← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

أخرج الشيخان في "صحيحيهما" من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁: قال أصبنا سبايا، فكنا نَعزِل، ثم سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال لنا: "وإنكم لتفعلون؟، وإنكم لتفعلون؟، وإنكم لتفعلون؟، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة". وفي رواية: "ما عليكم ألا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة، إلا وهي كائنة"، متّفق عليه. وعنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن العزل، فقال: "ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء". رواه مسلم. وستأتي بقية المباحث في محله من كتاب النكاح، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر ﵁ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (١٠/ ٨٩) بهذا السند فقط، وأخرجه (مسلم) في "النكاح" (١٤٣٩) و (أبو داود) في "النكاح" (١٨٥٨) و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٢٥٥١) و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (٤/ ٢٢٠) و (أحمد) في "مسنده" ٣/ ٣١٣ و ٣٨٨ و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٩١٠) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤١٩٤) و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" ٣/ ٣٥. [تنبيه]: تبيّن بهذا أن ما أشار إليه الحافظ البوصيريّ في الزوائد من أن هذا الحديث تفرد به المصنف غير صحيح، فقد شاركه فيه مسلم، وأبو داود، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو إثبات القدر، وأن كلّ شيء بقدر

стр. 1122

الله، وإنه إذا شاء لا رادّ لما قدّره. ٢ - (منها): أن فيه جوازَ العزل، وهو -كما قال النوويّ- مكروه عند الشافعيّة في كل حال، وكل امرأة، سواء رضيت أم لا؛ لأنه طريق إلى قطع النسل، ولهذا جاء في الحديث الآخر تسميته الوأدَ الخفيَّ؛ لأنه قطع طريق الولادة، كما يقتل الولود بالوأد، وأما التحريم فقالوا: لا يحرم في مملوكته، ولا في زوجته الأمة، سواء رضيتا أم لا؛ لأن عليه ضررًا في مملوكته بمصيرها أم ولد، وامتناع بيعها، وعليه ضرر في زوجته الرقيقة بمصير ولده رقيقًا تبعًا لأمه، وأما زوجته الحرة، فإن أذنت فيه لم يحرم، وإلا فوجهان أصحهما لا يحرم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد وردت أحاديث تدلّ على جواز العزل، وأحاديث تدلّ على النهي عنه، ويُجمَع بينها بأن ما ورد في النهى محمول على كراهة التَّنْزِيه، وما ورد في الإذن في ذلك محمول على أنه ليس بحرام، وليس معناه نفي الكراهة. هكذا ذكر النوويّ ﵀، وهو جمع حسن، وسيأتي ذكر أقوال أهل العلم مفصّلةً بأدلتها، ومناقشتها، وترجيح ما هو الراجح بدليله في محلّه من كتاب النكاح، إن شاء الله تعالى. ٣ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن العزل لا يمنع الإيلاد، فلو استَفْرَشَ أمةً، وعزل عنها، ثم أتت بولد لحِقَه، إلا أن يدّعي عدم الاستبراء. ٤ - (ومنها): أنه ليست نسمة كائنة في علم الله إلى يوم القيامة في حال من الأحوال إلا كائنة ثابتة في وقت من الأوقات، لا يمنعها عزل، ولا حيلة من الحيل، ولو حاول من في الأرض كلهم جميعًا. ٥ - (ومنها): أنه استفيد من قوله ﷺ : "ما من كل الماء يكون الولد" أن بعض الماء لا يتكون منه الولد، وبعضه يتكون منه بميشئة الله ، لا بطريقة الوسائل، فإنها لا تنفع إلا إذا أراد الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1123

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٩٠ - (حَدَّثَنَا عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبيِ الجعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَزِيدُ فِيَ الْعُمْرِ إِلا الْبِرُّ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِخَطِيئَةٍ يَعْمَلُهَا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الله بْنُ عِيسَى) بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ، أبو محمد الكوفيّ، وكان أكبر من عمه محمد، ثقة، فيه تشيّعٌ [٦]. رَوَى عن جده عبد الرحمن، وأبيه عيسى، وأمية بن هند المزني، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن أبي الجعد الغطفاني، والزهريّ، وموسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم. وروى عنه عمه محمد، وابن ابنه عيسى بن المختار بن عبد الله بن عيسى، وإسماعيل بن أبي خالد، والسفيانان، وشعبة، وشريك، وغيرهم. قال علي بن حكيم: سمعت شريكًا يُثْني على عبد الله بن عيسى، وقال في رواية: كان رجل صدق، وكان يُعَلِّم محتسبًا. وقال ابن عيينة: ثنا عمارة بن القعقاع بن شُبْرُمة وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكانوا يقولون: هما أفضل من عمهما. وقال ابن معين: ثقة. وقال في رواية: كان يَتَشَيَّع. وقال أبو الحسن بن الْبَرّاء عن ابن المديني: هو عندي منكر الحديث. وقال ابن خِرَاش: هو أوثق ولد أبي ليلى. وقال النسائي: ثقة ثبت. وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكر أبو إسحاق الحربي في "العلل" أنه لم يسمع من جَدِّه، قال الحافظ: وهو قول مردود، أوردته لأُنَبِّه عليه، فحديثه عن جده في "الصحيح"، وقال العجلي: ثقة. وقال الحاكم: هو من أوثق آل أبي ليلى. قال جعفر الطيالسي عن ابن معين: مات سنة خمس وثلاثين ومائة.

стр. 1124

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم (٩٠) و (٥٣٣) و (٢٠٧٩) و (٢٣٣٢) و (٣٥٠٦) و (٤٠٢٢). ٢ - (عَبْدُ الله بْنُ أَبِي الجعْدِ) الأشجعيّ الْغَطَفَانيّ، مقبول [٤]. روى عن ثوبان، وجُعَيل الأشجعي، وعنه ابن أخيه رافع بن سلمة بن زياد بن أبي الجعد، وقيل: عن رافع بن سلمة، عن أبيه عنه، وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن القطان: إنه مجهول الحال. تفرّد به النسائيّ، والمصنّف، وله عند النسائيّ حديثان، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث، وهو أحد الحديثين عند النسائيّ، وأعاده المصنّف في "كتاب الفتن" برقم (٤٠٢٢). ٣ - (ثَوْبَانُ) بن بُجْدُد الهاشميّ مولى النبيّ ﷺ ، صَحِبه، ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة (٥٤)، وتقدّمت ترجمته في ١/ ١١. والباقون تقدّموا قريبًا، وسفيان هو الثوريّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ ثَوْبَانَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَزِيدُ في الْعُمْرِ إِلا الْبِرُّ) إما لأن البارّ ينتفَعُ بعمره، وإن قلّ أكثر مما ينتفع به غيره وإن كثُر، وإما لأنه يزاد له في العمر حقيقة، بمعنى أن لو لم يكن بارّا لقصر عمره عن القدر الذي كان له إذا برّ، لا بمعنى أنه يكون أطول عمرًا من غير البارّ، ثم التفاوت إنما يظهر في التقدير المعلّق، لا فيما يعلم الله تعالى أن الأمر يصير إليه، فإن ذلك لا يَقبل التغيير، وإليه يشير قوله : ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، ومثله قوله (وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ) قال في "شرح السنة": ذكر أبو حاتم السجستانيّ في معنى الحديث: إن دوام المرء على الدعاء يطيب له ورود القضاء، فكأنما ردّه، والبرّ يطيب عيشه، فكأنما يزيد في عمره، والذنب يكدّر عليه صفاء رزقه إذا فكّر في عاقبة

стр. 1125

أمره، فكأنما حَرَمه. انتهى (١). وقال التوربشتيّ ﵀: يحتمل أن يكون المراد من القدر الأمر الذي كان يُقدّر لولا دعاؤه، ومن العمر العمر الذي كان يقصر لولا برّه، فيكون الدعاء والبرّ سببًا من أسباب ذلك، وهما مقدّران أيضًا، كما أن الأعمال حسنها وسيّئها سببان من أسباب السعادة والشقاوة، ولا شكّ أنهما مقدّران أيضًا. انتهى (٢). (وَإِنَّ الرجُلَ ليُحْرَمُ الرِّزْقَ) ببناء الفعل للمفعول، ونائب فاعله ضمير يعود إلى الرجل، و"الرزق" مفعوله الثاني (بِخَطِيئَةٍ) أي بسبب ذنبه (يَعْمَلُهَا) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "خطيئة". قال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" بعد هذا الحديث: ما نصّه: قوله ﷺ في هذا الخبر لم يُرد به عمومه، وذاك أن الذنب لا يحرم الرزق الذي رُزق العبدُ، بل يُكدّر صفاءه إذا فكّر في تعقيب الحالة له، ودوام المرء على الدعاء يطيب له ورود القضاء، فكأنه ردّه لقلّة حِسّه بألمه، والبرّ يطيب العيش حتى كأنه يُزاد في عمره بطيب عيشه، وقلة تعذّر ذلك في الأحوال. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام ابن حبّان ﵀ هذا ظاهر في كونه لا يرى الزيادة على ظاهرها، وسيأتي أن الأرجح حمله على ظاهره، للأدلة الأخرى الكثيرة، والله تعالى أعلم. قال المظهر ﵀: هذا يؤوّل على تأويلين: [أحدهما]: أن يراد بالرزق الثواب في الآخرة. [وثانيهما]: أن يراد به الرزق الدنيويّ من المال، والصحّة، والعافية، وعلى هذا إشكالٌ، فإنا نرى الكفّار والفسّاق أكثر مالًا وصحّةً من الصلحاء.

