← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

احمرارًا يُشبه فَقْءَ حَبّ الرّمّان في وجهه، أي يشبه الاحمرار الحاصل به، أو فصار كأنما يُفقأ الخ. انتهى. (فِيْ وَجْهِهِ) متعلّق بـ "يُفقأ" (حَبُّ الزُّمَّانِ) بالرفع على أنه نائب فاعل "يُفقأ"، و"الحب" بفتح الحاء المهملة، و"الرمّان" بضم الراء، وتشديد الميم (مِنَ الْغَضَبِ) أي من أجل شدّة غضبه ﷺ عليهم، قال الطيبيّ: وإنما غضب رسول الله ﷺ عليهم؛ لأن القدر سرّ من أسرار الله تعالى، وطلب سر الله تعالى منهيّ عنه، ولأن من يبحث في القدر لم يأمن أن يصير قدريّا، أو جبريّا، بل العباد مأمورون بقبول ما أمرهم الشرع من غير أن يطلبوا سرّ ما لا يجوز طلب سرّه. انتهى (١). (فَقَالَ) ﷺ (بِهَذَا أُمِرْتُمْ) بتقدير همزة الاستفهام: أي أبهذا التنازع في القدر أمرتكم؟. والاستفهام للإنكار، وتقديم الجارّ والجرور لمزيد الاهتمام. قاله القاري (٢). (أَوْ لهِذَا خُلِقْتُمْ) أي لهذا البحث عن القدر، والاختصام فيه، هل هو المقصود من خلقكم؟ أو هو الذي وقع التكليف به حتى اجترأتم عليه؟ يريد أنه ليس بشيء من الأمرين، فأيُّ حاجة إليه؟. قاله السنديّ (٣) وفي رواية الترمذيّ: "أم بهذا أُرسلتُ إليكم؟ " (تَضْرِبُونَ الْقُرْآنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ) في "القاموس"، و"شرحه": ضربت الشيءَ بالشيء -أي بالتخفيف: خلطته، كضَرّبته تضريبًا، والتضريب بين القوم: الإغراء، والتضريب أيضًا: تحريض الشجاع في الحرب، يقال: ضرّبته، وحرّضته. انتهى (٤): والمراد به هنا معارضة بعض الآيات ببعضها، وادّعاء التناقض بينها (بِهَذَا) إشارة إلى الاختصام في القدر (هَلَكَتِ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ) وفي رواية أحمد من طريق إسماعيل، عن داود بن أبي هند، أن نفرًا كانوا جلوسا بباب النبي ﷺ ، فقال بعضهم: ألم

стр. 1087

يقل الله: كذا وكذا، وقال بعضهم: ألم يقل الله: كذا وكذا، فسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فخرج كأنما فُقِئ في وجهه حَبّ الرمان، فقال: "بهذا أمرتم، أو بهذا بعثتم، أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا، إنكم لستم مما هاهنا في شيء، انظروا الذي أُمرتم به فاعملوا به، والذي نهيتم عنه فانتهوا". وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند الترمذيّ: "إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم أن لا تتنازعوا فيه". قال الطيبيّ ﵀: قوله: "عزمت عليكم": أي أقسمت عليكم، وأصله عزمت بإقاء اليمين، وإلزامها عليكم، لا تبحثوا في القدر بعد هذا. انتهى (١). (قَالَ) شعيب (فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو) ﵄ (مَا) نافية (غبَطْتُ نَفْسِي) بفتح الموحّدة، من غبَط يغبِط بالكَسر والفتح، من بابي ضرب، وسمع، يقال: غبطتُ الرجل أغبطه: إذا اشتهيت أن يكون لك مثلُ ما له، وأن يدوم عليه ما هو فيه، وحسدته أحسده حسدًا: إذا اشتهيت أن يكون لك ما له، وأن يزول عنه ما هو فيه. قاله ابن الأثير (٢). وقال الفيّومي: "الغِبْطة": حسن الحال، وهي اسم من غبطته غبطًا: إذا تمنيت مثل ما ناله من غير زواله عنه لمِا أَعْجَبك منه، وعَظُم عندك. انتهى. والمعنى هنا: ما استحسنت كون نفسي (بِمَجْلِسٍ) بفتح الميم، وكسر اللام أي بمكان جلوس (تخَلَّفْتُ فِيه) أي في ذلِك المجلس (عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ) متعلق بـ "تخلفت" (مَا) مصدريّة (غَبَطْتُ نَفْسِي) أي مثل اغتباط نفسي (بِذَلِكَ اَلمجْلِسِ) الذي غضب فيه النبيّ ﷺ (وَتخَلُّفِي عَنْهُ) أي عن ذلك المجلس. والمعنى: أنه لم يتمنّ كون نفسه في مجلس تأخر فيه عن مجالسة النبي ﷺ فيه مثل تمنيه تأخره عن ذلك المجلس الذي غضب ﷺ عليهم لأجل خوضهم في القدر. والله

стр. 1088

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا صحيح. قال الحافظ البوصيريّ ﵀: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رواه الإمام أحمد في "مسنده" من هذا الوجه بزيادة في آخره، وكذا رواه الحارث بن محمد بن أبي أسامة في "مسنده" كما أوردته في "زائد المسانيد العشرة". انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لفظ الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "مسنده": حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسًا ما أُحب أن لي به حُمْرَ النعم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مَشْيَخةٌ من صحابة رسول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نُفَرِّق بينهم، فجلسنا حَجْرَةً، إذ ذكروا آية من القرآن، فتمارَوْا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله ﷺ مغضبًا، قد احمر وجهه، يرميهم بالتراب، ويقول: مهلًا يا قوم، بهذا أُهلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم يَنْزِل يُكَذِّب بعضه بعضًا، بل يصدق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه". (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (١٠/ ٨٥) بهذا السند فقط، وقد تفرّد به، فلم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" ٢/ ١٧٨ و ١٩٦ رقم (٦٤١٥) و (٦٥٥٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1089

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٨٦ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حدثنا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي حَيَّةَ، أَبُو جَنَابٍ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ"، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ الْبَعِيرَ يَكُونُ بِهِ الجرَبُ، فَيُجْرِبُ الْإِبِلَ كُلَّهَا؟، قَالَ: "ذَلِكُمُ الْقَدَرُ، فَمَنْ أَجْرَبَ الْأَوَّلَ؟ "). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يحيى بن أبي حيّة) أبو جَنَاب -بفتح الجيم، ونون خفيفة، وآخره موحّدة- الكلبيّ الكوفي، مشهور بكنيته، واسم أبي حية حَيّ، ضعّفوه؛ لكثرة تدليسه [٦]. روى عن أبيه، ويزيد بن البراء بن عازب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والضحاك بن مُزَاحم، والحسن البصري، وأبي بردة بن أبي موسى، وشَهْر بن حَوْشب، وإياد بن لَقِيط، وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومَغْرَاء العبدي، وجماعة. وروى عنه السفيانان، والحسن بن صالح، وجرير، وهشيم، ووكيع، وجعفر بن عون، وأبو نعيم، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث. وقال أبو موسى: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن يحدثان عن سفيان، عن أبي جناب قط. وقال علي بن المديني: كان يحيى بن سعيد يتكلم فيه، وفي أبيه. وقال البخاري، وأبو حاتم: كان يحيى القطان يضعفه. وقال إسحاق بن حكيم: قال يحيى القطان: لو استحللت أن أروي عن أبي جناب، لرويت عنه حديث علي في التكبير. وقال الذهلي: سمعت يزيد بن هارون يقول: كان صدوقًا، ولكن قال: يُدَلِّس. وقال أبو حاتم: وقال الغلابي: قال أبو نعيم: لم يكن بأبي جناب بأس، إلا أنه كان يدلس، وكذا قال أحمد، وابن معين، وأبو داود، عن أبي نعيم. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: أحاديثه مناكير. وقال عبد الله الدورقي عن ابن معين: ليس به بأس، إلا أنه كان يدلس. وقال

стр. 1090

الدورقي عن ابن معين: ليس به بأس. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: صدوق. وقال ابن أبي خيثمة، وإبراهيم بن الجنيد، والغلابي عن ابن معين: ضعيف. وقال ابن نمير: صدوق، كان صاحب تدليس، أفسد حديثه بالتدليس، كان يحدث بما لم يسمع. وقال عثمان الدارمي: ضعيف. وقال العجلي: كوفي ضعيف الحديث، يكتب حديثه، وفيه ضعف. وقال أبو زرعة: صدوق غير أنه كان يدلس. وقال ابن خِرَاش: كان صدوقًا، وكان يدلس، وفي حديثه نُكْرة. وقال عمرو بن علي: متروك الحديث. وقال إبراهيم الجوزجاني: يضعف حديثه. وقال يعقوب بن سفيان ضعيف، وكان يدلس. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ليس بالقوي، قلت: هو أحب إليك أو يحيى البكائي؟ قال: لا هذا ولا هذا، قلت: فإذا لم يكن الباب غيرهما أيهما أكتب؟ قال: لا يكتب منه شيء. وقال الآجري عن أبي داود: ليس بذاك. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال في موضع آخر: ليس بالثقة يدلس. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الساجي: كوفي صدوق، منكر الحديث. وقال ابن عمار: ضعيف. وقال أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن حبان في "الضعفاء": كان يدلس عن الثقات ما سمع من الضعفاء، فأُلزقت به تلك المناكير التي يرويها عن المشاهير، فحَمَلَ عليه أحمد حملًا شديدًا. قال الغلابي عن ابن معين: مات سنة سبع وأربعين ومائة، وفيها أرخه ابن سعد، ومطين. وقال أبو نعيم وغيره: مات سنة خمسين. أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (٨٦) و (٣٥٤٠) و (٣٥٤٩). ٢ - (أبوه) أبو حيّة الكلبيّ، واسمه كما سبق آنفًا - حيّ، روى عن ابن عمر، وروى عنه ابنه يحيى أبو جَنَاب، مجهول [٤]. تفرّد به المصنّف، بهذا الحديث، وأعاده في "كتاب الطبّ" برقم (٣٥٤٠). ٣ - (ابن عمر) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵄، تقدّم في ١/ ٤.

