لي مرّة فأنظر، وأُطَأْطِئ له مرّة فينظر، فكنت أعرف أبي إذا مَرّ على فرسه في السلاح إلى بني قريظة، قال: وأخبرني عبد الله بن عروة عن عبد الله بن الزُّبير قال: فذكرت ذلك لأبي، فقال: ورأيتني يا بُنَيَّ؟، قلت: نعم، قال: أما والله لقد جَمَع لي رسول الله ﷺ يومئذ أبويه، فقال: "فَدَاك أبي وأمي".
قال القرطبيّ ﵀: فداك بفتح الفاء والقصر فعلٌ ماضٍ، فإن كسرت مَدَدْتَ، وهذا الحديث يدلُّ على أن النبيّ ﵁ جمع أبويه لغير سعد بن أبي وقّاص ﵁، وحينئذ يُشكل بما رواه الترمذيّ من قول عليّ ﵁: إن رسول الله ﷺ ما جَمَعَ أبويه لأحد إِلَّا لسعد، وقال له يوم أحد: "فداك أبي وأُمّي" (١)، ويرتفع الإشكال بأن يُقال: إن عليّا أخبره بما في علمه، ويَحتَمِل أن يُريد به أنه لم يقل ذلك في يوم أحد لأحد غيره. والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث الزُّبير ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (١٦/ ١٢٣) فقط، وأخرجه (البخاريّ) في (٣٧٢٠) و (مسلم) في (٢٤١٦) و (الترمذيّ) في (٣٧٤٣) و (النَّسائيّ) في "الكبرى" (٨١٥٦) و (٩٩٥٦) و (٩٩٥٧) و (٩٩٥٨) و (أحمد) في "مسنده" (١٤٠٨) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٨٤) و (ابن أبي شيبة) (١٢/ ٩١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل الزُّبير ﵁.
стр. 1367
٢ - (ومنها): جواز التفدية بالأبوين، وقد عقد الإمام البخاريّ في "كتاب الأدب" من "صحيحه" لذلك بابًا، فقال: "باب قول الرَّجل: جعلني الله فداك، وقال أبو بكر للنبيّ ﷺ : فديناك بآبائنا وأمهاتنا"، ثمّ أخرج بسنده قصة، وفيها قول أبي طلحة للنبيّ ﷺ : "يا نبيّ الله جعلني الله فداك هل أصابك من شيء؟ ... " الحديث. قال في "الفتح": وقد استوعب الأخبار الدّالّة على جواز التفدية أبو بكر بن أبي عاصم في أول كتابه "آداب الحكماء"، وجزم بجواز ذلك، فقال: للمرء أن يقول ذلك لسلطانه، ولكبيره، ولذوي العلم، ولمن أحبّ من إخوانه غير محظور عليه ذلك، بل يُثاب عليه إذا قصد توقيره واستعطافه، ولو كان ذلك محظورًا لنهى النبيّ ﷺ قائل ذلك، ولأعلمه أن ذلك غير جائز أن يُقال لأحد غيره. انتهى.
وقال الطَّبرانيُّ (١) بعد أن ساق أحاديث الجواز: في هذه الأحاديث دليلٌ على جواز قول ذلك، وأما ما رواه مبارك بن فَضَالة، عن الحسن قال: دخل الزُّبير على النبيّ ﷺ ، وهو شاكٍ، فقال: كيف تجدك جعلني الله فداك؟ قال: "ما تركت أعرابيّتك بعدُ؟ "، ثمّ ساقه من هذا الوجه، ومن وجه آخر، ثمّ قال: لا حجة في ذلك على المنع؛ لأنه لا يقاوم تلك الأحاديث في الصحّة، وعلى تقدير ثبوت ذلك فليس فيه صريح المنع، بل فيه إشارة إلى أنه ترك الأولى في القول للمريض إمّا بالتأنيس والملاطفة، وإما بالدعاء والتوجّع.
فإن قيل: إنّما ساغ ذلك لأن الّذي دعا بذلك كان أبواه مشركين، فالجواب أن قول أبي طلحة كان بعد أن أسلم، وكذا أبو ذرّ، وقول أبي بكر كان بعد أن أسلم أبواه. انتهى ملخّصًا.
وقال الحافظ: ويمكن أن يُعترض بأنه لا يلزم من تسويغ قول ذلك للنبيّ ﷺ أن يُسوّغ لغيره؛ لأن نفسه أعزّ من أنفس القائلين وآبائهم، ولو كانوا أسلموا، فالجواب ما
стр. 1368
تقدّم من كلام ابن أبي عاصم، فإن فيه إشارة إلى أن الأصل عدم الخصوصيّة، وأخرج ابن أبي عاصم من حديث ابن عمر أن النبيّ ﷺ قال لفاطمة: "فداك أبوك"، ومن حديث ابن مسعود النّبيّ ﷺ قال لأصحابه: "فداكم أبي وأمي"، ومن حديث أنس أنه ﷺ قال مثل ذلك للأنصار. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن ممّا سبق أن الحقّ جواز قول الإنسان: فداك نفسي، أو أبي وأمي؛ لصحة الأحاديث الكثيرة بذلك، وأما حديث الحسن المتقدّم فلا يصحّ؛ لأنه من مرسل الحسن، وفيه فَضَالة يُدلّس، ويسوّي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٢٤ - (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، وَهَدِيَّةُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشُةُ: يَا عُرْوَةُ كَانَ أَبَوَاكَ مِنِ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ: أَبُو بَكْرٍ، وَالزُّبَيْرُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هشام بن عمّار) السلميّ الدمشقيّ الخطيب، صدوقٌ مقرىء، كبر فصار يتلقّن، فحديثه القديم أصحّ، من كبار [١٠] تقدّم في ١/ ٥.
٢ - (هَدِيَّةُ -بفتح أوله، وكسر ثانيه، وتشديد التحتانيّة- ابْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) أبو صالح المروزيّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [١٠].
رَوَى عن الفضل بن موسى السِّينَاني، وسعد بن عبد الحميد بن جعفر، وابن عيينة، والوليد بن مسلم، ووكيع، والنضر بن شُميل، وغيرهم.
وروى عنه المصنّف، وأبو زرعة، وعثمان بن خُرَّزاذ، وعبد الله بن أحمد، وابن أبي عاصم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وموسى بن إسحاق الأنصاري، وعبد الله بن أحمد، وجعفر
стр. 1369
الفريابي، وآخرون.
قال ابن أبي عاصم: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: ربما أخطأ. قال أبو القاسم: مات سنة إحدى وأربعين ومائتين، انفرد به المصنّف، وله عنده في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط برقم ١٢٤ و ١٢٩٠ و ٢٣٠١ و ٢٤٢٨ و ٢٩٤٩ و ٣١٣١ و ٣٣٤١ و ٤٠٨٧.
٣ - (سفيان بن عيينة) الإمام الحافظ الحجة الفقيه، أبو محمّد المكيّ [٨] تقدّم في ٢/ ١٣.
٤ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت ٢/ ١٤، والباقيان تقدّمان في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنِّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجال ثقات.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، ورواية تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث.
٥ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عَنْ عروة بن الزُّبير، أنه (قَالَ: قَالَتْ عَائِشُةُ) رضي الله تعالى عنها (يَا عُرْوَةُ كَانَ أَبَوَاكَ مِنِ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا) أي أجابوا، فالسين والتاء زائدتان، كما قال الشاعر:
وَدَاعِ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النِّدَا ... فَلَمْ يَسْتجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ
أي لم يُجبه (لله وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ) بفتح، فسكون: أي الجراح، وفي رواية البخاريّ من طريق أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا
стр. 1370
مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]، قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم: الزُّبير، وأبو بكر، لمّا أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يومَ أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: "مَنْ يَذهَب في إِثْرهم؟ "، فانتدب منهم سبعون رجلًا، قال: كان فيهم أبو بكر والزبير.
قال في "الفتح": وقد سُمّي منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وعمّار بن ياسر، وطلحة، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الرّحمن بن عوف، وأبو عبيدة، وحُذيفة، وابن مسعود، أخرجه الطّبريّ من حديث ابن عبّاس، وعند ابن أبي حاتم من مرسل الحسن ذكر الخمسة الأولين، وعند عبد الرزّاق من مرسل عروة ذكر ابن مسعود. انتهى (١).
وقال أبو العباس القرطبيّ ﵀: أشارت عائشة ﵂ بهذا إلى ما جرى في غزوة حمراء الأسد، وهو موضع على نحو ثمانية أميال من المدينة، وكان من حديثها أن النبيّ ﷺ لمّا رجع إلى المدينة من أُحُد بمن بقي من أصحابه، وأكثرهم جريح، وقد بلغ منهم الجَهْد، والمشقّة نهايته، أمرهم بالخروج في إثر العدوِّ مُرهِبًا لهم، وقال: "لا يخرُجنّ إِلَّا من كان شهد أُحدًا"، فخرجوا على ما بهم من الضعف والجراح، وربما كان فيهم المثقل بالجراح لا يستطيع المشيَ، ولا يجد مركوبًا، فربما يُحمَل على الأعناق، كلُّ ذلك امتثال لأمر رسول الله ﷺ ، ورغبة في الجهاد والشهادة حتّى وصلوا إلى حمراء الأسد، فلقيهم نُعيم بن مسعود، فأخبرهم أن أبا سفيان بن حرب، ومن معه من قريش قد جمعوا جُموعَهم، وأجمعوا رأيهم على أن يعودوا إلى المدينة، فيستأصلوا أهلها، فقالوا ما أَخْبَرَنَا الله به عنهم: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وبينا قريشٌ قد أجمعوا على ذلك، إذ جاءهم معبد الْخُزاعيّ، وكانت خُزَاعة حلفاء النبيّ ﷺ ، وعَيْبَة نُصحه، وكان قد رأى حالَ أصحاب النبيّ ﷺ ، وما هم عليه، ولمّا رأى عزم قريش على الرجوع، واستئصال أهل المدينة حَمَلَهُ خوف ذلك، وخالص نُصحه للنبيّ ﷺ
стр. 1371
وأصحابه على أن خَوّف قريشًا بأن قال لهم: إنِّي قد تركت محمدًا وأصحابه بحمراء الأسد في جيش عظيم، قد اجتمع له كلّ من تخلّف عنه، وهم قد تحرّقوا عليكم، وكأنهم قد أدركوكم، فالنجاء النجاء، وأنشدهم شعرًا (١) يُعظّم فيه جيش محمّد ﷺ ، ويُكثّرهم، وهو مذكور في كتب السير، فقذف الله في قلوبهم الرعب، ورجعوا إلى مكّة مُسرعين خائفين، ورجع النّبيّ ﷺ في أصحاب إلى المدينة مأجورًا منصورًا، كما قال تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، يعني به نُعيم بن مسعود الّذي خوّف أصحاب النبيّ ﷺ ، وقوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ الآية يعني به قريشًا. انتهى (٢).
