عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، قال: فكنا قد كرهنا كثيرا من مسألته، واتقينا ذلك حين أنزل الله على نبيه ﷺ ، قال: فأتينا أعرابيا فرشوناه بُرْدًا، ثم قلنا له: سل النبي ﷺ ، وذكر حديثا. وفي "مسند أبي يعلى" عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: إن كان لتأتي عليّ السنة أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن شيء فأتهيب منه وإن كنا لنتمنى الأعراب وفي مسند البزار عن ابن عباس ﵄، قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد ﷺ ، ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة، كلها في القرآن ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وذكر الحديث. وقد كان أصحاب النبي ﷺ أحيانا يسألونه عن حكم حوادث، قبل وقوعها، لكن للعمل بها عند وقوعها، كما قالوا له: إنا لاقوا العدو غدا، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب، وسألوه عن الأمراء الذين أخبر عنهم بعده، وعن طاعتهم وقتالهم، وسأله حذيفة عن الفتن، وما يصنع فيها.
فهذا الحديث، وهو قوله ﷺ : "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" يدل على كراهة المسائل وذمها، ولكن بعض الناس يزعم أن ذلك كان مختصا بزمن النبي ﷺ لما يُخشى حينئذ من تحريم ما لم يحرم، أو إيجاب ما يشق القيام به، وهذا قد أمن بعد وفاته ﷺ .
ولكن ليس هذا وحده هو سبب كراهة المسائل، بل له سبب آخر، وهو الذي أشار إليه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في كلامه الذي ذكرنا بقوله: "ولكن انتظروا فإذا نزل القرآن، فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه".
ومعنى هذل أن جميع ما يحتاج إليه المسلمون في دينهم، لا بد أن يبينه الله في كتابه العزيز، ويبلغ ذلك رسوله ﷺ عنه، فلا حاجة بعد هذا لأحد في السؤال، فإن الله تعالى أعلم بمصالح عباده منهم، فما كان فيه هدايتهم ونفعهم، فإن الله تعالى لا بد أن يبينه لهم ابتداء من غير سؤال، كما قال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ الآية
стр. 72
[النساء: ١٧٦]، وحينئذ فلا حاجة إلى السؤال عن شيء، ولا سيما قبل وقوعه، والحاجة إليه، وإنما الحاجة المهمة إلى فهم ما أخبر الله تعالى به ورسوله ﷺ ، ثم اتباع ذلك، والعمل به.
وقد كان النبي ﷺ يسأل عن المسائل، فيحيل على القرآن، كما سأله عمر عن الكلالة، فقال: "يكفيك آية الصيف".
وأشار رسول الله ﷺ في هذا الحديث إلى أن في الاشتغال بامتثال أمره، واجتناب نهيه، شغلا عن المسائل، فقال: "إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، فالذي يتعين على المسلم الاعتناء به والاهتمام أن يبحث عما جاء عن الله تعالى ورسوله ﷺ ، ثم يجتهد في فهم ذلك، والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديق بذلك، إن كان من الأمور العلمية، وإن كان من الأمور العملية بذل وسعه في الاجتهاد، في فعل ما يستطيعه من الأوامر، واجتناب ما ينهى عنه، فتكون همته مصروفة بالكلية إلى ذلك، لا إلى غيره، وهكذا كان حال أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين لهم بإحسان في طلب العلم النافع، من الكتاب والسنة، فأما إن كانت همة السامع مصروفة عند سماع الأمر والنهي، إلى فرض أمور قد تقع، وقد لا تقع، فإن هذا مما يدخل في النهي، ويثبط عن الجد في متابعة الأمر. وقد سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر، فقال له: رأيت النبي ﷺ يستلمه ويقبله، فقال له الرجل: أرأيت إن غُلبت عنه، أرأيت إن زُوحمت؟ فقال له ابن عمر: اجعل أرأيت باليمن، رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله. أخرجه الترمذي.
ومراد ابن عمر أن لا يكون لك هَمٌّ إلا في الاقتداء بالنبي ﷺ ، ولا حاجة إلى فرض العجز عن ذلك، أو تعسره قبل وقوعه، فإنه يفتر العزم على التصميم عن المتابعة، فإن التفقه في الدين، والسؤال عن العلم، إنما يحمد إذا كان للعمل، لا للمراء والجدال.
وقد رُوي عن علي ﵁ أنه ذكر فتنا تكون في آخر الزمان، فقال له عمر: متى ذلك
стр. 73
يا علي؟، قال: إذا تُفُقه لغير الدين، وتعلم لغير العمل، والتمست الدنيا بعمل الآخرة.
وعن ابن مسعود ﵁، أنه قال: كيف بكم إذا لبستم فتنة يربو فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، وتتخذ سنة، فإن غيرت يوما، قيل: هذا منكر، قالوا: ومتى ذلك؟ قال: إذا قلت أمناؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلت فقهاؤكم، وكثرت قراؤكم، وتُفُقه لغير الدين، والتمست الدنيا بعمل الآخرة. أخرجه عبد الرازق في كتابه.
ولهذا المعنى كان كثير من الصحابة والتابعين، يكرهون السؤال عن الحوادث قبل وقوعها، ولا يجيبون عن ذلك، قال عمرو بن مرة: خرج عمر على الناس، فقال: أحرّج عليكم أن تسألوا عما لم يكن، فإن لنا فيما كان شغلا. وعن ابن عمر ﵄ قال: لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعت عمر ﵁، لعن السائل عما لم يكن. وكان زيد بن ثابت إذا سئل عن شيء يقول: كان هذا، فإن قالوا: لا، قال دَعُوه حتى يكون. وقال مسروق: سألت أبي بن كعب عن شيء؟ فقال: أكان بعدُ؟ فقلت: لا، فقال: أَجِمَّنَا يعني أرحنا حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا. وقال الشعبي: سئل عمار عن مسألة، فقال: هل كان هذا بعدُ؟ قالوا: لا، قال: فدعونا حتى يكون، فإذا كان تجشمناه لكم. وعن الصلت بن راشد قال: سألت طاوسا عن شيء، فانتهرني، فقال: أكان هذا؟ قلت: نعم، قال: آلله، قلت: آلله، قال: إن أصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبل ﵁، أنه قال: يأيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، فيذهبكم ههنا وههنا، فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سُدّد، أو قال: وُفّق، وقد خرجه أبو داود في كتاب "المراسيل" مرفوعا من طريق ابن عجلان، عن طاوس، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها، فإنكم إن لم تفعلوا، لم ينفك المسلمون أن يكون منهم من إذا قال سُدِّد ووفق، وإنكم إن عجلتم تشتت بكم السبل ههنا وههنا.
ومعنى إرساله أن طاوسا لم يسمع من معاذ. وأخرجه أيضا من رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن النبي ﷺ مرسلا. ورَوَى الحجاج بن منهال، حدثنا جرير
стр. 74
ابن حازم، سمعت الزبير بن سعيد رجلا من بني هاشم، قال: سمعت أشياخنا يحدثون أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال في أمتي من إذا سئل سُدد وأُرشد، حتى يسألوا عما لا ينزل تبيينه، فإذا فعلوا ذلك ذهب بهم ههنا وههنا. وقد رَوَى الصنابحي عن معاوية، عن النبي ﷺ ، أنه نهى عن الأغلوطات. أخرجه الإمام أحمد ﵀، وفسره الأوزاعي، وقال: هي شداد المسائل. وقال عيسى بن يونس: هي ما لا يُحتاج إليه من كيف وكيف. ويُروَى من حديث ثوبان، عن النبي ﷺ قال: "سيكون قوم من أمتي يُغَلِّطون فقهاءهم بعضل المسائل، أولئك شرار أمتي". وقال الحسن: شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل، يعمون بها عباد الله. وقال الأوزاعي: إن الله إذا أراد أن يحرِم عبده بركة العلم، ألقَى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقل الناس علما. وقال ابن وهب عن مالك: أدركت هذه البلدة، وإنهم ليكرهون الإكثار الذي فيه الناس اليوم، يريد المسائل. وقال أيضا: سمعت مالكا، وهو يعيب كثرة الكلام، وكثرة الفتيا، ثم قال: يتكلم كأنه جمل مغتلم، يقول: هو كذا، هو كذا، يهدر في كلامه. وقال: سمعت مالكا يكره الجواب في كثرة المسائل، وقال: قال الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، فلم يأته في ذلك جواب، فكان مالك يكره المجادلة عن السنن. وقال أيضا الهيثم بن جميل: قلت لمالك: يا أبا عبد الله الوجل يكون عالما بالسنن، يجادل عنها؟ قال: لا، ولكن يخبر بالسنة، فإن قبلت منه، وإلا سكت. قال إسحاق بن عيسى: كان مالك يقول: المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل. وقال وهب: سمعت مالكا يقول: المراء في العلم يقسي القلب، ويورث الضغن. وكان أبو شريح الإسكندراني يوما في مجلسه، فكثرت المسائل، فقال: قد درنت قلوبكم منذ اليوم، فقوموا إلى أبي حميد خالد بن حميد، صَقِّلوا قلوبكم، وتعلموا هذه الرغائب، فإنها تجدد العبادة، وتورث الزهادة، وتجر الصداقة، وأقلوا المسائل، إلا ما نزل، فإنها تقسي القلب، وتورث العداوة. وقال الميموني: سمعت أبا عبد الله ﵁ -يعني أحمد- يسأل عن مسألة، فقال: وقعت هذه
стр. 75
المسألة، بُليتم بها بعدُ.
وقد انقسم الناس في هذا الباب قسمين: فمن أتباع أهل الحديث من سَدّ باب المسائل حتى قل فهمه، وعلمه لحدود ما أنزل الله على رسوله ﷺ ، وصار حامل فقه، غير فقيه. ومن فقهاء أهل الرأي من توسع في توليد المسائل، قبل وقوعها ما يقع في العادة منها وما لا يقع، واشتغلوا بتكلف الجواب عن ذلك، وكثرة الخصومات فيه، والجدال عليه، حتى يتولد من ذلك افتراق القلوب، ويستقر فيها بسببه الأهواء والشحناء، والعداوة والبغضاء، ويقتون ذلك كثيرا بنية المغالبة، وطلب العلو والمباهاة، وصرف وجوه الناس، وهذا مما ذمه العلماء الربانيون، ودلت السنة على قبحه وتحريمه، وأما فقهاء أهل الحديث العاملون به، فإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله، وما يفسره من السنن الصحيحة، وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعن سنة رسول الله ﷺ ، ومعرفة صحيحها وسقيمها، ثم التفقه فيها وفهمها، والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان، في أنواع العلوم، من التفسير والحديث، ومسائل الحلال والحرام، وأصول السنة والزهد والرقائق وغير ذلك، وهذا هو طريق الإمام أحمد، ومن وافقه من علماء الحديث الربانيين، وفي معرفة هذا شغل شاغل عن التشاغل بما أحدث من الرأي مما لا ينتفع به ولا يقع، وإنما يورث التجادل فيه كثرة الخصومات والجدال، وكثرة القيل والقال، وكان الإمام أحمد كثيرا إذا سئل عن شيء من المسائل المحدثة المتولدات التي لا تقع، يقول: دعونا من هذه المسائل المحدثة، وما أحسن ما قاله يونس بن سليمان السقطي: نظرت في الأمر فإذا هو الحديث والرأى، فوجدت في الحديث ذكر الرب وربوبيته، وإجلاله وعظمته، وذكر العرش، وصفة الجنة والنار، وذكر النبيين والمرسلين، والحلال والحرام، والحث على صلة الأرحام، وجماع الخير فيه، ونظرت في الرأي فإذا فيه المكر والغدر والحيل، وقطيعة الأرحام، وجماع الشر فيه. وقال أحمد بن شبويه: من أراد علم القبر فعليه بالآثار، ومن
стр. 76
أراد علم الخير (١) فعليه بالرأي، ومن سلك طريقه لطلب العلم على ما ذكرناه، تمكن من فهم جواب الحوادث الواقعة غالبا؛ لأن أصولها توجد في تلك الأصول المشار إليها، ولابد أن يكون سلوك هذا الطريق خلف أئمة أهل الدين المجمع على هدايتهم ودرايتهم، كالشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، ومن سلك مسلكهم، فإن من ادعى سلوك هذا الطريق على غير طريقهم، وقع في مفاوز ومهالك، وأخذ بما لا يجوز الأخذ به، وترك ما يجب العمل به، وملاك الأمر كله أن يقصد بذلك وجه الله ، والتقرب إليه بمعرفة ما أنزل على رسوله، وسلوك طريقه، والعمل بذلك، ودعاء الخلق إليه، ومن كان كذلك وفقه الله، وسدده، وألهمه رشده، وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ الآية [فاطر: ٢٨]، ومن الراسخين في العلم.