стр. 1091

والباقون تقدّموا قبل حديثين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عَنْ أَبِي حيّة الكلبيّ (عَن) عبد الله (بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا عَدْوَى) بفتح العين، وسكون الدال المهملتين، وفتح الواو مقصورًا. قال ابن الأثير ﵀: هو اسم من الإعداء، كالرَّعْوَى، والْتقْوَى، من الإِرْعاء، والإبقاء، يقال: أعداه الداء يُعْدِيه إِعْدَاءً، وهو أن يُصيبه مثلُ ما بصاحب الداء، وذلك أن يكون ببعير جَرَب مثلًا، فَتُتّقى مخُالطته بإبل أخرى حِذَارًا أن يَتَعَدّى ما به من الجرَب إليها فيُصيبها ما أصابه. وقد أبطله الإسلام؛ لأنهم كانوا يظنّون أن المرض بنفسه يتعدّى، فأعلمهم النبيّ ﷺ أنه ليس الأمر كذلك، وإنما الله هو الذي يُمرض، ويُنزل الداء، ولهذا قال: "فمن أعدى الأول؟ ": أي من أين صار فيه الجرب. انتهى كلام ابن الأثير (١). وقال التوربشتيّ ﵀: العَدْوَى هنا مجازوة العلّة من صاحبها إلى غيره، يقال: أعدى فلان فلانًا من خُلُقه، أو من علّة به، وذلك على ما يذهب إليه المتطبّبة في عِلَلٍ سبع: الجذام، والجَرَب، والجدريّ، والحصبة، والبخر، والرمد، والأمراض الوبائيّة. انتهى (٢). (وَلَا طِيَرَةَ) قال في "النهاية": بكسر الطاء، وفتح الياء، وقد تُسكّن: هي التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تَطَيّر، يقال: تطيّر طِيَرَةً، وتخيّر خِيَرَةً، ولم يجىء من المصادر هكذا غيرهما، وأصله فيما يُقال: التطيّر بالسَّوَانِحِ، والْبَوَارِح من الطير والظباء وغيرهما، وكان ذلك يصدّهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع، وأبطله، ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع، أو دفع ضرّ. انتهى (٣). وقال في "الفتح": "الطِّيَرَة" -بكسر المهملة، وفتح التحتانية، وقد تسكن-: هي

стр. 1092

التشاؤم -بالشين- وهو مصدر تَطَيّر، مثل تَخَيَّر خِيَرَة. قال بعض أهل اللغة: لم يجيء من المصادر هكذا غير هاتين، وتعقب بأنه سمع طِيَبَة، وأورد بعضهم التِّوَلَة، وفيه نظر. وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر، فإن رأى الطير طار يَمْنَةً تيمَّن به واستَمَرّ، وإن رآه طار يَسْرَةً تشاءم به ورجع، وربما كان أحدهم يُهَيِّج الطير ليطير فيعتمدها، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك، وكانوا يُسَمُّونه السانح -بمهملة، ثم نون، ثم حاء مهملة- والبارح -بموحدة، وآخره مهملة-. فالسانح: ما وَلّاكَ مَيَامِنَهُ، بأن يمر عن يسارك إلى يمينك، والبارح بالعكس، وكانوا يتيمنون بالسانح، ويتشاءمون بالبارح؛ لأنه لا يمكن رميه إلا بأن ينحرف إليه، وليس في شيء من سنوح الطير وبروحها ما يقتضي ما اعتقدوه، وإنما هو تكلف بتعاطي ما لا أصل له؛ إذ لا نطق للطير ولا تمييز، فيُستَدَلَّ بفعله على مضمون معنى فيه، وطلب العلم من غير مظانّه جهل من فاعله. وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير، ويتمدح بتركه. قال شاعر منهم [من مجزوّ الكامل]: وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَكنْتُ لَا ... أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَحَاتِمِ فَإِذَا الأَشَائِمُ كَالأيا ... مِنِ وَالأَيامِنُ كَالأَشَائِمِ وقال آخر [من البسيط]: الزَّجْرُ وَالطَّيْرُ وَالْكُهَّانُ كُلُّهُمُ ... مُضَلِّلُونَ وَدُونَ الْغَيْبِ أَقْفَالُ وقال آخر [من الطويل]: وَمَا عَاجِلَاتُ الطَّيْرِ تُدْنِي مِنَ الْفَتَى ... نَجَاحًا وَلا عَنْ رَيْثِهِنَ قُصُورُ وقال آخر [من الطويل]: لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي الطَّوَارِقُ بِالحصى ... وَلَا زَاجِرَاتُ الطَّيْرِ مَا اللهُ صانِعُ وقال آخر [من الوافر]: تخَيَّرَ طَيرَةً فِيهَا زِيَادٌ ... لِتُخْبِرَهُ وَمَا فِيهَا خَبِيرُ

стр. 1093

تَعلَّمَ أنَّهُ لَا طَيْرَ إِلَّا ... عَلَى مُتَطَيِّرٍ وَهُوَ الثُّبُورُ بَلَى شَيءٌ يُوَافِقُ بَعْضَ شَيءٍ ... أَحَايِينًا وَبَاطِلُهُ كَثِيرُ وكان أكثرهم يتطيرون، ويعتمدون على ذلك، ويصح معهم غالبًا؛ لتزيين الشيطان ذلك، وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين. وقد أخرج ابن حبان في "صحيحه" من حديث أس ﵁ رفعه: "لا طِيَرَة، والطيرة على من تَطَيَّر". وأخرج عبد الرزاق عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن النبي ﷺ : "ثلاثة لا يَسلَم منهن أحدٌ: الطيرة، والظنّ، والحسد، فإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تَبْغِ، وإذا ظننت فلا تحقِّق". وهذا مرسل، أو معضل، لكن له شاهد من حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه البيهقي في "الشعب". وأخرج ابن عدي بسند لين عن أبي هريرة ﵁ رفعه: "إذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا". وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء ﵁ رفعه: "لن ينال الدرجات العُلَى من تَكَهَّن، أو استقسم، أو رجع من سفر تطيرًا". ورجاله ثقات، قال الحافظ: إلا أنني أظن أن فيه انقطاعًا، وله شاهد عن عمران بن حصين ﵄، وأخرجه البزار في أثناء حديث بسند جيد. وأخرج أبو داود، والترمذيّ، وصححه هو وابن حبان، عن ابن مسعود ﵁ رفعه: "الطيرة شرك، وما منا إلا تَطَيَّر، ولكن الله يُذهبه بالتوكل". وقوله: "وما منا إلا" من كلام ابن مسعود، أُدرج في الخبر، وقد بينه سليمان بن حرب، شيخ البخاري فيما حكاه الترمذي، عن البخاري عنه، وإنما جَعَل ذلك شركًا لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعًا، أو يدفع ضرًّا، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى. وقوله: "ولكن الله يذهبه بالتوكل" إشارة إلى أن من وقع له ذلك، فسلَّم لله، ولم يعبأ بالطيرة أنه لا يؤاخذ بما عَرَضَ له من ذلك. وأخرج البيهقي في "الشعب" من حديث عبد الله بن عمرو موقوفًا: "مَن عَرَض له من هذه الطيرة شيء، فليقل: اللهم لا طَيْر إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله

стр. 1094

غيرك". انتهى (١). (وَلَا هَامَةَ) بتخفيف الميم على المشهور، وقيل بتشديدها، قال أبو داود في "سننه": قال بقيّة: سألت محمد بن راشد عن قوله: "لا هامة"، فقال: كان أهل الجاهليّة يقولون: ليس أحدٌ يموت فيُدفن إلا خرج من قبره هامة. انتهى. وقال النوويّ: فيها تأويلان: [أحدهما]: أن العرب كانت تتشاءم بها، وهي من طير الليل. وقيل: هي الْبُومة، قالوا: كانت إذا سقطت على دار أحدهم، فيراها ناعيةً له نفسه، أو بعض أهله، وهو تفسير مالك بن أنس. [وثانيهما]: أن العرب كانت تعتقد أن عظام الميت، وقيل: روحه تنقلب هامة تطير، وهذا تفسير أكثر العلماء، وهو المشهور، ويجوز أن يكون المراد النوعين معًا، فإنهما باطلان، فبيّن النبيّ ﷺ إبطال ذلك، وضلالة الجاهليّة فيما تعتقده من ذلك. و"الهامة" بتخفيف الميم على المشهور الذي لم يذكر الجمهور غيره. وقيل: بتشديدها. قاله جماعة، وحكاه القاضي عن أبي زيد الأنصاريّ الإمام في اللغة. انتهى (٢). وقال في "الفتح": قال أبو زيد: "الهامة" -بالتشديد- وخالفه الجميع، فخففوها، وهو المحفوظ في الرواية، وكأن من شدّدها ذهب إلى واحدة الْهَوَامّ، وهي ذوات السموم. وقيل: دواب الأرض التي تَهُمُّ بأذى الناس، وهذا لا يصح نفيه، إلا إن أريد أنها لا تضر لذواتها، وإنما تضر إذا أراد الله إيقاع الضرر بمن أصابته. وقد ذكر الزبير بن بَكّار في "الموفقيات" أن العرب كانت في الجاهلية تقول: إذا قُتِل الرجل، ولم يؤخذ بثأره خرجت من رأسه هامة، وهي دودة، فتَدُور حول قبره، فتقول: اسقوني اسقوني، فإن أُدرك بثأره ذهبت.

стр. 1095

وفي ذلك يقول شاعرهم [من البسيط]: يَا عَمْرُو إِلَّا تَدَعْ شَتْمِي وَمَنْقَصَتِي ... أَضْرِبْكَ حَتَّى تَقُولَ الهامَةُ اسْقُونِي قال: وكانت اليهود تَزْعُم أنها تدور حول قبره سبعة أيام، ثم تذهب. وذكر ابن فارس وغيره من اللغويين نحو الأول، إلا أنهم لم يُعَيِّنوا كونها دُودة، بل قال القزاز: الهامة طائر من طير الليل، كأنه يعني البومة. وقال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم يقول: نَعَتْ إليّ نفسي، أو أحدًا من أهل داري. وقال أبو عبيد: كانوا يزعمون أن عظام الميت تصير هامة فتطير، ويُسَمُّون ذلك الطائر الصَّدَى، فعلى هذا فالمعنى في الحديث: لا حياة لهامة الميت، وعلى الأول لا شُؤْم بالبومة ونحوها. انتهى (١). (فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ) لم يُعرف اسمه (٢)، وفي الرواية الآتية في "كتاب الطبّ": فقام إليه رجل". و"الأعرابيّ" بفتح الهمزة، واحد الأعراب بفتحها، وهو الذي يكون صاحب نُجْعة وارتياد للكلإ، قال الأزهريّ: سواء كان من العرب، أو من مواليهم، فمن نزل البادية، وجاور البادين، وظَعَن بظَعْنِهم، فهم أَعراب، ومن نزل بلاد الرِّيف، واستوطن المدُن والقرى العربيّة وغيرها ممن ينتمي إلى العرب، فهم عَرَب، وإن لم يكونوا فصحاء، ويقال: سُمُّوا عربًا؛ لأن البلاد التي سكنوها تُسَمّى الْعَرَبَات، ويقال: العرَبُ العاربة هم الذين تكلّموا بلسان يَعرُب بن قَحْطان، وهو اللسان القديم، والعرب المستعرِبَة هم الذين تكلّموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وهي لغة الحجاز وما والاها (٣).

