وقيل له: إن السَّدِّيِّ قد أُعطِيَ حظّا من علم القرآن، فقال: قد أُعْطِي حظا من جَهْلٍ بالقرآن. وقال علي عن القطان: لا بأس به، ما سمعت أحدًا يذكره إِلَّا بخير، وما تركه أحد. وقال أبو طالب عن أحمد: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي قال: قال يحيى ابن معين يومًا عند عبد الرّحمن بن مهدي، وذَكَر إبراهيم بن مهاجر، والسُّدّيّ، فقال يحيى: ضعيفان، فغضب عبد الرّحمن، وكره ما قال. قال عبد الله: سألت يحيى عنهما، فقال: متقاربان في الضعف. وقال الدُّوري عن يحيى: في حديثه ضعف. وقال الجوزجاني: هو كذّاب شَتّام. وقال أبو زرعة: لين. وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه ولا يُحتَجّ به. وقال النَّسائيُّ في "الكنى": صالح.
وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وقال ابن عدي: له أحاديث يرويها عن عدة شيوخ، وهو عندي مستقيم الحديث، صدوقٌ، لا بأس به. وقال حسين بن واقد: سمعت من السُّدّيّ، فما قمت حتّى سمعته يتناول أبا بكر وعمر، فلم أَعُد إليه. وقال العجلي: ثقة، عالم بالتفسير، راوِيَةٌ له. وقال العقيليّ: ضعيف، وكان يتناول الشيخين. وقال الساجي: صدوق فيه نظر. وقال الحاكم في "المدخل" في "باب الرواة الذين عِيب على مسلم إخراج حديثهم": تعديلُ عبد الرّحمن ابن مهدي أقوى عند مسلم ممّن جرحه بجرح غير مُفَسَّر. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وقال الطّبريّ: لا يُحتَجّ بحديثه. وقال أبو جعفر بن الأخرم: لا يُنكَر له ابنُ عبّاس، قد رأى سَعْدَ بن أبي وقّاص.
وقال خليفة: مات سنة (١٢٧).
أخرج له مسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٤٥) و (١٨٢٢) و (٤١٢٧).
٦ - (صُبيح) -مصغّرًا -مولى أم سلمة زوج النّبيّ ﷺ ، ويقال: مولى زيد بن أرقم، مقبول [٦].
روى عن زيد بن أرقم، وأم سلمة، ورَوَى عنه ابنُ ابنِهِ إبراهيم بن عبد الرّحمن بن صُبيح، وإسماعيل بن عبد الرّحمن السُّدّيّ، قال البخاريّ: لم يَذكُر سماعًا من زيد.
стр. 1472
وذكره ابنُ حبّان في "الثِّقات".
أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٧ - (زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجي الصحابيّ المشهور، أول مشاهده الخندق، وأنزل الله تصديقه في "سورة المنافقون"، مات سنة ست، أو ثمان وستين، وتقدّمت ترجمته في ٣/ ٢٥. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لَعَليٍّ وَفَاطِمَةَ وَالحسَنِ وَالحُسَيْنِ) أي قال في حقّهم، أو لأجلهم (أَنَا سِلْمٌ) بكسر السين المهملة، وفتحها، وسكون اللام: أي صُلْح، بمعنى مسالمٌ، ومصالح، من إطلاق المصدر، وإرادة اسم الفاعل، ويأتي مثله في "حرب" (لمِنْ سَالمتُمْ) أي صالحتموه (وَحَرْبٌ) بفتح، فسكون، أي محارب (لمِنْ حَارَبْتُمْ) أي حاربتموه، جعل ﷺ نفسه نفس الصلح والحرب مبالغةً، كما يقال: زيد عدل، أي عادل (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث زيد بن أرقم هذا ضعيف؛ لأن في سنده صُبيحًا مولى أم سلمة مجهول الحال، وأسباط بن نصر صدوقٌ كثير الخطإ يُغرب.
وقال الحافظ المزيّ ﵀ في "تحفة الأشراف": رواه الحسين بن الحسن الْعُرَنيّ، عن عليّ بن هاشم بن الْبَرِيد، عن أبي الجَحّاف، عن مسلم بن صَبِيح، عن زيد بن أرقم. انتهى.
والحسين بن الحسن العرنيّ ضعيف من الشيعة الشتّامين، والأكثرون على
стр. 1473
تضعيفه، بل منهم من كذّبه، وعليّ بن هاشم بن البريد شيعيّ معروف، وكذلك أبوه.
وفي الباب عن أبي هريرة ﵁ عند أحمد في "المسند" ٢/ ٤٤٢ و"الفضائل" (١٣٥٠) و (الطبرانيّ) (٢٦٢١) والحاكم في "المستدرك" ٣/ ١٤٩ من رواية تَلِيد بن سليمان، عن أبي الجحّاف، عن أبي حازم، عنه، وتَلِيد رافضيّ ضعيف، وكانوا يسمّونه بَلِيدًا بالموحّدة، قال ابن معين: كذاب يشتم عثمان، وكل من شتم عثمان، أو طلحة، أو أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ دجّال لا يُكتب عنه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وقال أبو داود: رافضيّ رجل سوء، يشتم أبا بكر وعمر، وكذلك قال يعقوب ابن سفيان، وكذبه أحمد.
ومع هذا كله فقد قال الحاكم عن هذا الحديث: حديث حسن، وقال الهيثميّ في "مجمع الزوائد" ٩/ ١٦٩: فيه تليد بن سليمان، وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصّحيح، وهذا من العجائب.
والحاصل أن الحديث واه بمرّة، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٢٢/ ١٤٥) وأخرجه (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨٧٠) و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" ١٢/ ٩٧ و (الطبرانيّ) (٢٦١٩) و (٢٦٢٠) و (٥٠٣٠) و (٥٠٣١) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٠٣١) و (الحاكم) في "مستدركه" ٣/ ١٤٩، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 1474
٢٣ - (فضْلُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ ﵁ -)
هو: عمّار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوَذِيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر بن بام بن عَنْس -بنون ساكنة- ابن مالك العنسي، أبو اليَقْظَان، حليف بني مخزوم، وأمه سُمَيّة مولاة لهم، كان من السابقين الأولين هو وأبوه، وكانوا ممّن يُعَذَّب في الله، فكان النّبيّ ﷺ يَمُرّ عليهم، فيقول: "صبرا آل ياسر موعدكم الجنَّة"، واختُلف في هجرته إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة، وشهد المشاهد كلها، ثمّ شهد اليمامة، فقطعت أذنه بها، ثمّ استَعمَله عمر ﵁ علي الكوفة، وكَتَبَ إليهم أنه من النجباء، من أصحاب محمّد ﷺ .
وتواترت الأحاديث عن النّبيّ ﷺ أن عمارا تقتله الفئة الباغية، وأجمعوا على أنه قُتل مع علي ﵁ بصِفِّين سنة سبع وثمانين في ربيع، وله ثلاث وتسعون سنة، واتفقوا على أنه نزل فيه قوله : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] (١)، وروى عن النّبيّ ﷺ (٦٢) حديثًا، اتفق الشيخان على حديثين، وانفرد البخاريّ بثلاثة، ومسلم بحديث، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم ٢٩٤ و ٤٢٩ و ٥٦٥ و ٥٦٦ و ٥٦٩ و ٥٧١ و ٩١٦ و ١٦٤٥، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٤٦ - (حَدَّثَنَا عُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عِليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: كنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَاسْتَأْذَنَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ائْذَنُوا لَهُ، مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ المطيَّبِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عثمان بن أبي شيبة) العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقة حافظ شهير [١٠] ٥/ ٤٠.
стр. 1475
٢ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد يدلس، واختلط بآخره [٣] ٧/ ٤٥.
٣ - (هانيء بن هانيء) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، مستور [٣].
روى عن عليّ، وعنه أبو إسحاق السبيعيّ وحده، قال النَّسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، قال: وكان يتشيّع. وقال ابن المدينيّ: مجهول. وقال حرملة عن الشّافعيّ: هانىء بن هانىء لا يُعرف، وأهل العلم بالحديث لا يَنسبُون حديثه لجهالة حاله.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذيّ، والنَّسائيّ في "الخصائص"، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، والذي يليه فقط.
