٥ - (جبير بن نفير) بنون، وفاء مصغّرًا - ابن مالك بن عامر الحضرميّ، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله الحمصيّ، ثقة، جليل، مخضرم [٢].
أدرك زمان النبي ﷺ ، وروى عنه، وعن أبي بكر الصديق مرسلا، وعن عمر ابن الخطاب ﵁، وفي سماعه منه نظر، وعن أبيه، وأبي ذر، وأبي الدرداء، والمقداد بن الأسود، وخالد بن الوليد، وعبادة بن الصامت، وابن عمر، ومعاوية، والنواس بن سمعان، وثوبان، وعقبة بن عامر الجهني، وخلق.
وروى عنه ابنه عبد الرحمن، ومكحول، وخالد بن معدان، وأبو الزاهرية، وأبو عثمان، وليس بالنهدي، وحبيب بن عبيد، وصفوان بن عمرو، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقة، من كبار تابعي أهل الشام. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو زرعة الدمشقي: رفع دُحيم من شأن جبير بن نفير، وقَدّم أبا إدريس عليه. وقال النسائي: ليس أحدٌ من كبار التابعين أحسن روايةً عن الصحابة من ثلاثة: قيس بن أبي حازم، وأبي عثمان النهدي، وجُبير بن نُفير. وقال ابن حبان في ثقات التابعين: أدرك الجاهلية، ولا صحبة له. وقال سليم بن عامر عن جبير: استقبلت الإسلام من أوله.
وقال أبو زرعة: هو أسن من إدريس (١) لأنه قد ثبت له إدراك عمر، وسمع كتابه يقرأ بحمص. وقال ابن سعد: كان ثقة فيما يروي من الحديث. وقال ابن خراش: هو من أجل تابعي الشام. وكذا قال الآجري عن أبي داود. وقال العجلي: شامي تابعي ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: مشهور بالعلم. وذكره الطبري في طبقات الفقهاء. وقال معاوية ابن صالح: أدرك إمارة الوليد بن عبد الملك. انتهى.
قال الحافظ: فإن صح ذلك، فيكون عاش إلى سنة بضعٍ؛ لأن الوليد ولي سنة (٨٦) والله أعلم.
قال أبو حسان الزيادي: مات سنة (٧٥) وكان جاهليًّا أسلم في خلافة أبي بكر،
стр. 107
ويقال: مات سنة (٨). روى له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، وله عند المصنف سبعة أحاديث، برقم -٥ و ١٣٢٧ و ٢٧٠٧ و ٤٠٧٥ و ٤٠٧٦ و ٤٠٨٩ و ٤٢٥٣. والله تعالى أعلم.
٦ - (أبو الدرداء) عويمر بن مالك، وقيل: ابن عامر، وقيل: ابن ثعلبة، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: ابن زيد بن قيس بن أمية بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج الأنصاري، أبو الدرداء الخزرجي. وقال الْكُدَيمي عن الأصمعي: اسمه عامر، وكانوا يقولون له: عويمر، وكذا قال عمرو بن علي عن بعض ولده. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن عائشة، وزيد بن ثابت. وروى عنه ابنه بلال، وزوجته أم الدرداء، وفضالة بن عبيد، وأبو أمامة، ومعدان بن أبي طلحة، وأبو إدريس الخولاني، وأبو مرة، مولى أم هانئ، وأبو حبيبة الطائي، وأبو السفر الهمداني مرسل، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وجبير بن نفير، وسويد بن غَفَلَة، وزيد بن وهب، وصفوان بن عبد الله بن صفوان، وعلقمة بن قيس، وكثير بن قيس، وسعيد بن المسيِّب، وأبو بحرية عبد الله بن قيس، وكثير بن مرة، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن كعب القرظي، وهلال بن يساف، وآخرون.
قال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: أسلم يوم بدر، وشهد أحدا، وأبلى فيها، وقال الأعمش، عن خيثمة عنه قال: كنت تاجرا قبل البعثة، فزاولت بعد ذلك التجارة والعبادة، فلم يجتمعا، فأخذت العبادة، وتركت التجارة.
وقد علّق على هذا الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى، فقال: الأفضل جمع الأمرين مع الجهاد، وهذا الذي قاله هو طريق جماعة من السلف، والصوفيّة، ولا ريب أن أمزجة الناس تختلف في ذلك، فبعضهم يَقوَى على الجمع، كالصدّيق، وعبد الرحمن بن عوف، وكما كان ابن المبارك، وبعضهم يعجِز، ويقتصر على العبادة، وبعضهم يقوى في بدايته، ثم يعجز، وبالعكس، وكلّ سائغ، ولكن لا بدّ من النهضة بحقوق الزوجة
стр. 108
والعيال. انتهى كلام الذهبيّ (١).
وقال صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد: قال رسول الله ﷺ يوم أحد: "نعم الفارس عويمر"، وقال: "حكيم أمتي"، ومناقبه وفضائله كثيرة جدا. قال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: مات أبو الدرداء، وكعب الأحبار، في خلافة عثمان لسنتين بقيتا من خلافته. وقال الواقدي، وغير واحد: مات سنة اثنتين وثلاثين. وقال ابن حبان: ولاه معاوية قضاء دمشق بأمر عمر بن الخطاب. وقال ابن سعد: آخى النبي ﷺ بينه وبين عوف بن مالك. وقال ابن عبد البر: قال طائفة من أهل الأخبار: مات بعد صفين، قال: والأصح عند أهل الحديث أنه توفي في خلافة عثمان. وصحح ابن الحذاء قول البخاري: إنه عويمر بن زيد. وقال عمرو بن علي عن بعض ولده: مات قبل عثمان بسنة.
أخرج له الجماعة، روى (١٧٩) حديثًا، اتفق الشيخان على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم، بثمانية. وأخرج له المصنف ستة وعشرين حديثا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه مسلسلٌ بالشاميّين، فالوليد، وجُبير حمصيان، والباقون دمشقيون.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء، وكلاهما للاتصال على الوجه الذي تقدّم بيانه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الدرْدَاءِ) عويمر بن مالك ﵁، أنه (قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ ) أي من حجرته، أو من الموضع الذي كان فيه (وَنَحْنُ نَذْكرُ الْفَقْرَ) جملة في محل نصب على الحال، أي والحال أننا نذكر آثار الفقر، وبؤسه (وَنَتَخَوَّفُهُ) بتشديد الواو: أي نظهر
стр. 109
الخوف من لحوقه بنا (فَقَالَ) ﷺ (آالْفَقْرَ تخَافُونَ) بهمزة الاستفهام، ونصب "الفقرَ" على أنه مفعول مقدّم لـ "تخافون" (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَد) قسم منه ﷺ بالله الذي نفسه ﷺ بيده يتصرّف فيها كيف شاء، وفيه إثبات اليد لله تعالى على ما يليق بجلاله. وقوله (لتصَبَنَّ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا صَبًّا) جواب القسم (حَتَّى لَا يُزِيغَ) بضم أوله من الإزاغة: بمعنى الإمالة عن الحقّ. قال الفيّوميّ: زاغت الشمس تَزيغ زَيْغًا: مالت، وزاغ الشيءُ كذلك، ويزوغ زَوغًا لغةٌ، وأزاغه إزاغة في التعدّيّ. انتهى. وقال ابن منظور: الزَّيْغُ: الميل، زاغ يَزيغ زَيغًا، وزَيَغَانًا، وزُيوغًا، وزَيْغُوغةً، وأزغتُهُ أنا إزاغةً، وهو زائغ، وقوم زاغةٌ عن الشيء: أي زائغون، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]: أي لا تُملنا عن الهدى والقصد، ولا تُضلّنا. وقيل: لا تُزغ قلوبنا: لا تتعبّدنا بما يكون سببًا لزيغ قلوبنا، والواو لغة -يعني زاغ يزوغ بالواو لغة لبعض العرب- انتهى.
(قَلْبَ أَحَدِكُمْ) بنصب "قلب" على أنه مفعول به لـ "يزيغ" (إِزَاغَةً) مفعول مطلق لـ "يزيغ" (إِلَّا هِيهْ) استناء مفرّغ، و"هي" ضمير الدنيا في محل رفع فاعل "يزيغ"، والهاء للسكت. وقال بعض من كتب هنا: قوله: "حتى لا يزيغ الخ": أي حتى لا يُميل قلب أحدكم إمالةً إلا طلب الزيادة، و"هيه" بسكون الياء كلمة يُستزاد بها الشيء. ويحتمل أن يكون بفتح الياء، والهاء في آخره للوقف، و"هي" ضمير مؤنث غائب يرجع إلى "الدنيا": أي حتى لا يميل قلبَ أحدكم إلا الدنيا. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الأقرب، كما قررناه سابقًا. والله تعالى أعلم.
(وَايْمُ الله) بهمزة الوصل بمعنى يمين الله، وهو مبتدأ خبره محذوف: أي قسمي، أو بالعكس: أيَ قمسي: ايم الله (لَقَدْ ترَكْتكُمْ) قال السنديّ: أي ما فارقتكم بالموت، فصيغة الماضي بمعنى الاستقبال، أو اجتهدت في إصلاح حالكم حتى صرتم على هذه الحال التي تركتكم عليها، واشتغلت عنها بأمور أُخَر، كالعبادة، فصيغة الماضي على معناها. انتهى.
(عَلَى مِثْلِ الْبيضَاءِ) قال السنديّ رحمه الله تعالى: ظاهر السوق أن هذا بيان لحال
стр. 110
القلوب، لا لحال الملّة، والمعنى: على قلوب هي مثل الأرض البيضاء ليلًا ونهارًا، ويحتمل أن يكون لفظ المثل مقحمًا، والمعنى: على قلوب بيضاء نقيّة عن الميل إلى الباطل، لا يُميلها عن الإقبال على الله تعالى السرّاء والضرّاء، فليُفهم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يبعد أن يكون المراد الملّةَ، فيكون المعنى: لقد تركتكم على ملّة مثل الشمس في الظهور والوضوح، وعدم اللبس على أحد ممن يُبصر، أما الأعمى، فإنه لا ينتفع بظهورها؛ لخلل من جهته، لا من جهتها، لكن لا يضرّها عدم إبصاره لها، وإنما يتضرّر هو، كما قيل [من البسيط]:
مَا ضَرَّ شَمْسَ الضُّحَى في الأُفْقِ طَالِعَةً ... أَنْ لَا يَرَى نُورَهَا مَنْ لَيْسَ ذَا بَصَرِ
فكذلك ملة الإسلام إنما ينتفع بها من فتح الله قلبه، وهداه إليها، ولا ينقص قدرها بإعراض من كتب الله عليه الشقاء الأبديّ، وإنما ينقص هو نفسه.