стр. 1096

(فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ الْبَعِيرَ) قال في "اللسان": العرب لها في "أرأيتَ" لغتان، ومعنيان: [أحدهما]: أن يَسأل الرجلُ الرجلَ، أرأيتَ زيدًا بعينك؟ فهذه مهموزة، فإذا أوقعتها على الرجل منه قلتَ: أرأيتك على غير هذه الحال، يريد هل رأيت نفسك على غير هذه الحالة، ثم تُثنّى، وتُجمع، فتقول للرجلين: أرأيتكما، وللقوم: أرأيتكم، وللنسوة: أرأيتكنّ، وللمرأة أرأيتكِ بكسر التاء، لَا يجوز إلا ذلك. [والمعنى الثاني]: أن تقول: أرأيتك، وأنت تقول: أخبرني، فتهمزها، وتنصب التاء منها، وتترك الهمز إن شئت، وهو أكثر كلام العرب، وتترك التاء موحّدةً مفتوحةً للمفرد وضده، والمذكر وضدّه. انتهى بتصرف (١). والمناسب هنا المعنى الثاني، أي أخبرني حال البعير (يَكُونُ بِهِ الجرَبُ) بفتح الجيم والراء: ذُكر في كتب الطبّ أن الجرب خِلْطٌ غليظٌ يَحْدُثُ تحت الجلد من مخُالطة الْبَلْغم المِلْحِ للدم، يكون معه بُثُورٌ، وربّما حصَلَ معه هُزَالٌ لكثرته. قاله الفيّوميّ (٢). (فَيُجْرِبُ) بضم أوله، وكسر ثالثه من أجربه رباعيّا، والفاعل ضمير "البعير"، وقوله: (الإبِلَ) بالنصب على المفعوليّة، وقوله (كلَّهَا؟،) تأكيد، والمعنى: أن ذلك البعير يجعل كل تلك الإبل التي خالطها مصابة بالجرب بسبب إعدائه، وهذا بناء على ما كانوا يعتقدونه من العدوى، وهو من أوهام الجهال، كانوا يعتقدون أن المريض إذا دخل في الأصحّاء أمرضهم. وجوز السنديّ ضبط "يَجرَب" بفتح أوله وثالثه، من باب سمع: أي فتصير الإبل كلها أجرب. انتهى. وعليه يكون "الإبل كلها" مرفوعًا على الفاعلية، والوجه الأول أولى. والله تعالى أعلم. وفي الرواية الآتية في "كتاب الطبّ": فقال: يا رسول الله البعير يكون به الجرب، فتَجرَب به الإبل". فقوله: "تجرب" بفتح أوله وثالثه، من باب سمع، و"الإبل" مرفوع

стр. 1097

على الفاعلية، ولا وجه له غير هذا. فليُتنبّه. (قَالَ) ﷺ ردّا على الأعرابي حيث أبدى هذه الشبهة (ذَلِكُمُ الْقَدَرُ) وفي الرواية الآتية في "الطبّ": "ذلك القدر" بإفراد اسم الإشارة: أي الذي أجرب تلك الإبل هو تقدير الله عليها أن تَجْرَب، لا الإعداء، ثم قال مؤكدًا هذا الردّ، ومبينًا له أتم بيان (فَمَنْ أَجْرَبَ الْأَوَّلَ) أي إذا كان جَربها حصل بالإعداء، فمن الذي أعدى البعير الأول. والمعنى: من الذي أوصل الجرب إليه، حتى يكون بناء الإعداء عليه، أي فظهر بطلان هذا الزعم، واتّضح أن الكل بتقدير الله أولا وآخرًا. وقال النوويّ: معناه أن البعير الأول الذي جرِبَ من أجربه، أي وأنتم تعلمون، وتعترفون أن الله تعالى هو الذي أوجد ذلك من غير ملاصقة لبعير أجرب، فاعلموا أن البعير الثاني والثالث وما بعدهما إنما جَرِب بفعل الله تعالى وإرادته، لا بعدوى تُعْدِي بطبعها، ولو كان الجرب بالعدوى بالطبائع لم يَجْرَب الأول؛ لعدم المعدِي، ففي الحديث الحديث بيان الدليل القاطع لإبطال قولهم في العدوى بطبعها. انتهى (١). وقال في "الفتح": هو جواب في غاية البلاغة والرَّشَاقة، وحاصله من أين جاء الجرب الأول للذي أعدى بزعمهم؟ فإن أجيب من بعير آخر لزم التسلسل، أو سبب آخر، فليُفصَحْ به، فإن أُجيب بأن الذي فعله في الأول هو الذي فعله في الثاني ثبت المدّعَى، وهو أن الذي فعل الجميع هو الخالق القادر على كلّ شيء، وهو الله . انتهى (٢). وقال القرطبيّ: معنى ذلك أن البعير الأجرب الذي أجرب هذه الصحاح -على زعمهم- من أين جاءه الجرب؟ أمن بعير آخر؟ فيلزم التسلسل، أو من سبب غير البعير؟ فهو الذي فعل الجرب في الأول والثاني، وهو الله تعالى الخالق لكل شيء، والقادر على كلّ شيء.

стр. 1098

وهذه الشبهة التي وقعت لهؤلاء هي التي وقعت للطبائعيين أوّلًا، وللمعتزلة ثانيًا، فقال الطبائعيون بتأثيرات الأشياء بعضها في بعض، وإيجادها إياها، وسمَّوا المؤثّرة طبيعةً. وقالت المعتزلة بنحو ذلك في أفعال الحيوانات والمتولّدات، وقالوا: إن قُدرتهم مؤثّرة فيها بالإيجاد، وإنهم خالقون لأفعالهم، مستقلّون باختراعها. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). [تنبيه]: قال الطيبي ﵀: إنما أتى بـ "من"، والظاهر أن يقال: فما أعدى الأول ليجاب بقوله: الله تعالى. وذكر "أعدى" للمشاكلة والازدواج، كما في قوله: "كما تدين وتدان". انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، دون قوله: "ذالكم القدر"؛ لتفرّد أبي جناب عن أبيه به، وهو ضعيف مدلس، وأبوه مجهول. قال البوصيريّ ﵀: هذا إسناد ضعيف؛ لضعف يحيى بن أبي حيّة، ولكونه روى عن أبيه بالعنعنة، فإنه كان يدلّس. وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ رواه الترمذيّ في "الجامع". انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الكلام المذكور في سند المصنّف خاصّة، وإلا فمتن الحديث متّفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ دون قوله: "ذلكم القدر". وحديث ابن مسعود ﵁ الذي أشار إليه البوصيريّ، نصّه: ٢٠٦٩ - حدثنا بندار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن عمارة بن

стр. 1099

القعقاع، حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير، قال: حدثنا صاحب لنا عن ابن مسعود، قال: قام فينا رسول الله ﷺ ، فقال: لا يُعدِي شيء شيئًا، فقال أعرابي: يا رسول الله البعير الجرِبُ الحشفَةِ بذنبه، فتَجَرَبُ الإبلُ كلها؟ فقال رسول الله ﷺ : "فمن أجرب الأول؟، لا عدوى، ولا صفر، خلق الله كل نفس، وكتب حياتها ورزقها ومصائبها". وهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا أن شيخ أبي زرعة مجهول؛ لإبهامه، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (١٠/ ٨٦) بهذا السند، وفي "كتاب الطبّ" رقم (٣٥٣٩) عن أبي بكر بن أبي شيبة وحده، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" ٢/ ٢٤ رقم (٤٥٤٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو إثبات القدر، ووجوب الإيمان به. ٢ - (ومنها): إبطال ما كان عليه الجاهليّة من اعتقاد إعداء المرض، فكانوا يعتقدون أن المريض إذا دخل في الأصحّاء أمرضهم، فنفى الشارع ذلك، وأبطله، أتم بطلان. ٣ - (ومنها): أن هذا الحديث، وإن كان ظاهره نفيًا لهذه الأشياء، لكن المراد منه النهي عن الالتفات إليها، والاعتناء بها؛ لأنها في أنفسها ليست بصحيحة، وإنما هي من أوهام جهّال العرب. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: وفيه دليلٌ على جواز مشافهة من وقعت له شبهة في اعتقاده بذكر البرهان العقليّ، إذا كان السامع أهلًا لفهمه، فأما أهل القصور، فيُخاطبون بما تحتمله عقولهم من الأمور الإقناعيات. انتهى (١)، والله تعالى

стр. 1100

أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الجمع بين حديث: "لا عدوى"، وحديث: "لا يورد ممرض على مصحّ"، وكلاهما صحيحان اتفق الشيخان على إخراجهما: قال النوويّ: قال جمهور العلماء: يجب الجمع بين هذين الحديثين، وهما صحيحان، قالوا: وطريق الجمع أن حديث "لا عدوى" المراد به نفي ما كانت الجاهلية تزعمه، وتعتقده أن المرض والعاهة تُعْدِي بطبعها، لا بفعل الله تعالى، وأما حديث "لا يورد ممرض على مصح"، فأرشد فيه إلى مجابة ما يحصل الضرر عنده في العادة بفعل الله تعالى وقدره، فنفى في الحديث الأول العدوى بطبعها، ولم ينف حصول الضرر عند ذلك بقدر الله تعالى وفعله، وأرشد في الثاني إلى الاحتراز مما يحصل عنده الضرر بفعل الله وإرادته وقدره، فهذا الذي ذكرناه من تصحيح الحديثين والجمع بينهما هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء، ويتعين المصير إليه، ولا يؤثر نسيان أبي هريرة ﵁ لحديث "لا عدوى"؛ لوجهين: [أحدهما]: أن نسيان الراوي للحديث الذي رواه لا يقدح في صحته، عند جماهير العلماء، بل يجب العمل به. [والثاني]: أن هذا اللفظ ثابت من رواية غير أبي هريرة، فقد ذكر مسلم هذا من رواية السائب بن يزيد، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ . وحَكَى المازريّ، والقاضي عياض عن بعض العلماء أن حديث "لا يورد ممرض على مصح" منسوخ بحديث "لا عدوى"، وهذا غلط لوجهين: [أحدهما]: أن النسخ يشترط فيه تعذر الجمع بين الحديثين، ولم يتعذر، بل قد جمعنا بينهما. [والثاني]: أنه يُشترط فيه معرفة التاريخ، وتأخر الناسخ، وليس ذلك موجودًا هنا.