وقوله: (أَبُو بَكْرٍ، وَالزُّبَيْرُ) بدل من "أبواك". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنِّف) هنا (١٥/ ١٢٤) فقط، وأخرجه (البخاريّ) في (٤/ ٧٧) و (مسلم) في (٢٤١٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل الزُّبير ﵁.
٢ - (ومنها): بيان فضل أبي بكر ﵁.
стр. 1372
٣ - (ومنها): أن فيه ما كان عليه الصّحابة ﵃ الاستجابة لله وللرسول مع وإن كانوا في حال شدّة ومرض، وضعف شديد.
٤ - (ومنها): ما كانوا عليه من شدّة حرصهم للجهاد ورغبتهم في نيل الشّهادة، مع ما بهم من القرح الّذي حصل لهم في أحد.
٥ - (ومنها): أن فيه الحثّ على الجهاد في سبيل الله، وإن كانت الأسباب لا تساعد، والوسائل لا تتيسّر، كما قال الله : ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٤١]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 1373
١٦ - (فَضْلُ طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ اللهِ ﵁ -)
هو: طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب، يجتمع مع النّبيّ ﷺ في مُرّة بن كعب، ومع أبي بكر الصديق في تيم بن مُرّة، وعدد ما بينهم من الآباء سَوَاءٌ، يُكنى أبا محمّد، أحد العشرة المبشّرين بالجنة، وهو المسمّى طلحة الفَيّاض، وعن قيس بن أبي حازم: كان يقال: إن طلحة من حكماء قريش، وعنه قال: "صحبت طلحة بن عبيد الله، فما رأيت رجلًا أعطى لجزيل مال عن غير مسألة منه" (١).
وأمه الصَّعْبَة بنت الحضرمي، أخت العلاء، أسلمت وهاجرت، وعاشت بعد أبيها قليلًا، وروى الطَّبرانيُّ من حديث ابن عبّاس ﵄ قال: "أسلمت أُمُّ أبي بكر، وأم عثمان، وأم طلحة، وأم عبد الرّحمن بن عوف"، وقُتِل طلحة يوم الجمل سنة ست وثلاثين، رُمِي بسهم جاء من طُرُق كثيرة أن مروان بن الحكم رماه، فأصاب رُكبته، فلم يزل يَنْزِف الدَّم منها حتّى مات، وكان يومئذ أَوّلَ قتيل، واختُلِف في سنه على أقوال، أكثرها أنه خمس وسبعون، وأقلها ثمان وخمسون.
وروى من الأحاديت (٣٨) حديثًا، اتفق الشيخان على حديث، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بثلاثة، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٢٥ - (حَدَّثَنَا عليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الله الْأَوْدِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الصَّلْتُ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ جَابر، أَن طَلْحَةَ مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "شَهِيدٌ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ المذكور في الباب الماضي.
стр. 1374
٢ - (عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الله الْأَوْدِيُّ) الكوفيّ، ثقة (١) [١٠] تقدّم في ١١/ ٩٦، من أفراد المصنِّف.
٣ - (وكيع) بن الجرّاح الإمام المشهور المذكور في الباب الماضي.
٤ - (الصَّلت الأزديّ) هو: الصَّلْت -بفتح أوله وآخره مثناة- ابن دينار الأزديّ الْهُنائيّ البصريّ، أبو شُعيب المجنون، مشهور بكنيته، متروك ناصبيّ [٦].
رَوَى عن الحسن، ومحمد، وأنس ابني سيرين، وأبي جمرة الضُّبَعيّ، وشهر بن حوشب، وغيرهم، وعنه وكيع، وصالح بن موسى الطَّلْحي، وجعفر بن سليمان الضُّبَعيُّ، ومسلم بن إبراهيم، وغيرهم.
قال أحمد: متروك الحديث، ترك النَّاس حديثه. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال عمرو بن علي: كثير الغلط، متروك الحديث، كان يحيى وعبد الرّحمن لا يحدثان عنه. وقال الجوزجاني: ليس بقوي. وقال أبو زرعة ليّن. وقال أبو حاتم: لين الحديث إلى الضعف ما هو، مضطرب الحديث.
وقال البخاريّ: كان شعبة يتكلم فيه. وقال أبو داود: ضعيف. وقال التّرمذيّ: تكلم بعض أهل العلم فيه. وقال النَّسائيُّ: ليس بثقة. وقال ابن عديّ: ليس حديثه بالكثير، عامة ما يرويه ممّا لا يتابعه عليه النَّاس. وقال يعقوب بن سفيان: مُرْجىء، ضعيف، ليس بشيء. وقال يحيى بن سعيد: ذهبت أنا وعوف نعوده، فذكر عليا، فنال منه، فقال عوف: لا شفاك الله. وقال عبد الله بن إدريس: عاب شعبة على الثّوريّ روايته عن أبي شعيب. وقال ابن معين في رواية: ضعيف الحديث. وقال البخاريّ في "التاريخ": لا يُحتج بحديثه. وقال ابن سعد: ضعيف ليس بشيء. وقال أبو أحمد الحاكم: متروك الحديث. وقال عبد الله بن أحمد في "العلل": نهاني أبي أن أكتب حديثه. وقال علي بن الجنيد: متروك. وقال ابن حبّان: كان الثّوريّ إذا حدث عنه يقول: ثنا أبو
стр. 1375
شعيب، ولا يسميه، وكان أبو شعيب ينتقص عليا، وينال منه على كثرة المناكير في روايته، تركه أحمد ويحيى.
تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٢٥) وحديث (٣١١) حديث عثمان ﵁: "ما تغنيت، ولا تمنيت، ولا مستت ذكري بيميني".
٥ - (أبو نضرة) بنون، ومعجمة ساكنة، هو: المنذر بن مالك بن قُطَعة -بضم القاف، وفتح المهملة- العبديّ الْعَوَقيّ -بفتح المهملة، والواو، ثمّ قاف- البصريّ، مشهور بكنيته، ثقة [٣].
أدرك طلحة، ورَوَى عن علي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري، وأبي ذر الغفاري، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عبّاس، وابن الزُّبير، وابن عمر، وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب، وغيرهم.
وروى عنه سليمان التيمي، وأبو مسلم، سعيد بن يزيد، وعبد العزيز بن صهيب، وحميد الطَّويل، وجماعة.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ما علمتُ إِلَّا خيرًا، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو زرعة، والنَّسائيّ. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن أبي نضرة وعطية، فقال: أبو نضرة أحب إلي. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وليس كلّ أحد يحتج به، قيل: مات قبل الحسن، مات في ولاية ابن هُبيرة، حَدَّثَنَا عفّان، حَدَّثَنَا مهدي بن ميمون: شَهِدتُ الحسن حين مات أبو نضرة صلّى بنا على الجنازة. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: كان من فصحاء النَّاس، فُلِجَ في آخر عمره، مات سنة ثمان، أو تسع ومائة، وأوصى أن يصلّي عليه الحسن، وكان ممّن يُخطئ. وقال خليفة ابن خياط: مات سنة ثمان. وقال عمرو بن علي: مات سنة تسع ومائة. وقال البخاريّ: قال يحيى بن سعيد: مات قبل الحسن بقليل. وأورده العقيليّ في "الضعفاء"، ولم يذكر فيه قَدْحًا لأحد، وكذا أورده ابن عدي في "الكامل"، وقال: كان عَرِيفًا لقومه، وأظنُّ
стр. 1376
ذلك لما أشار إليه ابن سعد، ولهذا لم يَحتَجَّ به البخاريّ. وقال ابن شاهين في "الثِّقات": قال أحمد بن حنبل: ثقة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أنه لا جرح في أبي نفرة، بل هو ثقة، ولا يثبت الجرح بالظنون، ولا يلزم من عدم احتجاج البخاريّ ضعف الراوي، فكم من الثقات لم يحتجّ بهم البخاريّ، وهم ممّن أُجمع على ثقتهم وجلالتهم، فتفطّن، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
روى له البخاريّ في التعاليق، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٢٩) حديثًا.
٦ - (جابر) بن عبد الله ﵄، تقدّم في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث.