٤ - (علي) بن أبي طالب ﵁ ٢/ ٢٠. والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ أنه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَاسْتَأْذَنَ) أي طلب الإذن في الدخول على النبيّ ﷺ (عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ) ﵄ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ائْذَنُوا لَه) بإبداء الهمزة ياء؛ لوقوعها إثر كسرة، هذا في حالة الابتداء، وأما في حالة الدرج، فيقرأ بالهمزة (مَرْحَبًا) قال في "اللسان": وقولهم في تحيّة الوارد: أهلًا ومرحبًا، أي أتيت سعةً، وأتيت أهلًا، فاستأنس، ولا تستوحش، وقال اللَّيث: قولهم: مرحبًا: انزل في الرحب والسعة، وأقم، فلك عندنا ذلك، وسُئل الخليل عن نصبه، فقال: بفعل محذوف، أي انزل، أو أقم، وقال ابن الأعرابيّ: تقول العرب: لا مرحبًا بك: أي لا رحُبت عليك بلادك، وهي من المصادر الّتي تقع في الدُّعاء للرجل وعليه، نحو سقيًا ورَعْيًا، وجَدْعًا وعَقْرًا، يريدون سقاك الله، ورعاك،، وقال الفرّاء: معناه رَحّبَ الله بك مَرْحَبًا، كأنه وُضع موضعَ الترحيب. انتهى ملخّصًا (١) (بِالطَيِّبِ المُطَيَّبِ) أي الطّاهر
стр. 1476
المطهّر (١) وفيه مبالغة، كظلّ ظَلِيل (٢).
وقال السندي: قوله: "بالطيّب المطيّب" كأنه جُبل على الاستقامة والسلامة، ثمّ زاده الله تعالى ذلك بما أعطاه من علم الكتاب والسُّنَّة، فقيل: الطيّب المطيَّب. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ هذا ضعيف؛ لجهالة هانيء بن هانيء؛ لأنه لم يرو عنه إِلَّا أبو إسحاق، ولعنعنة أبي إسحاق، فإنّه مدلّس.
[تنبيه]: صحّح الشّيخ الألباني هذا الحديث كما في "صحيح ابن ماجه" ١/ ٣٠ و"الصحيحة" ٢/ ٤٦٦ وقد عرفت ما فيه، ومن الغريب أنه أورد له في "الصحيحة" شاهدًا أخرجه أبو نعيم في "الحلية"، ثمّ قال: وإسناده ضعيف، مسلسل بالضعفاء. انتهى. فكيف يستشهد بمثل هذا؟، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٤٧ - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عِليٍّ الجهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَثَّامُ بْنُ عَليٍّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبي إِسْحَاقَ، عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانئ قَالَ: دَخَلَ عَمَّارٌ عَلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالطَيِّبِ الْمُطَيَّبِ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مُلِئَ عَمَّارٌ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (نصر بن عليّ الْجَهْضَميّ) البصريّ، ثقة ثبتٌ [١٠] ١/ ١٣.
٢ - (عَثّام بن عليّ) بن هُجير -بجيم مصغّرًا- ابن بُجَير بن زُرْعة بن عَمْرو بن مالك بن خالد بن ربيعة بن الْوَحِيد، وهو عامر بن كعب بن عامر بن كِلاب العامريّ
стр. 1477
الكلابيّ، أبو عليّ الكوفيّ، ثقة (١)، من كبار [٩].
رَوَى عن الأعمش، وهشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، والثوري، ويونس بن أبي إسحاق، وسُعَير بن الخِمْس، وغيرهم.
وروى عنه محمّد بن أبي بكر المُقَدَّميّ، ومسدد، ومحمد بن عبد الأعلى الصنعاني، وعمر بن حفص بن غياث، ونصر بن علي الجهضمي، وغيرهم.
قال الآجري عن أبي داود: سمعت أحمد يقول: عَثّام رجل صالح، قال: وسألت أبا داود عنه، فجعل يُثْنِي عليه، ويقول قولًا جميلًا. وقال النَّسائيُّ: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أحمب إلي من يحيى بن عيسى الرَّمليّ. وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال الحاكم عن الدارقطني: ثقة. وذكره ابن شاهين في "الثِّقات". وقال: قال عثمان بن أبي شيبة: كان صدوقًا. وذكر له البزار حديثًا، تفرد به، وقال: وهو ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات".
قال ابن نُمير، والترمذيّ: مات سنة (٤)، وقال ابن سعد، وأبو داود: مات سنة خمس وتسعين.
أخرج له البخاريّ، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٤٧) و (٢٨٨) و (١٣٢١)، والباقون تقدّموا في السند الماضي، وتقدّم الأعمش قبل باب، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِيءٍ) أنه (قَالَ: دَخَلَ عَمَّارٌ) بن ياسر ﵄ (عَلَى عَليٍّ) ابن أبي طالب ﵁ (فَقَالَ) أي عليّ ﵁ (مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ المطيَّبِ) هذا موقوف في هذه الرِّواية، وقد سبق مرفوعًا في الرِّواية الماضية، لكنه ضعيف، فالصحيح وقفه (سَمِعْتُ
стр. 1478
رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: مُلِئَ) بضم أوله مبنيّا للمفعول، ونائب فاعله قوله: (عَمَّارٌ) ﵁ إِيمَانًا) منصوب على التمييز (إِلَى مُشَاشِهِ) وفي رواية أبي نُعيم في "الحلية": "من قرنه إلى قدمه". و"الْمُشَاش" -بضم الميم، وتخفيف المعجمتين: هي رؤوس العظام، كالمرفقين، والكتفين، والركبتين، وقال الجوهريّ: هي رؤوس العظام الليّنة الّتي يمكن مَضْغُها. انتهى (١).
وقال السنديّ بعد ما ذكر نحو هذا: وعلى هذا فيمكن أن يقال: إنّه طيّب بأصل الخلقة، ومطيّب باعتبار أن الله تعالى زاد فيه ذلك بحيث ملأه منه (٢).
وقال في "إنجاح الحاجة": أي دخل الإيمان في قلبه، وتفسّح في صدره حتّى سرى إلى عروقه وعظامه في سائر الجسد، وكان ﷺ يدعو "اللَّهُمَّ اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا" حتّى يقول: "واجعلني نورًا"، والمراد به نور الإيمان، انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عليّ ﵁ هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه العلّة المذكورة في الحديث السابق؟.
[قلت]: إنّما صحّ لأن له شاهدًا، وهو ما أخرجه النَّسائيّ في "الفضائل" من "الكبرى" (٨٢١٥) قال: أَخْبَرَنَا إسحاق بن منصور، قال: أَخْبَرَنَا عبد الرّحمن، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي عمّار، عن عمرو بن شُرَحبيل، قال: حَدَّثَنَا رجلٌ من أصحاب النبيّ ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "مُلىء عمّار بن ياسر إيمانًا إلى مشاشه" (٣).
стр. 1479
وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رجال الشيخين، غير أبي عمّار، واسمه عَرِيب -بفتح أوله، وكسر الراء- ابن حُمَيد الهمدانيّ، وهو ثقة، وعبد الرّحمن هو ابن مهديّ.
وأخرجه الحاكم في "مستدركه" ٣/ ٣٩٢ - ٣٩٣ من طريق محمّد بن أبي يعقوب -وهو ثقة- عن عبد الرّحمن بن مهديّ بإسناد النَّسائيّ، وسمّى الصحابيّ عبد الله بن مسعود ﵁.
والحاصل أن الحديث صحيح؛ لما ذكرناه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٤٨ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى ح وحَدَّثَنَا عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الله، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ سِيَاهٍ، عَنْ حَبيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "عمَارٌ مَا عُرِضَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ، إِلا اخْتَارَ الْأَرْشَدَ مِنْهُمَا").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أبو بكر بن أبي شيبة) هو: عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ الكوفيّ، ثقة حافظ صاحب تصانيف، أكثر عنه المصنّف [١٠] ١/ ١.
٢ - (عمرو بن عبد الله) بن حَنَش، ويقال: ابن محمّد بن حَنَش الأوديّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ١١/ ٩٦ من أفراد المصنّف (١).
٣ - (عبيد الله بن موسى) بن أبي المختار باذام العبسيّ، أبو محمّد الكوفيّ، ثقة كان يتشيع [٩] ٩/ ٧٠.
٤ - (عبد العزيز بن سياه) -بكسر المهملة، وتخفيف التحتانيّة- الأَسَدي الكوفيّ، ثقة (٢) يتشيّع [٧].
стр. 1480
وليس له في هذا الكتاب إِلَّا هذا الحديث.
٥ - (حبيب بن أبي ثابت) قيس، ويقال: هند بن دينار الأسديّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة فقيه جليلٌ، كثير الإرسال والتدليس [٣] ٥/ ٤١.