стр. 1101

وقال آخرون: حديث "لا عدوى" على ظاهره، وأما النهى عن إيراد الممرض على المصح فليس للعدوى، بل للتأذي بالرائحة الكريهة، وقبح صورته، وصورة المجذوم، والصواب ما سبق. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سلك العلماء في الجمع بين هذين الحديثين مسالك متعدّدة، والذي صححه النووي آنفًا أقربها، وأولاها، وسيأتي بيان تلك المسالك وما لها وما عليها في "كتاب الطبّ" إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. بالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٨٧ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ عِيسَى الجرَّارُ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أبي المسَاوِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لمَّا قَدِمَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الْكُوفَةَ، آَتيْنَاهُ في نَفَرٍ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقُلْنَا لَهُ: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: أتيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ"، قُلْتُ: وَمَا الْإِسْلَامُ؟ فَقَالَ: "تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأني رَسُولُ الله، وَتُؤْمِنُ بِالْأَقْدَارِ كُلِّهَا، خَيرهَا وَشَرِّهَا، حُلْوِهَا وَمُرِّهَا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (علي بن محمد) المذكور في السند الماضي. ٢ - (يحيى بن عيسى الجرّار) - بالجيم، وراءين، أولاهما مشدّدة- (٢) هو: يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن، ويقال: ابن محمد التميميّ النَّهْشَليّ الفاخوريّ -بالفاء والخاء المعجمة- أبو زكريا الكوفيّ، نزيل الرملة، صدوقٌ يُخطىء، ورُمي بالتشيّع [٩].

стр. 1102

روى عن الأعمش، وأبي مسعود عبد الأعلى بن أبي المساور، وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومسعر بن كِدَام، وغيرهم. وروى عنه ابن أخيه عيسى بن عثمان بن عيسى، وآدم بن أبي إياس، وعيسى بن يونس الفاخوريّ، وابنا أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله المخزومي، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه، ما أقرب حديثه. وقال أبو داود: بلغني عن أحمد أنه أحسن الثناء عليه. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء. وقال العجلي: ثقة، وكان فيه تشيع. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أحمد بن سنان: قال أبو معاوية: اكتبوا عنه فطالما رأيته عند الأعمش. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: لا يكتب حديثه. وقال آخر عن ابن معين: ضعيف. وقال مسلمة: لا بأس به، وفيه ضعف. وقال ابن عديّ: عامة ما يرويه لا يُتابَعُ عليه. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال البخاري في "تاريخه الصغير": حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى، قال: مات أبو زكريا يحيى بن عيسى سنة إحدى ومائتين أو نحوها. وقال ابن قانع: مات سنة إحدى ومائتين. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٨٧) و (١٧٨) و (١٨٠٣) و (٣٥١٥). ٣ - (عبد الأعلى بن أبي المساور) الزهريّ مولاهم، أبو مسعود الجرّار -بالجيم وراءين- الكوفيّ، نزيل المدائن، متروك، وكذّبه ابن معين [٧]. روى عن الشعبي، وزياد بن عِلاقة، وعطاء بن أبي رَبَاح، وإبراهيم بن محمد بن حاطب، وعكرمة، وأبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وغيرهم. وروى عنه وكيع، ويزيد بن هارون، وشبابة، وعبد الرحيم بن سليمان، ويحيى ابن عيسى الرملي، ويحيى بن أبي بكر، وجُبَارة بن المغلِّس، وعدة.

стр. 1103

قال أبو داود عن ابن معين: أرجو أن يكون صالحًا، ولم نُدركه نحن. وقال إبراهيم بن الجنيد، وعباس الدوري، عن ابن معين: ليس بشيء، زاد إبراهيم: كذاب. وقال المفضل الغلابي، عن ابن معين: ليس بثقة. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن علي ابن المديني: ضعيف، ليس بشيء. وقال ابن عمار الموصلي: ضعيف، ليس بحجة. وقال أبو زرعة: ضعيفٌ جدّا. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، يشبه المتروك. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال في موضع آخر: ليس بثقة، ولا مأمون. وقال ابن نُمَير: متروك الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال الساجي: منكر الحديث. وذكره البخاري في "فصل من مات ما بين الستين إلى السبعين". وقال أبو نعيم الأصبهاني: ضعيف جدًّا، ليس بشيء. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٨٧) وحديث (٤٢٩١). ٤ - (الشعبيّ) هو: عامر بن شرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه مشهور فقيه [٣] تقدم في ١/ ١١. ٥ - (عديّ بن حاتم) بن عبد الله بن سَعْد بن الحشْرَج ابن مرىء القيس بن عدي ابن أخزم بن أبي أخزم بن ربيعة بن جَرْوَل بن ثُعَل بن عمرو بن الْغَوْث بن طيء الطائي، أبو طريف، ويقال: أبو وهب، ولد الجواد المشهور، أسلم في سنة تسع، وقيل: سنة عشر، وكان نصرانيا قبل ذلك، وثبت على إسلامه في الردة، وأحضر صدقة قومه إلى أبي بكر، وشهد فتح العراق، ثم سكن الكوفة، وشهد صِفِّين مع علي، ومات بعد الستين، وقد أسن. قال خليفة: بلغ عشرين ومائة سنة. وقال أبو حاتم السجستاني: بلغ مائة وثمانين. قال محل بن خليفة، عن عدي بن حاتم: ما أُقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء. وقال الشعبي عن عدي: أتيت عمر في أناس من قومي، فجعل يَفْرِض

стр. 1104

للرجل، ويعرض عني، فاستقبلته، فقلت: أتعرفني؟ قال: نعم آمنت إذ كفروا، وعرفتَ إذ أنكروا، ووفيت إذ غدروا، وأقبلت إذ أدبروا، إن أول صدقة بَيَّضَت وجوه أصحاب رسول الله ﷺ صدقة طيّء، أخرجه أحمد، وابن سعد، وغيرهما، وبعضه في مسلم. وجزم خليفة بأنه مات سنة ثمان وستين. وفي "التاريخ المظفري": أنه مات في زمن المختار، وهو ابن مائة وعشرين سنة (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث برقم ٨٧ و ١٨٥ و ١٨٤٣ و ٢١٠٨ و ٣١٧٧ و ٣٢٠٨ و ٣٢١٢ و ٣٢١٣ و ٣٢١٤ و ٣٢١٥. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شَرَاحيل ﵀، أنه (قَالَ: لمَّا قَدِمَ) بكسر الدال: أي دخل (عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ) ﵁ (الْكُوفَةَ) بضم الكوفة: البلدة المعروفة (أتيْنَاهُ في نَفَرٍ) متعلّقٌ بحال محذوف: أي حال كوننا في جملة نفر، أو مع نفر، و"النفر" بفتحتين، ومثله القوم، والرهط: معناها الجمع من الناس، لا واحد لها من لفظها. قاله في "شرح القاموس" (مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ) متعلّق بصفة محذوفة لـ "نفر" (فَقُلْنَا لَهُ: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ) أي من الأحاديث النافعة التي نتمسك بها لنفوز بخيري الدنيا والآخرة (قَالَ) عديّ ﵁ (أتيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ) أي من المكان الذي هرب إليه، فقد تقدّم في ترجمته آنفًا أنه قال: لمّا بُعِثَ النبي ﷺ كرهته كراهية شديدة، فانطلقت حتى كنت في أقصى الأرض مما يلي الروم، فكرهت مكاني أشد من كراهته ... " الحديث (فَقَالَ: "يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، أَسْلِمْ) بقطع الهمزة فعل أمر من الإسلام رباعيّا (تَسْلَمْ) بفتح أوله وثالثة، مضارع سَلِم من باب تعب سلامةً. قال السنديّ ﵀: المراد الإسلام مع طهارة القلب، كما يدلّ عليه تفسيره، فلا يَرِد أن الإسلام بالمعنى الذي سبق في حديث جبريل

стр. 1105

عليه السلام لا يستلزم السلامة من النار، فكيف قال: تسلم: أي تكن سالمًا من الخلود في النار، فلا دلالة على أن المسلم لا يُعَذّب. انتهى (١). [فائدة]: يجوز في "عديّ" من قوله: "يا عديّ بن حاتم" بناؤه على الضم، وفتحه على الإتباع، والأصل في ذلك أنه إذا كان المنادى مفردًا علمًا، ووُصِف بـ "ابن" مضاف إلى علم، ولم يُفصل بين المنادى وبين "ابن" جاز لك في المنادى وجهان: البناء على الضمّ، نحو "يا زيدُ بنَ عمرو"، وكهذا الحديث، والفتح إتباعًا، نحو "يا زيدَ بنَ عمرو"، ويجب حذف ألف "ابن"، والحالة هذه خطّا. وأما إذا لم يقع "ابن" بعد علم، أو لم يقع علم بعده، وجب ضمّ المنادى، وامتنع فتحه، فمثال الأول نحو: يا غلام ابن عمرو، ويا زيد الظريف ابن عمرو، ومثال الثاني نحو: يا زيد ابن أخينا، فيجب بناء "زيد" على الضم في هذه الأمثلة، ويجب إثبات ألف "ابن" والحالة هذه، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "خلاصته" حيث قال: وَنَحْوَ "زيدٍ" ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ ... نَحْوِ "أَزَيْدُ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ" وَالضمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا ... أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا قال عديّ ﵁ (قُلْتُ: وَمَا الْإِسْلَامُ؟) أي ما هو حقيقة الإسلام الذي دعوتني إليه، حتى أتبعك، وأنا على بصيرة (فَقَالَ) ﷺ (تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله) قال السنديّ ﵀: بتقدير "أن تشهد"، فيجوز نصبه، أو هو من إقامة المضارع مقام المصدر بلا تقدير. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "فيجوز نصبه" فيه نظر؛ لأن نصب المضارع مع حذف "أن" المصدريّة شاذ، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَشَذَّ حَذْفُ "أَنْ" وَنَصْبٌ في سِوَى ... مَا مَرَّ فَاقبلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى

стр. 1106

والأولى رفعه، مع تقديرها، وهو جائز في سعة الكلام على الأصحّ، وقد وقع في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، والصدر المؤول خبر لمحذوف، والتقدير: هو أن تشهد الخ، أي شهادة أن لا إله إلا الله الخ. (وأنِّي رَسُولُ الله) ﷺ (وَتُؤْمِنُ بِالْأَقْدَارِ) بفتح الهمزة جمع قدر بفتحتين، وقوله (كلِّهَا) بالجر توكيدًا لـ "الأقدار"، وقوله (خَيْرِهَا وَشَرِّهَا) بالجرّ بدل من "الأقدار"، وقوله (حُلْوِهَا وَمُرِّهَا) بالجرّ أيضًا بدل إضراب، أو معطوف على ما قبله، بتقدير حرف العطف، وهو جائز عند بعض النحاة، حكى أبو زيد" "أكلت خبزًا لحمًا تمرًا"، فقيل: على حذف واو العطف، وقيل: على بدل الإضراب. قاله ابن هشام الأنصاريّ في "مغنيه" (١). والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عديّ بن حاتم ﵁ هذا تفرّد به المصنف، وهو حديث ضعيف جدّا؛ لأن في سنده عبد الأعلى بن أبي المساور، متروك، بل كذّبه ابن معين، والراوي عنه يحيى بن عيسى ضعيف أيضًا. وقال البوصيريّ ﵀: هذا إسناد ضعيف؛ لاتفاقهم على ضعف عبد الأعلى، وله شاهد من حديث جابر ﵁ رواه الترمذيّ في "جامعه". انتهى. وأخرجه (أحمد) في "مسنده" رقم (١٧٥٤٨) و (١٨٥٦٩) و (١٨٥٧٥)، وقد تقدّم لفظه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ أول الكتاب قال: ٨٨ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بن نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بن مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ يَزِيدَ الرِّقَاشِيِّ، عَنْ غُنيمِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَثَلُ الْقَلْبِ مَثَلُ الرِّيشَةِ، تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ بِفَلَاةٍ").

стр. 1107

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة حافظ فاضل [١٠] تقدم في ١/ ٤. ٢ - (أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عبد الرحمن بن خالد بن مَيْسَرة القرشي مولاهم، أبو محمد، ثقة ضُعّف في الثوريّ [٩]. روى عن الأعمش، ومُطَرِّف بن طَرِيف، وأبي إسحاق الشيباني، ومحمد بن عجلان، والثوري، وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل، وابنه عبيد بن أسباط، وابن أبي شيبة، وابن نمير، وإسحاق ابن راهويه، ومحمد بن مقاتل، وعليّ بن حرب، والحسن بن علي بن عفان، وعدة. قال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: قال لنا وكيع: اسْمَعُوا منه، فسمعنا منه، وكان حديثه ثلاثة آلاف. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال أحمد: إنه أحب إليه من الْخَفّاف. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس به بأس، وكان يخطئ عن سفيان. وقال الغلابي عنه: ثقة، والكوفيون يضعفونه. وقال الْبَرْقِيّ عنه: الكوفيون يضعفونه، وهو عندنا ثَبْتٌ فيما يروي عن مُطَرِّف والشيبانيّ، وقد سمعت أنا منه. وقال العُقَيليّ: رُبّما يَهِمُ في الشيء. وقال العجلي: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، إلا أن فيه بعض الضعف. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال يعقوب بن شيبة: كوفي ثقة صدوق، توفي بالكوفة في المحرم سنة (٢٠٠). وقال هارون بن حاتم في "تاريخه": حدثني أنه وُلِد سنة (١٠٥) ومات في أيام أبي السّرَايَا سنة (١٩٩). أخرج له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (٨٨) و (٦٧٠) و (١٣٦٨) و (٢١٠١) و (٣٤٥٣). ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الحافظ الحجة الثبت [٥] ١/ ١.

стр. 1108

٤ - (يَزِيدُ الرِّقَاشِيُّ) هو: يزيد بن أبان الرَّقَاشِيّ، أبو عمرو البصريّ الزاهد، ضعيف [٥]. روى عن أبيه، وأنس بن مالك، وغنيم بن قيس، وأبي الحكم البجلي، والحسن البصري، وقيس بن عَبَاية. وروى عنه ابنه عبد النور، وابن أخيه الفضل بن عيسى بن أبان، وقتادة، وابن المنكدر، وأبو الزناد، وصفوان بن سليم، والأعمش، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ضعيفًا قدريا. وقال عمرو بن علي: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وقال: كان رجلًا صالحًا، وقد روى عنه الناس، وليس بالقوي في الحديث. وقال البخاري: تكلم فيه شعبة. وقال إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شميل: قال شعبة: لأن أقطع الطريق أحب إلى من أن أروى عن يزيد. وقال زكريا بن يحيى الحلواني: سمعت سلمة بن شبيب يقول: سمعت يزيد بن هارون، سمعت شعبة يقول: لأن أزني أحب إليّ من أن أحدث عن يزيد الرقاشي، قال يزيد: ما كان أهون عليه الزنا، قال سلمة بن شبيب: فذكرت ذلك لأحمد بن حنبل، فقال: كان بلغنا أنه قال ذلك في أبان، فقال أبو داود السِّجِستاني، وكان في مجلس سلمة: قاله فيهما جميعًا. وقال عبد الله بن إدريس: سمعت شعبة يقول: لأن أزني أحب إلي من أن أروي عن يزيد وأبان، وقال أبو داود عن أحمد: لا يكتب حديث يزيد، قلت: فلم تُرِكَ حديثه لهوى كان فيه؟ قال: لا، ولكن كان منكر الحديث، وكان شعبة يحمل عليه، وكان قاصّا. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: هو فوق أبان، وكان يضعف. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: هو خير من أبان. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: رجل صالح، وليس حديثه بشيء. وقال معاوية بن صالح، والدُّوري عن ابن معين: ضعيف. وكذا قال الدارقطني، والبرقاني. وقال الآجري عن أبي داود: رجل صالح، سمعت يحيى يقول: رجل صدق.

стр. 1109

وقال يعقوب بن سفيان: فيه ضعف. وقال أبو حاتم: كان واعظًا بكاء كثير الرواية عن أنس بما فيه نظر، وفي حديثه ضعف. وقال النسائي، والحاكم أبو أحمد: متروك الحديث. وقال النسائي أيضًا: ليس بثقة. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة عن أنس وغيره، وأرجو أنه لا بأس به لرواية الثقات عنه. وقال الساجي: كان يَهِم، ولا يَحفَظ، ويُحمَل حديثه؛ لصدقه وصلاحه. وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله، من البكائين بالليل، لكنه غفل عن حفظ الحديث شغلًا بالعبادة، حتى كان يقلب كلام الحسن، فيجعله عن أنس، عن النبي ﷺ ، فلا تحل الرواية عنه، إلا على جهة التعجب. انتهى. وأخبار يزيد في الزهد والعبادة والمجاهدة كثيرة. وقال المعتمر بن سليمان: كان يقول: إذا نِمتُ، ثم استيقظتُ، فلا نامت عيناي، وعلى الماء البارد السلام بالنهار. وذكره البخاري في "الأوسط" في "فصل من مات في عشر ومائة إلى عشرين ومائة". أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا. ٥ - (غُنيمُ بْنُ قَيْسٍ) المازنيّ الكعبيّ، أبو العنبر البصري، مخضرم ثقة [٢]. أدرك النبي ﷺ ، ولم يره (١)، ووفد- على عمر، وغزا مع عقبة بن غَزْوان، روى عن أبيه، وله صحبة، وسعد بن أبي وقاص، وأبي موسى الأشعري، وابن عمر، وأبي العوّام مؤذن بيت المقدس. وروى عنه سليمان التيمي، وعاصم الأحول، وخالد الحذاء، وثابت بن عمارة الحنفي، وأبو السَّلِيل، ضُرَيب بن نُقَير، ويزيد الرَّقَاشيّ.

стр. 1110

ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة، وقال: كان ثقة، قليل الحديث. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال شعبة عن عاصم الأحول، عن غُنيم بن قيس: إني أذكر أبياتًا قالها أبي على رسول الله ﷺ [من مشطور الرجز]: أَلَا لِيَ الْويلُ عَلَى مُحَمَّدِ ... قَدْ كُنْتُ في حَيَاتِهِ بِمَقْعَدِ أنامُ لَيْلي آمِنًا إِلَى الْغَدِ ... .......................... وقال عبد الغني بن سعيد المصريّ: له رؤية، وكذا قال ابن ماكولا. قال ابن حبان في "الثقات": مات سنة تسعين. روى له مسلم حديثًا واحدًا في المتعة، وأصحاب السنن الثلاثة حديث: "كُلُّ عين زانية"، والمصنّف هذا الحديث فقط. ٦ - (أبو مُوسَى الْأَشعَرِيُّ) هو: عبد الله بن قيس بن سُلَيم بن حَضّار بن حَرْب ابن عامر بن غَنْم بن بكر بن عامر بن عَذر بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر، أبو موسى الأشعري، مشهور باسمه وكنيته معًا، وأمه ظَبْية بنت وهب بن عَك، أسلمت وماتت بالمدينة، وكان هو سكن الرَّمْلة، وحالف سعيد بن العاص، ثم أسلم وهاجر إلى الحبشة، وقيل: بل رجع إلى بلاد قومه، ولم يهاجر إلى الحبشة، وهذا قول الأكثر، فإن موسى بن عقبة، وابن إسحاق، والواقدي لم يذكروه في مهاجرة الحبشة، وقدم المدينة بعد فتح خيبر، صادفت سفينته سفينة جعفر بن أبي طالب، فقدموا جميعًا، واستعمله النبي ﷺ على بعض اليمن، كزَبِيد وعَدَن وأعمالهما، واستعمله عمر على البصرة بعد المغيرة، فافتتح الأهواز، ثم أصبهان، ثم استعمله عثمان على الكوفة، ثم كان أحد الحكمين بصِفِّين، ثم اعتزل الفريقين. وروى عنه أولاده: موسى، وإبراهيم، وأبو بُرْدة، وأبو بكر، وامرأته أم عبد الله، ومن الصحابة: أبو سعيد، وأنس، وطارق بن شهاب، ومن كبار التابعين فيمن بعدهم: زيد بن وهب، وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ، وعُبيد بن عمير، وقيس بن أبي حازم، وأبو الأسود، وسعيد بن المسيب، وزِرّ بن حُبَيش، وأبو عثمان النَّهْدِيّ، وأبو رافع الصائغ،

стр. 1111

وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، ورِبْعِيّ بن حِرَاش، وحِطان الرَّقَاشيّ، وأبو وائل، وصفوان بن مُحرِز، وآخرون. وقال أصحاب الفتوح: كان عامل النبي ﷺ على زَبِيد وعدن وغيرهما من اليمن وسواحلها، ولما مات النبي ﷺ قَدِمَ المدينة، وشَهِدَ فتوح الشام، ووفاة أبي عبيدة، واستعمله عمر على إمرة البصرة، بعد أن عزل المغيرة، وهو الذي افتتح الأهواز، وأصبهان، وأقرّه عثمان على عمله قليلًا، ثم صرفه، واستعمل عبد الله بن عامر، فسكن الكوفة، وتفقه به أهلها، حتى استعمله عثمان عليهم، بعد عزل سعيد بن العاص. قال البغوي: بلغني أن أبا موسى مات سنة اثنتين، وقيل: أربع وأربعين، وهو ابن نَيِّفٍ وستين، وبالأول جزم ابن نمير وغيره، وبالثاني أبو نعيم وغيره. وقال أبو بكر ابن أبي شيبة: عاش ثلاثا وستين. وقال الهيثم وغيره: مات سنة خمسين، زاد خليفة: ويقال: سنة إحدى. وقال المدائني: سنة ثلاث وخمسين. واختلفوا هل مات بالكوفة أو بمكة. أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (٣٦٠) حديثًا، اتفق الشيخان على (٥٠) وانفرد البخاريّ بأربعة، ومسلم بـ (٢٥) وله عند المصنّف في هذا الكتاب (٤٧) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَثَلُ الْقَلْبِ) قال الطيبيّ ﵀: "المثل" بمعنى الصفة، لا القول السائر؛ لَأن المُعْنيّ صفة القلب العجيبة الشأن، وورود ما يرد عليه من عالم الغيب من الدواعي، وسرعة تقلّبها بسبب الدواعي (١) (مَثَلُ الرِّيشَةِ) أي كصفة الريشة، وهي بكسر الراء واحدة الريش. قال في "المصباح": الرِّيشُ من الطائر معروف، الواحدة رِيشة، ويقال: في جناحه ستّ عشرة

стр. 1112

ريشةً، أربعٌ قوادم، وأربع خَوَافٍ، وأربعٌ مناكب، وأربع أباهر. انتهى (١). (تُقَلِّبُهَا) بفتح أوله، وكسر ثالثه، مضارع قلب، من باب ضرب، أو بضمّ أوله، وتشديد ثالثه، من التقليب، قال السنديّ: والثاني هو الأشهر الأظهر في مقام البالغة؛ لدلالته على التكثير، وهو الأوفق بجمع "الرياح"؛ ليظهر التقلب؛ إذ لو استمرّ الريح على جانب واحد لم يظهر التقلّب، والجملة صفة للريشة؛ لكون تعريفها للجنس. انتهى (٢). قال الراغب الأصفهانيّ: قلب الشيء تصريفه، وصرفه عن وجه إلى وجه، كقلب الثوب، وقلب الإنسان: أي صرفه عن طريقته، وقلب الإنسان قيل: سمّي به لكثرة تقلّبه، ويُعبّر بالقلب عن المعاني التي يختصّ به من الروح، والعلم، والشجاعة، وغير ذلك. (٣) انتهى. وتسمية القلب لتقلّبه، كتسمية الآدمي إنسانًا لنسيانه؛ لأنه عُهِد إليه، فنسي، قال : ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، قال الشاعر: وَمَا سُمِّيَ الإِنْسَانُ إِلَّا لِنَسْيِهِ ... وَلَا الْقَلْبُ إِلَّا أنهُ يَتَقَلَّب (الرِّيَاحُ) بالرفع على الفاعلية، وإنما جمع "الرياح" لدلالتها على التقلّب ظهرًا لبطن؛ إذ لو استمرّ الريح على جانب واحد لم يظهر القلب، كما يظهر من الرياح المختلفة. قاله الطيبيّ (٤). وفي رواية أحمد: "يقلبها الرياح ظهرًا لبطن" يعني أنه يقلبها كل ساعة على صفة، فكذا القلب ينقلب ساعة من الخير إلى الشرّ وبالعكس، ونصب قوله: "ظهرًا" على أنه بدل بعض من الضمير في "يقلبها"، واللام في "لبطن" بمعنى "إلى" كقوله تعالى: ﴿مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٣] , ويجوز أن يكون "ظهرًا لبطن" مفعولًا مطلقًا:

стр. 1113

أي يَقْلِبها تقليبًا مختلفًا، وأن يكون حالًا: أي يقلبها مختلفةً، ولهذا سُمّي القلب قلبًا (١). (بِفَلَاةٍ) بفتح الفاء، وتخفيف اللام: هي الأرض القفر الخالية من العمران، أو المَفَازة، لا ماء فيها (٢). وإنما خصّ الفلاة؛ لأن التقليب فيها أشدّ من العمران. قاله القاري (٣). وفي رواية لأحمد: "بأرض فلاة" قال الطيبيّ: لفظ "أرض" مقحمة؛ لأن في ذكر الفلاة استغناء عنها، وهو كقولك: أخذت بيدي، ونظرت بعيني، تقريرًا ورفعًا للمجاز، وأن يَتَوَهَّم متوهّم خلافه، ولا يسلك إلا في أمر خطير. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا صحيح موقوفًا. قال البوصيريّ ﵀: هذا إسناد فيه يزيد بن أبان الرقَاشيّ، وقد أجمعوا على ضعفه، لكن لم ينفرد به، فقد رواه مسدّد في "مسنده": ثنا خالدٌ، ثنا الجريريّ، عن غُنيم ابن قيس، عن أبي موسى، فذكره موقوفًا بلفظ: "إنما مثل القلب كمثل الريشة، يقلبها الرياح ظهرًا لبطن"، وسعيد الجريريّ، وإن اختلط بآخره، فقد روى له البخاريّ ومسلم من طريق خالد بن عبد الله عنه. انتهى كلام البوصيريّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: لم ينفرد به إلخ، فيه نظر؛ لأن خالدًا وهو ابن عبد الله الطحان، لم يوافقه، بل خالفه في الوقف، فتبين بهذا تفرّد يزيد الرقاشي برفع هذا الحديث. [فإن قلت]: قد تابعه يزيد بن هارون في رفعه عند الإمام أحمد، قال عبد الله بن أحمد: حدّثني أبي، ثنا يزيد، قال: أخبرنا الجريري، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال: "إن هذا القلب كريشة بفلاة من الأرض، يقيمها الريح

стр. 1114

ظهرا لبطن"، قال أبي: ولم يرفعه إسماعيل عن الجريري. انتهى. [قلت]: يزيد ممن روى عن الجريريّ بعد اختلاطه، فلا تنفع متابعته، وقد خالفه إسماعيل ابن عليّة، فوقفه، كما أشار إلى هذا الإمام أحمد، حيث قال: ولم يرفعه إسماعيل عن الجريريّ، يعني أن إسماعيل -وهو ابن عليّة- خالف يزيد بن هارون، فرواه موقوفًا، وروايته أرجح من رواية يزيد؛ لأنه ممن سمع من الجريريّ قبل اختلاطه، بخلاف يزيد، فإنه إنما سمع بعد اختلاطه. [فإن قلت]: روى الإمام أحمد عن عفان، حدّثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عاصم الأحول، عن أبي كبشة، قال سمعت أبا موسى يقول على المنبر، فذكر حديثًا، وفيه: "وقال رسول الله ﷺ : "إنما سُمّي القلب من تقلّبه، إنما مثل القلب، كمثل ريشة معلّقة في أصل شجرة، يقلبها الريح ظهرًا لبطن ... " الحديث. فتتقوى بهذا رواية يزيد الرقاشي المرفوعة. [قلت]: هذا فيه أبو كبشة، وهو السدوسيّ البصريّ، لم يرو عنه إلا عاصم الأحول، فهو مجهول العين (١)، فلا يقوّي رواية الرقاشيّ. [فإن قلت]: خالد الطحان أيضًا ممن سمع من الجريريّ بعد اختلاطه، فكيف تصحّ روايته؟. [قلت]: لم ينفرد خالد بالوقف، فقد تابعه عليه ابن عليّة، وروايته صحيحة، كما بيناه آنفًا. والحاصل أن حديث أبي موسى ﵁ هذا صحيح موقوفًا، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (١٠/ ٨٨) بهذا السند فقط، وهو مما تفرد به عن أصحاب

стр. 1115

الأصول، وأخرجه (مسدّد) في "مسنده" (الورقة ٧ - ٨) و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤١٩ و ٤٠٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو إثبات القدر، ووجه الاستدلال أن تقلّب القلب إنما يكون بتقدير الله ، فهو مقلّب القلوب حيث شاء. ٢ - (ومنها): أن فيه ضربَ المثل تقريبًا؛ إيضاحًا للمسألة، وتقريبًا لها إلى الأذهان. ٣ - (ومنها): أن فيه بيان تقلّب القلب، وتحوّلاته، وأن ذلك من الله تعالى؛ لأنه بين إصبعيه، فلا ينبغي للعبد أن يغفل عنه، بل يكثر الدعاء بتثبيته على الحقّ، وأن لا يُزيغه بعد الهدى، كما كان النبيّ ﷺ يدعو كثيرًا بذلك. أخرج الإمام مسلم ﵀ في "صحيحه" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث يشاء"، ثم قال رسول الله ﷺ : "اللهم مُصَرِّف القلوب صَرِّف قلوبنا على طاعتك". وأخرج الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه" عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله يُكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب ثَبِّت قلبي على دينك"، فقلت: يا رسول الله آمَنّا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله، يقلبها كيف يشاء". قال: وهذا حديث حسن. وأخرج أيضًا بسند لا بأس به، عن عاصم بن كليب الجرمي، عن أبيه، عن جده، قال: دخلت على النبي ﷺ ، وهو يصلي، وقد وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه، وبسط السبابة، وهو يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". وأخرج الإمام أحمد ﵀، عن الحسن البصريّ، أن عائشة قالت: دعوات