وقد أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" من حديث أبي الدرداء ﵁، أن رسول الله ﷺ ، سئل عن الراسخين في العلم؟ فقال: "من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عف بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم". وقال نافع بن زيد: يقال: الراسخون في العلم المتواضعون لله، والمتذللون لله في مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم. ويشهد لهذا قول النبي ﷺ : أتاكم أهل اليمن، هم أبو قلوبا، وأرق أفئدة، الإيمان يمانٍ، والفقه يمانٍ، والحكمة يمانية"، متّفقٌ عليه. وهذا إشارة منه إلى أبي موسى الأشعري، ومن كان على طريقه من علماء أهل اليمن، ثم إلى مثل أبي مسلم الخولاني، وأويس القرني، وطاوس، ووهب بن منبه، وغيرهم من علماء أهل اليمن، وكل هؤلاء من العلماء الربانيين الخائفين لله، فكلهم علماء بالله، يخشونه ويخافونه، وبعضهم أوسع علما بأحكام الله وشرائع دينه من بعض، ولم يكن تمييزهم
стр. 77
عن الناس بكثرة قيل وقال، ولا بحث ولا جدال، وكذلك معاذ بن جبل ﵁ أعلم الناس بالحلال والحرام، وهو الذي يحشر يوم القيامة أمام العلماء بِرَتْوة، ولم يكن علمه بتوسعة المسائل وتكثيرها، بل قد سبق عنه كراهة الكلام فيما لا يقع، وإنما كان عالما بالله، وعالما بأصول دينه ﵁. وقد قيل للإمام أحمد: من نسأل بعدك؟ قال: عبد الوهاب الوراق، قيل له: إنه ليس له اتساع في العلم؟ قال: إنه رجل صالح، مثله يوفق لإصابة الحق. وسئل عن معروف الكرخي؟ فقال: كان معه أصل العلم خشية الله، وهذا يرجع إلى قول بعض السلف: كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا. وهذا باب واسع، يطول استقصاؤه.
ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة ﵁، فنقول: من لم يشتغل بكثرة المسائل، التي لا يوجد مثلها في كتاب الله، ولا سنة رسوله ﷺ ، بل اشتغل بفهم كلام الله تعالى، ورسوله ﷺ ، وقصده بذلك امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فهو ممن امتثل أمر رسول الله ﷺ في هذا الحديث، وعمل بمقتضاه، ومن لم يكن اهتمامه بفهم ما أنزل الله على رسله، واشتغل بكثرة توليد المسائل، قد تقع وقد لا تقع، وتكلف أجوبتها بمجرد الرأي، خُشي عليه أن يكون مخالفا لهذا الحديث، مرتكبا لنهيه تاركا لأمره.
(واعلم): أن كثرة وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة، إنما هو من ترك الاشتغال بامتثال أوامر الله ورسوله، واجتناب نواهي الله ورسوله، فلو أن من أراد أن يعمل عملا، سأل عما شرع الله في ذلك العمل فامتثله، وعما نهى عنه فيه فاجتنبه، وقعت الحوادث مقيدة بالكتاب والسنة، وإنما يعمل العامل بمقتضى رأيه وهواه، فتقع الحوادث عامتها مخالفة لما شرعه الله، وربما عسر ردها إلى الأحكام المذكورة في الكتاب والسنة؛ لبعدها عنها.
وبالجملة فمن امتثل ما أمر به النبي ﷺ في هذا الحديث، وانتهى عما نَهَى عنه، وكان مشتغلا بذلك عن غيره، حصل له النجاة في الدنيا والآخرة، ومن خالف ذلك، واشتغل بخواطره، وما يستحسنه وقع فيما حذر منه النبي ﷺ من حال أهل الكتاب،
стр. 78
الذين هلكوا بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، وعدم انقيادهم وطاعتهم لرسلهم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في البحث عن قوله ﷺ : "إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم":
قال بعض العلماء: هذا يؤخذ منه أن النهي أشد من الأمر؛ لأن النهي لم يرخص في ارتكاب شيء منه، والأمر قُيّد بحسب الاستطاعة، ورُوي هذا عن الإمام أحمد ﵀، ويشبه هذا قول بعضهم: أعمال البر يعملها البر والفاجر، وأما المعاصي فلا يتركها إلا صديق. ورُوي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال له: "اتق المحارم تكن أعبد الناس". رواه الترمذيّ (١). وقالت عائشة ﵂: "من سره أن يسبق الدائب المجتهد، فليكف عن الذنوب"، وروي مرفوعا. وقال الحسن: ما عبد العابدون بشيء أفضل من ترك ما نهاهم الله عنه.
والظاهر أن ما ورد من تفضيل ترك المحرمات على فعل الطاعات، إنما أريد به على نوافل الطاعات، وإلا فجنس الأعمال الواجبات أفضل من جنس ترك المحرمات؛
стр. 79
لأن الأعمال مقصودة لذاتها، والمحارم مطلوب عدمها، ولذلك لا تحتاج إلى نية، بخلاف الأعمال، ولذلك كان جنس ترك الأعمال، قد تكون كفرا، كترك التوحيد، وكترك أركان الإسلام، أو بعضها على ما حُقّق في محله، بخلاف ارتكاب المنهيات، فإنه لا يقتضي الكفر بنفسه، ويشهد لذلك قول ابن عمر ﵄: لردُّ دانق من حرام أفضل من مائة ألف تنفق في سبيل الله. وعن بعض السلف قال: ترك دانق مما يكرهه الله أحب إلى الله من خمسمائة حجة. وقال ميمون بن مهران: ذكر الله باللسان حسن، وأفضل منه أن يذكر الله العبد عند المعصية، فيمسك عنها. وقال ابن المبارك: لأن أرد
درهما من شبهة أحب إليّ من أن أتصدق بمائة ألف، ومائة ألف، حتى بلغ ستمائة ألف.
وقال عمر بن عبد العزيز: ليست التقوى قيام الليل، وصيام النهار، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن التقوى أداء ما افترض الله، وترك ما حرم الله، فإن كان مع ذلك عمل، فهو خير إلى خير، أو كما قال. وقال أيضا: وددت أني لا أصلي غير الصلوات الخمس سوى الوتر، وأن أؤدي الزكاة، ولا أتصدق بعدها بدرهم، وأن أصوم رمضان، ولا أصوم بعده يوما أبدا، وأن أحج حجة الإسلام، ثم لا أحج بعدها أبدا، ثم أعمد إلى فضل قوتي، فأجعله فيما حرم الله عليّ، فأمسك عنه.
وحاصل كلامهم يدل على أن اجتناب المحرمات، وإن قلت، أفضل من الإكثار من نوافل الطاعات، فإن ذلك فرض، وهذا نفل.
وقال طائفة من المتأخرين: إنما قال ﷺ : "إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"؛ لأن امتثال الأمر لا يحصل إلا بعمل، والعمل يتوقف وجوده على شروط وأسباب، وبعضها قد لا يستطاع، فلذلك قيده بالاستطاعة، كما قيد الله الأمر بالتقوى بالاستطاعة، قال الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال في الحج: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وأما النهي فالمطلوب عدمه، وذلك هو الأصل، فالمقصود استمرار العدم الأصلي، وذلك ممكن، وليس فيه ما لا يستطاع.
стр. 80
وهذا فيه أيضا نظر، فإن الداعي إلى فعل المعاصي، قد يكون قويا لا صبر معه للعبد على الامتناع عن فعل المعصية، مع القدرة عليها، فيحتاج للكف عنها حينئذ، إلى مجاهدة شديدة، وربما كانت أشق على النفوس من مجرد مجاهدة النفوس على فعل الطاعات، ولهذا يوجد كثيرا من يجتهد في فعل الطاعات، ولا يَقْوَى على ترك المحرمات. وقد سئل عمر عن قوم يشتهون المعصية، ولا يعملون بها، فقال: أولئك قوم امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم. وقال يزيد بن ميسرة: يقول الله في بعض الكتب: أيها الشاب التارك لشهوته، المتبذل في شبابه من أجلي، أنت عندي كبعض ملائكتي، وقال: ما أشد الشهوة في الجسد، إنها مثل حريق النار، وكيف ينجو منها الحصوريون؟ (١).
والتحقيق في هذا أن الله لا يكلف العباد من الأعمال ما لا طاقة لهم به، وقد أسقط عنهم كثيرا من الأعمال بمجرد المشقة؛ رخصة عليهم، ورحمة لهم، وأما المناهي فلم يُعذر أحد بارتكابها بقوة الداعي والشهوات، بل كلفهم تركها على كل حال، وإنما أباح أن يتناولوا من المطاعم المحرمة عند الضرورة، ما تبقى معه الحياة، لا لأجل التلذذ والشهوة، ومن هنا يعلم صحة ما قال الإمام أحمد ﵀: إن النهي أشد من الأمر. وقد رُوي عن النبي ﷺ من حديث ثوبان وغيره، أنه قال: "استقيموا، ولن تحصوا" (٢)، يعني لن تقدروا على الاستقامة كلها. وروى الحكم بن حزن الْكُلَفيّ قال: وفدت إلى رسول الله ﷺ ، فشهدت معه الجمعة، فقام رسول الله ﷺ ، متوكئا على عصا، أو قوس، فحمد الله، وأثنى عليه بكلمات، خفيفات طيبات مباركات، ثم قال: "يا أيها الناس إنكم لن تطيقوا، ولن تفعلوا كل ما أمرتكم به، ولكن سددوا، وأبشروا"، أخرجه
стр. 81
الإمام أحمد، وأبو داود (١).
