صححه النوويّ، وعزاه إلى المحقّقين، وهو أن الأولاد مطلقًا في الجنة؛ لوضوح أدلّته: (فمنها): الآية المذكورة. (ومنها): حديث سمرة ﵁، ففيه: "وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود يولد على الفطرة"، فقال بعض المسلمين: وأولاد المشركين؟ فقال: "وأولاد المشركين". (ومنها): ما رواه أبو يعلى بإسناده حسن -كما قال الحافظ- من حديث أنس ﵁ مرفوعًا: "سألت ربي اللاهين من ذرية البشر، أن لا يعذبهم، فأعطانيهم". وقد ورد تفسير "اللاهين" بأنهم الأطفال من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا، أخرجه البزار. (ومنها): حديث عمة خنساء المذكور آنفًا، وهو حديث حسن.

стр. 1074

والحاصل أن الأطفال مطلقًا في الجنّة؛ لما ذكرناه من الأدلة الصحيحة الظاهرة في ذلك، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى في أول الكتاب قال: ٨٣ - (حَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبة، وَعَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكيعٌ، حَدّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ إِسماعِيلَ المخزوميِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، يُخَاصِمُونَ النَّبِيَّ ﷺ في الْقَدَرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٨ - ٤٩]). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سُفْيَانُ الثوْرِيُّ) هو: سفيان بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [٧] تقدّم في ٥/ ٤١. ٢ - (زِيَادُ بْنُ إِسماعِيلَ المخْزُومِيِّ) ويقال: السهمي المكي، ويقال: يزيد بن إسماعيل، صدوقٌ سييّء الحفظ [٦]. روى عن محمد بن عباد بن جعفر، وسليمان بن عَتِيق. وروى عنه ابن جريج، والثوري. قال ابن معين: ضعيف. وقال علي بن المديني: رجل من أهل مكة معروف. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو الفتح الأزدي: فيه نظر. وقال يعقوب بن سفيان: ليس حديثه بشيء. أخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد"، ومسلم، والترمذيّ، والمصنّف، وله عندهم هذا الحديث فقط. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ) بن رفاعة بن أمية بن عائذ بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم المخزومي المكي، ثقة [٣].

стр. 1075

رَوَى عن جده لأمه عبد الله بن السائب بن أبي السائب المخزومي، وأبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وغيرهم. وروى عنه ابنه جعفر، والزهري، وزياد بن إسماعيل المخزومي، وعبد الحميد بن جبير بن شيبة، والوليد بن كثير، والأوزاعي، وابن جريج، وغيرهم. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة مشهور. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه. وقال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٨٣) و (١٤٣١) و (١٧٢٤) و (٢٨٩٦). والباقون تقدّموا في السند الماضي، وأبو هريرة ﵁ تقدّم قبل حديثين. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: جَاءَ مُشْرِكو قُرَيْشٍ) أي القبيلة المعروفة، قال الفيّوميّ: "قُريش" هو النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس بقرشيّ. وقيل: قريشٌ هو فِهْر بن مالك، ومن لم يلده فليس من قريش. نقله السهيليّ وغيره. وإلى هذا أشار الحافظ العراقيّ ﵀ مع ترجيح الثاني في "ألفيّة السيرة" حيث قال: أَمَّا قُرَيشٌ فَالأَصَحُّ فِهْرُ ... جَمَّاعُهَا وَالأَكْثَرُونَ النَّضْرُ وأصل القرش: الجمع، وتقرّشوا: إذا تجمّعوا، وبذلك سُمّيت قُريشٌ. وقيل: قُريشٌ دابّة تسكن البحر، وبه سُمي الرجل، قال الشاعر [من الخفيف]: وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحـ ... ـر بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا ويُنسب إلى قريش بحذف الياء، فيقال: قُرَشيٌّ، وربّما نُسب إليه في الشعر من غير تغيير، فيقال: قُريشيّ. انتهى كلام الفيّوميّ بزيادة (١).