٦ - (عطاء بن يسار) الهلاليّ، أبو محمّد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] ٩/ ٦٠.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ ٢/ ١٤، والباقيان تقدّما قبل حديث، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات من رجال الصّحيح، غير شيخيه، وهما ثقات.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير عطاء، وعائشة، فمدنيان. (ومنها): أن فيه (ح) وهو كناية عن تحويل الإسناد، فللمصنّف في هذا الحديث سندان، أحدهما أبو بكر بن أبي شيبة، عن عبيد الله بن موسى -والثّاني عن علي بن محمّد، وعمرو بن عبد الله جميعًا عن وكيع- وكلاهما يرويان عن عبد العزيز بن سياه ...
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: حبيب عن عطاء.
٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : عَمَّارٌ) مبتدأ خبره جملة قوله: (مَا) نافية (عُرِضَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية التِّرمذيِّ:
стр. 1481
"ما خُيّر عمّار ... " (إِلَّا اخْتَارَ) لما جُبِل عليه من الاستقامة والسداد (الْأَرْشَدَ) أي الأصلح (مِنْهُما) أي من الأمرين، وفي رواية النَّسائيّ بلفظ "أشدّهما" بالشين المعجمة، أي أصعبهما، قال القاري: فقيل: هذا بالنظر إلى نفسه، والأول بالنظر إلى غيره، فلا تنافي بين الروايتين، وفي نسخة: "أسدّهما" بالسين المهملة، أي أصوبهما، والأظهر في الجمع بين الروايات أنه كان يختار أصلحهما وأصوبهما فيما تبيّن ترجيحه، وإلا اختار أيسرهما. انتهى (١).
وقال في "الإنجاح": وكان السلف يحبّون أن يعملوا لأنفسهم ما كان أقرب إلى الاحتياط، ويأمرون غيرهم ما كان أسهل لهم، فإنّه ﷺ قال: "إنّما بُعثتم ميسّرين، ولم تُبعثوا معسّرين"، انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا صحيح.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٢٣/ ١٤٨) فقط، وأخرجه (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٧٩٩) و (النَّسائيّ) في "فضائل الصّحابة" (٨٢١٨) و (أحمد) في "مسنده" (٢٤٨٢٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل عمّار بن ياسر ﵄.
٢ - (ومنها): مشروعيّة مدح الإنسان بما فيه من المزايا الفاضلة، والخصال
стр. 1482
المحمودة؛ لأن فيه تشجيعًا له، وتثبيتًا، وحثًّا لغيره على الاقتداء به.
٣ - (ومنها): الحث على أن الإنسان إذا خُيّر بين أمرين جائزين شرعًا يختار الأصلح له، ولغيره ممّا يعود نفعه عليه في الدنيا والآخرة.
٤ - (ومنها): أنه استُدلّ بهذا الحديث على أن الرشد مع عليّ ﵁، في خلافته، وأن معاوية ﵁ أخطأ اجتهاده، ولم يكن على الرشد، لأن عمّارًا ﵁ اختار مرافقة عليّ ﵁ وكان معه يوم صفّين حتّى استُشهد في تلك الحرب، وقد قال ﷺ : "ويح عمار تقتله الفئة الباغية"، متّفق عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 1483
٢٤ - (فَضْلُ سَلْمَان، وأبي ذَرٍّ وَالْمِقْدَادِ) ﵃ -
أما سلمان ﵁، فهو: سلمان أبو عبد الله، ويقال له: سلمان ابن الإسلام، وسلمان الخير، وقال ابن حِبّان من زعم أن سلمان الخير آخر فقد وَهِمَ، أصله من رَامَهُرْمُز، وقيل: من أصبهان، وكان قد سمع بأن النّبيّ ﷺ سيُبعَث، فخرج في طلب ذلك، فأُسِر، وبيع بالمدينة، فاشتغل بالرِّقّ حتّى كان أول مشاهده الخندق، وشهد بَقِيّة المشاهد، وفتوح العراق، وولي المدائن، وقال ابن عبد البرّ: يقال: إنّه شهد بدرًا، وكان عالمًا زاهدًا، رَوَى عنه أنس، وكعب بن عُجْرَة، وابن عبّاس، وأبو سعيد، وغيرهم من الصّحابة، ومن التابعين أبو عثمان النَّهْدي، وطارق بن شهاب، وسعيد بن وهب، وآخرون بعدهم.
قيل: كان اسمه ما به -بكسر الموحدة- ابن بود، قاله ابن منده بسنده، وساق له نسبًا، وقيل: اسمه بهبود، ويقال: إنّه أدرك عيسى ابن مريم، وقيل: بل أدرك وَصِيّ عيسى ﵇. ورُويت قصته من طرق كثيرة، من أصحها ما أخرجه أحمد من حديثه نفسه، وأخرجها الحاكم من وجه آخر عنه أيضًا، وأخرجه الحاكم من حديث بريدة، وعلق البخاريّ طرفًا منها، وفي سياق قصته في إسلامه اختلاف يَتَعَسّر الجمع فيه، ورَوَى البخاريّ في "صحيحه" عن سلمان أنه تداوله بضعة عشر سيدًا، قال الذهبي: وجدت الأقوال في سِنِّهِ كلها دالةً على أنه جاوز المائتين وخمسين، والاختلاف إنّما هو في الزائد، قال: ثمّ رجعت عن ذلك، وظهر لي أنه ما زاد على الثمانين.
قال الحافظ: لم يذكر مستنده في ذلك، وأظنه أخذه من شهود سلمان الفتوح بعد النّبيّ ﷺ ، وتزوجه امرأة من كِندَة، وغير ذلك ممّا يدلُّ على بقاء بعض النشاط، لكن إن ثبت ما ذكروه يكون ذلك من خوارق العادات في حقه، وما المانع من ذلك، فقد رَوَى أبو الشّيخ في "طبقات الأصبهانيين" من طريق العباس بن يزيد، قال: أهلُ العلم يقولون: عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة، فأمّا مائتان وخمسون فلا يشكون فيها، قال أبو ربيعة الإيادي عن أبي بُريدة، عن أبيه، أن النّبيّ ﷺ قال: "إن الله يحب من أصحابي
стр. 1484
أربعة ... "، فذكره فيهم، وقال سلمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال: "آخى النّبيّ ﷺ بين أبي الدرداء وسلمان ... "، ونحوه في البخاريّ، من حديث أبي جُحيفة في قصته، ووقع في هذه القصة، فقال النّبيّ ﷺ لأبي الدرداء: "سلمان أفقه منك"، مات سنة ست وثلاثين في قول أبي عبيد، أو سبع في قول خليفة، وروى عبد الرزّاق، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس ﵁ دخل ابن مسعود على سلمان ﵄، عند الموت، فهذا يدلُّ على أنه مات قبل ابن مسعود، ومات ابن مسعود قبل سنة أربع وثلاثين، فكأنه مات سنة ثلاث، أو سنة اثنتين، وكان سلمان بيته إذا خَرَجَ عطاؤه تصدّق به، ويَنسُج الْخُوصَ، ويأكل من كسب يده، روى من الأحاديث (٦٠) حديثًا، اتفق الشيخان على ثلاثة، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسلم بثلاثة، أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
وأما أبو ذرّ ﵁، فهو: جُندب بن جُنادة على الصّحيح من الأقوال في اسمه واسم أبيه الغفاري، الزاهد المشهور، الصادق اللَّهْجَة تقدّمت ترجمته ﵁ في ١٢/ ١٠٨.
وأما المقداد، فهو: ابن الأسود الكِنْديّ، هو ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مَطْرُود الْبَهْرَانيّ، وقيل: الحضرميّ، قال ابن الكلبيّ: كان عمرو بن ثعلبة أصاب دمًا في قومه، فَلَحِقَ بحضرموت، فحالف كِندَة، فكان يقال له: الكنديّ، وتزوج هناك امرأة، فوَلَدت له المقداد، فلما كَبِر المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكنديّ، فضرب رجله بالسيف، وهَرَبَ إلى مكّة، فحالف الأسود بن عبد يغوث الزّهريُّ، وكتب إلى أبيه، فَقَدِمَ عليه، فتبنى الأسودُ المقدادَ، فصار يقال: المقداد بن الأسود، وغَلَبت عليه، واشتَهَر بذلك، فلما نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ قيل له: المقداد بن عمرو، واشتهرت شهرته بابن الأسود، وكان المقداد يُكنى أبا الأسود، وقيل: كنيته أبو عمرو، وقيل: أبو سعيد، وأسلم قديمًا، وتزوج ضُبَاعة بنت الزُّبير بن عبد المطلب، ابنة عم النّبيّ ﷺ ، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، والمشاهد بعدها، وكان فارسًا يوم بدر، حتّى إنّه لم يَثْبُت أنه كان فيها على فرس غيره، وقال زِرّ بن حُبَيش، عن
стр. 1485
عبد الله بن مسعود: أول من أظهر إسلامه سبعة ... " فذكره فيهم، وقال مخارق بن طارق، عن ابن مسعود: شهدت مع المقداد مَشْهَدًا لأن أكون صاحبه أحب إلي ممّا عُدِل به، وذكر الْبَغَوِيّ من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم، عن زِرّ أول من قاتل على فرس في سبيل الله المقداد بن الأسود، وعن المدائني قال: كان المقداد طويلا آدم كثير الشعر أعين مقرونا يُصَفِّر لحيته. واتفقوا على أنه مات سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان، قيل: وهو ابن سبعين سنة.