وفي قوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم": دليل على أن من عجز عن فعل المأمور به كله، وقدر على بعضه، فإنه يأتي بما أمكن منه، وهذا مطرد في مسائل:
(منها): الطهارة، فإذا قدر على بعضها، وعجز عن الباقي، إما لعدم الماء، أو لمرض في بعض أعضائه دون بعض، فإنه يأتي من ذلك بما قدر عليه، ويتيمم للباقي، وسواء في ذلك الوضوء والغسل على المشهور.
(ومنها): الصلاة، فمن عجز عن فعل الفريضة قائما صلى قاعدا، فإن عجز صلاها مضطجعا، وفي "صحيح البخاري" عن عمران بن حصين ﵄ أن النبي ﷺ قال: "صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب"، فإن عجز عن ذلك كله أومأ بطَرْفه، وصلى بنيته، ولم تسقط عنه الصلاة على المشهور.
(ومنها): زكاة الفطر، فإذا قدر على إخراج بعض صاع لزمه ذلك، على الصحيح فأما من قدر على صيام بعض النهار دون تكملته، فلا يلزمه ذلك بغير خلاف؛ لأن صيام بعض اليوم ليس بقربة في نفسه، وكذلك لو قدر على عتق بعض رقبة في الكفارة لم يلزمه؛ لأن تبعيض العتق غير محبوب للشارع، بل أمر بتكملته بكل طريق. وأما من فاته الوقوف بعرفة في الحج، فهل يأتي بما بقي منه من المبيت بمزدلفة، ورمي الجمار أم لا، بل يقتصر على الطواف والسعي، ويتحلل بعمرة على روايتين عن أحمد، أشهرهما أنه يقتصر على الطواف والسعي؛ لأن المبيت والرمي من لواحق الوقوف بعرفة وتوابعه، وإنما أمر الله تعالى بذكره عند المشعر الحرام، وبذكره في الأيام المعدودات، لمن أفاض من عرفات، فلا يؤمر به من لا يقف بعرفة، كما لا يؤمر به المعتمر. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى (٢).
стр. 82
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما أطلت بنقل كلام الحافظ ابن رجب ﵀، وإن كان بعضه تقدّم؛ لما اشتمل عليه من الفوائد الغزيرة، فأحببت أن أنقله دون تصرّف بالاختصار؛ استيفاءً لما حواه، وهذا شأن الشرح، حيث إن فيه ذكرَ المسائل مفصّلة، مُستوعَبَةً، ولا يُنظر لطولها، وتكرارها.
ولقد أجاد الإمام النووي رحمه الله تعالى في أوائل "شرح صحيح مسلم" حيث يقول -بعد أن ذكر دقائق بعض الأسانيد-: ما نصّه:
"ولا ينبغي للناظر في هذا الشرح أن يسأم من شيء من ذلك بما يجده مبسوطًا واضحًا، فإني إنما أقصد بذلك إن شاء الله الكريم - الإيضاح والتيسير، والنصيحة لمطالعه، وإعانته، وإغناءه من مراجعة غيره في بيانه، وهذا مقصود الشروح، فمن استطال شيئًا من هذا، وشبهه فهو بعيد من الإتقان، مباعد للفلاح في هذا الشأن، فليُعَزّ نفسه؛ لسوء حاله، وليرجع عما ارتكبه من قبيح فعاله، ولا ينبغي لطالب التحقيق، والتنقيح، والإتقان، والتدقيق أن يلتفت إلى كراهة، أو سآمة ذوي البطالة، وأصحاب الغباوة والمهانة والملالة، بل يفرح بما يجده من العلم مبسوطًا، وما يصادفه من القواعد والمشكلات واضحًا مضبوطًا، ويحمد الله الكريم على تيسيره، ويدعو لجامعه الساعي في تنقيحه وإيضاحه، وتقريره -وفقنا الله الكريم- لمعالي الأمور، وجنبنا بفضله جميع أنواع الشرور، وجمع بيننا وبين أحبابنا في دار الحبور والسرور، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه" (١).
فعليك أيها الأخ العزيز أن تجعل نصيحة هذا الإمام المحقق نُصب عينيك كلما استشعرت بشيء من التكرار والتطويل في هذا الشرح؛ لتظفر بكَنْز عظيم -إن شاء الله تعالى- زادني الله وإياك الحرص على التحقيق، والغوص في علم الحديث، فإنه البحر الخِضَمّ العميق، بمنه وكرمه آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 83
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
٣ - (حَدَّثَنا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبةَ، حَدثَنَا، أبو مُعَاوِيَةَ، وَوَكيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَطَاعَنى فَقَدْ أَطَاعَ الله، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصى الله").
رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم تقدّموا في الإسنادين الماضيين، غير اثنين:
١ - (أبو معاوية): وهو محمد بن خازم -بعجمتين- التميمي السعدي مولاهم، الضرير الكوفيّ، يقال: عمي وهو ابن ثمان سنين، أو أربع، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩].
رَوَى عن عاصم الأحول، وأبي مالك الأشجعي، وسعد ويحيى ابني سعيد الأنصاري، والأعمش، وداود بن أبي هند، وعبيد الله بن عمر العمري، وخلق كثير.
وروى عنه ابن جريج وهو أكبر منه، ويحيى القطان، وهو من أقرانه، ويحيى بن حسان التنيسي، وأسد بن موسى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو الوليد الطيالسي، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وجمّ غفير.
قال أيوب بن إسحاق بن سافري: سألت أحمد ويحيى عن أبي معاوية وجرير؟ قالا: أبو معاوية أحب إلينا يعنيان في الأعمش، وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: أبو معاوية الضرير في غير حديث الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظا جيدا. وقال الدُّوري عن ابن معين: أبو معاوية أثبت في الأعصش من جرير. ورَوى أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر مناكير، وقال ابن المديني: كتبنا عن أبي معاوية ألفا وخمسمائة حديث، وكان عند الأعمش ما لم يكن عند أبي معاوية أربع مائة ونيف وخمسون حديثا. وقال شبابة بن سوار: كنا عند شعبة، فجاء أبو معاوية، فقال شعبة: هذا صاحب الأعمش فاعرفوه، وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان يرى الإرجاء، وكان لين القول فيه. وقال يعقوب بن شيبة: كان من الثقات، وربما دلس، وكان يرى الإرجاء. وقال الآجري عن أبي داود: كان مرجئا، وقال مرة: كان رئيس المرجئة بالكوفة. وقال
стр. 84
النسائي: ثقة. وقال ابن خراش: صدوق، وهو في الأعمش ثقة، وفي غيره فيه اضطراب. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان حافظا متقنا، ولكنه كان مرجئا خبيثا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث يدلس، وكان مرجئا.
قال أحمد بن حنبل وغير واحد: وُلد سنة (١١٣)، وقال ابن نُمير: مات سنة (١٩٤). وقال ابن المديني، وآخرون: مات سنة خمس وتسعين ومائة. روى له الجماعة، له عند المصنّف (١٥٦) حديثًا.
٢ - (وكيع) بن الجَرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ -بضمّ الراء، وهمزة، ثم مهملة- أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظ عابدٌ، من كبار [٩].
رَوَى عن أبيه، وإسماعيل بن أبي خالد، وأيمن بن نابل، وعكرمة بن عمار، وهشام بن عروة، والأعمش، وجرير بن حازم، وخلق كثير.
ورَوَى عنه أبناؤه: سفيان، ومَلِيح، وعُبيد، ومستمليه محمد بن أبان البلخي، وشيخه سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد، وعلي، ويحيى، وإسحاق، وابنا أبي شيبة، وأبو خيثمة، والحميدي، والقعنبي، والأشج، وخلق كثير.
قال القعنبيّ: كنا عند حماد بن زيد، فجاءه وكيع، فقالوا: هذا راوية سفيان، فقال حماد: لو شئت قلت: هذا أرجح من سفيان. وقال المرُّوذيّ: قلت لأحمد: مَن أصحاب سفيان؟ قال: وكيع، ويحيى، وعبد الرحمن، وأبو نعيم، قلت: قدّمتَ وكيعًا؟ قال: وكيع شيخ. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما رأيت أوعى للعلم من وكيع، ولا أحفظ منه، وقال الدُّوري: ذاكرت أحمد بحديث، فقال: من حدثك؟ قلت: شبابة، قال: لكن حدثني مَن لم تر عيناك مثله وكيع. وقال علي بن عثمان النفيلي: قلت لأحمد: إن أبا قتادة يتكلم في وكيع، قال: مَن كَذّب أهل الصدق فهو الكذاب. وقال محمد بن عامر المصيصي: سألت أحمد وكيع أحب إليك أو يحيى بن سعيد؟ قال: وكيع، قلت: لم؟ قال: كان وكيع صَدِيقًا لحفص بن غياث، فلما ولي القضاء هجره، وكان يحيى بن سعيد صَديقا لمعاذ بن معاذ، فلما ولي القضاء لم يهجره. وحكى محمد بن علي الوراق عن أحمد
стр. 85
مثل ذلك سواءً في وكيع وابن مهدي، وزاد: قد عُرض على وكيع القضاء فامتنع منه، وقال ابن سعد: كان ثقةً، مأمونًا، عاليًا، رفيع القدر، كثير الحديث، حجة. وقال العجلي: كوفي ثقة، عابد، صالح، أديب، من حفاظ الحديث، وكان يفتي. وقال الآجري: قلت لأبي داود: أيما أثبت وكيع أو ابن أبي زائدة؟ قال: وكيع. وقال يعقوب ابن شيبة: كان خيرًا فاضلًا حافظًا. وقال ابن حبان في "الثقات": كان حافظا متقنًا.
قال هارون بن حاتم: سمعت وكيعًا يقول: وُلدت سنة ثمان وعشرين ومائة. وقيل: وُلد سنة سبع. وقيل: سنة تسع وقال خليفة وغيره: مات سنة ست وتسعين. وقال أحمد: حج وكيع سنة ست، ومات في الطريق. وقال محمد بن سعد، وأبو هشام: مات بفيد منصرفا من الحج، سنة سبع، زاد أبو هشام: يوم عاشوراء.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٥٤) حديثًا.
(لطائف الإسناد):
١ - (منها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم من رجال الصحيح، بل من رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه أبا معاوية أثبت الناس في الأعمش.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. وبقية اللطائف تقدّمت في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَطَاعَني) شرطيّة مبتدأ، جوابها قوله: (فَقَدْ أَطَاعَ الله) وهو الجواب على الأصح من أقول أربعة للنحاة في خبر أسماء الشرط (١). وهذه الجملة منتزعة من قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ الآية [النساء: ٨٠]: أي لأني لا آمر إلا بما أمر الله به، فمن فعل ما آمرُهُ به، فإنما
стр. 86
أطاع من أمرني به أن آمره، ويحتمل أن يكون المعنى: لأن الله أمر بطاعتي، فمن أطاعني، فقد أطاع أمر الله له بطاعتي، وفي المعصية كذلك، والطاعة هي الإتيان بالمأمور به، والانتهاء عن المنهيّ عنه، والعصيان بخلافه.
وقال السنديّ في "شرحه": يريد أنه مبلّغٌ عن الله، فمن أطاعه فيما بلّغ، فقد أطاع الآمر الحقيقيّ، ومثله المعصية، وهذا مضمون قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]، لكن سوق الآية في نسق المعصية؛ لإفادة أنه ليس على الرسول وبال المعصية؛ إذ ليس عليه إلا البلاغ، لا الحفظ، فوبال المعصية على ذلك العاصي. انتهى كلام السندي.