стр. 1076

(يُخَاصِمُونَ النَّبِيَّ ﷺ ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (في الْقَدَرِ) أي في إثبات القدر. وقال النوويّ ﵀: المراد بالقدر هنا القدر المعروف، وهو ما قدر الله وقضاه، وسبق به علمه وإرادته، وأشار الباجيّ إلى خلاف هذا، وليس كما قال. انتهى (١). (فَنَزَلَتْ هَذ الْآيَةُ) وهي قوله (يَوْمَ يُسْحَبُونَ) بدل من اسم الإشارة، و"يوم" ظرف متعلّق بفعل مقدّر: أي يقال لهم "يوم يسحبون": أي يجرّون (في النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ) الجارّان متعلقان بـ "يسحبون"، وقوله (ذُوقُوا) مقول القول المقدّر: أي ذوُقوا على إنكاركم القدر (مَسَّ سَقَرَ) أي إصابة جهنّم لكم، قال النسفيّ ﵀: هو كقولك: وجد مسّ الحُمّى، وذاق طعم الضرب؛ لأن النار إذا أصابتهم بحرّها فكأنها تمسّهم مسّا. و"سقر" غير منصرف؛ للتأنيث والتعريف؛ لأنها علم لجهنّم، من سَقَرتهُ النارُ: إذا لوّحته. انتهى (٢). وقال القرطبي ﵀: و"سقر" اسم من أسماء جهنم لا ينصرف؛ لأنه اسم مؤنّث معرفةٌ، وكذا لظى، وجهنم. وقال عطاء: "سقر" الطبق السادس من جهنّم. وقال قُطرُب: "سقر" من سَقَرته الشمس، وصقرته: لَوّحته، ويوم مُسَمْقِرٌ، ومُصَمْقِرٌ: شديد الحرّ. انتهى (٣). ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ القدر بفتحتين، أو بفتح فسكون-: التقدير: أي بتقدير سابق، أو خلقنا كلّ شيء مقدّرًا محكمًا مرتّبًا على حسب ما اقتضته الحكمة، أو مقدّرًا مكتوبًا في اللوح، معلومًا قبل كونه، قد علمنا حاله، وزمانه. قاله النسفيّ (٤). وقال القرطبيّ ﵀: قرأ العامّة: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ﴾ قرأ العامّة "كلّ" بالنصب،

стр. 1077

وقرأ أبو السّمّال "كلّ" بالرفع على الابتداء، ومن نصب فبإضمار فعل، وهو اختيار الكوفيين؛ لأن "إنّ" تطلب الفعل فهي به أولى، والنصب أدلّ على العموم في المخلوقات لله تعالى؛ لأنك لو حذفت "خلقنا" المفسّر، وأظهرت الأول لصار إنا خلقنا كلَّ شيء بقدر، ولا يصحّ كون خلقنا صفة لـ "شيء"؛ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف، ولا تكون تفسيرًا لما يعمل فيما قبله. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه زياد بن إسماعيل، وقد تكلموا فيه؟. [قلت]: الحديث أخرجه مسلم، وزياد وإن ضعفه ابن معين، فقد روى عنه ابن جريج، والثوريّ، وقال ابن المدينيّ: رجل من أهل مكة معروف، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ووثقه ابن حبّان، وأخرج مسلم هذا الحديث من طريقه، فتصحيح حديث مثله غير بعيد. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (١٠/ ٨٣) بهذا السند فقط، وأخرجه (مسلم) في "كتاب القدر" (٦٦٩٤) و (الترمذيّ) في "كتاب القدر" (٢١٥٧) و"التفسير" (٣٢٩٠) و (أحمد) في "مسنده" ٢/ ٤٤٤ و ٤٧٦ و (البخاريّ) في "خلق أفعال العباد" (١٩) و (الطبريّ) في "تفسيره" ٢٧/ ١١٠ و (ابن حبان) في "صحيحه" (٦١٣٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو إثبات القدر، وبيان وجوب الإيمان به.