(عَنْ جَابِرٍ) ﵁ (أَنَّ طَلْحَةَ) بن عبيد الله ﵁ (مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ) ﷺ (شَهِيدٌ) خبر لمبتدأ محذوف، أي هذا شهيد (يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ) المراد أنه سيموت شهيدًا، وقال السنديّ: قيل: إنّه قد ذاق الموت في سبيل الله، وهو حيّ، لما قيل: "موتوا قبل أن تموتوا"، والمراد بالموت على هذا الغيبوبة عن عالم الشّهادة بالاستغراق في ذكر الله وملكوته، والانجذاب إلى جناب قدسه، وقيل: أي إنّه ذاق ألم الموت في الله، وهو حيّ، فهو لمّا ذاق من الشدائد في سبيل الله كأنه مات. وقيل: هو مجاز بالأول، أي إنّه سيموت شهيدًا. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأقوال كلها غير الأخير لا يخفى بعدها عن معنى الحديث، فلا ينبغي الإلتفات إليها، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 1377
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر ﵁ هذا ضعيف جدًّا.
[فإن قلت]: صححه الشّيخ الألبانيّ ﵀، فأورده في "صحيح ابن ماجه" ١/ ٢٧ رقم (١٠٢) وفي "الصحيحة" ١/ ١٩٨ رقم (١٢٦) وقال بعد أن ذكر طرقه: وبالجملة فالحديث بهذه الطرق والشواهد يرتقي إلى درجة الصحّة إلى آخر كلامه.
[قلت]: هذا عجيب من الشّيخ، فكيف يصحح هذا الحديث؟، وهو بهذا اللّفظ ممّا تفرّد به الصلت بن دينار، وقد عرفت أنه متروك، والشواهد الّتي ذكرها لا تصحّ، ففي بعضها صالح بن موسى، وهو متروك، وفي بعضها إسحاق بن بن يحيى بن طلحة، وهو أيضًا متروك، وفي بعضها سليمان بن أَيّوب الطلحيّ صاحب مناكير وفي سنده أيضًا مجاهل، وبعضها مرسل، ولو صحّت لا تجبر رواية الصلت؛ لأن المتروك لا يقبل الجبر.
والحاصل أن هذا الحديث بهذا اللّفظ ضعيف جدًّا، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٢٦ - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَني إِسْحَقُ بْنُ يَحْيىَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: نَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى طَلْحَةَ، فَقَالَ: "هَذَا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن الأزهر) بن منيع، أبو الأزهر العبديّ النيسابوريّ، صدوقٌ كان يحفظ، ثمّ كبر، فصار كتابه أثبت من حفظه [١١] تقدّم في ٩/ ٧١.
٢ - (عمرو بن عثمان) بن سيّار الكلابيّ مولاهم، أبو عُمَر، ويقال: أبو عَمْرو، ويقال: أبو سعيد الرَّقّيّ، ضعيف، وكان قد عمي، من كبار [١٠].
стр. 1378
رَوَى عن زهير بن معاوية، وعبيد الله بن عمرو، وموسى بن أعين، وإسماعيل بن عياش، ويونس بن يونس، وأبي شهاب الحناط، وابن عيينة، وغيرهم، وعنه أبو الأزهر النيسابوري، وأحمد بن منصور الرَّمَادي، والحسين بن الحسن المروزي، وغيرهم.
قال أبو حاتم: يتكلمون فيه، كان شيخًا أعمى بالرَّقّة يحدث النَّاس من حفظه بأحاديث منكرة، لا يصيبونها في كتبه، أدركته ولم أسمع منه، ورأيت من أصحابنا من أهل العلم من قد كَتَبَ عامة كتبه لا يرضاه، وليس عندهم بذاك. وقال العقيليّ عن أحمد بن علي الأَبَّار: سألت علي بن ميمون الرّقّيّ عنه، فقال: كان عندنا إنسان يقال له: أبو مطر فمات، فجاءني ابنه بكتب أبيه أبيعها له، فقال لي عمرو بن عثمان الكلابي: جئني بشيء منها، فجئته فكان يحدث منها، فلما مات عمرو بن عثمان ردّوها عليّ، فرددتها على أهلها. وقال النَّسائيُّ والأزدي: متروك الحديث.
وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة عن زهير وغيره، وقد رَوَى عنه ناس من الثقات، وهو ممّن يُكتَب حديثه. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: مات سنة (٢١٩). وقال محمّد بن سعيد الحرانيّ: مات بالرّقّة سنة (١٧) وقال: ربما أخطأ، وكذا أَرّخ أبو عَرُوبة وفاته عن هِلال بن العلاء، ذكره العقيليّ في "الضعفاء". تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم ١٢٦ و ٧٤٤ و ١٠٠٧.
٣ - (زُهير بن مُعاوية) بن حُدَيج بن الرُّحَيل بن زُهير بن خَيْثَمة، أبو خيثمة الْجُعْفِيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقة ثبتٌ [٧].
رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وسليمان التيمي، وعاصم الأحول، والأسود بن قيس، وبيان بن بِشْر، وخُصَيف، وزيد بن جبير، والأعمش، وخلق كثير.
وروى عنه ابن مَهْديّ، والقطان، وأبو داود الطيالسي، وأبو النضر هاشم بن القاسم، ويحيى بن آدم، وأسود بن عامر شاذان، والهيثم بن جَميل الأنطاكي، وعمرو بن عثمان الرَّقّيّ، وعبد الله بن محمّد النُّفَيلي، وأبو غسان النهدي، وأبو نعيم، وعبد السّلام ابن عبد الحميد الحَرّانيّ، وهو آخر مَنْ حَدَّث عنه، وجماعة.
стр. 1379
قال معاذ بن معاذ: والله ما كان سفيان بأثبت من زهير. وقال شعيب بن حرب: كان زهير أحفظ من عشرين مثل شعبة. وقال بشر بن عمر الزهراني عن ابن عيينة: عليك بزهير بن معاوية، فما بالكوفة مثله. وقال الميموني عن أحمد: كان من معادن الصدق. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: زُهير فيما روى عن المشائخ ثَبْتٌ بَخٍ بَخٍ، وفي حديثه عن أبي إسحاق لِين سمع منه بآخره. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال أبو زُرعة: ثقة إِلَّا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط. وقال أبو حاتم: زهير أحب إلينا من إسرائيل في كلّ شيء، إِلَّا في حديث أبي إسحاق، فقيل له: فزائدة وزهير؟ قال: زهير أتقن من زائدة، وهو أحفظ من أبي عوانة، وما أشبه حديثه بحديث زيد بن أبي أنيسة، وهو أحفظ من أبي عوانة، وزهير ثقة متقن صاحب سنة، وهو أحب إليّ من جرير، وخالد الواسطي. وقال العجلي: ثقة مأمون. وقال النَّسائيُّ: ثقة ثبت.
وقال مطين: مات سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وسبعين ومائة. وقال ابن منجويه: مات سنة (١٧٧)، وكان حافظًا متقنًا، وكان أهل العراق يُقَدِّمونه في الإتقان على أقرانه. قال الخطيب: حَدّث عنه ابن جريج وعبد السّلام بن عبد الحميد الحرانيّ، وبين وفاتيهما بضع وتسعون سنة، وحَدّث عنه محمّد بن إسحاق وبين وفاتيهما قريب من ذلك. وقال ابن سعد: تُوفّي آخر سنة (٧٢)، وكان ثقةً ثبتًا مأمونًا كثير الحديث. وقال أبو جعفر بن نُفَيل: مات في رجب سنة (٧٣)، وقال أيضًا: وُلد سنة مائة. وقال البزار: ثقة. وقال ابن حبّان في "الثِّقات": تُوفي سنة ثلاث، أو أربع وسبعين ومائة في رجب، وكان حافظًا متقنًا، وكان أهل العراق يقولون في أيّام الثّوريّ: إذا مات الثّوريّ ففي زهير خَلَف، وكانوا يُقَدِّمونه في الإتقان على غيره، وعاب عليه بعضهم أنه كان ممّن يَحْرُس خشبة زيد بن علي لمَّا صُلِب.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أحد عشر حديثًا.
٤ - (إسحاق بن يحيى بن طلحة) بن عبيد الله التيميّ، ضعيف [٥].
رأى السائب بن يزيد، وروى عن عميه: إسحاق، وموسى ابني طلحة، وعبد
стр. 1380
الله بن جعفر بن أبي طالب، وابنه معاوية بن عبد الله، والزهري، ومجاهد، وغيرهم.
وروى عنه زهير بن معاوية، وسليمان بن بلال، ومَعْنٌ الْقَزَّاز، وأبو عوانة، وغيرهم.
قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه، فقال: ذاك شبه لا شيء، قال علي: نحن لا نروي عنه شيئًا. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: منكر الحديث، ليس بنثيء. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: متروك الحديث. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف. وكذا قال الدُّوريّ عنه، وزاد: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه. وقال عمرو بن علي: متروك منكر الحديث. وقال البخاريّ: يتكلمون في حفظه. وقال التّرمذيّ: ليس بذاك القوي عندهم، وقد تكلموا فيه من قِبَل حفظه. وقال النَّسائيُّ: ليس بثقة، وقال في موضع آخر: متروك الحديث. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، ليس بقوي، ولا بمكانِ أن يُعْتَبر به، وأخوه طلحة بن يحيى أقوى حديثًا منه، ويتكلمون في حفظه، ويُكتَب حديثه. وقال يعقوب بن شيبة: لا بأس به، وحديثه مضطرب جدًّا.