стр. 1126

[والجواب]: أن الحديث مخصوص بمسلم يريد الله تعالى أن يرفع درجته في الآخرة، فيُعذّبه بسبب ذنبه، فيُصَفّيه من الذنوب في الدنيا. قال الطيبيّ: أقول: ويدلّ على الاختصاص تقييد هذه القرينة بالرجل دون القرينتين السابقتين، فالتعريف فيه إما للجنس، فيكون المعنى: الرجل الكامل الحازم هو الذي يتفكّر في عاقبة أمره، فإذا أذنب تكدّر عليه صفاء رزقه، كما قاله السجستاتيّ. أو للعهد، فيراد منه بعض الجنس من المسلمين على ما عليه كلام المظهر. انتهى كلام الطيبي (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الظاهر، والأول لا يخفى تكلّفه، فافهم، والله تعالى أعلم. وذكر في "الفتح" عند شرح حديث: "من أحبّ أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه": ما نصّه: قال ابن التين: ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، والجمع بينهما من وجهين: [أحدهما]: أن هذه الزيادة كناية عن البركة في العمر، بسبب التوفيق إلى الطاعة، وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة، وصيانته عن تضييعه ذلك، ومثل هذا ما جاء أن النبي ﷺ تقاصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار من مضى من الأمم، فأعطاه الله ليلة القدر. وحاصله أن صلة الرحم تكون سببًا للتوفيق للطاعة، والصيانة عن المعصية، فيبقى بعدَهُ الذكر الجميل، فكأنه لم يمت. ومن جملة ما يحصل له من التوفيق العلمُ الذي يَنتفع به مَنْ بَعْدَه، والصدقة الجارية عليه، والخلف الصالح. [ثانيهما]: أن الزيادة على حقيقتها، وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمر، وأما الأول الذي دلت عليه الآية فبالنسبة إلى علم الله تعالى، كأن يُقال للملك مثلًا: إن

стр. 1127

عمر فلان مائة مثلًا إن وصل رحمه، وستون إن قطعها، وقد سبق في علم الله أنه يَصِلُ، أو يقطع فالذي في علم الله لا يتقدم ولا يتأخر، والذي في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] فالمحو بوالإثبات النسبة لما في علم الملك، وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله تعالى، فلا محو فيه البتة، ويقال له: القضاء المبرم، ويقال للأول: القضاء المعَلَّق، والوجه الأول أليق بلفظ حديث الباب، -يعني حديث البخاري- فإن الأثر ما يتبع الشيء، فإذا أُخِّر حَسُن أن يحمل على الذكر الحسن بعد فقد المذكور. وقال الطيبي: الوجه الأول أظهر، وإليه يشير كلام صاحب "الفائق"، قال: ويجوز أن يكون المعنى: أن الله يُبْقِي أثر واصل الرحم في الدنيا طويلًا، فلا يَضْمَحِلّ سريعًا كما يضمحل أثر قاطع الرحم، ولما أنشد أبو تَمّام قوله في بعض المراثي: تُوُفِّيَتِ الآمَالُ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ... وَأَصْبَحَ في شُغْلٍ عَنِ السَّفَرِ السَّفْرُ قال له أبو دُلَف: لم يمت من قيل فيه هذا الشعر. ومن هذه المادة قول الخليل ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ في الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. وقد ورد في تفسيره وجه ثالث، فأخرج الطبراني في "الصغير" بسند ضعيف، عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكر عند رسول الله ﷺ مَنْ وَصَلَ رحمه أُنسىء له في أجله، فقال: "إنه ليس زيادة في عمره، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ الآية [النحل: ٦١]، ولكن الرجل تكون له الذرية الصالحة، يدعون له من بعده، وله في "الكبير" من حديث أبي مشجعة الجهني رفعه: "إن الله لا يؤخر نفسًا إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر ذرية صالحة ... " الحديث. وجزم ابن فورك بأن المراد بزيادة العمر نفي الآفات عن صاحب البر، في فهمه وعقله. وقال غيره: في أعم من ذلك، وفي وجود البركة في رزقه وعلمه، ونحو ذلك. انتهى ما في "الفتح" (١).

стр. 1128

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الاحتمال الثاني هو الحقّ. والحاصل أن الأرجح في هذه المسألة حمل النصوص الواردة في زيادة العمر، والرزق على ظاهرها، ولا تنافي بينها وبين آية ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُم﴾؛ لأنها واضحة في أن عدم التأخير بعد مجيء الأجل، وأن النصوص المفيدة للتأخير محمولة على ما قبل مجيىء الأجل، وقد حقّق العلامة الشوكانيّ ﵀ المسألة في رسالة أفردها لها، سمّاها "تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل"، فساق أدلّة الفريقين، ثم رجّح القول بالزيادة وحقّقه أتم تحقيق، وقد نقلت تلك الرسالة في شرح النسائيّ مع ترجيح ما ظهر لي وجهه، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ثوبان ﵁ هذا حسن، كما قاله الحافظ العراقيّ ﵀ (١). [فإن قلت]: كيف يكون حسنًا، وفيه إسناده عبد الله بن أبي الجعد، وقد تقدّم أن ابن القطّان قال: إنه مجهول الحال؟. [قلت]: عبد الله بن أبي الجعد روى عنه اثنان، فزالت جهالة عينه، ووثقه ابن حبّان, ولحديثه هذا شاهد, من حديث سلمان ﵁ أخرجه الترمذي في "جامعه" (٢١٣٩) بلفظ: "لا يرد القضاء إلا الدعاء, ولا يزيد في العمر إلا البر", قال الترمذي: حديث حسن غريب. وأخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار" (٣٠٦٨) والشهاب القضاعيّ (٨٣٣) و (٨٣٣) , وفي إسناده أبو مودود البصريّ, وهو وإن ضعفه أبو حاتم -كما في "الجرح

стр. 1129

مَشَارِقُ الْأَنْوَارِ الوهَّاجَة وَمَطَالع الْأَسْرَار البهَّاجَة فِي شَرح سُنَن الإِمَام ابْن مَاجَه تأليف الْفَقِير إِلَى مَوْلَاهُ الْغَنِيّ الْقَدِير مُحَمَّد ابْن الشَّيْخ العلَّامة عَليّ بن آدم بن مُوسَى خُويدم الْعِلم بِالْحرم الْمَكِّيّ الشّريف عَفا الله تَعَالَى عَنهُ وَعَن وَالِديهِ آمين «المجَلَّد الثَّالِث» دَار الْمُغنِي

стр. 1130

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1131

مَشَارِقُ الْأَنْوَارِ الوهَّاجَة وَمَطَالع الْأَسْرَار البهَّاجَة فِي شَرح سُنَن الإِمَام ابْن مَاجَه

стр. 1132

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة الطَّبعة الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م (ح) دَار الْمُغنِي للنشر والتوزيع، ١٤٢٦ هـ فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر الأثيوبي، مُحَمَّد عَليّ آدم مَشَارِق الْأَنْوَار الوهاجة ومطالع الْأَسْرَار البهاجة فِي شرح سنَن الإِمَام ابْن مَاجَه ... / مُحَمَّد عَليّ آدم الأثيوبي. - الرياض، ١٤٢٦ هـ ٤ مج. ٥٢٤ ص، ١٧.٥ × ٢٥ سم ردمك: ٨ - ٥٤ - ٧٦٢ - ٩٩٦٠ (مَجْمُوعَة) ٢ - ٥٧ - ٧٦٢ - ٩٦٦٠ (جـ ٣) ١ - الحَدِيث - سنَن أ. العنوان ديوي ٢٣٥.٦ - ٧٤٠٤/ ١٤٢٦ رقم الْإِيدَاع: ٧٤٠٤/ ١٤٢٦ ردمك: ٨ - ٥٤ - ٧٦٢ - ٩٩٦٠ (مَجْمُوعَة) ٢ - ٥٧ - ٧٦٢ - ٩٦٦٠ (جـ ٣) دَار الْمُغنِي للنشر والتوزيع ٢٣٨ شَارِع الْمَدِينَة المنورة - ظهرة البديعة ص. ب: ١٥٤٠٤١ الرياض: ١١٧٤٨ هَاتِف ناسوخ: ٠٠٩٦٦١٤٢٥٧٠١٩

стр. 1133

١١ - (باب فضائل أصحاب رسول الله ﷺ -) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه مناسبة هذا الباب للباب السابق، أنه لما كان منكرو القدر من أخسّ الناس حيث شبههم النبيّ ﷺ بالمجوس، كان من أثبته، وآمن به من أشرف الناس، وعلى رأسهم صحابة رسول الله ﷺ ، فإنهم أفضل الخلق بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فناسب ذكر فضائلهم بعد باب القدر، والله تعالى أعلم بالصواب. مسائل تتعلّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): في بيان معنى الفضائل، واشتقاقها: (اعلم): أن "الفضائل": جمع فضيلة، وهي خلاف النقيصة، كالفضل خلاف النقص. قاله في "المصباح" (١). وقال في "القاموس": الفضيلة: الدرجة الرفيعة في الفضل (٢). وفي "كلّيّات" أبي البقاء العكبريّ: الفضائل: هي المزايا غير المتعدّية -أي كالعبادة-، والفواضل هي المزايا المتعدّية (٣) -أي كالكرم-، والأيادي الجسيمة، أو الجميلة، والمراد بالتعدية التعلّق كالإنعام: أي إعطاء النعمة، وإيصالها إلى الغير، لا الانتقال. انتهى (٤). وقال الراغب الأصفهانيّ في "مفراداته": الفضل: الزيادة عن الاقتصاد، وذلك