стр. 1078

٢ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة. ٣ - (ومنها): أن الآية نصّ في تعذيب مكذّبي القدر، وهو محمول كما تقدم عن النوويّ على جحد القدر المعروف، وهو جحد تقدير الله للأشياء، وسبق علمه بها، وإرادته، فإن من كذب بهذا فهو كافر خارج عن الإسلام بلا خلاف بين أهل العلم (١). ٤ - (ومنها): ما قال الإمام ابن كثير ﵀: أنه استدلّ بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله تعالى السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها، وكتابته لها قبل بَرْئها، وردُّوا بهذه الآية، وبما شاكلها من الآيات، وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرقة القدريّة الذين نبغوا في أواخر عصر الصحابة ﵃. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٨٤ - (حَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبةَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ عُثْمانَ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أنهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَذَكَرَ لهَا شَيْئًا مِنَ الْقَدَرِ، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ تَكَلَّمَ في شَيْءٍ مِنَ الْقَدَرِ، سُئِلَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لم يَتكَلَّمْ فِيهِ لم يُسْألَ عَنْهُ"). قَالَ أَبُو الحْسَنَ القَطَّانُ: حَدَّثَناَ حَاَزِمُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَناَ عَبْدُ المْلِكَ بْنُ شَيْباَنَ، حَدَّثَناَ يَحْيىَ بْنُ عُثْماَنَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مَالِكُ بْنُ إِسماعِيلَ) بن درهم، ويقال: ابن زياد بن درهم، أبو غَسّان النَّهْدِيّ مولاهم الكوفي الحافظ، ابن بنت حماد بن أبي سليمان، ثقة متقنٌ، صحيح الكتاب، عابدٌ، من صغار [٩].

стр. 1079

روى عن عبد الوهاب بن سليمان بن الغسيل، وعبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، والحسن بن حي، وإسرائيل، وزهير بن معاوية، وابن عيينة، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وروى له الباقون بواسطة هارون بن عبد الله الحمال، وأبي بكر ابن أبي شيبة، ويوسف بن موسى القطان، وأحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، والذهلي، وأحمد بن سليمان الرهاوي، وغيرهم. قال محمد بن علي بن داود البغدادي: سمعت ابن معين يقول: إن سرك أن تكتب عن رجل ليس في قلبي منه شيء، فاكتب عن أبي غسان. وقال أبو حاتم: عن ابن معين: ليس بالكوفة أتقن من أبي غسان، وعن ابن معين قال: هو أجود كتابًا من أبي نعيم. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، صحيح الكتاب، وكان من العابدين. وقال مرة: كان ثقة متقنًا. وقال ابن نمير: أبو غسان أحب إلي من الصلت، أبو غسان محدث من أئمة المحدثين. وقال أبو حاتم: كان أبو غسان يُملي علينا من أصله، وكان لا يملي حديثًا حتى يقرأه، وكان ينحو، ولم أر بالكوفة أتقن منه، لا أبو نعيم ولا غيره، وهو أتقن من إسحاق بن منصور السَّلُولي، وهو متقن ثقة، وكان له فضل وصلاح وعبادة وصحة حديث، واستقامة، وكانت عليه سجادتان، كنت إذا نظرت إليه كأنه خرج من قبره. وقال أبو داود: كان صحيح الكتاب، جيد الأخذ. وقال النسائي: ثقة. ذكره ابن حبان في "الثقات". قال ابن سعد: مات سنة تسع عشرة ومائتين، في غُرّة ربيع الأول، وفيها أرخه غير واحد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٨٤) و (١٤٥) و (١٦٠٨) و (١٩٦٠) و (٣٥٧٧). ٢ - (يَحْيىَ بْنُ عُثْمانَ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق التيميّ مولاهم، أبو سهل البصريّ، صاحب الدستوائيّ، ضعيف [٨]. روى عن يحيى بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، وعبد الله بن أبي نجيح،

стр. 1080

وأيوب السختياني، وإسماعيل بن أمية، وعبد الله بن طاوس، وجماعة. وروى عنه أبو غسان النهديّ، ومسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل، وأبو بكر بن أبي الأسود، وعمرو بن علي الفلاس، وغيرهم. قال معاوية بن صالح عن ابن معين: منكر الحديث. وكذا قال البخاري. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال في موضع آخر: حديثه منكر. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثمانين ومائة، وأعاده في "الضعفاء"، وقال: منكر الحديث جدًّا، لا يجوز الاحتجاج به. وقال الساجيّ: ضعفه يحيى بن معين، وقال: روى مناكير. وقال العقيليّ: روى عن يحيى بن أبي مليكة، ولا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به. تفرّد به المصنف، وأبو داود في "القدر" له عندهما هذا الحديث فقط. ٣ - (يَحْيى بْنُ عَبْدِ اللهَ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: يحيى بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة القرشي، والد إسماعيلَ بن يحيى التيميّ المكيّ، ليّن الحديث [٧]. روى عن أبيه، وعنه يحيى بن عثمان التيمي، مولى آل أبي بكر، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يعتبر حديثه إذا رَوَى عنه غير يحيى بن عثمان، مات سنة ثلاث وسبعين ومائة. تفرّد به المصنف، وأبو داود في "القدر" له عندهما هذا الحديث فقط. ٤ - (أبوه) عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جُدْعان التيميّ، ثقة فقيه [٣] تقدّم في ٧/ ٤٧. والباقيان تقدّما قبل حديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عن يَحْيى بنِ عَبْدِ الله بْنِ أبي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة (أنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ (فَذَكَرَ لهَا شَيْئًا مِنَ الْقَدَرِ، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُول: "مَنْ تَكَلَّمَ في شَيْءٍ مِنَ الْقَدَرِ) أي ولو يسيرًا، فكيف بالكثير (سُئِلَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي سؤال تهديد ووعيد، ويحتمل أن المراد بقوله: "سئل