وقال ابن سعد: مات بالمدينة في خلافة المهدي، وهو يُستَضْعَف. وقال السراج: مات سنة (١٦٤). وذكر ابنُ عساكر أن سنه قريب من سن عمر بن عبد العزيز، قال: ووفد عليه، ونقل الزُّبير بن بكار أن إسحاق بن يحيى تزوج أم يعقوب بنت إسماعيل بن طلحة ثمّ تزوج بنت أبي بكر بن عثمان بن عروة بن الزُّبير، فكان بين تزويجه هذه وهذه خمس وسبعون سنة. وقال ابن حبّان في "الضعفاء": كان ردي الحفظ، سيء الفهم، يُخطِىء ولا يَعْلَم، ويَروي ولا يَفْهَم. وقال في "الثِّقات": يُخطىء ويَهِم، وقد أدخلناه في "الضعفاء" لِمَا كان فيه من الإيهام، ثمّ سَبَرتُ أخباره، فأدَّى الاجتهاد إلى أن يُترَك ما لم يُتابَع عليه، ويُحتج بما وافق الثقات. وقال البخاريّ: يَهِم في الشيء بعد الشيء، إِلَّا أنه صدوق. وقال ابن عديّ: هو خير من إسحاق بن أبي فروة. وقال أبو موسى: كان يحيى وعبد الرّحمن لا يحدثان عنه، وضعفه أيضًا العجليّ، والساجيّ، وأبو داود، والعقيلي،
стр. 1381
وأبو العَرَب، والدارقطنيّ، وغيرهم. قال ابن عَمّار الموصلي: صالح.
تفردّ به الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، والذي بعده فقط.
٥ - (موسى بن طلحة) بن عبيد الله القرشيّ التيميّ، أبو عيسى، ويقال: أبو محمّد المدنيّ، نزيل الكوفة، وأمه خَوْلَة بنت الْقَعْقَاع بن سَعِيد بن زُرَارة، ثقة جليل [٢].
روى عن أبيه، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وأبي ذر، وأبي أَيّوب، وحكيم بن حزام، وعثمان بن أبي العاص، وأبي هريرة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عمران، وحفيده سليمان بن عيسى بن موسى، وابنا أخيه: إسحاق وطلحة ابنا يحيى بن طلحة، وابن أخيه الآخر موسى بن إسحاق بن طلحة، وابن ابن أخيه موسى بن عبد الله بن إسحاق بن طلحة، وعثمان بن موهب، وابنه عمرو، ويحيى ابن سَام، وأبو مالك سَعْد بن طارق الأشجعي، وغيرهم.
قال ابن سعد: قال الواقدي: رأيت مَنْ قِبَلنا وأهل بيته يَكْنُونه أبا عيسى، وكان ثقة كثير الحديث. وقال الزُّبير بن بكار: كان من وجوه آل طلحة. وقال المُرُّوذِيّ عن أحمد: ليس به بأس. وقال العجلي: تابعي ثقة، وكان خيارًا، وقال مرّة: كوفي ثقة، رجل صالح. وقال أبو حاتم: يقال: إنّه أفضل ولد طلحة بعد محمّد، كان يُسَمَّى في زمانه المهدي. وقال ابن خِرَاش: كان من أَجِلاء المسلمين، ويقال: إنّه شَهِد الجمل مع أبيه، وأطلقه عليّ بعد أن أُسِر، ويقال: إنّه فَرّ من الكوفة إلى البصرة لمّا ظهر المختار ابن أبي عُبيد. وعن عبد الملك بن عُمير قال: كان فصحاء النَّاس أربعة، فذكره فيهم. وروى الْعَقَديّ عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمه موسى قال: صَحِبتُ عثمان اثنتي عشرة سنة. وقال الهيثم، وابن سعد، وغير واحد: مات سنة ثلاث ومائة. وقال أبو عبيد: مات سنة ثلاث، أو أربع. وقال أبو نعيم وأحمد: مات سنة أربع، ويقال: مات سنة ست. وأرّخه أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو بكر بن عاصم سنة ست. قال ابن عساكر: يقال: إنّه وُلد في عهد رسول الله ﷺ ، وهو سَمَّاه.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم ١٢٦ و ١٢٧
стр. 1382
و ٩٤٠ و ٢٤٧٠.
٦ - (معاوية بن أبي سفيان) ﵄ تقدّم في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ) ﵄، أنه (قَالَ: نَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى طَلْحَةَ) أي ابن عبيد الله ﵁ (فَقَالَ: "هَذَا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ") بفتح النون، وسكون الحاء المهملة، أي وَفَى بنذره، قال ابن الأثير ﵀: النّحْبُ: النَّذْر، كأنه ألزم نفسه أن يَصْدُق أعداء الله في الحرب، فوَفَى به، وقيل: النحبُ: الموت، كأنه يُلزم نفسه أن يُقاتِل حتّى يموت. انتهى (١).
وقال السنديّ ﵀: قوله: "ممّن قضى نحبه" أي وَفَى بنذره وعزمه على أنه يموت في سبيل الله تعالى، أو يُحارب أعداء الله تعالى أشدّ المحاربة، فقد مات أو حارب كما نذر، قيل: وكان من الصّحابة من عَزَموا على ذلك، فعدّ طلحة ممّن وَفَى بذلك. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄ ضعيف بهذا السند؛ لأن إسحاق بن يحيى مجمع على ضعفه، بل قال أحمد، وعمرو الفلّاس، والنَّسائيّ: متروك.
وإنّما الصّحيح حديث طلحة بن عبيد الله ﵁، أخرجه الترمذيّ في "الجامع"، قال:
٣٦٧٥ - حَدَّثَنَا أبو كريب محمّد بن العلاء، حَدَّثَنَا يونس بن بكير، حَدَّثَنَا طلحة ابن يحيى، عن موسى وعيسى ابني طلحة، عن أبيهما طلحة، أن أصحاب رسول الله
стр. 1383
-﵁ قالوا لأعرابي جاهلٍ: سلْهُ عمن قَضَى نحبه من هو؟ وكانوا لا يَجتَرئون هم على مسألته، يُوَقِّرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي، فأعرض عنه، ثمّ سأله فأعرض عنه، ثمّ إنِّي اطلعت من باب المسجد، وعلي ثياب خُضْرٌ، فلما رآني رسول الله ﷺ قال: "أين السائل عمن قضى نحبه؟ " قال الأعرابي: أنا يا رسول الله، قال: "هذا ممّن قضى نحبه".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إِلَّا من حديث أبي كريب، عن يونس بن بكير، وقد رواه غير واحد من كبار أهل الحديث، عن أبي كريب هذا الحديث، وسمعت محمّد بن إسماعيل يحدِّث بهذا عن أبي كريب، ووضعه في "كتاب "الفوائد". انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث حسنٌ كما قال الترمذيّ، فإن رجاله ثقات، وقد أخرج لهم مسلم، ويحيى بن طلحة، وإن تكلّم فيه بعضهم من قِبَل حفظه، إِلَّا أنه حسن الحديث، فكان الأولى للمصنّف أن يورده بدلًا من حديث معاوية ﵁. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل طلحة بن عُبيد الله ﵁، حيث أخبر النبيّ ﷺ بأنه ممّن قضى نحبه مع أنه لا يزال حيّا، ينتظر الوفاء بما عاهد الله عليه.
٢ - (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر ﵁ أنه يُقتل شهيدًا، فقُتل يوم الجمل، فويلٌ لمن قتله.
٣ - (ومنها): جواز مدح الإنسان في وجهه إذا لم يُخش عليه فتنة.
٤ - (ومنها) أن فيه إشارة إلى قول : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٣]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 1384
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٢٧ - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ مُوسَى ابْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة، تقدّموا في السند الماضي إِلَّا اثنين:
١ - (أحمد بن سنان) بن أسد بن حِبّان -بكسر المهملة، بعدها موحّدة- أبو جعفر القطّان الواسطيّ، ثقة حافظ [١١].
رَوَى عن يحيى سعيد القطان، وأبي أحمد الزبيري، وأبي أُسامة، ويزيد بن هارون، والشافعي، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنَّسائيّ في حديث مالك، وابن ماجة، وابن خزيمة، وأبو موسى، وهو من أقرانه، وابنه جعفر بن أحمد بن سنان، وزكريا بن يحيى الساجي، وأبو بكر بن أبي داود، وابن أبي حاتم، وابن صاعد، وأبو حاتم، وقال: ثقة صدوق. وقال إبراهيم بن أُورمة: أعدنا عليه ما سمعناه منه من بندار وأبي موسى، يعني لإتقانه وحفظه. وقال النَّسائيُّ: ثقة. قيل: مات سنة (٦) وقيل: سنة (٨) وقيل: سنة (٢٥٩) وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: حَدَّثَنَا عنه ابنه جعفر: مات (٢٥) أو قبلها أو بعدها بقليل. وقال الدارقطني: كان من الثقات الأثبات. وقال الآجري: سألت أبا داود عنه، فقدمه على بندار، وليس له عند البخاريّ سوى حديث واحد، وقد روى عنه النَّسائيُّ في "السنن الكبرى" عدة أحاديث في "الحدود"، و"الطّلاق"، وغير ذلك.
وله في هذا الكتاب (٢٩) حديثًا.
٢ - (يزيد بن هارون) بن زاذي، ويقال: زاذان بن ثابت السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، قيل: أصله بخاريٌّ، ثقة متقنٌ عابدٌ [٩].
روى عن سليمان التيمي، وحميد الطَّويل، وعاصم الأحول، وإسماعيل بن أبي
стр. 1385
خالد، وأبي مالك الأشجعي، وخلق كثير.
وروى عنه بقية بن الوليد، ومات قبله، وآدم بن أبي إياس، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والذُّهلي، وخلق كثير.