стр. 1134

ضربان: محمود، كفضل العلم والحلم، ومذموم، كفضل الغضب على ما يجب أن يكون عليه، والفضائل في المحمود أكثر استعمالا، والفُضُول في المذموم. والفضل إذا استُعمل لزيادة أحد الشيئين على الآخر فعلى ثلاثة أضرُب: فضل من حيث الجنس، كفضل جنس الحيوان على جنس النبات. وفضل من حيثُ النوعُ، كفضل الإنسان على غيره من الحيوان، وعلى هذا النحو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] إلى قوله: ﴿تفصيلًا﴾ وفضل من حيث الذاتُ، كفضل رجل على رجل آخر، فالأولان جوهريان، لا سبيل للناقص فيهما أن يُزيل نقصه، وأن يستفيد الفضل، كالفرس والحمار لا يمكنهما أن يكتسبا الفضيلة التي خُصّ بها الإنسان، والفضل الثالث قد يكون عَرَضيّا، فيوجد السبيل على اكتسابه، ومن هذا النوع التفضيل المذكور في قوله : ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١] وقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الإسراء: ١٢]، يعني المال وما يُكتسب. انتهى كلام الراغب باختصار (١). وقال أبو العبّاس القرطبيّ: "الفضائل" جمع فَضِيلة، كرغائب جمع رَغِيبة، وكبائر جمع كبيرة، وهو كثير، وأصلها الخَصْلة التي بها يَحْصُل للإنسان شَرَفٌ وعُلُوُّ مَنْزِلة وقدر، ثم ذلك الشرف، وذلك الفضل إما عند الْخَلْق، وإما عند الخالق، فأما الأول، فلا يُلتفت إليه إن لم يُوصل إلى الشرف المعتبر عند الخالق، فإذًا الشرف المعتبر، والفضل المطلوب على التحقيق إنما هو الشرف الذي عند الله تعالى انتهى (٢)، وهو تحقيق نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في تعريف الصحابيّ: أصحّ ما قيل: في تعريفه -كما في "الإصابة"-: أنه من لقِي النبيّ ﷺ مؤمنًا به،

стр. 1135

ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له، أو قصرت، ومن روى عنه، أو لم يرو، ومن غزا معه، أو لم يغز، ومن رآه رؤيةً، ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارضٍ، كالعمى. وخرج بقيد "الإيمان" من لقيه كافرًا، ولو أسلم بعد ذلك، إذا لم يجتمع به مرّةً أخرى. وخرج بقيد "به" من لقيه مؤمنًا بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، وهل يدخل من لقيه منهم، وآمن بأنه سيُبعث، أو لا يدخل؟ محلّ احتمال، ومن هؤلاء بَحِيرا الراهب، ونظراؤه. ويدخل في قوله: "مؤمنًا به" كلّ مكلّف من الجنّ والإنس، فحينئذ يتعيّن ذكر من حُفِظَ ذكرُه من الجنّ الذين آمنوا به بالشرط المذكور. وأما إنكار ابن الأثير على أبي موسى تخريجه لبعض الجنّ الذين عُرفوا في "كتاب الصحابة"، فليس بمنكر؛ لما ذُكر آنفًا. وقد قال ابن حزم في "كتاب الأقضية" من "المُحَلَّى": من ادّعى الإجماع فقد كذب على الأمّة، فإن الله تعالى قد أعلمنا أن نفرًا من الجنّ آمنوا، وسمعوا القرآن من النبيّ ﷺ ، فهم صحابة فضلاء، فمن أين للمدّعي إجماع أولئك؟. قال الحافظ ﵀: وهذا الذي ذكره في مسألة الإجماع لا نوافقه عليه؛ وإنما أردت نقل كلامه في كونهم صحابةً. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "لا نوافقه عليه" محلّ نظر، وما المانع من الموافقة، مع كون الظاهر معه؟ فليُتأمّل. والله تعالى أعلم. وهل تدخل الملائكة؟ محلّ نظر؟ فقد قال بعضهم: إن ذلك ينبني على أنه هل كان ﷺ مبعوثًا إليهم أم لا؟، وقد نقل الإمام فخر الدين في "أسرار التَّنْزيل" الإجماع على أنه ﷺ لم يكن مُرسلًا إلى الملائكة، ونوزع في هذا النقل، بل رجّح الشيخ تقيّ الدين السبكيّ أنه كان مُرسلًا إليهم، واحتجّ بأشياء يطول شرحها.

стр. 1136

قال الحافظ: وفي صحّة بناء هذه المسألة على هذا الأصل نظرٌ لا يخفى. وخرج بقوله: "ومات على الإسلام" من لقيه مؤمنًا به، ثم ارتدّ، ومات على ردّته -والعياذ بالله- وقد وُجد من ذلك عدد يسير، كعُبيد الله بن جَحْش الذي كان زوج أم حبيبة، فإنه أسلم معها، وهاجر إلى الحبشة، فتنصّر هناك، ومات على نصرانيّته. وكعبد الله بن خَطَل الذي قُتل، وهو متعلّق بأستار الكعبة. وكربيعة بن أميّة بن خلف. ويدخل فيه من ارتدّ، وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت، سواء اجتمع به ﷺ مرّةً أُخرى أم لا، وهذا هو الصحيح المعتمد. والشقّ الأول لا خلاف في دخوله، وأبدى بعضهم في الشقّ الثاني احتمالًا، وهو مردود؛ لإطباق أهل الحديث على عدّ الأشعث بن قيس في الصحابة، وعلى تخريج أحاديثه في الصحاح والمسانيد، وهو ممن ارتدّ، ثم عاد إلى الإسلام في خلافة أبي بكر ﵄. وهذا التعريف مبنيّ على الأصحّ المختار عند المحقّقين، كالبخاريّ، وشيخه أحمد ابن حنبل، ومن تبعهما، ووراء ذلك أقوال أخرى شاذّةٌ، كقول من قال: لا يُعَدّ صحابيّا إلا من وُصف بأحد أوصاف أربعة: من طالت مجالسته، أو حُفظت روايته، أو ضُبط أنه غزا معه، أو استُشهد بين يديه. وكذا من اشترط في صحة الصحبة بلوغ الحلُم، أو المجالسة ولو قصرت. وأطلق جماعة أن من رأى النبيّ ﷺ ، فهو صحابيّ، وهو محمول على من بلغ سنّ التمييز؛ إذ من لم يميّز لا تصحّ نسبة الرؤية إليه، نعم يصدُق أن النبيّ ﷺ رآه، فيكون صحابيّا من هذه الحيثيّة، وأما من حيث الرواية فيكون تابعيّا. وهل يدخل من رآه ميتًا قبل أن يُدفن كما وقع ذلك لأبي ذُؤيب الْهُذَليّ الشاعر؟ إن صحّ محلّ نظر، والراجح عدم الدخول. ومما جاء عن الأئمة من الأقوال المجملة في الصفة التي يُعرف بها كون الرجل صحابيّا، وإن لم يَرِد التنصيص على ذلك ما أورده ابن أبي شيبة في "مصنّفه" من طريق

стр. 1137

لا بأس به، أنهم كانوا في الفتوح لا يؤمّرون إلا الصحابة. وقول ابن عبد البرّ: لم يَبْقَ بمكة، ولا بالطائف أحد في سنة عشر إلا أسلم، وشهد مع النبيّ ﷺ حجة الوداع. ومثل ذلك قول بعضهم في الأوس والخزرج: إنه لم يبق منهم في آخر عهد النبيّ ﷺ إلا من دخل في الإسلام، وما مات النبي ﷺ ، وأحد منهم يُظهر الكفر (١). وإلى ما تقدّم أشار السيوطيّ ﵀ في "ألفية الحديث" بقوله: حَدُّ الصّحَابِي مُطْلَقًا لَاقِي الرَّسُولْ ... وَإِنْ بِلَا رِوَايَةٍ عَنْهُ وَطُولْ كَذَاكَ الاتْبَاعُ مَعَ الصَّحَابَةِ ... وَقِيلَ مَعْ طُولٍ وَمَعْ رِوَايَةِ وَقِيلَ مَعْ طُولِ وَقِيلَ الْغَزْوِ أَوْ ... عَام وَقِيلَ مُدْرِكُ الْعَصْرِ وَلَوْ (٢) وَشَرْطُهُ الموْتُ عَلَى الدِّينِ وَلَوْ ... تخَلَّلَ الرِّدَّةُ وَالجنُّ رَأَوْا دُخُولهُمْ دُونَ مَلَائِكٍ وَمَا ... نَشْرِط بُلُوغًا في الأَصَحِّ فِيهِما والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في ذكر ما يُعرف به كون الشخص صحابيّا: (اعلم): أن ذلك يثبُت بأشياء: [أولها]: أن يتواتر أنه صحابيّ. [والثاني]: الاستفاضة والشهرة. [والثالث]: أن يُروى عن آحاد الصحابة أن فلانًا له صحبة مثلًا، وكذا عن آحاد التابعين، بناءً على قبول التزكية من واحد، وهو الراجح. [والرابع]: أن يقول هو: أنا صحابيّ بشرط ثبوت عدالته، ومعاصرته. أما الشرط الأول -وهو العدالة- فجزم به الآمديّ وغيره؛ لأن قوله قبل أن تثبت عدالته: أنا صحابيّ، أو ما يقوم مقام ذلك يلزم من قبول قوله إثبات عدالته؛ لأن

стр. 1138

الصحابة كلهم عدول، فيصير بمنزلة قول القائل: أنا عدلٌ، وذلك لا يُقبل. وأما الشرط الثاني -وهو المعاصرة- فيُعتبر بمضيّ مائة وعشر سنين من هجرة النبيّ ﷺ ؛ لقوله ﷺ في آخر عمره لأصحابه: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد". متّفقٌ عليه من حديث ابن عمر ﵄، وزاد مسلم من حديث جابر ﵁ أن ذلك كان قبل موته ﷺ بشهر، ولفظه: سمعت النبي ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: "أُقسم بالله، ما على الأرض من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة، وهي حيّة يومئذ". ولهذه النكتة لم يُصدّق أحدٌ من الأئمة أحدًا ادّعى الصحبة بعد الغاية المذكورة، وقد ادّعاها جماعة، فكُذِّبوا، وكان آخرهم رَتَن الهنديّ؛ لظهور كذبهم في دعواهم على ما ذُكر. ثم من لم يُعرَف حاله إلا من جهة نفسه، فمقتضى كلام الآمديّ الذي سبق ومن تبعه ألا تثبُت صحبته، ونقل أبو الحسن بن القطّان فيه الخلاف، ورجّح عدم الثبوت. وأما ابن عبد البر فجزم بالقبول؛ بناءً على أن الظاهر سلامته من الجرح، وقوّى ذلك بتصرّف أئمة الحديث في تخريجهم أحاديث هذا الضرب في مسانيدهم، ولا ريب في انحطاط رتبة من هذا سبيله عمن مضى. ومن صور هذا الضرب أن يقول التابعيّ: أخبرني فلان مثلًا أنه سمع النبيّ ﷺ يقول، سواء أسماه أم لا. أما إذا قال: أخبرني رجل مثلًا عن النبيّ ﷺ بكذا فثبوت الصحبة بذلك بعيد؛ لاحتمال الإرسال، ويحتمل التفرقة بين أن يكون القائل من كبار التابعين، فيُرَجّح القبول، أو صغارهم فيرجّح الردّ، ومع ذلك فلم يَتَوقّف من صنّف في الصحابة في إخراج من هذا سبيله في كتبهم. والله تعالى أعلم. ضابط يُستفاد من معرفته صحبة جمع كثير يُكتفى فيهم بوصف يتضمّن أنهم صحابة، وهو مأخوذ من ثلاثة آثار: [الأول]: أخرج ابن أبي شيبة قال: كانوا لا يؤمّرون في المغازي إلا الصحابة،