стр. 1081

عنه" مطلق السؤال، وبقوله: (وَمَنْ لَمْ يَتكَلَّمْ فِيهِ لَمْ يُسْأل عَنْهُ) بأن يقال له: لم تركت التكلّم فيه؟، فصار ترك الكلام فيه خيرًا من التكلّم فيه. قاله السنديّ (١). والله تعالى أعلم. (قَالَ أبُو الحسَنِ) عليّ بن سلمة (الْقَطَّانُ) تلميذ المصنّف، راوية كتابه هذا المتوفّى سنة (٣٤٥ هـ)، تقدّمت ترجمته (حَدَّثَنَاهُ حَازِمُ بْنُ يَحْيَى) هكذا وقع في جميع نسخ "السنن" "حازم" بالحاء المهملة، وهو تصحيف (٢) فاحش، والصواب خازم بالخاء المعجمة، كما في "تاريخ بغداد" للخطيب، و"الإرشاد" للخليلي. ونصّ ترجمته في "تاريخ بغداد" ٨/ ٣٣٤: خازم بن يحيى بن إسحاق، أبو الحسن الحلوانيّ، وهو أخو أحمد بن يحيى، سكن بغداد، وحدّث بها عن شيبان بن فرّوخ، ومحمد بن أبي بكر المقدّميّ، ومخارق بن ميسرة، وهانىء بن المتوكّل الإسكندرانيّ، ومحمد بن أبي السريّ العسقلانيّ، روى عنه أخوه أحمد، وأحمد بن عليّ الأبار، ومحمد ابن أحمد الحكميّ، وإسماعيل بن محمد الصفّار. ثم أخرج عن ابن قانع أن خازم بن يحيى مات في سنة خمس وسبعين ومائتين. انتهى (٣). ونصّ ترجمته في "الإرشاد" ٢/ ٦٢٣ - ٦٢٤ الترجمة (٣٥٩): أبو الحسن خازم ابن يحيى الحُلْوانيّ، ارتحل إلى الشام، وإلى خراسان، وكان حافظًا، يَعرف هذا الشأن، ودخل قَزوين سنة نيّف وسبعين، وكتب عنه شيوخ البلد، ورضوه. انتهى. وكتب محقّق الكتاب في الهامش: ما نصّه: هو خازم -بالخاء المعجمة، والزاي- ابن يحيى بن إسحاق الحلوانيّ، ذكره الرافعيّ في "التدوين" (خ ق ٤٠٧) وقال: سمع منه إسحاق بن محمد، وعليّ بن مهرويه، وأبو الحسن القطّان. انتهى (٤).