قال أبو طالب عن أحمد: كان حافظًا للحديث، صحيح الحديث عن حجاج بن أرطاة، وقال ابن المديني: هو من الثقات، وقال في موضع آخر: ما رأيت أحفظ منه. وقال ابن معين: ثقة. وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، وكان متعبدًا، حسن الصّلاة جدًّا، وكان يصلّي الضحى ستة عشرة ركعة بها من الجودة غير قليل، وكان قد عمي. وقال أبو زرعة عن أبي بكر بن أبي شيبة: ما رأيت أتقن حفظًا من يزيد. قال أبو زرعة: والإتقان أكثر من حفظ السرد. وقال أبو حاتم: ثقة إمام صدوق لا يُسأل عن مثله. وقال عمرو بن عون عن هشيم ما بالمصرين مثل يزيد. وقال أحمد بن سنان عن عفان: أَخَذَ يزيد عن حماد حفظًا، وهي صحاح بها من الاستواء غير قليل، ومَدَحَها. وقال أيضًا: ما رأيت عالمًا قطّ أحسن صلاة منه، كأنه أسطوانة، لم يكن يَفْتُر عن صلاة اللّيل والنهار، وكان هو وهشيم معروفين بطول الصّلاة.
وقال يعقوب بن سفيان عن محمّد بن فضيل البزاز: وُلد يزيد سنة سبع عشرة ومائة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وُلد سنة ثماني عشرة، وكان يقول: طلبت العلم وحصين حي، وقد نسي، وربما ابتدأني الجريري بالحديث، وكان قد أُنكر، مات في خلافة المأمون في غرة ربيع الآخر سنة ست ومائتين، وفيها أرّخه غير واحد.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠٨) أحاديث. وشرح الحديث سبق في الحديث الماضي، وهو بهذا الإسناد ضعيف، وإنّما الحديث حديث طلحة ﵁، وهو حديث حسن، كما سبق بيانه، في الّذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 1386
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٢٨ - (حَدَّثَنَا عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ شَلَّاءَ، وَقَى بِهَا رَسُولَ الله ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إسماعيل) بن أبي خالد الأحمسيّ مولاهم البجليّ، ثقة ثبت [٤] ١٣/ ١١٣.
٢ - (قيس) بن أبي حازم البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة مخضرم [٢] ١٣/ ١١٣.
والباقيان تقدّما قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيّات المصنِّف ﵀. (ومنها): أن رجاله ثقات، من رجال الجماعة، غير شيخه، فقد تفرد به هو والنَّسائيّ في "مسند عليّ" ﵁. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
(ومنها): أن قيسًا هو التابعي الّذي انفرد بأنه لقي العشرة المبشّرين بالجنة ﵁، وروى عنهم كُلِّهم، على خلاف في عبد الرّحمن بن عوف ﵁ والصّحيح أنه روى عنه، وإليه أشار السيوطيّ ﵀ في "ألفية الأثر"، حيث قال:
وَالتَّابِعُونَ طَبَقَاتٌ عَشَرَهْ ... مَعْ خَمْسَةٍ أَوَّلهُمْ ذُو الْعَشَرَهْ
وَذَاكَ قَيْسٌ مَا لَهُ نَظِيرُ ... وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِمِ كَثِيرُ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ قَيْس) بن أبي حازم، أنه (قَالَ: رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ) أي ابن عبيد الله ﵁ (شَلَّاء) -بفتح الشين المعجمة، وتشديد اللام، والمدّ- يقال: شَلَّتْ اليدُ شَلَلًا، من باب تَعِبَ، ويُدغَم المصدر أَيضًا: إذا فَسَدَت عُرُوقُها، فَبَطَلت حركتها، ورجلٌ أشلُّ، وامرأة شَلَّاءُ. قاله الفيّوميّ (١). وقال ابن الأثير: اليد الشّلّاءُ هي المنتشرة الْعَصَبِ الّتي لا تُوَاتي
стр. 1387
صاحبها على ما يُريد لما بها من الآفة، يقال: شَلَّت يده تَشَلُّ شَلَلًا، ولا تضمّ الشين. انتهى (١). وقال في "الفتح": قوله: "شَلَّت" بفتح المعجمة، ويجوز ضمها في لغة ذكرها اللحيانيّ، وقال ابن دُرُستويه: هي خطأ، والشلل: نقص في الكفّ، وبُطلان لعملها، وليس معناه القطع كما زعم بعضهم. انتهى (٢).
وقوله: (وَقَى بِهَا رَسُولَ الله ﷺ ) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، تقديره، ما سبب كونها شلاء، فأجاب لكونه وقى بها رسول الله ﷺ (يَوْمَ أُحُدٍ) متعلّق بـ "وقى"، وفي رواية الطبرانيّ من طريق موسى بن طلحة، عن أبيه أنه أصابه في يده سهم، وفي حديث أنس ﵁: "وقى رسول الله ﷺ لمّا أراد بعض المشركين أن يضربه"، وفي "مسند الطيالسيّ" عن أبي بكر الصدّيق ﵁، قال: "ثمّ أتينا طلحة -يعني يوم أحد- فوجدنا به بضعًا وسبعين جراحةً، وإذا قد قُطعت إصبعه"، وفي "الجهاد" لابن المبارك من طريق موسى بن طلحة أن إصبعه الّتي أُصيبت هي الّتي تلي الإبهام، وجاء عن يعقوب بن إبراهيم بن محمّد بن طلحة، عن أبيه، قال: "أُصيبت إصبع طلحة البنصر من اليسرى من مفصلها الأسفل، فشُلّت، تَرَّسَ بها على النبيّ ﷺ . ذكره في "الفتح" (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث قيس بن أبي حازم رحمه الله تعالى هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا ١٦/ ١٢٨ و (البخاريّ) (٣٧٢٤) و (ابن سعد) في
стр. 1388
"الطبقات" ٣/ ٢١٧ و (ابن أبي شيبة) في "المصنِّف" ١٢/ ٩٠ و (أحمد) في "مسنده" ١٣١٣ و"فضائل الصّحابة" ١٢٩٢ و (سعيد بن منصور) في "سننه" ٢٨٥٠ و (ابن حبّان) في "صحيحه" ٦٩٨١ و (الطَّبرانيُّ) ١٩٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل طلحة بن عبيد الله ﵁.
(ومنها): ما كان عليه الصّحابة ﵃ من حرصهم على وقاية النبيّ ﷺ بأنْفسهم، عملًا بقوله : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٦]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 1389
١٧ - (فَضْلُ سَعْدٍ بن أبي وَقَّاص ﵁ -)
هو: سعد بن أبي وقّاص، واسمه مالك بن وُهيب، ويقال: أُهيب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب بن مُرّة، يجتمع مع النبيّ ﷺ في كلاب بن مُرّة، وعدد ما بينهما من الآباء متقارب، وأمه حَمْنَة بنت سفيان بن أُميّة بن عبد شمس لم تُسلم، أحد العشرة المبشّرين بالجنة، وآخر من مات منهم، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، مات ﵁ بالعقيق سنة (٥٥)، وقيل: بعد ذلك إلى ثمانية وخمسين، وعاش نحوًا من ثمانين سنة. روى من الأحاديث (٢٧١) حديثًا، اتفق الشيخان على (١٥) وانفرد البخاريّ بخمسة، ومسلم بثمانية عشر حديثًا، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٢٩ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَليٍّ ﵁ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ غَيْرَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ: "ارْمِ سَعْدُ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمّد بن بشّار) بُنْدار البصريّ الحافظ الثبت [١٠] ١/ ٦.
٢ - (محمّد بن جعفر) غُنْدَر البصريّ الحافظ الثقة [٩] ١/ ٦.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحافظ الحجة [٧] ١/ ٦.
٤ - (سعد بن إبراهيم) بن عبد الرّحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ القاضي الثقة الفاضل العابد [٥] ٢/ ١٤.
٥ - (عبد الله بن شدّاد) بن الهاد الليثيّ، أبو الوليد المدنيّ، ثقة فقيه [٢].
كان يأتي الكوفة، وأمه سَلْمى بنت عُميس الخثعمية، أخت أسماء، رَوَى عن أبيه، وعمر، ويعلى، وطلحة، ومعاذ، والعباس، وابن مسعود، وابن عبّاس، وابن عمر، وعبد الله بن جعفر، وخالته أسماء بنت عميس، وغيرهم.
وروى عنه سعد بن إبراهيم، أبو إسحاق الشيباني، ومعبد بن خالد، والحكم بن
стр. 1390
عتيبة، وذَرّ بن عبد الله المُرْهبي، ورِبْعِيّ بن حِرَاش، وغيرهم.
قال الميموني: سئل أحمد أسمع عبد الله بن شداد من النّبيّ ﷺ شيئًا؟ قال: لا. وقال ابن المديني: شَهِد مع علي يوم النَّهْرَوان. وقال العجلي والخطيب: هو من كبار التابعين وثقاتهم. وقال أبو زرعة والنَّسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان عثمانيا (١) ثقة في الحديث، تُوُفِّي في ولاية الحجاج على العراق.
وقال الواقدي: خرج مع القراء أيّام بن الأشعث على الحجاج، فقُتل يوم دُجَيل، وكان ثقة، فقيهًا، كثير الحديث، متشيعًا. وقال ابن نُمير: قُتل بدُجيل سنة (٨١). وقال يحيى بن بُكير وغير واحد: فُقِد ليلة دُجيل سنة (٨٢). وقال الثّوريّ: فُقد ابن شدّاد، وابنُ أبي ليلى بالجماجم، وكذا قال العجلي، وزاد: اقتَحَمَ بهما فرساهما الماء فذهبا. وقال ابن حبّان في "الثِّقات": غَرِقَ بدُجَيل. وقال ابن عبد البرّ في "الاستيعاب": وُلد على عهد النّبيّ ﷺ . وقال يعقوب بن شيبة في "مسند عمر": كان يتشيع. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط برقم ١٢٩ و ٦٥٣ و ٩٥٨ و ١٠٢٨ و ٢٧٣٤ و ٣٥١٢ و ٣٩٥١.
٦ - (عليّ) ﵁ تقدّم قريبًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أن من سداسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن نصفه الأوّل مسلسلٌ بالبصربين، والثّاني بالمدنيين.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشّرين بالجنة، صاحب المناقب الجمة ﵁، والله تعالى أعلم.
стр. 1391
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَدَّاد، عَنْ عَليٍّ ﵁ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ غَيْرَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ) وفي هذا الحصر نظر؛ لما تقدّم في ترجمة الزُّبير ﷺ أنه ﷺ جمع له أبويه يوم الخندق، ويُجمَع بينهما بأن عليًّا ﵁ لم يطلع على ذلك، أو مراده بذلك بقيد يوم أحد. قاله في "الفتح" (١) (فَإِنَّهُ) ﵁ (قَالَ لَهُ) أي لسعد ﵁ (يَوْمَ أُحُدٍ) أي يوم وقعة أحد (ارْمِ سَعْدُ) بالضم؛ لأنه علم مفرد منادى بحذف حرف النِّداء، أي يا سعد (فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) مبتدأ وخبره، وفي رواية ابن المسيَّب قال: سمعت سعد بن أبي وقّاص يقول: نَثَلَ لي النبيّ ﷺ كنانته يوم أحد، قال: "ارم فداك أبي وأمّي"، متّفق عليه.
وأخرج مسلم من طريق بُكير بن مِسْمَار، عن عامر بن سعد، عن أبيه، أن النّبيّ ﷺ جَمَعَ له أبويه يوم أحد، قال: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين، فقال له النّبيّ ﷺ : "ارم فداك أبي وأمي"، قال: فَنزعت له بسهم ليس فيه نَصْلٌ، فأصبت جنبه، فسقط فانكشفت عورته، فضحك رسول الله ﷺ حتّى نظرت إلى نواجذه.
وفي مرسل ابن عائذ عن الوليد بن مسلم، عن يحيى بن حمزة قال: قال سعد: "رميت بسهم، فردّ عليّ النبيّ ﷺ سهمي أعرفه، حتّى واليت بين ثمانية أو تسعة، كلّ ذلك يردّه عليّ، فقلت: هذا سهم دم، فجعلته في كنانتي لا يُفارقني"، وعند الحاكم لهذه القصّة بيان سبب، فأخرج من طريق يونس بن بُكير، وهو في المغازي روايته من طريق عائشة بنت سعد، عن أبيها قال: "لما جال النّاسُ يوم أحد تلك الجَوْلة تنحّيت، فقلت:
أذود عن نفسي، فإما أن أنجو، وإما أن أُستشهَد، فإذا رجل محمرّ وجهه، وقد كاد المشركون أن يركبوه، فملأ يده من الحمى، فرماهم، وإذا بيني وبينه المقداد، فأردت أن أسأله عن الرَّجل، فقال لي: يا سعد هذا رسول الله يدعوك، فقمت وكأنه لم يُصبني شيء من الأذى، وأجلسني أمامه، فجعلت أرمي ... " فذكر الحديث (٢)، والله تعالى أعلم
стр. 1392
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عليّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (١٧/ ١٢٢) فقط، وأخرجه (البخاريّ) في (الجهاد والسير) (٢٠٩٠٥) و"المغازي" (٤٠٥٨ و ٤٠٥٩) و"الأدب" (٦١٨٤) و (مسلم) في "فضائل الصّحابة" (٢٤١١) و (الترمذيّ) في "الأدب" (٢٧٥٥) و"المناقب" (٣٦٨٦ و ٣٦٨٨) و (أحمد) في "مسنده" (٦٧١ و ٩٦٨ و ١٠٩٠ و ١٢٨٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل سعد بن أبي وقّاص ﵁.
٢ - (ومنها): جواز التفدية بالأبوين، وبه قال جماهير العلماء، وكرهه عمر بن الخطّاب، والحسن البصريّ ﵄، وكرهه بعضهم في التفدية بالمسلم من أبويه، والصّحيح الجواز مطلقًا؛ لأنه ليس فيه حقيقة فداء، وإنما هو كلام إلطاف، وإعلام بمحبته له، ومَنْزِلته عنده، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالتفدية مطلقًا.
قال له النووي ﵀ (١).
٣ - (ومنها): فضيلة الرمي، والحثّ عليه، والدعاء لمن فعل خيرًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 1393
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٣٠ - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَنْبَأَنَا اللِّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ح وحَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَإِسماعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَحْيىَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُوُل: لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ أَبَوَيْهِ، فَقَالَ: "ارْمِ سَعْدُ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمّد بن رُمح) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ١٥.
٢ - (هشام بن عمّار) الدمشقيّ المذكور قبل باب.
٣ - (اللَّيث بن سعد) بن عبد الرّحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ الثقة الثبت الفقيه الإمام المشهور [٧] ٢/ ١٥.
٤ - (حاتم بن إسماعيل) الحارثيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوق يَهِم، صحيح الكتاب [٨].
روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن أبي عبيد، وهشام بن عروة، والجعيد بن عبد الرّحمن، وغيرهم.
وروى عنه ابن مهدي، وابنا أبي شيبة، وسعيد بن عمرو الأشعثي، وقتيبة، وإسحاق بن راهويه، وإبراهيم بن موسى الرَّازيُّ، وهناد بن السري، ويحيى بن معين، وأبو غريب، وجماعة.
قال أحمد: هو أحب إلي من الدَّرَاوردي، وزعموا أن حاتِمًا كان فيه غفلة، إِلَّا أن كتابه صالح. وقال أبو حاتم: هو أحب إلي من سعيد بن سالم. وقال النَّسائيُّ: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان أصله من الكوفة، ولكنه انتقل إلى المدينة فنزلها، ومات بها سنة (١٨٦)، وكان ثقةً مأمونًا كثير الحديث. وقال البخاريّ، عن "أبي ثابت المديني: مات سنة (٨٧)، وكذا قال ابن حبّان، وزاد: ليلة الجمعة لتسع ليال مضين من جمادى
стр. 1394
الأولى، كذا قال في "الثِّقات"، وكذا عند البخاريّ أيضًا في "التاريخ الكبير"، وفي "الأوسط" أيضًا. وقال العجلي: ثقة. وكذا قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين.
وقال ابن المديني: روى عن جعفر، عن أبيه، أحاديث مراسيل أسندها.
وذكر الذهبي في "الميزان" أن النَّسائيُّ قال: ليس بالقوي، انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لعلّ للنسائيّ فيه قولين، والله تعالى أعلم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرون حديثًا.
٥ - (إسماعيل بن عياش) بن سُليم الْعَنْسيّ، أبو عُتْبَة الحمصيّ، صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلّط في غيرهم [٨] ٩/ ٧٤.
٦ - (يحيى بن سعيد) الأنصاريّ، أبو سعيد القاضي المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ٣/ ٢٩.
٧ - (سعيد بن المُسَيِّب) القرشيّ المخزوميّ الإمام الحجة الثبت الفقيه المشهور، من كبار [٣] ١٢/ ١٠٤.
٨ - (سعد بن أبي وقّاص) الصحابيّ المشهور ﵁ تقدّم ٣/ ٢٩.
وقوله: "جمع لي إلخ" ذكره لبيان جواز ذلك شرعًا، أو لمدحه نفسه في مقام اقتضى ذلك شرعًا، قاله السنديّ، وتمام شرح الحديث يُعلم ممّا سبق قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (١٧/ ١٣٠) فقط، وأخرجه (البخاريّ) في "المغازي" (٤٠٥٥ و ٤٠٥٦ و ٤٠٥٧) و"المناقب" (٣٧٢٥) و (مسلم) في "فضائل الصّحابة" (٢٤١٢) و (الترمذيّ) في "الأدب" (٢٧٥٥ و ٢٧٥٦) و"المناقب" (٣٦٨٦ و ٣٦٨٧) و (أحمد) في "مسنده" (١٤١٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
стр. 1395
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٣١ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ إِدْرِيسَ، وَخَالي يَعْلَى، وَوَكيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، يَقُولُ: إِنِّي لَأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ الله).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (علي بن محمّد) الطنافسيّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (عبد الله بن إدريس) الأَوْديّ الكوفيّ، ثقة فقيه عابدٌ [٨] ٧/ ٥٢.
٣ - (يعلى) بن عبيد بن أبي أُميّة الطنافسيّ، أبو يوسف الكوفيّ خال علي الراوي عنه هنا، ثقة إِلَّا في حديثه عن الثوريّ، ففيه لينٌ، من كبار [٩] ١٠/ ٨٩.
٤ - (وكيع) بن الجرّاح الإمام المشهور المذكور في الباب الماضي.
٥ - (إسماعيل) بن أبي خالد الْبَجليّ الأحمسيّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٤] ١٣/ ١١٣.
٦ - (قيس) بن أبي حازم البجليّ الأحمسيّ، ثقة مخضرم [٢] ١٣/ ١١٣، والصحابيّ سبق قريبًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعي مخضرم.
٤ - (ومنها): أن قيس هو التابعيّ الّذي تفرد بالرواية عن العشرة المبشرين بالجنة ﵃. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ قَيْس) بن أبي حازم ﵀، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) ﵁ (يَقُولُ: إِنّي لَأَوَّلُ الْعَرَبِ) التعريف فيه للجنس، وقوله: (رَمَى) جملة في محل جرّ صفة له
стр. 1396
على حدّ قوله:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ... فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي
ذكره الطيبيّ، وحاصله أن "رمى" صفة "أول"، أي أول عربيّ رمى، واللام في "العرب" للجنس المحمول على العهد الذهنيّ. قاله القاري (١).
وقوله: (بِسَهْمٍ) متفق بـ "رمى"، وكذا قوله: (في سَبِيلِ الله) كان ذلك في سريّة عُبيدة بن الحارث بن المطّلب، وكان القتال فيها أولَ حرب وقعت بين المشركين والمسلمين، وهي أولُ سريّة بعثها رسول الله ﷺ السنة الأولى من الهجرة، بَعَثَ ناسًا من المسلمين إلى رابغ لِيَلْقَوْا عِيرًا لقريش، فترامَوْا بالسهام، ولم يكن بينهم مسايفةٌ، فكان سعد ﵁ أولَ من رَمَى، ذكر ذلك الزُّبير بن بكّار بسند له، وقال فيه عن سعد: إنّه أنشد يومئذ [من الوافر]:
أَلَا هَل أتَى (٢) رَسُولَ اللهِ أَنِّي ... حَمَيْتُ صَحَابَتِي بصُدُورِ نَبْلِي
وذكرها يونس بن بُكير في زيادة المغازي من طريق الزهريّ نحوه، وابن سعد من وجه آخر عن سعد ﵁: "أنا أول من رمى بسهم، ثمّ خرجنا مع عُبيدة بن الحارث ستين راكبًا" (٣).
[تنبيه]: هذا الحديث في رواية المصنّف مختصر، وقد ساقه البخاريّ مطوّلًا، فقال:
٣٧٢٨ - حَدَّثَنَا عمرو بن عون، حَدَّثَنَا خالد بن عبد الله، عن إسماعيل، عن قيس، قال سمعت سعدًا ﵁ يقول: "إنِّي لأول العرب رَمَى بسهم في سبيل الله، وكنا نغزو مع النّبيّ ﷺ ، وما لنا طعام إِلَّا ورق الشجر، حتّى إن أحدَنا لَيَضَع كما يَضَعُ البعير أو الشاة، ما له خِلْطٌ (٤)، ثمّ أصبحت بنو أَسَد تُعَزِّرني (٥) على الإسلام، لقد خِبْتُ إِذًا
стр. 1397
وضَلَّ عملي، وكانوا وَشَوْا به إلى عمر، قالوا: لا يُحْسِنُ يصلّي"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (١٧/ ١٣١) فقط، وأخرجه (البخاريّ) (٣٧٢٨ و ٥٤١٢ و ٦٤٥٣) و (مسلم) (٢٩٦٦) و (التّرمذيّ) (٢٣٦٥ و ٢٣٦٦) و (النَّسائيّ) في "الكبرى" (٨١٦١) و (أحمد) في "مسنده" (١٤٩٨) و"ابن حبّان" في "صحيحه" (٦٩٨٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل سعد بن أبي وقّاص ﵁.٢ - (ومنها): فضل السبق في فعل الخير، وكونه أوّل الناس.
٣ - (ومنها): فضل الرمي في سبيل الله.
٤ - (ومنها): جواز التحدّث بما فعله الإنسان لله تعالى؛ فلا ينافي الإخلاص، إذا دعت الحاجة إليه، فإن سعدًا ﵁ إنّما ذكر هذا لكون أهل الكوفة اتّهموه حتّى رموه بأنه لا يُحسن يُصلّي، فأراد دفع التهم عن نفسه بأنه أول من أعتنق هذا الإسلام، وأخذ تعاليمه من النبيّ ﷺ قبل كثير من النَّاس، فكيف يتهمه أهل الكوفة الذين ما دخلوا في الإسلام إِلَّا على يديه؟، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 1398
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٣٢ - (حَدَّثَنَا مَسْرُوقُ بْنُ المُرْزُبَانِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدةَ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِم، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقُولَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: "مَا أَسْلَمَ أحَدٌ في الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ، وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَإِنِّي لَثُلُثُ الْإِسْلَامِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مسروق بن المُرْزُبَانِ) -بسكون الراء، وضم الزاي، بعدها موحّدة- ابن مسروق ابن معدان الكنديّ، أبو سعيد بن أبي النعمان الكوفيّ، صدوقٌ له أوهام [١٠].
رَوَى عن أبيه، وأبي الأحوص، وعبد السّلام بن حرب، وأبي بكر بن عَيّاش، وحفص بن غياث، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وابن فضيل، وعِدّة.
وروى عنه ابن ماجة، وأبو زرعة، وابن أبي عاصم، وعبدان الأهوازي، ومحمد ابن عمان بن أبي شيبة، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ليس بالقويّ، يُكتَب حديثه. وقال في أبي هِشَام الرِّفاعيّ: هو مثل مسروق بن المرزُبان. وقال صالح بن محمّد: صدوق. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: مات سنة أربعين ومائتين، أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل.
تفردّ به المصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٣٢) و (٢٠١٦) حديث: "أنّ رسول الله ﷺ طلّق حفصة، ثمّ راجعها".
٢ - (يحيى بن أبي زائدة) هو: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، واسمه خالد بن ميمون ابن فَيْرُوز الهمْدانيّ الوادعي مولاهم، أبو سعيد الكوفيّ، ثقة متقن، من كبار [٩].
رَوَى عن أبيه، والأعمش، وابن عون، وعاصم الأحول، وهشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وداود بن أبي هند، وهاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص، وجماعة.
ورَوَى عنه يحيى بن آدم، وأبو داود الحْفَرِيّ، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وابنا أبي شيبة، وعلي بن المديني، وداود بن رُشَيد، ويحيى بن يحيى النيسابوري،
стр. 1399
وإبراهيم بن موسى، وأبو كريب، وآخرون.
قال إبراهيم بن موسى عن أبي خالد الأحمر: كان جَيِّد الأخذ، وقال عمرو الناقد عن ابن عيينة: ما قَدِمَ علينا مثلُ ابن المبارك ويحيى بن أبي زائدة. وقال الحارث بن سُرَيج عن يحيى القطان: ما خالفني أحد بالكوفة أشد علي من ابن أبي زائدة. وقال أحمد وابن معين: ثقة.
وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: إسماعيل بن زكريا أحب إليك، أو يحيى ابن أبي زائدة؟ قال: يحيى أحب إلي، قلت: هما أخوان عندك؟ قال: لا. وقال ابن المديني: هو من الثقات، وقال أيضًا: لم يكن بالكوفة بعهد الثّوريّ أثبت منه، وقال انتهى العلم إليه في زمانه. وقال ابن نمير: كان في الإتقان أكثر من ابن إدريس. وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث، ثقة، صدوق.
وقال النَّسائيُّ: ثقة ثبت. وقال العجلي: ثقة وهو ممّن جُمِع له الفقه والحديث، وكان على قضاء المدائن، ويُعهدّ من حُفّاظ الكوفيين للحديث متقنًا ثبتًا صاحب سنة. ووكيع إنّما صَنّف كُتبه على كُتب يحيى بن أبي زائدة. وذكر ابن أبي حاتم أنه أول من صنف الكتب بالكوفة.
وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى. وقال ابن شاهين في "الثِّقات": قيل ليحيى ابن معين: إن زكريا بن عدي لم يحدث عنه، قال: هو خير من زكريا بن عدي، ومن أهل قريته.
قال علي بن المديني: مات سنة اثنتين وثمانين ومائة. وقال ابن سعد وغيره: مات بالمدائن، وهو قاض بها سنة ثلاث وثمانين، وفيها أرّخه غير واحد، زاد يعقوب بن شيبة: وبلغ من السن يوم مات ثلاثا وستين سنة، وقال خليفة، وابن حبّان: مات سنة ثلاث أو أربع، وقال ابن قانع: مات سنة أربع.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا.
٣ - (هاشم بن هاشم) بن عتبة بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ويقال: هاشم بن
стр. 1400
هاشم بن هاشم، وهو أصح؛ لأن هاشم بن عتبة قُتِل بِصِفِّين سنة سبع وثلاثين، فيبعد أن يكون صاحبُ التّرجمة ابنَهُ؛ لبعد ما بين وفاتيهما، ثقة [٦].
رَوَى عن سعيد بن المسيَّب، وعامر، وعائشة ابني سعد بن أبي وقاص، وعبد الله ابن وهب بن زَمْعة، وعبد الله بن نِسْطَاس، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة، وأبي صالح مولى السعديين.
وروى عنه مالك، والدِّرَاوردي، ويحيى بن أبي زائدة، وموسى بن يعقوب الزمعي، وأبو أُسامة، وأبو ضمرة، وشجاع بن الوليد، وعبد الله بن نمير، وغيرهم.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس. وقال ابن معين والنَّسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: هاشم بن هاشم بن عُتبة: عدني ثقة. وقال البزار: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة أربع وأربعين ومائة. وقال البخاريّ عن مكي: سمعت منه سنة أربع. وقال أحمد بن حنبل عن مكي: سمعت منه سنة سبع وأربعين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٣٢) و (٢٣٢٥) حديث: "من حلف بيمين آثمة عند منبري ... " الحديث.
والباقيان سبقا قريبًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فإنّه من أفراده، وقد وُثّق.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من هاشم، والباقيان كوفيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ) بن هاشم بن عتبة، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقُول: قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبي وَقَّاصٍ) ﵁ (مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ في الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ) هكذا رواية المصنّف، ولا إشكال فيها؛ إذ معناه أنه لم يشاركه أحد في الإسلام يوم أسلم، لكن
стр. 1401
وقع رواية البخاريّ بلفظ: "ما أسلم أحدٌ إِلَّا في اليوم الّذي أسلمت فيه"، بزيادة "إِلَّا"، وفيها إشكال، لكن يمكن حمله على أنه قال ذلك على حسب علمه.
