قال ابن عيينة: سمعت ابن أبي نَجِيح يقول: ما جاءنا منكم مثله -يعني الحجاج ابن أرطاة-. وقال الثوري: عليكم به، فإنه ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه. وقال العجلي: كان فقيها، وكان أحد مفتي الكوفة، وكان فيه تِيهٌ، وكان يقول: أهلكني حب الشرف، وولي قضاء البصرة، وكان جائز الحديث، إلا أنه صاحب إرسال، وكان يرسل عن يحيى بن أبي كثير، ومكحول، ولم يسمع منهما، وإنما يعيب الناس منه التدليس، قال: وكان حجاج راويا عن عطاء، سمع منه. وقال أبو طالب عن أحمد: كان من الحفاظ، قيل: فلم ليس هو عند الناس بذاك؟ قال: لأن في حديثه زيادة على حديث الناس، ليس يكاد له حديث إلا فيه زيادة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: صدوق ليس بالقوي، يدلس عن محمد بن عُبيد الله الْعَرْزَميّ، عن عمرو بن شعيب. وقال ابن المديني عن يحيى بن سعيد: الحجاج بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق عندي سواء، وتركت الحجاج عمدًا، ولم أكتب عنه حديثا قط. وقال أبو زرعة: صدوق يدلس. وقال أبو حاتم: صدوق يدلس عن الضعفاء، يكتب حديثه، وأما إذا قال: حدثنا فهو صالح، لا يرتاب في صدقه وحفظه، إذا بَيَّنَ السماع، ولا يحتج بحديثه، لم يسمع من الزهري، ولا من هشام بن عروة، ولا من عكرمة، وقال هشيم: قال لي الحجاج بن أرطاة: صِفْ لي الزهريّ، فإني لم أره. وقال ابن المبارك: كان الحجاج يُدَلِّس، فكان يحدثنا بالحديث عن عمرو بن شعيب، مما يحدثه العرزمي متروك. وقال حماد بن زيد: قَدِم علينا جرير بن حازم من المدينة، فكان يقول: حدثنا قيس بن سعد، عن الحجاج بن أرطاة، فلبثنا ما شاء الله، ثم قَدِم علينا الحجاج ابن ثلاثين، أو إحدى وثلاثين، فرأيت عليه من الزحام ما لم أر على حماد بن أبي سليمان، رأيت عنده داود بن أبي هند، ويونس بن عبيد، ومطرًا الوراق جُثَاةً على أرجلهم، يقولون: يا أبا أرطاة ما تقول في كذا؟ وقال هشيم: سمعته يقول: استفتيتُ وأنا ابن ست عشرة سنة. وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: إنما عاب الناس عليه تدليسه عن الزهري وغيره، ربما أخطأ في بعض الروايات، فأما أن يتعمد الكذب فلا، وهو ممن يكتب حديثه. وقال يعقوب بن شيبة: واهي
стр. 142
الحديث، في حديثه اضطراب كثير. وقال: صدوق، وكان أحد الفقهاء. وقال ابن حبان: سمعت محمد بن نصر، سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، عن عيسى بن يونس قال: كان الحجاج بن أرطاة لا يحضر الجماعة، فقيل له في ذلك، فقال: أحضر مسجدكم حتى يزاحمني فيه الحَمّالون والْبَقّالون. وقال الساجي: كان مدلسا صدوقا، سيىء الحفظ، ليس بحجة في الفروع والأحكام. وقال ابن خزيمة: لا أحتج به إلا فيما قال أخبرنا، وسمعت. وقال ابن سعد: كان شريفا، وكان ضعيفا في الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال البزار: كان حافظا مدلسا، وكان مُعْجَبًا بنفسه، وكان شعبة يُثني عليه، ولا أعلم أحدًا لم يرو عنه -يعني ممن لقيه- إلا عبد الله ابن إدريس. وقال مسعود السِّجْزي عن الحاكم: لا يحتج به. وكذا قال الدارقطني. وقال ابن عيينة: كنا عند منصور بن المعتمر، فذكروا حديثًا، فقال: من حدثكم؟ قالوا: الحجاج بن أرطاة، قال: والحجاج يُكتب عنه؟ قالوا: نعم، قال: لو سكتم لكان خيرا لكم. وقال ابن حبان: تركه ابن المبارك، وابن مهدي، ويحيى القطان، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل. قال الحافظ: قرأت بخط الذهبي: هذا القول فيه مجازفة، وأكثر ما نُقِم عليه التدليس، وكان فيه تِيهٌ لا يَلِيق بأهل العلم. انتهى. وقال إسماعيل القاضي: مضطرب الحديث؛ لكثرة تدليسه. وقال محمد بن نصر: الغالب على حديثه الإرسال، والتدليس، وتغيير الألفاظ. قال الهيثم: مات بخراسان مع المهدي. وقال خليفة: مات بالري. وأرخه ابن حبان في "الثقات" سنة (١٤٥). قال الحافظ: وقد رأيت له في البخاري رواية واحدة، متابعة تعليقا في "كتاب العتق". أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم مقرونًا بغيره، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٤٣) حديثًا.
٤ - (عمرو بن شُعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي الحجازيّ الإمام المحدّث، أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الله المدني، ويقال: الطائفي، وقال أبو حاتم: سكن مكة، وكان يخرج إلى الطائف، وقال الذهبيّ: فقيه أهل الطائف، ومحدّثهم، وكان يتردّد كثيرًا إلى مكّة، وينشر العلم، وله مال
стр. 143
بالطائف، وأمه حبيبة بنت مُرّة الحجبيّة. انتهى (١). صدوقٌ [٥].
رَوَى عن أبيه، وجُلُّ روايته عنه، وعمته زينب بنت محمد، وزينب بنت أبي سلمة، ربيبة النبي ﷺ ، والرُّبَيِّع بنت معوذ، وطاووس، وسليمان بن يسار، ومجاهد، وعطاء، والزهري، وسعيد المقبري، وعطاء بن سفيان الثقفي، وجماعة.
ورَوَى عنه عطاء، وعمرو بن دينار، وهما أكبر منه، والزهري، ويحيى بن سعيد، وهشام بن عروة، وثابت البناني، وعاصم الأحول، وقتادة، ومكحول، وحميد الطويل، وإبراهيم بن ميسرة، وأيوب السختياني، وحَرِيز بن عثمان، والزبير بن عَدِيّ، وأبو إسحاق الشيباني، وأبو الزبير المكي، ويحيى بن أبي كثير، ويزيد بن أبي حبيب، وغيرهم من التابعين، ومنهم أيضا الأوزاعي، وابن جرير، ومحمد بن إسحاق، وحسين المعلم، والحكم بن عتيبة، وابن عون، وداود بن أبي هند، وعمرو بن الحارث المصري، ومطر الوراق، ويزيد بن الهاد، وعبد الله بن طاوس، وثور بن يزيد الحمصي، وحجاج بن أرطاة، وسليمان بن موسى، وعبد الرحمن بن حرملة، وعمارة بن غزية، والمثنى بن الصباح، وابن لهيعة، وآخرون.
قال صدقة بن الفضل: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: إذا رَوَى عنه الثقات، فهو ثقة، يحتج به. وقال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد: حديثه عندنا واهٍ. وقال علي عن ابن عيينة: حديثه عند الناس فيه شيء. وقال أبو عمرو بن العلاء: كان يُعاب على قتادة، وعمرو بن شعيب أنهما كانا لا يسمعان شيئا إلا حدثا به. وقال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: له أشياء مناكير، وإنما يكتب حديثه يعتبر به، فأما أن يكون حجة فلا. وقال الأثرم عن أحمد: أنا أكتب حديثه، وربما احتججنا به، وربما وَجَسَ في القلب منه شيء، ومالك يروي عن رجل عنه. وقال أبو داود عن أحمد ابن حنبل: أصحاب الحديث إذا شاءوا احتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
стр. 144
جده، وإذا شاءوا تركوه. وقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيد، وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ما تركه أحد من المسلمين، قال البخاري: مَنِ الناسُ بعدهم؟.
وأنكر الحافظ الذهبيّ هذه الحكاية، فقال: أستبعد صدور هذه الألفاظ من البخاريّ، أخاف أن يكون أبو عيسى وَهِم، وإلا فالبخاريّ لا يُعرّج على عمرو أفتراه يقول: فمن الناس بعدهم، ثم لا يُحتجّ به أصلًا، ولا متابعة؟ (١).
وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: إذا حدث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فهو كتاب، ومن هنا جاء ضعفه، وإذا حدث عن سعيد بن المسيب، أو سليمان بن يسار، أو عروة فهو ثقة عن هؤلاء. وقال الدُّوري، ومعاوية بن صالح، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: سألت ابن معين، فقال: ما أقول؟ رَوَى عنه الأئمة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بذاك. وقال أبو زرعة: رَوَى عنه الثقات، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه عن جده، وقال: إنما سمع أحاديث يسيرة، وأخذ صحيفة كانت عنده، فرواها، وعامة المناكير تُروَى عنه إنما هي عن المثنى بن الصباح، وابن لهيعة، والضعفاء، وهو ثقة في نفسه، إنما تكلّم فيه بسبب كتاب عنده، وما أقل ما نُصيب عنه، مما رَوَى عن غير أبيه عن جده من المنكر. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده؟ فقال: عمرو أحب إليّ. وقال محمد بن علي الجوزجاني: قلت لأحمد: عمرو سمع من أبيه شيئا؟ قال: يقول: حدثني أبي، قلت: فأبوه سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: نعم، أراه قد سمع منه. وقال الآجري: قلت لأبي داود: عمرو بن شعيب عندك حجة؟ قال: لا، ولا نصف حجة. وقال جرير: كان مغيرة لا يعبأ بصحيفة عبد الله بن عمرو. وقال الحسن
стр. 145
ابن سفيان عن إسحاق بن راهويه: إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ثقة، فهو كأيوب، عن نافع، عن ابن عمر. قال أيوب بن سويد، عن الأوزاعي: ما رأيت قرشيا أفضل، وفي رواية أكمل من عمرو بن شعيب. وقال العجلي، والنسائي: ثقة. وقال أبو جعفر، أحمد بن سعيد الدارمي: عمرو بن شعيب ثقة، رَوَى عنه الذين نظروا في الرجال، مثل أيوب، والزهري، والحكم، واحتج أصحابنا بحديثه، وسمع أبوه من عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس. وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: صح سماع عمرو من أبيه، وصح سماع شعيب من جده. وقال الدارقطني: لعمرو بن شعيب ثلاثة أجداد: الأدنى منهم محمد، ومحمد لم يدرك النبي ﷺ ، وسمع من جده عبد الله، فإذا بَيَّنَهُ وكشفه، فهو صحيح حينئذ، ولم يَترُك حديثه أحد من الأئمة.