стр. 1082

فتبيّن بهذا أنه خازم بالخاء المعجمة، فما وقع في نسخ "سنن ابن ماجه" بالحاء المهملة، فتصحيف، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم. (حَدَّثَنَا عَبْدُ الملِكِ بْنُ شَيْبَانَ) هكذا النسخ الطبوعة "شيبان" بشين معجمة، ثم ياء تحتانيّة، ثم موحّدة، والذي في النسخة الهندية "ابن سِنان" بسين مهملة، ثم نونين، بينهما ألف، ولم يتبيّن لي ما هو الصواب؛ لأني لم أجد ترجمته لا بهذا ولا بهذا، فليُحرّر. والله تعالى أعلم بالصواب. (حَدَّثَنَا يَحْيى بْنُ عُثمانَ) المذكور في السند السابق. وقوله: (فَذَكَرَ) الذاكر هو عبد الملك (نَحْوَهُ) أي نحو حديث مالك بن إسماعيل. [تنبيه]: إنما أتى أبو الحسن القطان بهذا الإسناد لعلوه، حيث وصل إلى يحيى بن عثمان بواسطتين، بينما وصل إليه بسند ابن ماجه بثلاث وسائط، فتنبّه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عائشة ﵂ هذا تفرّد به المصنّف، وهو ضعيف؛ لاتفاقهم على ضعف يحيى بن عثمان، وكذا يحيى بن عبد الله بن أبي مليكة قال فيه ابن حبان: يعتبر بحديثه إذا روى عنه غير يحيى بن عثمان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٨٥ - حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أبي هِنْدٍ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّه، قَالَ: خَرَجَ رَسُول الله ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَهُمْ يَخْتَصِمُونَ في الْقَدَرِ، فَكَأنَّما يُفْقَأُ في وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ مِنَ الغَضب، فَقَالَ: "بِهَذَا أُمِرتُمْ؟، أَوْ لهِذَا خُلِقْتُمْ؟، تَضْربُونَ الْقُرْآنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، بهَذَا هَلَكَتِ الْأمَمُ قَبْلَكُمْ"، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ الله ابْنُ عَمْرٍو: مَا غَبَطْتُ نَفْسي بِمَجْلِسٍ، تَخَلَّفْتُ فِيهِ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ مَا غَبَطْتُ نَفْسِي بِذَلِكَ المجْلِسِ، وَتخَلُّفِي عَنْهُ).

стр. 1083

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ الثقة المذكور قبل حديث. ٢ - (أبو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير الثقة الكوفيّ، أحفظ من روى عن الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، من كبار [٩] تقدّم في ١/ ٣. ٣ - (دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) واسمه دينار بن عُذافر، ويقال: طهمان القشيري مولاهم، أبو بكر، ويقال: أبو محمد البصريّ، ثقة متقنٌ، كان يَهِم بآخره [٥]. رأى أنس بن مالك، وروى عن عكرمة، والشعبي، وزرارة بن أوفى، وأبي العالية، وسعيد بن المسيب، وسماك بن حرب، وعاصم الأحول، وغيرهم. وروى عنه شعبة، والثوري، ومسلمة بن علقمة، وابن جريج، والحمادان، ووهيب بن خالد، وعبد الوارث بن سعيد، وأبو معاوية، وغيرهم. قال ابن عيينة عن أبيه: كان يفتي في زمان الحسن. وقال ابن المبارك عن الثوري: هو من حفاظ البصريين. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: ثقة ثقة. قال: وسئل عنه مرة أخرى، فقال: مثل داود يُسأل عنه؟ وقال ابن معين: ثقة، وهو أحب إلي من خالد الحذاء. وقال العجلي: بصري ثقة، جيد الإسناد، رفيع، وكان صالحًا، وكان خياطًا. وقال أبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت. وقال ابن حبان: رَوَى عن أنس خمسة أحاديث، لم يسمعها منه، وكان من خيار أهل البصرة، من المتقنين في الروايات، إلا أنه كان يَهِمُ إذا حدث من حفظه. وقال ابن سعد: كان ثقةَ، كثير الحديث. وقال الحاكم: لم يصح سماعه من أنس. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن داود، وعوف، وقرة، فقال: داود أحب إلي، وهو أحب إلي من عاصم، وخالد الحذاء. وقال ابن خِرَاش: بصري ثقة. وقال الأثرم عن أحمد: كان كثير الاضطراب والخلاف. وقال يزيد بن هارون، وغير واحد: مات سنة (١٣٩). وقال علي بن المديني، وغير واحد: مات سنة (٤٠). وقيل: مات سنة (٤١). أخرج له البخاري في التعاليق،