أخرج له الجماعة، وروى عن النّبيّ ﷺ (٤٢) حديثًا، اتفق الشيخان على حديث، وانفرد مسلم بثلاثة أحاديث، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (٥٠٥) و (٢٥٠٨) و (٣٧٤٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٤٩ - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى، وَسُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ الإِيَادِيِّ، عَنِ ابْنِ بُرَيْد، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله أَمَرَنِي بِحُبِّ أَرْبَعَةٍ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُحِبّهمْ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله مَنْ هُمْ؟، قَالَ: "عَليٌّ مِنْهُمْ" -يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثًا- " وأَبُو ذَرٍّ، وَسَلْمَانُ، وَالمقْدَادُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن موسى) الْفَزَاريّ، أبو محمّد، أو أبو إسحاق الكوفيّ، نَسِيب السدّيّ، أو ابن بنته، أو ابن أخته، صدوقٌ يُخطىء، ورُمي بالرفض [١٠] ٤/ ٣٠.
٢ - (سُويد بن سعيد) الحدَثَانيّ الهرويّ الأصل، صدوق في نفسه، إِلَّا أنه عَمِي فتلقّن، من قُدماء [١٠] ٤/ ٣٠.
٣ - (شريك) بن عبد الله النخعيّ، أبو عبد الله الكُوفيُّ القاضي، صدوقٌ يخطىء كثيرًا، وتغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فَاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البِدَع [٨] ١/ ١.
стр. 1486
٤ - (أبو ربيعة الإياديّ) (١) مقبول [٦].
قيل: اسمه عُمر بن ربيعة، قاله ابن منده، روى عن عبد الله بن بُريدة، والحسن البصريّ، وعنه الحسن وعليّ ابنا صالح بن حَيّ، ومالك بن مِغْوَل، وشريك بن عبد الله النخعيّ، حسّن الترمذيّ بعض أفراده. وقال: ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: منكر الحديث، ثمّ نقل عن الدارميّ أنه قال: سألت يحيى بن معين عن أبي ربيعة الّذي يروي عنه شريك، فقال: كوفيّ ثقة (٢).
تفرد به أبو داود له عنده حديث واحد فقط (٣)، والترمذيّ له عنده ثلاثة أحاديث (٤)، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث.
٥ - (ابن بُريدة) هو: عبد الله بن بُريد بن الْحُصيب الأسلميّ، أبو سَهْل المروزيّ قاضيها، ثقة [٣] ٩/ ٦٣.
٦ - (أبوه) بُريدة بن الْحُصيب بن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سَعْد بن رَزَاح بن عَدِيّ بن سَهْم بن مازن بن الحارث بن سَلامان بن أَفْصى الأسلميّ الصحابيّ المشهور، قال: ابن السكن: أسلم حين مَرّ به النّبيّ ﷺ مُهاجرًا بالغَمِيم، وأقام في موضعه حتّى مَضَت بدرٌ وأُحُدٌ، ثمّ قَدِمَ بعد ذلك، وقيل: أسلم بعد مُنصَرَف النّبيّ ﷺ من بدر،
стр. 1487
وسكن البصرة لما فُتحت، وفي "الصحيحين" عنه أنه غزا مع النّبيّ ﷺ ست عشرة غزوةً، وقال أبو علي الطوسيّ، أحمد بن عثمان، صاحب ابن المبارك: اسم بريدة عامر، وبُريَدة لقب، وأخبار بريدة كثيرة، ومناقبة مشهورة، وكان غَزَا خُرَاسان في زمن عثمان، ثمّ تحول إلى مَرْوَ، فسكنها إلى أن مات في خلافة يزيد بن معاوية، قال ابن سعد: مات سنة ثلاث وستين.
أخرج له الجماعة، وروى من الأحاديث (١٦٤) حديثًا اتفق الشيخان على حديث، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بأحد عشر حديثًا، وله في هذا الكتاب (٣١) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن) عبد الله (بْنِ بُرَيْدة، عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الحصيب ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (إِنَّ الله) ﵎ (أَمَرَنِي) قال السنديّ: الظّاهر أنه أمر إيجاب، ويحتمل الندب، وعلى الوجهين فما أُمر به النبيّ ﷺ فقد أُمر به أمته، فينبغي للناس أن يُحبّوا هؤلاء الأربعة خصوصًا. انتهى (١) (بِحُبِّ أَرْبَعَةٍ) أي أربعة أشخاص بخصوصهم (وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ) ﷺ (يُحِبّهمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله مَنْ هُمْ؟) أي من هؤلاء الأربعة؟ حتّى نحبّهم نحن تبعا لمحبّة الله تعالى ورسوله ﷺ ، وفي رواية الترمذيّ: "سَمّهم لنا" (قَالَ) ﷺ (عَليٌّ) أي ابن أبي طالب ﵁ (مِنْهُمْ) أي من الأربعة (يَقُولُ) أي النبيّ ﷺ (ذَلِكَ) أي قوله: "عليّ منهم" (ثَلَاثًا) إنّما كرّره للإشعار بأنه أفضلهم، أو يُحبّه قدر ثلاثتهم. قاله القاري (وَأَبُو ذَرٍّ) الغفاريّ (وَسَلْمَانُ) الفارسيّ (وَالمقْدَادُ) بن الأسود ﵃، زاد في رواية الترمذيّ: "أمرني بحبّهم، وأخبرني أنه يُحبّهم"، قال القاري ﵀: هذا فَذْلَكة مفيدة لتأكيد ما سبق.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 1488
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأوَّلى): في درجته:
حديث بُريدة ﵁ هذا ضعيف؛ من أجل شريك القاضي، فإنّه كثير الخطإ، وتغيّر حفظه، وشيخه قاله عنه في "التقريب": مقبول، أي حيث يُتابع، وقد تفرّد به (١). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٢٤/ ١٤٩) فقط، وأخرجه (الترمذيّ) (٣٧١٨)، وقال: حسنٌ غريب، ولكن من أين له الحسن؟ فتنبّه، و (أحمد) في "مسنده" ٥/ ٣٥١ و ٣٥٦، و (أبو نعيم) في "الحلية" ١/ ١٧٢ و (الحاكم) في "مستدركه" ٣/ ١٣٠، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٥٠ - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ سَبْعَةٌ: رَسُولُ الله ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَمَّارٌ، وأُمُّهُ سُمَيَّةُ، وَصُهَيْبٌ، وَبِلَالٌ، وَالمقْدَادُ، فَأَمَّا رَسُولُ الله ﷺ فَمَنَعَهُ الله بِعَمِّهِ أَبِي طَالِب، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ الله بِقَوْمِهِ، وَأَمَّا سَائِرُهُمْ فَأَخَذَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرَاعَ الحدِيدِ، وَصَهَرُوهُمْ في الشَّمْسِ، فَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وَاتَاهُمْ عَلَى مَا أَرَادُوا، إِلَّا بِلَالًا، فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ في الله، وَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ، فَأَخَذُوهُ فَأَعْطَوْهُ الْوِلْدَانَ، فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ في شِعَابِ مَكَّةَ، وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن سعيد الدارميّ) هو: أحمد بن سعيد بن صخر الدارميّ، أبو جعفر
стр. 1489
السَّرَخسيّ، ثمّ النيسابوريّ، سَرَدَ الخطيبُ نسبه إلى دارم، وقال: كان أحد المذكورين بالفقه ومعرفة الحديث والحفظ له، ثقة حافظٌ [١١].
روى عن النضر بن شميل، وأبي عامر العَقَدي، وعلي بن الحسين المروزي، وعثمان بن عمرو أبي عاصم، ويحيى بن أبي بكير، وغيرهم.
وروى عنه الجماعة، سوى النَّسائيُّ، والفلاس، وأبو موسى، وهما أكبر منه، ووهب بن جرير، وهو من شيوخه، وزكريا السجزي، وأبو عوانة، وابن أبي الدنيا، وإبراهيم بن أبي طالب، وعثمان بن خُرَّزاذ، وجماعة.
قال أحمد: ما قَدِم إلى خراسان أفقه بَدَنًا منه، وعظّمه حجاج الشاعر. وقال يحيى ابن زكريا النيسابوري: كان ثقة جليلًا. وكتب إليه أحمد بن حنبل: لأبي جعفر أكرمه الله من أحمد بن حنبل. وقال أحمد بن محمّد بن سعيد بن عُقْدة: أَقْدَمه الطاهريّةُ هَرَاةَ، وكان أحد حفاظ الحديث المتقن الثقة العالم بالحديث وبالرواة، تولى قَضَاء سرخس، ثمّ انصرف إلى نيسابور، إلى أن مات بها سنة (٢٥٣). وقال ابن حبّان: كان ثقة ثبتًا، صاحب حديث، يحفظ، مات سنة (٢٦٥)، أو قبلها، أو بعدها بقليل.
روى عنه الجماعة، سوى النَّسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٢ - (يحيى بن أبي بُكير) واسمه نَسْر -بفتح النون، وسكون المهملة- الأسدي القيسي، أبو زكريا الكرمانيّ، كوفيّ الأصل، نزيل بغداد، ثقة [٩].
رَوَى عن حريز بن عثمان، وإبراهيم بن طهمان، وإبراهيم بن نافع المكي، وإسرائيل، وزائدة، وزهير بن محمّد، وزهير بن معاوية، وشعبة، وسفيان، وأبي جعفر الرازي، وغيرهم.
وروى عنه حفيده عبد الله بن محمّد بن يحيى، وعبد الله بن الحارث البغدادي، وأبو بكر بن أبي شيبة، ويعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقيّ، ومحمد بن أحمد بن أبي خَلَف، وأبو خيثمة، وأبو موسى، وأحمد بن سعيد الدارمي، وغيرهم.
قال الأثرم عن أحمد: كان كَيّسًا. وقال حرب بن إسماعيل: سمعت أحمد يُثْنِي
стр. 1490
عليه. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه، قال علي بن المديني: ابن أبي بكير ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: مات بعد المائتين. وقال أبو موسى: مات سنة ثمان. وقال ابن قانع: مات سنة تسع ومائتين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٣ - (زائدة بن قُدامة) الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقة ثبتٌ، صاحب سنّة [٧].
رَوَى عن أبي إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عُمير، وسليمان التيمي، وإسماعيل بن أبي خالد، وإسماعيل السُّدّي، وحميد الطَّويل، وزياد بن عِلاقة، وغيرهم.
وروى عنه ابن المبارك، وأبو أُسامة، وحسين بن علي الجعفي، وابن عيينة، وأبو إسحاق الفزاري، وأبو سعيد مولى بني هاشم، والطيالسيان، وغيرهم.
قال عثمان بن زائدة: قَدِمت الكوفة، فقلت للثوري: ممّن أسمع؟ قال: عليك بزائدة. وقال أبو أُسامة: حَدَّثَنَا زائدة، وكان من أصدق النَّاس وأبره. وقال أبو داود الطيالسي، وسفيان بن عيينة: حَدَّثَنَا زائدة بن قدامة، وكان لا يحدث قَدَرِيًّا، ولا صاحب بدعة.
وقال أحمد: المتثبتون في الحديث أربعة: سفيان، وشعبة، وزهير، وزائدة. وقال أيضًا: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبالِ أن لا تسمعه عن غيرهما، إِلَّا حديث أبي إسحاق. وقال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم. وقال أبو حاتم: كان ثقةً، صاحبَ سنة، وهو أحب إلي من أبي عوانة، وأحفظ من شريك، وأبي بكر بن عياش. وقال العجلي: كان ثقةً، صاحب سنة. وقال أحمد بن يونس: رأيت زهير بن معاوية جاء إلى زائدة، فكلمه في رجل يحدثه، فقال: من أهل السنة هو؟ قال: ما أعرفه ببدعة، فقال: من أهل السنة هو؟ فقال زهير: متى كان النَّاس هكذا؟ فقال زائدة: متى كان النَّاس يشتمون أبا بكر وعمر ﵄؟. وقال النَّسائيُّ: ثقة. وقال أبو نعيم: كان زائدة لا يُكَلِّم أحدًا حتّى يمتحنه، فأتاه وكيع، فلم يحدثه. وقال عثمان بن سعيد: قلت
стр. 1491
ليحيى: زهير أحب إليك من الأعمش أو زائدة؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال الدارقطني: من الأثبات الأئمة. وقال أبو داود الطيالسي: لم يكن زائدة بالأستاذ في حديث أبي إسحاق. وقال الذهلي: ثقة حافظ. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا صاحبَ سنة. وقال ابن حبّان في "الثِّقات": كان من الحفاظ المتقنين، لا يَعُدُّ سماعًا حتّى يسمعه ثلاث مرات.
وقال محمّد بن عبد الله الحضرمي: مات في أرض الروم غازيّا سنة ستين أو إحدى وستين ومائة، وكذا قال ابن سعد، وأرّخه القرّاب تبعًا لعلي بن الجعد سنة (٦٣)، وقال ابن حبّان: مات سنة إحدى، وكذا أرّخه ابن قانع.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦).
٤ - (عاصم بن أبي النَّجُود) وهو ابن بَهْدلة، المقرىء، ثقة (١) له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في "الصحيحين" مقرون [٦] ٢٠/ ١٣٨.
٥ - (زِرّ بن حُبيش) الأسديّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقة جليل مخضرم [٢] ١٤/ ١١٤.
٦ - (عبد الله بن مسعود) ﵁ ٢/ ١٩، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصّحيح، وعاصم وإن قرنه الشيخان بغيره فإنّه ثقة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فسرخسيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ) ﵁، أنه (قَالَ: كَانَ أَوَّلَ) بالنصب خبرًا مقدّمًا لـ "كان"
стр. 1492
(مَنْ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ سَبْعَةٌ) بالرفع على أنه اسم "كان"، وقوله: (رَسُولُ الله ﷺ ) بدل تفصيل من "سبعة" (وأَبُو بَكْرٍ) الصدّيق ﵁ (وَعمّارٌ) بن ياسر (وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ) بضم أوله مصغّرًا، روي أما رُبطت بين بعيرين، ووُجىء قُبُلُها بحربة، وقيل لها: أسلمت من أجل الرجال، فقُتلت، وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين في الإسلام (١) (وَصُهَيْبٌ) ابن سنان (وَبِلَالٌ) بن رباح المؤذّن (وَالمقْدَادُ) بن عمرو ﵄ (فَأَمَّا رَسُولُ الله ﷺ فَمَنَعَهُ الله) أي عصمه من أذاهم (بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ) أي بسبب حمايته له (وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (فَمَنَعَهُ الله بِقَوْمِهِ) بني تيم بن مُرّة (وَأَمَّا سَائِرُهُمْ) أي بقيّتهم، قال ابن الأثير: السائر مهموز: الباقي، والناس يستعملونه في معنى الجميع، وليس بصحيح، وقد تكرّرت هذه اللفظة في الحديث، وكلها بمعنى باقي الشيء. انتهى (٢).
وقال المجد في "القاموس": "والسائر الباقي، لا الجميع كما توهّمه جماعات (٣)، أو قد يستعمل له. انتهى.
قال الشارح: ما معناه: أشار بهذا الكلام إلى أن في "السائر" قولين: الأوّل وهو قول الجمهور من أئمة اللُّغة، وأرباب الاشتقاق أنه بمعنى الباقي، ولا نزاع بينهم، واشتقاقه من السؤر، وهو البقيّة.
والثّاني بمعنى الجميع، وقد أثبته جماعة، وصوّبوه، وإليه ذهب الجوهريّ، والجواليقيّ، وحقّقه ابن بَرّيّ في "حواشي الدّرّة"، وأنشد عليه شواهد كثيرة، وأدلّة ظاهرة، وانتصر لهم الشّيخ النوويّ في مواضع من مصنّفاته، وسبقهم إمام العربيّة، أبو عليّ الفارسيّ، ونقله بعضٌ عن تلميذه ابن جني، واختلفوا في الاشتقاق، فقيل: من السير، وهو مذهب الجوهريّ والفارسيّ، ومن وافقهما، أو من السور المحيط بالبلد، كما
стр. 1493
قاله آخرون، والظاهر أن صاحب "القاموس" أيضًا منتصر للقول الثّاني؛ لأنه أورد له شاهدًا ومَثَلين. انتهى ملخّصًا (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بنا سبق أن "السائر" يُستعمل بمعنى الباقي، وهو قول الجمهور، وهو الأكثر استعمالًا، وبمعنى الجميع، وهو قول جماعات.
والحاصل أن استعمال "السائر" بالمعنيين هو الحقّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَأَخَذَهُمُ الْمُشْرِكُونَ) أي لأنهم لا قرابة لهم بمكة تحميهم منهم، لأن بلالًا وصُهيبًا وعمّارًا كانوا من الموالي، والمقداد من الحلفاء؛ لأنه من كندة (وَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرَاعَ الحدِيدِ) بفتح الهمزة، جمع دِرْع، بكسر فسكون، كحِمل وأحماله، قال: الفيّوميّ: دِرْع الحديد مؤنّثة في الأكثر، وتُصغّر على دُرَيع بغير هاء على غير قياس، وجاز أن يكون التصغير على لغة من ذَكّر، وربّما قيل: دُرَيْعَةٌ بالهاء، وجمعها أدرُعٌ، ودُرُوعٌ، وأَدْرَاعٌ، قال ابن الأثير: وهي الزَّرَديّة، ودِرْع المرأة قميصها مذكّر. انتهى.
(وَصَهَرُوهُمْ في الشَّمسِ) بفتح الصاد والهاء، من باب منع: أي ألقوهم فيها ليذوب شحمهم، والصَّهْرُ: الإذابةُ، قاله في "الدرّ النثير" عذّبوهم، وأذابوهم بها (فَمَا مِنْهُمْ مِنْ) زائدة (أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وَاتَاهُمْ) كذا في النسخ الصحيحة بالواو، من المواتاة، وهي الموافقة، قال ابن الأثير: المواتاة: حسن المطاوعة والموافقة، وأصله الهمز، فخُفّف، وكَثُر حتّى صار يقال بالواو الخالصة، وليس بالوجه. انتهى (٢). وقال في "الصحاح": تقول: آتيته على ذلك الأمر مواتاةً: إذا وافقته وطاوعته، والعامّة تقول: واتيته. انتهى. وقال في "المصباح": آتيته على الأمر: إذا وافقته، وفي لغة لأهل اليمن تُبدل الهمزة واوًا، فيقال: واتيته على الأمر مواتاةً، وهو المشهور على ألسنة النَّاس. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المواتاة بالواو لغة، كان كان
стр. 1494
الأكثر في الاستعمال بالهمزة، والمعنى: أنهم وافقوهم (عَلَى مَا أَرَادُوا) أي المشركون من ترك إظهار الإسلام تقيّةً، والتقيّة في مثل هذا جائزة، لقوله ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، (إِلَّا بِلَالًا) ﵁ (فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ في الله) أي صغُرت، وحقرت عنده لأجل الله أخذًا بالعزيمة (وَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ) أي فلَم يمنعوه؛ لأنه ليس من أنفسهم، وإنّما هو من الموالي (فَأَخَذُوهُ) أي أخذه مواليه من المشركين (فَأَعْطَوْهُ الْوِلْدَانَ) بكسر الواو، وسكون اللام، جمع وَليد، أي الصبيان، والعبيد (فَجَعَلُوا) أي شرع الولدان (يَطُوفُونَ بِهِ في شِعَابِ مَكَّةَ) بكسر الشين المعجمة، جمع شِعْب بكسر فسكون، وهو الطريق في الجبل، أو مسيل الماء في بطن أرض، أو ما انفرج بين الجبلين، قاله في "القاموس" (وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أن بلالًا يقول في حال طوافهم به: أحدٌ أحدٌ، أي ربي أحد، لا رب لي سواه، فلا أعبد ما تعبدون، ولا أوافقكم فيما طلبتموه، بل كان يقول لهم: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها، وقال ابن إسحاق: كان أُمَيّة بن خَلَف يخرج بلالًا إذا حَمِيَت الظهيرة، فَيَطْرَحه على ظهره في بطحاء مكّة، ثمّ يأمر بالصخرة العظيمة على صدره، ثمّ يقول: لا يزال على ذلك حتّى يموت، أو يكفر بمحمد ﷺ ، فيقول، وهو في ذلك: أحدٌ أحدٌ، فَمَرّ به أبو بكر ﵁، فاشتراه منه بعبد له أسود جَلْدٍ. انتهى، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا صحيح.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) ﵀ هنا (٢٤/ ١٥٠) فقط، وهو من أفراده، فلم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" ١٢/ ١٤٩ و (أحمد) في "مسنده" ١/ ٤٠٤ وفي "فضائل الصّحابة" (١٩١) و (ابن حبّان) في "صحيحه"
стр. 1495
(٧٠٨٣) و (الحاكم) في "مستدركه" (٣/ ٢٨٤) و (البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٢/ ٢٨١ - ٢٨٢) وصحح الحاكم إسناده، ووافقه الذهبيّ، وهو كما قالا، وقال البوصيريّ في "مصباح الزجاجة": هذا إسناد رجاله ثقات، انتهى، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضائل الصّحابة المذكورين ﵃.
٢ - (ومنها): بيان فضل السابقة في إظهار شعائر الدين.
٣ - (ومنها): الصبر على الأذى في سبيل الله.
٤ - (ومنها): فضل الله في حفظ أوليائه بأعدائه، ونصرهم على أعدائهم بسببهم، وإن لم ينتفعوا به، فقد أخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إن الله ليؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر".
٥ - (ومنها): بيان سماحة هذه الشّريعة الغرّاء، حيث وسّعت على الأمة في مواضع الضّرورة، وقد قال ﷺ : "إنّما بُعثتُم ميسّرين، ولم تُبعثوا معسّرين".
٦ - (ومنها): جواز التقيّة عند الضّرورة، بالتلفّظ بكلمة الكفر، مع اطمئنان القلب؛ عملًا برخصة الله تعالى، حيث يقول: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
٧ - (ومنها): أن الأفضل الأخذ بالعزيمة، كما فعل بلال ﵁.
٨ - (ومنها): ما قاله أبو عبد الله القرطبيّ ﵀: لما سمح الله بالكفر به، وهو أصل الشّريعة عند الإكراه، ولم يؤأخذ به، حَمَلَ العلّماءُ عليه فروعَ الشّريعة كلها، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به، ولم يترتب عليه حكم، وبه جاء الأثر المشهور عن النّبيّ ﷺ : "رُفِع عن أُمَّتي الخطأ والنِّسيان، وما استكرهوا عليه"، الحديث، والخبر وإن لم يصح سنده فإن معناه صحيح باتِّفاق من العلماء قاله القاضي أبو بكر بن العربي: وذكر أبو محمّد عبد الحق أن إسناده صحيح (١)، قال: وقد ذكره أبو بكر الأصيلي في
стр. 1496
"الفوائد"، وابن المنذر في "كتاب الإقناع". انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرّابعة): أجمع أهل العلم على أن من أُكره على الكفر حتّى خَشِيَ على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر، وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تَبِين منه زوجته، ولا يُحكَم عليه بحكم الكفر، هذا قول مالك، والكوفيين، والشّافعيّ، غير محمّد بن الحسن، فإنّه قال: إذا أظهر الشرك كان مُرتدًا في الظّاهر، وفيما بينه وبين الله تعالى على الإسلام، وتبين منه امرأته، ولا يُصَلَّى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلمًا، وهذا قول يرده الكتاب والسُّنَّة، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ الآية [النحل: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ في الْأَرْضِ﴾ الآية [النساء: ٩٧]، وقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ الآية [النساء: ٩٨]، فعَذَرَ الله المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر الله به، والمكره لا يكون إِلَّا مستضعفًا غير ممتنع من فعل ما أُمِر به. وقال الحسن: التقيّة إلى يوم القيامة. وقال ابن عبّاس ﵄ فيمن يُكرِهه اللصوص، فيُطلق: ليس بشيء، وبه قال ابن عمر، وابن الزُّبير، والشعبيّ، والحسن، وقال النبيّ ﷺ : "الأعمال بالنيّة". ذكره الإمام البخاريّ في "صحيحه" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرُّخصة إنّما جاءت في القول، وأما في الفعل فلا رخصة فيه، مثل أن يُكرِهوا على السجود لغير الله، أو الصّلاة لغير القبلة، أو قتل مسلم، أو ضربه، أو أكل ماله، أو الزنى، وشرب الخمْرِ، وأكل الرِّبَا،
стр. 1497
يُرْوَى هذا عن الحسن البصري ﵀، وهو قول الأوزاعي، وسحنون من المالكيّة، وقال محمّد بن الحسن: إذا قيل للأسير: اسجد لهذا الصنم، وإلا قتلتك، فقال: إن كان الصنم مقابل القبلة فليسجد، ويكون نيته لله تعالى، وإن كان لغير القبلة فلا يسجد وإن قتلوه، والصّحيح أنه يسجد، وإن كان لغير القبلة، وما أحراه بالسجود حينئذ، ففي "الصحيح" عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يصلّي، وهو مقبل من مكّة إلى المدينة على راحلته، حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١١٥]، وفي رواية: ويوتر عليها، غير أنه لا يصلّي عليها المكتوبة، فإذا كان هذا مباحًا في السَّفر في حالة الأمن؛ لتعب النزول عن الدابة للتنفل، فكيف بهذا، واحتج من قَصَرَ الرُّخصة على القول بقول ابن مسعود ﵁: ما من كلام يَدْرَأ عني سوطين من ذي سلطان إِلَّا كنت متكلما به، فَقَصَرَ الرُّخصة على القوله، ولم يذكر الفعل، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن يَجعَل للكلام مثالا، وهو يريد أن الفعل في حكمه.
وقالت طائفة: الإكراه في الفعل والقول سواء إذا أسر الإيمان، رُوِي ذلك عن عمر بن الخطّاب، ومكحول، وهو قول مالك، وطائفة من أهل العراق، رَوَى ابن القاسم عن مالك أن من أُكره على شرب الخمْرِ، وترك الصّلاة، أو الإفطار في رمضان أن الإثم عنه مرفوع، ذكره القرطبيّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي القول الثّاني، فيجري الإكراه في الفعل كما يجري في القول؛ لوضوح حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السّادسة): أجمع العلماء على أن من أُكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرًا عند الله ممّن اختار الرُّخصة، واختلفوا فيمن أُكره على غير القتل من فعل ما لا يحل له، فقال: أصحاب مالك: الأخذ بالشدة في ذلك، واختيار القتل والضرب أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة، ذكره ابن حبيب، وسحنون، وذكر ابن سحنون عن أهل العراق أنه إذا تُهُدّد بقتل أو قطع أو ضرب يخاف منه التلف، فله أن يفعل ما
стр. 1498
أُكره عليه من شرب خمر، أو أكل خنزير، فإن لم يفعل حتّى قُتل خِفْنَا أن يكون آثما؛ لأنه كالمضطر، ورَوَى خباب بن الأرت ﵁ قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلت: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان مَنْ قبلكم يؤخذ الرَّجل، فيُحفَر له في الأرض، فيُجعَل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويُمشَط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يَصُدُّه ذلك عن دينه، والله لَيَتِمَّن هذا الأمرُ حتّى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إِلَّا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (١).
فوصفه ﷺ هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم، والصبر على المكروه في ذات الله، وأنهم لم يكفروا في الظّاهر، وتبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم، وهذه حجة من آثر الضرب والقتل والهَوَان على الرُّخصة والمقام بدار الجنان.
وذكر أبو بكر محمّد بن محمّد بن الفرج البغدادي، قال: حَدَّثَنَا شريح بن يونس، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن أن عيونًا لمسيلمة أخذوا رجلين من أصحاب النّبيّ ﷺ ، فذهبوا بهما إلى مسيلمة، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟، قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله؟، قال: نعم، فَخَلَّى عنه، وقال للآخر: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟، قال: نعم، قال: وتشهد أني رسول الله؟، قال: أنا أصمّ لا أسمع، فقدمه وضرب عنقه، فجاء هذا إلى النّبيّ ﷺ ، فقال: هلكت، قال: "وما أهلكك؟ "، فذكر الحديث، قال: "أما صاحبك فأخذ بالثقة، وأما أنت فأخذت بالرخصة، على ما أنت عليه السّاعة؟ " قال: أشهد أنك رسول الله، قال: "أنت على ما أنت عليه"، ذكره القرطبيّ (٢).
стр. 1499
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الأخذ بالعزيمة هو الأولى، ولكن الترخّص مشروع، غير مذموم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): اختلف العلماء في حَدّ الإكراه، فروي عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنه قال: ليس الرَّجل آمَنَ على نفسه إذا أخفته، أو أوثقته، أو ضربته. وقال ابن مسعود ﵁: ما كلام يَدْرَأ عني سوطين إِلَّا كنت متكلما به. وقال الحسن: التَّقِيّة جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة، إِلَّا أن الله ﵎ ليس يَجْعَل في قتل تقية. وقال النخعي: القيد إكراه، والسجن إكراه، وهذا قول مالك، إِلَّا أنه قال: والوعيد المخَوِّف إكراه، وإن لم يقع، إذا تحقق ظلم المعتدي، وإنفاذه لما يتوعد به، وليس عند مالك وأصحابه في الضرب والسجن توقيت، إنّما هو ما كان يؤلم من الضرب، وما كان من سجن يَدخُل منه الضِّيقُ على المُكْرَه، وإكراه السلطان وغيره عند مالك إكراه، وتناقض الكوفيون، فلم يَجعَلُوا السجن والقيد إكراهًا على شرب الخّمْرِ، وأكل الميتة؛ لأنه لا يَخاف منهما التلف، وجعلوهما إكراهًا في إقراره لفلان عندي ألف درهم. قال ابن سحنون: وفي إجماعهم على أن الألم والوجع الشديد إكراه، ما يدلُّ على أن الإكراه يكون من غير تَلَفِ نفسٍ، وذهبَ مالك إلى أن مَنْ أُكره على يمين بوعيد أو سجن أو ضرب أنه يَحلِف، ولا حنث عليه، وهو قول الشّافعيّ وأحمد وأبي ثور، وأكثر العلماء. ذكره القرطبيّ أيضًا (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الإمام مالك وأكثر أهل العلم من أن الإكراه يكون بغير القتل، من السجن والضرب، ونحوهما هو الأرجح عندي؛ لإطلاق النصّ ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ الآية، فلم يخصّ نوعًا من الإكراه حتّى نخصه به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 1500
وبالسند المُتّصل إلى الإمام أبي مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٥١ - (حَدَّثَنَا عَلي بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَقَدْ أُوذِيتُ في اللهَ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُخِفْتُ في الله، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَليَّ ثَالِثَةٌ، وَمَا لِي وَلبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلَّا مَا وَارَى إبِطُ بِلَالٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حمّاد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابدٌ، أثبت النَّاس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] ١٤/ ١١٦.
٢ - (ثابت) بن أسلم البنانيّ، أبو محمّد البصريّ، ثقة عابدٌ [٤].
رَوَى عن أنس، وابن الزُّبير، وابن عمر، وعبد الله بن مُغَفَّل، وعمر بن أبي سلمة، وشعيب والد عمرو، وابنه عمرو، وهو أكبر منه، وغيرهم.
وروى عنه حميد الطَّويل، وشعبة، وجرير بن حازم، والحمادان، ومعمر، وهمام، وأبو عوانة، وجعفر بن سليمان، وسليمان بن المغيرة، وداود بن أبي هند، والأعمش، وغيرهم.
قال: البخاريّ عن ابن المدينيّ: له نحو مائتين وخمبسين حديثًا. وقال: أبو طالب عن أحمد: ثابت يَتَثَبَّتُ في الحديث، وكان يَقُصّ، وقتادة كان يقص، وكان أَذْكَرَ. وقال العجلي: ثقة رجل صالح. وقال: النَّسائيُّ: ثقة. وقال: أبو حاتم: أثبت أصحاب أنس الزّهريُّ، ثمّ ثابت، ثمّ قتادة. وقال: ابن عديّ: أروى النَّاس عنه حمادُ بنُ سلمة، وأحاديثه مستقيمة إذا روى عنه ثقة، وما وقع في حديثه من النُّكرَة إنّما هو من الراوي عنه. وقال حماد بن سلمة: كنت أسمع أن القُصَّاص لا يحفظون الحديث، فكنت أقلب على ثابت الأحاديث، أجعل أنسا لابن أبي ليلى، وأجعل ابن أبي ليلى لأنس، أُشَوِّشها عليه، فيجيء بها على الاستواء. وقال شعبة: كان ثابت يقرأ القرآن في كلّ يوم وليلة، ويصوم الدهر. وقال بكر المزني: ما أدركنا أعبد منه. وقال: ابن حبّان في "الثِّقات": كان
стр. 1501
من أعبد أهل البصرة. وقال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا، توفي في ولاية خالد القسريّ. وفي سؤالات أبي جعفر محمّد بن الحسين البغدادي لأحمد بن حنبل: سئل أبو عبد الله عن ثابت وحميد أيهما أثبت في أنس؟ فقال: قال يحيى القطان: ثابت اخْتَلَط، وحميد أثبت في أنس منه. وفي "الكامل" لابن عديّ عن القطان عَجَبٌ لأيوب يَدَعُ ثابتا البناني، لا يكتب عنه. وقال أبو بكر الْبَرْدِيجِيّ: ثابت عن أنس صحيح من حديث شعبة، والحمادين، وسليمان بن المغيرة، فهؤلاء ثقات، ما لم يكن الحديث مضطربًا. وفي "المراسيل" لابن أبي حاتم: ثابت عن أبي هريرة، قال أبو زرعة: مرسل.