стр. 1139

فمن تتبّع الأخبار الواردة في الردّة والفتوح وَجَد من ذلك شيئًا كثيرًا، وهم من القسم الأول. [الثاني]: أخرج الحاكم من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: كان لا يولد لأحد مولود إلا أتى به النبيّ ﷺ ، فدعا له، وهذا يؤخذ منه شيء كثيرٌ أيضًا، وهم من القسم الثاني. [الثالث]: أخرج ابن عبد البرّ قال: لم يبق بمكة والطائف أحدٌ في سنة عشر إلا أسلم، وشهد حجة الوداع، هذا وهم في نفس الأمر عددٌ لا يُحصون، لكن يُعرف الواحد منهم بوجود ما يقتضي أنه كان في ذلك الوقت موجودًا، فيلحق بالقسم الأول أو الثاني؛ لحصول رؤيتهم للنبيّ ﷺ ، وإن لم يرهم هو. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ذكر عدالة الصحابة ﵃: (اعلم): أنه اتّفق أهل السنّة على أن جميع الصحابة ﵃ عُدولٌ، ولم يُخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة. وقد ذكر الخطيب في "الكفاية" فصلًا نفيسًا في ذلك، فقال: عدالة الصحابة ﵃ ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا في قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١٨]، وقوله : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]، وقوله : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠]، في آيات كثيرة يطول ذكرها، وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها، وجميع

стр. 1140

ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يَحتاج أحدٌ منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق، على أنه لو لم يَرِد من الله ورسوله ﷺ فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد، ونصرة الإسلام، وبذل المُهَج والأموال، وقتل الآباء والأبناء، والنصيحة في الدين، وقوّة الإيمان واليقين القطعَ على تعديلهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأفضل من جميع الخالفين بعدهم، والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم. هذا مذهب كافّة العلماء، ومن يُعتَمَد قوله. ثم روى بسنده إلى أبي زرعة الرازيّ، قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاعلم أنه زِندِيق، وذلك أن رسول الله ﷺ حقّ، والقرآن حقّ، وما جاء به حقّ، وإنما أدّى إلينا ذلك كلَّه الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يَجرحوا شهودنا؛ ليُبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى، وهو زنادقة. انتهى. والأحاديث الواردة في تفضيل الصحابة كثيرة، من أدلّها على المقصود ما رواه الترمذيّ، وابن حبّان في "صحيحه" من حديث عبد الله بن مغفّل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتّخذوهم غَرَضًا، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه" (١). وقال أبو محمد بن حزم: الصحابة كلّهم من أهل الجنّة قطعًا؛ قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]، فثبت أن الجميع

стр. 1141

من أهل الجنة، وأنه لا يدخل أحدٌ منهم النار؛ لأنهم المخاطبون بالآية السابقة. [فإن قيل]: التقييد بالإنفاق والقتال يُخرج من لم يتّصف بذلك، وكذلك التقييد بالإحسان في الآية السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ الآية [التوبة: ١٠٠] يخرج من لم يتّصف بذلك، وهي من أصرح ما ورد في المقصود، ولهذا قال المازريّ في "شرح البرهان": لسنا نعني بقولنا: الصحابة عدول كلَّ من رآه ﷺ يومًا ما، أو زاره لامًا، أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كَثَب، وإنما نعني به الذين لازموه وعزّروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أُنزل معه أولئك هم المفلحون، انتهى. [والجواب عن ذلك] أن التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب، وإلا فالمراد من اتّصف بالإنفاق والقتال بالفعل أو القوّة، وأما كلام المازريّ فلم يُوافَق عليه، بل اعترضه جماعة من الفضلاء. وقال الشيخ صلاح الدين العلائيّ: هو قول غريب، يُخرج كثيرًا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة، كوائل بن حُجْر، ومالك ابن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص، وغيرهم، ممن وفد عليه ﷺ ، ولم يُقم عنده إلا قليلًا وانصرف، وكذلك من لم يُعرف إلا برواية الحديث الواحد، ولم يُعرف مقدار إقامته من أعراب القبائل، والقول بالتعميم هو الذي صرّح به الجمهور، وهو المعتبر. والله أعلم. وقد كان تعظيم الصحابة ﵃ ولو كان اجتماعهم به ﷺ قليلًا مقرّرًا عند الخلفاء الراشدين وغيرهم، فمن ذلك ما أخرجه الحافظ في مقدمة "الإصابة" بسند رجاله ثقات، من طريق زهير بن معاوية، عن الأسود بن قيس، عن نُبيح الْعَنَزيّ، قال: كنا عند أبي سعيد الخدريّ ﵁، وهو متكىء، فذكرنا عليّا ومعاوية، فتناول رجل معاوية، فاستوى أبو سعيد الخدريّ جالسًا، ثم قال: كنا ننزل رِفاقًا مع رسول الله ﷺ ، فكنا في رفقة فيها أبو بكر، فنزلنا على أهل أبيات، وفيهم امرأة حُبلى، ومعنا رجل من أهل البادية، فقال للمرأة الحامل: أيسرّك أن تلدي غلامًا؟ قالت: نعم، قال: إن أعيطتني

стр. 1142

شاةً ولدت غلامًا، فأعطته، فسجع لها أسجاعًا، ثم عمد إلى الشاة، فذبحها، وطبخها، وجلسنا نأكل منها، ومعنا أبو بكر، فلما علِم بالقصّة قام، فتقيّأ كل شيء أكل، قال: ثم رأيت ذلك البدويّ أُتي به عمر بن الخطاب، وقد هجا الأنصار، فقال لهم عمر: لولا أن له صحبةً من رسول الله ﷺ ما أدري ما نال منها لكفيتموه، ولكن له صحبة من رسول الله ﷺ . قال: وقد توقّف عمر ﵁ عن معاتبته فضلًا عن معاقبته؛ لكونه علِمَ أنه لقي النبيّ ﷺ . وفي ذلك أبين شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحابة ﵃ لا يعدله شيء، كما ثبت في "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ من قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه". وقد تواتر عنه ﷺ قوله: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ... " الحديث. وقال بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ ﷺ : "أنتم توفون سبعين أمّة، أنتم خيرها، وأكرمها على الله" (١). وروى البزّار في "مسنده" بسند رجاله موثّقون من حديث سعيد بن المسيّب، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اختار أصحابي على الثقلين، سوى النبيين والمرسلين". وقال عبد الله بن هاشم الطوسيّ: حدّثنا وكيع، قال: سمعت سفيان يقول في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] قال: هم أصحاب محمد ﷺ . والأخبار في هذا كثيرة جدّا، فلنتقصر على هذا القدر، ففيه مَقْنَع لمن وُفّق للهداية، وأما أهل الضلال والغواية لا يستفيدون من التطويل، ولو تُليت

стр. 1143

عليهم التوارة والإنجيل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في ذكر المكثرين من الفتوى من الصحابة ﵃: (اعلم): أن أكثرهم فتوى سبعة: عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عبّاس، وزيد بن ثابت، وعائشة ﵃. قال ابن حزم ﵀: يمكن أن يُجمع من فُتيا كل واحد من هؤلاء مجلّد ضخم. ثم ذكر المتوسّطين فيما رُوي عنهم من الفتيا ﵃، وهم: أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقّاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حُصَين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة، قال: ويُمكن أن يُجمَع من فُتيا كل واحد منهم جزء صغير. قال: والباقون منهم ﵃ مُقلّون في الفتيا جدًّا، لا يُروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والزيادة اليسيرة على ذلك فقط، يُمكن أن يُجمع من فتيا جميعهم جزء صغير بعد التقصّي والبحث، ثم سردهم، وهم أكثر من مائة وعشرين (١). وقد ذكر المكثرين السيوطيّ ﵀ في "ألفية الحديث" بقوله: وَالْبَحْرُ أَوْفَاهُمْ فَتَاوَى وَعُمَرْ ... وَنَجْلُهُ وَزَوْجَةُ الهادِي الأبرْ ثُمَّ ابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدٌ وَعَلي ... وَبَعْدَهُمْ عِشْرُونَ لَا تُقَلِّل وَبَعْدَهُمْ مَنْ قَلَّ فِيهَا جِدَّا ... عِشْرُونَ بَعْدَ مِائَةٍ قَدْ عُدَّا قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد ألحقت بهذه الأبيات نظم العشرين الذين ذكرهم ابن حزم، فقلت: صِدَيقهُمْ عَثمانُ سَعْدٌ أَنسُ ... سَلمانُ جَابِرٌ مُعَاذُ الأَكْيَسُ (٢)

стр. 1144

وَالأَشْعَرِيُّ وَالزُّبَيْرُ طَلْحَةُ ... أَبُو هُرَيْرَةَ يَلي عُبَادَةُ وَنَجْلُ عَمْرٍو وَابْنُ عَوْفٍ وَكَذَا ... نَجْلُ حُصَيْنٍ وَنُفَيْعٌ حَبَّذَا سَعْدٌ مُعَاوِيَةُ أُمُّ سَلَمَهْ ... وَابْنُ الزُّبَيْرِ هُمْ حَلِيفُوا المكْرَمَهْ فَهَؤُلَاءِ مَرْجِعُ الأنامِ ... في عَصْرِهِمْ لمُعْضِلِ الأَحْكَام والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في ذكر الصحابة الذين حفظوا القرآن الكريم: (اعلم): أن الذين حفظوا القرآن كله نيّف وثلاثون شخصًا: فمنهم: الخلفاء الراشدون الأربعة، والعبادة الأربعة، وطلحة، وسعد، وابن مسعود، وحذيفة، وسالم، وأبو هريرة، وعبد الله بن السائب، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وسعيد بن عبيد، وأبو زيد الأنصاريّ قيس بن السكن، وسعيد بن المنذر، وقيس بن أبي صعصعة، ومُجَمِّع بن جارية، وعبادة بن الصامت، وتميم الداريّ، وعقبة بن عامر، وسَلَمة بن مُخَلَّد، وأبو موسى الأشعريّ، وأم ورقة بنت عبد الله بن الحارث (١)، وغيرهم. وقد نظمت هؤلاء، فقلت: قَدْ حَفِظَ الْقُرْآنَ كُلًّا عِدَّهْ ... فَوْقَ الثَّلَاثِينَ فَنِعْمَ الْعُدَّهْ الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ طَلْحَةُ ... وَنَجْلُ مَسْعُودٍ سَعْدٌ حُذَيْفَةُ أبو هُرَيْرَةَ وَزَيْدٌ حَفْصةُ ... وَنَجْلُ سَائِبٍ كَذَا عَائِشَةُ عُوَيْمِرٌ قَيْسٌ وَأُمُّ سلَمَهْ ... قَيْسٌ مُعَاذٌ وَسَعِيدٌ سَلَمَهْ وَسَاَلمٌ والأَشْعَرِي عُبَادَةُ ... مُجَمِّعٌ مَعَ سَعِيدٍ عُقْبَةُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ وَالْعَبَادِلَهْ ... كذَا أُبَيٌّ ذُو المزَايَا الْفَاضِلَهْ

стр. 1145

شَهِيدَةُ الدَّارِ لَدَى مَنْ حَقَّقَهْ ... أَيْضًا لهَا ذَا الْفَضْلُ أُمُّ وَرَقَهْ فَهُمْ ثَلَاثُونَ مَعَ الثَّلَاثَةِ ... أَكرِمْ بِهِمْ قَومًا خِيَارَ الأُمَّةِ وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ أَيْضًا قَدْ وَرَدْ ... فَاتْبَعْ طَرِيقَهُمْ فَإِنَّهُ الرَّشَدْ [فإن قيل]: يعارض هذا ما ثبت في "صحيح البخاري" عن أنس ﵁ أنه قال: مات النبيّ ﷺ ، ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد ﵃، فكيف الجمع؟. [قلت]: أجيب عنه بأن المراد إثبات ذلك للخزرج دون الأوس، فلا ينفي ذلك عن المهاجرين وغيرهم، بدليل ما أخرجه ابن جرير عن أنس ﵁، قال: افتخر الحيّان الأوس والخزرج، فقال الأوس: منا أربعة: من اهتزّ له العرش، سعد بن معاذ، ومن عُدِلت شهادته بشهادة رجلين، خزيمة بن ثابت، ومن غسلته الملائكة، حنظلة بن أبي عامر، ومن حَمَته الدَّبَر، عاصم بن ثابت، فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن، لم يجمعه غيرهم، فذكروهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في ذكر العبادة من الصحابة ﵃: (اعلم): أنه من اشتهر بلقب العبادلة من الصحابة أربعة فقط: وهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وليس ابن مسعود منهم، قاله أحمد بن حنبل، قال البيهقي: لأنه تقدم موته، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اجتمعوا على شيء قيل: هذا قول العبادلة. وقيل: هم ثلاثة بإسقاط ابن الزبير، وعليه اقتصر الجوهري في "الصحاح". وأما ما حكاه النوويّ في "تهذيبه" عنه أنه ذكر ابن مسعود، وأسقط ابن العاص فَوَهَمٌ، نعم وقع للرافعي في "الديات"، وللزمخشري في "المفصل" أن العبادلة ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وغُلِّطَا في ذلك من حيث الاصطلاح، وكذا سائر من يُسَمَّى عبد الله من الصحابة، لا يطلق عليهم العبادلة، وهم نحو مائتين وعشرين نفسًا، كذا قال ابن الصلاح أخذًا من "الاستيعاب"، وزاد عليه ابن فتحون

стр. 1146

جماعة يبلغون بهم نحو ثلاثمائة رجل. وقد نظمتهم بقولي: وَإِنْ تُرِدْ مَعْرِفَةَ الْعَبَادِلَهْ ... فَابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عَمْرٍو نَافِلَهْ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنَجْلِ عُمَرَا ... وَغَلِّطَنْ مَنْ غَيْرَ هَذَا ذَكَرَا فَبَعْضُهُمْ نَجْلَ الزُّبَيْرِ تَرَكَا ... أَوَ نَجْلَ مَسْعُودٍ بِهِمْ قَدْ أَشْرَكا وَكُلُّ ذَا غَيْرُ صَحِيح فَاتَّبعْ ... سَبِلَ مَنْ حَقَّقَ نَقْلًا تَنْتَفِعْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في ذكر عدد الصحابة ﵃: (اعلم): أنه لا سبيل إلى معرفة عدد الصحابة ﵃، قال الإمام أبو زرعة الرازي ﵀ في جواب من قال له: أليس يقال: حديث النبي ﷺ أربعة آلاف حديث؟: ومن قال ذا، قلقل الله أنيابه؟، هذا قول الزنادقة، ومن يُحصِي حديث رسول الله ﷺ ، قُبِض رسول الله ﷺ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة، ممن رآه، وسمع منه، فقيل له: هؤلاء أين كانوا؟ وأين سمعوا؟ أهل المدينة، وأهل مكة، ومن بينهما، والأعراب، ومن شهد معه حجة الوداع، كُلٌّ روى وسمع منه بعرفة. أخرجه أبو بكر الخطيب. قال الحافظ العراقي: وقريب منه ما أسنده أبو موسى المديني عن أبي زرعة قال: توفي النبي ﷺ ومن رآه، وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة. وهذا لا تحديد فيه، وكيف يمكن الاطلاع على تحرير ذلك، مع تفرق الصحابة في البلدان والبوادي والقرى؟، وقد روى البخاري في "صحيحه" أن كعب بن مالك قال في قصة تخلفه عن تبوك: وأصحاب رسول الله ﷺ كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ -بمعنى الديوان-. قال العراقي: ورَوَى الساجي في "المناقب" بسند جيد عن الرافعي قال: قبض رسول الله ﷺ والمسلمون ستون ألفًا، ثلاثون ألفا بالمدينة، وثلاثون ألفًا في قبائل العرب، وغير ذلك، قال: ومع هذا فجميع من صنف في الصحابة لم يبلغ مجموع ما في تصانيفهم عشرة آلاف، مع كونهم يذكرون من تُوفي في حياته ﷺ ، ومن عاصره،

стр. 1147

أو أدركه صغيرًا. وذكر الحافظ السخاويّ ﵀: أن جميع من ذُكر في تجريد الذهبيّ ربما زاد على ثمانية آلاف. ونقل عياض عن الإمام مالك أنه مات بالمدينة منهم نحو عشرة آلاف نفس. وروى الوليد بن مسلم أنه قال: بالشام عشرة آلاف عين رأت رسول الله ﷺ . وعن قتادة: نزل الكوفة من الصحابة ألف وخمسمائة، منهم أربعة وعشرون بدريّون. وروي أنه نزل حمص من الصحابة خمسمائة رجل. قال السخاويّ: فكلّ حكى على قدر تتبّعه، ومبلغ علمه، وأشار بذلك إلى وقت خاصّ وحال، فإذن لا تضادّ بين كلامهم. انتهى كلام السخاويّ باختصار (١). وإلى ما ذُكر من عدم حصر عددهم أشار السيوطي ﵀ في "ألفية الحديث" بقوله: وَالْعَدُّ لَا يَحْصُرُهُمْ تُوُفِّي ... عَمَّا يَزِيدُ عُشْرَ أَلْفِ أَلْفِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): في ذكر عدد طبقات الصحابة ﵃: (اعلم): أنه اختُلِف في عدد طبقاتهم باعتبار السبق إلى الإسلام، أو الهجرة، أو شهود الشاهد الفاضلة، فجعلهم ابن سعد خمس طبقات، وجعلهم الحاكم اثنتى عشرة طبقة: (الأولى): قوم أسلموا بمكة، كالخلفاء الأربعة. (الثانية): أصحاب دار الندوة. (الثالثة): مهاجرة الحبشة. (الرابعة): أصحاب العقبة الأولى. (الخامسة): أصحاب العقبة الثانية، وأكثرهم من الأنصار. (السادسة): أول المهاجرين الذين وصلوا إلى رسول الله ﷺ بقباء قبل أن يدخل المدينة. (السابعة): أهل بدر. (الثامنة): الذين هاجروا بين بدر والحديبية. (التاسعة): أهل بيعة الرضوان.