стр. 1084

ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا. ٤ - (عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ) بن محمد الطائفيّ، صدوق [٥] تقدّم في ١/ ٩. ٥ - (أبوه) هو: شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص الطائفيّ، صدوقٌ ثبت سماعه من جدّه [٣] تقدّم في ١/ ٩. ٦ - (جدّه) هو: عبد الله بن عمرو بن العاص السهميّ، أبو محمد، أو أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، تقدّم في ٨/ ٥٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن أبيه، عن جدّه. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: داود، عن عمرو، عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قول السيوطيّ ﵀: وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرو ... وَابْنُ الزُّبَيْرِ في اشْتِهَارٍ يَجرِي دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لهُمْ عَبَادِلَهْ ... وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ ٦ - (ومنها): أن هذا الإسناد مما اختلف فيه العلماء، فمنهم من ادّعى فيه الانقطاع، بين شعيب وعبد الله بن عمرو، والصحيح أنه متّصل، فقد ثبت سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، بل هو الذي ربّاه؛ لموت أبيه في صغره، وقد تقدم تمام البحث في ذلك في شرح حديث (١/ ٩)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب (عَنْ جَدِّهِ) عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، فالصحيح أن الضمير لشعيب، لا لعمرو، وإن كان هو

стр. 1085

الظاهر، كما سيأتي تحقيقه قريبًا -إن شاء الله تعالى- أنه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ) ﵃ (وَهُمْ يَخْتَصِمُونَ في الْقَدَرِ) جملة في محل نصب على الحال من "أصَحابه": أي والحال أنهم يتخاصمون في شأن القدر، أي في الإثبات والنفي، وكأن كلا منهم كان يستدلّ بما يُناسب مطلوبه من الآيات، ولذا أنكر عليهم النبيّ ﷺ ، بقوله: "تضربون القرآن بعضه ببعض". قاله السنديّ (١). وفي رواية أحمد: "أن رسول الله ﷺ خرج على أصحابه، وهم يتنازعون في القدر، هذا ينزع آية، وهذا ينزع آية". وفي رواية الترمذيّ من حديث أبي هريرة ﵁: "خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن نتنازع في القدر". قال الطيبيّ ﵀: قوله: "نتازع" أي نتناظر، ونتخاصم كأن يقول أحد الخصمين: إذا كان جميع ما يجري في العالم بقدر الله تعالى، فلم يعذّب المذنبين، ولم يُنسَبِ الفعل إلى العباد، كما قالت المعتزلة؟ والآخر يقول: فما الحكمة في تقدير بعض العباد للجنة، وبعضهم للنار، وما أشبه ذلك؟. (فَكَأنَّما يُفْقَأُ) بالبناء للمفعول، وهو معطوف على محذوف: تقديره: فغضب، فاحمرّ وجهه، فكان من شدّة غضبه كأنما يُفقأ: أي يُشَقّ، والفقأ: الشقّ، والبَخْصُ (٢). قاله ابن الأثير (٣). وقال المجد: فَقَأَ العينَ، والْبَثْرَةَ، ونحوهما، كمنع: كسرَها، أو قلعها، كفقّأها، فانفقأت، وتفقّأت (٤). وقال السنديّ: قوله: "فكأنما إلخ: أي فغضب، فاحمرّ وجهه من أجل الغضب

стр. 1086

احمرارًا يُشبه فَقْءَ حَبّ الرّمّان في وجهه، أي يشبه الاحمرار الحاصل به، أو فصار كأنما يُفقأ الخ. انتهى. (فِيْ وَجْهِهِ) متعلّق بـ "يُفقأ" (حَبُّ الزُّمَّانِ) بالرفع على أنه نائب فاعل "يُفقأ"، و"الحب" بفتح الحاء المهملة، و"الرمّان" بضم الراء، وتشديد الميم (مِنَ الْغَضَبِ) أي من أجل شدّة غضبه ﷺ عليهم، قال الطيبيّ: وإنما غضب رسول الله ﷺ عليهم؛ لأن القدر سرّ من أسرار الله تعالى، وطلب سر الله تعالى منهيّ عنه، ولأن من يبحث في القدر لم يأمن أن يصير قدريّا، أو جبريّا، بل العباد مأمورون بقبول ما أمرهم الشرع من غير أن يطلبوا سرّ ما لا يجوز طلب سرّه. انتهى (١). (فَقَالَ) ﷺ (بِهَذَا أُمِرْتُمْ) بتقدير همزة الاستفهام: أي أبهذا التنازع في القدر أمرتكم؟. والاستفهام للإنكار، وتقديم الجارّ والجرور لمزيد الاهتمام. قاله القاري (٢). (أَوْ لهِذَا خُلِقْتُمْ) أي لهذا البحث عن القدر، والاختصام فيه، هل هو المقصود من خلقكم؟ أو هو الذي وقع التكليف به حتى اجترأتم عليه؟ يريد أنه ليس بشيء من الأمرين، فأيُّ حاجة إليه؟. قاله السنديّ (٣) وفي رواية الترمذيّ: "أم بهذا أُرسلتُ إليكم؟ " (تَضْرِبُونَ الْقُرْآنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ) في "القاموس"، و"شرحه": ضربت الشيءَ بالشيء -أي بالتخفيف: خلطته، كضَرّبته تضريبًا، والتضريب بين القوم: الإغراء، والتضريب أيضًا: تحريض الشجاع في الحرب، يقال: ضرّبته، وحرّضته. انتهى (٤): والمراد به هنا معارضة بعض الآيات ببعضها، وادّعاء التناقض بينها (بِهَذَا) إشارة إلى الاختصام في القدر (هَلَكَتِ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ) وفي رواية أحمد من طريق إسماعيل، عن داود بن أبي هند، أن نفرًا كانوا جلوسا بباب النبي ﷺ ، فقال بعضهم: ألم