ولمّا كانت الشمس المشبه بها أنقص حالًا من المشبّه، حيث يتغيّر حالها بتغير الأوقات، فإنها تظهر نهارًا، ويتمّم سلطانها فيه، وتختفي ليلًا، فيذهب سلطانها فيه، بخلاف المشبه، وهي الملة، فإن تمام ظهورها، وإشراقها لا يتغيّر بتغير الأحوال والأزمان، بل هو على حدّ سواء دائمًا، بيّن ذلك، وأوضحه، فقال: (لَيْلُهَا وَنهَارُهَا سَوَاءٌ) أي كلّ أزمانها وأحوالها متساوية في الوضوح والظهور، لا يتغيّر، ولا يتحول، وإن تغير الزمان والمكان، بل يبقى على ما هو عليه حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولهذا المعنى أتبعه المصنف رحمه الله تعالى بحديث: "لا تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرّهم من خذلهم حتى تقوم الساعة"، اللهم اجعلنا من الطائفة المنصورة، آمين.
(قَالَ أبو الدَّرْدَاءِ) ﵁ (صَدَقَ) فعل ماض، وفاعله "رسول الله"، وقوله: (وَاللهَ) قسم اعتُرض به بين الفعل والفاعل للتأكيد (رَسُولُ الله ﷺ ، ترَكَنَا وَالله عَلَى مِثْلِ الْبيضَاءِ) أي على ملّة واضحة الإشراق، كوضوح إشراقَ الشمس (لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ) أي متساوية، لا تختلف بأي حال من الأحوال في الاهتداء بها، والوصول إلى الغرض المطلوب، وهو الظفر بسعادة الدارين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
стр. 111
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي الدرداء ﵁ هذا من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا - ١/ ٥ - وهو حديث صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ؛ وفيه هشام بن عمّار، ومحمد بن عيسى، وقد تقدم أنه تُكُلّم فيهما، كما سبق في ترجمتهما؟.
[قلت]: حديثهما لا ينزل عن درجة الحسن، ولذا حسّنه الشيخ الألبانيّ، في "صحيح ابن ماجه"، وفي "السلسلة الصحيحة" ٢/ ٣٠٨ برقم (٦٨٨).
وللحديث شواهد يصحّ بها منها: حديث العرباض بن سارية ﵁، أخرجه أحمد في "مسنده" برقم (١٦٥١٩)، وسيأتي للمصنّف برقم (٤٣) ولفظه:
"وَعَظَنا رسول الله ﷺ موعظةَ ذَرَفَت منها العيون وَوَجِلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مُوَدِّع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: "قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ... " الحديث. وهو حديث صحيح، كما سيأتي الكلام عليه في موضعه، إن شاء الله تعالى.
ومنها: حديث عوف بن مالك ﵁ أخرجه أحمد في "مسنده " (٢٢٨٥٧) فقال: حدثنا حيوة، قال: أنبأنا بقية بن الوليد، قال: حدثني بَحِير بن سَعْد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن عوف بن مالك أنه قال "إن رسول الله ﷺ قام في أصحابه فقال: "الفقر تخافون؟ أو العَوَز، أوتُهِمُّكم الدنيا، فإن الله فاتح لكم أرض فارس والروم، وتُصَبّ عليكم الدنيا صَبًّا، حتى لا يَزِيغكم بعدي إن أزاغكم إلا هي".
وهذا حديث صحيح الإسناد رجاله ثقات.
ومنها: حديث عمرو بن عوف الأنصاريّ ﵁، أخرجه الشيخان في "صحيحيهما"، وسيأتي لفظه في المسألة التالية، وفيه: "فوالله ما الفقر أخشى عليكم،
стр. 112
ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم"، وفي لفظ: "وتهلككم كما أهلكتهم".
والحاصل أن الحديث صحيح بهذه الشواهد، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب اتباع سنة رسول الله ﷺ ، فهي ملته التي ترك أمته عليها واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.
٢ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوة، حيث أخبر ﷺ بأن أمته ستفتح لها الدنيا بحذافيرها، وتصبّ عليها صب الماء المنهمر، وينغمسون فيها، فتستولي على قلوبهم؛ إلا من عصمه الله تعالى بالتقوى والورع.
٣ - (ومنها): التحذير عن الاغترار بالدنيا، والانخداع لها، والتنافس فيها، وقد أخرج الشيخان في "صحيحيهما" من حديث عمرو بن عوف الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين، يأتي بجزيتها، وكان رسول الله ﷺ هو صالح أهل البحرين، وأَمّر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافت صلاة الصبح مع النبي ﷺ ، فلما صلى بهم الفجر انصرف، فتعرضوا له، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم، وقال: "أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟ "، قالوا: أجل يا رسول الله، قال: "فأبشروا، وأمّلوا ما يسركم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها، كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم".
وأخرجا أيضًا من حديث عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ ، خرج يوما، فصلى على أهل أُحُد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر، فقال: "إني فرطكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن
стр. 113
تنافسوا فيها".
ولفظ مسلم: فقال: "إني فرطكم على الحوض، وإن عرضه كما بين أَيْلة إلى الجحفة، إني لست أخشى عليكم أن تُشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، وتقتتلوا، فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم"، قال عقبة: فكانت آخر ما رأيت رسول الله ﷺ على المنبر.
٤ - (ومنها): أنه قد يُستدلّ بهذا الحديث على أن الفقر أفضل من الغنى؛ لأن زيغ القلب بالدنيا والغنيّ هو الذي عنده الدنيا، فهو مظنة الوقوع في زيغ قلبه الذي يجرّ إلى الهلاك غالبًا، والفقير آمنٌ من ذلك.
٥ - (ومنها): أن فيه بيان وضوح الملة، فلا تلتبس على من أراد سلوكها، والتمسك بها، وأنه لا يزيغ عنها إلا من كتب عليه الشقاء المؤبّد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
٦ - (حَدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حدثنا مُحَمدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدثنا شُعْبةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّة، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمتي مَنْصُورِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلهُمْ، حَتَى تَقُومَ الساعَةُ) *
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن بشار) بن عثمان بن داود بن كيسان العبديّ، أبو بكر الحافظ البصريّ، المعروف بـ "بندار"، ثقة [١٠].
رَوَى عن عبد الوهاب الثقفي، وغندر، وروح بن عبادة، وحرمي بن عمارة، وابن أبي عدي، ومعاذ بن هشام، ويحيى القطان، وابن مهدي، وأبي داود الطيالسي، ويزيد بن زريع، ويزيد بن هارون، وخلق كثير.
وروى عنه الجماعة، وروى النسائي عن أبي بكر المروزي، وزكرياء السجزي عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وبقي بن مخلد، وعبد الله بن أحمد، وابن ناجية، وإبراهيم
стр. 114
الحربي، وابن أبي الدنيا، وزكرياء الساجي، وأبو خليفة، وابن خزيمة، وآخرون.
قال ابن خزيمة: سمعت بندارا يقول: اختلفت إلى يحيى بن سعيد القطان أكثر من عشرين سنة، قال بندار: لو عاش يحيى بعد تلك المدة، لكنت أسمع منه شيئا كثيرا. وقال الآجري عن أبي داود: كتبت عن بندار نحوا من خمسين ألف حديث، وكتبت عن أبي موسى شيئا، ولولا سلامةٌ في بندار تُرك حديثه، وقال إسحاق بن إبراهيم الفزاري: كنا عند بندار، فقال في حديث عن عائشة قال: قالت رسول الله ﷺ ، فقال له رجل يسخر منه: أعيذك بالله ما أفصحك؟ فقال: كنا إذا خرجنا من عند روح، دخلنا إلى أبي عبيدة، فقال: قد بان ذلك عليك، وقال العجلي: بصري ثقة، كثير الحديث، وكان حائكًا. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: صالح لا بأس به. وقال عبد الله بن محمد بن يونس السختياني: كان أهل البصرة يقدمون أبا موسى علي بندار، وكان الغرباء يقدمون بندارا، وقال ابن حبان في "الثقات": كان يحفظ حديثه، ويقرؤه من حفظه. وقال ابن خزيمة في "التوحيد": ثنا إمام أهل زمانه محمد بن بشار. وقال البخاري في "صحيحه": كتب إلي بندار، فذكر حديثا مسندا، ولولا شدة وثوقه ما حدث عنه بالمكاتبة، مع أنه في الطبقة الرابعة من شيوخه، إلا أنه كان مكثرا، فيوجد عنده ما ليس عند غيره. وقال مسلمة بن قاسم: أنا عنه ابن المهراني، وكان ثقة مشهورا. وقال الدارقطني: من الحفاظ الأثبات. وقال الذهبي: لم يرحل، ففاته كبار، واقتنع بعلماء البصرة، أرجو أنه لا بأس به.
قال السراج: سمعت أبا سيار يقول: سمعت بندارا يقول: وُلدت في السنة التي مات فيها حماد بن سلمة، ومات حماد سنة (٦٧). وقال البخاري وغير واحد: مات في رجب سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
روى عنه المصنف في هذا الكتاب مائتين واثنين وثلاثين حديثًا (٢٣٢).
٢ - (محمد بن جعفر) الهُذَليّ مولاهم، أبو عبد الله البصريّ المعروف بـ "غُندر"، صاحب الكرابيس، ثقة، صحيح الكتاب، إلا أن فيه غفلة [٩].
стр. 115
رَوَى عن شعبة، فأكثر، وجالسه نحوا من عشرين سنة، وكان ربيبه، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وعوف الأعرابي، ومعمر بن راشد، وسعيد بن أبي عروبة، وحسين المعلم، وابن جريج، وهشام بن حسان، وعثمان بن غياث، والثوري، وابن عيينة.
ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وقتيبة، ويعقوب الدورقي، وبندار، وخلق كثير.