(وَمَنْ عَصَانِي) أي خالف أمري (فَقَدْ عَصى الله) والحديث مختصر، وقد أورده المصنّف رحمه الله تعالى في "كتاب الجهاد" تاما، ولفظه: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الإمام، فقد أطاعني، ومن عصى الإمام فقد عصاني"، وسيأتي تمام شرحه هناك، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعدم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: كتب في النسخة التي حققها محمد فؤاد عبد الباقي: ما نصّه: هذا الحديث مما انفرد به المصنّف. انتهى.
وهذا غلطٌ؛ كما يتبيّن من المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١/ ٣ وفي "الجهاد" ٣٩/ ٢٨٥٩ - وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" ٢٩٥٧ و"الأحكام" ٧١٣٧ (م) في "الإمارة" ١٨٣٥ (ن) في "البيعة" ٤١٩٣ و"الاستعاذة" ٥٥١٠ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين"٧٣٨٦ و٧٦٠٠ و٢٧٣٥٠
стр. 87
و ٨٢٠٠ و ٨٧٨٨ و ٩١٢١ و ١٠٢٥٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان وجوب اتباعه ﷺ ، وهو معنى الطاعة المذكورة في هذا الحديث.
٢ - (ومنها): أن طاعة النبي ﷺ هي طاعة الله ؛ لأنه مأمور من الله بتبليغ شرائعه، فلا يأمر، ولا ينهى إلا آخذًا عن الله تعالى، كما قال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ الآية [النجم: ٣، ٤]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
٤ - (حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثنا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِي، عَنِ ابْنِ المبَارَكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ أَبي جَعْفَرٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ، إِذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ حَدِيثًا، لَمْ يَعْدُه، وَلَمْ يُقَصِّرْ دُونَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن عبد الله بن نمير) الهمْداني -بسكون الميم- الخارفي، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة، حافظٌ، فاضلٌ [١٠].
رَوَى عن أبيه، وسفيان بن عيينة، ومروان بن معاوية، وإسماعيل ابن علية، وأبي معاوية، وعبد الله بن إدريس، وزكرياء بن عدي، وخلق كثير.
وروى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وروى الترمذي، والنسائي عنه بواسطة البخاري، والحسن بن أحمد بن حبيب الكرماني، وأبو زرعة، وعلي بن الحسين بن الجنيد الرازيون، والذهلي، وغيرهم.
قال أبو إسماعيل الترمذي: كان أحمد بن حنبل يعظم محمد بن عبد الله بن نمير تعظيما عجبا، ويقول: أي فتى هو؟ وعن أحمد أيضا قال: هو دُرّة العراق. وقال علي بن الجنيد: كان أحمد، وابن معين يقولان في شيوخ الكوفيين: ما يقول ابن نمير فيهم. قال
стр. 88
ابن الجنيد: وما رأيت بالكوفة مثل ابن نمير، وكان رجلا نبيلا، قد جمع العلم والفهم والسنة والزهد، وكان فقيرا. وقال أحمد بن سنان: ما رأيت من الكوفيين من أحداثهم أفضل منه. وقال العجلي: كوفي ثقة، ويُعَدُّ من أصحاب الحديث. وقال أبو حاتم: ثقة يحتج بحديثه. وقال الآجري عن أبي داود: ابن نمير أثبت من أبيه. وقال النسائي: ثقة مأمون. وقال ابن عدي: سمعت الحسن بن سفيان يقول: ابن نمير ريحانة العراق، وأحد الأعلام. قال: وسمعت أبا يعلى يقول: حديث محمد بن نمير يملأ الصدر والنحر، قال: وكان محمد بن عمر الصوفي إذا حدثنا عنه يقول: حدثنا أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن نمير العبد الصالح. وقال ابن وضاح: ثقة، كثير الحديث، عالم به، حافظ له. وقال ابن قانع: ثقة ثبت. وقال ابن شاهين في "الثقات" عن ابن رشدين: سألت أحمد بن صالح عنه؟ فقال: تسألني عن رجل لم أر بالعراق مثله، ومثل أحمد، ما رأيت بالعراق مثلهما، ولا أجمع منهما للعقل والدين، ولكل شيء.
وفي "الزهرة" روى عنه البخاري (٢٢) حديثًا، ومسلم (٥٧٣) حديثا.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في شعبان سنة أربع وثلاثين ومائتين، وكان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع في الدين. وقال البخاري: مات في شعبان، أو رمضان. روى له الجماعة، وله عند المصنّف مائة وثمانية أحاديث.
٢ - (زكريا بن عديّ) بن زُريق بن إسماعيل، ويقال: ابن عدي بن الصلت بن بسطام التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، وهو أخو يوسف، ثقة جليلٌ، حافظ، من كبار [١٠].
روى عن أبي إسحاق الفزاري، وابن مبارك، وعبيد الله بن عمرو الرقي، وحماد ابن زيد، وهشيم، وغيرهم. وروى عنه إسحاق بن راهويه، والبخاري في غير "الجامع" وعبد الله بن أبي شيبة، وعبد الله الدارمي، وابن نمير، ومحمد بن عبد الرحيم البزاز، وحجاج بن الشاعر، وغيرهم.
قال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: لا بأس به. وقال ابن الجنيد: قيل لابن
стр. 89
معين: ذُكر لأبي نعيم حديث عن زكريا بن عدي، فقال: ما له للحديث؟ ذاك بالتوراة أعلم، فقال ابن معين: كان زكريا بن عدي لا بأس به، وكان أبوه يهوديا فأسلم. وقال العجلي: كوفي ثقة رجل صالح، وأخوه يوسف ثقة، وزكريا أرفع منه، وكان متقشفا، حسن الهيئة، له نفس. وقال المنذر بن شاذان: ما رأيت أحفظ منه، جاءه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فقالا له: أخرج إلينا كتاب عبيد الله بن عَمْرو، فقال: ما تصنعون بالكتاب؟ خذوا حتى أملي عليكم كله، وكان يحدث عن عدة من أصحاب الأعمش، فيميز ألفاظهم. وقال عباس الدوري: حدثنا زكريا بن عدي، وكان من خيار خلق الله. وقال ابن خراش: ثقة جليل ورع. وقال ابن سعد: توفي ببغداد في جمادى الأولى سنة (٢١١)، وكان رجلا صالحا ثقة صدوقا، كثير الحديث. وقال مطين، وإسماعيل بن أبي الحارث: مات سنة (٢١٢)، زاد إسماعيل، وابن حبان: يوم الخميس ليومين مضيا من جمادى الآخرة. روى له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذي والمصنف، له عنده ثلاثة أحاديث فقط: هذا، وفي "كتاب الصلاة" ١٩٥/ ١٤٠٦ حديث جابر ﵁، مرفوعًا: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه ... " الحديث. وفي "كتاب الزهد" ٢١/ ٤٢٣٠ حديث جابر ﵁ أيضًا، مرفوعًا: يُحشر الناس على نياتهم".
٣ - (ابن المبارك) هو عبد الله بن المبارك بن واضح المروزيّ الحنظليّ التميميّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزيّ، أحد الأعلام، ثقة، ثبتٌ، فقيه، عالم، جواد، مجاهدٌ، اجتمعت فيه خصال الخير [٨].
روى عن سليمان التيمي، وحميد الطويل، وإسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وسعد بن سعيد الأنصاري، وإبراهيم بن أبي عبلة، وأبي خلدة خالد ابن دينار، وعاصم الأحول، وابن عون، والأعمش، وهشام بن عروة، والثوري، وشعبة، والأوزاعي، وابن جريج، ومالك، والليث، وابن أبي ذئب، وخلق كثير.
وروى عنه الثوري، ومعمر بن راشد، وأبو إسحاق الفزاري، وجعفر بن سليمان
стр. 90
الضبعي، وبقية بن الوليد، وداود بن عبد الرحمن العطار، وابن عيينة، وأبو الأحوص، وفضيل بن عياض، ومعتمر بن سليمان، والوليد بن مسلم، وأبو بكر بن عياش، وغيرهم من شيوخه، وأقرانه، ومسلم بن إبراهيم، وأبو أسامة، وأبو سلمة التبوذكي، وخلق كثير، آخرهم الحسين بن داود البلخي.
قال أبو أسامة: ما رأيت أطلب للعلم من عبد الله بن المبارك. وقال عبدان: أول ما خرج سنة إحدى وأربعين. قال ابن مهدي: لما سئل عن ابن المبارك وسفيان: لو جهد سفيان جهده على أن يكون يوما مثل عبد الله لم يقدر. وقال شعيب بن حرب. إني لأشتهي من عمري كله أن أكون سنة واحدة مثل ابن المبارك، فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام. وقال شعيب: ما لقي ابن المبارك رجلا إلا وابن المبارك أفضل منه. وقال أحمد: لم يكن في زمانه أطلب للعلم منه، جمع أمرا عظيما، ما كالن أحد أقل سقطا منه، كان رجلا صاحب حديث حافظًا، وكان يحدث من كتاب. وقال شعبة: ما قدم علينا مثله. وقال ابن عيينة: نظرت في أمر الصحابة، فما رأيت لهم فضلا على ابن المبارك، إلا بصحبتهم النبي ﷺ ، وغزوهم معه. وقال أبو حاتم عن إسحاق بن محمد بن إبراهيم المروزي: نُعي ابن المبارك إلى سفيان بن عيينة، فقال: لقد كان فقيها عالما عابدا زاهدا سخيًّا شجاعا شاعرا. وقال فضيل بن عياض: أما إنه لم يخلف بعده مثله. وقال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين. وقال سلام بن أبي مطيع: ما خلّف بالمشرق مثله. وقال القواريري: لم يكن ابن مهدي يقدم عليه، وعلى مالك في الحديث أحدا. وقال ابن المثنى: سمعت ابن مهدي يقول: ما رأت عيناي مثل أربعة: ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري، ولا أشد تقشفا من شعبة، ولا أعقل من مالك، ولا أنصح للأمة من ابن المبارك. وقال الحسن بن عيسى: اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك، مثل الفضل بن موسى، ومخلد بن حسين، وغرهما، فقالوا: تعالوا حتى نَعُدّ خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: جمع العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والشعر، والفصاحة، والزهد، والورع، والإنصاف، وقيام الليل، والعبادة، والحج،
стр. 91
والغزو، والفروسية، والشجاعة، والشدة في بدنه، وترك الكلام فيما لا يعنيه، وقلة الخلاف على أصحابه. وقال العباس بن مصعب: جمع الحديث، والفقه، والعربية، والشجاعة، والتجارة، والسخاء، والمحبة عند الفِرَق، وقال إسماعيل بن عياش: ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك، ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير إلا وقد جعلها فيه. وقال علي بن الحسين بن شقيق: بلغنا أنه قال للفضيل بن عياض: لولا أنت وأصحابك ما اتجرت، قال: وكان ينفق على الفقراء في كل سنة مائة ألف درهم. وقال الحاكم: هو إمام عصره في الآفاق، وأولاهم بذلك علما، وزهدا، وشجاعة، وسخاء. وقال أبو وهب: مَرَّ عبد الله برجل أعمى، فقال: أسألك أن تدعو لي، فدعا، فرد الله عليه بصره وأنا أنظر. وقال الحسن بن عيسى: كان مجاب الدعوة. وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، رجل صالح، وكان جامعا للعلم. وقال ابن حبان في "الثقات": كان فيه خصال لم تجتمع في أحد من أهل العلم في زمانه في الأرض كلها. وقال يحيى بن يحيى الأندلسي: كنا في مجلس مالك، فاستؤذن لابن المبارك، فأذن، فرأينا مالكا تزحزح له في مجلسه، ثم أقعده بلصقه، ولم أره تزحزح لأحد في مجلسه غيره، فكان القارئ يقرأ على مالك، فربما مر بشيء، فيسأله مالك: ما عندكم في هذا؟ فكان عبد الله يجيبه بالخفاء، ثم قال: قام فخرج، فأُعجب مالك بأدبه، ثم قال لنا: هذا ابن المبارك، فقيه خراسان.