стр. 1148

(العاشرة): من هاجر بين الحديبية وفتح مكة، كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص. (الحادي عشرة): مسلمة الفتح. (الثانية عشرة): صبيان وأطفال رأوه يوم الفتح في حجة الوداع وغيرها. وإلى هذا أشار في "ألفية الحديث" بقوله: وَهُمْ طِبَاقٌ قِيلَ خَمْسٌ وَذُكِرْ ... عَشْرٌ مَعَ اثْنَيْنِ وَزَائِدٌ أُثِرْ فَالأَوَّلُونَ أَسْلَمُوا بِمَكَّةِ ... يَلِيهِمُ أَصْحَابُ دَارِ النَّدْوَةِ ثُمَّ المهَاجِرُونَ لِلْحَبَشَةِ ... ثُمَّ اثْنَتَانِ انْسُبْ إِلَى الْعَقَبَةِ فَأَوَّلُ المُهَاجِرِينَ لِقُبَا ... فَأَهْلُ بَدْرٍ وَيَلي مَنْ غَرَبَا مِنْ بَعْدِهَا فَبَيْعَةُ الرِّضْوَانِ ثُمْ ... مَنْ بَعْدَ صُلْح هَاجَرُوا وَبَعْدُ ضُمْ مُسْلِمَةَ الْفَتْح فَصِبْيَانٌ رَأَوْا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): في ذكر ترتيبهم في الفضل: (اعلم): أن أفضلهم على الإطلاق أبو بكر، ثم عمر ﵄، بإجماع أهل السنة، وممن حَكَى الإجماع على ذلك أبو العباس القرطبي، قال: ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع، ولا أهل البدع، وكذلك حكى الشافعي إجماع الصحابة والتابعين على ذلك، رواه عنه البيهقي في "الاعتقاد". وحكى المازري عن الخطابية تفضيل عمر، وعن الشيعة تفضيل علي، وعن الراوندية تفضيل العباس، وعن بعضهم الإمساك عن التفضيل. وحكى الخطابي عن بعض مشايخه أنه قال: أبو بكر خير، وعلي أفضل، وهذا تهافت من القول. وحكى القاضي عياض أن ابن عبد البر وطائفة ذهبوا إلى أن من مات منهم في حياته ﷺ أفضل ممن بقي بعده؛ لقوله ﷺ : "أنا شهيد على هؤلاء"، قال النوويّ: وهذا الإطلاق غير مرضيّ ولا مقبول.

стр. 1149

ثم عثمان، ثم علي، هذا قول جمهور أهل السنة، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وسفيان الثوري، وكافة أهل الحديث والفقه، والأشعري، والباقلاني، وكثير من المتكلمين؛ لقول ابن عمر ﵄: "كنا في زمن النبي ﷺ لا نَعْدِل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان". رواه البخاريّ، ورواه الطبراني في "الكبير" بلفظ أصرح، قال: "كنا نقول، ورسول الله ﷺ حيٌّ: أفضل هذه الأمة بعد نبيّها أبو بكر، وعمر، وعثمان، ويسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فلا يُنكره". وحكى الخطابي عن أهل السنة من الكوفة تقديم علي على عثمان، وبه قال أبو بكر ابن خزيمة، وهو رواية عن سفيان الثوري، ولكن آخر قوليه ما سبق. وحُكِي عن مالك التوقف بينهما، حكاه المازري عن "المدونة". وقال القاضي عياض: رجع مالك عن التوقف إلى تفضيل عثمان. قال القرطبي: وهو الأصح -إن شاء الله تعالى-. وتوقف أيضا إمام الحرمين. ثم التفضيل عنده وعند الباقلاني وصاحب المفهم ظني. وقال الأشعري: قطعي. وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀ بعد أن ذكر معنى الفضائل، وأن الفضائل المعتبرة هي التي عند الله تعالى: ما نصّه: وإذا تقرّر هذا فإذا قلنا: إن أحدًا من الصحابة ﵃ فاضل، فمعناه أن له منزلة عند الله تعالى، وهذا لا يُتوصل إليه بالعقل قطعًا، فلا بدّ أن يرجع ذلك إلى النقل، والنقل إنما يُتلقَّى من الرسول ﷺ ، فإذا أخبرنا الرسول بشيء من ذلك تلقّيناه بالقبول، فإن كان قطعيّا حصل لنا العلم بذلك، وإن لم يكن قطعيّا كان ذلك كسبيل المجتهدات، وإذا لم يكن لنا طريق إلى معرفة ذلك إلا بالخبر، فلا يَقطَع أحد بأن من صدرت منه أفعال دِينيّة، وخصال محمودة بأن ذلك قد بلّغه عند الله مَنْزِلة الفضل والشرف، فإن ذلك أمرٌ غيبٌ، والأعمال بالخواتيم، والخاتمة مجهولةٌ، والوقوف على المجهول مجهول، لكنّا إذا رأينا من أعانه الله على الخير، ويسّر له أسباب الخير رجونا له حصول تلك المنزلة عند الله تمسّكًا بقوله ﷺ : "إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله" قالوا: كيف يستعمله؟ قال: "يوفقه لعمل صالح قبل موته"، زاد في

стр. 1150

رواية: "ثم يقبضه عليه". (١)، وبما جاء في الشريعة من ذلك، ومن كان كذلك، فالظنّ أنه لا يخيب، ولا يُقطَعُ على المُغَيَّب. وإذا تقرّر هذا فالمقطوع بفضله، وأفضليّته بعد رسول الله ﷺ عند أهل السنّة، وهو الذي يُقطع به من الكتاب والسنّة أبو بكر الصدّيق، ثم عمر الفاروق، ولم يختلف في ذلك أحد من أئمة السلف، ولا الخلف، ولا مبالاة بأقوال أهل الشيع، ولا أهل البِدَع، فإنهم بين مكفَّر تُضرَب عنقه، وبين مُبَدَّع مُفَسَّق لا تُقبَل كلمته، وتُدحض حجته. وقد اختَلَف أئمة أهل السنّة في عليّ وعثمان ﵄، فالجمهور منهم على تقديم عثمان، وقد رُوي عن مالك أنه توقّف في ذلك، ورُوي عنه أنه رجع إلى ما عليه الجمهور، وهو الأصحّ -إن شاء الله- والمسألة اجتهاديّة، لا قطعيّةٌ، ومُستندها الكليّ أن هؤلاء الأربعة هم الذين اختارهم الله تعالى لخلافة نبيّه ﷺ ، ولإقامة دينه، فمراتبهم عنده على حسب ترتيبهم في الخلافة إلى ما يَنضاف إلى ذلك بما يشهد لكلّ واحد منهم من شهادات النبيّ ﷺ له بذلك تأصيلًا وتفصيلًا. قال: وهذا الباب بحرٌ لا يُدرك قَعْره، ولا يُنزَف غَمْرُه، وفيما ذكرناه كفايةٌ، والله تعالى وليّ التوفيق للهداية. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢)، وهو كلام نفيس، وبحث أنيس. وقال أبو منصور عبد القاهر التميمي البغدادي: أصحابنا مُجمِعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم تمام العشرة المشهود لهم بالجنة: سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوّام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، ثم أهل بدر، وهم ثلاثمائة وبضعة عشر، روى ابن ماجه عن رافع بن خديج ﵁ قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: "ما تعدون أهل

стр. 1151

بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين، قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة"، رواه البخاري وروه ابن ماجه بلفظ: "ما تَعُدُّون مَنْ شَهِد بدرًا فيكم؟ قال: خيارنا، قال: كذلك عندنا هم خيار الملائكة" (١). ثم أهل أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية، قال ﷺ : "لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة"، صححه الترمذي. وممن له مزية أهل العقبتين من الأنصار، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وهم من صلى إلى القبلتين، في قول سعيد بن المسيب، وطائفة منهم ابن الحنفية، وابن سيرين، وقتادة. وفي قول الشعبي أهل بيعة الرضوان. وفي قول محمد بن كعب القرظي، وعطاء بن يسار: أهل بدر. رَوَى ذلك سُنَيد عنهما بسند فيه مجهول، وضعيف، وسنيد ضعيف أيضًا. وروى القولين السابقين عمن ذُكر عبدُ بن حميد في "تفسيره"، وعبد الرزاق، وسعيد بن منصور في "سننه" بأسانيد صحيحة. وروى سنيد بسند صحيح إلى الحسن أنهم من أسلم قبل الفتح. وإلى ما تقدّم أشار في "ألفية الحديث" بقوله: ...................... ... وَالأَفْضَلُ الصِّدِّيقُ إِجْمَاعًا حَكَوْا وَعُمَرٌ بَعْدُ وَعُثْمانُ يِلي ... وَبَعْدَهُ أَوْ قَبْلُ قَوْلَانِ عِلي فَسَائِرُ الْعَشْرَةِ فَالْبَدْرِيَّهْ ... فَأُحُدٌ فَالْبَيْعَةُ الزَّكِيَّه وَالسَّابِقُونَ لهُمُ مَزِيَّهْ ... فَقِيلَ أَهْلُ الْبَيْعَةِ المرْضِيَّهْ وَقِيلَ أَهْلُ الْقِبْلَتَيْنِ أَوْ هُمُ ... بَدْرِيَّةٌ أَوْ قَبْلَ فَتْح أَسْلَمُوا [تنبيه]: ورد في أحاديث تفضيل أعيان من الصحابة كل واحد في أمر مخصوص، فروى الترمذي عن أنس ﵁ مرفوعًا: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد

стр. 1152

ابن ثابت، وأقرؤهم أُبَيّ بن كعب، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" (١). وروى الترمذي حديث: "أفرضكم زيد"، وصححه الحاكم بلفظ: "أفرض أمتي زيد". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): في التفضيل بين فاطمة وعائشة ﵄: (اعلم): أنه اختُلِف في التفضيل بينهما على ثلاثة أقوال: (الأول): تفضيل فاطمة ﵂. (الثاني): تفضيل عائشة ﵂. (الثالث): التوقف، والأصح تفضيل فاطمة، فهي بَضْعَةٌ منه ﷺ ، وقد صححه السبكي في "الحلبيات"، وبالغ في تصحيحه، وفي "الصحيح": في فاطمة ﵂: "سيدة نساء هذه الأمة". وروى النسائي عن حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "هذا ملك من الملائكة، استأذن ربه لِيُسَلِّم عليّ، وبشرني أن حسنا وحسينا سيدا شباب أهل الجنة، وأمهما سيدة نساء أهل الجنة". وفي مسند الحرث بن أبي أسامة بسند صحيح، لكنه مرسل: "مريم خير نساء عالمها، وفاطمة خير نساء عالمها". ورواه الترمذي موصولًا من حديث عليّ ﵁ بلفظ: "خير نسائها مريم، وخير نسائها فاطمة". قال الحافظ: والمرسل يفسر المتصل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية عشرة): في ذكر ما قيل في التفضيل بين زوجاته ﷺ ﵅: (اعلم): أن أفضل أزواجه ﷺ خديجة وعائشة ﵄، وفي التفضيل بينهما أوجه، حكاها النوويّ في "الروضة"، ثالثها: الوقف، واختار السبكي في "الحلبيات" تفضيل خديجة، ثم عائشة، ثم حفصة، ثم الباقيات سواء. وإلى ما ذُكر أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله: وَأَفْضَلُ الأَزْوَاج بِالتَّحْقِيقِ ... خَدِيجَةٌ مَعَ ابْنَةِ الصِّدِّيقِ