قال الميموني عن أحمد: غندر أسن من يحيى بن سعيد، سمعته يقول: لزمت شعبة عشرين سنة، لم أكتب من أحد غيره شيئا، وكنت إذا كتبت عنه، عرضته عليه. قال أحمد: أحسبه من بلادته كان يفعل هذا. وقال عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين: كان من أصح الناس كتابا، وأراد بعضهم أن يخطئه، فلم يقدر، وكان يصوم منذ خمسين سنة يوما ويوما لا. قال ابن المديني: هو أحب إلي من عبد الرحمن في شعبة. وقال ابن مهدي: كنا نستفيد من كتب غندر في شعبة. وكان وكيع يسميه الصحيح الكتاب. وقال أبو حاتم عن محمد بن أبان البلخي: قال ابن مهدي: غندر أثبت في شعبة مني. وقال ابن المبارك: إذا اختلف الناس في حديث شعبة، فكتاب غندر حَكَمٌ بينهم. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن غندر؟ فقال: كان صدوقا، وكان مؤدبا، وفي حديث شعبة ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من خيار عباد الله، ومن أصحهم كتابا، على غفلة فيه. وقال العيشي: إنما سماه غندرا ابن جريج، كان يكثر التشغب عليه، قال: وأهل الحجاز يسمون المشغب غندرا، وقال العجلي: بصري ثقة، وكان من أثبت الناس في حديث شعبة. ورُوي عن ابن معين قال: قدمنا على غندر، فقال: لا أحدثكم حتى تمشوا خلفي، فيراكم أهل السوق، فيكرموني.
قال أبو داود، وابن حبان: مات في ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين ومائة. وقال ابن سعد: مات سنة (٩٤)، وقال: كان ثقة إن شاء الله. وقال البخاري: حدثني محمد بن المثنى، قال: مات غندر سنة (٩٢).
روى له الجماعة، وله عند المصنّف مائة وثلاثة أحاديث (١٠٣).
стр. 116
٣ - (شعبة) بن الحجاج بن الورد الْعتكيّ الأزديّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقة، حافظ، متقنٌ، أمير المؤمنين في الحديث، وأول من فتّش عن الرجال بالعراق، وذبّ عن السنة، وكان عابدًا [٧].
رَوَى عن أبان بن تغلب، وإبراهيم بن عامر بن مسعود، وجامع بن شداد، وجبلة بن سحيم، وجعدة بن أم هانئ، وجعفر الصادق، وحسين المعلم، وحصين بن عبد الرحمن، والحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان، ومسعر بن كدام، وخلق كثير.
ورَوَى عنه أيوب، والأعمش، وسعد بن إبراهيم، ومحمد بن إسحاق، وهم من شيوخه، وجرير بن حازم، والثوري، والحسن بن صالح، وغيرهم من أقرانه، ويحيى القطان، وابن مهدي، ووكيع، وابن إدريس، وابن المبارك، ويزيد بن زريع، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، ومحمد بن جعفر غندر، وخلق كثير.
قال أبو طالب عن أحمد: شعبة أثبت في الحكم من الأعمش، وأعلم بحديث الحكم، ولولا شعبة ذهب حديث الحكم، وشعبة أحسن حديثا من الثوري، لم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث، ولا أحسن حديثا منه، قُسم له من هذا حظ، وروى عن ثلاثين رجلا من أهل الكوفة، لم يرو عنهم سفيان. وقال محمد بن العباس النسائي: سألت أبا عبد الله من أثبت، شعبة أو سفيان؟ فقال: كان سفيان رجلا حافظا، وكان رجلا صالحا، وكان شعبة أثبت منه، وأنقى رجلا، وسمع من الحكم قبل سفيان بعشر سنين. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن -يعني في الرجال- وبصره بالحديث، وتثبته، وتنقيته للرجال. وقال معمر: كان قتادة يسأل شعبة عن حديثه. وقال حماد بن زيد: قال لنا أيوب: الآن يقدَم عليكم رجل من أهل واسط، هو فارس في الحديث، فخذوا عنه. وقال أبو الوليد الطيالسي: قال لي حماد بن سلمة: إذا أردت الحديث فالزم شعبة. وقال حماد بن زيد: ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة، فإذا خالفني شعبة في شيء تركته. وقال ابن مهدي: كان الثوري يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث. وقال الثوري لسَلْم بن قتيبة: ما فعل أُستاذنا شعبة. وقال أبو
стр. 117
قطن عن أبي حنيفة: نعم حشو المصر هو. وقال الشافعي: لولا شعبة ما عُرف الحديث
بالعراق. وقال أبو زيد الهروي: قال شعبة: لأن أتقطع أحبّ إلي من أن أقول لما لم
أسمع: سمعتُ. وقال يزيد بن زريع: كان شعبة من أصدق الناس في الحديث. وقال
أبو بحر البكراوي: ما رأيت أعبد لله من شعبة، لقد عبد الله حتى جف جلده على ظهره. وقال مسلم بن إبراهيم: ما دخلت على شعبة في وقت صلاة قط، إلا رأيته قائما يصلي. وقال النضر بن شميل: ما رأيت أرحم بمسكين منه. وقال قراد أبو نوح: رأى علي شعبة قميصا، فقال بكم أخذت هذا؟ قلت: بثمانية دراهم، قال لي: ويحك أما تتقي الله، تلبس قميصا بثمانية، ألا اشتريت قميصا بأربعة، وتصدقت بأربعة، قلت: أنا مع قوم نتجمل لهم، قال: أيشٍ نتجمل لهم. وقال وكيع: إني لأرجو أن يرفع الله لشعبة في الجنة درجات؛ لذبه عن رسول الله ﷺ .
وقال صالح جزرة: أول من تكلم في الرجال شعبة، ثم تبعه القطان، ثم أحمد ويحيى. وقال ابن سعد: توفي أول سنة (١٦٠) بالبصرة. وقال ابن حبّان: ولد سنة (٨٣) ومات سنة (١٦٠) وله (٧٧) سنة، وكان من سادات أهل زمانه حفظا وإتقانا، وورعا وفضلا، وهو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين، وجانب الضعفاء والمتروكين، وصار عَلَمًا يُقتدَى به، وتبعه عليه بعده أهل العراق. وذكر ابن أبي خيثمة أنه مات في جمادى الآخرة.
روى له الجماعة، له عند المصنّف مائة وثمانون حديثًا (١٨٠).
[تنبيه]: جملة من اسمه شعبة في الكتب الستة ثلاثة:
(الأول): هذا الإمام المشهور، وهو في الستة كلها.
(والثاني): شعبة بن دينار الكوفيّ، لا بأس به [٦] عند النسائيّ فقط.
(والثالث): شعبة بن دينار الهاشمي مولى ابن عباس المدنيّ، صدوقٌ، سيىء الحفظ [٤]، عند أبي داود فقط، والله تعالى أعلم.
٤ - (معاوية بن قرة) بن إياس بن هلال بن رئاب المزني أبو إياس البصري، ثقة،
стр. 118
عالم [٣].
رَوَى عن أبيه، ومعقل بن يسار المزني، وأبي أيوب الأنصاري، وعبد الله بن مغفل، وعدّة. ورَوَى عنه ابنه إياس، وابن ابنه المستنير بن أخضر بن معاوية، وثابت البناني، وحزم بن أبي حزم، وبسطام بن مسلم، وشعبة، وأبو عوانة، وآخرون.
قال معاوية بن صالح عن يحيى بن معين: ثقة. وكذا قال العجلي، والنسائي، وأبو حاتم. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مطر الأعنق عن معاوية بن قرة: لقيت من الصحابة كثيرا، منهم خمسة وعشرون من مزينة. قال خليفة وغيره: مات سنة ثلاث عشرة ومائة. وقال يحيى بن معين: مات وهو ابن ست وسبعين سنة. وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: معاوية بن قرة، عن علي مرسل. وقال أبو حاتم: لم يلق ابن عمر. وقال ابن حبان: كان من عقلاء الرجال. وقال الشافعي: روايته عن عثمان منقطعة. روى له الجماعة. وله عند المصنف ثمانية أحاديث، برقم (٦) و ٤١٩ و ٤٢٠ و ١٠٠٢ و ٢٦٠٨ و ٢٧٠٥ و ٣٥٧٨ و ٣٩٨٥.
٥ - (قرة) بن إياس بن هلال بن رئاب المزني، أبو معاوية البصري، صحابيّ رَوَى عن النبي ﷺ ، وعنه ابنه معاوية، قال ابن عبد البر: سكن البصرة، ولم يرو عنه غير ابنه، ويقال له: قرة بن الأغر، قُتل في حرب الأزارقة، مع عبد الرحمن بن عبيس في زمن معاوية. وقع ذكره في البخاري ضمنا في أثر معلق في "كتاب الصلاة". وقد أرخه ابن سعد، وخليفة، وأبو عروبة، وابن حبان، وغيرهم سنة (٦٤) فيكون ذلك في زمن معاوية ابن يزيد بن معاوية، وذكره ابن سعد في طبقة الخندقيين. روى له البخاري في "الأدب المفرد"، والأربعة، له اثنان وعشرون حديثًا، روى له المصنف منها خمسة أحاديث برقم ٦ و ١٠٢ و ٢٦٠٨ و ٢٧٠٥ و ٣٥٧٨. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى الصحابي، فمن
стр. 119
رجال الأربعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
٦ - (ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنة، وهي من صيغ الاتصال على الأصحّ في "عن" من غير المدلّس، كما تقدّم البحث فيه مستوفًى قريبًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ قُرَّة) المزنيّ ﵀ (عَنْ أَبِيهِ) قرّة بن إياس المزنيّ ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لَا تَزَالُ) نافية، و"تزال" مضارع "زَيِلَ" كعلِم، قال الفيّوميّ: وما زال يفعل كذا، ولا أزال أفعله لا يُتكلّم به إلا بحرف النفي، والمراد به ملازمةُ الشيء، والحالُ الدائمة، مثل "ما بَرِحَ" وزنًا ومعنى، وقد تكلّم به بعض العرب على أصله، فقال: ما زَيِلَ زيدٌ يفعل كذا. انتهى.
وهي من الأفعال التي ترفع الاسم، وتنصب الخبر، واسمها قوله: (طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي) أي جماعة منهم، قال الفيّومي: الطائفة: الفرقة من الناس، والطائفة: القطعة من الشيء، والطائفة من الناس الجماعة، وأقلّها ثلاثة، وربّما أُطلقت على الواحد والاثنين. انتهى.
وقال القرطبيّ في "المفهم" ٣/ ٧٦١: الطائفة الجماعة، وهم الذين قال الله تعالى
في حقهم: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١].
والطائفة في الأصل: هي القطعة من الشيء، يقال: طائفة من كذا: أي قطعة منه، وهي من الناس الجماعة. قال مجاهد: هم من الواحد إلى الألف، وكذلك قال النخعيّ. وقال عطاء: أقلّه رجلان، فصاعدًا. وقال الزهري: ثلاثة فصاعدًا. والطائفة هي الفرقة التي يُمكن أن تكون حلقة، وكأنها الجماعة الحافّة حول الشيء، أقلّها ثلاثة، أو أربعة. انتهى كلام القرطبيّ.
وقوله: (مَنْصُورِينَ) منصوب على أنه خبر "يزال": أي منصورين على عدوّهم،
стр. 120
وغالبين لهم، كما قال في الحديث الآخر: "يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوّهم ... " الحديث (لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلهُمْ) أي ترك نُصرتهم، وإعانتهم، يقال: خذلته، من باب قتل: إذا تركت نصرته، وإعانته، وتأخّرت عنه، والاسم الخذلان، وخذّلته بالتشديد تخذيلًا: حملته على الفشل، وترك القتال. قاله الفيّومي (حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) أي إلى أن تقرب الساعة بإتيان العلامة، وهي الريح التي تقبض روح كلّ مؤمن ومؤمنة، فقد أخرج مسلم رحمه الله تعالى في "صحيحه" من حديث عبد الرحمن بن شِمَاسة المهْريّ، أنه قال: كنت عند مَسْلَمَةَ بن مُخَلَّد، وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال عبد الله: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهليّة، لا يَدْعُون الله بشيء، إلا ردّه عليهم، فبينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامر، فقال له مسلمة: يا عقبة اسمع ما يقول عبد الله، فقال عقبة: هو أعلم، وأما أنا فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال عصابة من أمتي، يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك"، فقال عبد الله: أَجَلْ: "ثم يبعث الله ريحا كريح المسك، مَسُّها مَسُّ الحرير، فلا تترك نفسا في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة".
وفي رواية البخاريّ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله، وهم ظاهرون" قال في "الفتح": قوله: "حتى يأتيهم أمر الله، وهم ظاهرون": أي على من خالفهم، أي غالبون، أو المراد بالظهور أنهم غير مستترين، بل مشهورون، والأول أولى، وقد وقع عند مسلم من حديث جابر بن سمرة: "لن يبرح هذا الدين قائما تقاتل عليه عصابة من المسلمين، حتى تقوم الساعة"، وله في حديث عقبة بن عامر: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 121
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث قرّة بن إياس رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١/ ٦ - بهذا الإسناد فقط وأخرجه (الترمذيّ) في "الفتن" ٢١٩٢ وقال: حسنٌ صحيح. و (أحمد) في "مسند المكيين" ١٥١٦٩ و"مسند البصريين" ١٩٨٥٤. و (الطيالسيّ) في "مسنده" ١٠٧٦. و (ابن حبّان) ٦١ و ٦٨٣٤ و (الحاكم) في "معرفة علوم الحديث" ص ٢ و (الخطيب) في "شرف أصحاب الحديث" ١١ و ٤٤.
وفي الباب عن ثوبان ﵁ كما سيأتي قريبًا برقم (١٠) والمغيرة بن شُعبة ﵁ في "الصحيحين"، ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما في "الصحيحين" أيضًا. وجابر ﵁ عند مسلم، وعقبة بن عامر عند مسلم أيضًا، وعن غيرهم. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل اتّباع سنّة رسول الله ﷺ ، ووجه ذلك أن هؤلاء الطائفة ما حصل لهم ذلك النصر، والثبات على مقاومة العدوّ، وإبادته إلا بسبب اتّباعهم سنته ﷺ .
٢ - (ومنها): أن فيه بيان فضل هذه الأمّة، حيث إن الله أجارها عن اتّفاق على الضلال، فلا تزال جماعة مؤمنة بربّها أيّ إيمان، متّبعة لسنة نبيّها ﷺ ، لا يغيّرها حوادث الزمان، ولا يبدّل أحوالها تعاقب الملوان، واختلاف الجديدان (١)، بل تبقى صابرة صامدة على الحقّ، لا تبالي بتآمر جميع الخلق، فسبحان من اصطفى خيار عباده لنيل صَفْوِ وداده.
стр. 122
٣ - (ومنها): أن فيه دلالة على صحّة الإجماع؛ لأن الأمة إذا أجمعت على شيء، فقد دخلت فيهم هذه الطائفة المختصّة بهذا الفخر العظيم، فكلّ الأمّة محقّ، فإجماعهم حقّ، ويفيد هذا المعنى قوله : ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١]. قاله القرطبيّ (١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وهو أصح ما استدل به من الحديث لكون الإجماع حجة، وأما حديث: "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، فضعيف (٢). انتهى (٣).
٤ - (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً، فإنّ هذا الوصف ما زال -بحمد الله تعالى- من زمن النبيّ ﷺ إلى الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المراد بهذه الطائفة:
قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀ في "المفهم" ٣/ ٧٦٣: قد اختلف العلماء في من
стр. 123
هذه الطائفة؟، وأين هم؟، فقال عليّ بن المدينيّ: هم العرب، واستدلّ برواية من روى: "وهم أهل الغرب"، وفسّر "الغرب" بالدلو العظيمة. وقيل: أراد بالغرب أهل القوّة، والشدّة، والحدّ، وغرب كلّ شيء حدّه. وقيل: أراد به غرب الأرض، وهو ظاهر حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ وقال فيه: "لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ في المغرب حتى تقوم الساعة". ورواه عبد بن حميد، وقال فيه: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحقّ حتى تقوم الساعة، أو يأتي أمر الله". ورواه بقيّ بن مَخْلَد في "مُسنده" كذلك: "لا يزال أهل المغرب كذلك".
قال القرطبيّ: وهذه الروايات تدلّ على بطلان التأويلات المتقدّمة، وعلى أن المراد به أهل المغرب في الأرض، لكن أول المغرب بالنسبة إلى الدينة مدينة النبيّ ﷺ إنما هو الشام، وآخره حيث تنقطع الأرض من المغرب الأقصى، وما بينهما، كلّ ذلك يُقال عليه: مغرب، فهل أراد المغرب كلّه، أو أوّله" كل ذلك محتملٌ، لا جَرَم قال معاذٌ ﵁ في الحديث الآخر: "هم أهل الشام"، ورواه الطبريّ، وقال: هم ببيت المقدس. وقال أبو بكر الطرطوشيّ في رسالة بعث بها إلى أقصى المغرب بعد أن أورد حديثًا في هذا المعنى قال: -والله تعالى أعلم- هل أرادكم رسول الله ﷺ أو أراد بذلك جملةَ أهل المغرب لما هم عليه من التمسّك بالسنّة والجماعة، وطهارتهم من البِدَع والإحداث في الدين، والاقتفاء لآثار من مضى من السلف الصالح؟. والله تعالى أعلم. انتهى ما ذكره القرطبيّ (١).
وقال في "الفتح": قال صاحب "المشارق" في قوله" "لا يزال أهل الغرب" يعني الرواية التي في بعض طرق مسلم، وهي -بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء-: ذكر يعقوب بن شيبة عن علي بن المديني قال: المراد بالغرب الدلو: أي الْعَرَب -بفتح المهملتين- لأنهم أصحابها، لا يستقي بها أحد غيرهم، لكن في حديث معاذ: "وهم
стр. 124
أهل الشام"، فالظاهر أن المراد بالغرب البلد؛ لأن الشام غربي الحجاز، كذا قال، وليس بواضح. ووقع في بعض طرق الحديث "المغرب" -بفتح الميم، وسكون المعجمة- وهذا يَرُدّ تأويل الغرب بالعرب، لكن يحتمل أن يكون بعض رواته نقله بالمعنى الذي فهمه، أن المراد الإقليم، لا صفة بعض أهله. وقيل: المراد بالغرب أهل القوة والاجتهاد في الجهاد، يقال: في لسانه غَرْب -بفتح، ثم سكون- أي حِدّة. ووقع في حديث أبي أمامة عند أحمد: "أنهم ببيت المقدس"، وأضاف "بيت" إلى "المقدس". وللطبراني من حديث النهدي نحوه، وفي حديث أبي هريرة في "الأوسط" للطبراني: "يقاتلون على أبواب دمشق، وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس، وما حوله، لا يضرهم من خذلهم، ظاهرين إلى يوم القيامة".
ويمكن الجمع بين الأخبار بأن المراد قوم يكونون ببيت المقدس، وهي شامية، ويسقون بالدلو، وتكون لهم قوة في جهاد العدو، وحِدَّة وجِدٌّ. انتهى (١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرح مسلم": وأما هذه الطائفة فقال البخاريّ: هم أهل العلم، وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟. قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث (٢).
وقال في "الفتح": قال النووي: يجوز أن تكون هذه الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع، وبصير بالحرب، وفقيه، ومحدث، ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن النكر، وزاهد، وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد، وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد، وأن يكونوا في بعض منه دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أَوّلًا فأوّلًا إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر
стр. 125
الله. انتهى ملخصا مع زيادة فيه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن الصواب في المراد بالطائفة المذكورة هم الجماعة الذين يقومون بنصرة الدين، والذبّ عن حريمه، واتّباع السنّة، وقمع البدعة، فيشمل كلّ من كان متّصفًا بما ذُكر من علماء الحديث، والمفسّرين، والفقهاء، والأمراء، والسلاطين، والشجعان، القائمين بما ذكر. والله تعالى أعلم.
قال: ونظير ما نَبّهَ عليه -يعني النووي في كلامه السابق- ما حَمَل عليه بعضُ الأئمة حديث: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"، أنه لا يلزم أن يكون في رأس كل مائة سنة واحد فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة، وهو مُتَّجِهٌ، فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يُدَّعَى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى، باتصافه بجميع صفات الخير، وتقدمه فيها، ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأما من جاء بعده فالشافعيّ، وإن كان متصفا بالصفات الجميلة، إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد، والحكم بالعدل، فعلى هذا كُلُّ من كان متصفا بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد، سواء تعدد أم لا. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهو بحثٌ نفيسٌ جِدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في أقوال أهل العلم في الجمع بين قوله ﷺ في هذا الحديث: "حتى تقوم الساعة"، وحديث مسلم: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق":
قال ابن بطال ﵀: هذا الحديث وما أشبهه، ليس المراد به أن الدين ينقطع كله في جميع أقطار الأرض، حتى لا يبقى منه شيء؛ لأنه ثبت أن الإسلام يبقى إلى قيام
стр. 126
الساعة، إلا أنه يضعف، ويعود غريبا كما بدأ، ثم ذكر حديث: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ... " الحديث، قال: فتبين في هذا الحديث تخصيص الأخبار الأخرى، وأن الطائفة التي تبقى على الحق، تكون ببيت المقدس إلى أن تقوم الساعة، قال: فبهذا تأتلف الأخبار.