وقال الخليلي في "الإرشاد": ابن المبارك الإمام المتفق عليه، له من الكرامات ما لا يحصى، يقال: إنه من الأبدال، وقال: كتبت عن ألف شيخ. وحكى الحسن بن عرفة محنه من دقيق الورع أنه استعار قلما من رجل بالشام، وحمله إلى خراسان ناسيا، فلما وجده معه بها، رجع إلى الشام حتى أعطاه لصاحبه. وقال الأسود بن سالم: إذا رأيت الرجل يغمز ابن المبارك، فاتهمه على الإسلام. وقال النسائي: لا نعلم في عصر ابن المبارك أجل من ابن المبارك، ولا أعلى منه، ولا أجمع لكل خصلة محمودة منه. ومناقبه، وفضائله كثيرة جدا.
стр. 92
وقال أحمد بن حنبل، وغير واحد: وُلد سنة ثمان عشرة ومائة. وقال ابن سعد: مات بِهيت منصرفا من الغزو، سنة إحدى وثمانين ومائة، وله ثلاث وستون سنة، طلب العلم، وروى رواية كثيرة، وصنف كتبا كثيرة، في أبواب العلم، وكان ثقة مأمونا، حجة، كثير الحديث. (١). روى له الجماعة، وله عند المصنّف ثلاثون حديثًا.
٤ - (محمد بن سوقة) -بضم المهملة- الغَنَويّ -بفتح الغين المعجمة والنون الخفيفة- أبو بكر الكوفيّ العابد، ثقة، مرضيّ، عابدٌ [٥].
روى عن أنس، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن دينار، وأبي صالح السمان، ونافع ابن جبير بن مطعم، وإبراهيم النخعي، ونافع مولى ابن عمر، ومنذر الثوري، ومحمد بن المنكدر، وجماعة.
وروى عنه مالك بن مغول، والثوري، وابن المبارك، وأبو معاوية، وعبد الرحمن ابن محمد المحاربي، غيرهم.
قال محمد بن عبيد: سمعت الثوري يقول: حدثني الرضي محمد بن سوقة، قال: ولم أسمعه يقول ذلك لعربي، ولا لمولى. وقال الحسين بن حفص، قال الثوري: أُخرج إليكم كتاب خير رجل بالكوفة، فأخرج كتاب محمد بن سوقة. وقال طلحة بن مصرف: ما بالكوفة رجلان يزيدان على محمد بن سوقة، وعبد الجبار بن وائل بن حجر. وقال الحميدي عن ابن عيينة: كان بالكوفة ثلاثة، لو قيل لأحدهم: إنك تموت غدًا، ما كان يقدر أن يزيد في عمله: محمد بن سوقة، وعمرو بن قيس الملائي، وأبو حيان التيمي. قال سفيان: وكان محمد بن سوقة لا يحسن أن يعصي الله. وقال العجلي: كوفي ثبت، وكان خزازا، جمع من الخز مائة ألف، ثم أتى مكة، فقال: ما اجتمعت هذه لِخَيْر، فتصدق بها، وكان صاحب سنة وعبادة وخير كثير، في عداد الشيوخ، وليس بكثير الحديث. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائي: ثقة مرضي. وذكره ابن
стр. 93
حبان في "الثقات"، في الطبقة الثالثة في أتباع التابعين، وقال: كان من أهل العبادة والفضل والدين والسخاء. وقال أيضًا: قد قيل: إنه رأى أنسا، وأبا الطفيل. قال الحافظ: ومقتضاه أن تكون روايته عنده عن أنس مرسلة. وقال يعقوب بن سفيان: محمد بن سوقة من خيار أهل الكوفة وثقاتهم. وقال الدارقطني: كوفي فاضل ثقة. روى له الجماعة، له عند المصنف خمسة أحاديث برقم ٤ و ١٦٠٢ و ٢٩١٠ و ٣٨١٤ و٤٠٦٥. والله تعالى أعلم.
٥ - (أبو جعفر) هو محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب المدنيّ المعروف بالباقر الهاشمي، أمه بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، ثقة فاضل [٤].
روى عن أبيه، وجديه الحسن والحسين، وجد أبيه علي بن أبي طالب مرسل، وعم أبيه محمد بن الحنفية، وابن عم جده عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وسمرة بن جندب، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وأم سلمة، وأبي سعيد الخدري، وجابر، وأنس، وإبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه جعفر، وأبو إسحاق السبيعي، والأعرج، والزهري، وعمرو بن دينار، وأبو جهضم موسى بن سالم، والقاسم بن الفضل، والأوزاعي، وابن جريج، والأعمش، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وليس يروي عنه من يُحتَج به. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال ابن البرقي: كان فقيها فاضلا. وذكره النسائي في فقهاء أهل المدينة من التابعين. وقال محمد بن فضيل، عن سالم بن أبي حفصة: سألت أبا جعفر، وابنه جعفر بن محمد. عن أبي بكر وعمر، فقالا لي: يا سالم تَوَلَّهما، وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامي هدى. وعنه قال: ما أدركت أحدا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما. قال ابن البرقي: كان مولده سنة ست وخمسين. وقيل: إنه مات سنة أربع عشرة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: ست عشرة، وقيل: سبع عشرة. وقال ابن سعد: مات سنة ثماني عشرة ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة.
стр. 94
قال الحافظ: فإن ثبت ذلك فيكون مولده سنة خمس وأربعين، ولكن ابن سعد لم ينقل ذلك إلا عن الواقدي، كذا صرح به في "الطبقات الكبرى"، ثم قال ابن سعد: أنا عبد الرحمن بن يونس، عن ابن عيينة، عن جعفر بن محمد، سمعت محمد بن علي، وهو يذاكر فاطمة بنت الحسين، صدقة النبي ﷺ ، فقال: وهذه تُوفي لي ثمانيا وخمسين سنة، ومات بها. انتهى.
وهذا السند في غاية الصحة، ومقتضاه أن يكون ولد سنة ستين، وهذا هو الذي يتجه؛ لأن أباه علي بن الحسين شهد مع أبيه، يوم كربلاء، وهو ابن عشرين سنة، وكان يوم كربلاء في المحرم سنة إحدى وستين، ومقتضاه أن مولد علي كان سنة إحدى وأربعين، فمن يولد سنة أربعين، أو سنة إحدى وأربعين كيف يولد له سنة خمس وأربعين، والأصح أنه مات سنة أربع عشرة؛ لأن البخاري قال: ثنا عبد الله بن محمد، عن ابن عيينة، عن جعفر بن محمد، قال: مات أبي سنة أربع عشرة، فيكون مولده على هذا سنة ست وخمسين، وهو يتجه أيضا، وقد قيل: إن رواية محمد عن جميع من سُمّي هنا من الصحابة، ما عدا ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب مرسلة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ينبغي أن يزاد ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بلا شكّ؛ لأنه تأخر بعد ابن عباس، فإنه مات سنة (٦٨) ومات ابن عمر آخر سنة (٧٣) أو أول التي تليها، فليتأمل. والله تعالى أعلم.
روى له الجماعة، وله عند المصنف أربعة وعشرون حديثًا.
٦ - (ابن عمر) (١) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عديّ بن كعب بن لؤيّ بن غالب الإمام القدوة
стр. 95
شيخ الإسلام، أبو عبد الرحمن القرشي العدويّ المكي، ثم المدني، أمه زينب بنت مظعون الجمحية.
وُلد سنة ثلاث من المبعث النبوي فيما جزم به الزبير بن بكار، قال: هاجر وهو ابن عشر سنين، وكذا قال الواقدي حيث قال: مات سنة أربع وثمانين. وقال ابن منده: كان ابن إحدى عشرة ونصف. ونقل الهيثم بن عدي، عن مالك، أنه مات وله سبع وثمانون سنة، فعلى هذا كان له في الهجرة ثلاث عشرة، وقد ثبت عنه أنه كان له يوم بدر ثلاث عشرة، وبدرٌ كانت في السنة الثانية، وأسلم مع أبيه، وهاجر، وعُرض على النبيّ ﷺ ببدر فاستصغره، ثم بأحد فكذلك، ثم بالخندق فأجازه، وهو يومئذ ابن خمس عشرة سنة، كما ثبت في "الصحيح". وأخرج البغوي في ترجمته من طريق علي بن زيد، عن أنس، وسعيد بن المسيب قالا: شهد ابن عمر بدرا.
قال الحافظ الذهبيّ: هذا خطأ وغلط؛ لما ثبت عنه أنه قال: عُرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يُجزني (١).
وأخرج البغويّ أيضًا من طريق مطرف، عن أبي إسحاق، عن البراء، عرضت أنا وابن عمر يوم بدر، فرُدِدنا. وحفظ وقت إسلام أبيه، كما أخرج البخاري من طريق عبد الله. وقال البغوي: أسلم مع أبيه، ولم يكن بلغ يومئذ. وأخرج من طريق أبي إسحاق: رأيت ابن عمر في السعي بين الصفا والمروة، فإذا رجل ضخم آدم. وهو من المكثرين عن النبي ﷺ . وروى أيضا عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأبي ذر، ومعاذ، وعائشة، وغيرهم.
وروى عنه من الصحابة جابر، وابن عباس، وغيرهما، وبنوه: سالم، وعبد الله، وحمزة، وبلال، وزيد، وعُبيد الله، وابن أخيه حفص بن عامر، ومن كبار التابعين سعيد ابن المسيب، وأسلم مولى عمر، وعلقمة بن وقاص، وأبو عبد الرحمن النهدي، ومسروق، وجبير بن نفير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، في آخرين.
стр. 96
وممن بعدهم مواليهم: عبد الله بن دينار، ونافع، وزيد، وخالد بن أسلم، ومن غيرهم: مصعب بن سعد، وموسى بن طلحة، وعروة بن الزبير، وبشر بن سعيد، وعطاء، وطاوس (١)، ومجاهد، وابن سيرين، والحسن، وصفوان بن محرز، وآخرون.