وقال الدارقطني أيضًا: قال النقاش: عمرو بن شعيب ليس من التابعين، وقد روى عنه عشرون من التابعين، قال الدارقطني: فتتبعتهم فوجدتهم أكثر من عشرين. قال المزي: كأن الدارقطني وافق النقاش على أنه ليس من التابعين، وليس كذلك، فقد سمع من زينب بنت أبي سلمة، والرُّبَيّع بنت مُعَوِّذ، ولهما صحبة. وقال ابن عدي: روى عنه أئمة الناس، وثقاتهم، وجماعة من الضعفاء، إلا أن أحاديثه عن أبيه، عن جده، مع احتمالهم إياه لم يُدخلوها في صحاح ما خَرَّجوا، وقالوا: هي صحيفة.
قال الحافظ: عمرو بن شعيب ضعفه ناس مطلقا، ووثقه الجمهور، وضعف بعضهم روايته عن أبيه عن جده حسبُ، ومن ضعفه مطلقا، فمحمول على روايته عن أبيه عن جده، فأما روايته عن أبيه، فربما دلس ما في الصحيفة بلفظ عن، فإذا قال: حدثني أبي، فلا ريب في صحتها كما يقتضيه كلام أبي زرعة المتقدم، وأما رواية أبيه عن جده، فإنما يعني بها الجد الأعلى، عبد الله بن عمرو، لا محمد بن عبد الله، وقد صرح شعيب بسماعه من عبد الله في أماكن، وصح سماعه منه كما تقدم، وكما روى حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن شعيب، قال: سمعت عبد الله بن عمرو، فذكر حديثًا،
стр. 146
أخرجه أبو داود من هذا الوجه.
وفي رواية عمرو ما يدلّ على أنّ المراد بجدّه هو عبد الله بن عمرو، فمن ذلك رواية حسين المعلم، عن عمرو، عن أبيه، عن جده، قال: "رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافيا ومنتعلًا"، رواه أبو داود، وبهذا السند: "رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائما وقاعدًا"، رواه الترمذي، وبه: "رأيت رسول الله ﷺ ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة"، رواه ابن ماجه (١).
ومن ذلك: هشام بن الغاز، عن عمرو، عن أبيه، عن جده قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من ثنية أذاخِر ... " الحديث، رواه ابن ماجه (٢).
ومن ذلك محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. "سمعت رسول الله ﷺ يأمر بكلمات من الفزع ... " الحديث، رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وغيرهم.
وهذه قطعة من جملة أحاديث تُصَرّح بأن الجد هو عبد الله بن عمرو، لكن هل سمع منه جميع ما رَوَى عنه أم سمع بعضها، والباقي صحيفة، الثاني أظهر عندي، وهو الجامع لاختلاف الأقوال فيه، وعليه ينحط كلام الدارقطني، وأبي زرعة، وأما اشتراط بعضهم أن يكون الراوي عنه ثقة، فهذا الشرط معتبر في جميع الرواة، لا يختص به عمرو، وأما قول ابن عدي: لم يُدخلوها في صحاح ما خرّجوا، فيرد عليه إخراج ابن خزيمة له في "صحيحه"، والبخاري في "جزء القراءة خلف الإمام" على سبيل الاحتجاج، وكذلك النسائي، وكتابه عند ابن عدي معدود في الصحاح، ولكن ابن عدي عَنَى غير "الصحيحين" (٣) فيما أظن، فليس فيهما لعمرو شيء.
стр. 147
وقد أنكر جماعة أن يكون شعيب سمع من عبد الله بن عمرو، وذلك مردود بما تقدم، ومن ذلك قال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سألت علي بن المديني عن عمرو بن شعيب؟ فقال: ما روى عنه أيوب، وابن جريج، فذا كله صحيح، وما رَوَى عن أبيه عن جده، فهو كتاب وَجَدَهُ، فهو ضعيف. وقال ابن عدي: عمرو بن شعيب في نفسه ثقة، إلا أنه إذا روى عن أبيه عن جده يكون مرسلًا؛ لأن جده محمدًا لا صحبة له. وقال ابن حبان في "الضعفاء": إذا روى عمرو عن طاوس، وسعيد بن المسيب، وغيرهما من الثقات، فهو ثقة، يجوز الاحتجاج به، وإذا رَوَى عن أبيه، عن جده، فإن شعيبا لم يلق عبد الله، فيكون منقطعا، وإن أراد بجده محمدا، فهو لا صحبة له، فيكون مرسلًا، والصواب أن يُحَوَّل عمرو إلى "كتاب الثقات"، فأما المناكير في روايته فتُترك.
وقال الدارقطني: لمّا حكى كلام ابن حبان: هذا خطأ، قد رَوَى عبيد الله بن عمر العمري، وهو من الأئمة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، قال: كنت عند عبد الله بن عمرو، فجاء رجل، فاستفتاه في مسألة، فقال لي: يا شعيب امْضِ معه إلى ابن عباس ... ، فذكر الحديث.
قلت وقد أسند ذلك الدارقطني في "السنن"، قال: ثنا أبو بكر بن زياد النيسابوري، ثنا محمد بن يحيى الذهلي وغيره، قالوا: ثنا محمد بن عبيد، ثنا عبيد الله بن عمر. ورواه الحاكم أيضا من هذا الوجه. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سمعت هارون ابن معروف يقول: لم يسمع عمرو من أبيه شيئًا، إنما وجده في كتاب أبيه، قال ابن أبي خيثمة: قلت ليحيى بن معين: أليس قد سمع من أبيه؟، قال: بلى، قلت: إنهم ينكرون ذلك، فقال: قال أيوب: حدثني عمرو، فذكر أبا عن أب إلى جده، قد سمع من أبيه، ولكنهم قالوا حين مات عمرو بن شعيب: عن أبيه عن جده إنما هذا كتاب، قال الحافظ: يشير ابن معين بذلك إلى حديث إسماعيل ابن علية، عن أيوب، حدثني عمرو ابن شعيب، حدثني أبي، عن أبيه، عن أبيه، حتى ذكر عبد الله بن عمرو، فذكر حديث:
стр. 148
"لا يَحِلُّ سَلَفٌ وبيع"، أخرجه أبو داود، والترمذي، من رواية ابن علية، عن أيوب.
ورَوَى النسائي من حديث ابن طاوس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن أبيه محمد بن عبد الله بن عمرو، وقال مرة: عن أبيه، وقال مرة: عن جده، في النهي عن لحوم الحمر الأهلية، ولم يأت التصريح بذكر محمد بن عبد الله بن عمرو في حديث، إلا في هذين الحديثين فيما وقفت عليه، وذلك نادر لا تعويل عليه، ولكن استدلّ ابن معين بذلك على صحة سماع عمرو من أبيه في الجملة. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح -يعني المصري-: عمرو سمع من أبيه، عن جدّه، وكُلُّه سماعٌ، عمرٌو يُثْبَتُ أحاديثه مقام التثبت. وقال الساجي: قال ابن معين: هو ثقة في نفسه، وما رَوَى عن أبيه، عن جده، لا حجة فيه، وليس بمتصل، وهو ضعيف، من قبيل أنه مرسل، وَجَدَ شعيب كتب عبد الله بن عمرو، فكان يرويها عن جده إرسالًا، وهي صحاح عن عبد الله بن عمرو، غير أنه لم يسمعها.
قال الحافظ: فإذا شَهِدَ له ابن معين أن أحاديثه صحاح، غير أنه لم يسمعها، وصح سماعه لبعضها، فغاية الباقي أن يكون وجادة صحيحة، وهو أحد وجوه التحمل. والله أعلم. وقال يعقوب بن شيبة: ما رأيت أحدا من أصحابنا، ممن ينظر في الحديث، وينتقي الرجال يقول في عمرو بن شعيب شيئًا، وحديثه عندهم صحيح، وهو ثقة ثبت، والأحاديث التي أنكروا من حديثه، إنما هي لقوم ضعفاء، رَوَوها عنه، وما رَوَى عنه الثقات فصحيح، قال: وسمعت علي بن المديني يقول: قد سمع أبوه شعيب من جده عبد الله بن عمرو. وقال علي ابن المديني: وعمرو بن شعيب وعندنا ثقة، وكتابه صحيح. وقال الشافعي -فيما أسنده البيهقي في "المعرفة" عنه، يخاطب الحنفية، حيث احتجوا عليه بحديث لعمرو بن شعيب-: عمرو بن شعيب قد رَوَى أحكامًا توافق أقاويلنا، وتخالف أقاويلكم عن الثقات، فرددتموها، ونسبتموه إلى الغلط، فأنتم محجوجون إن كان ممن ثبت حديثه، فأحاديثه التي وافقناها، وخالفتموها، أو أكثرها، وهي نحو ثلاثين حكما، حجة عليكم، وإلا فلا تحتجوا به، ولا سيما إن كانت الرواية
стр. 149
عنه لم تثبت. وقال الذهبي: كان أحد علماء زمانه، وقال: قيل: إن محمدا والد شعيب مات في حياة أبيه، فرباه جَدّه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما نقلت ترجمة عمرو بن شعيب بطولها؛ لكثرة الكلام فيه، والحقّ أنه ثقة، فإذا صرح بالتحديث، فأحاديثه صحاح، وأن المراد بجدّه جدّه الأعلى، وهو عبد الله بن عمرو ﵄.
وقد أوجز الحافظ ﵀ خلاصة القول فيه، حيث قال فيما سبق من كلامه: فإذا شَهِدَ له ابن معين بأن أحاديثه صحاح، غير أنه لم يسمعها، وصح سماعه لبعضها، فغاية الباقي أن يكون وجادةً صحيحةً، وهو أحد وجوه التحمل.
وأجاد الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى في "الميزان" حيث قال: قد أجبنا عن روايته عن أبيه، عن جدّه بأنها ليست بمرسلة، ولا منقطعة، أما كونها وجادة، أو بعضها سماع، وبعضها وجادة، فهذا محلّ نظر، ولسنا نقول: إن حديثه من أعلى أقسام الصحيح، بل هو من قبيل الحسن. انتهى (١).
قال خليفة وغيره: مات سنة ثماني عشرة ومائة.
أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٧٠) حديثًا.
٥ - (أبوه) شُعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص الحجازي السهميّ، وقد ينسب إلى جده الطائفيّ، صدوق [٣].
رَوَى عن جده، وابن عباس، وابن عمر، ومعاوية، وعبادة بن الصامت، وأبيه محمد بن عبد الله إن كان محفوظا.