стр. 1087

يقل الله: كذا وكذا، وقال بعضهم: ألم يقل الله: كذا وكذا، فسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فخرج كأنما فُقِئ في وجهه حَبّ الرمان، فقال: "بهذا أمرتم، أو بهذا بعثتم، أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا، إنكم لستم مما هاهنا في شيء، انظروا الذي أُمرتم به فاعملوا به، والذي نهيتم عنه فانتهوا". وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند الترمذيّ: "إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم أن لا تتنازعوا فيه". قال الطيبيّ ﵀: قوله: "عزمت عليكم": أي أقسمت عليكم، وأصله عزمت بإقاء اليمين، وإلزامها عليكم، لا تبحثوا في القدر بعد هذا. انتهى (١). (قَالَ) شعيب (فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو) ﵄ (مَا) نافية (غبَطْتُ نَفْسِي) بفتح الموحّدة، من غبَط يغبِط بالكَسر والفتح، من بابي ضرب، وسمع، يقال: غبطتُ الرجل أغبطه: إذا اشتهيت أن يكون لك مثلُ ما له، وأن يدوم عليه ما هو فيه، وحسدته أحسده حسدًا: إذا اشتهيت أن يكون لك ما له، وأن يزول عنه ما هو فيه. قاله ابن الأثير (٢). وقال الفيّومي: "الغِبْطة": حسن الحال، وهي اسم من غبطته غبطًا: إذا تمنيت مثل ما ناله من غير زواله عنه لمِا أَعْجَبك منه، وعَظُم عندك. انتهى. والمعنى هنا: ما استحسنت كون نفسي (بِمَجْلِسٍ) بفتح الميم، وكسر اللام أي بمكان جلوس (تخَلَّفْتُ فِيه) أي في ذلِك المجلس (عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ) متعلق بـ "تخلفت" (مَا) مصدريّة (غَبَطْتُ نَفْسِي) أي مثل اغتباط نفسي (بِذَلِكَ اَلمجْلِسِ) الذي غضب فيه النبيّ ﷺ (وَتخَلُّفِي عَنْهُ) أي عن ذلك المجلس. والمعنى: أنه لم يتمنّ كون نفسه في مجلس تأخر فيه عن مجالسة النبي ﷺ فيه مثل تمنيه تأخره عن ذلك المجلس الذي غضب ﷺ عليهم لأجل خوضهم في القدر. والله

стр. 1088

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا صحيح. قال الحافظ البوصيريّ ﵀: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رواه الإمام أحمد في "مسنده" من هذا الوجه بزيادة في آخره، وكذا رواه الحارث بن محمد بن أبي أسامة في "مسنده" كما أوردته في "زائد المسانيد العشرة". انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لفظ الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "مسنده": حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسًا ما أُحب أن لي به حُمْرَ النعم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مَشْيَخةٌ من صحابة رسول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نُفَرِّق بينهم، فجلسنا حَجْرَةً، إذ ذكروا آية من القرآن، فتمارَوْا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله ﷺ مغضبًا، قد احمر وجهه، يرميهم بالتراب، ويقول: مهلًا يا قوم، بهذا أُهلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم يَنْزِل يُكَذِّب بعضه بعضًا، بل يصدق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه". (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (١٠/ ٨٥) بهذا السند فقط، وقد تفرّد به، فلم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" ٢/ ١٧٨ و ١٩٦ رقم (٦٤١٥) و (٦٥٥٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1089

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٨٦ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حدثنا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي حَيَّةَ، أَبُو جَنَابٍ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ"، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ الْبَعِيرَ يَكُونُ بِهِ الجرَبُ، فَيُجْرِبُ الْإِبِلَ كُلَّهَا؟، قَالَ: "ذَلِكُمُ الْقَدَرُ، فَمَنْ أَجْرَبَ الْأَوَّلَ؟ "). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يحيى بن أبي حيّة) أبو جَنَاب -بفتح الجيم، ونون خفيفة، وآخره موحّدة- الكلبيّ الكوفي، مشهور بكنيته، واسم أبي حية حَيّ، ضعّفوه؛ لكثرة تدليسه [٦]. روى عن أبيه، ويزيد بن البراء بن عازب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والضحاك بن مُزَاحم، والحسن البصري، وأبي بردة بن أبي موسى، وشَهْر بن حَوْشب، وإياد بن لَقِيط، وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومَغْرَاء العبدي، وجماعة. وروى عنه السفيانان، والحسن بن صالح، وجرير، وهشيم، ووكيع، وجعفر بن عون، وأبو نعيم، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث. وقال أبو موسى: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن يحدثان عن سفيان، عن أبي جناب قط. وقال علي بن المديني: كان يحيى بن سعيد يتكلم فيه، وفي أبيه. وقال البخاري، وأبو حاتم: كان يحيى القطان يضعفه. وقال إسحاق بن حكيم: قال يحيى القطان: لو استحللت أن أروي عن أبي جناب، لرويت عنه حديث علي في التكبير. وقال الذهلي: سمعت يزيد بن هارون يقول: كان صدوقًا، ولكن قال: يُدَلِّس. وقال أبو حاتم: وقال الغلابي: قال أبو نعيم: لم يكن بأبي جناب بأس، إلا أنه كان يدلس، وكذا قال أحمد، وابن معين، وأبو داود، عن أبي نعيم. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: أحاديثه مناكير. وقال عبد الله الدورقي عن ابن معين: ليس به بأس، إلا أنه كان يدلس. وقال

стр. 1090

الدورقي عن ابن معين: ليس به بأس. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: صدوق. وقال ابن أبي خيثمة، وإبراهيم بن الجنيد، والغلابي عن ابن معين: ضعيف. وقال ابن نمير: صدوق، كان صاحب تدليس، أفسد حديثه بالتدليس، كان يحدث بما لم يسمع. وقال عثمان الدارمي: ضعيف. وقال العجلي: كوفي ضعيف الحديث، يكتب حديثه، وفيه ضعف. وقال أبو زرعة: صدوق غير أنه كان يدلس. وقال ابن خِرَاش: كان صدوقًا، وكان يدلس، وفي حديثه نُكْرة. وقال عمرو بن علي: متروك الحديث. وقال إبراهيم الجوزجاني: يضعف حديثه. وقال يعقوب بن سفيان ضعيف، وكان يدلس. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ليس بالقوي، قلت: هو أحب إليك أو يحيى البكائي؟ قال: لا هذا ولا هذا، قلت: فإذا لم يكن الباب غيرهما أيهما أكتب؟ قال: لا يكتب منه شيء. وقال الآجري عن أبي داود: ليس بذاك. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال في موضع آخر: ليس بالثقة يدلس. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الساجي: كوفي صدوق، منكر الحديث. وقال ابن عمار: ضعيف. وقال أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن حبان في "الضعفاء": كان يدلس عن الثقات ما سمع من الضعفاء، فأُلزقت به تلك المناكير التي يرويها عن المشاهير، فحَمَلَ عليه أحمد حملًا شديدًا. قال الغلابي عن ابن معين: مات سنة سبع وأربعين ومائة، وفيها أرخه ابن سعد، ومطين. وقال أبو نعيم وغيره: مات سنة خمسين. أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (٨٦) و (٣٥٤٠) و (٣٥٤٩). ٢ - (أبوه) أبو حيّة الكلبيّ، واسمه كما سبق آنفًا - حيّ، روى عن ابن عمر، وروى عنه ابنه يحيى أبو جَنَاب، مجهول [٤]. تفرّد به المصنّف، بهذا الحديث، وأعاده في "كتاب الطبّ" برقم (٣٥٤٠). ٣ - (ابن عمر) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵄، تقدّم في ١/ ٤.
следующие страницы →