وفي "الصحيح" عن سالم، عن ابن عمر، كان من رأى رؤيا في حياة النبي ﷺ قصها عليه، فتمنيت أن أرى رؤيا، وكنت غلاما شابا عزبا، أنام في المسجد، فرأيت في المنام، كأن ملكين أتياني، فذهبا بي ... " الحديث، وفي آخره فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول ﷺ ، فقال: "نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل"، فكان بعدُ لا ينام من الليل إلا القليل. وفي "الصحيح" أيضا عن نافع، عن ابن عمر: فرأيت في يدي سَرَقَةً من حرير، فما أهوي بها إلى مكان من الجنة إلا طارت بي إليه، فقصصتها على حفصة، فقصتها على النبي ﷺ ، فقال: إن أخاك" أو "إن عبد الله رجل صالح".
قال البخاري في "التاريخ": حدثني الأويسي، حدثني مالك، أن ابن عمر بلغ سبعا وثمانين سنة. وقال غير مالك: عاش أربعا وثمانين، والأول أثبت. وقال ضمرة بن ربيعة في "تاريخه": مات سنة اثنتين، أو ثلاث وسبعين، وجزم مرة بثلاث، وكذا أبو نعيم، ويحيى بن بكير، والجمهور، وزاد بعضهم: في ذي الحجة. وقال الفلاس مرة سنة أربع، وبه جزم خليفة، وسعيد بن جبير، وابن زبر. روى له الجماعة، له في "مسند بقي بن مخلد" ألفان وستمائة وثلاثون حديثا بالمكرر، واتفق الشيخان له على (١٦٨) وانفرد البخاريّ (٨١) ومسلم (٣١) قاله الذهبيّ (٢) وله عند المصنف (٣٦٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف رحمه الله تعالى.
стр. 97
٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: محمد بن سوقة، عن أبي جعفر.
٣ - (ومنها): أنه فيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أحد المكثرين السبعة، وقد تقدّموا قريبًا، وأحد العبادلة الأربعة المجموعين في قول السيوطيّ في "ألفية الحديث":
وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِو ... وَابْنُ الزُّبَيْرِ في اشْتِهَارٍ يَجرِي
دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لهُمْ عَبَادِلَهْ ... وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ
٤ - (ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنة، والقول من صيغ الأداء، وكلها من صيغ الاتصال، على تفصيل تقدّم بيانه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ) محمد بن عليّ الباقر، أنه (قَالَ: كَانَ) عبد الله (بْنُ عُمَرَ) ابن الخطّاب ﵄ (إِذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ حَدِيثًا، لَمْ يَعْدُهُ) بفتح أوله، وسكون ثانيه مضارع عدا، من باب نصر، يقال: عدَوته أعدوه: إذا تجاوزته إلى غيره، وعدّيته، وتعدّيته كذلك. قاله الفيّوميّ. والمعنى أن ابن عمر إذا سمع حديث النبيّ ﷺ لم يتجاوزه بالزيادة على قدر ما سمعه منه ﷺ ، والإفراط فيه.
وفي رواية الدارميّ من طريق ابن عيينة، عن محمد بن سوقة: وكان ابن عمر إذا سمع النبي ﷺ لم يزد فيه، ولم ينقص منه، ولم يجاوزه، ولم يقصر عنه.
(وَلَمْ يُقَصِّرْ) بضم أوله، وتشديد ثالثه، من التقصير في الأمر، وهو التواني فيه، يقال: قصّر فلان في حاجتي: إذا ونِي فيها. قاله ابن منظور (دُونَهُ) أي دون ذلك الحديث، بمعنى أنه لا ينقص منه شيئًا، بل يرويه تامّا كما سمعه.
قال المجد: "دون" بالضم تكون نقيض فوقُ، وتكون ظرفًا، وبمعنى أمام، ووراء، وفوق، ضدّ، وبمعنى غير. انتهى "قاموس".
وذكر ابن منظور رحمه الله تعالى في "اللسان": عن بعض النحويين: لـ "دون" معاني كثيرة، فقال: "دون" تكون بمعنى قبلُ، وبمعنى أمام، وبمعنى وراء، وبمعنى تحت، وبمعنى فوق، وبمعنى الساقط من الناس وغيرهم، وبمعنى الشريف، وبمعنى
стр. 98
الأمر، وبمعنى الوعيد، وبمعنى الإغراء. فأما "دون" بمعنى قبل، فكقولك: دون النهر قتال، ودون قتل الأسد أهوال: أي قبل أن تصل إلى ذلك. و"دون" بمعنى وراء، كقولك: هذا أمير على ما دون جيحون: أي على ما وراءه. والوعيد كقولك: دونك صراعي، ودونك فتمَرَّسْ بي. وفي الأمر كقولك: دونك الدرهم: أي خذه. وفي الإغراء دونك زيدًا: أي الزم زيدًا حافظه. وبمعنى تحت كقولك: دون قدمك خدّ عدوك: أي تحت قدمك. وبمعنى فوق كقولك: إن فلانا لشريف، فيُجيب آخر، فيقول: ودون ذلك: أي فوق ذلك. وقال الفرّاء: "دون" تكون بمعنى "على"، وتكون بمعنى "علّ"، وتكون بمعنى بعد، وتكون بمعنى عند، وتكون إغراء، وتكون بمعنى أقلّ من ذا، وأنقص من ذا. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المناسب هنا من هذه المعاني، كونها بمعنى "غير"، وبمعنى أقل، وأنقص، أي فكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، لا يأتي به أقلّ وأنقص مما سمعه من النبيّ ﷺ ، بل يؤديه كما هو.
وهذا الحديث فيه قصّة، وقد ساقه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "مسنده" بقصّته، فقال:
٥٥٢١ - حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا محمد بن سوقة، سمعت أبا جعفر، يقول: كان عبد الله بن عمر، إذا سمع من نبي الله ﷺ شيئا، أو شهد معه مشهدا، لم يقصر دونه، أو يعدُوه، قال: فبينما هو جالس، وعبيد بن عمير يقص على أهل مكة، إذ قال عبيد بن عمير: "مثل المنافق كمثل الشاة بين الغنمين، إن أقبلت إلى هذه الغنم نطحتها، وإن أقبلت إلى هذه نطحتها". فقال عبد الله بن عمر: ليس هكذا، فغضب عبيد بن عمير، وفي المجلس عبد الله بن صفوان، فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف قال -
стр. 99
رحمك الله-؟ فقال: قال: "مثل المنافق مثل الشاة بين الربيضين (١)، إن أقبلت إلى ذا الربيض نطحتها، وإن أقبلت إلى ذا الربيض نطحتها"، فقال له: رحمك الله هما واحد، قال: كذا سمعت.
وأخرج أحمد من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "إنما مثل المنافق مثل الشاة العائرة (٢) بين الغنمين، تَعِير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، لا تدري أيهما تتبع". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١/ ٤ - ولم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) في "مسند المكثرين" ٥٥٢١ (الدارميّ) في "المقدّمة" ٢٢٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان اتباع سنة رسول الله ﷺ ، ووجه الاستدلال أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يجتهد في أداء الحديث النبوي على لفظه، وإن كان المعنى لا يختلف؛ اتباعًا للفظ المنقول، وهكذا ينبغي للمسلم أن يحرص على اتباعه ﷺ قولًا، وفعلًا، وحالًا؛ لأنه ﷺ هو المثل الأعلى في الأخلاق المرضية، فلا ينبغي أن يُتجاوز إلى غير هديه، وقد أمر الله تعالى باتباعه في غير ما آية، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الآية [الحشر: ٧]. وقال ﴿وَإِن
стр. 100
تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ الآية [النور: ٥٤]. وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): ما كان عليه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من شدة الاتباع للنبيّ ﷺ ، فكان معروفًا بذلك، فروى ابن وهب، عن مالك، عمن حدثه أن ابن عمر كان يتبع أمر رسول الله ﷺ ، وآثاره، وحاله، ويهتمّ به، حتى كان قد خيف على عقله من اهتمامه بذلك. وعن خارجة بن مصعب، عن موسى بن عقبة، عن نافع، قال: لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتبع رسول الله ﷺ ، لقلت: هذا مجنون. وعن عبد الله بن عمر، عن نافع، أن ابن عمر كان يتّبع آثار رسول الله ﷺ كلّ مكان صلّى فيه، حتى إن النبيّ ﷺ نزل تحت شجرة، فكان ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة، فيصبّ في أصلها الماء؛ لكيلا تيبس. وقال نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لو تركنا هذا الباب للنساء"، قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات (١). ذكر هذا كله الذهبيّ في "السير" (٢).
وأخرج الترمذيّ من طريق صالح بن كيسان، عن ابن شهاب أن سالم بن عبد الله حدثه، أنه سمع رجلا من أهل الشام، وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج؟ فقال عبد الله بن عمر: هي حلال، فقال الشامي: إن أباك قد نهى عنها، فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها، وصنعها رسول الله ﷺ ، أأمر أبي نتبع أم أمر رسول الله ﷺ ؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله ﷺ ، فقال: لقد صنعها رسول الله ﷺ .
قال السنديّ رحمه الله تعالى معلقًا على هذا الحديث: ما نصّه: فانظر إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كيف خالف أباه مع علمه بأن أباه قد بلغه الحديث، وأنه لا يخالفه إلا بدليل هو أقوى منه عنده، ومع ذلك فقد أفتى بخلاف قول أبيه، وقال: إن قول أبيه
стр. 101
لا يليق أن يؤخذ به. وقد عَمِل بمثل هذا سالم بن عبد الله حين بلغه حديث عائشة في
الطيب قبيل الإحرام، وقبل الإفاضة، ترك قول أبيه وجده، وقال: سنة رسول الله ﷺ
أحقّ أن تتّبع. وغالب أهل الزمان على خلافاتهم (١) إذا جاءهم حديث يُخالف قول
إمامهم يقولون: لعل هذا الحديث قد بلغ الإمام، وخالفه بما هو أقوى عنده منه.
وروى ابن عمر حديث: ١١ لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، فقال له بعض أولاده:
نحن نمنع، فسبّه سبا ما سُمع سب مثله قط، وقطع الكلام معه إلى الموت. وله ﵁ في
مراعاة دقائق السنن أحوال مدوّنة في كتب الحديث، مشهورة بين أهله. انتهى كلام
السنديّ (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ولْعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
٥ - (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمارٍ الدِّمَشْقِى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سُمَيْعٍ، حَدَّثنا
إِبْرَاهِيمُ ابْنُ سُلَممانَ الْأَفْطَسُ، عَنِ الْوَليدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجرَشِيِّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ
أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْفَقْرَ، وَنَتَخَوَّفُهُ، فَقَالَ:
"آالْفَقْرَ تخَافُونَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَده لَتُصَبَّنَّ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا صَبًّا، حَتَّى لَا يُزِيغَ قَلْبَ
أَحَدِكُمْ إِزَاغَةً إِلَّا هِيهْ، وَايْمُ الله لَقَدْ ترَكتكُمْ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا وَنهَارُهَا سَوَاءٌ".
قَالَ أبو الدَّرْدَاءِ: صَدَقَ وَاللهِّ رَسُولُ الله ﷺ ، تَرَكنَا وَاللهَّ عَلَى مِثْلِ الْبيضَاءِ لَيْلُهَا
وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ).
