← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

الّذي صححه أبو زرعة لرواية أبي سعيد الأشجّ عن أبي أحمد الزبيري قال: سمعت سفيان الثّوريّ يقول للحسن بن عياش: أَقَدِمَ شعبةُ، وكان أبو بكر غائبًا، قال أبو عمر: كان الثّوريّ، وابن المبارك، وابن مهدي يُثْنُون عليه، وهو عندهم في أبي إسحاق مثل شريك وأبي الأحوص، إِلَّا أنه يَهِمُ في حديثه، وفي حفظه شيء. وقال ابن حبّان أيضًا: مولده سنة خمس أو ست وتسعين. وقال ابن أبي داود: قال أحمد بن حنبل. أحسب أن مولده سنة مائة، وكان يقول: أنا نصف الإسلام، وكان جليلًا. وقال التّرمذيّ: مات سنة اثنتين وتسعين. وقال أبو موسى: مات سنة ثلاث. وقال ابن أبي داود: قال محمّد بن إسماعيل: مات سنة أربع وتسعين. أخرج له البخاريّ، ومسلم في "المقدِّمة"، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٣٦) حديثًا. ٤ - (عاصم) بن بَهْدلة، وهو ابن أبي النَّجُود -بنون، وجيم- الأسديّ مولاهم الكوفيّ، أبو بكر المقرىء، قال أحمد وغيره: بَهْدَلة هو أبو النجود، وقال عمرو بن علي وغيره: هو اسم أمه، وخطأه أبو بكر بن أبي داود، ثقة يَهِم (١)، حجة في القراءة، وحديثه في "الصحيحين" مقرون بغيره [٦]. رَوَى عن زر بن حُبيش، وأبي عبد الرّحمن السُّلَمي، وقرأ عليهما القراءات، وأبي وائل، وأبي صالح السمان، وأبي رَزِين، والمسيب بن رافع، ومصعب بن سعد، وغيرهم. وروى عنه الأعمش ومنصور، وهما من أقرانه، وعطاء بن أبي رباح، وهو أكبر منه، وشعبة، والسفيانان، وسعيد بن أبي عروبة، والحمادان، وزائدة، وأبو خيثمة، وشريك، وأبو عوانة، وحفص بن سليمان، وأبو بكر بن عياش، وقرأ عليه، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة، إِلَّا أنه كان كثير الخطأ في حديثه. وقال عبد الله بن أحمد

стр. 1437

عن أبيه: كان رجلًا صالحًا قارئًا للقرآن، وأهل الكوفة يختارون قراءته، وأنا أختارها، وكان خَيِّرًا، ثقة، والأعمش أحفظ منه، وكان شعبة يختار الأعمش عليه في ثبت الحديث. وقال أيضًا: عاصم صاحب قرآن، وحماد صاحب فقه، وعاصم أحب إلينا. وقال ابن معين: لا بأس به. وقال العجلي: كان صاحب سنة وقراءة، وكان ثقةً، رأسا في القراءة، ويقال: إن الأعمش قرأ عليه، وهو حَدَثٌ، وكان يُخْتَلَف عليه في زر وأبي وائل وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه اضطراب، وهو ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: صالح، وهو أكثر حديثًا من أبي قيس الأودي، وأشهر وأحب إلي منه، وهو أقل اختلافًا عندي من عبد الملك بن عُمير، قال: وسألت أبا زرعة عنه، فقال: ثقة، قال: وذكره أبي، فقال: محله عندي محل الصدق، صالح الحديث، وليس محله أن يقال: هو ثقة، ولم يكن بالحافظ. وقد تكلم فيه ابن عُلَيّة، فقال: كان كلّ من اسمه عاصم سيء الحفظ (١). وقال النَّسائيُّ: ليس به بأس. وقال ابن خراش: في حديثه نُكْرة. وقال العقيليّ: لم يكن فيه إِلَّا سوء الحفظ. وقال الدارقطني: في حفظه شيء. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق يقول: ما رأيت أقرأ من عاصم. وقال شهاب بن عباد عن أبي بكر بن عياش: دخلت على عاصم، وقد احتُضِر، فجعلت أسمعه يُرَدِّد هذه الآية، يُحققها كأنه في المحراب: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]، قال خليفة، وابن بكير: مات سنة سبع وعشرين. وقال ابن سعد وغيره: مات سنة ثمان وعشرين ومائة، أخرج له الشيخان مقرونًا بغيره، أخرج له البخاريُّ أربعة أحاديث، برقم (٤٩٧٦ و ٤٩٧٧ و ٦٥٧٦ و ٧٠٦٧) ولم يُخرج له مسلم سوى حديث أبي بن كعب في ليلة القدر برقم (٧٦٢)، وأخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب (٢٩) حديثًا.

стр. 1438

٥ - (زِرّ) بن حُبيش بن حُبَاشة الأسديّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقة جليل مخضرم [٢] ١٤/ ١٤. ٦ - (عبد الله بن مسعود) ﵁ المذكور قريبًا. ٧ - (أبو بكر) الصدّيق ﵁ تقدّم في ١١/ ٩٣. ٨ - (عمر) بن الخطّاب ﵁ تقدّم في ١٠/ ١٠٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصّحيح، وقد عرفت ما مرّ في عاصم. ٣ - (ومنها): أن معظمه مسلسل بالكوفيين. ٤ - (ومنها): أَنَّ فيه رواية صحابيّ عن صحابيين ﵃، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُود) ﵁ (أَنَّ أَبَا بَكْرِ) الصدّيق ﵁ (وَعُمَرَ) بن الخطّاب ﵁ (بَشَّرَاهُ) بتخفيف الشين المعجمة، وتشديدها، يقال: بَشَرْتُهُ أَبْشُرُهُ بَشرًا، من باب نصر في لغة تِهَامةَ وما والاها، والاسم منه بُشْرٌ -بضمّ الباء، والتعدية بالتثقيل لغة عامّة العرب، وقرأ السبعة باللغتين، قال ابن مجاهد: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ في كلّ القرآن مشدّدًا إِلَّا في الشُّورى، ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ [الشورى: ٢٣] فإنهما قرآ بضم الشين مخفّفًا، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ﴿يُبَشِّركِ﴾ مشدّدًا في جميع القرآن، وقرأ حمزة ﴿يُبَشِرُ﴾ ممّا لم يقع خفيفًا في كلّ القرآن إِلَّا قوله: ﴿فَبِمَ تبشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] وقرأ الكسائيّ ﴿يُبَشِّرُ﴾ مخفّفًا في خمسة مواضع: [آل عمران: ٣٩ و ٤٥]، وفي [الإسراء: ٩]، و [الكهف: ٢]، وفي [الشورى: ٢٣] (١). (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: مَنْ) شرطيّة، أو موصولة مبتدأ (أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ

стр. 1439

غَضًّا) -بفتح الغين، وتشديد الضاد المعجمتين- قال ابن الأثير: "الغضّ": الطريّ الّذي لم يتغيّر، أراد طريقه في القراءة، وهيأته فيها، وقيل: أراد بالآيات الّتي سمعها منه من أول "سورة النِّساء" إلى قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّساء: ٤١]. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول الأخير غير صحيح؛ إذ فيه تخصيص للعامّ من غير دليل، ومما يُبطله ما أخرجه النَّسائيّ بإسناد صحيح من طريق علقمة، وخيثمة كلاهما عن قيس بن مروان، قال: جاء رجل إلى عمر، فقال عمر: من أين جئت؟ قال: من العراق، وتركتُ بها رجلًا يُملي المصحف عن ظهر قلبه، قال: من هو؟ قال: ابن مسعود، قال: ما في النَّاس أحدٌ أحقّ بذلك منه، ثمّ قال: أُحدّثك عن ذلك، سَمَرْنا مع رسول الله ﷺ في بيت أبي بكر، فخرجنا، فسمعنا قراءة رجل في المسجد، فتسمّع، فقيل: رجل من المهاجرين يصلّي، قال: "سَلْ تُعْطه" ثلاثًا، ثمّ قال: "من أراد أن يقرأ القرآن رطبًا كما أُنزل، فليقرأه كما يقرأ ابن أمّ عبد"، والله تعالى أعلم. (كَمَا أُنْزِلَ) بالبناء للمفعول، أي على الوجه الّذي أنزله الله (فَليَقرَأهُ عَلى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ) وفي نسخة: "فليقرأ قراءة ابن أم عبد"، يعني عبد الله بن مسعود ﵁. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي بكر وعمر ﵄ هذا صحيح، وعاصم ثقة، ولم ينفرد به، فقد أخرجه النَّسائيّ في "الفضائل" من "الكبرى" (٨١٩٨ و ٨١٩٩ و ٨٢٠٠) بأسانيد صحيحة، من طريق خيثمة، وعلقمة، كلاهما عن قيس بن مروان، عن عمر ﵁، والله تعالى أعلم.

стр. 1440

(المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٢٠/ ١٣٨) فقط، وهو من أفراده، فلم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) ١/ ٧ و ٤٤٥ و ٤٤٦ و ٤٥٤ وفي "فضائل الصّحابة" (١٥٥٤) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٠٦٦) و (٧٠٦٧) و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٦) و (١٧) و (٥٠٥٨) و (٥٠٥٩) و (البزّار) في "مسنده" ٢٦٨١ و (الطبرانيّ) (٨٤١٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثّالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل عبد الله بن مسعود ﵁. ٢ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من كشف مزايا أصحابه الكرام، وإبرازه للناس حتّى يعرفوا فضلهم، ويقتدوا بهم. ٣ - (ومنها): بيان فضل تحسين قراءة القرآن. ٤ - (ومنها): جواز مدح الإنسان بما فيه، تشجيعًا له، وحملًا لغيره على الاقتداء به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٣٩ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : "إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ تَرْفَعَ الحِجَابَ، وَأَنْ تَسْمَعَ سِوَادِي، حَتَّى أَنهَاكَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عليّ بن محمّد) الطنافسيّ المذكور قبل حديث. ٢ - (عبد الله بن إدريس) الأوديّ الكوفيّ الثقة الثبت المذكور قبل بابين. ٣ - (الحسن بن عبيد الله) بن عروة النخعيّ، أبو عروة الكوفيّ، ثقة فاضل [٦]. رَوَى عن إبراهيم بن يزيد، وإبراهيم بن سُوَيْد النخعيين، وإبراهيم بن يزيد التيمي، وزيد بن وهب، وأبي عمرو الشيباني، وغيرهم.

стр. 1441

وروى عنه شعبة، والسفيانان، وزائدة، وأبو إسحاق الفزاري، وعبد الله بن إدريس، وعبد الواحد بن زياد، وجرير بن عبد الحميد، وجعفر بن غياث، ومحمد بن فضيل، وغيرهم. قال ابن المديني: له نحو ثلاثين حديثًا أو أكثر. وقال ابن معين: ثقة صالح. وقال العجلي، وأبو حاتم: ثقة. وقال الساجيّ: صدوق. وقال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: أيما أعجب إليك، الحسن بن عبيد الله، أو الحسن بن عمرو؟ قال: الحسن بن عمرو أثبتهما، وهما جميعًا ثقتان صدوقان. وقال يعقوب بن سفيان: كان من خيار أهل الكوفة. وقال البخاريّ: لم أُخرج حديث الحسن بن عبيد الله؛ لأن عامة حديثه مضطرب. وضعفه الدارقطني بالنسبة للأعمش، فقال في "العلل" بعد أن ذكر حديثًا للحسن خالفه فيه الأعمش: الحسن ليس بالقوي، ولا يقاس بالأعمش. قال عمرو بن علي: مات سنة (١٣٩) وكذا قال ابن حبّان في "الثِّقات"، وزاد: وقيل سنة (٤٢). أخرج له مسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٣٩) وحديث رقم (١٧٦٧). ٤ - (إبراهيم بن سُويد) النخعيّ الكوفيّ الأعور ثقة [٦]. رَوَى عن الأسود بن يزيد، وعبد الرّحمن بن يزيد، وعلقمة بن قيس. ورَوَى عنه الحسن بن عبد الله النخعي، وزبيد بن الحارث اليامي، وسلمة بن كهيل. قال ابن معين: مشهور. وقال النَّسائيُّ: ثقة. ونقل صاحب "الميزان" تبعًا لابن الجوزي أن النَّسائيُّ ضعفه، ولكن لم يثبُت هذا عن النَّسائيّ (١). وقال الدارقطني: ليس في حديثه شيء منكر، إنّما هو حديث السّهو، وحديث الدعا (٢). قال العجليّ: ثقة.

стр. 1442

وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". أخرج له مسلم الحديثين المذكورين، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٥ - (عبد الرّحمن بن يزيد) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقة من كبار [٣]. رَوَى عن أخيه الأسود، وعمه علقمة، وعن حذيفة، وعثمان، وابن مسعود، وسَلْمان، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي موسى، وعائشة، والأشتر النخعي. ورَوى عنه ابنه محمّد، وإبراهيم بن يزيد النخعي، وعُمارة بن عمير، وأبو إسحاق السبيعي، وإبراهيم ابن مهاجر، وسلمة بن كهيل، وغيرهم. قال: ابن معين: ثقة. وقال: العجليّ: كوفي تابعي ثقة. وقال: الدارقطنيّ: هو أخو الأسود، وابن أخي علقمة، وكلهم ثقات. وقال: ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث كثيرة، تُوُفِّي في ولاية الحجاج قبل الجماجم. وقال يحيى ابن بكير سنة (٧٣)، وقال عمرو بن علي: مات في الجماجم سنة ثلاث وثمانين. وقال: ابن حبّان في "الثِّقات": قتل في الجماجم سنة (٨٣). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث برقم ١٣٩ و ٣١٦ و ١٣٦٨ و ١٣٦٩ و ١٥٨٦ و ١٨٤٠ و٣٠٣٠ و ٣٣٤٦. ٦ - (عبد الله) بن مسعود ﵁ المذكور قريبًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الصّحيح، غير شيخه، وهو ثقة. ٤ - (ومنها): أن رواية الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم بن سُويد من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة السّادسة، والله تعالى أعلم.

стр. 1443

شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الله) بن مسعود ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : "إِذْنُكَ عَلَيَّ) بالرفع خبر مقدّم لـ "أن ترفع"، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره "أن ترفع"، والأول أولى؛ لأن ما سُبك من "أن" و"أن" بمنزلة الضمير (أَنْ تَرْفَعَ الحجَابَ) ببناء الفعل للفاعل، والفاعل ضمير عبد الله، و"الحجاب" منصوب على المفعوليّة، والمعنى إذني لك في حال الدخول عليّ أن ترفع الحجاب، أي أذنت لك في رفع الحجاب، وسَمَاعِ السِّرَار. وقال في "المجمع": أي إذنك الجمع بين رفع الحجاب ومعرفتك أني في الدَّار، ولو كنت مُسارًا لغيري، فهذا شأنك مستمرًا إلى أن أنهاك، وفيه دلالة على شرفه، وليس فيه أنه يدخل في عليّ حال حتّى على نسائه ومحارمه. وقال في "المفاتيح": أي أذنت لك أن تدخل عليّ، وأن ترفع حجابي بلا استئذان، وأن تسمع سِرَاري حتّى أنهاك عن الدخول والسماع. انتهى (١). ووقع عند مسلم بلفظ: "أن يُرفع الحجابُ"، قال القرطبيّ ﵀: مبنيّ لما لم يُسمّ فاعله، ولا يجوز غيره، وسببه أن النبيّ ﷺ جعل لعبد الله إذنًا خاصًّا به، وهو أنه إذا جاء بيت النبيّ ﷺ ، فوجد الستر قد رُفع دخل من غير إذن بالقول، ولم يَجعل ذلك لغيره إِلَّا بالقول، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ الآية [النور: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣]، ولذلك كانت الصّحابة ﵃ تذكر ذلك في فضائل ابن مسعود ﵁، فتقول: كان ابن مسعود يؤذن له إذا حُجِبنا، وكأنّ ابن مسعود كان له من التبسّط في بيت النبيّ ﷺ والانبساط ما لم يكن لغيره؛ لما علمه النبيّ ﷺ من حاله، ومن خُلُقه، ومن إِلْفِه لبيته. انتهى (٢). (وَأَنْ تَسْمَعَ) وفي نسخة: "تستمع" (سِوَادِي) قال النوويّ ﵀: "السِّواد"

стр. 1444

بكسر السين المهملة، وبالدال، واتّفق العلماء على أن المراد به السِّرَار بكسر السين، وبالراء المكرّرة، وهو السّرّ والمساور، يقال: ساودت الرجلَ مساودةً: إذا ساررته، قالوا: وهو مأخوذ من إدناء سَوَادك من سوَاده عند المساررة، أي شخصك من شخصه، والسَّوَاد اسم لكلّ شخص. انتهى (١). وقوله: (حَتَّى أَنْهَاكَ) غاية للإذن، أي أنت في حلّ من رفع الحجاب والدخول عليّ إلى أن أمنعك من ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٢٠/ ١٣٩) فقط، وأخرجه (مسلم) في "كتاب السّلام" (٢١٦٩) و (النَّسائيّ) في "الفضائل" (٨٢٠٤) و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" ١٢/ ١١٢ و (ابن سعد) في "الطبقات" ٣/ ١٥٣ و (أحمد) في "مسنده" (٣٨٣٣) و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١٥٨٥) و (أبو يعلى) في "مسنده" (٥٣٥٦) و (٥٣٥٧) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٠٦٨) و (الطبرانيّ) (٨٤٤٩) و (٨٤٥٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثّالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل عبد الله بن مسعود، حيث إنّه ﷺ جعله يرفع الحجاب بلا استئذان، ويسمع مسارّته لغيره، ولهذا كان الصّحابة ﵃ يعدّون هذا له منقبة عظيمة، فقد أخرج الشيخان من حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁، قال: "قدِمتُ أنا وأخي من اليمن، فكنّا حينًا وما نرى ابن مسعود وأمّه

стр. 1445

إِلَّا من أهل بيت النبيّ ﷺ من كثرة دخولهم، ولزومهم له". وأخرج مسلم من طريق أبي إسحق، قال: سمعت أبا الأحوص، قال: شهدت أبا موسى وأبا مسعود، حين مات ابن مسعود، فقال أحدهما لصاحبه: أتُراه تَرَك بعده مثله؟ فقال: إن قلت ذاك، إن كان ليؤذن له إذا حُجِبنا، ويشهد إذا غِبْنَا. وأخرج أيضًا من طريق مالك بن الحارث، عن أبي الأحوص قال: كنا في دار أبي موسى، مع نفر من أصحاب عبد الله، وهم ينظرون في مصحف، فقام عبد الله، فقال أبو مسعود: ما أعلم رسول الله ﷺ تَرَك بعده أعلم بما أنزل الله من هذا القائم، فقال: أبو موسى: أَمَا لئن قلت ذاك، لقد كان يشهد إذا غِبْنَا، ويؤذن له إذا حُجِبْنَا. ٢ - (ومنها): جواز الاعتماد على العلّامة في الإذن في الدخول، فإذا جعل الأمير، أو القاضي، أو غيرهم رفع الستر الّذي على بابه علامةً في الإذن في الدخول عليه للناس عامّة، أو لطائفة خاصّة، أو لشخص، أو جعل علامة غير ذلك جاز اعتمادها، والدخول إذا وُجدت بغير استئذان، وكذا إذا جعل الرَّجل ذلك علامة بينه وبين خَدَمه ومماليكه، وكبار أولاده وأهله، فمتى أرخى حجابه فلا دخول عليه إِلَّا باستئذانه، فإذا رفعه جاز بلا استئذان. قاله النوويّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 1446

٢١ - (فَضْلُ الْعَبَّاس بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ -) هو: العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القُرَشيُّ الهاشميّ، عم رسول الله ﷺ ، أبو الفضل، أمه نُتَيْلَةُ بنت جَنَاب بن كلب، وُلِد قبل رسول الله ﷺ بسنتين، وضَاعَ وهو صغير، فنَذَرَت أمه إن وجدته أن تكسو البيت الحرير، فوجدته فكست البيت الحرير، فهي أول من كساه ذلك، وكان إليه في الجاهلية السِّقَاية والعِمَارة، وحضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يُسلِم، وشهد بدرًا مع المشركين مكرهًا، فأُسِر، فافتدى نفسه، وافتدى ابن أخيه عقيل بن أبي طالب، ورجع إلى مكّة، فيقال: إنّه أسلم وكتم قومه ذلك، وصار يكتب إلى النّبيّ ﷺ بالأخبار، ثم هاجر قبل الفتح بقليل، وشَهِد الفتح، وثبت يوم حنين، وقال النّبيّ ﷺ : "من آذى العباس فقد آذاني، فإنّما عَمُّ الرَّجل صِنْوُ أبيه"، أخرجه التّرمذيّ في قصة (١). وقد حَدَّث عن النّبيّ ﷺ بأحاديث، رَوَى عنه أولاده، وعامر بن سعد، والأحنف بن قيس، وعبد الله بن الحارث، وغيرهم. وقال ابن المسيَّب عن سعد: كنا مع النّبيّ ﷺ ، فأقبل العباس، فقال: "هذا العباس أجود قريش كَفّا، وأوصلها"، أخرجه النَّسائيُّ (٢)، وأخرج البغوي في ترجمة أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بسند له إلى الشّعبيّ، عن أبي هَيّاج عن أبي سفيان بن الحارث، عن أبيه، قال: كان العباس أعظم النَّاس عند رسول الله ﷺ لا، والصحابة يعترفون للعباس بفضله، ويشاورونه، ويأخذون رأيه، ومات بالمدينة في رجب، أو رمضان سنة اثنتين وثلاثين، وكان طويلًا جميلًا أبيض (٣)، والله تعالى أعلم.

стр. 1447

وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٤٠ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سَبْرَةَ النَّخَعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْب الْقُرَظِيِّ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المطَّلِبِ، قَالَ: كُنَّا نَلْقَى النّفرَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ، فَيَقْطَعُونَ حَدِيثَهُمْ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ، فَقَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَحَدَّثُونَ، فَإذَا رَأَوُا الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي قَطَعُوا حَدِيثَهُمْ، وَالله لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الْإِيمَانُ حَتَّى يُحِبَّهُمْ للهِ، وَلقَرَابَتِهِمْ مِنِّي"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمّد بن طريف) بن خَلِيفة البجليّ، أبو جعفر الكوفيّ، صدوقٌ، من صغار [١٠]. رَوَى عن أبيه، وعبد الله بن إدريس، وأبي بكر بن عياش، وعمران، وإبراهيم ابني عيينة، وأبي أُسامة، وأبي معاوية، ووكيع، ومحمد بن فضيل، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجة، وابنه، وأبو زيد، أحمد بن محمّد ابن طَريف، وأبو حاتم، وموسى بن هارون، وغيرهم. قال أبو زرعة: محله الصدق، وقال في موضع آخر: لا بأس به، صاحب حديث، كان ابن نُمَير يُثْنِي عليه. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وقال الخطيب: كان ثقة. وقال الحضرمي: مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين، زاد غيره في صفر، وهو قول القراب في "تاريخه"، وأما ابن قانع، فأرخه سنة (٣٧)، وفي "الزهرة"، رَوَى عنه مسلم ستة أحاديث. أخرجه له مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٢ - (محمّد بن فُضيل) بن غَزْوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرّحمن الكوفيّ، صدوق، رُمي بالتشيّع [٩] ٢/ ٢١. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهْران الإمام الحجة الثبت المشهور [٥] ١/ ١.

стр. 1448

٤ - (أبو سَبْرة -بسكون الموحّدة- النخعيّ) الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الله بن عابس، مقبول [٣]. رَوَى عن عمر بن الخطّاب، يقال: مرسل، وفَرْوَة بن مُسَيك، ومحمد بن كعب الْقُرَظيّ. وعنه الأعمش والحسن بن الحكم النخعي والحسن بن مسافر قال ابن معين لا أعرفه وذكره بن حبّان في الثقات وقد قيل إن الراوي عن فروة بن الراوي عن محمّد بن كعب القرظي فالله تعالى أعلم. أخرج له أبو داود، والترمذي، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٥ - (محمّد بن كعب) بن سُليم بن أسد الْقُرَظيّ، أبو حمزة، وقيل: أبو عبد الله المدنيّ، من حُلَفَاء الأوس، وكان أبوه من سَبْي قُرَيظة، سَكَن الكوفة مدّة، ثمّ المدينة، ثقة عالم [٣]. رَوَى عن العباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وعمرو بن العاص، وأبي ذّر، وأبي الدرداء، يقال: إن الجميع مرسل، وعن فضالة بن عبيد، والمغيرة ابْن شعبة، ومعاوية، وكعب بن عُجْرة، وأبي هريرة، وغيرهم. ورَوَى عنه أخوه عثمان، والحكم بن عتيبة، ويزيد بن أبي زياد، وابن عجلان، وموسى بن عبيدة، وأبو معشر، وأبو جعفر الْخَطْميّ، ويزيد بن الهاد، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة عالمًا كثير الحديث، ورعًا. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، رجل صالح عالم بالقرآن. وقال ابن المديني، وأبو زرعة: ثقة. وقال البخاريّ: إن أباه كان ممّن لم يُنْبِت يوم قريظة، فَتُرِك (١)، ثمّ ساق بإسناده عن محمّد بن كعب قال: سمعت ابن مسعود، فذكر حديثًا، وقال: لا أدري أحفظه أم لا؟. وقال أبو داود: سمع من علي، ومعاوية، وابن مسعود.

стр. 1449

وقال يعقوب بن شيبة: وُلِد في آخر خلافة علي سنة أربعين، ولم يسمع من العباس. وقال عون بن عبد الله: ما رأيت أحدًا أعلم بتأويل القرآن منه. وقال ابن حبّان: كان من أفاضل أهل المدينة علمًا وفقهًا، وكان يَقُصّ في المسجد فسقط عليه وعلى أصحابه سَقْفٌ فمات هو وجماعة معه تحت الهدم سنة ثماني عشرة، وأرخه أبو بكر بن أبي شيبة وغير واحد سنة ثمان ومائة. وقال يعقوب بن شيبة وغيره: مات سنة سبع عشرة، وهو ابن ثمان وسبعين سنة. وقال ابن نمير: مات سنة تسع عشرة. وقال ابن سعد وغيره: مات سنة عشرين، وقيل: غير ذلك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث ١٤٠ و ٩٥٩ و١١٨١ و ٢٥٧٥ و ٣٠٨٠ و ٣٨٦٦ و ٤١٨٢. ٦ - (العبّاس بن عبد المطّلب) ﵁ المذكور آنفًا. شرح الحديث: (عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المطَّلِبِ) ﵁، أنه (قَالَ: كنَّا نَلْقَى) بفتح أوله وثالثه، مضارع لَقِي بكسر القاف، من باب تَعِب (النَّفَرَ) بفتحتين: أي الجماعة (مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (فَيَقْطَعُونَ) بفتح أوله وثالثه (حَدِيثَهُمْ) أي عند لقائنا لهم غضبًا وعداوةً لنا، لا إخفاءً للحديث عنّا لكونه سرًّا، وإلا فلا لوم على إخفاء الأسرار. قاله السنديّ (١) (فَذَكَرْنَا ذَلِكَ) أي صنيعهم هذا (لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ) ﷺ ("مَا) أي استفهاميّة (بَالُ) أي حال (أَقْوَامٍ يَتَحَدَّثُونَ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "أقوام" (فَإِذَا رَأَوُا الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي قَطَعُوا حَدِيثَهُمْ) أي خوفًا من سماعه (وَالله) جملة قسميّة، أي أُقسم بالله (لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الْإِيمَانُ) بنصب "قلب" على المفعوليّة، ورفع الإيمان على الفاعليّة (حَتَّى يُحِبَّهُمْ) أي أهل بيته ﷺ (لله) أي لأجله، لا

стр. 1450

لأمر دنيويّ، كما قال تعالى: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ في الْقُرْبَى﴾ الآية [الشورى: ٢٣]، (وَلقَرَابَتِهِمْ مِنِّي) أي ولأجل قرابتهم من النبيّ ﷺ ؛ لأن محبتهم ناشئة من محبته، ومحبته من أعظم شعب الإيمان، كما قال ﵁ فيما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما": "لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى) في درجته: حديث العبّاس بن عبد المطلب ﵁ هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وهو مرسلٌ، فإن محمّد بن كعب لم يلقَ العبّاس ﵁؟. [قلت]: إنّما صحّ بشواهده، فقد أخرج ابن أبي شيبة في "مصنّفه" رقم (٣٢٢٠٣) قال: حَدَّثَنَا ابن نُمير، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضّحى مسلم بن صُبَيح، قال: قال العبّاس يا رسول الله إنا لنرى وجوه قوم من وقائع أوقعتها فيهم، فقال النبيّ ﷺ : "لن يصيبوا خيرًا حتّى يُحبّوكم لله، ولقرابتي ... " الحديث (١). وهذا مرسل صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، يشهد لحديث الباب. وأخرج الترمذيّ (٣٦٩١) من طريق أبي عوانة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، حدثني عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، أن العباس ابن عبد المطلب دخل على رسول الله ﷺ مُغْضَبًا، وأنا عنده، فقال: "ما أغضبك؟ "، قال: يا رسول الله ما لنا ولقريش، إذا تلاقَوْا بينهم تلاقوا بوجوه مُبْشَرَةٍ، وإذا لَقُونا لَقُونا بغير ذلك؟ قال: فغضب رسول الله ﷺ حتّى احمر وجهه، ثمّ قال: "والذي نفسي بيده لا يدخل قلبَ رجلٍ الإيمانُ حتّى يُحِبَّكم لله، ولرسوله"، ثمّ قال: "يا أيها النَّاس من

стр. 1451

آذى عمي فقد آذاني، فإنّما عَمُّ الرَّجل صنو أبيه"، قال: هذا حديث حسن صحيح. هذا الحديث في سنده يزيد بن أبي زياد الهاشميّ ضعيف، إِلَّا أنه لا بأس به في المتابعة، والشواهد، ولذا أخرج له مسلم متابعةً، فحديثه يشهد لحديث الباب، والظاهر أن التّرمذيّ صححه لهذا، وليس ممّا تساهل فيه، كما قاله بعضهم. والحاصل أن الحديث صحيح؛ لما ذُكر، والله تعالى أعلم. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٢١/ ١٤٠) فقط، وقد تفرّد به، فلم يُخرجه أحد من أصحاب الأصول، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (١٦٧٧) وأخرجه (الترمذيّ) برقم (٣٦٩١) و (أحمد) برقم (١٦٨٦٠ و ١٦٨٦١) من حديث عبد المطلب بن ربيعة، والله تعالى أعلم. (المسألة الثّالثة): من أغرب ما وقع للمصنّف أنه عقد بابًا في فضل العبّاس ﵁، ثمّ أرود حديثين: أحدهما هذا، وهو وإن صححناه لشواهده إِلَّا أنه مرسل في نفسه، والثّاني موضوع، وهو التالي، كأنه لم يثبت للعباس ﵁ شيء من الفضائل، مع أنه وردت أحاديث صحيحة في فضائله، ولعلّها ما وصلت إليه، فلذا أحببت أن أذكر بعض تلك الأحاديث لئلا يخلو الباب عن الأحاديث الصحيحة. (فمن ذلك): ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" (٣٧١٠) من طريق ثُمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس ﵁ أن عمر بن الخطّاب كان إذا قَحَطُوا استسقى بالعباس ابن عبد المطلب، فقال: اللَّهُمَّ إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ ، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيّنا، فاسقنا، قال: فيسقون. (ومنها): ما أخرجه مسلم في "صحيحه" (٩٨٣). من طريق الأعرج، عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصَّدقة، فقيل: مَنَعَ ابنُ جميل، وخالد بن الوليد، والعباس عم رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "ما يَنقِم ابنُ جَمِيل إِلَّا أنه كان فقيرًا، فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا،

стр. 1452

قد احتبَسَ أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي عليّ ومثلُها معها"، ثمّ قال: "يا عمر أما شَعَرتَ أن عَمَّ الرَّجل صِنْوُ أبيه". (ومنها): ما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" ١/ ٢٩٣ رقم (١٥٢٤) بإسناد صحيح من طريق سعيد بن المسيَّب، عن سعد بن أبي وقّاص قال: قال رسول الله ﷺ للعباس: "هذا العباس بن عبد المطلب أجودُ قريشٍ كفًّا، وأوصلها". وغير ذلك ممّا ثبت له من المناقب، وقد جمعت في ذلك أم شعيب زوجة المحدّث الحافظ المحقق الكبير الشّيخ مقبل بن هادي ﵀ حيث كتبت الصّحيح السند من فضائل أهل بيت النبوّة، فأجادت وأفادت، وفي ضمنه باب عقد لفضائل العبّاس ﵁، وقد قدّم لها الشّيخ ﵀ والكتاب مطبوع، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٤١ - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الضَّحَّاكِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الحَضْرَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله ابْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، فَمَنْزِلِي وَمَنْزِلُ إِبْرَاهِيمَ في الجنَّةِ يّوْمَ الْقِيَامَةِ تُجَاهَيْنِ، وَالْعَبَّاسُ بَيْنَنَا مُؤْمِنٌ بَيْنَ خَلِيلَيْنِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عبد الوهّاب بن الضّحّاك) بن أبان الْعُرْضيّ -بضم المهملة، وسكون الراء، بعدها معجمة- أبو الحارث الحمصيّ، نزيل سَلَمْيَةَ، متروك، كذّبه أبو حاتم [١٠]. روى عن إسماعيل بن عياش، وبقية بن الوليد، وعيسى بن يونس، وغيرهم. وروى عنه ابن ماجة، وعبد الوهّاب بن نَجْدة، وهو من أقرانه، وابن أبي عاصم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وغيرهم. قال البخاريّ: عنده عجائب. وقال أبو داود: كان يضع الحديث قد رأيته. وقال

стр. 1453

النَّسائيُّ: ليس بثقة متروك. وقال العقيليّ، والدارقطنيّ، والبيهقيّ: متروك. وقال صالح ابن محمّد الحافظ: منكر الحديث، عامة حديثه كَذِبٌ. وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي بسَلَمْيَةَ، وترك حديثه والرواية عنه هذا قاص. وقال محمّد بن عوف: قيل له: إنّه كان يأخذ فوائد أبي اليمان فيحدث بها، عن إسماعيل بن عياش، وحدث بأحاديث كثيرة موضوعة. قال: فخرجتُ إليه، فقلت: ألا تخاف الله، فضمن لي أن لا يُحَدِّث بها بعد ذلك. وقال ابن عدي: وأظن قال عبدان: كان البغداديون يلقّنونه فمنعتهم. وقال الجوزجاني: أَقدَم وجَسَرَ فأراح النَّاس. وقال ابن عدي: وبعضُ حديثه لا يتابع عليه. وقال الدارقطني في موضع آخر: له عن إسماعيل بن عياش وغيره مقلوباتٌ وبواطيلُ. وقال الآجري عن أبي داود: غير ثقة ولا مأمون. وقال ابن حبّان: كان يسرق الحديث، لا يحل الاحتجاج به. وقال الحاكم وأبو نعيم: روى أحاديث موضوعة. قال ابن أبي عاصم: مات سنة خمس وأربعين ومائتين. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط برقم ١٤١ و ٧٧٢ و ١١٦٥ و ١٣١٧ و ٢٠١٤ و ٢٢٤٧ و ٣٣٤٠. [تنبيه]: قوله: "الْعُرْضيّ": نسبة إلى عُرْض قال ابن السمعاني: ناحية بدمشق، وتعقّبه ابن الأثير، فقال: بل هي مدينة صغيرة بين الفرات ودمشق، وهي من أعمال حلب. وسَلَمْيَةُ مُسكّنة الميم، مخفّفة الياء: اسم بلد. قاله في "القاموس". والله تعالى أعلم. ٢ - (إسماعيل بن عيّاش) الْعَنسيّ، أبو عُتبة الحمصيّ، صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلّط في غيرهم [٨] ٩/ ٧٤. ٣ - (صفوان بن عمرو) بن هَرِم السَّكْسَكيّ، أبو عمرو الحِمْصيّ، ثقة [٥]. رَوَى عن عبد الله بن بُسْر المازني الصحابي، وعبد الرّحمن جُبير بن نُفَير، وشُرَيح

стр. 1454

ابن عبيد الحضرمي، وراشد بن سعد، وجماعة. ورَوى عنه ابن المبارك، وأبو إسحاق الفزاري، وبقية، وإسماعيل بن عياش، ومعاوية بن صالح الحضرمي، وغيرهم. قال العجلي، ودُحيم، وأبو حاتم، والنَّسائيّ: ثقة، زاد أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا. وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لدُحيم: مَنْ أَثْبَتُ بِحِمْصَ؟ قال: صفوانُ، وسَمَّى جماعةً. وقال أبو حاتم: سمعت دُحيمًا يقول: صفوان أكبر من حَرِيز وقَدَّمَهُ. وقال ابن خِرَاش: كان ابن المبارك وغيره يوثقه. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وقال النَّسائيُّ في "التمييز": له حديث منكر في عمار بن ياسر. وقال أبو اليمان عن صفوان: أدركت من خلافة عبد الملك، وخَرَجْنا في بعث سنة (٩٤). وقال يزيد بن عبد ربه مات سنة (١٥٥). وقال سليمان بن سَلَمَة: مات سنة (٨). وعلّق له البخاريّ أثرًا، وأخرج له في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم ١٤١ و ١٣١٧ و ٣٥٦٨ و ٣٩٩٢. ٤ - (عبد الرّحمن بن جُبير -بجيم، فموحّدة، مصغّرًا- ابن نُفير) -بنون، ففاء، مصغّرًا أيضًا- أبو حميد، ويقال أبو حِمْيَر الحضرميّ الحمصيّ، ثقة [٤]. روى عن أبيه، وأنس بن مالك، وخالد بن معدان، وكثير بن مرّة، وغيرهم. ورَوَى عنه يحيى بن جابر الطائي، ومعاوية بن صالح، وثور بن يزيد، وزهير بن سالم، وصفوان بن عمرو، وغيرهم. قال أبو زرعة، النَّسائيُّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وقال ابن سعد: كان ثقة، وبعض النَّاس يستنكر حديثه، ومات سنة ثماني عشرة ومائة في خلافة هشام. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم ١٤١ و ١٢١٩ و ٤٠٧٥ و ٤٠٧٦.

стр. 1455

٥ - (كثير بن مرّة الحضرميّ) الحمصيّ، ثقة [٢] ووهِمَ من عدّه في الصّحابة ١/ ٧. ٦ - (عبد الله بن عمرو) بن العاص ﵄ تقدّم في ٨/ ٥٢، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو) ﵄، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ الله اتَّخَذَنِي خَلِيلًا) "الخليل": الصديق، فَعِيلٌ بمعنى مُفاعل، وقد يكون بمعنى مفعول، والْخُلّة بالضم: الصداقة والمحبّة الّتي تخلّلت القلب، فصارت خلاله، أي في باطنه. قاله ابن الأثير (١) (كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ) ﵇ (خَلِيلًا) حيث قال : ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، (فَمَنْزِلِي وَمَنْزِلُ إِبْرَاهِيمَ في الجنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُجَاهَيْنِ) أي متقابلين، والتاء فيه بدلٌ من واو وجاه، قال في "القاموس": تجاهك، ووجاهك مثلّثين: تلقاء وجهك. انتهى (وَالْعَبَّاسُ بَيْنَنَا) مبتدأ وخبره (مُؤْمِنٌ) خبر لمحذوف، أي هو مؤمن، حال كونه كائنًا (بَيْنَ خَلِيلَيْنِ). مسألة: هذا الحديث موضوع، وآفته عبد الوهّاب شيخ المصنّف، فقد سبق أنه من الوضاعين، وهو من أفراد المصنّف، فلم يُخرجه أحد غيره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 1456

٢٢ - (فَضْلُ الْحَسَنِ وَالْحُسيْنِ ابْنَي عَلِيٍّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵃ -) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنّما جمعهما في باب واحد لما وقع لهما من الاشتراك في كثير من الفضائل. فأمّا الحسن فهو: ابن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي، سبط رسول الله ﷺ ، ورَيحانته، أمير المؤمنين، أبو محمّد، وُلِد في نصف شهر رمضان، سنةَ ثلاث من الهجرة، قاله ابن سعد، وابن الْبَرْقِيّ، وغير واحد، وقيل: في شعبان منها، وقيل: وُلد سنة أربع، وقيل: سنة خمس، والأول أثبت، وروى عن النبيّ ﷺ أحاديث حفظها عنه، ومات بالمدينة مسمومًا سنة خمسين، ويقال: قبلها، ويقال: بعدها. وأما الحسين فهو: ابن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، أبو عبد الله، سبط رسول الله ﷺ ، وريحانته، قال الزُّبير وغيره: وُلد في شعبان سنة أربع، وقيل: سنة ست، وقيل: سنة سبع، وليس بشيء، قال جعفر بن محمّد: لم يكن بين الحمل بالحسين بعد ولادة الحسن إِلَّا طهر واحد، وقد حَفِظَ الحسين أيضًا عن النّبيّ ﷺ ، ورَوَى عنه. وقُتل يوم عاشوراء سنة إحدى وستّين بكربلاء من أرض العراق، وكان أهل الكوفة لمّا مات معاوية، واستُخلِف يزيد كاتبوا الحسين بأنهم في طاعته، فخرج الحسين إليهم، فسبقه عُبيد الله بن زياد إلى الكوفة، فخَذّل غالب النَّاس عنه، فتأخّروا رغبةً ورهبةً، وقُتل ابن عمّه مسلم بن عَقِيل، وكان الحسين قد قدّمه قبله يُبايع له النَّاس، ثمّ جهّز إليه عسكرًا، فقاتلوه إلى أن قُتل هو وجماعة من أهل بيته، والقصّة في ذلك مشهورة (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 1457

وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٤٢ - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ أَبي يَزِيدَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لِلْحَسَنِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبَّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ"، قَالَ: وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أحمد بن عَبْدة) الضبّيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة رُمي بالنصب [١٠] ٣/ ٢٨. ٢ - (سفيان بن عُيينة) الإمام الحجة الثبت المكيّ الشهير [٨] ٢/ ١٣. ٣ - (عُبيد الله بن أبي يزيد) المكيّ، مولى آل قارظ بن شيبة، ثقة كثير الحديث [٤]. رَوَى عن ابن عبّاس، وابن عمر، وابن الزُّبير، وأبي لبابة بن عبد المنذر، ونافع بن جبير بن مطعم، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه محمّد، وابن المنكدر، وهو أكبر منه، وابن جريج، وورقاء بن عمر، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وآخرون. قال ابن المديني، وابن معين، والعجلى، وأبو زرعة، والنَّسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: ثقة، كثير الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وقال ابن عيينة: مات سنة ست وعشرين ومائتين، وله (٨٦) سنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم ١٤٢ و ١٠٣٥ و ٢٠٠٥ و ٣١٦٢ و ٣٣٦٤ و ٣٨٩٦. ٤ - (نافع بن جُبير) بن مُطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف النوفليّ، أبو محمّد، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقة فاضلٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، والعباس بن عبد المطلب، والزبير بن العوّام، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن أبي العاص، وأبي هريرة، وغيرهم. ورَوَى عنه عروة بن الزُّبير، وسعيد بن إبراهيم، والزهري، وعبيد الله بن أبي

стр. 1458

يزيد، وآخرون. قال ابن سعد: قال محمّد بن عمر: روى عن أبي هريرة، وكان ثقة، أكثر حديثًا من أخيه. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن خِرَاش: ثقة مشهور، أحد الأئمة. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: من خيار النَّاس، كان يحج ماشيًا، وناقته تُقاد. وقال أبو الحسن بن البراء عن علي بن المديني: أصحاب زيد بن ثابت الذين كانوا يأخذون عنه، ويفتون بفتواه، فذكره فيهم. قال الزُّبير بن بكار وغير واحد: مات في خلافة سليمان بن عبد الملك. وقال الواقدي عن ابن أبي الزِّناد: مات سنة تسع وتسعين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث برقم ١٤٢ و ٥٤٥ و ٨٠٧ و ١٧٢٠ و ١٨٧٠ و ٢٩٠٧ و ٣٥٢٢ و ٣٦٧٢ و ٤٠٦٥. ٥ - (أبو هريرة) ﵁ تقدّم ١/ ١، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه خماسيّات المصنِّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصّحيح. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، فبصريّ، وسفيان، فكوفيّ، ثمّ مكيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ لِلْحَسَنِ) أي في شأنه، فاللام بمعنى "في"، والحديث مختصرٌ، وقد بساقه الشيخان في "صحيحيهما" بطوله، فلفظ البخاريّ عن أبي هريرة ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سوق من أسواق المدينة، فانصرف،

стр. 1459

فانصرفت، فقال: "أين لُكَعُ" (١) ثلاثًا، ادْعُ الحسن بن علي، فقام الحسن بن علي يمشي، وفي عنقه السِّخَاب (٢)، فقال النّبيّ ﷺ بيده هكذا، فقال الحسن بيده هكذا فالتزمه، فقال: "اللَّهُمَّ إنِّي أُحِبُّه فأحبه، وأَحِبَّ مَنْ يُحبه"، وقال أبو هريرة: فما كان أحدٌ أحب إلي من الحسن بن علي بعد ما قال رسول الله ﷺ ما قال. ولفظ مسلم عن أبي هريرة، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في طائفة من النهار، لا يُكَلِّمني ولا أكلمه، حتّى جاء سُوق بني قُينقاع، ثمّ انصرف، حتّى أتى خِبَاء فاطمة، فقال: "أَثَمَّ لُكَعُ، أَثَمَّ لُكَعُ" -يعني حسنًا- فظننا أنه إنّما تحبسه أمه لأن تُغَسِّلَه، وتُلْبِسه سِخَابًا، فلم يَلْبَث أن جاء يَسْعَى، حتّى اعتَنَقَ كلُّ واحد منهما صاحبه، فقال رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ إنِّي أُحبه فأَحِبَّه، وأَحْبِبْ من يُحِبه". ("اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَه، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ"، قَالَ) أي أبو هريرة (وَضَمَّهُ) أي ضمّ النبيّ ﷺ الحسن (إِلَى صَدْرِهِ) هذا معنى الالتزام الّذي مرّ آنفًا في رواية البخاريّ، وبمعنى رواية مسلم: "حتّى اعتنق كلّ واحد منهما صاحبه"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٢٢/ ١٤٢) وأخرجه (البخاريّ) في "البيوع" (٢١٢٢) و"اللباس" (٥٨٨٤) وفي "الأدب المفرد" (١١٥٢) و (مسلم) في "فضائل الصّحابة" (٢٤٢١) و (الحميديّ) في "مسنده" (١٠٤٣) و (أحمد) في "مسنده" (٧٠٩١)

стр. 1460

و (٨٠٣٠) و (١٠٤٧١) وفي "فضائل الصّحابة" (١٣٤٩) و (النَّسائيّ) في "الفضائل" من "الكبرى" (٨١٠٨) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٦٣) و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٩٣٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثّالثة): في فوائده (١): ١ - (ومنها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل الحسن ﵁. ٢ - (منها): بيان فضل محبّة الحسن ﵁. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من التواضع والشفقة بالصغار. ٤ - (ومنها): جواز معانقة الصغار، قال القرطبيّ ﵀: ولا خلاف -فيما أحسب- في جوازه، كما فعل النبيّ ﷺ ، وإنّما اختُلف في عِنَاق الكبير في حالة السّلام، وكرهه مالك، وأجازه سفيان بن عُيينة وغيره، واحتجّ سفيان على مالك في ذلك بعِنَاق النبيّ ﷺ جعفرًا لمّا قَدِم عليه، فقال مالك: ذلك مخصوصٌ بجعفر، فقال سفيان: ما يخُصّ جعفرًا يعُمّنا، فسكت مالك، ويدلُّ سكوت مالك على أنه ظهر له ما قاله سفيان من جواز ذلك، قال القاضي عياض: وهو الحقّ حتّى يدلُّ دليل على تخصيص جعفر بذلك. انتهى، وهو تحقيق حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): جواز حمل الصبيان، وترك التعمّق في التحفّظ ممّا يكون منهم من المخاط، والبول، وغير ذلك، فلا يُجتنب إِلَّا ما ظهرت عينه، أو تحقّق، أو تفاحش، وكان النبيّ ﷺ وأصحابه يعملون على مقتضى الحنيفيّة السمحة، فيمشون حُفاةً في الطين، ويجلسون على الأرض، وتكون عليهم الثِّياب الوسِخَة الّتي ليست بنجسة، ويلعقون أصابعهم، والقصعَةَ، ولا يَعِيبون شيئًا من ذلك، وكلّ ذلك فيه ردّ على غلاة العباد الموسوسين الذين يحافظون على نظافة ظاهرهم، وبواطنهم وسِخَة بمخالفة

стр. 1461

السنة، والتلبّس بأنواع البدع والخرافات ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]، اللَّهُمَّ أرنا الحقّ حقّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٤٣ - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي عَوْفٍ أَبِي الجحَّافِ، وَكانَ مَرْضِيًّا، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ الحسَنَ وَالْحُسَيْنَ، فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (داود بن أبي عَوْف أبو الجحاف) -بفتح الجيم، وتشديد الحاء المهملة- واسم أبي عوف سُويد التميميّ الْبُرْجُميّ -بضم الموحّدة، والجيم- مولاهم، مشهور بكنيته، صدوقٌ شيعيّ ربّما أخطأ [٦]. رَوَى عن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن صُبَيح مولى أم سلمة، وجُمَيع بن عُمير، وأبي حازم سلمان الأشجعي، وعكرمة، وقيس الخارفي، وغيرهم. وروى عنه السفيانان، وشريك، وإسرائيل، وعبد السّلام بن حرب، وجماعة. قال عبد الله بن داود: كان سفيان يوثقه ويعظمه. وقال وكيع عن سفيان عن أبي الجحاف: وكان مرضيًّا. وقال ابن عيينة: كان من الشيعة. وقال أحمد وابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم صالح الحديث. وقال النَّسائيُّ: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: له أحاديث، وهو من غالية التشيع، وعامة حديثه في أهل البيت، وهو عندي ليس بالقوي، ولا ممّن يُحتجّ به. وقال العقيليّ: كان من غُلاة الشيعة. وقال الأزدي: زائغ ضعيف. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: يخطىء. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يتبيّن ممّا سبق من الأقوال أن أبا الجحّاف صدوقٌ حسن الحديث، والله تعالى أعلم.

стр. 1462

تفرّد به الترمذيّ، والنَّسائيّ، والمصنّف، وله عندهم هذا الحديث فقط. ٢ - (أبو حازم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن مولاته عَزَّة الأشجعية، وابن عمر، وأبي هريرة، والحسن، والحسين، وابن الزبير، وغيرهم. وروى عنه الأعمش، ومنصور، وأبو مالك الأشجعي، وعدي بن ثابت، وفضيل بن غَزْوان وميسرة الأشجعي، ومحمد بن جُحَادة، ومحمد بن عجلان، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال بعض النَّاس: مات في خلافة عمر ابن عبد العزيز. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة. وقال العجلي: ثقة. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا. ٣ - (أبو هريرة) الصحابيّ الشهير ﵁ ١/ ١، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي عَوْفٍ أَبِي الجُحَّافِ) بالجرّ بدل من "داود" (وَكَانَ مَرْضِيًّا) هذا من كلام وكيع، كما هو ظاهر سياق "التهذيب" فيما سبق في ترجمته آنفًا (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ الحسَنَ وَالحُسَيْنَ، فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي") فيه بيانَ أن حبهما فرض لا يتمّ الإيمان إِلَّا به كما أن محبته كذلك، وبالعكس بغضهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا حسن؛ من أجل الاختلاف في أبي الجحّاف، فهو وإن تكلموا فيه، إِلَّا أنه لا ينزل حديثه عن درجة الحسن، كما يتبيّن ذلك من أقوال العلماء

стр. 1463

فيه، كما أسلفناه في ترجمته. فقول البوصيريّ: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات محلّ نظر؛ لما عرفت من الكلام فيه، قال: وأخرجه النَّسائيّ في "المناقب" عن عمرو بن منصور، عن أبي نُعيم، عن سفيان به. انتهى. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٢٢/ ١٤٣) فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٧٨٧٦) و (النَّسائيّ) في "الفضائل" (٨١١٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المُتّصل إلي الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٤٤ - (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الله ابْنِ عُثْمانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، أَنَّ يَعْلَى بْنَ مُرَّةَ حَدَّثَهُمْ، أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى طَعَامٍ دُعُوا لَهُ، فَإِذَا حُسَيْنٌ يَلْعَبُ في السِّكَّةِ، قَالَ: فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَامَ الْقَوْمِ، وَبَسَطَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ الْغُلَامُ يَفِرُّ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، وَيُضَاحِكُهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَخَذَهُ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ تَحْتَ ذَقَنِهِ، وَالْأُخْرَى في فَأْسِ رَأْسِهِ فَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: "حُسَيْنٌ مِنِّي، وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ الله مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا، حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنَ الْأَسْبَاطِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ) المدنيّ، نزيل مكّة، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [١٠]، ١/ ٩. ٢ - (يَحْيىَ بْنُ سُلَيْمٍ) الطائفيّ، نزيل مكّة، ابن محمّد، ويقال: أبو زكريا الحَذّاء الخَزّاز، صدوقٌ، سيّء الحفظ [٩]. رَوَى عن عبيد الله بن عمر العمري، وموسى بن عقبة، وداود بن أبي هند، وابن جريج، وإسماعيل بن أمية، وعبد الله بن عثمان بن خُثَيم، وغيرهم. وروى عنه وكيع، وهو من أقرانه، والشّافعيّ، وابن المبارك، ومات قبله، وأبو

стр. 1464

بكر بن أبي شيبة، وبشر بن عُبيس، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم. قال الميموني عن أحمد بن حنبل: سمعت منه حديثًا واحدًا. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: يحيى بن سليم كذا وكذا، والله إن حديثه -يعني فيه شيء- وكأنه لم يحمده، وقال في موضع آخر: كان قد أتقن حديث ابن خُثَيم، فقلنا له: أعطنا كتابك، فقال: أعطوني رَهْنًا. وقال الدُّوري عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ صالح محله الصدق، ولم يكن بالحافظ، يُكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال النَّسائيُّ: ليس به بأس، وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر. وقال الدُّولابي: ليس بالقوي. وقال الشّافعيّ: فاضل كُنّا نَعُدّه من الأبدال. وقال العجلي: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: سُنيّ رجل صالح، وكتابه لا بأس به، وإذا حدث من كتابه فحديثه حسن، وإذا حدث حفظًا فيُعرِف ويُنكِر. وقال النَّسائيُّ في "الكنى": ليس بالقوي. وقال العقيليّ: قال أحمد بن حنبل: أتيته فكتبت عنه شيئًا، فرأيته يَخلِط في الأحاديث فتركته، وفيه شيء. قال أبو جعفر: ولَيَّنَ أمره. وقال الساجي: صدوق يَهِمُ في الحديث، وأخطأ في أحاديث رواها عن عبيد الله بن عمر لم يحمده أحمد. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم. وقال الدارقطني: سيء الحفظ. وقال البخاريّ في "تاريخه" في ترجمة عبد الرّحمن بن نافع: ما حَدّث الحميدي عن يحيى بن سُليم فهو صحيح. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: يخطئ، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومائة. وقال البخاريّ عن أحمد بن محمّد بن القاسم ابن أبي بَزّة: مات سنة خمس وتسعين، وهو مكي كان يختلف إلى الطائف، فنسب إليه. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا. ٣ - (عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم) -بالخاء المعجمة، والثاء المثلّثة، مصغّرًا- القارىء المكيّ، أبو عثمان، حَلِيف بني زُهرة، صدوقٌ [٥]. رَوَى عن أبي الطفيل، وصفية بنت شيبة، وقَيلة أم بني أنمار، ولها صحبة،

стр. 1465

وعطاء، وسعيد بن جُبير، وأبي الزبير، وغيرهم. ورَوى عنه السفيانان، وابن جريج، ومعمر، وحماد بن سلمة، وحفص بن غياث، وفُضيل بن سليمان، ووهيب، ويحيى بن سليم، وغيرهم. قال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة. وقال العجلي: ثقة. وقال أبو حاتم: ما به بأس، صالح الحديث. وقال النَّسائيُّ: ثقة، وقال مرّة: ليس بالقوي. وقال عبد الله ابن الدَّوْرقي عن ابن معين: أحاديثه ليست بالقوية، نقله ابنُ عدي، وقال: وهو عزيز الحديث، وأحاديثه أحاديث حسان. وقال ابن سعد: تُوُفّي في آخر خلافة أبي العباس، أو أول خلافة أبي جعفر، وكان ثقة، وله أحاديث حسنة. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، قال: وكان يخطىء. قال عمرو بن علي: مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة. أخرج له البخاريّ في التعاليق، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا. ٤ - (سعيد بن أبي راشد) ويقال: ابن راشد، مقبول [٣]. رَوَى عن يعلى بن مُرّة الثقفي، وعن التَّنُوخيُّ النصراني رسولِ قيصر، ويقال: رسول هِرَقْل، وعنه عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، ذكره ابن حبّان في "الثِّقات". تفرّد به التّرمذيّ، وله عنده هذا الحديث فقط، والمصنّف، وله عنده حديثان فقط، هذا (١٤٤) و (٣٦٦٦) حديث: "الولد مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَة". ٥ - (يعلى بن مُرّة) بن وهب بن جابر بن عَتّاب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفيّ، أبو مُرَازِم -بضم أوله (١)، وتخفيف الراء، وكسر الزاي- وأمه سِيَابة -بكسر المهملة، وتخفيف التحتلانيّة، ثمّ موحّدة-. قال يحيى بن معي: شَهِد خيبر، وبيعة الشجرة، والفتح، وهوازن، والطائف. قال

стр. 1466

أبو عمر: كان من أفاضل الصّحابة، رَوَى عن النّبيّ ﷺ أحاديث، وعن علي، ورَوَى عنه ابناه: عبد الله وعثمان، وروى عنه أيضًا راشد بن سعد جَدّ سعيد بن راشد، وعبد الله ابن حفص بن نَهِيك وآخرون. قال ابن سعد: أمره النبي ﷺ بأن يَقْطَعَ أعناب ثقيف فقطعها. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود في "القدر"، والترمذيّ، والنَّسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم (١٤٤) و (٣٣٣) و (٣٣٩) و (٣٦٦٦). والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، أَنَّ يَعْلَى بْنَ مُرَّةَ) ﵁ حَدَّثَهُمْ) أي حدّث سعيدًا ومن معه (أَنَّهُمْ) أي أن يعلى ومن معه من الصّحابة (خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى طَعَامٍ دُعُوا لَهُ) ببناء الفعل للمفعول (فَإِذَا حُسَيْنٌ يَلْعَبُ) أي ابن عليّ سبط رسول الله ﷺ ، فـ "إذا" هي الفُجائيّة، و"حسين" مبتدأ خبره جملة "يلعب"، وقوله: (في السِّكَّةِ) متعقق به، و"السّكّة" بكسر السين المهملة، وتشديد الكاف: تطلق على الزُّقاق لاصطفاف الدور فيها، وعلى الطريق المصطفّة من النخل (١) (قَالَ) يعلى (فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَامَ الْقَوْمِ) بفتح الهمزة، أي قُدّامهم (وَبَسَطَ يَدَيْهِ) قال السنديّ: كأنه يريد أن يأخذه بينهما (فَجَعَلَ الْغُلَامُ يَفِرُّ) بكسر الفاء من باب ضرب، أي شرع حسين ﷺ يهرب كعادة الصغار إذا أراد أحدٌ أن يأخذهم (هَا هُنَا وَهَا هُنَا) أي من ناحية اليمين والشمال، ونحوهما (وَيُضَاحِكُهُ النَّبِيُّ ﷺ ) أي مُداعبة له (حَتَى أَخَذَهُ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ تَحْتَ ذَقَنِهِ) بفتحتين هو من الإنسان مجُتمع لَحْييه، وجمع القلّة أَذْقان، مثلُ سَبَب وأسباب، وجمعُ الكثرة ذُقُون، مثلُ أَسَد وأُسُود (٢). (وَالْأُخْرَى في فَأْسِ رَأْسِهِ) بالهمزة، هو طرف مؤخّره المشرف على القفا،

стр. 1467

وجمعه أفؤس، وفؤوس (١). (فَقَبَّلَهُ، وَقَالَ) ﷺ (حُسَيْنٌ مِنِّي، وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ) قال الطيبيّ: كأنه ﷺ علم بنور الوحي ما سيحدث بينه وبين القوم، فخصه بالذكر وبين أنهما كالشيء الواحد في وجوب المحبّة، وحرمة التعرّض والمحاربة، وأكّد ذلك بقوله: (أَحَبَّ اللهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا) فإن محبته ﵁ محبة الرسول ﷺ ، ومحبة الرسول محبة الله . انتهى (٢) (حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنَ الْأَسْبَاطِ) "السِّبْط" بكسر، فسكون، جمعه أَسباط، مثلُ حِمْلٍ وأحمال، ولد الولد، والمعنى هنا: أنه أمّة من الأمم (٣). وقال السنديّ: "السبط": ولد الولد، خرج تأكيدا للاتّحاد والبعضيّة، وتقريرًا لها، ويحتمل أن يكون فائدة الإخبار بيان أنه حقيق بذلك، وأهلٌ له، وليس من الأولاد الذين يُنفى نسبهم عن الآباء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ الآية [هود:٤٦]، وقيل: يُطلق السبط على القبيلة، وهو المراد هاهنا، والمقصود الإخبار ببقائه، وكثرة أولاده، وقيل: المراد أنه أمّة من الأمم في الخير، على حدّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ الآية [النحل: ١٢٠]. انتهى (٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: حديث يعلى بن مرّة ﵁ هذا حسنٌ (٥). [فإن قلت]: كيف يُحَسّن وفي إسناده سعيد بن بن أبي راشد، وهو مجهول، كما سبق في ترجمته؟.

стр. 1468

[قلت]: لم ينفرد به سعيد بن أبي راشد، بل تابعه راشد بن سعد، فقد أخرجه البخاريّ في "الأدب المفرد" (٣٦٤) قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن صالح، حَدَّثَنَا معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن يعلى بن مرّة به، وهكذا رواه في "التاريخ" أيضًا، وساق عقبه رواية ابن خثيم عن سعيد بن أبي راشد المتقدّمة، وقال: والأول أصحّ". انتهى. فهذا الإسناد جيّد، ورجاله ثقات، وفي عبد الله بن صالح، وهو كاتب الليث كلام لا يضرّ في المتابعة، والشواهد، وقد حسّن الحديث الترمذيّ، وصحّح الإسناد الحاكم، ولم يتعقّبه الذهبيّ، ولكن في تصحيحه نظر؛ لأن سعيد بن أبي راشد لم يرو عنه غير ابن خثيم، ولم يوثقه غير ابن حبّان، ولذا قال في "التقريب": مقبول، أي عند المتابعة. وكذا قول البوصيري: هذا إسناد حسن، رجاله ثقات محلّ نظر؛ لما ذكرناه. وخلاصة القول أن الحديث حسن؛ لمتابعة راشد بن سعد لسعيد بن أبي راشد، فقول الدكتور بشّار بعد إيراده رواية راشد هذه: ولولا أن هذا السند ضعيف من أجل ضعف عبد الله بن صالح لصار راشد بن سعد، وهو ثقة متابعًا لسعيد بن أبي راشد محلّ نظر أيضًا؛ لأن عبد الله بن صالح ليس مجمعا على ضعفه، كما يوهمه كلامه، بل وثّقه ابن معين، وقال أبو زرعة: حسن الحديث، وقوّاه غيرهما، والحقّ فيه ما قال الحافظ ابن القطان الفاسيّ: هو صدوقٌ، ولم يثبُت عليه ما يُسْقَطُ به حديثُهُ، إِلَّا أنه مختلف فيه، فحديثه حسن. انتهى (١). والحاصل أن الحديث لا يَنْزِل عن درجة الحسن، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال البوصيريّ في "مصباح الزجاجة": بعد أن ذكر إخراج أحمد والترمذيّ له: ما نصّه: ورواه الحاكم في "المستدرك" من طريق المنهال بن عمرو، عن

стр. 1469

يعلى بن مرّة، عن أبيه، قال شيخنا أبو الفضل العسقلانيّ -يعني الحافظ ابن حجر- في "الأطراف" -يعني النكت الظراف-: كذا فيه، وأظنه عن ابن يعلى ابن مرّة عن أبيه، ويكون من مسند يعلى، قال: ولست أعرف لمرّة صحبة، ولا أدرك المنهال يعلى، انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الكلام لا يوجد في "النكت الظراف" الّتي بأيدينا، فالله تعالى أعلم أين ذكره الحافظ؟. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنِّف) هنا (٢٢/ ١٤٤) فقط، وأخرجه (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٧٧٥) و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢٢/ ١٠١ و ١٠٣) و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٧٧ و ٤/ ١٧٢) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٧١). [تنبيه]: يوجد في النسخ المطبوعة بعد هذا الحديث: ما نصّه: (حَدَّثَنَا عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ مِثْلَهُ) ولا يوجد في النسخة الهنديّة، ولم يذكره الحافظ المزيّ في "تحفة الأشراف"، ولا الحافظ البوصيريّ في "مصباح الزجاجة"، ولا علاقة له أيضًا بهذا الحديث، فلا ينبغي إثباته هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٤٥ - (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَليٍّ الخلَّالُ، وَعَليُّ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ صُبَيْح مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لَعَليٍّ وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنِ وَالحُسَيْنِ: "أَنَا سِلْمٌ لمَنْ سَالَمْتُمْ، وَحَرْبٌ لمِنْ حَارَبْتُمْ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الحسن بن عليّ الخلال) الحُلْوانيّ، نزيل مكّة، ثقة حافظ [١٠] ١/ ١٣٨. ٢ - (عليّ بن المُنذر) الطَّرِيقيّ الكوفيّ، صدوقٌ يتشيّع [١٠] ٢/ ٢١. ٣ - (أبو غسّان) مالك بن إسماعيل النَّهْديّ الكوفيّ، ثقة متقنٌ عابدٌ، صحيح

стр. 1470

الكتاب، من صغار [٩] ١٠/ ٨٤. ٤ - (أسباط بن نصر) الْهَمْدانيّ، أبو يوسف، ويقال: أبو نصر الكوفيّ، صدوق، كثير الخطإ يُغْرب [٨]. رَوَى عن سماك بن حرب، وإسماعيل السُّدِّيّ، ومنصور، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد بن المفضل الحَفَري الكُوفيُّ، وعمرو بن حماد القَنّاد، وأبو غسان النَّهْدي، ويونس بن بكير، وعبد الله بن صالح العجلي، وغيرهم. قال حرب: قلت لأحمد: كيف حديثه؟ قال: ما أدري، وكأنه ضعّفه. وقال أبو حاتم: سمعت أبا نُعيم يُضَعِّفه، وقال: أحاديثه عامّتُهُ سَقَطٌ، مقلوب الأسانيد. وقال النَّسائيُّ: ليس بالقوي. وقال البخاريّ في "تاريخه الأوسط": صدوق. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وأنكر أبو زرعة على مسلم إخراجه في "صحيحه" لحديث أسباط هذا. وقال: الساجي في "الضعفاء": رَوَى أحاديث لا يُتابَعُ عليها عن سماك بن حرب. وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرّة: ثقة. وقال موسى بن هارون: لم يكن به بأس. روى له البخاريّ في التعاليق، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذه (١٤٥) و (١٨٢٢) و (٤١٢٧). ٥ - (السّدّيّ) -بضم السين، وتشديد الدال المهملتين- هو: إسماعيل بن عبد الرّحمن بن أبي كَرِيمة، أبو محمّد الكوفيّ الأعور، وهو السُّدّيّ الكبير، كان يقعد في سُدّة باب الجامع، فسُمِّى السُّدّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالتشيّع [٤]. رَوَى عن أنس، وابن عبّاس، ورأى ابن عمر، والحسن بن علي، وأبا هريرة، وأبا سعيد، ورَوَى عن أبيه، ويحيى بن عباد، وأبي صالح مولى أم هاني، وغيرهم. وروى عنه شعبة، والثوري، والحسن بن صالح، وزائدة، وأبو عوانة، وأبو بكر ابن عياش، وغيرهم. قال سَلْمُ بن عبد الرّحمن: مَرّ إبراهيمُ النخعي بالسدي، وهو يفسر لهم القرآن، فقال: أَمَا إنّه يفسر تفسير القوم. وقال عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت: سمعت الشّعبيّ،

стр. 1471

وقيل له: إن السَّدِّيِّ قد أُعطِيَ حظّا من علم القرآن، فقال: قد أُعْطِي حظا من جَهْلٍ بالقرآن. وقال علي عن القطان: لا بأس به، ما سمعت أحدًا يذكره إِلَّا بخير، وما تركه أحد. وقال أبو طالب عن أحمد: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي قال: قال يحيى ابن معين يومًا عند عبد الرّحمن بن مهدي، وذَكَر إبراهيم بن مهاجر، والسُّدّيّ، فقال يحيى: ضعيفان، فغضب عبد الرّحمن، وكره ما قال. قال عبد الله: سألت يحيى عنهما، فقال: متقاربان في الضعف. وقال الدُّوري عن يحيى: في حديثه ضعف. وقال الجوزجاني: هو كذّاب شَتّام. وقال أبو زرعة: لين. وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه ولا يُحتَجّ به. وقال النَّسائيُّ في "الكنى": صالح. وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وقال ابن عدي: له أحاديث يرويها عن عدة شيوخ، وهو عندي مستقيم الحديث، صدوقٌ، لا بأس به. وقال حسين بن واقد: سمعت من السُّدّيّ، فما قمت حتّى سمعته يتناول أبا بكر وعمر، فلم أَعُد إليه. وقال العجلي: ثقة، عالم بالتفسير، راوِيَةٌ له. وقال العقيليّ: ضعيف، وكان يتناول الشيخين. وقال الساجي: صدوق فيه نظر. وقال الحاكم في "المدخل" في "باب الرواة الذين عِيب على مسلم إخراج حديثهم": تعديلُ عبد الرّحمن ابن مهدي أقوى عند مسلم ممّن جرحه بجرح غير مُفَسَّر. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وقال الطّبريّ: لا يُحتَجّ بحديثه. وقال أبو جعفر بن الأخرم: لا يُنكَر له ابنُ عبّاس، قد رأى سَعْدَ بن أبي وقّاص. وقال خليفة: مات سنة (١٢٧). أخرج له مسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٤٥) و (١٨٢٢) و (٤١٢٧). ٦ - (صُبيح) -مصغّرًا -مولى أم سلمة زوج النّبيّ ﷺ ، ويقال: مولى زيد بن أرقم، مقبول [٦]. روى عن زيد بن أرقم، وأم سلمة، ورَوَى عنه ابنُ ابنِهِ إبراهيم بن عبد الرّحمن بن صُبيح، وإسماعيل بن عبد الرّحمن السُّدّيّ، قال البخاريّ: لم يَذكُر سماعًا من زيد.

стр. 1472

وذكره ابنُ حبّان في "الثِّقات". أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٧ - (زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجي الصحابيّ المشهور، أول مشاهده الخندق، وأنزل الله تصديقه في "سورة المنافقون"، مات سنة ست، أو ثمان وستين، وتقدّمت ترجمته في ٣/ ٢٥. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لَعَليٍّ وَفَاطِمَةَ وَالحسَنِ وَالحُسَيْنِ) أي قال في حقّهم، أو لأجلهم (أَنَا سِلْمٌ) بكسر السين المهملة، وفتحها، وسكون اللام: أي صُلْح، بمعنى مسالمٌ، ومصالح، من إطلاق المصدر، وإرادة اسم الفاعل، ويأتي مثله في "حرب" (لمِنْ سَالمتُمْ) أي صالحتموه (وَحَرْبٌ) بفتح، فسكون، أي محارب (لمِنْ حَارَبْتُمْ) أي حاربتموه، جعل ﷺ نفسه نفس الصلح والحرب مبالغةً، كما يقال: زيد عدل، أي عادل (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث زيد بن أرقم هذا ضعيف؛ لأن في سنده صُبيحًا مولى أم سلمة مجهول الحال، وأسباط بن نصر صدوقٌ كثير الخطإ يُغرب. وقال الحافظ المزيّ ﵀ في "تحفة الأشراف": رواه الحسين بن الحسن الْعُرَنيّ، عن عليّ بن هاشم بن الْبَرِيد، عن أبي الجَحّاف، عن مسلم بن صَبِيح، عن زيد بن أرقم. انتهى. والحسين بن الحسن العرنيّ ضعيف من الشيعة الشتّامين، والأكثرون على

стр. 1473

تضعيفه، بل منهم من كذّبه، وعليّ بن هاشم بن البريد شيعيّ معروف، وكذلك أبوه. وفي الباب عن أبي هريرة ﵁ عند أحمد في "المسند" ٢/ ٤٤٢ و"الفضائل" (١٣٥٠) و (الطبرانيّ) (٢٦٢١) والحاكم في "المستدرك" ٣/ ١٤٩ من رواية تَلِيد بن سليمان، عن أبي الجحّاف، عن أبي حازم، عنه، وتَلِيد رافضيّ ضعيف، وكانوا يسمّونه بَلِيدًا بالموحّدة، قال ابن معين: كذاب يشتم عثمان، وكل من شتم عثمان، أو طلحة، أو أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ دجّال لا يُكتب عنه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وقال أبو داود: رافضيّ رجل سوء، يشتم أبا بكر وعمر، وكذلك قال يعقوب ابن سفيان، وكذبه أحمد. ومع هذا كله فقد قال الحاكم عن هذا الحديث: حديث حسن، وقال الهيثميّ في "مجمع الزوائد" ٩/ ١٦٩: فيه تليد بن سليمان، وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصّحيح، وهذا من العجائب. والحاصل أن الحديث واه بمرّة، والله تعالى أعلم. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٢٢/ ١٤٥) وأخرجه (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨٧٠) و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" ١٢/ ٩٧ و (الطبرانيّ) (٢٦١٩) و (٢٦٢٠) و (٥٠٣٠) و (٥٠٣١) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٠٣١) و (الحاكم) في "مستدركه" ٣/ ١٤٩، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 1474

٢٣ - (فضْلُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ ﵁ -) هو: عمّار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوَذِيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر بن بام بن عَنْس -بنون ساكنة- ابن مالك العنسي، أبو اليَقْظَان، حليف بني مخزوم، وأمه سُمَيّة مولاة لهم، كان من السابقين الأولين هو وأبوه، وكانوا ممّن يُعَذَّب في الله، فكان النّبيّ ﷺ يَمُرّ عليهم، فيقول: "صبرا آل ياسر موعدكم الجنَّة"، واختُلف في هجرته إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة، وشهد المشاهد كلها، ثمّ شهد اليمامة، فقطعت أذنه بها، ثمّ استَعمَله عمر ﵁ علي الكوفة، وكَتَبَ إليهم أنه من النجباء، من أصحاب محمّد ﷺ . وتواترت الأحاديث عن النّبيّ ﷺ أن عمارا تقتله الفئة الباغية، وأجمعوا على أنه قُتل مع علي ﵁ بصِفِّين سنة سبع وثمانين في ربيع، وله ثلاث وتسعون سنة، واتفقوا على أنه نزل فيه قوله : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] (١)، وروى عن النّبيّ ﷺ (٦٢) حديثًا، اتفق الشيخان على حديثين، وانفرد البخاريّ بثلاثة، ومسلم بحديث، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم ٢٩٤ و ٤٢٩ و ٥٦٥ و ٥٦٦ و ٥٦٩ و ٥٧١ و ٩١٦ و ١٦٤٥، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٤٦ - (حَدَّثَنَا عُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عِليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: كنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَاسْتَأْذَنَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ائْذَنُوا لَهُ، مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ المطيَّبِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عثمان بن أبي شيبة) العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقة حافظ شهير [١٠] ٥/ ٤٠.

стр. 1475

٢ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد يدلس، واختلط بآخره [٣] ٧/ ٤٥. ٣ - (هانيء بن هانيء) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، مستور [٣]. روى عن عليّ، وعنه أبو إسحاق السبيعيّ وحده، قال النَّسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، قال: وكان يتشيّع. وقال ابن المدينيّ: مجهول. وقال حرملة عن الشّافعيّ: هانىء بن هانىء لا يُعرف، وأهل العلم بالحديث لا يَنسبُون حديثه لجهالة حاله. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذيّ، والنَّسائيّ في "الخصائص"، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، والذي يليه فقط. ٤ - (علي) بن أبي طالب ﵁ ٢/ ٢٠. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. شرح الحديث: (عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ أنه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَاسْتَأْذَنَ) أي طلب الإذن في الدخول على النبيّ ﷺ (عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ) ﵄ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ائْذَنُوا لَه) بإبداء الهمزة ياء؛ لوقوعها إثر كسرة، هذا في حالة الابتداء، وأما في حالة الدرج، فيقرأ بالهمزة (مَرْحَبًا) قال في "اللسان": وقولهم في تحيّة الوارد: أهلًا ومرحبًا، أي أتيت سعةً، وأتيت أهلًا، فاستأنس، ولا تستوحش، وقال اللَّيث: قولهم: مرحبًا: انزل في الرحب والسعة، وأقم، فلك عندنا ذلك، وسُئل الخليل عن نصبه، فقال: بفعل محذوف، أي انزل، أو أقم، وقال ابن الأعرابيّ: تقول العرب: لا مرحبًا بك: أي لا رحُبت عليك بلادك، وهي من المصادر الّتي تقع في الدُّعاء للرجل وعليه، نحو سقيًا ورَعْيًا، وجَدْعًا وعَقْرًا، يريدون سقاك الله، ورعاك،، وقال الفرّاء: معناه رَحّبَ الله بك مَرْحَبًا، كأنه وُضع موضعَ الترحيب. انتهى ملخّصًا (١) (بِالطَيِّبِ المُطَيَّبِ) أي الطّاهر
следующие страницы →