ورَوَى عنه ابناه: عمرو، وعمر، وثابت البناني، ونسبه إلى جده، وأبو سَحَابَة زياد ابن عمرو، وسلمة بن أبي الحسام، وعثمان بن حكيم بن عطاء الخراساني.
ذكره خليفة في الطبقة الأولى من أهل الطائف. وذكره ابن حبان في "الثقات"،
стр. 150
وذكر البخاري، وأبو داود، وغيرهما أنه سمع من جده، ولم يذكر أحد منهم أنه يروي عن أبيه محمد، ولم يذكر أحد لمحمد هذا ترجمة إلا القليل. أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب (٦٥) حديثًا.
٦ - (معاوية) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أبو عبد الرحمن الأموي، أسلم يوم الفتح، وقيل قبل ذلك، رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وأخته أم حبيبة.
ورَوَى عنه جرير بن عبد الله البجلي، والسائب بن يزيد الكندي، وابن عباس، ومعاوية بن حُدَيج، ويزيد بن جارية، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، وأبو إدريس الخولاني، وسعيد بن المسيب، وقيس بن أبي حازم، وعيسى بن طلحة، وأبو مِجْلَز، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن جبير بن مطعم، وآخرون.
ولاه عمر بن الخطاب الشام بعد أخيه يزيد، فأقره عثمان مدة ولايته، ثم ولي الخلافة، قال ابن إسحاق: كان معاوية أميرا عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة. وقال يحيى بن بكير عن الليث: تُوفّي في رجب لأربع ليال بقين منه سنة ستين. وقال الوليد بن مسلم: مات في رجب سنة ستين، وكانت خلافته تسع عشرة سنة ونصفا. وقيل: مات سنة تسع وخمسين. وقيل: مات وهو ابن ثمان وسبعين. وقيل: ابن ست وثمانين. أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (١٣٠) حديثًا، اتفق الشيخان منها على أربعة، انفرد البخاريّ بأربعة، ومسلم بخمسة، وله في هذا الكتاب ستة عشر حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد، أنه (قَالَ: قَامَ مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما (خَطِيبًا، فَقَالَ) رضي الله تعالى عنه (أَيْنَ عُلماؤُكُمْ) أي ليُصدّقوني فيما أقول (أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ) كرّره تأكيدًا (سَمِعْتُ رَسُولَ الله، يَقُولُ: "لا) نافية، ولهذا رُفع الفعل بعدها (تَقُومُ السَّاعَةُ) أي القيامة. وقوله: (إِلَّا وَطَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ) في محلّ نصب على الحال، أي إلا والحال أن طائفة منهم ظاهرون.
стр. 151
ومعنى ظهورهم غلبتهم، وقهرهم، والمراد بالناس أعدائهم الكفّار.
قال صاحب "إنجاح الحاجة": لعلّ غرض معاوية بن أبي سفيان من رواية هذا الحديث بهذا الاهتمام الاستدلال على حقّيّته، وحقّيّة أشياعه وأتباعه؛ لأن الطائفة الظاهرة الغالبة المنصورة في زمانه لم يكن إلا هو وأتباعه، فلو لم تكن تلك الطائفة على الحقّ قوّامة على أمر الله لما صدق هذا الحديث. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الاستدلال نظرٌ لا يخفى. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله: "ظاهرون" هكذا نسخ "ابن ماجه" بالرفع، وهو الظاهر؛ لأنه خبر لطائفةٌ، فما كتبه الدكتور بشار فيما كتبه على هذا الكتاب من تصويبه "ظاهرين" بالنصب فمما لا وجه له، إلا بتكلّف، لا داعي له، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال في "الفتح": اتفق الشراح على أن معنى قوله: "ظاهرون على من خالفهم" أن المراد عُلُوّهم عليهم بالغلبة، وأبعد من أبدع، فرد على من جعل ذلك منقبة لأهل الغرب أنه مذمة؛ لأن المراد بقوله: "ظاهرين على الحق" أنهم غالبون له، وأن الحق بين أيديهم كالميت، وأن المراد بالحديث ذم الغرب، وأهله لا مدحهم. انتهى.
(لَا يُبَالُونَ مَنْ خَذَلهُمْ) أي ترك معاونتهم، ونصرهم (وَلَا) يبالون أيضًا (مَنْ نَصَرَهُمْ) أي إنهم لقوّة إيمانهم، وكمال توكّلهم على ربّهم لا يلتفتون إلى غيره ، فلا يعتمدون على إقبال من أقبل عليهم، ولا يتأثّرون على إدبار من أدبر منهم، بل هم دائمًا مستمرّون على نشر الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله؛ لإعلاء كلمة الله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث معاوية رضي الله تعالى عنه هذا إسناده ضعيف؛ لأن فيه القاسمَ بنَ نافع، مجهول الحال، لم يرو عنه سوى اثنين، ولم يوثّقه أحد، وقال الذهبيّ في "الميزان": لا
стр. 152
يُعرف؟، لكن الحديث صحيح، فقد أخرجه الشيخان من طريق عُمير بن هانىء، عن معاوية ﵁، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا بهذا السند فقط، وأخرجه (البخاريّ) في "العلم" ٢٥، و"الاعتصام بالكتاب والسنة"٧٣١٢ و (مسلم) في الإمارة" ١٠٣٧، و"أحمد" ٤/ ١٠١، وأما فوائده فقد تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 153
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
١٠ - (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسماءَ الرَّحَبِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحقِّ، مَنْصُورِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هشام بن عمّار) السلميّ الدمشقيّ المذكور في ١/ ٥.
٢ - (محمد بن شعيب) بن شابور -بالمعجمة، والموحّدة- الأمويّ مولاهم، أبو عبد الله الدمشقيّ، نزيل بيروت، صدوقٌ، صحيح الكتاب، من كبار [٩].
رَوَى عن الأوزاعي، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وسعيد بن بشير، وخالد بن دِهْقان، وسعيد بن عبد العزيز التَّنُوخي، وعبد الرحمن بن حسان الكناني، وإبراهيم بن سليمان الأفطس، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن المبارك، ومات قبله، والوليد بن مسلم، وهو من أقرانه، وإسحاق بن إبراهيم الفراديسي، ومروان بن محمد الطاطري، وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، وصفوان بن صالح المؤذن، ومحمد بن مصفى، ومحمد بن هاشم البعلبكي، ومؤمل بن الفضل الحراني، ونصر بن عاصم الأنطاكي، وهشام بن عمار، وبقية، وعمران بن يزيد، وآخرون.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ما أرى به بأسًا، وما علمت إلا خيرًا. وقال عبد الله ابن أحمد عن أبيه نحوه، وزاد: كان رجلا عاقلا. وقال هشام بن مرثد: سمعت ابن معين يقول: كان مرجئا، وليس به في الحديث بأس. وقال إسحاق بن راهويه: روى ابن المبارك عن محمد بن شعيب بن شابور، فقال: أنا الثقة من أهل العلم، محمد بن شعيب، وكان يسكن بيروت. وقال ابن عمار ودحيم: ثقة، زاد دحيم: والوليد كان أحفظ منه، وكان محمد إذا حدث بالشيء من كتبه، كان حديثا صحيحًا. وقال أبو حاتم: هو أثبت
стр. 154
من محمد بن حرب، ومحمد بن حمير، وبقية. وقال الآجري عن أبي داود: محمد بن شعيب في الأوزاعي ثبت. وقال ابن عدي: الثقات من أهل الشام، فعده فيهم. وقال العجلي: شامي ثقة. وقال الذهبي في "الميزان": ما علمت به بأسًا. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وُلد سنة ست عشرة ومئة، ومات سنة مائتين، وكذا قال ابن أبي عاصم عن دحيم في سنة وفاته. وقال الحسن بن محمد بن بكار: مات سنة ست أو (٩٧). وقال هشام بن عمار: مات سنة (٩٨). وقال محمد بن مصفى: مات سنة تسع وتسعين ومائة. أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث.
٣ - (سعيد بن بشير) الأزديّ مولاهم، أبو عبد الرحمن، أو أبو سلمة الشاميّ، أصله من البصرة، أو واسط، لا بأس به (١) [٨].
رَوَى عن قتادة، والزهري، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن عمر، وعبد العزيز ابن صهيب، والأعمش، وأبي الزبير، ومطر الوراق، وجماعة. ورَوَى عنه بقية، وأسد ابن موسى، ورواد بن الجراح، ومحمد بن شعيب بن شابور، وأبو مسهر، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان قدريا. وقال البخاري ومسلم: نراه أبا عبد الرحمن الذي رَوَى هشيم عنه عن قتادة. وقال بقية عن شعبة: ذاك صدوق اللسان. وفي رواية صدوق اللسان في الحديث. قال بقية: فحدثت به سعيد بن عبد العزيز، فقال لي: بُثَّ هذا يرحمك الله في جندنا، فإن الناس عندنا كأنهم ينتقصونه. وقال أبو حاتم: قلت لأحمد بن صالح: سعيد بن بشير دمشقي، كيف هذه الكثرة عن قتادة؟ قال: كان أبوه
стр. 155
شريكا لأبي عروبة، فأقدم بشير ابنه سعيدًا البصرة، فبقي يطلب مع سعيد بن أبي عروبة. وقال مروان بن محمد: سمعت ابن عيينة يقول: حدثنا سعيد بن بشير، وكان حافظا. وقال يعقوب بن سفيان: سألت أبا مسهَر عنه؟ فقال: لم يكن في جندنا أحفظ منه، وهو ضعيف، منكر الحديث. وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي مسهر: كان سعيد بن بشير قدريا، قال: معاذ الله. قال: وسألت عبد الرحمن بن إبراهيم، عن قول من أدرك فيه، فقال: يوثقونه، وسألته عن محمد بن راشد، فقدم سعيدا عليه. وقال عثمان الدارمي: سمعت دُحيما يوثقه، وسألته عن محمد بن راشد، فقدم سعيدا عليه. وقال سعيد بن عبد العزيز: كان حاطب ليل. وقال عمرو بن علي، ومحمد بن المثنى: حدث عنه ابن مهدي، ثم تركه، وكذا قال أبو داود عن أحمد. وقال الميموني: رأيت أبا عبد الله يضعف أمره. وقال الدُّوري وغيره عن ابن معين: ليس بشيء. وقال عثمان الدارمي وغيره عن ابن معين. ضعيف. وقال علي بن المديني: كان ضعيفا. وقال محمد ابن عبد الله بن نمير: منكر الحديث، ليس بشيء، ليس بقوي الحديث، يروي عن قتادة المنكرات. وقال البخاري: يتكلمون في حفظه، وهو محُتَمَل. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: محله الصدق عندنا، قلت لهما: يحتج بحديثه؟ قالا: يحتج بحديث أبي عروبة، والدستوائي، هذا شيخ يُكتب حديثه. وقال النسائي: ضعيف. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال الساجي: حَدّث عن قتادة بمناكير. وقال الآجري عن أبي داود: ضعيف. وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ، فاحش الخطإ، يروي عن قتادة ما لا يُتابَع عليه، وعن عمرو بن دينار ما ليس يُعرف من حديثه، ومات وله (٨٩) سنة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لم يُدرِك الحكم بن عتيبة. وقال أبو بكر البزار: هو عندنا صالح، ليس به بأس. وقال ابن عديّ. له عند أهل دمشق تصانيف، ولا أرى بما يرويه بأسًا، ولعله يَهِم في الشيء بعد الشيء، ويَغلَط، والغالب على حديثه الاستقامة، والغالب عليه الصدق. قال "أبو الجماهر وغيره: مات سنة (١٦٨). وقال الوليد وغيره: مات سنة (٦٩). وقال ابن سعد: مات سنة (٧٠). أخرج
стр. 156
له الأربعة، وله في هذا الكتاب ستّة أحاديث.