رجال هذا الإسناد: ستة أيضًا:
١ - (هشام بن عمار) بن نُصير -بنون، مصغّرا- ابن ميسرة بن أبان السلمي،
ويقال: الظفري، أبو الوليد الدمشقيّ، خطيب المسجد الجامع بها، صدوقٌ، مقرىء،
كبر، فصار يتلقن، فحديثه القديم أصحّ، من كبار [١٠].
стр. 102
وقد سمع من معروف الخيّاط، لكن معروفٌ ليس بثقة.
روى عن معروف الخياط أبي الخطاب الدمشقي، صاحب واثلة، وصدقة بن خالد، وعبد الحميد بن حبيب، أبي العشرين، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وخلق كثير.
وروى عنه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وروى الترمذي عن البخاري عنه، وابنه أحمد بن هشام، وشيخاه الوليد بن مسلم، ومحمد بن شعيب، وابن سعد، وجمّ غفير.
قال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم عن يحيى بن معين:
كيس كيس. وقال العجلي: ثقة. وقال مرة: صدوق. وقال أحمد بن خالد الخلال، عن يحيى بن معين: حدثنا هشام بن عمار، وليس بالكذوب. وقال النسائي: لا بأس به. وقال الدارقطني: صدوق كبير المحل. وقال عبدان: ما كان في الدنيا مثله. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه، لما كبر هشام تغير، فكلما دفع إليه قرأه، وكلما لُقّن تلقن، وكان قديما أصح، كان يقرأ من كتابه، قال: وسئل أبي عنه؟ فقال: صدوق، وقال ابن عدي: سمعت قُسطنطين بن عبد الله الروميّ مولى المعتمد على الله أمير المؤمنين يقول: حضرت مجلس هشام، فقال له المستملي: من ذكرت؟ فقال: حدثنا بعض مشايخنا، ثم نعس، فقال المستملي: لا تنتفعون به، فجمعوا له شيئا، فأعطوه، فكان بعد ذلك يملي عليهم. وقال ابن وارة: عزمت زمانا أن أمسك عن حديث هشام؛ لأنه كان يبيع الحديث. وقال صالح بن محمد: كان يأخذ على الحديث، ولا يحدث ما لم يأخذ. وقال الإسماعيلي، عن عبد الله بن محمد بن سيار: كان هشام يلقن، وكان يلقن كل شيء، ما كان من حديثه، وكان يقول: أنا قد خرجت هذه الأحاديث صحاحا. وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ الآية [البقرة: ١٨١]، وكان يأخذ على كل ورقتين درهمين، ويشارط، ولمّا لُمتُهُ على التلقين، قال: أنا أعرف حديثي، ثم قال لي بعد ساعة: إن كنت تشتهي أن تعلم، فأدخل إسنادا في شيء، فتفقدت الأسانيد التي فيها قليل اضطراب، فسألته عنها، فكان يمر فيها، قال المروذي
стр. 103
عن أحمد بن حنبل: هشام طياش خفيف.
وقال أبو بكر الباغندي، عن هشام بن عمار: وُلدت سنة ثلاث وخمسين ومائة.
وقال البخاري: مات بدمشق آخر المحرم سنة خمس وأربعين ومائتين، وفيها أرخه غير واحد، وقيل: مات سنة أربع، وقيل: سنة ست. وقال في "الزهرة": روى عنه البخاري أربعة أحاديث.
روى عنه الجماعة، سوى مسلم، وله عند المصنّف ثلاثمائة، وثمانية وعشرون حديثًا.
٢ - (محمد بن عيسى بن القاسم بن سُميع) -بالتصغير- أبو سفيان الدمشقيّ الأمويّ مولاهم، صدوقٌ يُخطىء، ويُدلّس،، ورُمي بالقدر [٩].
روى عن حميد الطويل، وعبيد الله بن عمر، وهشام بن عروة، وزيد بن واقد، وإبراهيم بن سليمان الأفطس، والأوزاعي، وابن أبي ذئب، وغيرهم.
وروى عنه العباس بن الوليد الخلال، وعبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل بن المهاجر، وعبد الرزاق بن عمر العابدي، وهارون بن محمد بن بكار، والهيثم بن مروان، وهشام بن عمار، وآخرون.
قال عثمان الدارمي عن دحيم: ليس من أهل الحديث، وهو قدري. وقال أبو حاتم: شيخ دمشقي، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال البخاري: يقال: إنه لم يسمع من ابن أبي ذئب هذا الحديث -يعني حديثه عن الزهري في مقتل عثمان-. وقال صالح بن محمد: ثنا هشام بن عمار، ثنا محمد بن عيسى بن القاسم، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، حديث مقتل عثمان، قال: فجهدت به كل الجهد أن يقول: حدثنا ابن أبي ذئب، فأبى، قال صالح: قال لي محمود ابن بنت محمد بن عيسى، هو في كتاب جدي، عن إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله، عن ابن أبي ذئب، قال صالح: وإسماعيل بن يحيى هذا يضع الحديث. قال صالح: فحدثت بهذه القصة محمد بن يحيى الذهلي، فقال: الله المستعان. وقال ابن شاهين: محمد بن عيسى بن سميع شيخ من أهل الشام ثقة، وإسماعيل الذي أسقطه ضعيف. وقال ابن حبان: هو مستقيم الحديث إذا بين السماع في
стр. 104
خبره، فأما خبره الذي روى عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب في مقتل عثمان، فلم يسمع من ابن أبي ذئب، سمعه من إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي ذئب، فدلس عنه، وإسماعيل واهٍ. وقال الآجري عن أبي داود: قال لي عيسى بن شاذان: قلت لهشام بن عمار: محمد بن عيسى قال لكم: حدثنا ابن أبي ذئب، قال: أيشٍ سؤالك عن هذا؟ قال أبو داود: محمد بن عيسى ليس به بأس، إلا أنه كان يتهم بالقدر. وقال أبو داود: سمعت هشام بن عمار يقول: حدثنا محمد بن عيسى الثقة المأمون، قال أبو داود: بلغني أن أبا مسهر قال لهشام بن عمار وأصحابه: ذهبتم، فأكلتم طعام الدجال -يعني محمد بن عيسى. وقال ابن عساكر: بلغني عن يزيد بن محمد بن عبد الصمد أنه قال: محمد بن عيسى شيخ ثبت. وقال ابن عدي: لا بأس به، وله أحاديث حسان، عن عُبيد الله -يعني ابن عمر، وروح يعني ابن القاسم وجماعة من الثقات، وهو حسن الحديث، والذي أنكر عليه حديث مقتل عثمان، أنه لم يسمعه من ابن أبي ذئب. وقال الحاكم أبو أحمد: مستقيم الحديث، إلا أنه روى عن ابن أبي ذئب حديثا منكرا، وهو حديث مقتل عثمان، ويقال: كان في كتابه: عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي ذئب، فأسقطه، وإسماعيل ذاهب الحديث.
وقال الدارقطني: ليس به بأس، وجزم ابن حبان بأنه دلس حديث ابن أبي ذئب، قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفيه نظر، والظاهر أنه دلس عليه تدليس التسوية كما تقدم في خبر صالح جزرة، وقد وهم فيه محمد بن إسماعيل، فجعله ترجمتين، ورد ذلك عليه أبو حاتم، وأبو زرعة. وقال الخطيب في "الموضح": قال البخاري مرة: محمد بن عيسى ابن سميع، ومرة: محمد بن عيسى القرشي، سمع زيد بن واقد، وهو رجل واحد. وقال أبو سليمان ابن زبر عن شيوخه: مات سنة أربع ومائتين. وقال الحسن بن محمد بن بكار ابن بلال: مات سنة ست ومائتين. وكان مولده سنة أربع عشرة ومائة.
روى له أبو داود، والنسائيّ، والمصنّف، له عنده هذا الحديث فقط.
٣ - (إبراهيم بن سليمان الأفطس) الدمشقيّ، ثقة ثبتٌ، إلا أنه يُرسل [٨].
стр. 105
رَوَى عن مكحول، والوليد بن عبد الرحمن الْجُرَشِي، ويزيد بن يزيد بن جابر.
وعنه محمد بن شعيب بن شابور، وإسماعيل بن عياش، ومحمد بن عيسى بن سُميع، وغيرهم. قال دحيم: ثقة ثقة. وقال مرة: ثقة ثبت. وقال يعقوب بن سفيان: سألت دحيما عنه؟ فقال: بخ بخ ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال البخاري: إبراهيم الأفطس عن يزيد بن يزيد جابر مرسل. وذكره ابن حبان في "الثقات".
روى له الترمذي والمصنّف، له عنده هذا الحديث فقط.
٤ - (الوليد بن عبد الرحمن الجرشيّ) بضم الجيم، وفتح الراء، وبالشين المعجمة - الحمصيّ الزّجّاج، كان على خراج الْغُوطة أيام هشام، ثقة [٤].
روى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي أُمامة، وجبير بن نفير، والحارث بن أوس الثقفي، وعياض بن غطيف، وغيرهم. ورَوى عنه يعلى بن عطاء، وإبراهيم بن أبي عبلة، وداود بن أبي هند، وغيرهم.
قال الغلابي عن ابن معين: روى داود بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، وهو ثقة. وقال ابن خراش: ثقة، وكان ممن قَدِم على الحجاج. وقال أبو زرعة الدمشقي في الطبقة الثالثة: قديم، جيد الحديث. وقال أبو حاتم، ومحمد بن عون: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال البخاري: الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، مولى لأبي سفيان الأنصاري، قاله أبو شعيب، وأراه الوليد بن أبي مالك، قال ابن عساكر: هذا وهم، وكذا قوله: مولى لأبي سفيان، فإنه عربي.
وتعقّبه الحافظ بأنه يجوز أن يكون مولى بالحلف، وإن كان عربي الأصل، فقد تابع البخاري على ما قال أبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، وابن حبان. ووقع عند الطحاوي في روايته لحديثه: عن الحارث بن عبد الله بن أوس، عن الوليد بن عبد الرحمن بن الزجاج.
روى له البخاري في "خلق أفعال العباد"، ومسلم، والأربعة. له عند المصنف حديثان فقط: هذا، وفي "كتاب الصلاة"- "باب ما جاء في قيام شهر رمضان" (١٣٢٧) حديث أبي ذرّ ﵁: "صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان ... " الحديث.
стр. 106
٥ - (جبير بن نفير) بنون، وفاء مصغّرًا - ابن مالك بن عامر الحضرميّ، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله الحمصيّ، ثقة، جليل، مخضرم [٢].
أدرك زمان النبي ﷺ ، وروى عنه، وعن أبي بكر الصديق مرسلا، وعن عمر ابن الخطاب ﵁، وفي سماعه منه نظر، وعن أبيه، وأبي ذر، وأبي الدرداء، والمقداد بن الأسود، وخالد بن الوليد، وعبادة بن الصامت، وابن عمر، ومعاوية، والنواس بن سمعان، وثوبان، وعقبة بن عامر الجهني، وخلق.
وروى عنه ابنه عبد الرحمن، ومكحول، وخالد بن معدان، وأبو الزاهرية، وأبو عثمان، وليس بالنهدي، وحبيب بن عبيد، وصفوان بن عمرو، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقة، من كبار تابعي أهل الشام. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو زرعة الدمشقي: رفع دُحيم من شأن جبير بن نفير، وقَدّم أبا إدريس عليه. وقال النسائي: ليس أحدٌ من كبار التابعين أحسن روايةً عن الصحابة من ثلاثة: قيس بن أبي حازم، وأبي عثمان النهدي، وجُبير بن نُفير. وقال ابن حبان في ثقات التابعين: أدرك الجاهلية، ولا صحبة له. وقال سليم بن عامر عن جبير: استقبلت الإسلام من أوله.