стр. 1153

وَفِيهِما ثَالِثُهَا الْوَقْفُ وَفي ... عَائِشَةٍ وَابْنَتِهِ الخُلْفُ قُفِي تَلِيهِهِما حَفْصَةُ فَالْبَوَاقِي ... ......................... والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة عشرة): في اختلاف العلماء في أول من أسلم من الصحابة ﵃: (الأول): أنه أبو بكر الصديق ﵁، قاله ابن عباس، وحسان، والشعبي، والنخعي في، آخرين، ويدل له ما رواه مسلم عن عمرو بن عَبَسَة ﵁ في قصة إسلامه، وقولِهِ للنبي ﷺ : من معك على هذا؟، قال: "حُرٌّ وعبد"، قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به. وروى الحاكم في "المستدرك" من رواية خالد بن سعيد، قال: سئل الشعبي مَن أول من أسلم؟ فقال: أما سمعت قول حسان [من البسيط]: إِذَا (١) تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ ... فَاذْكُرْ أَخَاكَ أبا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ أَتْقَاهَا وَأَعْدَلهَا ... بَعْدَ النَّبِيِّ وَأَوْفَاهَا بِمَا حَمَلَا وَالثَّانِيَ التَّالِيَ المُحْمُودَ مَشْهَدُهُ ... وَأَوَّلَ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَا وروى الطبراني في "الكبير" عن الشعبي قال: سألت ابن عباس، فذكره. وروى الترمذي من رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد ﵁ قال: قال أبو بكر: ألست أولَ من أسلم ... الحديث. وقيل: أول من أسلم هو علي بن أبي طالب ﵁، رواه الطبراني بسند صحيح، عن ابن عباس ﵄، وبسند ضعيف عنه مرفوعًا. ورواه الترمذي عنه من طريق أخرى موقوفًا. وروى الطبراني بسند فيه إسماعيل السُّديّ، عن أبي ذر وسلمان، قالا: أخذ رسول الله ﷺ بيد علي، فقال: إن هذا أول من آمن بي. ورواه أيضا عن سلمان. وروى أحمد في "مسنده" بسند فيه مجهول وانقطاع، عن علي مرفوعًا. وروى بسند آخر عنه قال: أنا أول من صلى. وروى ذلك أيضًا عن زيد بن أرقم، والمقداد بن الأسود،

стр. 1154

وأبي أيوب، وأنس، ويعلى بن مرة، وعفيف سنان، وخزيمة بن ثابت، وخباب بن الأرتّ، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري. وروى الحاكم في "المستدرك" من رواية مسلم الملائي قال: نبئ النبي ﷺ يوم الاثنين، وأسلم علي يوم الثلاثاء، وادعى الحاكم إجماع أهل التاريخ عليه، ونوزع في ذلك. وقال كعب بن زهير في قصيدة يمدحه فيها [من الطويل]: تدريب الراوي جـ: ٢ ص: ٢٢٧ إِنَّ عَلِيًّا لمَيْمُونٌ نَقِيبَتُهُ ... بِالصَّالحِاتِ مِنَ الأَعْمَالِ مَشْهُوُرُ صِهْرُ النَّبيِّ وَخَيْرُ النَّاس مُفْتَخَرًا ... فَكُلُّ مَنْ رَامَهُ بِالْفَخْرِ مَفْخُورُ صلَّى الطُّهُورَ مَعَ الأُمِّيِّ أَوَّلهُمْ ... قَبْلَ المعَادِ وَرَبُّ النَّاسِ مَكْفُورُ وقيل: أولهم زيد بن حارثة. قاله الزهري. وقيل: خديجة أم المؤمنين. قال النوويّ: وهو الصواب عند جماعة من المحققين، ورُوي ذلك عن ابن عباس، والزهري أيضًا، وهو قول قتادة، وابن إسحاق، وادّعَى الثعلبي فيه الإجماع، وأن الخلاف فيمن بعدها. ورواه أحمد في "مسنده"، والطبراني عن ابن عباس. وقال ابن عبد البر: اتّفقوا على أن خديجة أول من آمن، ثم علي بعدها، ثم ذكر أن الصحيح أن أبا بكر أول من أظهر إسلامه، ثم رَوَى عن محمد بن كعب القُرَظي أن عليا أخفى إسلامه من أبي طالب، وأظهر أبو بكر إسلامه، ولذلك شُبِّه على الناس. وروى الطبراني في "الكبير" من رواية محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده قال: صلى النبي ﷺ غداة الاثنين، وصلت خديجة يوم الاثنين من آخر النهار، وصلى علي يوم الثلاثاء. وقال ابن إسحاق: أول من آمن خديجة، ثم علي، ثم زيد بن حارثة، ثم أبو بكر، فأظهر إسلامه، ودعا إلى الله، فأسلم بدعائه عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فكان هؤلاء الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام. وذكر عمر بن شبة أن خالد بن سعيد بن العاص أسلم قبل علي، وقال غيره: إنه

стр. 1155

أولهم إسلامًا. وحكى المسعودي قولًا: إن أولهم خباب بن الأرت، وآخر: إن أولهم بلالٌ. ونقل الماوردي في "أعلام النبوة" عن ابن قتيبة أن أول من آمن أبو بكر بن أسعد الحميري. ونقل ابن سبع في "الخصائص" عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: كنت أولهم إسلامًا. وقال الحافظ العراقي: ينبغي أن يقال: إن أول من آمن من الرجال ورقة ابن نوفل؛ لحديث "الصحيحين" في بدء الوحي. قال ابن النوويّ: الأورع أن يقال: أولُ من أسلم من الرجال الأحرارِ أبو بكر، ومن الصبيان عليّ، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال. قال البرماوي: ويحكى هذا الجمع عن أبي حنيفة. قال ابن خالويه: أول امرأة أسلمت بعد خديجة لبابة بنت الحارث، زوجة العباس ﵃. وإلى اختيار الجمع المذكور أشار في "ألفية الحديث" بقوله: وَاخْتَلَفُوا أَوَّلهُمْ إِسْلَامَا ... وَقَدْ رَأَوْا جَمْعَهُمُ انْتِظَامَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ في الرِّجَالِ ... صِدِّيقُهُمْ وَزَيْدُ في الموَالِي وَفي النِّسَا خَدِيجَةٌ وَذِي الصِّغَرْ ... عَليُّ وَالرِّقِّ بِلَالٌ اشْتَهَرْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة عشرة): في ذكر آخر من مات من الصحابة ﵃: (اعلم): أن آخرهم موتًا على الإطلاق أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي ﵁ مات سنة مائة من الهجرة. قاله مسلم في "صحيحه". ورواه الحاكم في "المستدرك" عن خليفة ابن خياط. وقال خليفة في غير رواية الحاكم: إنه تأخر بعد المائة. وقيل: مات سنة اثنتين ومائة. قاله مصعب بن عبد الله الزبيري. وجزم ابن حبان، وابن قانع، وأبو زكريا بن منده، أنه مات سنة سبع ومائة. وقال وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه: كنت بمكة سنة عشر ومائة، فرأيت جنازةً، فسألت عنها، فقالوا: هذا أبو الطفيل. وصحّح الذهبي أنه سنة عشر.

стр. 1156

وأما كونه آخر الصحابة موتًا مطلقًا، فجزم به مسلم، ومصعب الزبيري، وابن منده، والمزي في آخرين، وفي صحيح مسلم عن أبي الطفيل: رأيت رسول الله ﷺ ، وما على وجه الأرض رجل رآه غيري. قال العراقي: وما حكاه بعض المتأخرين عن ابن دُرَيد من أن عِكراش بن ذؤيب تأخر بعد ذلك، وأنه عاش بعد الجمل مائة سنة، فهذا باطل، لا أصل له، والذي أوقع ابنَ دُرَيد في ذلك ابنُ قتيبة، فقد سبقه إلى ذلك، وهو إما باطلٌ، أو مؤول بأنه استكمل المائة بعد الجمل، لا أنه بقي بعدها مائة سنة. وأما قول جرير بن حازم: إن آخرهم موتًا سهل بن سعد، فالظاهر أنه أراد بالمدينة، وأخذه من قول سهل: لو متُ لم تسمعوا أحدًا يقول: قال رسول الله ﷺ ، إنما كان خطابه بهذا لأهل المدينة. وآخرهم موتًا قبله أنس بن مالك ﵁، مات بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، وقيل: اثنتين، وقيل: إحدى، وقيل: تسعين، وهو آخر من مات بها. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا مات بعده، ممن رأى رسول الله ﷺ إلا أبا الطفيل. وقال العراقي: بل مات بعده محمود بن الربيع بلا خلاف، في سنة تسع وتسعين، وقد رآه، وحَدَّث عنه، كما في "صحيح البخاري"، وكذا تأخر بعده عبد الله بن بُسْر المازني، في قول من قال: وفاته سنة ست وتسعين. وآخرهم موتًا بالمدينة سهل بن سعد الأنصاري ﵁، قاله ابن المديني، والواقدي، وإبراهيم بن المنذر، وابن حبان، وابن قانع، وابن منده، وادعى ابن سعد نفي الخلاف فيه، وكانت وفاته سنة ثمان وثمانين، وقيل: إحدى وتسعين، وقال قتادة: بل مات بمصر. وقال ابن أبي داود: بالإسكندرية. وقيل: السائب بن يزيد، قاله أبو بكر بن أبي داود، وكانت وفاته سنة ثمانين. وقيل: جابر بن عبد الله، قاله قتادة وغيره، قال العراقي: وهو قول ضعيف؛ لأن السائب مات بالمدينة بلا خلاف، وقد تأخر بعده، وقيل: بمكة، وكانت وفاته سنة