٤ - (قتادة) بن دعامة بن عزيز بن عمرو بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سَدُوس، أبو الخطاب السدوسي البصري، وُلد أكمه، ثقة ثبتٌ، رأس الطبقة [٤].
رَوَى عن أنس بن مالك، وعبد الله بن سَرْجِسَ، وأبي الطفيل، وصفية بنت شيبة، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، وأبي الشعثاء جابر بن زيد، وحميد بن عبد الرحمن ابن عوف، والشعبي، وعبد الله بن شقيق، وغيرهم.
ورَوَى عنه أيوب السختياني، وسليمان التيمي، وجرير بن حازم، وشعبة، ومسعر، ويزيد بن إبراهيم التستري، ويونس الإسكاف، وأبو هلال الراسبي، وهشام الدستوائي، ومطر الوراق، وهمام بن يحيى، وعمرو بن الحارث المصري، وغيرهم.
قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: إنه أقام عند سعيد بن المسيب ثمانية أيام، فقال له في اليوم الثالث: ارتَحِلْ يا أعمى، فقد أَنْزَفْتَنِي. وقال سلام بن مسكين: حدثني عمرو بن عبد الله، قال: لمّا قدم قتادة على سعيد بن المسيب، فجعل يسأله أيامًا وأكثر، فقال له سعيد: أكلَّ ما سألتني عنه تحفظه؟ قال: نعم، سألتك عن كذا فقلت فيه كذا، وسألتك عن كذا فقلت فيه كذا، وقال فيه الحسن كذا، حتى رَدَّ عليه حديثا كثيرا، قال: فقال سعيد: ما كنت أظن أن الله خلق مثلك. وعن سعيد بن المسيب قال: ما أتاني عراقي أحسن من قتادة. وقال بكر بن عبد الله المزني: ما رأيت الذي هو أحفظ منه، ولا أجدر أن يؤدي الحديث كما سمعه. وقال ابن سيرين: قتادة هو أحفظ الناس. وقال مطر الوراق: كان قتادة إذا سمع الحديث أخذه الْعَوِيل والزَّوِيل حتى يحفظه. وقال معمر: قال قتادة لسعيد بن أبي عروبة: خذ المصحف، قال: فعرض عليه سورة البقرة، فلم يخطئ فيها حرفا واحدا، قال: يا أبا النضر: أحكمت؟ قال: نعم، قال: لأنا بصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة، قال: وكانت قرئت عليه، وقال الأثرم: سمعت أحمد يقول: كان قتادة أحفظ أهل البصرة، لم يسمع شيئا إلا حفظه، وقُرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة، فحفظها، وكان سليمان التيمي، وأيوب يحتاجون إلى حفظه، ويسألونه،
стр. 157
وكان له خمس وخمسون سنة يوم مات.
وقال ابن حبان في "الثقات": كان من علماء الناس بالقرآن والفقه، ومن حفاظ أهل زمانه، مات بواسط سنة (١١٧)، وكان مدلسا على قَدَر فيه. وقال عمرو بن علي: وُلد سنة (٦١)، ومات سنة سبع عشرة ومائة. وقال أبو حاتم: تُوفي بواسط في الطاعون، وهو ابن ست، أو سبع وخمسين سنة، بعد الحسن بسبع سنين. وقال أحمد بن حنبل عن يحيى ابن سعيد: مات سنة (١١٧) أو (١٨). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥٤) حديثًا.
٥ - (أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو، ويقال: عامر بن ناتل بن مالك بن عبيد بن علقمة بن سعد، أبو قلابة الجرمي البصري، أحد الأعلام، ثقة فاضلٌ، كثير الإرسال [٣].
رَوَى عن ثابت بن الضحاك الأنصاري، وسمرة بن جندب، وأبي زيد عمرو بن أخطب، وعمرو بن سلمة الجرمي، ومالك بن الحويرث، وزينب بنت أم سلمة، وأنس ابن مالك الأنصاري، وغيرهم.
ورَوَى عنه أيوب، وخالد الحذاء، وأبو رجاء سلمان مولى أبي قلابة، ويحيى بن أبي كثير، وأشعث بن عبد الرحمن الجرمي، وعاصم الأحول، وغيلان بن جرير، وطائفة.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وقال: كان ثقة كثير الحديث، وكان ديوانه بالشام. وقال علي بن أبي حملة: قلنا لمسلم بن يسار: لو كان بالعراق أفضل منك لجاءنا الله به، فقال: كيف لو رأيتم أبا قلابة؟. وقال مسلم أيضا: لو كان أبو قلابة من العجم، لكان مُوْبذ مُوْبذان -يعني قاضي القضاة-. وقال ابن سيرين ذاك أخي حقّا. وقال ابن عون: ذَكَرَ أيوب لمحمد حديثا عن أبي قلابة، فقال: أبو قلابة -إن شاء الله- ثقة، رجل صالح، ولكن عمن ذكره أبو قلابة؟. وقال أيوب: كان والله من الفقهاء، ذوي الألباب، ما أدركت بهذا المصر رجلا كان أعلم بالقضاء من أبي قلابة، ما
стр. 158
أدري ما محمد. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وكان يحمل على علي، ولم يرو عنه شيئا، ولم يسمع من ثوبان. وقال أبو حاتم: لا يعرف له تدليس (١). وقال ابن خراش: ثقة. وقال عمر بن عبد العزيز: لن تزالوا بخير يا أهل الشام ما دام فيكم هذا. قال ابن المديني: مات أبو قلابة بالشام. وقال ابن يونس: مات بالشام سنة أربع ومائة، وكذا أرخه غيره. وقال الواقدي: تُوفي سنة (٤) أو خمس. وقال ابن المديني: مات سنة (٤) أو سبع. وقال ابن معين: أرادوه على القضاء، فهرب إلى الشام، فمات بها سنة (٦) أو (٧). وقال الهيثم بن عدي: مات سنة (١٠٧). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٧) حديثًا.
٦ - (أبو أسماء الرحبيّ) عمرو بن مرثد الدمشقي، وقال ابن سميع: اسم أبيه أسماء. رَوَى عن ثوبان، وأبي ذر، وشداد بن أوس، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي هريرة، وأبي ثعلبة الخشني.
ورَوَى عنه أبو الأشعث الصنعاني، وأبو قلابة الجرمي، وشداد أبو عَمّار، ومكحول الشامي، وراشد بن داود الصنعاني، ويحيى بن الحارث الذماري، وربيعة بن يزيد القصير، وصالح بن جبير.
قال العجلي: شامي تابعي ثقة. ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن زبر: "الرَّحَبيّ-: نسبة إلى رحبة دمشق، قرية من قراها، بينها وبين دمشق ميل، رأيتها عامرة. وذكر أبو سعد بن السمعاني أنه من رَحَبَة حمير، وقال: مات في خلافة عبد الملك بن مروان. ويُروَى عن أبي داود أن اسم أبي أسماء الرحبي عبد الله. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث.
٧ - (ثوبان) بن بُجْدُد، ويقال: ابن جَحْدَر، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن الهاشمي، مولى النبي ﷺ ، قيل: أصله من اليمن، أصابه سِبَاء، فاشتراه النبي ﷺ ،
стр. 159
فأعتقه، وقال: "إن شئت أن تَلْحَق بمن أنت منهم فعلت، وإن شئت أن تثبت، فأنت منا أهل الييت"، فثبت، ولم يزل معه في سفره وحضره، ثم خرج إلى الشام، فنزل الرملة، ثم حمص، وابتنى بها دارا، ومات بها في إمارة عبد الله بن قُرْط، رَوَى عن النبي ﷺ ، وعنه أبو أسماء الرحبي، ومعدان بن أبي طلحة اليعمري، وأبو حي المؤذن، وراشد ابن سعد، وجُبير بن نُفير، وعبد الرحمن بن غَنْم، وأبو عامر الألهاني، وأبو إدريس الخولاني، وجماعة. قال صاحب "تاريخ حمص": بلغنا أن وفاته كانت سنة (٥٤)، وكذا قال ابن سعد، وغير واحد، أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا، وشرح الحديث، وفوائده تقدّمت في الأحاديث الماضية، فلا حاجة إلى إعادتها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه هذا إسناده حسن، من أجل الكلام في سعيد ابن بشير، كما تقدّم في ترجمته، وأما متنه فقد أخرجه مسلم، كما سيأتي في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا (١/ ١٠) بهذا السند فقط، وأخرجه (مسلم) في "الجهاد" ٦/ ٥٢ عن سعيد بن منصور، وأبي الربيع الزهرانيّ، وقتيبة، ثلاثتهم عن حماد ابن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عنه. و (أبو داود) (٤٢٥٢) عن سليمان بن حرب، ومحمد بن عيسى، كلاهما عن حماد بن زيد به، و (الترمذيّ) (٢٢٢٩) في "الفتن" عن قُتيبة به، وزاد في أوله: "إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلّين"، وقال: حسنٌ صحيح. و (أحمد) ٥/ ٢٧٨ عن سليمان بن حرب به. و ٥/ ٢٧٩ عن يونس، عن حماد به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 160
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
١١ - (حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَالِدًا يَذْكُرُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَخَطَّ خَطًّا، وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَسَارهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ في الخطِّ الْأَوْسَطِ، فَقَالَ: "هَذَا سَبِيلُ الله، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أبو سعيد، عبد الله بن سعيد) بن حصين الكنديّ، أبو سعيد الأشج الكوفي، ثقة، من صغار [١٠].