وتعقّبه الحافظ ﵀ قائلًا: ليس فيما احتج به تصريح إلى بقاء أولئك إلى قيام الساعة، وإنما فيه حتى يأتي أمر الله، فيحتمل أن يكون المراد بأمر الله، ما ذُكر من قبض مَن بقي من المؤمنين، وظواهر الأخبار تقتضي أن الموصوفين بكونهم ببيت القدس أن آخرهم من كان مع عيسى ﵇، ثم إذا بعث الله الريح الطيبة، فقبضت روح كل مؤمن لم يبق إلا شرار الناس.
وقد أخرج مسلم من حديث ابن مسعود ﵁ رفعه: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس"، وذلك إنما يقع بعد طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وسائر الآيات العظام، وقد ثبت أن الآيات العظام مثل السلك، إذا انقطع تناثر الخَرَز بسرعة، وهو عند أحمد، وفي مرسل أبي العالية: "الآيات كلها في ستة أشهر". وعن أبي هريرة ﵁: "في ثمانية أشهر"، وقد أورد مسلم عقب حديث أبي هريرة ﵁ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ما يشير إلى بيان الزمان الذي يقع فيه ذلك، ولفظه: "لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبَد اللات والعزى"، وفيه: "يبعث الله ريحا طيبة، فتوفَّى كل من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم". وعنده في حديث عبد الله بن عمرو رفعه: "يخرج الدجال في أمتي ... " الحديث، وفيه: "فيبعث الله عيسى ابن مريم، فيطلبه، فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد، في قلبه مثقال حبة من خير"، أو "إيمان، إلا قبضته"، وفيه: "فيبقى شرار الناس في خِفَّة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا، فيتمثل لهم الشيطان، فيأمرهم بعبادة الأوثان، ثم ينفخ في الصور". فظهر بذلك أن المراد بأمر الله في حديث: "لا تزال
стр. 127
طائفة" وقوع الآيات العظام التي يعقبها قيام الساعة، ولا يتخلف عنها إلا شيئا يسيرا، ويؤيده حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما، رفعه: "لا تزال طائفة من أمتي، يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم الدجال". أخرجه أبو داود، والحاكم، قال: ويؤخذ منه صحة ما تأولته، فإن الذين يقاتلون الدجال، يكونون بعد قتله مع عيسى، ثم يُرسَل عليهم الريح الطيبة، فلا يبقى بعدهم إلا الشرار، كما تقدم.
ووُجدت في هذا مناظرة لعقبة بن عامر، ومحمد بن مسلمة، فأخرج الحاكم من رواية عبد الرحمن بن شِمَاسة أن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شرٌّ من أهل الجاهلية، فقال عقبة بن عامر: عبد الله أعلم ما يقول، وأما أنا فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال عصابة من أمتي، يقاتلون على أمر الله، ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك"، فقال عبد الله: أَجَلْ، "ويبعث الله ريحا، ريحها ريح المسك، ومَسُّها مس الحرير، فلا تترك أحدا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة". فعلى هذا فالمراد بقوله في حديث عقبة: "حتى تأتيهم الساعة" ساعتهم هم، وهي وقت موتهم بهبوب الريح. انتهى ما في "الفتح" (١).
وقال في موضع آخر: ما خلاصته: إن المراد بأمر الله هبوب تلك الريح، وبقيام الساعة ساعتهم، والمراد بالذين يكونون ببيت المقدس هم الذين يحصرهم الدجال إذا خرج، فينزل عيسى إليهم، فيقتل الدجال، ويَظهر الدين في زمن عيسى، ثم بعد موت عيسى تهب الريح المذكورة، فهذا هو المعتمد في الجمع -والعلم عند الله تعالى- انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح في المراد بقوله ﷺ :
стр. 128
"حتى تقوم الساعة"، وبقوله: "حتى يأتي أمر الله"، علامة الساعة التي هي هبوب الريح المذكورة، فلا يوجد بعده نفس مؤمنة، بل يبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، وبهذا يحصل الجمع بين حديث الباب، وحديث: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس".
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
٧ - (حَدَّثَنَا أبو عَبْد الله، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ حَمْزة، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو عَلْقَمَةَ، نَصْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَكَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الحضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا تَزَالُ طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي، قَوَّامَة عَلَى أَمْرِ الله، لَا يَضُرُّهَا مَنْ خَالَفَهَا").
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "حدثنا أبو عبد الله" هو المصنّف ﵀، وقائل "حدّثنا" أحد الرواة عنه، والظاهر أنه أبو الحسن بن القطّان؛ لأنه المشهور برواية هذه "السنن" عنه. والله تعالى أعلم.
ورجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هشام بن عَمّار) الدمشقيّ، تقدّم قبل حديث.
٢ - (يحيى بن حمزة) بن واقد الحضرميّ، أبو عبد الرحمن الْبَتْلَهِيّ الدمشقيّ القاضي، من أهل بيت لَهْيَا، ثقة رُمي بالقدر [٨].
رَوَى عن الأوزاعي، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وثور بن يزيد، ونصر بن علقمة، وزيد بن واقد، وسليمان بن أرقم، وسليمان بن داود الخولاني، وجماعة.
ورَوَى عنه ابنه محمد، وابن مهدي، والوليد بن مسلم، وأبو مسهر، ومحمد بن المبارك، ومروان بن محمد، وهشام بن عمار، وعلي بن حجر، وآخرون.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس، وكذا قال المرُّوذيّ عن أحمد. وقال الغلابي وغيره عن ابن معين: ثقة، قال الغلابي: كان ثقة، وكان يُرمَى بالقدر. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: كان قدريًّا، وكان صدقة بن خالد أحب إليهم منه. وقال
стр. 129
عثمان الدارمي عن دُحيم: ثقة عالم، لا أشك إلا أنه لقي علي بن يزيد. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، قلت: كان قدريا؟ قال: نعم. وقال النسائي: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا هشام بن عمار، ثنا يحيى بن حمزة، وكان قاضيا على دمشق ثقة. وقال عبد الله ابن محمد بن سيار: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث صالحه. وقال عمرو ابن دُحيم: أعلم أهل دمشق بحديث مكحول الهيثم بن حميد، ويحيى بن حمزة. وقال العجلي: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة مشهور. وقال مروان بن محمد: استقضاه المنصور سنة ثلاث وخمسين، فلم يزل قاضيا حتى مات. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وُلد سنة ثلاث ومائة، ومات سنة ثلاث وثمانين ومائة، وكذا قال أبو مسهر وغيره. قال أبو سليمان بن زَبْر: وُلد سنة اثنتين، وقيل: سنة خمس، وقيل غير ذلك.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة عشر حديثًا.
٣ - (أبو علقمة، نصر بن علقمة) الحضرميّ الحمصيّ، ثقة (١) [٦].
رَوَى عن أخيه محفوظ بن علقمة، وجُبير بن نُفير، وعمرو بن الأسود، وكثير بن مرة، وعبد الرحمن بن عائذ الأزدي، وأرسل عن أبي الدرداء.
ورَوَى عنه ابنُ ابنِ أخيه خزيمة بن عبادة بن محفوظ نسخة كبيرة، وصدقة بن عبد الله السمين، والْوَضِين بن عطاء، ومعاوية بن يحيى الأطرابلسي، والوليد بن كامل البجلي، ويحيى بن حمزة الحضرمي، وبقية بن الوليد، وغيرهم.
قال عثمان الدارمي عن دُحيم: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: نصر بن علقمة عن جُبير بن نُفير مرسل. أخرج له النسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (عمير بن الأسود) -بضم العين، مصغّرًا- وهو عمرو بن الأسود العنسي،
стр. 130
ويقال: الهمداني، أبو عياض، ويقال: أبو عبد الرحمن الدمشقي، ويقال: الحمصي، سكن داريا، ثقة مخضرم عابدٌ، من كبار التابعين [٢].
رَوَى عن عمر، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، والعرباض ابن سارية، ومعاوية، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجُنادة بن أبي أمية، وأبي هريرة، وعائشة، وأم حرام بنت مِلْحان، وجماعة.
ورَوَى عنه ابنه حكيم بن عمير، ومجاهد، وخالد بن معدان، وشريح بن عبيد، وكثير بن أبي كثير، ونصر بن علقمة، وإبراهيم بن مسلم الهجري، وزياد بن فياض، على خلاف في ذلك، وغيرهم.
قال ضمرة بن حبيب: مَرّ عمرو بن الأسود على عمر بن الخطاب، فقال: من سره أن ينظر إلى هدي محمد ﷺ ، فلينظر إلى هدي هذا. وقال محمد بن عوف: عمرو بن الأسود يكنى أبا عياض، وهو والد حكيم بن عمير، وقيل: إن أبا عياض الذي يروي عنه زياد بن فياض، والعراقيون رجل آخر. كذا حَكَى ابن أبي حاتم عن أبيه، وقال: اسمه مسلم بن نُذير. وقيل: إن أبا عياض اسمه قيس بن ثعلبة، حكاه النسائي في "الكنى"، والحاكم أبو أحمد. وقال ابن حبان في "الثقات": عمير بن الأسود كان من عباد أهل الشام، وزهادهم، وكان يُقْسِمُ على الله فيبره. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وروى الحاكم في "الكنى" من طريق مجاهد، قال: حدثنا أبو عياض في خلافة معاوية. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه كان من العلماء الثقات، مات في خلافة معاوية، وذكره أبو موسى المديني في "ذيل الصحابة"، وحكاه عن ابن أبي عاصم أنه ذكره فيهم، قال أبو موسى: وليس بصحابي، إنما يروي عن الصحابة. وحكى ابن أبي خيثمة عن مجاهد، أنه قال: ما رأيت بعد ابن عباس أعلم من أبي عياض. وروى الحسن ابن علي الحلواني في كتاب "المعرفة" هذا الكلام عن مجاهد أيضا بإسناد صحيح. وروى الطبراني في "مسند الشاميين" من طريق أرطاة بن المنذر، ثني زُريق أبو عبد الله الألهاني، أن عمرو بن الأسود قدم المدينة، فرآه عبد الله بن عمر يصلي، فقال: من سره أن ينظر
стр. 131
إلى أشبه الناس برسول الله ﷺ ، فلينظر إلى هذا.
قال الحافظ: ومما يؤيد أن عمير بن الأسود هو عمرو بن الأسود ما أخرجه البخاري، عن يحيى بن إسحاق بن يزيد، والطبراني عن أحمد بن المعلى، عن هشام بن عمار، كلاهما عن يحيى بن حمزة، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عمير بن الأسود، عن أم حرام ... الحديث، هذه رواية البخاري، وفي رواية الطبراني عمرو بن الأسود. أخرج له الجماعة إلا الترمذيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (كثير بن مرة الحضرميّ) الرُّهَاويُّ، أبو شَجَرَة، ويقال: أبو القاسم الحمصيُّ، ثقة مخضرم [٢].
رَوَى عن النبي ﷺ مرسلًا، وعن معاذ بن جبل، وعمر بن الخطاب، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وأبي فاطمة الأزدي، وتميم الداري، ونعيم بن همار، وعقبة بن عامر، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن عمرو، وعوف بن مالك الأشجعي، وقيس الجذامي، وغيرهم.
ورَوَى عنه خالد بن معدان، ومكحول، وصالح بن أبي عَرِيب، وأبو الزاهرية حُدَير بن كُرَيب، وعبد الرحمن بن جبير بن نفير، ونصر بن علقمة، وشُريح بن عُبيد، وسليمان بن موسى، وزيد بن واقد، على خلاف فيه، ويزيد بن أبي حبيب، وآخرون.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية، من تابعي أهل الشام. وقال: كان ثقة. وقال العجلي: شامي تابعي ثقة. وقال النسائي: لا بأس به. وقال ابن خِرَاش: صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، أن عبد العزيز بن مروان كتب إِلَى كَثِيرِ بن مرة الحضرمي، وكان قد أدرك سبعين بدريا. وقال أبو الزاهرية، عن كثير بن مُرّة الحضرمي: مررت بعوف بن مالك، فقال: أرجو أن تكون رجلا صالحا. وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت له -يعني لدُحَيم-: فمن يكون معهم في طبقتهم -يعني جبير بن نفير، وأبا إدريس- فقال: كثير بن مرة. قال البخاري: قال أبو مسهر: أدرك عبدَ الملك -يعنى خلافته-، وذكره في "الأوسط"
стр. 132
في فصل من مات من السبعين إلى الثمانين. وقال العسكري: أخرجه ابن أبي خيثمة في الصحابة الذين يُعرَفون بكناهم، وهو وَهَم. وقال أبو موسى في "ذيل الصحابة": أورده عَبْدَان، وحديثه مرسل، ولم يذكره في الصحابة غيره.
أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث.
٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدم أول الباب. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير كثير بن مرّة، فمن رجال الأربعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير الصحابيّ، فمدني.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أكثر من روى الحديث في دهره، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم.
وقوله: "قوّامة" بتشديد الواو جمع قائمة، كصوّامة، جمع صائم، وفي رواية عند البخاريّ: "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله"، وفي رواية عنده: "لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خَذَلهم حتى يأتيهم أمر الله، وهم على ذلك"، وزاد: قال عمير -يعني ابن هانىء-: فقال مالك بن يُخامِر: قال معاذ: وهم بالشام. وفي رواية عنده: "ولا تزال عصابة من المسلمين، ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة"، وتمام شرح الحديث، سبق قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 133
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده نصر بن يعقوب، قال عنه في "التقريب": مقبول؟.
[قلت]: قوله: مقبول، غير مقبول؛ لأنه ثقة، فقد رَوَى عنه جماعة، ووثّقه دُحيم، وابن حبّان، ولم يجرحه أحد، وأيضًا فلروايته شواهد، كما سبق في الحديث الماضي، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا بالسند المذكور فقط، وأخرجه ابن حبّان برقم (٦٨٣٥) والبزّار (٣٣٢٠) بإسناد حسن، من طريق أبي صالح عن أبي هريرة ﵁، وفي الباب عن غير واحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما سبق في تخريج الحديث السابق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
٨ - (حَدَّثَنَا أبو عَبْد الله، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّار، حَدَّثنا الجرَّاحُ بْنُ مَلِيحٍ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ زُرْعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أبا عِنَبَةَ الخُوْلَانِيَّ، وَكَانَ قَدْ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ، مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: "لَا يَزَالُ الله يَغْرِسُ في هَذَا الدِّينِ غَرْسًا، يَستَعْمِلُهُمْ في طَاعَتِهِ").
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم الكلام في قوله: "حدثنا أبو عبد الله" في الحديث الماضي.
ورجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (هشام بن عمّار) الدمشقيّ، تقدّم في ١/ ٥.
٢ - (الجرّاح بن مَلِيح) الْبَهْرَانيّ -بفتح الموحّدة- أبو عبد الرحمن الحمصيّ، صدوقٌ [٧].
стр. 134
رَوَى عن إبراهيم بن طهمان، والحجاج بن أرطاة، وشعبة، وحاتم بن حُريث، وأرطاة بن المنذر، وبكر بن زرعة الخولاني، وغيرهم.
ورَوَى عنه الحسن بن خُمَير، والهيثم بن خارجة، وسليمان بن عبد الرحمن، وهشام ابن عمارة، وعدة.
قال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: لا أعرفه. قال ابن عدي: كان يحيى إذا لم يكن له علم بأخبار الشخص ورواياته يقول: لا أعرفه، والجراح مشهور في أهل الشام، وهو لا بأس به، وبرواياته، وله أحاديث صالحة جياد، ونسخ، وقد رَوَى أحاديث مستقيمة، وهو في نفسه صالح. وفي "تاريخ العباس بن محمد الدوري"، رواية أبي سعيد بن الأعرابي عنه، قال ابن معين: الجراح بن مليح، شامي ليس به بأس. أخرج له النسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (بكر بن زُرعة) الْخَولانيّ الشاميّ، صدوقٌ (١) [٥].
رَوَى عن أبي عِنَبَة الخولاني، وله صحبة، ومسلم بن عبد الله الأزدي. ورَوَى عنه إسماعيل بن عياش، والجراح بن مليح البهراني. ورَوَى عنه أيضا أبو المغيرة الخولاني. قال أحمد في "الزهد": حدثنا أبو المغيرة، سمعت بكر بن زرعة الخولاني، وكانت قد أتت عليه مائة سنة وزيادة على مائة، قال: انصرف أبو مسلم الخولاني إلى منزله بحمص، فذكر قصة. ذكره ابن حبان في "الثقات". انفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٤ - (أبو عِنَبَة الخولاني) -بكسر أوله، وفتح النون والموحّدة- مختلَفٌ في صحبته، والأشبه عندي أنه صحابيّ، قيل: اسمه عبد الله بن عِنبَة -بنون، فموحّدة- وقيل: عمارة. رَوَى عن النبي ﷺ هذا الحديث، وعن عمر بن الخطاب، ورَوَى عنه بكر بن
стр. 135
زُرْعَة الخولانيّ، وأبو الزاهرية حُدَير بن كُريب، وشُرَحبيل بن شُفْعة، وطُليق بن سُمَير، وقيل: ابن عُمير، ولقمان بن عامر، ومحمد بن زياد الألهاني، وغيرهم. ذكره خليفة، وابن سعد، وغير واحد في الصحابة، وذكره عبد الصمد بن سعيد الحمصي في تسمية من نزل حمص من الصحابة، وقال: كان ممن أكل الدم في الجاهلية، وصلى القبلتين مع النبي ﷺ ، أخبرني بذلك يزيد بن عبد الصمد. وقال الحاكم أبو أحمد: يقال: كان ممن صلى القبلتين، ويقال: أسلم والنبي ﷺ -يعني ولم يره-. وقال أحمد بن محمد بن عيسى، صاحب "تاريخ حمص": أدرك الجاهلية، وعاش إلى خلافة عبد الملك، وكان من أصحاب معاذ، ممن أسلم ورسول الله ﷺ . وقال المفضل الغلابي عن ابن معين، في حديث أبي عِنَبَة: إنه ممن صلى القبلتين، قال أهل الشام: من كبار التابعين، وأنكروا أن له صحبة، وأنه مددي من أهل إليمن، أَمَدُّوا بهم في اليرموك. وقال أبو حاتم الرازي. هو من الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام. وذكره ابن سُمَيع فيهم. وذكره أبو زرعة الدمشقي في الطبقة العليا التي تلي الصحابة، وقال: أسلم ورسول الله ﷺ . وقال أبو زرعة: كان جاهليًّا، ولم تكن له صحبة، وقد صرح بسماع النبي ﷺ .
قال خليفة في الطبقة الثالثة من أهل الشام: مات أبو عِنَبَة سنة ثماني عشرة ومائة، كذا قال، وقد تقدم قول أحمد بن محمد بن عيسى: إنه مات في خلافة عبد الملك، وهو أشبه بالصواب. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، و (١١١٠) حديث: "يقرأ في الجمعة بسبح اسم ربّك الأعلى ... " الحديث. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم موثّقون.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا حديثان فقط، كما مرّ بيان ذلك آنفًا. والله تعالى أعلم.
стр. 136
شرح الحديث:
عن بكر بن زُرعة رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أبا عِنبةَ) تقدّم ضبطه قريبًا (الخُوْلَانِيَّ) بفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو-: نسبة إلى خولان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مرّة بن أُدد بن يَشجب بن عَرِيب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وبعض الخولان يقولون: خولان بن عمرو بن إلحاف بن قُضاعة، وهي قبيلة نزلت الشام، يُنسب إليها جماعة من العلماء (١).
(وَكَانَ قَدْ صَلى القِبْلَتَيْنِ) أي إليهما، ففيه الحذف والإيصال، و"القبلتان": هما بيت المقدس، والكعبة (مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ) فيه دليل على أنه صحابيّ، وهو الأصحّ، كما أشرت إليه في ترجمته السابقة، فقدَ عدّه جماعة من أهل العلم في الصحابة، منهم: البخاريّ، وابن سعد، وخليفة، والبغويّ (قَالَ) أي أبو عِنَبة (سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ) فيه تصريح بصحبته (يَقُولُ: "لَا يَزَالُ الله يَغْرِسُ) بفتح أوله، أو ضمّه، وكسر ثالثه، من الغَرْس، أو الإغراس، يقال: غَرَسَ الشجرَ، يَغْرِسه، من باب ضرب: أثبته في الأرض، كأغرسه. أفاده في "القاموس". وهو هنا كناية عن تثبيتهم على الحقّ، وتأييدهم بالحجج (في هَذَا الدِّينِ) أي الإسلاميّ، لأنه المراد عند الإطلاق، كما نصّ الله عليه في كتابه العزيز، حيث قال سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الآية [آل عمران: ١٩]، وقال : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية [آل عمران: ٨٥]. وقوله: (غَرْسًا) -بفتح، فسكون- منصوب على أنه مفعول به لقوله: "يغرس"، وهو بمعنى مفعول، قال في "القاموس"، و"شرحه": الغَرْس -بالفتح-: الشجر المغروس، جمعه أَغْراس، وغِرَاس بالكسر. انتهى. والمراد هنا: القوم الذين يقيمهم الله تعالى لحفظ الدين، ويثبتهم بالإيمان واليقين (يَسْتَعْمِلُهُمْ في طَاعَتِهِ) أي ييسّر لهم أسباب طاعته، ويُنير لهم الطريق إلى نيل عنايته ومرضاته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
стр. 137
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي عِنَبة الخولانيّ رضي الله تعالى عنه هذا حسنٌ، من أجل الجرّاح، وبكر، فإنهما من رجال الحسن، كما يظهر مما تقدّم في ترجمتيهما، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنف هنا بهذا الإسناد فقط. وأخرجه أحمد ٤/ ٢٠٠، والبخاريّ في "التاريخ الكبير" ٩/ ٦١، وابن حبّان في "صحيحه" رقم (٣٢٦)، وابن عديّ في "الكامل" ٥٨/ ٢. وابن شاهين في "السنة" ١٨/ ٤٧/ ١، وابن منده في "المعرفة" ٢/ ١/١.
وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة": وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، لكن الذي يظهر لي أن الإسناد حسن؛ لما عرفت من أن الجراح، وبكر بن زرعة صدوقان، فهما من رجال الحسن، فافهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو اتّباع سنة رسول الله ﷺ ، ووجه ذلك أن هؤلاء الذين يغرسهم الله تعالى إنما حصل لهم فضل الغرس بسبب اتّباعهم سنة رسول الله ﷺ .
٢ - (ومنها): بيان مزيّة دين الإسلام، حيث تولى الله حفظه بغرس أناس يقومون به حقّ القيام.
٣ - (ومنها): بيان فضل هذه الأمة، حيث إن الله يستعمل طائفة منها في حفظ هذا الدين إلى قيام الساعة، وقد وقاها الله أن تجتمع على ضلالة.
٤ - (ومنها): بيان عناية الله بعباده، حيث ييسّر لهم أسباب الهداية، فهو الهادي إلى سواء السبيل، كما قال : ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ
стр. 138
وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣]. اللهمّ اهدنا فيمن هديت، اللهمّ آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
٩ - (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا الحجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَامَ مُعَاوِيَةُ خَطِيبًا، فَقَالَ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ، أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا وَطَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ، لَا يُبَالُونَ مَنْ خَذَلهُمْ، وَلَا مَنْ نَصَرَهُمْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يعقوب بن حميد بن كاسب) المدنيّ، نزيل مكة، وقد يُنسب لجدّه، صدوقٌ، ربما وَهِم [١٠].
رَوَى عن زكريا بن منظور، وسعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، وإبراهيم بن سعد، وابن عيينة، وحاتم بن إسماعيل، ومروان بن معاوية، ومعتمر بن سليمان، ومغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، والوليد بن مسلم، وابن أبي فديك، ومَعْن بن عيسى، وأبي ضمرة، وعبد الرزاق، وآخرين.
ورَوَى عنه البخاري في "خلق أفعال العباد"، وروى في "الصلح"، وفي "فضل من شهد بدرًا"، من "صحيحه" عن يعقوب غير منسوب، عن إبراهيم بن سعد، فقيل: إنه يعقوب بن حميد هذا، وقيل يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقي، وقيل: يعقوب بن محمد الزهري، وقيل يعقوب بن إبراهيم بن سعد، والأول أشبه، وباقي الأقوال محتملة، إلا الأخير، فإن البخاري لم يلق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، وابن ماجه، وأبو عبد الملك
стр. 139
البسري، وعباس العنبري، وأبو الوليد الأزرقي، وأبو خالد الرازي، وبَقِيّ بن مَخْلَد، ومحمد بن وضاح، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي عاصم، وعباس بن الفضل الأسفاطي، وعلي بن طيفور النسوي، والقاسم بن عبد الله بن مهدي الأخميمي، وغيرهم. قال مضر بن محمد عن ابن معين: ثقة. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ليس بشيء. وقال في موضع آخر عنه: ليس بثقة، قلت: من أين قلت ذاك؟ قال: لأنه محدود، قلت: أليس هو في سماعه ثقة؟ قال: بلى. وقال عباس العنبري: يُوصل الحديث. وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي زرعة: ثقة؟ فحرك رأسه، قلت: كان صدوقا في الحديث؟ قال: لهذا شروط. وقال أيضا: قلبي لا يسكن على ابن كاسب. وقال أبو حاتم. ضعيف الحديث. وقال البخاري: لم يزل خَيّرًا، هو في الأصل صدوق. وقال النسائي: ليس بشيء. وقال في موضع آخر: ليس بثقة. وقال القاسم بن عبد الله بن مهدي: قلت لأبي مصعب: بمن توصيني بمكة، وعمن أكتب بها؟ فقال: عليك بشيخنا أبي يوسف، يعقوب بن حميد بن كاسب. وقال ابن عدي: لا بأس به، وبرواياته، وهو كثير الحديث، كثير الغرائب، وكتبتُ مسنده عن القاسم بن عبد الله بن مهديّ، وفيه من الغرائب، والنسخ والأحاديث العزيزة، وشيوخ من أهل المدينة من لا يروي عنهم غيره، وإذا نظرت إلى "مسنده" علمت أنه جَمّاع للحديث، صاحب حديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان يحفظ، ممن جمع، وصنّف، وربما أخطأ في الشيء بعد الشيء.
وحَكَى ابنُ أبي خيثمة عن ابن معين قصة الدُّوري معه مرة واحدة، وما به بأس، لولا أنه سفيهٌ، قال ابن أبي خيثمة: وقلت لمصعب الزبيري: إن ابن معين يقول في ابن كاسب: إن حديثه لا يجوز؛ لأنه محدود، فقال بئس ما قال، إنما حدّه الطالبيون في التحامل، وابن كاسب ثقة، مأمون، صاحب حديث، وكان من أمناء القضاة زمانا. وقال مسلمة: ثقة سكن مكة، وتوفي سنة إحدى وأربعين ومائتين. قال العقيلي عن زكريا بن يحيى الحلواني: رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب وقايات على ظهور كتبه، فسألته عنه؟ فقال: رأينا في "مسنده" أحاديث أنكرناها،
стр. 140
فطالبناه بالأصول، فدافعنا، ثم أخرجها بعدُ فوجدنا الأحاديث في الأصول مُغَيَّرةً بخط طَرِيّ، كانت مراسيل، فأسندها، وزاد فيها. وقال صالح جزرة: تكلم فيه بعض الناس. وقال الحاكم أبو عبد الله: لم يتكلم فيه أحد بحجة، وناظرني شيخنا أبو أحمد الحافظ -يعني الحاكم صاحب "الكنى"- وذكر أن البخاري رَوَى عنه في "الصحيح"، فقلت: إنما رَوَى عن يعقوب بن محمد الزهري، وثبت أبو أحمد على ما قال. انتهى. وبذلك جزم أبو إسحاق الحَبّال، وأبو عبد الله بن منده، وغيرهما. قال البخاري: مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومائتين.
روى له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والمصنّف، روى له في هذا الكتاب (٦٣) حديثًا.
٢ - (القاسم بن نافع) المدنيّ السُّوَارقيّ -بضمّ المهملة، وتخفيف الواو، وبالقاف: نسبة إلى السُّوَارِقِيّة، قرية من قُرَى المدينة، مستورٌ [٩].
رَوَى عن الحجاج بن أرطاة، وجَسْر بن فَرْقَد القصاب، وهشام بن سعد، ومالك ابن أنس. ورَوَى عنه محمد بن الحسن بن زِبَالة، ويعقوب بن حميد بن كاسب، تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٣ - (الحجّاج بن أرطاة) -بفتح الهمزة- ابن ثور بن هُبَيرة بن شَرَاحيل النخعيّ، أبو أرطاة الكوفي القاضي، أحد الفقهاء، صدوقٌ، كثير الخطإ والتدليس [٧].
رَوَى عن الشعبي حديثا واحدًا، وعن عطاء بن أبي رَبَاح، وجَبَلَة بن سُحَيم، وزيد بن جبير الطائي، وعمرو بن شعيب، وسماك بن حرب، ونافع مولى ابن عمر، وأبي إسحاق السبيعي، وأبي الزبير، والزهري، ومكحول، وقيل: لم يسمع منهما، ويحيى ابن أبي كثير، ولم يسمع منه، وجماعة.
ورَوَى عنه شعبة، وهُشيم، وابن نمير، والحمادان، والثوري، وحفص بن غياث، وغندر، وأبو معاوية، ويزيد بن هارون، وعدة، ورَوَى عنه منصور بن المعتمر، وهو من شيوخه، ومحمد بن إسحاق، وقيس بن سعد المكي، وهما من أقرانه، وغيرهم.
стр. 141
قال ابن عيينة: سمعت ابن أبي نَجِيح يقول: ما جاءنا منكم مثله -يعني الحجاج ابن أرطاة-. وقال الثوري: عليكم به، فإنه ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه. وقال العجلي: كان فقيها، وكان أحد مفتي الكوفة، وكان فيه تِيهٌ، وكان يقول: أهلكني حب الشرف، وولي قضاء البصرة، وكان جائز الحديث، إلا أنه صاحب إرسال، وكان يرسل عن يحيى بن أبي كثير، ومكحول، ولم يسمع منهما، وإنما يعيب الناس منه التدليس، قال: وكان حجاج راويا عن عطاء، سمع منه. وقال أبو طالب عن أحمد: كان من الحفاظ، قيل: فلم ليس هو عند الناس بذاك؟ قال: لأن في حديثه زيادة على حديث الناس، ليس يكاد له حديث إلا فيه زيادة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: صدوق ليس بالقوي، يدلس عن محمد بن عُبيد الله الْعَرْزَميّ، عن عمرو بن شعيب. وقال ابن المديني عن يحيى بن سعيد: الحجاج بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق عندي سواء، وتركت الحجاج عمدًا، ولم أكتب عنه حديثا قط. وقال أبو زرعة: صدوق يدلس. وقال أبو حاتم: صدوق يدلس عن الضعفاء، يكتب حديثه، وأما إذا قال: حدثنا فهو صالح، لا يرتاب في صدقه وحفظه، إذا بَيَّنَ السماع، ولا يحتج بحديثه، لم يسمع من الزهري، ولا من هشام بن عروة، ولا من عكرمة، وقال هشيم: قال لي الحجاج بن أرطاة: صِفْ لي الزهريّ، فإني لم أره. وقال ابن المبارك: كان الحجاج يُدَلِّس، فكان يحدثنا بالحديث عن عمرو بن شعيب، مما يحدثه العرزمي متروك. وقال حماد بن زيد: قَدِم علينا جرير بن حازم من المدينة، فكان يقول: حدثنا قيس بن سعد، عن الحجاج بن أرطاة، فلبثنا ما شاء الله، ثم قَدِم علينا الحجاج ابن ثلاثين، أو إحدى وثلاثين، فرأيت عليه من الزحام ما لم أر على حماد بن أبي سليمان، رأيت عنده داود بن أبي هند، ويونس بن عبيد، ومطرًا الوراق جُثَاةً على أرجلهم، يقولون: يا أبا أرطاة ما تقول في كذا؟ وقال هشيم: سمعته يقول: استفتيتُ وأنا ابن ست عشرة سنة. وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: إنما عاب الناس عليه تدليسه عن الزهري وغيره، ربما أخطأ في بعض الروايات، فأما أن يتعمد الكذب فلا، وهو ممن يكتب حديثه. وقال يعقوب بن شيبة: واهي
стр. 142
الحديث، في حديثه اضطراب كثير. وقال: صدوق، وكان أحد الفقهاء. وقال ابن حبان: سمعت محمد بن نصر، سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، عن عيسى بن يونس قال: كان الحجاج بن أرطاة لا يحضر الجماعة، فقيل له في ذلك، فقال: أحضر مسجدكم حتى يزاحمني فيه الحَمّالون والْبَقّالون. وقال الساجي: كان مدلسا صدوقا، سيىء الحفظ، ليس بحجة في الفروع والأحكام. وقال ابن خزيمة: لا أحتج به إلا فيما قال أخبرنا، وسمعت. وقال ابن سعد: كان شريفا، وكان ضعيفا في الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال البزار: كان حافظا مدلسا، وكان مُعْجَبًا بنفسه، وكان شعبة يُثني عليه، ولا أعلم أحدًا لم يرو عنه -يعني ممن لقيه- إلا عبد الله ابن إدريس. وقال مسعود السِّجْزي عن الحاكم: لا يحتج به. وكذا قال الدارقطني. وقال ابن عيينة: كنا عند منصور بن المعتمر، فذكروا حديثًا، فقال: من حدثكم؟ قالوا: الحجاج بن أرطاة، قال: والحجاج يُكتب عنه؟ قالوا: نعم، قال: لو سكتم لكان خيرا لكم. وقال ابن حبان: تركه ابن المبارك، وابن مهدي، ويحيى القطان، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل. قال الحافظ: قرأت بخط الذهبي: هذا القول فيه مجازفة، وأكثر ما نُقِم عليه التدليس، وكان فيه تِيهٌ لا يَلِيق بأهل العلم. انتهى. وقال إسماعيل القاضي: مضطرب الحديث؛ لكثرة تدليسه. وقال محمد بن نصر: الغالب على حديثه الإرسال، والتدليس، وتغيير الألفاظ. قال الهيثم: مات بخراسان مع المهدي. وقال خليفة: مات بالري. وأرخه ابن حبان في "الثقات" سنة (١٤٥). قال الحافظ: وقد رأيت له في البخاري رواية واحدة، متابعة تعليقا في "كتاب العتق". أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم مقرونًا بغيره، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٤٣) حديثًا.
٤ - (عمرو بن شُعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي الحجازيّ الإمام المحدّث، أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الله المدني، ويقال: الطائفي، وقال أبو حاتم: سكن مكة، وكان يخرج إلى الطائف، وقال الذهبيّ: فقيه أهل الطائف، ومحدّثهم، وكان يتردّد كثيرًا إلى مكّة، وينشر العلم، وله مال
стр. 143
بالطائف، وأمه حبيبة بنت مُرّة الحجبيّة. انتهى (١). صدوقٌ [٥].
رَوَى عن أبيه، وجُلُّ روايته عنه، وعمته زينب بنت محمد، وزينب بنت أبي سلمة، ربيبة النبي ﷺ ، والرُّبَيِّع بنت معوذ، وطاووس، وسليمان بن يسار، ومجاهد، وعطاء، والزهري، وسعيد المقبري، وعطاء بن سفيان الثقفي، وجماعة.
ورَوَى عنه عطاء، وعمرو بن دينار، وهما أكبر منه، والزهري، ويحيى بن سعيد، وهشام بن عروة، وثابت البناني، وعاصم الأحول، وقتادة، ومكحول، وحميد الطويل، وإبراهيم بن ميسرة، وأيوب السختياني، وحَرِيز بن عثمان، والزبير بن عَدِيّ، وأبو إسحاق الشيباني، وأبو الزبير المكي، ويحيى بن أبي كثير، ويزيد بن أبي حبيب، وغيرهم من التابعين، ومنهم أيضا الأوزاعي، وابن جرير، ومحمد بن إسحاق، وحسين المعلم، والحكم بن عتيبة، وابن عون، وداود بن أبي هند، وعمرو بن الحارث المصري، ومطر الوراق، ويزيد بن الهاد، وعبد الله بن طاوس، وثور بن يزيد الحمصي، وحجاج بن أرطاة، وسليمان بن موسى، وعبد الرحمن بن حرملة، وعمارة بن غزية، والمثنى بن الصباح، وابن لهيعة، وآخرون.
قال صدقة بن الفضل: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: إذا رَوَى عنه الثقات، فهو ثقة، يحتج به. وقال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد: حديثه عندنا واهٍ. وقال علي عن ابن عيينة: حديثه عند الناس فيه شيء. وقال أبو عمرو بن العلاء: كان يُعاب على قتادة، وعمرو بن شعيب أنهما كانا لا يسمعان شيئا إلا حدثا به. وقال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: له أشياء مناكير، وإنما يكتب حديثه يعتبر به، فأما أن يكون حجة فلا. وقال الأثرم عن أحمد: أنا أكتب حديثه، وربما احتججنا به، وربما وَجَسَ في القلب منه شيء، ومالك يروي عن رجل عنه. وقال أبو داود عن أحمد ابن حنبل: أصحاب الحديث إذا شاءوا احتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
стр. 144
جده، وإذا شاءوا تركوه. وقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيد، وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ما تركه أحد من المسلمين، قال البخاري: مَنِ الناسُ بعدهم؟.
وأنكر الحافظ الذهبيّ هذه الحكاية، فقال: أستبعد صدور هذه الألفاظ من البخاريّ، أخاف أن يكون أبو عيسى وَهِم، وإلا فالبخاريّ لا يُعرّج على عمرو أفتراه يقول: فمن الناس بعدهم، ثم لا يُحتجّ به أصلًا، ولا متابعة؟ (١).
وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: إذا حدث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فهو كتاب، ومن هنا جاء ضعفه، وإذا حدث عن سعيد بن المسيب، أو سليمان بن يسار، أو عروة فهو ثقة عن هؤلاء. وقال الدُّوري، ومعاوية بن صالح، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: سألت ابن معين، فقال: ما أقول؟ رَوَى عنه الأئمة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بذاك. وقال أبو زرعة: رَوَى عنه الثقات، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه عن جده، وقال: إنما سمع أحاديث يسيرة، وأخذ صحيفة كانت عنده، فرواها، وعامة المناكير تُروَى عنه إنما هي عن المثنى بن الصباح، وابن لهيعة، والضعفاء، وهو ثقة في نفسه، إنما تكلّم فيه بسبب كتاب عنده، وما أقل ما نُصيب عنه، مما رَوَى عن غير أبيه عن جده من المنكر. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده؟ فقال: عمرو أحب إليّ. وقال محمد بن علي الجوزجاني: قلت لأحمد: عمرو سمع من أبيه شيئا؟ قال: يقول: حدثني أبي، قلت: فأبوه سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: نعم، أراه قد سمع منه. وقال الآجري: قلت لأبي داود: عمرو بن شعيب عندك حجة؟ قال: لا، ولا نصف حجة. وقال جرير: كان مغيرة لا يعبأ بصحيفة عبد الله بن عمرو. وقال الحسن
стр. 145
ابن سفيان عن إسحاق بن راهويه: إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ثقة، فهو كأيوب، عن نافع، عن ابن عمر. قال أيوب بن سويد، عن الأوزاعي: ما رأيت قرشيا أفضل، وفي رواية أكمل من عمرو بن شعيب. وقال العجلي، والنسائي: ثقة. وقال أبو جعفر، أحمد بن سعيد الدارمي: عمرو بن شعيب ثقة، رَوَى عنه الذين نظروا في الرجال، مثل أيوب، والزهري، والحكم، واحتج أصحابنا بحديثه، وسمع أبوه من عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس. وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: صح سماع عمرو من أبيه، وصح سماع شعيب من جده. وقال الدارقطني: لعمرو بن شعيب ثلاثة أجداد: الأدنى منهم محمد، ومحمد لم يدرك النبي ﷺ ، وسمع من جده عبد الله، فإذا بَيَّنَهُ وكشفه، فهو صحيح حينئذ، ولم يَترُك حديثه أحد من الأئمة.
وقال الدارقطني أيضًا: قال النقاش: عمرو بن شعيب ليس من التابعين، وقد روى عنه عشرون من التابعين، قال الدارقطني: فتتبعتهم فوجدتهم أكثر من عشرين. قال المزي: كأن الدارقطني وافق النقاش على أنه ليس من التابعين، وليس كذلك، فقد سمع من زينب بنت أبي سلمة، والرُّبَيّع بنت مُعَوِّذ، ولهما صحبة. وقال ابن عدي: روى عنه أئمة الناس، وثقاتهم، وجماعة من الضعفاء، إلا أن أحاديثه عن أبيه، عن جده، مع احتمالهم إياه لم يُدخلوها في صحاح ما خَرَّجوا، وقالوا: هي صحيفة.
قال الحافظ: عمرو بن شعيب ضعفه ناس مطلقا، ووثقه الجمهور، وضعف بعضهم روايته عن أبيه عن جده حسبُ، ومن ضعفه مطلقا، فمحمول على روايته عن أبيه عن جده، فأما روايته عن أبيه، فربما دلس ما في الصحيفة بلفظ عن، فإذا قال: حدثني أبي، فلا ريب في صحتها كما يقتضيه كلام أبي زرعة المتقدم، وأما رواية أبيه عن جده، فإنما يعني بها الجد الأعلى، عبد الله بن عمرو، لا محمد بن عبد الله، وقد صرح شعيب بسماعه من عبد الله في أماكن، وصح سماعه منه كما تقدم، وكما روى حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن شعيب، قال: سمعت عبد الله بن عمرو، فذكر حديثًا،