стр. 1116

كان رسول الله ﷺ يكثر أن يدعو بها: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، قالت: فقلت: يا رسول الله، إنك تكثر تدعو بهذا الدعاء؟ فقال ""إن قلب الآدمي بين إصبعين من أصابع الله ، فإذا شاء أزاغه، وإذا شاء أقامه". وأخرج أيضًا بسند حسن عن شهر بن حوشب قال: سمعت أم سلمة ﵂ تحدث أن رسول الله ﷺ كان يكثر في دعائه أن يقول: "اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، قالت: قلت: يا رسول الله أو إن القلوب لتتقلب؟ قال: "نعم ما من خلق الله من بني آدم من بشر، إلا أن قلبه بين إصبعين من أصابع الله، فإن شاء الله أقامه، وإن شاء الله أزاغه، فنسأل الله ربنا أن لا يُزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب"، قالت: قلت: يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: بلى، قولي: "اللهم رب محمد النبي اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتنا". وشهر بن حوشب حسن الحديث، كما بيناه فيما مضى من هذا الشرح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٨٩ - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثنا خَالِي يَعْلَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالم بْنِ أَبِي الجعْدِ، عَنْ جَابرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُل مِنَ الْأنصَارِ إِلَى النبي ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ لِي جَارِيَةً أَعْزِلُ عَنْهَا؟، قالَ: "سَيَأتِيهَا مَا قُدِّرَ لهَا"، فَأتاهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: قَدْ حَمَلَتِ الجارِيَةُ، فَقَالَ النبي ﷺ : "مَا قُدِّرَ لِنَفْسٍ شَيءٌ إِلَّا هِيَ كَائِنة"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عِليُّ بنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ المذكور قبل حديث. ٢ - (يَعْلَى) بن عُبيد بن أُميّة الإياديّ، ويقال: الحنفي مولاهم، أبو يوسف الطَّنَافسيّ الكوفيّ، مولى إياد, ثقة إلا في حديثه عن الثوري، ففيه لينٌ، من كبار [٩]. روى عن إسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، والأعمش، وعبد

стр. 1117

العزيز بن سِيَاه، ويزيد بن كيسان، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. وروى عنه ابن أخته علي بن محمد الطنافسي، وأخوه محمد بن عُبيد، ومحمد بن مقاتل المروزي، وإسحاق بن راهويه، وابنا أبي شيبة، وعبد بن حميد، وغيرهم. قال صالح بن أحمد عن أبيه: كان صحيح الحديث، وكان صالحًا في نفسه. وقال علي بن الحسن الْهِسِنْجَانيّ، عن أحمد: يعلى أصح حديثا من محمد بن عُبيد وأحفظ. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ضعيف في سفيان، ثقة في غيره. وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أثبت أولاد أبيه في الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أحمد بن يونس: ما رأيت أحدًا يُريد بعلمه الله تعالى إلا يعلى بن عبيد، ما رأيت أفضل منه. وقال أبو مسعود الرازي: كان يعلى ومحمد ابنا عبيد من أهل بيتِ بركةٍ، ما رأيت يعلى ضاحكًا قط، وكان يعلى أكثر مجلسًا، وأحسن خُلُقًا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال الدارقطنيّ: بنو عُبيد كلهم ثقات. وقال ابن عَمّار الموصليّ: أولاد عُبيد كلهم ثَبْتٌ، وأحفظهم يعلى، وأبصرهم بالحديث محمد. وقال سعيد بن أيوب البخاري: كان يعلى يحفظ عامة حديثه أو جميعه. قال ابن نمير وجماعة: مات في شوال سنة تسع ومائتين. وقال ابن حبان: مات في رمضان سنة سبع. وقيل: سنة تسع ومائتين. وقال غيره: كان مولده سنة سبع عشرة ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران المذكور في السند الماضي. ٤ - (سَالمُ بْنُ أَبِي الجعْدِ) رافع الْغَطَفَانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة، وكان يرسل كثيرًا [٣]. روى عن عمر، ولم يدركه، وكعب بن مرة، وقيل: لم يسمع منه، وعائشة، والصحيح أن بينهما أبا المليح، وأبا كبشة. وقيل: عن ابن أبي كبشة، عن أبيه، وجابان، وقيل: بينهما نُبيط، وعن ثوبان، وزياد بن لبيد، وعلي بن أبي طالب، وجماعة.

стр. 1118

وروى عنه ابنه الحسن، والحكم بن عتيبة، وعمرو بن دينار، وعمرو بن مرة، وقتادة، وأبو إسحاق السبيعي، والأعمش، وعمار الدُّهني، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال الذهلي عن أحمد: لم يسمع سالم من ثوبان، ولم يَلْقَه، بينهما مَعْدان بن أبي طلحة، وليست هذه الأحاديث بصحاح. وقال العجليّ: ثقة تابعي. وقال إبراهيم الحربي: مُجْمَع على ثقته. وقال أبو حاتم، عن أبي زرعة: سالم بن أبي الجعد عن عمر وعثمان وعلي مرسل. وقال علي: لم يَلْقَ ابن مسعود، ولا عائشة. وقال أبو حاتم: أدرك أبا أمامة، ولم يدرك عمرو بن عبسة، ولا أبا الدرداء، ولا ثوبان. وقال البخاريّ: لا يُعرف لسالم من جابان سماع. وقال البخاري في "التاريخ الصغير": لا أرى سالما سمع زيادا -يعني بن لبيد-. قال مطين: مات سنة مائة. وقيل: سنة إحدى ومائة. وقال أبو نعيم: مات سنة سبع وتسعين، أو ثمان وتسعين. وكذا قال ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، مات سنة مائة. وقيل: إحدى ومائة. وقيل: قبل ذلك. وقال ابن زَبْر: توفي سنة تسع وتسعين، وله من العمر مائة وخمس عشرة سنة. قال الحافظ: كذا قال، ولا يصح ذلك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢١) حديثًا. ٥ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ تقدّم في ١/ ١١، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف. ٢ - (ومنها): أن يعلى، وسالم بن أبي الجعد هذا الباب أول محل ذكرهما في هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف ليعلى فيه (٢٢) حديثًا، ولسالم (٢١) حديثًا، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، بل رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو، والنسائي في "مسند عليّ".

стр. 1119

٤ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن خاله: عليّ عن يعلى، وتابعيّ عن تابعيّ: الأعمش عن سالم. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِر) بن عبد الله ﵄، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأنصَارِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ لِي جَارِيَةً) أي خادمة، وأصل الجارية السفينة، سمّيت بذلك لجريها في البحر، وسُمّيَت الأمة بها تشبيها بها؛ لجريها مسخّرةً في أَشْغال مواليها، ثم الأصل فيها الشابّة؛ لخفّتها، ثم توسّعوا حتى سَمَّوا كلَّ أمة جاريةً، وإن كانت عجوزًا لا تقدر على السعي؛ تسميةً بما كانت عليه، والجمع الجواري. قاله الفيّوميّ (١). وفي رواية مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر ﵁: "إن لي جارية، هي خادمنا (٢)، وسانيتنا (٣)، وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تَحْمِل ... " (أَعْزِلُ عَنْهَا) بكسر الزاي، من باب ضرب، يقال: عزل الشيء يعزِله عَزْلًا: إذا نحّاه وصرفه (٤). والجملة في محلّ نصب صفة لـ "جاريةً"، ومراده السؤال عن حكمه، أي أيجوز لي العزل أم لا؟. ويحتمل أن يكون بتقدير همزة الاستفهام: أي أأعزل عنها؟. و"العزل": هو أن يجامع الرجل امرأته، فإذا قارب الإنزال نَزَع ذكره من فرجها، وأنزل خارج الفرج، وقد اختلف في حكمه، والصحيح أنه يجوز، وتركه أولى، وسيأتي تحقيق ذلك في محلّه من "كتاب النكاح"، إن شاء الله تعالى (قَالَ) ﷺ (سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ

стр. 1120

لهَا) فيه إشارة إلى أن تركه أولى؛ لأنه لا فائدة فيه. وفي رواية مسلم: "اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قُدِّر لها"، فقوله: "فإنه" الضمير للشأن، وفيه التصريح بالجواز (فَأتاهُ بَعْدَ ذَلِكَ) أي الرجل السائل (فَقَالَ: قَدْ حَمَلَتِ) بالبناء للفاعل (الجارِيَة) مرفوع على الفاعلية (فَقَالَ النبي ﷺ : "مَا قُدِّرَ لِنَفْسٍ شَيْءٌ) ببناء "قُدّر" للمفعول، و"لنفس" متعلّق به، و"شيء" مرفوع على أنه نائب الفاعل، ووقع في بعض النسخ: "ما قَدّر لنفس شيئًا"، وعليه فالفعل مبنيّ للفاعل، وفاعله ضمير يعود إلى الله تعالى، و"شيئًا" منصوب على المفعوليّة. [تنبيه]: يوجد في النسخة الهنديّة ضَبْطُ "قُدِّرَ" علي بناء المفعول مع نصب "شيئًا"، وعليه فنائب الفاعل الجارّ والمجرور، وهو مذهب الكوفيين، واستدلوا له بقراءة أبي جعفر: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤] ببناء "يجزَى" للمفعول، وبقول الشاعر [من الرجز]: لَمْ يُعْنَ بِالْعَلْيَاءِ إِلا سَيِّدَا ... وَلَا شَفَى ذَا الْغَيِّ إلَّا ذُو هُدَى ومذهب جمهور البصريين أنه إذا وجد المفعول به بعد الفعل تعيّن إقامته مقام الفاعل، ولا ينوب غيره مع وجوده، وحملوا ما ورد من ذلك على أنه شاذّ، وأولوا الآية بأن النائب ضمير الغفران المفهوم من ﴿يَغْفِرُوا﴾ وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال: وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ أَوْ مِنْ مَصْدَرِ ... أَوْ حَرْفِ جَرٍّ بِنِيَابَةٍ حَرِي وَلَا يَنُوبُ بَعْضُ هَذِي إِنْ وُجِدْ ... في اللَّفْظِ مَفْعُولٌ بِهِ وَقَدْ يَرِدْ (إِلَّا هِيَ) أي النفس (كَائِنَةٌ) أي عليه، أي على ذلك الشيء المقدّر لها. ويحتمل أن يكون ضمير "هي" للشيء المقدّر، وتأنيثه باعتبار أنه نسمة، وهو أوفق برواية الحديث. أفاده السندي (١).