وقال أبو زرعة: هو أسن من إدريس (١) لأنه قد ثبت له إدراك عمر، وسمع كتابه يقرأ بحمص. وقال ابن سعد: كان ثقة فيما يروي من الحديث. وقال ابن خراش: هو من أجل تابعي الشام. وكذا قال الآجري عن أبي داود. وقال العجلي: شامي تابعي ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: مشهور بالعلم. وذكره الطبري في طبقات الفقهاء. وقال معاوية ابن صالح: أدرك إمارة الوليد بن عبد الملك. انتهى.
قال الحافظ: فإن صح ذلك، فيكون عاش إلى سنة بضعٍ؛ لأن الوليد ولي سنة (٨٦) والله أعلم.
قال أبو حسان الزيادي: مات سنة (٧٥) وكان جاهليًّا أسلم في خلافة أبي بكر،
стр. 107
ويقال: مات سنة (٨). روى له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، وله عند المصنف سبعة أحاديث، برقم -٥ و ١٣٢٧ و ٢٧٠٧ و ٤٠٧٥ و ٤٠٧٦ و ٤٠٨٩ و ٤٢٥٣. والله تعالى أعلم.
٦ - (أبو الدرداء) عويمر بن مالك، وقيل: ابن عامر، وقيل: ابن ثعلبة، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: ابن زيد بن قيس بن أمية بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج الأنصاري، أبو الدرداء الخزرجي. وقال الْكُدَيمي عن الأصمعي: اسمه عامر، وكانوا يقولون له: عويمر، وكذا قال عمرو بن علي عن بعض ولده. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن عائشة، وزيد بن ثابت. وروى عنه ابنه بلال، وزوجته أم الدرداء، وفضالة بن عبيد، وأبو أمامة، ومعدان بن أبي طلحة، وأبو إدريس الخولاني، وأبو مرة، مولى أم هانئ، وأبو حبيبة الطائي، وأبو السفر الهمداني مرسل، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وجبير بن نفير، وسويد بن غَفَلَة، وزيد بن وهب، وصفوان بن عبد الله بن صفوان، وعلقمة بن قيس، وكثير بن قيس، وسعيد بن المسيِّب، وأبو بحرية عبد الله بن قيس، وكثير بن مرة، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن كعب القرظي، وهلال بن يساف، وآخرون.
قال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: أسلم يوم بدر، وشهد أحدا، وأبلى فيها، وقال الأعمش، عن خيثمة عنه قال: كنت تاجرا قبل البعثة، فزاولت بعد ذلك التجارة والعبادة، فلم يجتمعا، فأخذت العبادة، وتركت التجارة.
وقد علّق على هذا الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى، فقال: الأفضل جمع الأمرين مع الجهاد، وهذا الذي قاله هو طريق جماعة من السلف، والصوفيّة، ولا ريب أن أمزجة الناس تختلف في ذلك، فبعضهم يَقوَى على الجمع، كالصدّيق، وعبد الرحمن بن عوف، وكما كان ابن المبارك، وبعضهم يعجِز، ويقتصر على العبادة، وبعضهم يقوى في بدايته، ثم يعجز، وبالعكس، وكلّ سائغ، ولكن لا بدّ من النهضة بحقوق الزوجة
стр. 108
والعيال. انتهى كلام الذهبيّ (١).
وقال صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد: قال رسول الله ﷺ يوم أحد: "نعم الفارس عويمر"، وقال: "حكيم أمتي"، ومناقبه وفضائله كثيرة جدا. قال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: مات أبو الدرداء، وكعب الأحبار، في خلافة عثمان لسنتين بقيتا من خلافته. وقال الواقدي، وغير واحد: مات سنة اثنتين وثلاثين. وقال ابن حبان: ولاه معاوية قضاء دمشق بأمر عمر بن الخطاب. وقال ابن سعد: آخى النبي ﷺ بينه وبين عوف بن مالك. وقال ابن عبد البر: قال طائفة من أهل الأخبار: مات بعد صفين، قال: والأصح عند أهل الحديث أنه توفي في خلافة عثمان. وصحح ابن الحذاء قول البخاري: إنه عويمر بن زيد. وقال عمرو بن علي عن بعض ولده: مات قبل عثمان بسنة.
أخرج له الجماعة، روى (١٧٩) حديثًا، اتفق الشيخان على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم، بثمانية. وأخرج له المصنف ستة وعشرين حديثا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه مسلسلٌ بالشاميّين، فالوليد، وجُبير حمصيان، والباقون دمشقيون.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء، وكلاهما للاتصال على الوجه الذي تقدّم بيانه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الدرْدَاءِ) عويمر بن مالك ﵁، أنه (قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ ) أي من حجرته، أو من الموضع الذي كان فيه (وَنَحْنُ نَذْكرُ الْفَقْرَ) جملة في محل نصب على الحال، أي والحال أننا نذكر آثار الفقر، وبؤسه (وَنَتَخَوَّفُهُ) بتشديد الواو: أي نظهر
стр. 109
الخوف من لحوقه بنا (فَقَالَ) ﷺ (آالْفَقْرَ تخَافُونَ) بهمزة الاستفهام، ونصب "الفقرَ" على أنه مفعول مقدّم لـ "تخافون" (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَد) قسم منه ﷺ بالله الذي نفسه ﷺ بيده يتصرّف فيها كيف شاء، وفيه إثبات اليد لله تعالى على ما يليق بجلاله. وقوله (لتصَبَنَّ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا صَبًّا) جواب القسم (حَتَّى لَا يُزِيغَ) بضم أوله من الإزاغة: بمعنى الإمالة عن الحقّ. قال الفيّوميّ: زاغت الشمس تَزيغ زَيْغًا: مالت، وزاغ الشيءُ كذلك، ويزوغ زَوغًا لغةٌ، وأزاغه إزاغة في التعدّيّ. انتهى. وقال ابن منظور: الزَّيْغُ: الميل، زاغ يَزيغ زَيغًا، وزَيَغَانًا، وزُيوغًا، وزَيْغُوغةً، وأزغتُهُ أنا إزاغةً، وهو زائغ، وقوم زاغةٌ عن الشيء: أي زائغون، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]: أي لا تُملنا عن الهدى والقصد، ولا تُضلّنا. وقيل: لا تُزغ قلوبنا: لا تتعبّدنا بما يكون سببًا لزيغ قلوبنا، والواو لغة -يعني زاغ يزوغ بالواو لغة لبعض العرب- انتهى.
(قَلْبَ أَحَدِكُمْ) بنصب "قلب" على أنه مفعول به لـ "يزيغ" (إِزَاغَةً) مفعول مطلق لـ "يزيغ" (إِلَّا هِيهْ) استناء مفرّغ، و"هي" ضمير الدنيا في محل رفع فاعل "يزيغ"، والهاء للسكت. وقال بعض من كتب هنا: قوله: "حتى لا يزيغ الخ": أي حتى لا يُميل قلب أحدكم إمالةً إلا طلب الزيادة، و"هيه" بسكون الياء كلمة يُستزاد بها الشيء. ويحتمل أن يكون بفتح الياء، والهاء في آخره للوقف، و"هي" ضمير مؤنث غائب يرجع إلى "الدنيا": أي حتى لا يميل قلبَ أحدكم إلا الدنيا. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الأقرب، كما قررناه سابقًا. والله تعالى أعلم.
(وَايْمُ الله) بهمزة الوصل بمعنى يمين الله، وهو مبتدأ خبره محذوف: أي قسمي، أو بالعكس: أيَ قمسي: ايم الله (لَقَدْ ترَكْتكُمْ) قال السنديّ: أي ما فارقتكم بالموت، فصيغة الماضي بمعنى الاستقبال، أو اجتهدت في إصلاح حالكم حتى صرتم على هذه الحال التي تركتكم عليها، واشتغلت عنها بأمور أُخَر، كالعبادة، فصيغة الماضي على معناها. انتهى.
(عَلَى مِثْلِ الْبيضَاءِ) قال السنديّ رحمه الله تعالى: ظاهر السوق أن هذا بيان لحال
стр. 110
القلوب، لا لحال الملّة، والمعنى: على قلوب هي مثل الأرض البيضاء ليلًا ونهارًا، ويحتمل أن يكون لفظ المثل مقحمًا، والمعنى: على قلوب بيضاء نقيّة عن الميل إلى الباطل، لا يُميلها عن الإقبال على الله تعالى السرّاء والضرّاء، فليُفهم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يبعد أن يكون المراد الملّةَ، فيكون المعنى: لقد تركتكم على ملّة مثل الشمس في الظهور والوضوح، وعدم اللبس على أحد ممن يُبصر، أما الأعمى، فإنه لا ينتفع بظهورها؛ لخلل من جهته، لا من جهتها، لكن لا يضرّها عدم إبصاره لها، وإنما يتضرّر هو، كما قيل [من البسيط]:
مَا ضَرَّ شَمْسَ الضُّحَى في الأُفْقِ طَالِعَةً ... أَنْ لَا يَرَى نُورَهَا مَنْ لَيْسَ ذَا بَصَرِ
فكذلك ملة الإسلام إنما ينتفع بها من فتح الله قلبه، وهداه إليها، ولا ينقص قدرها بإعراض من كتب الله عليه الشقاء الأبديّ، وإنما ينقص هو نفسه.
ولمّا كانت الشمس المشبه بها أنقص حالًا من المشبّه، حيث يتغيّر حالها بتغير الأوقات، فإنها تظهر نهارًا، ويتمّم سلطانها فيه، وتختفي ليلًا، فيذهب سلطانها فيه، بخلاف المشبه، وهي الملة، فإن تمام ظهورها، وإشراقها لا يتغيّر بتغير الأحوال والأزمان، بل هو على حدّ سواء دائمًا، بيّن ذلك، وأوضحه، فقال: (لَيْلُهَا وَنهَارُهَا سَوَاءٌ) أي كلّ أزمانها وأحوالها متساوية في الوضوح والظهور، لا يتغيّر، ولا يتحول، وإن تغير الزمان والمكان، بل يبقى على ما هو عليه حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولهذا المعنى أتبعه المصنف رحمه الله تعالى بحديث: "لا تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرّهم من خذلهم حتى تقوم الساعة"، اللهم اجعلنا من الطائفة المنصورة، آمين.
(قَالَ أبو الدَّرْدَاءِ) ﵁ (صَدَقَ) فعل ماض، وفاعله "رسول الله"، وقوله: (وَاللهَ) قسم اعتُرض به بين الفعل والفاعل للتأكيد (رَسُولُ الله ﷺ ، ترَكَنَا وَالله عَلَى مِثْلِ الْبيضَاءِ) أي على ملّة واضحة الإشراق، كوضوح إشراقَ الشمس (لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ) أي متساوية، لا تختلف بأي حال من الأحوال في الاهتداء بها، والوصول إلى الغرض المطلوب، وهو الظفر بسعادة الدارين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه