وقع رواية البخاريّ بلفظ: "ما أسلم أحدٌ إِلَّا في اليوم الّذي أسلمت فيه"، بزيادة "إِلَّا"، وفيها إشكال، لكن يمكن حمله على أنه قال ذلك على حسب علمه.
[تنبيه]: من الغريب أن الحافظ ﵀ عزا رواية المصنّف هذه إلى ابن منده مع أن عزوها إلى المصنِّف هو الأولى، ولفظه: وقد رأيت في "المعرفة" لابن منده من طريق أبي بدر، عن هاشم، بلفظ: "ما أسلم أحد في اليوم الّذي أسلمتُ فيه"، وهذا لا إشكال فيه؛ إذ لا مانع أن لا يشاركه أحد في الإسلام يوم أسلم، لكن أخرجه الخطيب من الوجه الّذي أخرجه ابن منده، فأثبت فيه "إِلَّا" كبقية الروايات، فتعين الحمل على ما قلته. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن رواية المصنّف تؤيّد ما في "المعرفة"، فلا بدّ من تأويل رواية البخاريّ بما ذُكر، والله تعالى أعلم.
(وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَإِنِّي لَثُلُثُ) بضمته، أو بضم فسكون، ويقال: أيضًا ثَلِيث، بفتح، فكسر (الْإِسْلَامِ) قال الطيبيّ: يعني يوم أسلمت كنت ثالث من أسلم، فأكون ثلث أهل الإسلام، وبقيتُ على ما كنت عليه سبعة أيّام، ثمّ أسلم بعد ذلك من أسلم. انتهى (١).
وإنّما قال ذلك بحسب اطلاعه، والسبب فيه أنّ من كان أسلم في ابتداء الأمر، كان يُخفِي إسلامه، ولعلّه أراد بالاثنين الآخرين: خديجة وأبا بكر، أو النّبيّ ﷺ ، وأبا بكر، وقد كانت خديجة أسلمت قطعًا فلعلّه خَصّ الرجال، وقد ثبت في حديث عمار ﵁: رأيت النّبيّ ﷺ ، وما معه إِلَّا خمسة أعبد، وأبو بكر، وهو يعارض حديث سعد ﵁ هذا، والجمع بينهما هو ما سبق من أنه قاله بحسب اطّلاعه، أو يُحْمَل قول سعد على الأحرار البالغين؛ ليخرُج الأعبدُ المذكورون، وعلي ﵁ أو لم يكن اطّلع على أولئك، ويدلُّ على هذا الأخير أنه وقع عند الإسماعيلي من رواية يحيى بن سعيد الأموي، عن
стр. 1402
هاشم، بلفظ: "ما أسلم أحد قبلي"، ومثله عند ابن سعد من وجه آخر، عن عامر بن سعد، عن أبيه، وهذا مقتضى رواية الأصيلي، وهي مشكلة؛ لأنه قد أسلم قبله جماعة، لكن يُحمَل ذلك على مقتضى ما كان اتصل بعلمه حينئذ، قاله في "الفتح" (١) وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (١٧/ ١٣٢) فقط، وأخرجه (البخاريّ) في "المناقب" ٣٧٣٦ (و ٣٧٢٧، و ٣٨٥٨)، وفوائده تعلم ممّا سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 1403
١٨ - (فَضَائِلُ الْعَشرَةَ ﵃ -)
أي: الصّحابة العشرة المبشّرين بالجنّة الذين ذُكروا في سياق حديث واحد، وإلا فالمبشّرون أكثر من العشرة بكثير، ثمّ إن الذين ذُكروا في حديث الباب تسعة، لا عشرة، فكأنه أراد بالعشرة غالبهم، أفاده السنديّ.
والعاشر هو: أبو عبيدة بن الجرّاح ﵁، وقد ورد ذكر العشرة كاملًا في حديث أخرجه النَّسائيّ في "الفضائل" من "الكبرى" من طريق عبد الرّحمن بن حميد، عن أبيه، أن سعيد بن زيد حدّثه في نفَر أنه سمع رسول الله ﷺ قال: "عشرة في الجنَّة، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، وعبد الرّحمن، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وسعد ابن أبي وقّاص"، قال: فعدّ هؤلاء التسعة، ثمّ سكت عن العاشر، فقال القوم: ننشُدُك الله يا أبا الأعور، أنت العاشر؟ قال: إذ نشدتمُوني بالله، أبو الأعور في الجنّة.
وأخرجه الترمذيّ من حديث عبد الرّحمن بن عوف ﵃ أن النبيّ ﷺ قال: "أبو بكر في الجنّة، وعمر في الجنّة، وعثمان في الجنّة، وعليّ في الجنّة، وطلحة في الجنّة، والزبير في الجنّة، وعبد الرّحمن بن عوف في الجنّة، وسعد بن أبي وقّاص في الجنّة، وسعيد بن زيد في الجنّة، وأبو عُبيدة بن الجرّاح في الجنّة" (١). والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٣٣ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّار، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ المُثَنَّى، أَبُو المُثّنَّى النَّخَعِيُّ، عَنْ جَدِّهِ رِيَاحِ بْنِ الحارِثِ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نفيْلٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ عَاشِرَ عَشَرَةٍ، فَقَالَ: "أَبُو بَكْرٍ في الجنَّةِ، وَعُمَرُ في الجنَّةِ، وَعُثْمانُ في الجنَّةِ، وَعَليٌّ في الجنّةِ، وَطَلْحَةُ في الجنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ قِي الجنَّةِ، وَسَعْدٌ في الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ في الجنَّةِ"، فَقِيلَ لَهُ مَنِ التَّاسِعُ؟ قَالَ: "أَنَا").
стр. 1404
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هشام بن عمّار) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، ثقة مأمون [٨] ٩/ ٦٩.
٣ - (صدقة بن المثنّى، أبو المثنّى النخَعيّ) ثقة [٦].
رَوَى عن جده، وعنه عيسى بن يونس، وعبد الواحد بن زياد، وحفص بن غياث، وأبو أُسامة، ويحيى القطان، ومحمد بن عبيد، ومحمد بن فضيل، ومحمد بن بِشْر الْعَبْديّ، وجماعة.
قال أحمد: شيخ صالح. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". ووثقه العجلي.
أخرج له أبو داود، والنَّسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (جدّه رياح -بكسر الراء، ثمّ التحتانيّة- ابن الحارث) النخعيّ، أبو المثنّى الكوفيّ، ثقة [٢].
يقال: إنّه حَجّ مع عمر، ورَوَى عن ابن مسعود، وعلي، وسعيد بن زيد، وعمار ابن ياسر، والحسن بن علي بن أبي طالب ﵃، والأسود بن يزيد.
وروى عنه ابنه جرير، وحفيده صدقة بن المثنى بن رِيَاح، والحسن بن الحكم النخعي، وأبو جَمْرَة الضُّبَعي، وعدة.
قال العجليّ: كوفي تابعي ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات".
أخرج له أبو داود، والنَّسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل) بن عبد الْعُزَّي العَدَويّ، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأمه فاطمة بنت بَعْجَة بن مُلَيح الْخُزَاعية، كانت من السابقين إلى الإسلام، أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر، وشَهِد أُحدًا، والمشاهد بعدها، ولم يكن بالمدينة زمانَ بدر، فلذلك لم يشهدها.
رَوَى عنه من الصّحابة ابنُ عمر، وعمرو بن حريث، وأبو الطفيل، ومن كبار
стр. 1405
التابعين أبو عثمان النَّهْديّ، وابن المسيَّب، وقيس بن أبي حازم، وغيرهم.
ذَكَرَ عروةُ وابن إسحاق وغيرهم في المغازي أن رسول الله ﷺ ضَرَبَ له بسهمه يوم بدر؛ لأنه كان غائبًا بالشام، وعن عروة أنه ممّن ضرب رسول الله ﷺ سهمه وأجرَه في بدر هو وطلحة، وكان بعثهما يتجسّسان له أمر عِير قريش، فلم يحضُرا بدرًا.
وكان إسلامه قديمًا قبل عمر، وكان إسلام عمر عنده في بيته؛ لأنه كان زوج أخته فاطمة؛ ورَوَى البخاريّ من طريق قيس بن أبي حازم، عن سعيد بن زيد قال: لقد رأيتني، وإن عمر لموثقي على الإسلام. وقد شَهِد سعيد بن زيد الْيَرْمُوك، وفتحَ دمشق.
وقال سعيد بن حبيب: كان مقام أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وسعد وسعيد وطلحة والزبير وعبد الرّحمن بن عوف مع النّبيّ ﷺ واحدًا، كانوا أمامه في القتال، وخلفه في الصّلاة.
وكان سعيد من فضلاء الصّحابة، وقصته مع أروى بنت أُنيس مشهورة في إجابة دعائه عليها، أخرجها البخاريّ ومسلم وغيرهما. ورَوَى أبو نعيم في "الحلية" في ترجمته من طريق أبي بكر بن حزم أن سعيدًا، قال: اللَّهُمَّ إنها قد زعمت أنها ظُلِمَت، فإن كانت كاذبة فأعمِ بصرها، وألقها في بئرها، وأظهر من حقي نورًا بين المسلمين أني لم أظلمها، قال: فبينما هم على ذلك إذ سأل العقيقُ سيلًا لم يَسِلْ مثله قط، فكُشف عن الحدّ الّذي كانا يختلفان فيه، فإذا سعيد بن زيد في ذلك قد كان صادقًا، ثم لم تَلْبَث إِلَّا يسيرًا حتّى عَمِيَتْ فبينما هي تطوف في أرضها تلك سقطت في بئرها، قال: فكنا ونحن غلمان نسمع الإنسان يقول للآخر: إذا تخاصما أعماك الله عَمَى أروى، فكنا نظن أنه يريد الوحشية، وهو كان يريد ما أصاب أروى بدعوة سعيد بن زيد.
قال الواقدي: تُوُفِّي بالعقيق، فحُمل إلى المدينة، وذلك سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين، وعاش بضعًا وسبعين سنة، وكان طوالًا آدمَ أشعَرَ، وهذا هو القول الأصحّ، وزعم الهيثم بن عدي أنه مات بالكوفة، وصلّى عليه المغيرة بن
стр. 1406
شعبة، قال: وعاش ثلاثًا وسبعين سنة (١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم ١٣٣ و ١٣٤ و ٣٩٨ و ٢٥٨٠ و ٣٤٥٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، وشيخه، وإن تكلّم فيه بالتغيّر، إِلَّا أنه موثّق.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فدمشقيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، ومن السابقين إلى الإسلام، ومن البدريين، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ رِيَاحِ) بكسر الراء، وتخفيف التحتانيّة (ابْنِ الحُارِثِ) النخعي، أنه (سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) ﵁ (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَاشِرَ عَشَرَةٍ) أي واحدًا من عشرة (فَقَالَ) ﷺ (أَبُو بَكْرٍ) الصّديق، مبتدأ خبره قوله: (في الجَنَّةِ) وكذا ما بعده (وَعُمَرُ) بن الخطّاب (في الجَنَّةِ، وَعُثْمانُ) بن عفّان (في الجنَّةِ، وَعَليٌّ بن أبي طالب في الجنَّةِ، وَطَلْحَةُ) بن عبيد الله (في الجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ) بن العوّام (في الجنَّةِ، وَسَعْدٌ) ابن أبي وقّاص (في الجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن عوف (في الجنَّةِ، فَقِيلَ لَهُ) أي لسعيد بن زيد ﵁ (مَنِ التَّاسِعُ؟ قَالَ: "أَنَا") مبتدأ خبره محذوف، أي أنا تاسعهم، ولعلّ سكوته عن ذكر اسمه تواضعًا؛ لئلا يزكّي نفسه، وفي رواية النَّسائيّ من طريق يحيى القطّان، عن صدقة ابن المثنّى، قال: حدثني جدّي رياح بن الحارث أن سعيد بن زيد قال: أشهد على رسول
стр. 1407
الله ﷺ بما سمعته أُذناي، ووعاه قلبي، وإني لم أكن لأروي عليه كذبًا يسألني عنه إذا لقيته، أنه قال: أبو بكر في الجنّة، وعمر في الجنّة، وعثمان في الجنّة، وطلحة في الجنّة، والزبير في الجنّة، وعبد الرّحمن بن عوف في الجنّة، وسعد بن مالك في الجنَّة، وتاسع المؤمنين لو شئتُ أن أُسمّيه لسمّيته، فرَجّ أهل المسجد يُناشدونه، يا صاحب رسول الله من التّاسع؟ قال: ناشدتموني بالله العظيم، أنا تاسع المؤمنين، ورسول الله ﷺ العاشر.
فتبيّن في هذه الرِّواية أن العاشر هو النبيّ ﷺ ، وفي رواية عبد الرّحمن بن حميد السابقة، أن العاشر هو أبو عبيدة، ويُجمع بأنه يمكن أن يكون النبيّ ﷺ أخبر في مجلسين، ففي مجلس جعل العاشر نفسه، وفي مجلس جعله أبا عبيدة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعيد بن زيد ﵁ هذا صحيح.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنِّف) هنا (١٨/ ١٣٣) فقط، وأخرجه (أبو داود) (٤٦٤٨ و ٤٦٤٩ و ٤٦٥٠) و (الترمذيّ) (٣٧٤٨ و ٣٧٥٧) و (النَّسائيّ) في "فضائل الصّحابة" (٨١٣٧) و (أحمد) في "مسنده" (١٦٢٩) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٩٣ و ٦٩٩٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٣٤ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ ظَالِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زيدٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ الله أَنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "اثْبُتْ حِرَاءُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ، وَعَدَّهُمْ رَسُولُ الله ﷺ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدٌ، وَابْنُ عَوْفٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ").
стр. 1408
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمّد بن بشّار) بُندار أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ١/ ٦.
٢ - (ابن أبي عديّ) هو: محمّد بن إبراهيم بن أبي عديّ، ويقال: إن كنيةَ إبراهيم أبو عَدِيّ السُّلَميّ مولاهم، الْقَسْمَلِيّ نزل فيهم، أبو عمرو البصريّ، ثقة [٩].
رَوَى عن سليمان التيمي، وحميد الطَّويل، وابن عون، وداود بن أبي هند، وعثمان ابن غياث، وشعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وجماعة.
ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعمرو بن عليّ، وابنا أبي شيبة، وأبو موسى، وبندار، وقتيبة بن سعيد، وغيرهم.
قال عمرو بن عليّ: سمعت عبد الرّحمن بن مهدي، وذَكَرَ ابنَ أبي عدي، فأحسن الثّناء عليه، وسمعت معاذ بن معاذ يُحسن الثّناء عليه. وقال أبو حاتم والنسائي: ثقة.
وقال: ابن سعد: كان ثقة، مات بالبصرة سنة أربع وتسعين ومائة، وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: يوم الاثنين لعشر بقين من ربيع الآخر منها، وقال: أبو موسى محمّد ابن المثنى: مات سنة (٩٢)، وقال: الْقَرّاب: في وفاته اختلافٌ، وفي سنة أربع أكثر. وفي "الميزان": قال: أبو حاتم مرّة: لا يحتج به، وقال رُسْته: سمعت معاذ بن معاذ يقول: ما رأيت أحدًا أفضل من ابن أبي عدي.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٤) حديثًا.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت المشهور [٧] ١/ ٦.
٤ - (حُصين) بن عبد الرّحمن السُّلَميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ابن عم منصور، ثقة تغيّر حفظه في الآخر [٥].
رَوَى عن جابر بن سمرة، وعمارة بن رُوَيبة، وعن زيد بن وهب، وعمرو بن ميمون، ومُرّة بن شَرَاحيل، وهلال بن يساف، وأبي وائل، والشعبي، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، والثوري، وزائدة، وجرير بن حازم، وسليمان التيمي، وخلف ابن خليفة، وجرير بن عبد الحميد، وخالد الواسطي، وغيرهم.
стр. 1409
قال أبو حاتم عن أحمد: حصين بن عبد الرّحمن الثقة المأمون من كبار أصحاب الحديث. وقال ابن معين: ثقة. وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، والواسطيون أروى النَّاس عنه. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه، فقال: ثقة، قلت: يُحتج بحديثه؟ قال: إي والله. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة في الحديث، وفي آخر عمره ساء حفظه. وقال هشيم: أَتَى عليه (٩٣) سنة، وكان أكبر من الأعمش.
وقال علي بن عاصم عن حصين: جاءنا قتل الحسين، فمكثنا ثلاثًا كأن وجوهنا طُلِيت رمادًا، قلت: مثل من أنت يومئذ؟ قال: رجلٌ مُنَاهِد. وقال أسلم بن سهل في "تاريخ واسط": ثنا أحمد بن سنان، سمعت عبد الرّحمن يقول: هشيم عن حصين أحب إلي من سفيان، وهشيم أعلم النَّاس بحديث حصين. وقال علي بن عاصم: قَدِمُت الكوفة يوم مات منصور، فاشتد عليّ، فلقيت حصينًا -يعني وأنا لا أعرفه- فقال: أدلك على مَنْ يذكر يومَ أُهدِيت أم منصور إلى أبيه؟ قلت: مَنْ هو؟ قال: أنا. قال أسلم: قال هشيم: رَوَى حصين عن ستة من الصّحابة، قال أسلم: واتصل بنا أنه رَوَى عن ثمانية وامرأتين، فذكر أبا جحيفة، وعمرو بن حريث، وابن عمر، وأنسًا، وعُمارة بن رُويبة، وجابر بن سمرة، وعُبيد الله بن مُسلم الحضرمي، وأم عاصم امرأة عتبة بن فَرْقد، وأم طارق مولاة سعد، كذا قال، قال الحافظ: وفيه بعض ما فيه.
وقال النَّسائيُّ: تغير، وذكره الْعُقيلي، ولم يذكر إِلَّا قول يزيد بن هارون: إنّه نَسِيَ. وقال الحسن -يعني الحلواني- عن يزيد بن هارون: اختلط، وأنكر ذلك ابن المديني في "علوم الحديث"، فقال: ما اختلط، ولكن تغير. وقال ابن عدي: له أحاديث، وأرجو أنه لا بأس به. وذكر ابن أبي خيثمة عن يزيد بن هارون قال: طلبت الحديث، وحصين حَيّ يُقرأ عليه بالمُبَارك (١)، وقد نَسِي. وقال ابن حبّان بها أتباع التابعين من "الثِّقات" له: يقال: إنّه سمع من عُمارة بن رُوَيبة، فإن صحّ ذلك فهو من التابعين، وكان قد ذكر في
стр. 1410
التابعين حُصين بن عبد الرّحمن السُلَميّ سَمِع عمارة بن رويبة، رَوَى عنه أهل العراق، مات سنة (١٦٣) قال الحافظ: فكأنه ظنّ غيرَ هذا، وهو، هو، وإنّما لمّا وقع له الغلط في تاريخ وفاته ظنه آخرَ، والصواب في وسنة فاته -كما قاله مطين- أنه سنة (١٣٦).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث، برقم ١٣٤ و٢٨٦ و ٨٩٩ و ١٠٠٤ و ١٢٧٠ و ١٧٣٥ و ٢٣٠٥ و ٣٢٣٨ و ٣٥١٣ و ٣٨٣٩.
٥ - (هلال بن يساف) -بكسر التحتانيّة، ثمّ فاء- ويقال: ابن إساف الأشجعي مولاهم الكوفيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن الحسن بن علي، وأبي الدرداء، وأبي مسعود الأنصاري، وسعيد بن زيد، وسمرة بن جندب، وسالم بن عُبيد الأشجعي، وعبد الله بن ظالم، وغيرهم.
وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، والأعمش، وسلمة بن كهيل، وعبدة بن أبي لبابة، ومنصور، وعلي بن مدرك، وعبد الأعلى بن ميسرة، وحصين بن عبد الرّحمن، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن سعد في الطبقة الثّانية من أهل الكوفة: وكان ثقة، كثير الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ في التعاليق، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم ١٣٤ و ٤٠٦ و ٤٥١ و ١٠٠٤ و ١٢٥٧ و ٣٨١١ و ٣٨٣٩.
٦ - (عبد الله بن ظالم) التيميّ المازنيّ، صدوقٌ، ليّنه البخاريّ [٣].
رَوَى عن سعيد بن زيد حديث: "عشرةٌ في الجنَّة"، وعنه سماك بن حرب، وعبد الملك بن ميسرة، وهلال بن يساف، وفلان ابن حيان، وقيل: حيان بن غالب. قال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال البخاريّ: ليس له إِلَّا هذا الحديث، وحديث "بِحَسْبِ أصحابي القتلُ"، وقال غيره: روى حديثًا ثالثًا عن أبي هريرة: "إن فساد أُمَّتي على يدي غِلْمة من قريش"، زاد في حديث أبي هريرة: قيل: فيه عبد الله بن
стр. 1411
ظالم، وقيل: مالك بن ظالم، فلعلّه عند البخاريّ غير هذا، لكن صحح عمرو بن علي الفلاس أنه عبد الله بن ظالم، لا مالك بن ظالم، فالله أعلم، وحديثه على الوجهين عند أحمد بن حنبل في "مسنده"، والحاكم في "مستدركه"، وقال العقيليّ: عبد الله بن ظالم عن سعيد بن زيد، كوفي لا يصح حديثه، وكذا ذكره ابن عدي عن البخاري.
أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، والصحابيّ تقدّم في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ زيدٍ) ﵁، أنه (قَالَ: أَشهَدُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ أَنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: اثْبُتْ) بضمّ الموحّدة، أمر من الثبات، وهو الاستقرار، يقال: ثبتَ الأمر من باب نصر ثُبُوتًا: إذا دام واستمرّ (حِرَاءُ) بحذف حرف النِّداء، أي يا حراء، قال في "القاموس": حِرَاءٌ ككتاب، وكَعَلَى، ويؤنّثُ، ويُمنع -أي من الصّرف-: جَبَلٌ بمكة، فيه غارٌ تحَنَّثَ فيه النبي ﷺ . انتهى.
وفي حديث أنس ﵁: فضربه برجله، وقال: "اثبُت"، ونداؤه وخطابه يحتمل المجاز، وحمله على الحقيقة أولى. قاله في "الفتح".
وفي حديث أنس ﵁ عند البخاريّ: أن النَّبي ﷺ صَعِدَ أُحُدًا، وأبو بكر، وعمر، وعثَمان، فَرَجَفَ بهم، فقال: "اثبُت أُحُدُ، فإنّما عليك نبيّ، وصدّيقٌ، وشهيدان".
قال الحافظ ﵀: قوله: "صَعِدَ أحدًا" هو الجبل المعروف بالمدينة، ووقع في رواية لمسلم (١) وأبي يعلى "حراء" والأول أصحّ، ولولا اتّحاد المخرج لجوّزتُ تعدد القصّة، ثمّ ظهر لي أن الاختلاف فيه من سعيد، فإني وجدته في مسند الحارث بن أبي
стр. 1412
أُسامة عن روح بن عبادة، عن سعيد -يعني ابن أبي عروبة- فقال فيه: "أحدًا، أو حراء" بالشكّ، وقد أخرجه أحمد من حديث بُريدة بلفظ: "حراء"، وإسناده صحيح، وأخرجه أبو يعلى من حديث سهل بن سعد بلفظ "أحد"، وإسناده صحيح، فقوي احتمال تعدّد القصة، ووقع عند البخاريّ من حديث عثمان ﵁، وفيه "حراء"، وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة ﷺ يؤيّد تعدد القصة، فذكر أنه كان على حراء، ومعه المذكورون هنا، وزاد معهم غيرهم. انتهى كلام الحافظ (١).
وقال في موضع آخر: يمكن الجمع بالحمل على التعدّد، ثمّ وجدت ما يؤيّده، فعند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ "قال: كان رسول الله ﷺ هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير، فتحرّكت الصخرة، فقال رسول الله ﷺ ... " فذكره، وفي رواية له "وسعد"، وله شاهد من حديث سعيد بن زيد عند التِّرمذيِّ، وآخر عن عليّ عند الدارقطنيّ. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تبيّن بهذا كلّه أن هذه القصّة وقعت مرّتين، مرّة بحراء، ومرّة بأحد. والله تعالى أعلم.
(فَمَا عَلَيْكَ) الفاء للتعليل؛ لأنه ليس عليك (إِلَّا نَبِيٌّ) يعني نفسه ﵁ (أَوْ صِدِّيقٌ) يعني أبا بكر ﵁ (أَوْ شَهِيدٌ) زاد في حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم: ما نصّه: "وعليه النبيّ ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقّاص".
قال في "الفتح": "أو" للتنويع، و"شهيد" للجنس. انتهى.
وقال: القرطبيّ ﵀: "أو" هي الّتي للتقسيم والتنويع، فالنبيّ رسول الله ﷺ ، والصدّيق أبو بكر، والشهيد من بقي ﵃. انتهى (٣).
وفي حديث أنسٌ عند البخاريّ بلفظ: "فإنما عليك نبيّ، وصدّيقٌ، وشهيدان" بالواو.
стр. 1413
وقوله: (وَعَدَّهُمْ رَسُولُ الله ﷺ ) أي عدّ ﷺ المبشّرين بالجنّة، فقال: هم ("أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعِليٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدٌ، وَابْنُ عَوْفٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ") رضي الله تعالى عنهم أجمعين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
حديث سعيد بن زيد ﵁ هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه عبد الله بن ظالم، وقد تكلّم فيه البخاريّ، وساق له الحديث، وقال: لا يصحّ، وذكره العقيليّ في "الضعفاء": حدثني آدم بن موسى، قال: سمعت البخاريّ قال: عبد الله بن ظالم، عن سعيد بن زيد، عن النبيّ ﷺ ، ولا يصحّ، وساق له العقيليّ هذا الحديث بعدّة طرق، وبيّن عللها، وذكره ابن عديّ في "الكامل"، ونقل كلام البخاريّ المذكور؟.
[قلت]: إنّما صحّ لأمور:
(أحدهما): أن عبد الله بن ظالم روى عنه جماعة، ووثقه العجليّ، وابن حبّان، وكلام البخاريّ في حديثه هذا، فأقلّ أحواله أن يكون حسن الحديث.
الثّاني: أنه لم ينفرد به فقد تابعه عبد الرّحمن بن الأخنس -وقد روى عنه اثنان، ووثقه ابن حبّان- عن سعيد بن زيد، فقد أخرجه النَّسائيّ (٨١٠٠) قال: أَخْبَرَنَا عبدة ابن عبد الله، والقاسم بن زكريّا، عن حسين، عن زائدة، عن الحسن بن عبيد الله، عن الحرّ بن صيّاح، عن عبد الرّحمن بن الأخنس، عن سعيد بن زيد ﵁، قال: اهتزّ حراءٌ، فقال رسول الله ﷺ : "اثبُت حراء، فليس عليك إِلَّا نبيّ، أو صدّيق، أو شهيد"، وعليه رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، وعبد الرّحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص، وأنا، وقال الترمذيّ: حديث حسن، وهو كما قال، فإن ابن الأخنس حسن الحديث. والله تعالى أعلم.
(الثّالث): أن الحديث مرويّ عن سعيد بن زيد بطرق متعدّدة، ولذا قال
стр. 1414
الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيح.
(الرّابع): أن الحديث ورد من رواية جماعة من الصّحابة ﵃، منهم: عثمان بن عفّان ﵁ عند التِّرمذيِّ، وابن حبّان، وقال التّرمذيّ: حديث حسن صحيح، ومن رواية أنس بن مالك ﵁ عند البخاريُّ في "صحيحه"، ومن رواية بُريدة بن الحصيب رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه بسند صحيح، ومن رواية أبي هريرة ﵁ عند مسلم وغيره، وقد استوفى تخريج هذه الروايات الشّيخ الألبانيّ ﵀ في "الصحيحة" ٢/ ٥٥٨ - ٥٦٢ رقم الحديث (٨٧٥) فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق.
والحاصل أن الحديث صحيح؛ لما ذكرناه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر النَّسائيّ في "الكبرى" أن هلال بن يساف لم يسمع هذا الحديث من عبد الله بن ظالم، ثمّ أخرجه بسنده عن منصور، عن هلال بن يِساف، عن ابن حيّان، عن عبد الله بن ظالم، عن سعيد بن زيد ... " الحديث.
وقال في "التقريب": ابن حبَّان شيخ لهلال بن يساف لا يُعرف، من السّادسة، يقال: اسمه حيّان بن غالب. انتهى.
ولكن مثل هذه الجهالة لا تضرّ بصحّة الحديث؛ لما سمعتَ من الشواهد الكثيرة له، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (١٨/ ١٣٤) فقط، وأخرجه (الطيالسيّ) (٢٣٥) و (الحميديّ) في "مسنده" (٨٤) و (أحمد) في "مسنده" (١/ ١٨٧ و ١٨٨ و ١٨٩) و (أبو داود) (٤٦٤٨) و (الترمذيّ) (٣٧٥٧) وقال: حديث حسنٌ صحيح، والظاهر أنه صححه مع أن شيخه البخاريّ ضعّفه لشواهده، كما يدلُّ عليه قوله بعدُ: وقد روي من غير وجه عن سعيد بن زيد ﵁، عن النبيّ ﷺ .
وأخرجه (النَّسائيّ) في "فضائل الصّحابة" من "الكبرى" (٨١٣٤) و (٨١٣٦) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٩٦) و (الحاكم) في "مستدركه" ٣/ ٤٥٠ و (البغويّ)
стр. 1415
في "شرح السنة" (٣٩٢٧).
وأخرجه (الترمذيّ) (٣٧٤٨) و (النَّسائيّ) في "الفضائل" (٨١٣٩) من طريق حميد بن عبد الرّحمن، عن سعيد بن زيد ﵁، وقال الترمذيّ: سمعت محمدًا -يعني البخاريّ- يقول: هو أصحّ من الحديث الأوّل، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضائل العشرة ﵃.
٢ - (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ ﷺ بأن هؤلاء شهداء، فماتوا كلهم غير النبيّ ﷺ ، وأبي بكر شهداء، فإن عمر وعثمان، وعليًّا، وطلحة، والزبير ﵃ قُتلوا ظلمًا شُهداء، فأمّا عمر، فقتله الْعِلْج، وأما عثمان، فقتل مظلومًا، وأما عليّ فقُتل غِيلةً، وأما طلحة والزبير، فقُتلا يوم الجمل منصرفين عنه تاركين له، وأما أبو عبيدة فمات في الطّاعون، والموت فيه شهادة (١)، والمراد شهداء في أحكام الآخرة، وعظيم ثواب الشهداء، وأما في الدنيا فيُغسلون، ويُصلّى عليهم.
[فإن قلت]: في الحديث ذكر عبد الرّحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص، وهما لم يُقتلا. [قلت]: أجاب عن هذا بعضهم بأنهما إنّما سميا شهيدًا لأنهما مشهود لهما بالجنّة. والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): جواز التزكية والثناء على الإنسان في وجهه إذا لم يُخَف عليه فتنة بإعجاب ونحوه (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 1416
١٩ - (فَضْلُ أَبي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ ﵁ -)
هو: أبو عبيدة ﵁ اسمه عامر بن عبد الله بن الجَرَّاح بن هلال بن أُهيب بن ضَبّة ابن الحارث بن فِهْر، يجتمع مع النّبيّ ﷺ في فهر بن مالك، وعَدَدُ ما بينهما من الآباء متفاوت جدًّا بخمسة آباء، فيكون أبو عبيدة من حيث العدد في درجة عبد مناف، ومنهم من أدخل في نسبه بين الجراح وهلال ربيعةَ، فيكون على هذا في درجة هاشم، وبذلك جزم أبو الحسن بن سميع، ولم يذكر غيره.
وكان إسلامه هو، وعثمان بن مظعون، وعُبيدة بن الحارث بن المطلب، وعبد الرّحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، في ساعة واحدة قبل دخول النّبيّ ﷺ دار الأرقم، ذكره ابن سعد من رواية يزيد بن رُومان، وأنكر الواقدي ذلك، وزعم أن أباه مات قبل الإسلام، وأمه أميمة بنت غَنْم بن جابر بن عبد العزي بن عامر بن عميرة، أحد العشرة السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وما بعدها، وهو الّذي انتزع الحلقتين من وجه رسول الله ﷺ ، فسقطت ثنيتا أبي عبيدة، وكان أميرًا على الشّام من قبل عمر بن الخطّاب، فكان فتح أكثر الشّام على يده. وقَتَل أباه يوم بدر، ونزلت فيه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢]، وهو فيما أخرجه الطَّبرانيُّ بسند جيد، عن عبد الله بن شَوْذَب قال: جعل والدُ أبي عبيدة يَتَصَدّى لأبي عبيدة يوم بدر، فيَحِيد عنه، فلما أكثر قصده فقتله، فنزلت.
وقال الواقديّ: آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن معاذ، وهو الّذي قال لعمر: أنفر من قدر الله؟ فقال: لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة، نعم نَفِرّ من قدر الله تعالى إلى قدر الله تعالى، وذلك دالّ على جلالة أبي عبيدة عند عمر ﵄، وذكره ابن إسحاق في مهاجرة الحبشة، وأسند ابن سعد من طريق مالك بن عامر أنه وَصَفَ أبا عبيدة، فقال: كان رجلًا نحيفًا معروق الوجه، خفيف اللحية، طُوالًا أجنأ، أثرم (١).
стр. 1417
وعن عبد الله بن شقيق، قال: سألت عائشة ﵄ مَنْ كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ أبو عبيدة بن الجراح (١).
وأخرج أحمد عن عبد الله بن شقيق، قلت لعائشة: أَيُّ أصحاب رسول الله ﷺ كان أحب إليه؟ قالت: أبو بكر، قلت: ثمّ من؟ قالت: عمر، قلت: ثمّ من؟ قالت: أبو عبيدة ابن الجراح (٢).
وقال يعقوب بن سفيان: حَدَّثَنَا حجاج، حَدَّثَنَا حماد، عن زياد الأعلم، عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال: "ما من أحد من أصحابي إِلَّا لو شئت لأخذت عليه في خُلُقه، ليس أبا عبيدة بن الجراح"، وهذا مرسل، ورجاله ثقات.
وأخرج ابن سعد بسند حسن أن معاذ بن جبل ﵁ بلغه أن بعض أهل الشّام استعجز أبا عبيدة أيّام حِصَار دمشق، ورَجَّح خالد بن الوليد، فغضب معاذ، وقال أبأبي عبيدة يُظَنّ، والله إنّه لمن خِيرة من يمشي على الأرض.
وقال ابن المبارك في "كتاب الزهد": حَدَّثَنَا معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قدم عمر الشامَ، فتلقاه أُمراء الأجناد، فقال: أين أخي أبو عبيدة؟ فقالوا: يأتي الآن، فجاء على ناقة مخطومة، فسلّم عليه، وساءله حتّى أتى منزله، فلم نر فيه شيئًا إِلَّا سيفه وترسه ورحله، فقال له عمر: لو اتخذت متاعًا، قال: يا أمير المؤمنين إن هذا يبلغنا المَقِيل. وأخرج يعقوب بن سفيان بسند مرسل، أن أبا عبيدة كان يسير في العسكر، فيقول: ألَّا رُبّ مُبَيِّضٍ لثيابه، وهو مدنس لدينه، ألَّا رُبّ مُكْرِمٍ لنفسه، وهو لها مُهين غدًا، ادفعوا السيئات القديمات بالحسنات الحادثات.
стр. 1418
وأخرج ابن أبي الدنيا بسند جيد، عن ثابت البناني قال: كان أبو عبيدة أميرًا على الشّام، فخطب، فقال: والله ما منكم أحد يفضلني بتُقيّ إِلَّا وددت أني في سلامة.
وأخرج الحاكم في "المستدرك" من طريق عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن أبي سعيد المقبري قال: لمّا طُعن أبو عبيدة، قالوا: يا معاذ صَلّ بالناس، فصلّى ثمّ مات أبو عبيدة، فخطب معاذ، فقال في خطبته: وإنكم فُجِعتم برجل ما أزعم والله أني رأيت من عباد الله قط أقلّ حِقْدًا، ولا أبو صدرًا، ولا أبعد غائلةً، ولا أشد حياء للعاقبة، ولا أنصح للعامة منه، فترحموا عليه.
اتفقوا على أنه مات في طاعون عَمَوَاس بالشام سنة ثمان عشرة، وأرخه بعضهم سنة سبع عشرة، وهو شاذ، وجزم ابن منده تبعًا للواقدي والفلاس أنه عاش ثمانيا وخمسين سنة، وأما ابن إسحاق فقال: عاش إحدى وأربعين سنة.
وقال ابنُ عائذ: قال الوليد بن مسلم: حدثني من سمع عروة بن رُويم قال: انطلق أبو عبيدة يريد الصّلاة ببيت المقدس، فأدركه أجله، فتوفي هناك، وأوصى أن يُدفَن حيث قَفَى، وذلك بفِحْل من أرض الأردنّ، ويقال: إن قبره بِبَيْسان، وقالوا: إنّه كان يَخضب بالحناء والكتم (١).
أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (١٥) حديثًا، انفرد مسلم بحديث منها، ولم يُخرج له البخاريّ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٣٥ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي إِسْحَقَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لِأَهْلِ نَجْرَانَ: "سَأَبْعَثُ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ"، قَالَ: فَتَشَرَّفَ لَهُ النَّاسُ، فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ).
стр. 1419
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه [٧] ٥/ ٤١.
٢ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط [٣] ٧/ ٤٥.
٣ - (صلة -بكسر أوله، وفتح اللام الخفيفة- ابن زُفَر) -بضم الزاي، وفتح الفاء- الْعَبْسيّ -بالموحّدة- أبو العلاء، ويقال: أبو بكر الكوفيّ، تابعيّ كبير [٢].
رَوَى عن عمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وابن مسعود، وعلي، وابن عبّاس.
وروى عنه أبو وائل، وهو أكبر منه، ورِبْعيّ بن حِرَاش، وهو من أقرانه، والمُسْتَوْرِد ابْن الأحنف، وأبو إسحاق السبيعي، وأيوب السختياني، وغيرهم.
قال ابن خراش: كوفي ثقة. وقال الخطيب: كان ثقة. وروى ابن أبي حاتم من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن حذيفة، قال: قَلْبُ صلة بن زفر من ذهب -يعني أنه مُنَوَّرٌ كالذهب. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. ونقل ابن خَلْفُون توثيقه عن ابن نمير، وابن صالح -يعني العجلي-، وقال أبو وائل: لَقِيتُ صلة، وكان ما علمت بَرًّا.
وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وقال خليفة: مات في ولاية مُصْعَب بن الزُّبير، وكذا قال ابن سعيد، زاد: وكان ثقة، وله أحاديث.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث ١٣٥ و ١٣٦ و ٨٩٧ و ٩١٦ و ١٣٥١ و ١٦٤٥.
٤ - (حُذيفة) بن اليمان الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ ٧/ ٤٩، والباقون تقدّموا قريبًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصّحيح، بل رجال الجماعة، غير شيخه الأوّل، فهو من أفراده والنَّسائيّ في "مسند عليّ".
стр. 1420
٣ - (ومنها): أن السند الثّاني مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيّون.
٤ - (ومنها): أن شيخه الثّاني أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة.
٥ - (ومنها): أن فيه شعبةَ الإمام المتشدّد في المدلّسين، فكان ميزانًا لقبول معنعناتهم، فإذا وُجد شعبة في سند عنعن فيه مدلّس مثل هذا الإسناد، فقد عنعن فيه أبو إسحاق فإنّه مقبول؛ لأنه لا يروي عنهم إِلَّا ما صرّحوا بالتحديث والسماع، وقد كان ﵀ يقول: كفيتكم تدليس ثلاثة: أبي إسحاق -يعني المذكور في هذا السند- والأعمش، وقتادة، وقال أيضًا: كنت أتفقّد فم قتادة، فإذا قال: حَدَّثَنَا، وسمعت، حفظته، وإذا قال: حدّث فلانٌ تركته. انتهى. فهذه قاعدة مهمة جدًّا، وقلت في منظومتي "الجوهر النَّفْيس في نظم أسماء ومراتب الموصوفين بالتدليس":
وَكيْفَ لَا وَقَدْ كفَانَا عَلَنَا ... مِنْ شَرِّ تَدْلِيسِ ثَلَاثَةٍ لَنَا
قَتَادَةٍ ثُمَّ السَّبيعِي الأَعْمَشِ ... فَاقْنَعْ بِمَا قَالَ وَلَا تُفَتِّشِ
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُذَيْفَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لِأَهْلِ نَجْرَانَ) بفتح النون، وسكون الجيم: بلدة من بلاد هَمْدَان من اليمن، قَال البكريّ: سُمّيت باسم بانيها نَجْران بن زيد ابن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قحطان. قاله الفيّوميّ (١).
وقال في "الفتح": نجران بلد كبير، على سبع مراحل من مكّة إلى جهة اليمن، يشتمل على ثلاثة وسبعين قرية، مسيرة يوم للراكب السريع، كذا في زيادات يونس بن بكير بإسناد له في "المغازي"، وذكر ابن إسحاق أنهم وَفَدوا على رسول الله ﷺ بمكة، وهم حينئذ عشرون رجلًا، لكن أعاد ذكرهم في الوفود بالمدينة، فكأنهم قَدِموا مرتين. وقال ابن سعد: كان النّبيّ ﷺ كتب إليهم، فخرج إليه وَفْدهم في أربعة عشر رجلًا من
стр. 1421
أشرافهم. وعند ابن إسحاق أيضًا من حديث كُرْز بن علقمة أنهم كانوا أربعة وعشرين رجلًا، وسرد أسماءهم.
وقد أخرج البخاريّ في "المغازي" من "صحيحه" هذا الحديث مطوّلًا، فقال:
٤٣٨٥ - حدثني عبّاس بن الحسين، حَدَّثَنَا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صِلَة بن زُفَر، عن حذيفة قال: جاء العاقب، والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يُلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كَان نبيا فلاعنّا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نُعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إِلَّا أمينًا، فقال: "لأبعثنّ معكم رجلًا أمينًا حَقَّ أمين"، فاستشرف له أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح"، فلما قام قال رسول الله ﷺ : "هذا أمين هذه الأمة".
وقوله: "جاء السَّيِّد والعاقب صاحبا نجران"، أما السَّيِّد فكان اسمه الأيهم -بتحتانية ساكنة- ويقال: شُرَحبيل، وكان صاحب رحالهم، ومجتمعهم، ورئيسهم في ذلك، وأما العاقب فاسمه عبد المسيح، وكان صاحب مَشُورتهم، وكان معهم أيضًا أبو الحارث بن علقمة، وكان أُسْقُفَّهم، وحبرهم، وصاحب مِدْراسهم. قال ابن سعد: دعاهم النّبيّ ﷺ إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فامتنعوا، فقال: "أن أنكرتم ما أقول، فهَلُمّ أُبَاهِلكم"، فانصرفوا على ذلك.
وذكر ابن إسحاق بإسناد مرسل أن ثمانين آية من أول سورة آل عمران نزلت في ذلك، يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ الآية [آل عمران: ٦١].
وفي رواية يونس بن بكير أنه صالحهم على ألفي حلة: ألفٍ في رجب، وألف في صفر، ومع كلّ حلة أُوقِيّة، وساق الكتاب الّذي كتبه بينهم مطولًا. وذكر ابن سعد أن السَّيِّد والعاقب رجعا بعد ذلك فأسلما.
[تنبيه]: وقع في حديث أنس عند مسلم أن أهل اليمن قَدِمُوا على النّبيّ ﷺ ،
стр. 1422
فقالوا: ابعَث معنا رجلًا يُعَلِّمنا السنة والإسلام، فأخذ بيد أبي عبيدة، وقال: "هذا أمين هذه الأمة"، فإن كان الراوي تَجَوّز عن أهل نَجْران بقوله: أهل اليمن؛ لقرب نجران من اليمن، وإلا فهما واقعتان، والأول أرجح. قاله في "الفتح" (١).
(سَأَبْعَثُ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا) قال القرطبيّ ﵀: الأمانة ضدّ الخيانة، وهي عبارة عن قوّة الرَّجل على القيام بحفظ ما يوكَلُ إلى حفظه، ويُخلَّى بينه وبينه، وهي مأخوذة من قولهم: ناقة أَمُون، أي قويّة على الحمل والسير، فكأن الأمين هو الّذي يوثق به في حفظ ما يُوكَلُ إلى أمانته حتّى يؤدّيه لقوّته على ذلك. انتهى (حَقَّ أَمِينٍ) بنصب "حقّ" على أنه مصدر مضاف، وهو في موضع الصِّفَة، تقديره أمينًا محَقَّقًا في أمانته. قاله القرطبيّ (٢)، وقال غيره: أي بلغ في الأمانة الغاية القصوى، قيل: الأمانة كانت مشتركة بينه وبين غيره من الصّحابة، لكن النبيّ ﷺ خصّ بعضهم بصفات غلبت عليه، وكان أخصّ بها، وقيل: خصّه بالأمانة؛ لكمال هذه الصِّفَة فيه.
قاله السنديّ (٣) (قَالَ: فَتَشَرَّفَ) أي انتصب، وفي نسخة: "فتشوّف" بالواو: أي انتظر (لَهُ) أي للنبيّ ﷺ ، وفي نسخة: "لها" أي للولاية، وقوله: (النَّاسُ) بالرفع على الفاعليّة، يعني أنهم تطلّعوا عليها، ورغِبوا فيها، حرصًا أن يكونوا أمناء، لا أن يكونوا أمراء، ومنه "لا تتشرفوا للبلاء": أي لا تتطلّعوا إليه، ولا تتوقّعوه. أفاده في "المجمع" (٤) وفي رواية للبخاريّ: "فأشرف أصحابه"، وفي رواية مسلم والإسماعيلي: "فاستشرف لها أصحاب رسول الله" ﷺ ، قال في "الفتح": أي تَطَلّعوا للولاية، ورغبوا فيها حرصًا على تحصيل الصِّفَة المذكورة، وهي الأمانة، لا على الولاية من حيث هي. انتهى.
стр. 1423
وقال القرطبيّ: أي تشوّفوا، وتعرّضوا لمن هو الموجّه معهم، وكلهم يحرص على أن يكون هو المعنيّ، إذ كلّ واحد منهم أمين. انتهى (١).
ووقع في رواية لأبي يعلى من طريق سالم، عن أبيه، سمعت عمر يقول: "ما أحببت الإمارة قط إِلَّا مَرّة واحدة ... "، فذكر القصة، وقال في الحديث: "فتعرضت أن تُصِيبني، فقال: قم يا أبا عبيدة".
(فَبَعَث أبا عُبَيْدة بْنَ الجرَّاحِ) وفي رواية أبي يعلى: "قم يا أبا عبيدة، فأَرْسَلَهُ معهم"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حُذيفة ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا ١٩/ ١٣٥ و ١٣٦، وأخرجه (البخاريّ) في "المناقب" (٣٧٤٥) و"المغازي" (٤٣٨٠) و" أخبار الآحاد" (٧٢٥٤) و (مسلم) في "فضائل الصحابة" (٦٢٠٤) و (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٧٩٠) و (النَّسائيّ) في "الفضائل" (٨١٤٠ و ٨١٤١ و ٨١٤٢) و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٤١٢) و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" ١٢/ ١٣٦ و (أحمد) في "مسنده" (٢٣٢٧٢) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٩٩ و ٧٠٠٠) و (البغويّ) في "شرح السنة" (٣٩٢٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده (٢):
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل أبي عبيدة بن الجرَّاح ﵁، ففيه منقبه ظاهرة له ﵁ فقد خصّه الله تعالى بالحظ الأكبر والنصيب الأكثر من
стр. 1424
الأمانة، بحيث شهِد له بذلك الرسول المعصوم الّذي لا يفعل إِلَّا حقًّا، ولا يقول إِلَّا صدقًا، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، وصار له ذلك الاسمَ والعلمَ المعلوم، وقد ظهر ذلك من حاله للعيان (١)، حتّى استوى في معرفته كلّ إنسان، وذلك أن عمر ﵁ لَمَّا قَدِم الشّام مُتفقّدًا أحوال النَّاس والأُمراء، ودخل منازلهم، وبحث عنهم أراد أن يدخل منزل أبي عبيدة، وهو أمير على الشّام قد فُتحت عليه بلاده، وترادفت عليه فتوحاته وخيراته، واجتمعت له كنوزه وأمواله، فلما كلّمه عمر ﵁ في ذلك، قال له: يا أمير المؤمنين والله لئن دخلت منزلي لتعصِرَنّ عينيك، فلما دخل منزله لم يجد فيه شيئًا يرُدّ البصر أكثر من سلاحه، وأداة رحل بعيره، فبكى عمر ﵁، وقال: صدق رسول الله ﷺ : "أنت أمين هذه الأمّة"، أو كما قال.
وكان النبيّ ﷺ قد أخبر كلّ أحد من أعيان أصحابه ﷺ بما غلب عليه من أوصافه، وإن كانوا كلّهم فضلاء علماء حكماء مختارين لمختار، فقد صحّ عنه ﷺ فيما رواه الترمذيّ، وابن ماجه من حديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا: "أرحم أُمَّتي بأمتي أبو بكر، وأشدّهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، وأفرضهم زيد، وأقرؤهم أُبيّ، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة" (٢).
وأخرج الترمذيّ (٣٨٠١) وابن ماجة (١٥٦) أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو: "ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذرّ" (٣).
٢ - (ومنها): أن في قصة أهل نجران هذه أن إقرار الكافر بالنبوة لا يُدخله في الإسلام، حتّى يلتزم أحكام الإسلام.
٣ - (ومنها): بعث الإمام الرَّجل العالم الأمين إلى أهل الْهُدْنة في مصلحة الإسلام.
стр. 1425
٤ - (ومنها): جواز مجادلة أهل الكتاب، وقد تجب إذا تَعَيَّنت مصلحته.
٥ - (ومنها): مشروعية مباهلة المخالف إذا أصرّ بعد ظهور الحجة، وقد دعا ابنُ عبّاس إلى ذلك، ثمّ الأوزاعيّ، ووقع ذلك لجماعة من العلماء، قال الحافظ: ومما عُرِف بالتجربة أن من باهَلَ، وكان مُبطِلًا لا تمضى عليه سنة من يوم المباهلة، ووقع لي ذلك مع شخص كان يتعصب لبعض الملاحدة، فلم يُقِمْ شهرين.
٦ - (ومنها): مصالحة أهل الذِّمَّة على ما يراه الإمام من أصناف المال، ويَجرِي ذلك مَجْرَى ضرب الجزية عليهم، فإن كُلًّا منهما مال يؤخذ من الكفار على وجه الصَّغَار في كلّ عام.
[فإن قلت]: ذكر ابن إسحاق أن النّبيّ ﷺ بعث عليا إلى أهل نجران ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم، فكيف يجمع بينها وبين قصّة أبي عبيدة هذه؟.
[أجيب]: بأن قصة أبي عبيدة ﵁ هذه غير قصّة عليّ ﵁؛ لأن أبا عبيدة توجه معهم، فقَبَض مال الصلح، ورَجَع، وأما عليّ فأرسله النّبيّ ﷺ بعد ذلك يَقْبِض منهم ما استُحِقّ عليهم من الجزية، ويأخذ ممّن أسلم منهم ما وجب عليه من الصَّدقة. أفاده في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٣٦ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ عَبْدِ الله، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ: "هَذَا أَمِينُ هَذ الْأُمةِ").
رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدّموا في السند الماضي، غير:
١ - (يحيى بن آدم) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريا الكوفيّ، ثقة حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] ١١/ ٩٨.
стр. 1426
٢ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الْهَمْدانيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ [٧]. رَوَى عن جدّه، وزِيَاد بن عِلاقة، وزيد بن جُبَير، وعاصم بن بَهْدَلة، وعاصم الأحول، وسِمَاك بن حرب، والأعمش، وإسماعيل السُّدّيّ، ومَجْزأة بن زاهر الأسلميّ، وهشام بن عروة، ويوسف بن أبي بردة، وخلق كثير.
ورَوَى عنه ابنه مهديّ، وأبو أحمد الزُبيريّ، والنضر بن شُمَيل، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيّان، وعبد الرزّاق، ووكيع، ويحيى بن آدم، ومحمد بن سابق، وأبو غَسّان النَّهْديّ، وأبو نعيم، وعلى بن الجعد، وجماعة.
قال ابن مهديّ، عن عيسى بن يونس: قال لي إسرائيل، كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ السورة في القرآن، وقال على بن المديني، عن يحيى القطان: إسرائيل فوق أبي بكر بن عَيّاش، وقال حرب، عن أحمد بن حنبل: كان شيخنا ثقةً، وجَعَل يتعجب من حفظه، وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: إسرائيل، عن أبي إسحاق فيه لِين، سمع منه بأَخَرةٍ، وقال أبو طالب: سئل أحمد أَيُّما أثبت، شريك، أو إسرائيل؟ قال: إسرائيل، كان يؤدِّي ما سمع، كان أثبت من شريك، قلت: مَنْ أحب إليك، يونس، أو إسرائيل، في أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل؛ لأنه كان صاحب كتاب، وقال أبو داود: قلت لأحمد بن حنبل: إسرائيل إذا انفرد بحديث، يُحتَجّ به؛ قال: إسرائيل ثبت الحديث، كان يحيى -يعني القطان- يَحْمِل عليه في حال أبي يحيى القَتّات، وقال: رَوَى عنه مناكير، قال أحمد: ما حدث عنه يحيى بشيء، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: كان القطان لا يُحدث عن إسرائيل، ولا عن شريك وقال الدوريّ أيضًا: سئل يحيى بن معين عن إسرائيل، فقال: قال يحيى بن آدم كُنّا نكتب عنده من حفظه، قال يحيى: كان إسرائيل لا يحفظ، ثمّ حَفِظَ بعدُ، وقال أيضًا: إسرائيل أثبت في أبي إسحاق من شيبان، وقال أيضًا إسرائيل أثبت حديثًا من شريك، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، من أتقن أصحاب أبي إسحاق، وقال العجليّ: كوفيّ ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: صالح الحديث، وفي حديثه لِينٌ، وقال في موضع آخر: ثقةٌ صدوقٌ، وليس في الحديث بالقويّ، ولا بالساقط، وقال عيسى بن
стр. 1427
يونس: كان أصحابنا سفيان، وشريكٌ، وعَدّ قومًا إذا اختلفوا في حديث أبي إسحاق يجيئون إلى أبي، فيقول: اذهبوا إلى ابني إسرائيل، فهو أروى عنه مني، وأتقن لها مني، هو كان قائد جدّه، وقال شَبَابة بن سَوّار: قلت ليونس بن أبي إسحاق: أَمْلِ عليّ حديث أبيك، قال: اكتب عن ابني إسرائيل، فإن أبي أملاه عليه، وقال محمّد بن الحسين بن أبي الحُنَين: سمعت أبا نعيم، سئل أَيُّهما أثبت، إسرائيل، أو أبو عوانة؟ فقال: إسرائيل، وقال أبو داود: إسرائيل أصحّ حديثًا من شريك، وقال النَّسائيّ: ليس به بأس، وروى ابن البراء، عن عليّ بن المديني، إسرائيل ضعيف، وقال ابن أبي خيثمة: قيل ليحيى - يعني ابن معين-: رَوَى عن إبراهيم بن المهاجر ثلاثمائة، وعن أبي يحيى القَتّات ثلاثمائة، فقال: لم يُؤْتَ منه أُتِي منهما جميعًا انتهى.
قال الحافظ: فهذا رَدّ لتضعيف القطان له بذلك، وقال محمّد بن عبد الله بن نمير: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وحَدَّث عنه النَّاس حديثًا كثيرًا، ومنهم من يستضعفه، وقال ابن معين: زكريا، وزهير، وإسرائيل، حديثهم في أبي إسحاق قريب من السواء، إنّما أصحاب أبي إسحاق سفيان، وشعبة، وقال حجاج الأعور: قلنا لشعبة: حَدِّثنا حديث أبي إسحاق، قال: سلوا عنها إسرائيل، فإنّه أثبت فيها مني، وقال ابن مهديّ: إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة والثوري، وقال أبو عيسى الترمذيّ: إسرائيل ثَبْتٌ في أبي إسحاق، حَدَّثني محمّد بن المثنى، سمعت ابن مهديّ يقول: ما فاتني الّذي فاتني من حديث الثوري، عن أبي إسحاق إِلَّا لمّا اتَّكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتمّ، وطَوَّل ابن عديّ ترجمته، وسرد له أحاديث أفرادًا، وقال: هو ممّن يُحْتَجّ به، وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وأطلق ابن حزم ضعف إسرائيل، ورَدَّ به أحاديث من حديثه، فما صنع شيئًا (١).
стр. 1428
وقد تكلّم بعض أهل العلم في إسرائيل، منهم ابن المدينيّ، كما سبق بيانه، ومنهم ابن حزم، وغيرهما، قال الإمام الذهبيّ في "الميزان": إسرائيل اعتمده البخاريّ ومسلم في الأصول، وهو في الثبت كالأسطوانة، فلا يُلتفتُ إلى تضعيف من ضعّفه، وقد طوّل ابن عديّ ترجتمه، وسَرَد له جملة أحاديث أفراد، لكنه قال: ولإسرائيل أخبارٌ كثيرة غير ما ذكرته، وأضعافها عن الشيوخ، يروي عنهم، وحديثه الغالب عليه الاستقامة، وهو ممّن يُكتَب حديثه، ويُحتجّ به.
- وقال الذهبيّ في "الميزان" أيضًا: وكان إسرائيل مع حفظه وعلمه صالحًا خاشعًا لله، كبير القدر انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ أن إسرائيل ثقة ثبتٌ، كما قال به جلّ الأئمة، ولا حجة لمن ضعّفه، فلا يُلتفت إليه، والله تعالى أعلم.
وقال دُبَيس بن حُميد: وُلِد سنة مائة، ومات سنة (١٦١)، وقال أبو نعيم وغيره: مات سنة (١٦٠)، وقال خليفة، وابن سعد: مات سنة (١٦٢).
أخرج الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا.
٣ - (عبد الله) بن مسعود الصحابيّ الشهير ﵁، تقدّم في ٢/ ١٩.
وقوله: "لأبي عبيدة" أي في شأنه، لا أنه خاطبه؛ إذ مقول القول لا يناسب الخطّاب، قاله السنديّ (٢) وتمام شرح الحديث يُعْلَم ممّا سبق، وفيه:
مسألتان:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا صحيح.
стр. 1429
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (١٩/ ١٣٦) فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٣٩٣٠) و (النَّسائيّ) في "الفضائل" (٨١٤٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 1430
٢٠ - (فَضْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ ﵁ -)
هو: عبد الله بن مسعود بن غافل -بمعجمة، وفاء- ابن حبيب بن شَمْخ بن فار ابن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تيم بن سعد بن هُذَيل الهذلي، أبو عبد الرّحمن، حليف بني زهرة، وكان أبوه حالف عبدَ الحارث بن زُهْرة.
وأمه أم عبد الله بنت وَدّ بن سَوَاءة، أسلمت، وصَحِبت، أحد السابقين الأولين، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، والمشاهد بعدها، ولازم النّبيّ ﷺ ، وكان صاحب نعليه، وحدث عن النّبيّ ﷺ بالكثير، وعن عمر، وسعد بن معاذ، وروى عنه ابناه عبد الرّحمن، وأبو عبيدة، وابن أخيه عبد الله بن عتبة، وامرأته زينب الثقفية، وخلق كثير من الصّحابة والتابعين، ومات سنة (٣٢)، وتقدّم تمام ترجمته برقم ٢/ ١٩، والله تعالى أعلم.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٣٧ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَقَ، عَنِ الحارِثِ، عَنْ عِليٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَوْ كُنْتُ مُسْتَخْلِفًا أَحَدًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ لَاسْتَخْلَفْتُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة، وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، غير:
١ - (الحارث) بن عبد الله الأعور الكوفيّ، كذّبه الشعبيّ في رأيه، ورُمي بالرفض، وفي حديثه ضعفٌ [٢] ١١/ ٩٥.
٢ - (عليّ) بن أبي طالب ﵁ تقدّم في ٢/ ٢٠، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلِيٍّ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَوْ كُنْتُ مُسْتَخْلِفًا أَحَدًا) أي جاعلًا خليفةً على النَّاس (عَنْ) وفي نسخة بلفظ "من" (غَيْرِ مَشُورَةٍ) أي من دون استشارة أحد، و"الْمَشُورة" فيها لغتان، سكون الشين، وفتح الواو، والثّانية: ضمّ الشين، وسكون الواو، وزانُ مَعُونة، تقول: شاورته في كذا، واستشرتُهُ: إذا راجعته
стр. 1431
لترى رأيه فيه، فأشار عليّ بكذا: أراني ما عنده فيه من المصلحة، فكانت إشارةً حسنةً، والاسم الْمَشُورة، ويقال: إن الْمشُورة من شار الدابّةَ: إذا عَرَضَها في "الْمِشْوَار" وهو محلّ إجرائها لعرضها للبيع، ويقال: من شُرْتُ العسلَ من باب قال: إذا جَنَيته، شبّهَ حُسْنَ النصيحة بشرب العسل. أفاده الفيّوميّ (١).
(لَاسْتَخْلَفْتُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ) أي عبد الله بن مسعود ﵁، فأمّ عبد هي أمّه، اشتهر بالنسبة إليها، وقد سبق أنها أسلمت، وصحِبت.
قال التُورِبِشتيّ ﵀: لا بدّ أن يأوّل هذا الحديث على أنه ﷺ أراد به تأميره على جيش بعينه، أو استخلافه في أمر من أموره في حال حياته، ولا يجوز أن يُحمل على غير ذلك، فإنّه وإن كان من العلم والعمل بمكان، وله الفضائل الجَمَّة، والسوابق الجليلة، فإنّه لم يكن من قُريش، وقد نصّ رسول الله ﷺ على أن هذا الأمر في قريش، فلا يصلح حمله إِلَّا على الوجه الّذي ذكرناه. انتهى (٢).
وقال السنديّ ﵀: يحتمل أن يكون هذا الحديث قبل التنصيص على أن هذا الأمر في قريش، على أن سوق الحديث لإفادة أن ما يُحتاج إلى المشورة ممّا يتوقّف عليه أمر الاستخلاف من الكمالات كلّها موجودة في ابن مسعود وجودًا بيّنًا بحيث لا حاجة في استخلافه إلى مشورة لمعرفة تلك الكمالات، وهذا لا ينافي عدم صحّة استخلافه؛ لعدم كونه من قريش، فليُتأمل. انتهى كلام السنديّ (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الّذي قاله السنديّ رحمه الله تعالى تحقيقٌ نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 1432
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عليّ ﵁ هذا ضعيف؛ لأجل الكلام في الحارث.
[فإن قلت]: لم ينفرد به الحارث، فقد تابعه عاصم بن ضمرة، عن عليّ ﵁، أخرج النَّسائيّ في "الفضائل" من "الكبرى"، من طريق منصور، بن المعتمر، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن عليّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كنتُ مُستخلفًا أحدًا على أُمَّتي من غير مشُورة لاستخلفتُ عليهم عبد الله بن مسعود"، وهذا إسناد رجاله ثقات، وعاصم بن ضمرة السِّلُوليّ الكوفيّ، وإن تكلّم فيه ابن حبّان، وابن عديّ، فقد وثّقه ابن المدينيّ، والعجليّ، ويحيى بن معين، وغيرهم.
[قلت]: رواية عاصم أعلها بعضهم بأن زهير بن معاوية خالف القاسم بن معن، عن منصور، فقال: عن أبي إسحاق، عن الحارث، وزهير أوثق من القاسم، وأيضًا روايته موافقة لرواية الثّوريّ، عن أبي إسحاق، عن الحارث، فالحديث له، لا دخل لعاصم فيه، وقد أشار إلى هذا الترمذيّ، حيث قال: "حديث غريب، إنّما نعرفه من حديث الحارث، عن عليّ". انتهى، وكذا قال البغويّ (١).
والحاصل أن الحديث ضعيف، والله تعالى أعلم.
(المسألةُ الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٢٠/ ١٣٧) وأخرجه (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨٠٨) و (٣٨٠٩) و (النَّسائيّ) في "الفضائل" (٨٢١٠) من طريق عاصم، عن عليّ ﵁ و (أحمد) في "مسنده" (٥٦٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 1433
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٣٨ - (حَدَّثَنَا الحسَنُ بْنُ عَليٍّ الخلَّالُ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَن زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ بَشَّرَاهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَما أُنزِلَ، فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الحسن بن عليّ الْخَلال) هو: الحسن بن علي بن محمّد الْهُذَلي الخلال، أبو علي، وقيل: أبو محمّد الْحُلْوَانيّ -بضمّ المهملة، وسكون اللام- نزيل مكّة، ثقة حافظ، له تصانيف [١١].
رَوَى عن عبد الله بن نمير، وأبي أُسامة، ويحيى بن آدم، وزيد بن الحباب، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وبشر بن عمر الزهراني، ويعقوب بن إبراهيم، وغيرهم.
ورَوَى عنه الجماعة، سوى النَّسائيُّ، وإبراهيمُ الحربيّ، وجعفر الطيالسي، وابن أبي عاصم، ومحمد بن إسحاق السرّاج، ومُطَيَّن، وغيرهم.
قال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتًا. وقال أبو داود: كان عالمًا بالرجال، وكان لا يستعمل علمه. وقال أيضًا: كان لا ينتقد الرجال. وقال النَّسائيُّ: ثقة. وقال داود بن الحسين البيهقي: بلغني أن الحلواني قال: لا أُكَفّر مَنْ وقف في القرآن، قال داود: فسألت سلمة بن شبيب عن الحلواني، فقال: يُرْمَى في الحش، من لم يَشْهَد بكفر الكافر فهو كافر. وقال الإمام أحمد: ما أعرفه بطلب الحديث، ولا رأيته يطلبه، ولم يحمده، ثمّ قال: يبلغني عنه أشياء أكرهها. وقال مرّة: أهل الثغر عنه غير راضين، أو ما هذا معناه. وقال الخطيب أبو بكر: كان ثقةً حافظًا، وساق بإسناده إليه أنه قال القرآن كلام الله غير مخلوق، ما نعرف غير هذا. قال اللالكائي: مات سنة (٢٤٢)، وزاد غيره: في ذي الحجة، وهذا قول البخاريّ في "تاريخه"، وقال التّرمذيّ: حَدَّثَنَا الحسن بن علي، وكان حافظًا. وقال ابن عدي: له كتاب صنفه في السنن. وقال الخليلي: كان يُشَبَّهُ بأحمد في سَمْتِه وديانته. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات".
стр. 1434
أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والمصنّف، وله في هذا الكتاب (٢٤) حديثًا.
٢ - (يحيى بن آدم) المذكور في الباب الماضي.
٣ - (أبو بكر بن عيّاش) -بتحتانيّة، ومعجمة- ابن سالم الأسديّ الكوفيّ المقرىء الحنّاط -بمهملة، ونون- مولى واصل الأحدب، مشهور بكنيته، والأصحّ أما اسمه، وقيل: اسمه محمّد، أو عبد الله، أو سالم، أو شعبة، أو رؤبة، أو مسلم، أو خِدَاش، أو مُطَرّف، أو حمّاد، أو حبيب، عشرة. أقوال، ثقة، عابدٌ، إِلَّا أنه لمّا كبِر ساء حفظه، وكتابه صحيح [٧].
رَوَى عن أبيه، وأبي إسحاق السبيعي، وأبي حَصِين عثمان بن عاصم، وعبد العزيز بن رُفيع، وعبد الملك بن عُمير، ويزيد بن أبي زياد، وغيرهم.
وروى عنه الثّوريّ، وابن المبارك، وأبو داود الطيالسي، وأسود بن عامر شاذان، ويحيى بن يحيى بن آدم، وابن مهدي، وأبو نعيم، وابن المديني، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وابنا أبي شيبة، وإسماعيل بن أبان الورَّاق، وخلق كثير.
قال الحسن بن عيسى: ذكر ابن المبارك أبا بكر بن عياش، فأثنى عليه. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: صدوق، صاحب قرآن وخير. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة وربما غَلِط. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: فأبو الأحوص أحب إليك في أبي إسحاق أو أبو بكر بن عياش؟ قال: ما أقربهما، قلت: الحسن بن عياش أخو أبي بكر كيف حديثه؟ قال: هو ثقة، قال عثمان: هما من أهل الصدق والأمانة، وليسا بذاك في الحديث. قال: وسمعت محمّد بن عبد الله بن نمير يُضَعِّف أبا بكر في الحديث، قلت: كيف حاله في الأعمش؟ قال: هو ضعيف في الأعمش وغيره. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي بكر بن عياش وأبي الأحوص، فقال: ما أقربهما، لا أبالي بأيهما بدأت، قال: وسئل إبي عن شريك، وأبي بكر بن عياش أيهما أحفظ؟ فقال: هما في الحفظ سواء، غير أن أبا بكر أصح كتابًا، قلت لأبي: أبو بكر أو عبد الله بن بشر الرَّقّيّ؟ قال: أبو بكر
стр. 1435
أحفظ منه وأوثق. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات".
وقال ابن عدي: أبو بكر هذا كوفي مشهور، وهو يروي عن أجلة النَّاس، وحديثه فيه كثرة، وهو من مشهوري مشايخ الكوفة وقرائهم، وعن عاصم بن بَهْدلة أحذ القراءةَ، وهو في كلّ رواياته عن كلّ مَنْ رَوَى عنه لا بأس به، وذلك أنِّي لم أجد له حديثًا منكرًا إذا روى عنه ثقة، إِلَّا أن يروي عن ضعيف. وقال أحمد بن شَبّويه عن الفضل بن موسى: قلت لأبي بكر بن عياش: ما اسمك؟ قال: وُلدت وقد قُسِمت الأسماء. وقال أبو حاتم الرَّازيُّ: سألت إبراهيم بن أبي بكر بن عياش عن أبيه، فقال: اسمه وكنيته واحد. قال إبراهيم بن شَمّاس: سمعت إبراهيم بن أبي بكر بن عياش قال: لما نُزِل بأبي الموت قلت: يا أبت ما اسمك؟ قال: يا بني إن أباك لم يكن له اسم، وإن أباك أكبر من سفيان بأربع سنين، وإنه لم يأت فاحشة قط، وإنه يختم القرآن من ثلاثين سنة كلّ يوم مرّة.
وقال ابن حبّان: اختلفوا في اسمه، والصّحيح أن اسمه كنيته، وكان من العباد الحفاظ المتقنين، وكان يحيى القطان وعلي بن المديني يسيئان الرأي فيه، وذلك أنه لما كَبِر ساء حفظه، فكان يَهِم إذا روى، والخطأ والوهم شيئان لا ينفك عنهما البشر، فمن كان لا يَكثُر ذلك منه فلا يستحق ترك حديثه بعد تقدّم عدالته، وكان شريك يقول: رأيت أبا بكر عند أبي إسحاق يأمر وينهى كأنه رب البيت، مات هو وهارون الرشيد في شهر واحد سنة ثلاث وتسعين ومائة، وكان قد صام سبعين سنة وقامها، وكان لا يُعلم له باللّيل نوم، والصواب في أمره مجانبة ما عُلم أنه أخطأ فيه، والاحتجاج بما يرويه سواءٌ وافق الثقات أو خالفهم. وقال العجلي: كان ثقة قديمًا، صاحب سنة وعبادة، وكان يخطئ بعض الخطأ، تعبد سبعين سنة.
وقال ابن سعد: عُمّر حتّى كتب عنه الأحداث، وكان من العباد، نزل بالكوفة في جمادى الأولى في الشهر الّذي مات فيه الرشيد، وكان ثقةً صدوقًا عارفًا بالحديث والعلّم، إِلَّا أنه كثير الغلط. وقال أبو عمر بن عبد البرّ: إن صح له اسم فهو شعبة، وهو
стр. 1436
الّذي صححه أبو زرعة لرواية أبي سعيد الأشجّ عن أبي أحمد الزبيري قال: سمعت سفيان الثّوريّ يقول للحسن بن عياش: أَقَدِمَ شعبةُ، وكان أبو بكر غائبًا، قال أبو عمر: كان الثّوريّ، وابن المبارك، وابن مهدي يُثْنُون عليه، وهو عندهم في أبي إسحاق مثل شريك وأبي الأحوص، إِلَّا أنه يَهِمُ في حديثه، وفي حفظه شيء.
وقال ابن حبّان أيضًا: مولده سنة خمس أو ست وتسعين. وقال ابن أبي داود: قال أحمد بن حنبل. أحسب أن مولده سنة مائة، وكان يقول: أنا نصف الإسلام، وكان جليلًا. وقال التّرمذيّ: مات سنة اثنتين وتسعين. وقال أبو موسى: مات سنة ثلاث. وقال ابن أبي داود: قال محمّد بن إسماعيل: مات سنة أربع وتسعين.
أخرج له البخاريّ، ومسلم في "المقدِّمة"، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٣٦) حديثًا.
٤ - (عاصم) بن بَهْدلة، وهو ابن أبي النَّجُود -بنون، وجيم- الأسديّ مولاهم الكوفيّ، أبو بكر المقرىء، قال أحمد وغيره: بَهْدَلة هو أبو النجود، وقال عمرو بن علي وغيره: هو اسم أمه، وخطأه أبو بكر بن أبي داود، ثقة يَهِم (١)، حجة في القراءة، وحديثه في "الصحيحين" مقرون بغيره [٦].
رَوَى عن زر بن حُبيش، وأبي عبد الرّحمن السُّلَمي، وقرأ عليهما القراءات، وأبي وائل، وأبي صالح السمان، وأبي رَزِين، والمسيب بن رافع، ومصعب بن سعد، وغيرهم.
وروى عنه الأعمش ومنصور، وهما من أقرانه، وعطاء بن أبي رباح، وهو أكبر منه، وشعبة، والسفيانان، وسعيد بن أبي عروبة، والحمادان، وزائدة، وأبو خيثمة، وشريك، وأبو عوانة، وحفص بن سليمان، وأبو بكر بن عياش، وقرأ عليه، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة، إِلَّا أنه كان كثير الخطأ في حديثه. وقال عبد الله بن أحمد
стр. 1437
عن أبيه: كان رجلًا صالحًا قارئًا للقرآن، وأهل الكوفة يختارون قراءته، وأنا أختارها، وكان خَيِّرًا، ثقة، والأعمش أحفظ منه، وكان شعبة يختار الأعمش عليه في ثبت الحديث. وقال أيضًا: عاصم صاحب قرآن، وحماد صاحب فقه، وعاصم أحب إلينا.
وقال ابن معين: لا بأس به.
وقال العجلي: كان صاحب سنة وقراءة، وكان ثقةً، رأسا في القراءة، ويقال: إن الأعمش قرأ عليه، وهو حَدَثٌ، وكان يُخْتَلَف عليه في زر وأبي وائل وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه اضطراب، وهو ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: صالح، وهو أكثر حديثًا من أبي قيس الأودي، وأشهر وأحب إلي منه، وهو أقل اختلافًا عندي من عبد الملك بن عُمير، قال: وسألت أبا زرعة عنه، فقال: ثقة، قال: وذكره أبي، فقال: محله عندي محل الصدق، صالح الحديث، وليس محله أن يقال: هو ثقة، ولم يكن بالحافظ.
وقد تكلم فيه ابن عُلَيّة، فقال: كان كلّ من اسمه عاصم سيء الحفظ (١). وقال النَّسائيُّ: ليس به بأس.
وقال ابن خراش: في حديثه نُكْرة. وقال العقيليّ: لم يكن فيه إِلَّا سوء الحفظ.
وقال الدارقطني: في حفظه شيء. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق يقول: ما رأيت أقرأ من عاصم. وقال شهاب بن عباد عن أبي بكر بن عياش: دخلت على عاصم، وقد احتُضِر، فجعلت أسمعه يُرَدِّد هذه الآية، يُحققها كأنه في المحراب: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]، قال خليفة، وابن بكير: مات سنة سبع وعشرين. وقال ابن سعد وغيره: مات سنة ثمان وعشرين ومائة، أخرج له الشيخان مقرونًا بغيره، أخرج له البخاريُّ أربعة أحاديث، برقم (٤٩٧٦ و ٤٩٧٧ و ٦٥٧٦ و ٧٠٦٧) ولم يُخرج له مسلم سوى حديث أبي بن كعب في ليلة القدر برقم (٧٦٢)، وأخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب (٢٩) حديثًا.
стр. 1438
٥ - (زِرّ) بن حُبيش بن حُبَاشة الأسديّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقة جليل مخضرم [٢] ١٤/ ١٤.
٦ - (عبد الله بن مسعود) ﵁ المذكور قريبًا.
٧ - (أبو بكر) الصدّيق ﵁ تقدّم في ١١/ ٩٣.
٨ - (عمر) بن الخطّاب ﵁ تقدّم في ١٠/ ١٠٢، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصّحيح، وقد عرفت ما مرّ في عاصم.
٣ - (ومنها): أن معظمه مسلسل بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أَنَّ فيه رواية صحابيّ عن صحابيين ﵃، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُود) ﵁ (أَنَّ أَبَا بَكْرِ) الصدّيق ﵁ (وَعُمَرَ) بن الخطّاب ﵁ (بَشَّرَاهُ) بتخفيف الشين المعجمة، وتشديدها، يقال: بَشَرْتُهُ أَبْشُرُهُ بَشرًا، من باب نصر في لغة تِهَامةَ وما والاها، والاسم منه بُشْرٌ -بضمّ الباء، والتعدية بالتثقيل لغة عامّة العرب، وقرأ السبعة باللغتين، قال ابن مجاهد: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ في كلّ القرآن مشدّدًا إِلَّا في الشُّورى، ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ [الشورى: ٢٣] فإنهما قرآ بضم الشين مخفّفًا، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ﴿يُبَشِّركِ﴾ مشدّدًا في جميع القرآن، وقرأ حمزة ﴿يُبَشِرُ﴾ ممّا لم يقع خفيفًا في كلّ القرآن إِلَّا قوله: ﴿فَبِمَ تبشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] وقرأ الكسائيّ ﴿يُبَشِّرُ﴾ مخفّفًا في خمسة مواضع: [آل عمران: ٣٩ و ٤٥]، وفي [الإسراء: ٩]، و [الكهف: ٢]، وفي [الشورى: ٢٣] (١).
(أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: مَنْ) شرطيّة، أو موصولة مبتدأ (أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ
стр. 1439
غَضًّا) -بفتح الغين، وتشديد الضاد المعجمتين- قال ابن الأثير: "الغضّ": الطريّ الّذي لم يتغيّر، أراد طريقه في القراءة، وهيأته فيها، وقيل: أراد بالآيات الّتي سمعها منه من أول "سورة النِّساء" إلى قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّساء: ٤١]. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول الأخير غير صحيح؛ إذ فيه تخصيص للعامّ من غير دليل، ومما يُبطله ما أخرجه النَّسائيّ بإسناد صحيح من طريق علقمة، وخيثمة كلاهما عن قيس بن مروان، قال: جاء رجل إلى عمر، فقال عمر: من أين جئت؟ قال: من العراق، وتركتُ بها رجلًا يُملي المصحف عن ظهر قلبه، قال: من هو؟ قال: ابن مسعود، قال: ما في النَّاس أحدٌ أحقّ بذلك منه، ثمّ قال: أُحدّثك عن ذلك، سَمَرْنا مع رسول الله ﷺ في بيت أبي بكر، فخرجنا، فسمعنا قراءة رجل في المسجد، فتسمّع، فقيل: رجل من المهاجرين يصلّي، قال: "سَلْ تُعْطه" ثلاثًا، ثمّ قال: "من أراد أن يقرأ القرآن رطبًا كما أُنزل، فليقرأه كما يقرأ ابن أمّ عبد"، والله تعالى أعلم.
(كَمَا أُنْزِلَ) بالبناء للمفعول، أي على الوجه الّذي أنزله الله (فَليَقرَأهُ عَلى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ) وفي نسخة: "فليقرأ قراءة ابن أم عبد"، يعني عبد الله بن مسعود ﵁. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي بكر وعمر ﵄ هذا صحيح، وعاصم ثقة، ولم ينفرد به، فقد أخرجه النَّسائيّ في "الفضائل" من "الكبرى" (٨١٩٨ و ٨١٩٩ و ٨٢٠٠) بأسانيد صحيحة، من طريق خيثمة، وعلقمة، كلاهما عن قيس بن مروان، عن عمر ﵁، والله تعالى أعلم.
стр. 1440
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٢٠/ ١٣٨) فقط، وهو من أفراده، فلم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) ١/ ٧ و ٤٤٥ و ٤٤٦ و ٤٥٤ وفي "فضائل الصّحابة" (١٥٥٤) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٠٦٦) و (٧٠٦٧) و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٦) و (١٧) و (٥٠٥٨) و (٥٠٥٩) و (البزّار) في "مسنده" ٢٦٨١ و (الطبرانيّ) (٨٤١٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل عبد الله بن مسعود ﵁.
٢ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من كشف مزايا أصحابه الكرام، وإبرازه
للناس حتّى يعرفوا فضلهم، ويقتدوا بهم.
٣ - (ومنها): بيان فضل تحسين قراءة القرآن.
٤ - (ومنها): جواز مدح الإنسان بما فيه، تشجيعًا له، وحملًا لغيره على الاقتداء به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٣٩ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : "إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ تَرْفَعَ الحِجَابَ، وَأَنْ تَسْمَعَ سِوَادِي، حَتَّى أَنهَاكَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عليّ بن محمّد) الطنافسيّ المذكور قبل حديث.
٢ - (عبد الله بن إدريس) الأوديّ الكوفيّ الثقة الثبت المذكور قبل بابين.
٣ - (الحسن بن عبيد الله) بن عروة النخعيّ، أبو عروة الكوفيّ، ثقة فاضل [٦].
رَوَى عن إبراهيم بن يزيد، وإبراهيم بن سُوَيْد النخعيين، وإبراهيم بن يزيد التيمي، وزيد بن وهب، وأبي عمرو الشيباني، وغيرهم.