стр. 1121

أخرج الشيخان في "صحيحيهما" من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁: قال أصبنا سبايا، فكنا نَعزِل، ثم سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال لنا: "وإنكم لتفعلون؟، وإنكم لتفعلون؟، وإنكم لتفعلون؟، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة". وفي رواية: "ما عليكم ألا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة، إلا وهي كائنة"، متّفق عليه. وعنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن العزل، فقال: "ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء". رواه مسلم. وستأتي بقية المباحث في محله من كتاب النكاح، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر ﵁ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (١٠/ ٨٩) بهذا السند فقط، وأخرجه (مسلم) في "النكاح" (١٤٣٩) و (أبو داود) في "النكاح" (١٨٥٨) و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٢٥٥١) و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (٤/ ٢٢٠) و (أحمد) في "مسنده" ٣/ ٣١٣ و ٣٨٨ و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٩١٠) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤١٩٤) و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" ٣/ ٣٥. [تنبيه]: تبيّن بهذا أن ما أشار إليه الحافظ البوصيريّ في الزوائد من أن هذا الحديث تفرد به المصنف غير صحيح، فقد شاركه فيه مسلم، وأبو داود، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو إثبات القدر، وأن كلّ شيء بقدر

стр. 1122

الله، وإنه إذا شاء لا رادّ لما قدّره. ٢ - (منها): أن فيه جوازَ العزل، وهو -كما قال النوويّ- مكروه عند الشافعيّة في كل حال، وكل امرأة، سواء رضيت أم لا؛ لأنه طريق إلى قطع النسل، ولهذا جاء في الحديث الآخر تسميته الوأدَ الخفيَّ؛ لأنه قطع طريق الولادة، كما يقتل الولود بالوأد، وأما التحريم فقالوا: لا يحرم في مملوكته، ولا في زوجته الأمة، سواء رضيتا أم لا؛ لأن عليه ضررًا في مملوكته بمصيرها أم ولد، وامتناع بيعها، وعليه ضرر في زوجته الرقيقة بمصير ولده رقيقًا تبعًا لأمه، وأما زوجته الحرة، فإن أذنت فيه لم يحرم، وإلا فوجهان أصحهما لا يحرم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد وردت أحاديث تدلّ على جواز العزل، وأحاديث تدلّ على النهي عنه، ويُجمَع بينها بأن ما ورد في النهى محمول على كراهة التَّنْزِيه، وما ورد في الإذن في ذلك محمول على أنه ليس بحرام، وليس معناه نفي الكراهة. هكذا ذكر النوويّ ﵀، وهو جمع حسن، وسيأتي ذكر أقوال أهل العلم مفصّلةً بأدلتها، ومناقشتها، وترجيح ما هو الراجح بدليله في محلّه من كتاب النكاح، إن شاء الله تعالى. ٣ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن العزل لا يمنع الإيلاد، فلو استَفْرَشَ أمةً، وعزل عنها، ثم أتت بولد لحِقَه، إلا أن يدّعي عدم الاستبراء. ٤ - (ومنها): أنه ليست نسمة كائنة في علم الله إلى يوم القيامة في حال من الأحوال إلا كائنة ثابتة في وقت من الأوقات، لا يمنعها عزل، ولا حيلة من الحيل، ولو حاول من في الأرض كلهم جميعًا. ٥ - (ومنها): أنه استفيد من قوله ﷺ : "ما من كل الماء يكون الولد" أن بعض الماء لا يتكون منه الولد، وبعضه يتكون منه بميشئة الله ، لا بطريقة الوسائل، فإنها لا تنفع إلا إذا أراد الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1123

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٩٠ - (حَدَّثَنَا عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبيِ الجعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَزِيدُ فِيَ الْعُمْرِ إِلا الْبِرُّ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِخَطِيئَةٍ يَعْمَلُهَا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الله بْنُ عِيسَى) بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ، أبو محمد الكوفيّ، وكان أكبر من عمه محمد، ثقة، فيه تشيّعٌ [٦]. رَوَى عن جده عبد الرحمن، وأبيه عيسى، وأمية بن هند المزني، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن أبي الجعد الغطفاني، والزهريّ، وموسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم. وروى عنه عمه محمد، وابن ابنه عيسى بن المختار بن عبد الله بن عيسى، وإسماعيل بن أبي خالد، والسفيانان، وشعبة، وشريك، وغيرهم. قال علي بن حكيم: سمعت شريكًا يُثْني على عبد الله بن عيسى، وقال في رواية: كان رجل صدق، وكان يُعَلِّم محتسبًا. وقال ابن عيينة: ثنا عمارة بن القعقاع بن شُبْرُمة وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكانوا يقولون: هما أفضل من عمهما. وقال ابن معين: ثقة. وقال في رواية: كان يَتَشَيَّع. وقال أبو الحسن بن الْبَرّاء عن ابن المديني: هو عندي منكر الحديث. وقال ابن خِرَاش: هو أوثق ولد أبي ليلى. وقال النسائي: ثقة ثبت. وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكر أبو إسحاق الحربي في "العلل" أنه لم يسمع من جَدِّه، قال الحافظ: وهو قول مردود، أوردته لأُنَبِّه عليه، فحديثه عن جده في "الصحيح"، وقال العجلي: ثقة. وقال الحاكم: هو من أوثق آل أبي ليلى. قال جعفر الطيالسي عن ابن معين: مات سنة خمس وثلاثين ومائة.

стр. 1124

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم (٩٠) و (٥٣٣) و (٢٠٧٩) و (٢٣٣٢) و (٣٥٠٦) و (٤٠٢٢). ٢ - (عَبْدُ الله بْنُ أَبِي الجعْدِ) الأشجعيّ الْغَطَفَانيّ، مقبول [٤]. روى عن ثوبان، وجُعَيل الأشجعي، وعنه ابن أخيه رافع بن سلمة بن زياد بن أبي الجعد، وقيل: عن رافع بن سلمة، عن أبيه عنه، وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن القطان: إنه مجهول الحال. تفرّد به النسائيّ، والمصنّف، وله عند النسائيّ حديثان، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث، وهو أحد الحديثين عند النسائيّ، وأعاده المصنّف في "كتاب الفتن" برقم (٤٠٢٢). ٣ - (ثَوْبَانُ) بن بُجْدُد الهاشميّ مولى النبيّ ﷺ ، صَحِبه، ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة (٥٤)، وتقدّمت ترجمته في ١/ ١١. والباقون تقدّموا قريبًا، وسفيان هو الثوريّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ ثَوْبَانَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَزِيدُ في الْعُمْرِ إِلا الْبِرُّ) إما لأن البارّ ينتفَعُ بعمره، وإن قلّ أكثر مما ينتفع به غيره وإن كثُر، وإما لأنه يزاد له في العمر حقيقة، بمعنى أن لو لم يكن بارّا لقصر عمره عن القدر الذي كان له إذا برّ، لا بمعنى أنه يكون أطول عمرًا من غير البارّ، ثم التفاوت إنما يظهر في التقدير المعلّق، لا فيما يعلم الله تعالى أن الأمر يصير إليه، فإن ذلك لا يَقبل التغيير، وإليه يشير قوله : ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، ومثله قوله (وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ) قال في "شرح السنة": ذكر أبو حاتم السجستانيّ في معنى الحديث: إن دوام المرء على الدعاء يطيب له ورود القضاء، فكأنما ردّه، والبرّ يطيب عيشه، فكأنما يزيد في عمره، والذنب يكدّر عليه صفاء رزقه إذا فكّر في عاقبة

стр. 1125

أمره، فكأنما حَرَمه. انتهى (١). وقال التوربشتيّ ﵀: يحتمل أن يكون المراد من القدر الأمر الذي كان يُقدّر لولا دعاؤه، ومن العمر العمر الذي كان يقصر لولا برّه، فيكون الدعاء والبرّ سببًا من أسباب ذلك، وهما مقدّران أيضًا، كما أن الأعمال حسنها وسيّئها سببان من أسباب السعادة والشقاوة، ولا شكّ أنهما مقدّران أيضًا. انتهى (٢). (وَإِنَّ الرجُلَ ليُحْرَمُ الرِّزْقَ) ببناء الفعل للمفعول، ونائب فاعله ضمير يعود إلى الرجل، و"الرزق" مفعوله الثاني (بِخَطِيئَةٍ) أي بسبب ذنبه (يَعْمَلُهَا) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "خطيئة". قال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" بعد هذا الحديث: ما نصّه: قوله ﷺ في هذا الخبر لم يُرد به عمومه، وذاك أن الذنب لا يحرم الرزق الذي رُزق العبدُ، بل يُكدّر صفاءه إذا فكّر في تعقيب الحالة له، ودوام المرء على الدعاء يطيب له ورود القضاء، فكأنه ردّه لقلّة حِسّه بألمه، والبرّ يطيب العيش حتى كأنه يُزاد في عمره بطيب عيشه، وقلة تعذّر ذلك في الأحوال. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام ابن حبّان ﵀ هذا ظاهر في كونه لا يرى الزيادة على ظاهرها، وسيأتي أن الأرجح حمله على ظاهره، للأدلة الأخرى الكثيرة، والله تعالى أعلم. قال المظهر ﵀: هذا يؤوّل على تأويلين: [أحدهما]: أن يراد بالرزق الثواب في الآخرة. [وثانيهما]: أن يراد به الرزق الدنيويّ من المال، والصحّة، والعافية، وعلى هذا إشكالٌ، فإنا نرى الكفّار والفسّاق أكثر مالًا وصحّةً من الصلحاء.
следующие страницы →