رَوَى عن إسماعيل ابن علية، وحفص بن غياث، وأبي أسامة، وعبد السلام بن حرب، وهشيم، وزياد بن الحسن بن فرات القزاز، وأبي بدر شجاع بن الوليد.
وروى عنه الجماعة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن خزيمة، وجماعة.
قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس به بأس، ولكنه يروي عن قوم ضعفاء.
وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال مرة: الأشج إمام زمانه. وقال النسائي: صدوق، وقال مرة: ليس به بأس. وقال محمد بن أحمد بن بلال الشطوي: ما رأيت أحفظ منه. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الخليلي، ومسلمة بن قاسم: ثقة. وقال اللالكائي وغيره: مات سنة سبع وخمسين ومائتين. وأرخه ابن قانع سنة (٦). وفي "الزهرة": روى عنه البخاريّ ثمانية، ومسلم سبعين حديثًا، وله في هذا الكتاب (٤٤) حديثًا.
٢ - (أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي الجعفري، نزل فيهم، ووُلد بجرجان، صدوقٌ يُخطىء [٨].
رَوَى عن سليمان التيمي، وحميد الطويل، وداود بن أبي هند، وابن عون.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وابنا أبي شيبة، وآدم بن أبي إياس، وأسد بن موسى، والفريابي، وأبو كريب، وأبو سعيد الأشج، وجماعة، وحَدّث عنه محمد بن إسحاق،
стр. 161
وهو من شيوخه، وآخر من روى عنه حميد بن الربيع.
قال إسحاق بن راهويه: سألت وكيعا عن أبي خالد، فقال: وأبو خالد ممن يسأل عنه؟. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة. وكذا قال ابن المديني. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ليس به بأس. وكذا قال النسائي. وقال عباس الدوري، عن ابن معين: صدوق، وليس بحجة. وقال أبو هشام الرفاعي: ثنا أبو خالد الأحمر الثقة الأمين. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الخطيب: كان سفيان يعيب أبا خالد؛ لخروجه مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وأما أمر الحديث، فلم يكن يطعن عليه فيه. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وإنما أُتِي من سوء حفظه، فيَغْلَط، ويخطىء، وهو في الأصل -كما قال ابن معين- صدوق، وليس بحجة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: ثقة ثبت صاحب سنة، وكان متحرفًا، يواجر نفسه من التجار، وكان أصله شاميا، إلا أنه نشأ بالكوفة. وقال أبو بكر البزار في كتاب "السنن" ليس ممن يلزم زيادته حجة؛ لاتفاق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظا، وأنه قد رَوَى أحاديث عن الأعمش وغيره لم يتابع عليها. قال هارون بن حاتم: سألت أبا خالد: متى وُلدت؟ قال سنة (١١٤). قال هارون: ومات سنة (١٩٠). وقال ابن سعد، وخليفة: مات سنة تسع وثمانين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٧) حديثًا.
٣ - (مجالد) -بضمّ أوله، وتخفيف الجيم- ابن سعيد بن عمير بن بِسطام بن ذي مُرّان بن شُرَحبيل بن ربيعة بن مَرْثَد بن جُشَم الهمداني -بسكون الميم- أبو عمرو، ويقال: أبو سعيد الكوفي، ليس بالقويّ، وقد تغيّر في آخر عمره، من صغار [٦].
رَوَى عن الشعبي، وقيس بن أبي حازم، وأبي الوَدّاك جبر بن نوف، وغيرهم.
وروى عنه ابنه إسماعيل، وإسماعيل بن أبي خالد، وهو من أقرانه، وجرير بن حازم، وشعبة والسفيانان، وابن المبارك، وغيرهم.
قال البخاري: كان يحيى بن سعيد يضعفه، وكان ابن مهدي لا يروي عنه، وكان
стр. 162
أحمد بن حنبل لا يراه شيئا. وقال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: مجالد، قال: في نفسي منه شيء. وقال أحمد بن سنان القطان: سمعت ابن مهدي يقول: حديث مجالد عند الأحداث، أبي أسامة وغيره، ليس بشيء، ولكن حديث شعبة، وحماد بن زيد، وهشيم، وهؤلاء -يعني أنه تغير حفظه في آخر عمره-. وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى بن سعيد يقول لبعض أصحابه: أين تذهب؟ قال: إلى وهب بن جرير، أكتُب السيرة عن أبيه، عن مجالد، قال: تكتب كذبا كثيرا، لو شئتُ أن يجعلها إلي مجالد كلها عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله فعل. وقال أبو طالب عن أحمد: ليس بشيء، يرفع حديثا كثيرا، لا يرفعه الناس، وقد احتمله الناس. وقال الدوري عن ابن معين: لا يحتج بحديثه. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف، واهي الحديث، كان يحيى بن سعيد يقول: لو أردت أن يرفع لي مجالد حديثه كله رفعه، قلت: ولِمَ يرفعه؟ قال: للضعف. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي يحتج بمجالد؟ قال: لا، وهو أحب إلي من بشر ابن حرب، وأبي هارون العبدي، وشهر بن حوشب، وعيسى الخياط، وداود الأوديّ، وليس مجالد بقوي في الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي، ووثقه مرة. وقال ابن عدي: له عن الشعبي عن جابر أحاديث صالحة، وعن غير جابر، وعامة ما يرويه غير محفوظة. وقال عمرو بن علي وغيره: مات سنة أربع وأربعين ومائة في ذي الحجة. وقال يعقوب بن سفيان: تكلم الناس فيه، وهو صدوق. وقال الدارقطني: يزيد بن أبي زياد أرجح منه، ومجالد لا يعتبر به. وقال الساجي: قال محمد بن المثنى: يحتمل حديثه؛ لصدقه. وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث. وقال العجلي: جائز الحديث، إلا أن ابن مهدي كان يقول: أشعث بن سوار كان أقرأ منه. قال العجلي: بل مجالد أرفع من أشعث، وكان يحيى بن سعيد يقول: كان مجالد يُلَقِّن في الحديث إذا لُقِّن. وقال البخاري: صدوق. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. أخرج له الجماعة، إلا البخاريّ، وحديثه عند مسلم مقرون، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا.
٤ - (الشعبيّ) -بفتح الشين المعجمة- عامر بن شراحيل بن عبد، وقيل: عامر بن
стр. 163
عبد الله بن شَرَاحيل الشعبي الحميري، أبو عمرو الكوفي، من شعب هَمْدَان، ثقة مشهورٌ فقيه فاضل [٣].
رَوَى عن علي، وسعد بن أبي وقاص، وعبادة بن الصامت، وأبي موسى الأشعري، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي هريرة، والمغيرة بن شعبة، وأبي جحيفة السوائي، والنعمان بن بشير، وأبي ثعلبة الخشني، وجرير بن عبد الله البجلي، وغيرهم من الصحابة، والتابعين.
ورَوَى عنه أبو إسحاق السبيعي، وسعيد بن عمرو بن أشوع، وإسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر، وأشعث بن سوار، وتوبة العنبري، وحصين بن عبد الرحمن، وداود بن أبي هند، وقتادة، ومجالد بن سعيد، وأبو حيان التيمي، وجماعات.
قال منصور الْغُدَاني عن الشعبي: أدركت خمسمائة من الصحابة. وقال أشعث بن سَوّار: نَعَى لنا الحسنُ الشعبيَّ، فقال: كان والله كثير العلم، عظيم الحلم، قديم السلم، من الإسلام بمكان. وقال عبد الملك بن عمير: مَرّ ابن عمر على الشعبي، وهو يحدث بالمغازي، فقال: لقد شهدت القوم، فلهو أحفظ لها، وأعلم بها. وقال مكحول: ما رأيت أفقه منه. وقال أبو مجلز: ما رأيت فيهم أفقه منه. وقال ابن عيينة: كانت الناس تقول بعد الصحابة ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه، وقال ابن معين، وأبو زرعة، وغير واحد: الشعبي ثقة. وقال العجلي: سمع من ثمانية وأربعين من الصحابة، وهو أكبر من أبي إسحاق بسنتين، وأبو إسحاق أكبر من عبد الملك بسنتين، ولا يكاد الشعبي يرسل إلا صحيحا. وقال أبو جعفر الطبري في "طبقات الفقهاء": كان ذا أدب وفقه وعلم، وكان يقول: ما حللت حبوتي إلى شيء مما ينظر الناس إليه، ولا ضربت مملوكا لي قط، وما مات ذو قرابة لي، وعليه دين إلا قضيته عنه. وحكى ابن أبي خيثمة في "تاريخه" عن أبي حصين قال: ما رأيت أعلم من الشعبي، فقال له أبو بكر بن عياش: ولا شُريح؟ فقال: تريدني أن أكذب، ما رأيت أعلم من الشعبي. وقال أبو إسحاق الحبال: كان واحد زمانه في فنون العلم، قال ابن معين: قضى
стр. 164
الشعبي لعمر بن عبد العزيز.
قيل: مات سنة (٣)، وقيل: (٤)، وقيل: (٥)، وقيل: (٦)، وقيل: (٧)، وقيل: عشرة ومائة. وقال أحمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد القطان: مات قبل الحسن بيسير، ومات الحسن بلا خلاف سنة (١١٠)، واختلف في سنّه، فقيل: (٧٧)، وقيل: (٧٩)، وقيل: (٨٢)، والمشهور أن مولده كان لست سنين خلت من خلافة عمر. فعلى القول الأخير في وفاته وعلى المشهور من مولده يكون بلغ تسعين سنة. وقد قال أبو سعد بن السمعاني: وُلد سنة عشرين، وقيل: سنة (٣١)، ومات سنة (١٠٩). وحكى ابن سعد عن الشعبي قال: وُلدت سنة جَلُولاء يعني سنة (١٩). وقال ابن حبان في ثقات التابعين: كان فقيها شاعرا، مولده سنة (٢٠)، ومات سنة (١٠٩) على دُعابة فيه.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٠) حديثًا.
٥ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام بن ثعلبة الخزرجي السَّلَمِيّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، أحد المكثرين عن النبي ﷺ ، وروى عنه جماعة من الصحابة.
رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وعلي، وأبي عبيدة، وطلحة، ومعاذ بن جبل، وعمار بن ياسر، وخالد بن الوليد، وأبي بردة بن نيار، وأبي قتادة، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وعبد الله بن أنيس، وأبي حميد الساعدي، وأم شريك، وأم مالك، وأم مبشر من الصحابة، وأم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وهي من التابعين.
ورَوَى عنه أولاده: عبد الرحمن، وعقيل، ومحمد، وسعيد بن المسيب، ومحمود بن لبيد، وأبو الزبير، وعمرو بن دينار، وأبو جعفر الباقر، وابن عمه محمد بن عمرو بن الحسن، ومحمد بن المنكدر، وأبو نضرة العبدي، ووهب بن كيسان، وسعيد بن ميناء، والحسن بن محمد ابن الحنفية، وسعيد بن الحارث، وسالم بن أبي الجعد، وأيمن الحبشي، والحسن البصري، وأبو صالح السمان، وسعيد بن أبي هلال، وسليمان بن عتيق، وعاصم بن عمر بن قتادة، والشعبي، وعبد الله، وعبد الرحمن: ابنا كعب بن مالك،
стр. 165
وأبو عبد الرحمن الحبلي، وعبد الله بن مقسم، وعطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير، ومجاهد، والقعقاع بن حكيم، ويزيد الفقير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وخلق كثير.
وفي "الصحيح" عنه أنه كان مع من شَهِدَ العقبة. وروى البخاري في "تاريخه" بإسناد صحيح، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: كنتُ أميح أصحابي الماء يوم بدر. ومن طريق حجاج الصواف، حدثني أبو الزبير، أن جابرا حدثهم قال: غزا رسول الله ﷺ إحدى وعشرين غزوة بنفسه، شهدت منها تسع عشرة غزوة. وأنكر الواقدي رواية أبي سفيان عن جابر المذكور (١).
وروى مسلم من طريق زكريا بن إسحاق، حدثنا أبو الزبير، أنه سمع جابرا يقول: غزوت مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، قال جابر: لم أشهد بدرًا، ولا أحدًا، منعني أبي، فلما قُتل لم أتخلف. وعن جابر قال: استغفر لي رسول الله ﷺ ليلة الجمل خمسا وعشرين مرة. أخرجه أحمد وغيره، من طريق حماد بن سلمة، عن أبي الزبير عنه. وفي مصنف وكيع، عن هشام بن عروة: رأيت لجابر بن عبد الله حلقة في المسجد، يؤخذ عنه العلم. وروى البغوي من طريق عاصم بن عمر بن قتادة، قال: جاءنا جابر بن عبد الله، وقد أصيب بصره، وقد مَسّ رأسه ولحيته بشيء من صفرة. ومن طريق أبي هلال، عن قتادة قال: كان آخر أصحاب رسول الله ﷺ موتا بالمدينة جابرٌ. قال البغوي: هو وَهَمٌ، وآخرهم سهل بن سعد.
قال ابن سعد، والهيثم: مات سنة (٧٣). وقال محمد بن يحيى بن حبان: مات سنة (٧٧)، وكذا قال أبو نعيم، قال: ويقال: مات وهو ابن (٩٤) سنة، وصلى عليه أبان بن عثمان، وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة. وقال عمرو بن علي، ويحيى بن بكير، وغيرهما: مات سنة (٧٨). وقيل: غير ذلك. وقال البخاري: صلى عليه الحجاج. وقال علي بن المديني: مات جابر بعد أن عُمّر، فأوصى ألا يصلي عليه الحجاج. أخرج له
стр. 166
الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٣٠) حديثًا (١). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير مجالد، فضعيفٌ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه جابر بن عبد الله ﵄ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، وهو من المعمّرين، آخر من مات بالمدينة من الصحابة، على قول بعضهم، كما سبق آنفًا في ترجمته. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله) ﵄، أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَخَطَّ خَطًّا) أي خطًّا مستقيمًا (وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَخَطَّ خَطِّيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ في الْخطِّ الْأَوْسَطِ) أي وهو الخطّ المستقيم (فَقَالَ: "هَذَا سَبِيلُ الله) أي وقال للخطوط: "هذه سبُلُ الشيطان". يعني أن هذا الخطّ المستقيم مَثَل سبيلَه الموصل إليه، المقرّبة السالك فيه، والمراد بها الدين القويم، والصراط المستقيم، وهذه الخطوط المعوجّة مثل سبُل الشيطان، المعوّقة عن الوصول إلى الله تعالى، والمطلوب بالتمثيل توضيح حال السالك فيها، وأنه لا ينبغي له أدنى ميل عن الصراط المستقيم، فإنه بأدنى ميل يقع في سُبُل الضلال؛ لقربها، واشتباهها.
(ثُمَّ تَلَا) النبيّ ﷺ (هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ قال القرطبيّ رحمه الله تعالى (٢): هذه آية عظيمة، عَطَفَها على ما تقدم، فإنه لمّا نَهَى وأَمَر، حَذَّر هنا عن إتباع غير سبيله، فأمر فيها باتباع طريقه على ما نُبَيِّنه بالأحاديث الصحيحة وأقاويل السلف.
стр. 167
"وأنّ" في موضع نصب: أي وأَتْلُ أَنَّ هذا صراطي؛ عن الفراء والكسائي. قال الفراء: ويجوز أن يكون خفضا: أي وصاكم به، وبأن هذا صراطي، وتقديرها عند الخليل وسيبويه: ولأن هذا صراطي، كما قال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ الآية [الجن: ١٨]. وقرأ الأعمش، وحمزة، والكسائي: ﴿وإِنّ هذا﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف: أي الذي ذُكر في هذه الآيات صراطي مستقيمًا. وقرأ ابن أبي إسحاق، ويعقوب: "وأَنْ هذا" بالتخفيف، والمخففةُ مثل المشددة، إلا أن فيه ضمير القصة والشأن: أي وأنه هذا فهي في موضع رفع، ويجوز النصب، ويجوز أن تكون زائدة للتوكيد، كما قال : ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ الآية [يوسف: ٩٦]، والصراط: الطريق الذي هو دين الإسلام.
(مُسْتَقِيمًا) نُصِبَ على الحال، ومعناه: مستويًا قويمًا، لا اعوجاج فيه. وقوله: (فَاتَّبِعُوهُ) أَمْرٌ من الله تعالى باتباع طريقه الذي طَرَّقه على لسان نبيه محمد ﷺ ، وشَرَعَه، ونهايته الجنة، وتشعبت منه طُرُقٌ، فمن سلك الجادّة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق، أفضت به إلى النار، كما أشار إليه بقوله: (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ) أي تميلُ بكم (عَنْ سَبِيلِهِ﴾) أي صراط الله تعالى المستقيم. وإنما وحد "سبيله"؛ لأن الحق واحد، ولهذا جمع السُّبُل؛ لتفرقها وتشعبها، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧] (١).
وهذه السبل تعم اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، وسائر أهل الملل، وأهل البدع والضلالات، من أهل الأهواء، والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل، والخوض في الكلام، هذه كلها عُرْضَةٌ للزلل، ومظنة لسوء المعتقد، قاله ابن عطية. قال القرطبيّ: وهو الصحيح (٢).
стр. 168
وقال الإمام ابن جرير الطبري في "تفسيره" جـ: ٨ ص: ٨٧:
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]:
يقول تعالى ذكره: وهذا الذي وصاكم به ربكم أيها الناس في هاتين الآيتين، من قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وأمركم بالوفاء به، هو صراطه، يعني طريقه، ودينه الذي ارتضاه لعباده ﴿مُستَقِيمًا﴾ يعني قويمًا لا اعوجاج به عن الحق. ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ يقول: فاعملوا به، واجعلوه لأنفسكم منهاجا تسلكونه. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ يقول: ولا تسلكوا طريقا سواه، ولا تركبوا منهجا غيره، ولا تبغوا دينا خلافه، من اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، وعبادة الأوثان، وغير ذلك من الملل، فإنها بدع وضلالات. ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ يقول: فيشتت بكم إن اتبعتم السبل المحدثة التي ليست لله بسبل، ولا طرق، ولا أديان اتباعكم عن سبيله، يعني عن طريقه ودينه الذي شرعه لكم وارتضاه، وهو الإسلام الذي وصى به الأنبياء، وأمر به الأمم قبلكم. ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا الذي وصاكم به ربكم من قوله لكم: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وصاكم به ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يقول: لتتقوا الله في أنفسكم، فلا تهلكوها، وتحذروا ربكم فيها فلا تسخطوه عليها، فيحل بكم نقمته وعذابه. انتهى.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وفي قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، ونحو هذا في القرآن قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء
стр. 169
والخصومات في دين الله، ونحو هذا قال مجاهد، وغير واحد. انتهى (١) .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده مُجالد بن سعيد، وهو ضعيف، كما سبق في ترجمته، [قلت]: إنما صحّ لأمرين:
[أحدهما]: أنه وإن كان الأكثرون على تضعيفه، فليس متّهمًا، ولا متروكًا، بل قال فيه ابن عديّ: له عن الشعبيّ، عن جابر أحاديث صالحة، وقال يعقوب بن سفيان: تكلّم فيه الناس، وهو صدوقٌ. وقال محمد بن المثنّى: يُحتَمَل حديثه؛ لصدقه. وقال البخاريّ: صدوقٌ. ووثقه النسائي في رواية عنه. فمن كان هذا حاله، فليس بشديد الضعف.
[الثاني]: أن لحديثه هذا شواهد، فقد صحّ من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، ومن حديث النوّاس بن سمعان رضي الله تعالى عنه:
فأما حديث ابن مسعود ﵁ فقد أخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "مسنده"، فقال: حدثنا الأسود بن عامر شاذان، حدثنا أبو بكر -هو ابن عياش- عن عاصم -هو ابن أبي النجود- عن أبي وائل، عن عبد الله -هو ابن مسعود ﵁، قال: خط رسول الله ﷺ خطا بيده، ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيمًا"، وخط عن يمينه وشماله، ثم قال: "هذه السُّبُل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه"، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وكذا رواه الحاكم عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي بكر بن عياش به،
стр. 170
وقال: صحيح، ولم يخرجاه.
قال ابن كثير: وهكذا رواه أبو جعفر الوازي، وورقاء، وعمرو بن أبي قيس، عن عاصم، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود، مرفوعا به نحوه. وكذا رواه يزيد بن هارون، ومسدد، والنسائي عن يحيى بن حبيب بن عربي، وابن حبان من حديث ابن وهب أربعتهم، عن حماد بن يزيد، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود به. وكذا رواه ابن جرير، عن المثنى، عن الحماني، عن حماد بن زيد به.
ورواه الحاكم عن أبي بكر بن إسحاق، عن إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد به كذلك، وقال: صحيح ولم يخرجاه. وقد روى هذا الحديث النسائي، والحاكم من حديث أحمد بن عبد الله بن يونس، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله بن مسعود به مرفوعا. وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه، من حديث يحيى الحماني، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زِرِّ به. فقد صححه الحاكم كما رأيت من الطريقين.
قال الحافظ ابن كثير: ولعل هذا الحديث عن عاصم بن أبي النجود عن زِرّ، وعن أبي وائل شقيق بن سلمة كلاهما عن ابن مسعود به. والله أعلم.
وقد روي موقوفا على ابن مسعود ﵁، فقد أخرجه ابن جرير في "تفسيره من طريق: معمر، عن أبان، أن رجلا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جَوَادّ، وعن يساره جَوَادّ، وثَمَّ رجال يدعون من مَرّ بهم، فمن أخذ في تلك الجوادّ، انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٣].
وأما حديث النواس بن سمعان الكلابيّ ﵁، فقد أخرجه الإمام أحمد أيضًا من طريق الليث ابن سعد، عن معاوية بن صالح، أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه، عن أبيه، عن النَّوَّاس بن سمعان ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "ضرب الله مثلا صراطا
стр. 171
مستقيمًا، وعن جنبي الصراط سُوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مُرْخَاة، وعلى باب الصراط داعٍ يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط المستقيم جميعًا، ولا تتفرّقوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن فتحته تَلِجْهُ، فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط، واعظ الله في قلب كل مسلم". وهو حديث صحيح (١). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف رحمه الله تعالى هنا- (١/ ١١) بهذا السند فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" ٣/ ٣٧٩ عن عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، به.
و (عبد بن حميد) ١١٤١ عن ابن أبي شيبة، به. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو اتّباع سنّة رسول الله ﷺ ، فقد بيّن ﷺ في هذا الحديث مثل ما جاء به من السنّة بالخطّ المستقيم، ومثل خلاف السنة وهي البدع بالخطوط المنحرفة عن الجادّة، ثم بيّن أن هذا هو بيان هذه الآية الكريمة التي أوجبت على الناس اتّباع صراطه المستقيم، وحرّمت اتباع سبل الشيطان؛ لأنه لا يجتمع الحقّ والباطل، والهدى والضلال في آن واحد، فإذا اتّبع الإنسان أحدهما لا بدّ، وأن يكون بعيدًا عن الآخر كلّ البعد.
٢ - (ومنها): تحريم اتّباع الهوى، والبدع، والخرافات؛ لأنها هي السبل التي نهى الله تعالى عن اتّباعها، بقوله: ﴿ولا تتبعوا السبل﴾.
стр. 172
٣ - (ومنها): مشروعيّة ضرب المثل إيضاحًا، وتقريبًا للأذهان.
٤ - (ومنها): بيان النبيّ ﷺ معنى الآية الكريمة؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤].
٥ - (ومنها): أن دين الإسلام طريق مستقيم، يوصل إلى الجنّة، وخلافه طريق معوجّ، يهوي بصاحبه إلى الهاوية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 173
٢ - (بَابُ تَعظِيمِ حَدِيثِ رَسُولِ اللِه ﷺ ، والتَّغلِيظِ على مَن عَارَضَهُ)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على وجوب تعظيم حديث رسول الله ﷺ بالعمل به، وتغليظ الوعيد على من عارضه بالمخالفة، والعصيان.
وقوله: والمعارضة: المقابلة، يقال: عارضت الشيء بالشيء: قابلته به، وعارضت فلانًا: فعلت مثل فعله. أفاده في "المصباح"، والمراد به هنا أن يفعل خلاف السنة، مع علمه بثبوتها. والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
١٢ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُبَابِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي الحسَنُ بْنُ جَابِرٍ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ الْكِنْدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي، فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنكُمْ كِتَابُ الله ، مَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ الله ﷺ مِثْلُ مَا حَرَّمَ الله).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المتقدّم في ١/ ١.
٢ - (زيد بن الحُبَاب) -بضمّ المهملة، وموحّدتين- ابن الرَّيَّان، ويقال: رُومان التميمي، أبو الحسين الْعُكْلِيُّ -بضم المهملة، وسكون الكاف- أصله من خُرَاسان، وسكن الكوفة، ورحل في طلب الحديث، فأكثر منه، صدوقٌ، يُخطىء في الثوريّ [٩].
رَوَى عن أيمن بن نابل، وعكرمة بن عمار اليمامي، وإبراهيم بن نافع المكي، ومالك بن أنس، والثوري، وابن أبي ذئب، ومعاوية بن صالح، ويحيى بن أيوب، وخلق كثير.
ورَوَى عنه أحمد، وابنا أبي شيبة، وأبو خيثمة، وأبو كريب، وأحمد بن منيع، والحسن بن علي الخلال، وعلي بن المديني، ومحمد بن رافع النيسابوري، وهو من آخرهم، وقد حدث عنه عبد الله بن وهب، ويزيد بن هارون، وهما أكبر منه.
стр. 174
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان صاحب حديث، كَيِّسًا، قد رحل إلى مصر، وخراسان في الحديث، وما كان أصبره على الفقر، وقد ضَرَب في الحديث إلى الأندلس. قال الخطيب: رأى أحمد بن حنبل روايته عن معاوية بن صالح، وكان قاضي الأندلس، وأظنه سمع منه بمكة، فظن أن زيد بن الحباب رحل إلى الأندلس. وقال علي بن المديني، والعجلي: ثقة. وكذا قال عثمان عن ابن معين. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: زيد بن حباب كان صدوقا، وكان يضبط الألفاظ عن معاوية بن صالح، لكن كان كثير الخطإ. وقال المفضل بن غسان الغلابي عن ابن معين: كان يقلب حديث الثوري، ولم يكن به بأس. وقال ابن زكريا في "تاريخ الموصل": حدثني الْحِمَّاني، عن عبيد الله القواريري قال: كان أبو الحسين العكلي ذَكِيّا حافظا عالما لما يسمع. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُخطىء يُعتبر حديثه إذا رَوَى عن المشاهير، وأما روايته عن المجاهيل ففيها المناكير. وقال ابن خلفون: وثقه أبو جعفر السِّبْتيّ، وأحمد بن صالح، وزاد: وكان معروفا بالحديث صدوقا. وقال ابن قانع: كوفي صالح. وقال الدارقطني، وابن ماكولا: ثقة. وقال ابن شاهين: وثقه عثمان بن أبي شيبة. وقال ابن يونس في "تاريخ الغرباء": كان جَوّالا في البلاد في طلب الحديث، وكان حسن الحديث. وقال ابن عدي: له حديث كثير، وهو من أثبات مشايخ الكوفة، ممن لا يُشَكّ في صدقه، والذي قاله ابن معين عن أحاديثه عن الثوري، إنما له أحاديث عن الثوري يُستغرَب بذلك الإسناد، وبعضها ينفرد برفعه، والباقي عن الثوري وغير الثوري مستقيمة كلها. قال أبو هشام الرفاعي وغيره: مات سنة ثلاث ومائتين. أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة" والباقون، وله في هذا الكتاب (٤٨) حديثًا.
٣ - (معاوية بن صالح) بن حُدير -بالمهملة، مصغّرًا- ابن سعيد بن سَعْد بن فِهْر الحضرميّ، أبو عمرو، وقيل: أبو عبد الرحمن الحمصيّ، أحد الأعلام، وقاضي الأندلس، وقيل في نسبه: غير ذلك، صدوقٌ له أوهام [٧].
رَوَى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد الرحمن
стр. 175
ابن جبير بن نفير، ومكحول الشامي، وغيرهم.
ورَوَى عنه الثوري، والليث بن سعد، وابن وهب، ومعن بن عيسى، وزيد بن الحباب، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: خرج من حمص قديما، وكان ثقة. وقال جعفر الطيالسي عن ابن معين: ثقة، وقال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد: ما كنا نأخذ عنه. قال علي: وكان عبد الرحمن بن مهدي يوثقه. وقال أبو صالح الفراء عن أبي إسحاق الفزاري: ما كان بأهل أن يُروَى عنه. وقال العجلي والنسائي: ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة محدث. وقال ابن سعد: كان بالأندلس قاضيا لهم، وكان ثقة، كثير الحديث، حج مرة واحدة، فلقيه من لقيه من أهل العراق. وقال محمد بن عوف، عن يزيد بن عبد ربه: خرج من حمص سنة خمس وعشرين ومائة، فسار إلى الغرب، فَوَلِيَ قضاءهم، قال: وسمعت أبا صالح يقول: مرّ بنا معاوية بن صالح حاجا سنة أربع وخمسين، فكتب عنه أهل مصر، وأهل المدينة -يعني ومن بمكة-. وقال حميد بن زنجويه: قلت لعلي بن المديني: إنك تطلب الغرائب، فَأْتِ عبد الله بن صالح، فاكتب عنه كتاب معاوية بن صالح، تستفيد منه مائتي حديث. وقال يعقوب بن شيبة: قد حمل الناس عنه، ومنهم من يرى أنه وسط، ليس بالثبت، ولا بالضعيف، ومنهم من يضعفه. وقال ابن خِرَاش: صدوق. وقال ابن عمار: زعموا أنه لم يكن يدري أيّ شيء في الحديث. وقال ابن عديّ: له حديث صالح، وما أرى بحديثه بأسًا، وهو عندي صدوق، إلا أنه يقع في حديثه إفرادات. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن يونس: قدم مصر سنة خمس وعشرين، ثم دخل الأندلس، فلمّا مُلِّك عبد الرحمن بن معاوية الأندلس، اتصل به، فأرسله إلى الشام في بعض أمره، فلما رجع إليه ولاه قضاء الجماعة بالأندلس. وتُوفي سنة ثمان وخمسين ومائة، وأَرَّخ أبو مروان بن حبان، صاحب "تاريخ الأندلس" وفاته سنة اثنتين وسبعين ومائة، وحَكَى ذلك عن جماعة، واستغرب قول أحمد بن كامل: إنه توفي بالمشرق سنة نيف وخمسين. أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، والباقون، وله
стр. 176
في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
٤ - (الحسن بن جابر) اللَّخْميّ، وقيل: الكندي، أبو عليّ، ويقال: أبو عبد الرحمن الحمصيّ، مقبول [٣].
رَوَى عن معاوية، والمقدام بن معدي كرب، وأبي أمامة، وعبد الله بن بُسْر. ورَوَى عنه معاوية بن صالح، ومحمد بن الوليد الزُّبَيْدي. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: تُوُفّي سنة (١٢٨)، وكذا قال ابن سعد وغيره.
تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، أخرجا له هذا الحديث فقط، وسيعيده المصنّف مختصرًا برقم (٣١٩٣).