стр. 1157

اثنتين وسبعين، وقيل: ثلاث، وقيل: أربع، وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع، قال العراقي: وقد تأخر بعد الثلاثة محمود بن الربيع الذي عقل المجة، وتوفي بها سنة تسع وتسعين، فهو إذًا آخر الصحابة موتًا بها. وآخرهم بمكة تقدم أنه أبو الطفيل، وهو قول ابن المديني، وابن حبان، وغيرهما. وقيل: جابر بن عبد الله، قاله ابن أبي داود، والمشهور وفاته بالمدينة. وقيل: ابن عمر، قاله قتادة، وأبو الشيخ ابن حبان، ومات سنة ثلاث، وقيل: أربع وسبعين. وآخرهم بالكوفة عبد الله بن أبي أوفى، مات سنة ست وثمانين، وقيل: سبع، وقيل: ثمان. وقال ابن المديني: أبو جحيفة، والأول أصح، فإنه مات سنة ثلاث وثمانين. وقد اختُلف في وفاة عَمْرو بن حُريث، فقيل: سنة خمس وثمانين، وقيل: سنة ثمان وتسعين، فإن صح الثاني فهو آخر من مات من أهل بيعة الرضوان ﵃. وآخرهم موتًا بالشام عبد الله بن بُسْر المازني، قاله خلائق، ومات سنة ثمان وثمانين، وقيل: ست وتسعين، وهو آخر من مات ممن صلى للقبلتين، وقيل: آخرهم بالشام أبو أمامة الباهلي، قاله الحسن البصري، وابن عيينة، والصحيح الأول، فوفاته سنة ست وثمانين، وقيل: إحدى وثمانين، وحكى الخليلي في "الإرشاد" القولين بلا ترجيح، ثم قال: رَوَى بعضُ أهل الشام أنه أدرك رجلًا بعدهما، يقال له: الهدار، رأى النبي ﷺ ، وهو مجهول. وقيل: آخرهم بالشام واثلة بن الأسقع ﵁، قاله أبو زكريا بن منده، وموته بدمشق، وقيل: ببيت المقدس، وقيل: بحمص سنة خمس وثمانين، وقيل: ثلاث، وقيل: ست. وآخرهم بحمص عبد الله بن بُسر ﵁، وآخرهم بالجزيرة العُرْس بن عَمِيرة الكِنْديّ ﵁، وآخرهم بفلسطين أبو أُبَيّ عبد الله بن حَرَام ﵁, ربيب عبادة بن الصامت، وقيل: مات بدمشق، وقيل: ببيت المقدس. وآخرهم بمصر عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيدي ﵁، مات سنة ست وثمانين، وقيل: خمس، وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع، قاله الطحاوي، وكانت

стр. 1158

وفاته بسَفَط القُدُور، وتعرف الآن بسفط أبي تراب، وقيل: باليمامة، وقيل: إنه شهد بدرًا، ولا يصح، فعلى هذا هو آخر البدريين موتًا. وآخرهم باليمامة الْهِرْماس بن زياد الباهلي ﵁، سنة اثنتين ومائة، أو مائة، أو بعدها. وآخرهم بِبَرْقَةَ رُوَيفع بن ثابت الأنصاري ﵁، وقيل: بإفريقية، وقيل: بأنطابلس، وقيل: بالشام، ومات سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة ست وستين. وآخرهم بالبادية سلمة بن الأكوع ﵁، قاله أبو زكريا بن منده، والصحيح أنه مات بالمدينة، ومات سنة أربع وسبعين، وقيل: أربع وستين. وآخرهم موتًا بخراسان بُريدة بن الحصَيب ﵁، وآخرهم بسجستان العداء بن خالد بن هَوْذة ﵁، ذكرهما أبو زكريا بن منده، قال العراقي: وفي بُريدة نظر، فإن وفاته سنة ثلاث وسبعين، وقد تأخر بعده أبو بَرْزَة الأسلمي ﵁، ومات بها سنة أربع وسبعين. وآخرهم بأصبهان النابغة الجْعْدي ﵁، قاله أبو الشيخ، وأبو نعيم. وآخرهم بسمرقند الفضل بن العباس ﵄ (١). وقيل: آخر من مات بسمرقند قُثَم بن العباس، وبواسط لُبَيّ -مصغّرًا- ابن لَبَا -كعصا-، وآخر البدريين من الأنصار أبو أُسيد مالك بن ربيعة الساعديّ، أو أبو اليَسَر كعب بن عَمْرو، ومن البدريين المهاجرين سعد بن أبي وقّاص، وهو آخر العشرة المبشرين بالجنة أيضًا، وآخر أواجه ﷺ موتًا ميمونة ﵂، وقيل: أم سلمة، ورجّحه الحافظ (٢). وإلى ما تقدّم أشار في "ألفية الحديث" بقوله: ........................ ... وَآخِرُ الصِّحَابِ بِاتِّفَاقِ مَوْتًا أبو الطُّفَيْلِ وَهْوَ آخِرُ ... بِمَكَّةٍ وَقِيلَ فِيهَا جَابِرُ بِطَيْبَةَ السائِبُ أَوْ سَهْلٌ أنسْ ... بِبَصرَةٍ وَابْنُ أَبِي أَوْفَى حُبِسْ

стр. 1159

بِكُوفَةٍ وَقِيلَ عَمْرٌو أَوْ أبُو ... جُحَيْفة وَالشَّامُ فِيهَا صَوَّبُوا الْبَاهِلي أَوِ ابْنَ بُسْرٍ وَلَدَى ... مِصْرَ ابْنُ جَزْء وَابْنُ الأَكْوَع بَدَا وَالحبْرُ بِالطَّائِفِ وَالجعْدِيُّ ... بِأَصْبَهَانَ وَقَضى الْكِنْدِيُّ الْعُرْسُ في جَزِيرَةٍ بِبرقَةِ ... رُوَيْفِعُ الهرْمَاسُ بِالْيَمامَة وَقُبِضَ الْفَضْلُ بِسَمْرَقَنْدَا ... وَفي سِجِسْتَانَ الأَخِيرُ الْعَدَّا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (فوائد): (الأولى): أنه لا يُعرَف أبٌ وابنه شهدا بدرًا إلا مرثد وأبوه أبو مرثد بن الحصين الغنوي. قاله النوويّ. وأغرب من هذا ما أخرجه البغوي في "معجم الصحابة" قال: حدثنا ابن هانئ، حدثنا ابن بكير، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، أن مَعْنَ بن يزيد بن الأخنس السلميّ شَهِدَ هو وأبوه وجده بدرًا، قال: ولا نعلم أحدًا شهد هو وابنه وابن ابنه بدرًا مُسْلِمين إلا الأخنس. لكن تعقّب الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀ هذا، فقال: هذا لا يصحّ، وإنما الصحيح حديث أبي الجويرية، عن معن، أنه قال: بايعت رسول الله ﷺ أنا، وأبي، وجدّي. انتهى (١). وإلى هذا أشار في "ألفيّة الحديث" بقوله: النَّوَوِي مَا عَرَفُوا مَنْ شَهِدَا ... بَدْرًا مَعَ الْوَالِدِ إلَّا مَرْثَدَا وَالبغَوِيُّ زَادَ أَنَّ معنا ... وَأبهُ وَجَدَّهُ بِالمعْنَى (الثانية): قال ابن الجوزي ﵀: لا نَعرِف سبعة إخوة شهدوا بدرًا مسلمين إلا بني عفراء: معاذ، ومُعَوّذ، وإياس، وخالد، وغافل، وعوف، قال: ولم يشهدها مؤمن ابن مؤمنين إلا عمار بن ياسر، قال: ومن غريب ذلك امرأة لها أربعة إخوة، وعمان شهدوا بدرًا، أخوان وعمّ من المسلمين، وأخوان وعم من المشركين، وهي أم

стр. 1160

أبان بنت عتبة بن ربيعة، أخواها المسلمان: أبو حذيفة بن عتبة، ومصعب بن عمير، والعم المسلم معمر بن الحارث، وأخواها المشركان: الوليد بن عتبة، وأبو عزيز، والعم المشرك شيبة بن ربيعة. ولا يعرف سبعة إخوة أو تسعة، صحابة مهاجرون، إلا أولاد الحارث بن قيس السهمي، كلهم صحبوا، وهاجروا، وهم: بشر، وتميم، والحارث، والحجاج، والسائب، وسعيد، وعبد الله، ومعمر، وأبو قيس. ولا أربعة أدركوا النبي ﷺ متوالدون إلا عبد الله بن أسماء بنت أبي بكر الصديق ابن أبي قحافة، وإلا أبو عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة ﵃. وقال الحافظ: حجر وقد ذكروا أن أسامة وُلد له في حياة النبي ﷺ ، فعلى هذا يكون كذلك، إذ حارثة والد زيد صحابي، كما جزم به النذري في "مختصر مسلم"، وحديث إسلامه في "مستدرك الحاكم"، وكذا زيد، وأسامة، قال: وكذا إياس بن سلمة ابن عمرو بن الأكوع الأربعة، ذُكروا في الصحابة، وطلحة بن معاوية بن جاهمة بن العباس بن مِرْداس في أمثلة أخرى لا تصح. وإلى ما ذُكر أشار في "ألفيّة الحديث" بقوله: وَأَرْبَعٌ تَوَالَدُوا صَحَابَهْ ... حَارِثَةُ الموْلَى أبو قُحَافَه (الثالثة): ليس في الصحابة من اسمه عبد الرحيم، بل ولا من التابعين، ولا من اسمه إسماعيل، من وجه يصح، إلا واحد بصري، روى عنه أبو بكر بن عُمارة حديث: "لا يلج النار أحدٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها"، أخرجه ابن خزيمة (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
следующие страницы →