[تنبيه]: من الغريب أن الحافظ ﵀ عزا رواية المصنّف هذه إلى ابن منده مع أن عزوها إلى المصنِّف هو الأولى، ولفظه: وقد رأيت في "المعرفة" لابن منده من طريق أبي بدر، عن هاشم، بلفظ: "ما أسلم أحد في اليوم الّذي أسلمتُ فيه"، وهذا لا إشكال فيه؛ إذ لا مانع أن لا يشاركه أحد في الإسلام يوم أسلم، لكن أخرجه الخطيب من الوجه الّذي أخرجه ابن منده، فأثبت فيه "إِلَّا" كبقية الروايات، فتعين الحمل على ما قلته. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن رواية المصنّف تؤيّد ما في "المعرفة"، فلا بدّ من تأويل رواية البخاريّ بما ذُكر، والله تعالى أعلم.
(وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَإِنِّي لَثُلُثُ) بضمته، أو بضم فسكون، ويقال: أيضًا ثَلِيث، بفتح، فكسر (الْإِسْلَامِ) قال الطيبيّ: يعني يوم أسلمت كنت ثالث من أسلم، فأكون ثلث أهل الإسلام، وبقيتُ على ما كنت عليه سبعة أيّام، ثمّ أسلم بعد ذلك من أسلم. انتهى (١).
وإنّما قال ذلك بحسب اطلاعه، والسبب فيه أنّ من كان أسلم في ابتداء الأمر، كان يُخفِي إسلامه، ولعلّه أراد بالاثنين الآخرين: خديجة وأبا بكر، أو النّبيّ ﷺ ، وأبا بكر، وقد كانت خديجة أسلمت قطعًا فلعلّه خَصّ الرجال، وقد ثبت في حديث عمار ﵁: رأيت النّبيّ ﷺ ، وما معه إِلَّا خمسة أعبد، وأبو بكر، وهو يعارض حديث سعد ﵁ هذا، والجمع بينهما هو ما سبق من أنه قاله بحسب اطّلاعه، أو يُحْمَل قول سعد على الأحرار البالغين؛ ليخرُج الأعبدُ المذكورون، وعلي ﵁ أو لم يكن اطّلع على أولئك، ويدلُّ على هذا الأخير أنه وقع عند الإسماعيلي من رواية يحيى بن سعيد الأموي، عن
стр. 1402
هاشم، بلفظ: "ما أسلم أحد قبلي"، ومثله عند ابن سعد من وجه آخر، عن عامر بن سعد، عن أبيه، وهذا مقتضى رواية الأصيلي، وهي مشكلة؛ لأنه قد أسلم قبله جماعة، لكن يُحمَل ذلك على مقتضى ما كان اتصل بعلمه حينئذ، قاله في "الفتح" (١) وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (١٧/ ١٣٢) فقط، وأخرجه (البخاريّ) في "المناقب" ٣٧٣٦ (و ٣٧٢٧، و ٣٨٥٨)، وفوائده تعلم ممّا سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 1403
١٨ - (فَضَائِلُ الْعَشرَةَ ﵃ -)
أي: الصّحابة العشرة المبشّرين بالجنّة الذين ذُكروا في سياق حديث واحد، وإلا فالمبشّرون أكثر من العشرة بكثير، ثمّ إن الذين ذُكروا في حديث الباب تسعة، لا عشرة، فكأنه أراد بالعشرة غالبهم، أفاده السنديّ.
والعاشر هو: أبو عبيدة بن الجرّاح ﵁، وقد ورد ذكر العشرة كاملًا في حديث أخرجه النَّسائيّ في "الفضائل" من "الكبرى" من طريق عبد الرّحمن بن حميد، عن أبيه، أن سعيد بن زيد حدّثه في نفَر أنه سمع رسول الله ﷺ قال: "عشرة في الجنَّة، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، وعبد الرّحمن، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وسعد ابن أبي وقّاص"، قال: فعدّ هؤلاء التسعة، ثمّ سكت عن العاشر، فقال القوم: ننشُدُك الله يا أبا الأعور، أنت العاشر؟ قال: إذ نشدتمُوني بالله، أبو الأعور في الجنّة.
وأخرجه الترمذيّ من حديث عبد الرّحمن بن عوف ﵃ أن النبيّ ﷺ قال: "أبو بكر في الجنّة، وعمر في الجنّة، وعثمان في الجنّة، وعليّ في الجنّة، وطلحة في الجنّة، والزبير في الجنّة، وعبد الرّحمن بن عوف في الجنّة، وسعد بن أبي وقّاص في الجنّة، وسعيد بن زيد في الجنّة، وأبو عُبيدة بن الجرّاح في الجنّة" (١). والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٣٣ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّار، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ المُثَنَّى، أَبُو المُثّنَّى النَّخَعِيُّ، عَنْ جَدِّهِ رِيَاحِ بْنِ الحارِثِ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نفيْلٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ عَاشِرَ عَشَرَةٍ، فَقَالَ: "أَبُو بَكْرٍ في الجنَّةِ، وَعُمَرُ في الجنَّةِ، وَعُثْمانُ في الجنَّةِ، وَعَليٌّ في الجنّةِ، وَطَلْحَةُ في الجنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ قِي الجنَّةِ، وَسَعْدٌ في الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ في الجنَّةِ"، فَقِيلَ لَهُ مَنِ التَّاسِعُ؟ قَالَ: "أَنَا").
стр. 1404
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هشام بن عمّار) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، ثقة مأمون [٨] ٩/ ٦٩.
٣ - (صدقة بن المثنّى، أبو المثنّى النخَعيّ) ثقة [٦].
رَوَى عن جده، وعنه عيسى بن يونس، وعبد الواحد بن زياد، وحفص بن غياث، وأبو أُسامة، ويحيى القطان، ومحمد بن عبيد، ومحمد بن فضيل، ومحمد بن بِشْر الْعَبْديّ، وجماعة.
قال أحمد: شيخ صالح. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". ووثقه العجلي.
أخرج له أبو داود، والنَّسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (جدّه رياح -بكسر الراء، ثمّ التحتانيّة- ابن الحارث) النخعيّ، أبو المثنّى الكوفيّ، ثقة [٢].
يقال: إنّه حَجّ مع عمر، ورَوَى عن ابن مسعود، وعلي، وسعيد بن زيد، وعمار ابن ياسر، والحسن بن علي بن أبي طالب ﵃، والأسود بن يزيد.
وروى عنه ابنه جرير، وحفيده صدقة بن المثنى بن رِيَاح، والحسن بن الحكم النخعي، وأبو جَمْرَة الضُّبَعي، وعدة.
قال العجليّ: كوفي تابعي ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات".
أخرج له أبو داود، والنَّسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل) بن عبد الْعُزَّي العَدَويّ، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأمه فاطمة بنت بَعْجَة بن مُلَيح الْخُزَاعية، كانت من السابقين إلى الإسلام، أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر، وشَهِد أُحدًا، والمشاهد بعدها، ولم يكن بالمدينة زمانَ بدر، فلذلك لم يشهدها.
رَوَى عنه من الصّحابة ابنُ عمر، وعمرو بن حريث، وأبو الطفيل، ومن كبار
стр. 1405
التابعين أبو عثمان النَّهْديّ، وابن المسيَّب، وقيس بن أبي حازم، وغيرهم.
ذَكَرَ عروةُ وابن إسحاق وغيرهم في المغازي أن رسول الله ﷺ ضَرَبَ له بسهمه يوم بدر؛ لأنه كان غائبًا بالشام، وعن عروة أنه ممّن ضرب رسول الله ﷺ سهمه وأجرَه في بدر هو وطلحة، وكان بعثهما يتجسّسان له أمر عِير قريش، فلم يحضُرا بدرًا.
وكان إسلامه قديمًا قبل عمر، وكان إسلام عمر عنده في بيته؛ لأنه كان زوج أخته فاطمة؛ ورَوَى البخاريّ من طريق قيس بن أبي حازم، عن سعيد بن زيد قال: لقد رأيتني، وإن عمر لموثقي على الإسلام. وقد شَهِد سعيد بن زيد الْيَرْمُوك، وفتحَ دمشق.
وقال سعيد بن حبيب: كان مقام أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وسعد وسعيد وطلحة والزبير وعبد الرّحمن بن عوف مع النّبيّ ﷺ واحدًا، كانوا أمامه في القتال، وخلفه في الصّلاة.
وكان سعيد من فضلاء الصّحابة، وقصته مع أروى بنت أُنيس مشهورة في إجابة دعائه عليها، أخرجها البخاريّ ومسلم وغيرهما. ورَوَى أبو نعيم في "الحلية" في ترجمته من طريق أبي بكر بن حزم أن سعيدًا، قال: اللَّهُمَّ إنها قد زعمت أنها ظُلِمَت، فإن كانت كاذبة فأعمِ بصرها، وألقها في بئرها، وأظهر من حقي نورًا بين المسلمين أني لم أظلمها، قال: فبينما هم على ذلك إذ سأل العقيقُ سيلًا لم يَسِلْ مثله قط، فكُشف عن الحدّ الّذي كانا يختلفان فيه، فإذا سعيد بن زيد في ذلك قد كان صادقًا، ثم لم تَلْبَث إِلَّا يسيرًا حتّى عَمِيَتْ فبينما هي تطوف في أرضها تلك سقطت في بئرها، قال: فكنا ونحن غلمان نسمع الإنسان يقول للآخر: إذا تخاصما أعماك الله عَمَى أروى، فكنا نظن أنه يريد الوحشية، وهو كان يريد ما أصاب أروى بدعوة سعيد بن زيد.
قال الواقدي: تُوُفِّي بالعقيق، فحُمل إلى المدينة، وذلك سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين، وعاش بضعًا وسبعين سنة، وكان طوالًا آدمَ أشعَرَ، وهذا هو القول الأصحّ، وزعم الهيثم بن عدي أنه مات بالكوفة، وصلّى عليه المغيرة بن