٥ - (المقدام بن معديكرب) بن عمرو بن يزيد بن معديكرب، أبو كريمة، وقيل: أبو يحيى الكندي، نزل حمص، رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن خالد بن الوليد، ومعاذ بن جبل، وأبي أيوب الأنصاري، وجماعة. وروى عنه ابنه يحيى، وابن ابنه صالح بن يحيى، وخالد بن معدان، وحبيب بن عبيد، ويحيى بن جابر الطائي، والشعبي، وشُريح بن عُبيد، وعبد الرحمن بن أبي عوف، وعبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي، وراشد بن سعد المقرائي، وأبو عامر الهوزني، ومحمد بن زياد الألهاني، وآخرون. ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل الشام، وقال: مات سنة سبع وثمانين، وهو ابن إحدى وتسعين سنة، وكذا قال غير واحد في سنة وفاته، وقيل: مات سنة ثلاث، وقيل: مات سنة ست وثمانين. أخرج له البخاريّ، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الحسن بن جابر، وهو مقبول، حيث يُتابع، وقد تابعه عبد الرحمن بن أبي عوف الْجُرَشيّ، وهو ثقة، كما سيأتي.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين من الحسن، والباقيان كوفيّان، والباقون حمصيّون.
٤ - (ومنها): أن فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبالإفراد في موضع،
стр. 177
والعنعنة في موضعين، وقد تقدّم البحث في ذلك مُسْتَوْفىً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْمِقْدَامِ) -بكسر الميم، وسكون القاف، وتخفيف الدال المهملة، آخره ميم- (ابْنِ مَعْدِيكَرِبَ) -بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وكسر الدال المهملة، و"كرب" بفتح الكاف، وكسر الراء- وهو اسم مركّبٌ تركيب مزج، ولذا كُتبت الياء مع الاسم الثاني؛ إشارة إلى ذلك.
[فائدة]: قال في "القاموس": "مَعْدِيكَرِب" فيه لغات: رفع الباء ممنوعًا، والإضافة، مصروفًا، وممنوعًا. انتهى. وقال في "اللسان": "مَعْدِيْكَرِب": اسمان، فيه ثلاث لغات: معديكربُ برفع الباء، لا يُصرف، ومنهم من يقول: مَعْديكرِبٍ، يُضيف، ويصرف "كَرِبًا"، ومنهم من يقول: "معديكربَ" يُضيف، ولا يَصِرف "كربًا"، يجعله مؤنّثًا معرفةً، والياء من "معديكرب" ساكنة على كلّ حال، وإذا نَسبتَ إليه قلتَ: مَعْدِيّ، وكذلك النسب في كلّ اسمين جُعلَا واحدًا، مثلُ بَعْلَبَكّ، وخمسة عشر، وتَأَبَّطَ شَرًّا، تنسُبُ إلى الاسم الأول، تقول: بَعْلِيّ، وخَمْسيّ، وتَأَبَّطِيّ، وكذلك إذا صَغَّرتَ، تُصغّر الأول. انتهى (١).
(الْكِنْدِيِّ) بكسر الكاف، وسكون النون-: نسبة إلى كِنْدة قبيلة باليمن (٢) (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: يُوشِكُ) مضارع أوشك: إذا قَرُب: أي يَقْرُب. قال ابن مالك: هو أحد أفعالَ المقاربة، ويقتضي اسمًا مرفوعًا، وخبرًا يكون فعلًا مقرونًا بـ"أن"، ولا أعلم تجرّده من "أن" إلا في هذا الحديث، وفي بعض الأشعار. قال السيوطيّ: قلت: قد رواه
стр. 178
الحاكم بلفظ: "يوشك أن يقعد الرجل على أريكته يُحدَّثُ الخ". قال السنديّ: أراد السيوطيّ أن لفظ الحديث قد غيّره الرواة، وإلا فـ "أن" موجودة فيه في الأصل، كما في رواية الحاكم. انتهى.
وفي رواية أبي داود من طريق عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المقدام ﵁: "ألا إني أوتيت الكتاب، ومثله معه، ألا يوشك رجلٌ شبعان الخ".
وقوله: "ألا إني أوتيت": يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما: أنه أوتي من الوحي الباطن، غير المتلوّ مثل ما أعطي من الظاهر المتلوّ. والثاني: أنه أوتي الكتاب وحيًا يُتلَى، وأوتي من البيان مثله: أي أُذن له أن يبيّن ما في الكتاب، فيعمّ، ويَخُصّ، وأن يزيد عليه، وينقص، فيشرع ما ليس له في الكتاب ذكر، فيكون ذلك في وجوب الحكم، ولزوم العمل به كالظاهر المتلوّ من القرآن. وقيل: "ومثله معه": أي أحكامًا، ومواعظ، وأمثالًا تمُاثل القرآن في كونها وحيًا، أو كونها واجبة القبول. وقد نزّه الله نطقَ رسوله ﷺ عن الهوى، وأمر بمتابعته فيما يأمر وينهى، فقال عزّ من قائل: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] وقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. أو المعنى: يماثله في المقدار، وقد ورد في حديث العرباض بن سارية ﵁ عند أبي داود ما يؤيّد هذا، ولفظه:"إنها لمثل القرآن، أو أكثر". لكنه حديث ضعيف (١).
[تنبيه]: ما أوتي الرسول ﷺ غير القرآن على أنواع: أحدها: الأحاديث القدسيّة التي أسندها إلى الله . وثانيها: ما أُلْهِم. وثالثها: ما أري في المنام. ورابعها: ما نَفَثَ جبريل ﵇ في رُوعه: أي في قلبه. قاله الطيبيّ. (٢).
وقوله: ألا يوشك": أي أنبّهكم بأنه قريبٌ أن يقول رجل شبعان، وإنما وصفه
стр. 179
بالشبعان؛ لأن الحامل له على هذا القول، إما البلادة، وسوء الفهم، ومن أسبابه الشبع، وشَرَهُ الطعام، وكثرة الأكل. وإما الْبَطَرُ والحماقَةُ، ومن موجباته التنعّم والغرور بالمال والجاه، والشبع يُكنى به عن ذلك.
(الرَّجُلُ مُتَكِئًا على أريكته) منصوب على الحال، أي حال كونه جالسًا على سريره المزيّن، والظاهر أنه حال من ضمير "يُحدَّث" الراجع إلى الرجل، وهو علي بناء المفعول، وجعله حالًا من الرجل بعيد معنىً. قاله السنديّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا بُعْد في كونه حالًا من الرجل، بل هو الأولى، وأما جعله حالًا من ضمير "يُحدّث"، فهو البعيد، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم.
والمتّكىء: اسم فاعل من "اتّكأ" بوزن افتعل، ويستعمل بمعنيين: أحدهما: الجلوس مع التمكّن. والثاني: القعود مع تمايلٍ، معتمِدًا على أحد الجانبين. قاله الفيّوميّ، في باب الألف، وقال في باب الواو: واتّكأ: جلس متمكّنا، وفي التنزيل: ﴿وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤]: أي يجلسون. وقال: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١]: أي مجلسًا يَجلِسن عليه. قال ابن الأثير: والعامّة لا تَعرِف الاتّكاءَ إلا الميل في القعود، معتمدًا على أحد الشّقّين، وهو يُستعمل في المعنيين جميعًا، يقال: اتّكأ: إذا أسند ظهره، أو جنبه إلى شيء، معتمدًا عليه، وكلُّ من اعتمد على شيء، فقد اتّكأ عليه. وقال السَّرَقُسْطِيُّ أيضًا: اتّكأته: أعطيته ما يتّكىء عليه: أي ما يجلس عليه، والتاء مُبدَلةٌ من واو، والاسم التُّكأَةُ، مثالُ رُطَبَةٍ. انتهى (١).
(عَلَى أَرِيكَتِهِ) -بفتح الهمزة، وكسر الراء-: أي سريره المزيَّنِ. قال في "القاموس": "الأريكة" كسفينة: سريرٌ في حَجَلَة، أو كلُّ ما يُتّكأُ عليه، من سرير، ومِنَصّةٍ، وفِرَاشٍ، أو سريرٌ مُنَجَّدٌ، مُزيّنٌ في قبّة، أو بيتٍ، فإذا لم يكن فيه سريرٌ، فهو حَجَلَةٌ، جمعُهُ أَرِيكٌ، وأرَائِكُ. انتهى.
стр. 180
وهذا بيان لبلادته، وسوء فهمه، وحماقته، وسوء أدبه، كما هو دأب المتنعّمين المغرورين بالمال والجاه.
وقال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: وإنما أراد بهذه الصفة أصحاب الترفّه والدَّعَةِ الذين لزموا البيوت، ولم يطلبوا العلم، ولم يغدُوا، ولم يَرُوحوا في طلبه في مظانّه، واقتباسه من أهله. انتهى (١).
(يُحَدَّثُ) بالبناء للمفعول (بِحَدِيثٍ) متعلّق بما قبله. وقوله: (مِنْ حَدِيثي) متعلّق بصفة لحديث (فَيَقُولُ) أي في ردّ ذلك الحديث، حيث لا يوافق هواه، أو مذهب إمامه الذي قلّده (بَيْنَنَا وَبَيْنكُمْ كِتَابُ الله مبتدأ مؤخّرٌ، خبره الظرف قبله أي كتاب الله تعالى حاكم بيننا وبينكم، فلا نَقبل حكم غيره. ثم بيّن المراد بهذه الجملة، بقوله: (مَا وَجَدْنَا فِيهِ) أي في كتاب الله تعالى (مِنْ حَلَالٍ) بيان لما (اسْتَحْلَلْنَاهُ) أي اعتقدناه حلالًا، وفعلناه (وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ) أي اعتقدنا حرمته، فتركناه، أي وهذا الحديث زائد على ما في القرآن، فلا نأخذ به. وفي رواية أبي داود المذكورة: "عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال، فأحِلُّوه، وما وجدتم من حرام، فحرّموه".
وقال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: يُحذّر النبيّ ﷺ بذلك مخالفة السنن التي سنّها رسول الله ﷺ مما ليس له في القرآن ذكرٌ، على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض، فإنهم تعلّقوا بظاهر القرآن، وتركوا السنن التي قد ضُمِّنَتْ بيان الكتاب، فتحيّروا، وضلُّوا. انتهى (٢).
(ألا) أداة استفتاح وتنبيه، يلقى بها للمخاطب تنبيهًا له، وإزالةً لغفلته.
قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: كلمة التنبيه مركّبة من همزة الاستفهام، و"لا" النافية، مُعْطِية معنى يُحقّق ما بعدها، ولكونها بهذه المثابة لا يكاد يقع ما بعدها إلا كانت مصدّرةً بما يُصدّر به جواب القسم، وشقيقتها "أما".