قال ابن علية: مات ثابت سنة (١٢٧). وقال جعفر بن سليمان: سنة (٢٣) حكاهما البخاريّ في "الأوسط"، وحَكَى عن ثابت، قال: صَحِبْتُ أنسًا أربعين سنة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٣) حديثًا.
٣ - (أنس بن مالك) الصحابيّ المشهور ﵁ ٣/ ٢٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصّحيح، بل رجال الجماعة، غير شيخه، فمن أفراده، والنَّسائيّ في "مسند عليّ ﷺ ".
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين، غير شيخه، ووكيع، فكوفيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه حمادًا، فإنّه أثبت من روى عن ثابت، وثابتًا، فإنّه ألزم من روى عن أنس، فقد لزمه أربعين سنة.
٥ - (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصّحابة ﵁ في البصرة، مات سنة (٣) أو (٩٢)، وهو من المعمّرين، فقد جاوز عمرهُ مائة سنة، والله تعالى أعلم.
стр. 1502
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لَقَدْ أُوذِيتُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، فعلٌ ونائب فاعله (في الله) أي في سبيل الدعوة إلى الله تعالى (وَمَا يُؤْذَى) بالبناء للمفعول (أَحَدٌ) أي منكم، وذلكَ لكون منزلته عند الله أرفع المنازله، فأُوذي على قدر رفعة منزلته، فقد أخرج الترمذيّ في "كتاب الزهد" (٢٣٢٢) والمصنّف في "كتاب الفتن" (٤٠٢٣) بإسناد صحيح، من طريق مُصْعَب بن سعد، عن أبيه ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أيُّ النَّاس أشد بلاءً؟، قال: الأنبياء، ثمّ الأمثل فالأمثل، يُبتَلى العبد على حسب دينه، فإن كان في دينه صلْبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رِقًّةٌ ابتُلي على حسب دينه، فما يَبْرَح البلاء بالعبد، حتّى يتركه يمشي على الأرض، وما عليه من "خطيئة". قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح.
(وَلَقَدْ أُخِفْتُ) فعل ونائب فاعله أيضًا (في الله، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَالِثَةٌ) أي ليلة ثالثة، ولفظ الترمذيّ: "ولقد أتت عليّ ثَلاثون ما بين يوم وليلة ... " (وَمَا لِي وَلبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كبِدٍ) بفتح، فكسر: أي يأكله حيّ (إِلَّا مَا وَارَى) من المواراة، أي إِلَّا ما أخفاه (إِبِطُ بِلَالٍ) بكسر الهمزة، وسكون الباء الموحدة: ما تحت الجناح، ويُذكّر ويؤنثُ، فيقال: هو الإبط، وهي الإبط، والجمع آباط، مثلُ حِمْلٍ وأَحْمال، ويزعُمُ بعض المتأخّرين أن كسر الباء لغةٌ، وهو غير ثابت. قاله الفيّوميّ (١).
قال: الإمام الترمذيّ ﵀ بعد إيراد الحديث: ما نصّه: ومعنى الحديث هذا حين خرج النبيّ ﷺ هاربًا من مكّة، ومعه بلالٌ إنّما كان مع بلال من الطّعام ما يحمله تحت إبطه. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 1503
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس بن مالك ﵁ هذا صحيح.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٢٤/ ١٥١) فقط، وأخرجه (الترمذيّ) (٢٤٧٢) وفي "الشمائل" (٣٧٥) و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" ١١/ ٤٦٤ و ١٤/ ٣٠٠ و (أحمد) في "مسنده" ٣/ ١٢٠ و ٢٨٦ و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١٣١٧) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٥٦٠) و (أبو يعلى) في "مسنده" (٣٤٢٣) و (أبو نعيم) في "الحلية" ١/ ١٥٠، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل بلال ﵁، حيث كان يصحب النبيّ ﷺ ويخدُمه في وقت رمته قريش إِلَّا من شاء الله من قوس واحدة بالعداوة والأذى، فكان بلال ﵁ يصيبه ما أصابه ﷺ ، وهو صابر محتسبٌ في الله .
٢ - (ومنها): بيان ما كان النّبيّ ﷺ يلاقيه من قومه من الأذى، والإخافة في سبيل الدّعوة إلى الله .
٣ - (ومنها): ما كان عليه من الصبر على قلّة العيش، وألم الجوع.
٤ - (ومنها): الحثّ على الصبر فيما يُصيب الإنسان في سبيل الدّعوة إلى الله تعالى، فإنّه ما أخبر بهذه المحنة إِلَّا لتقتدي به أمته في ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 1504
٢٥ - (فَضَائلُ بِلَالٍ) ﵁ -
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا جميع النسخ الّتي بين أيدينا جعلت هذه الترجمة هنا، وكان المناسب أن تُكتب قبل الحديث رقم (١٥٠) لأن ذلك الحديث والذي بعده من فضائل بلال ﵁، وأيضًا تعبيره بلفظ "فضائل" يدلُّ على أنه أورد في الباب أكثر من فضيلة، ولعلّ بعض النُّساخ تصرّف فيه، والله تعالى أعلم.
أما بلال ﵁، فهو: بلال بن رَبَاح الحبشي المؤذِّن، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرّحمن، وقيل: غير ذلك في كنيته، وهو بلال ابن حَمَامَة، وهي أمه، اشتراه أبو بكر الصديق ﵁ من المشركين لمّا كانوا يُعَذِّبونه على التّوحيد، فأعتقه، فلزِم النّبيّ ﷺ ، وأَذّن له، وشهد معه جميع المشاهد، وآخى النّبيّ ﷺ بينه وبين أبي عبيدة بن الجرّاح، ثمّ خرج بلال ﵁ بعد النّبيّ ﷺ مجاهدًا إلى أن مات بالشام، وقال البخاريّ: بلال بن رباح أخو خالد، وغُفْرة، مات بالشام زمن عمر ﵁، وقال أبو نعيم: كان تِرْبَ أبي بكر، وكان خازن رسول الله ﷺ ، ورَوَى أبو إسحاق الْجُوزَجَانيّ، في "تاريخه" من طريق منصور، عن مجاهد قال: قال عَمّار: كُلٌّ قد قال ما أرادوا -يعني المشركين- غيرَ بلال.
ومناقبه كثيرة مشهورة، وقال ابن إسحاق: كان لبعض بني جُمَح مُوَلَّد من مُوَلَّديهم، واسم أمه حَمَامة، قال البخاريّ: مات بالشام زمنَ عمر ﵁، وقال ابن بكير: مات بدمشق في طاعون عَمَوَاس سنة (١٧) أو (١٨)، وقال عمرو بن عليّ: مات سنة عشرين، وهو ابن بضع وستّين سنة، وقال ابن زَبْر: مات بِدَارِيَا، وحُمل على رقاب الرجال، فدُفن بباب كَيْسَان، وقيل: دُفن بباب الصغير، وفي "المعرفة" لابن منده أنه دُفِنَ بحلب رضي الله تعالى عنه، وأرضاه (١).
أخرج له الجماعة، وروى من الأحاديث (٤٤) حديثًا، اتفق الشيخان على حديث، وانفرد البخاريّ بحديثين، مسلم بحديث، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث
стр. 1505
فقط برقم (٥٦١) و (٧١٥) و (٧١٦) و (٣٠٢٤) و (٣٠٦٣)، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٥٢ - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ سَالمٍ، أَنَّ شَاعِرًا مَدَحَ بِلَالَ بْنَ عَبْدِ الله، فَقَالَ: بِلَالُ بْنُ عَبْدِ الله خَيْرُ بِلَالٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَذَبْتَ لَا، بَلْ بِلَالُ رَسُولِ الله خَيْرُ بِلَالٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (علي بن محمّد) الطنافسيّ المذكور في السند الماضي.
٢ - (أبو أُسامة) حماد بن أُسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبتٌ، ربّما دلّس، من كبار [٩] ١٢/ ١٠٢.
٣ - (عمر بن حمزة) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب الْعُمَريّ المدنيّ، ضعيف [٦].
رَوَى عن عمه سالم بن عبد الله، وحصين بن مُصْعَب، والعباس بن عبد الرّحمن ابن ميناء، وأبي غطفان بن طَرِيف الْمُرّيّ، ومحمد بن كعب الْقُرَظيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه مروان بن معاوية الْفَزَاريّ، وأحمد بن بَشِير الكُوفيُّ، وأبو عَقِيل عبد الله بن عقيل الثقفي، وأبو أُسامة، وأبو عَقِيل يحيى بن المتوكل.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: أحاديثه مناكير. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: عمر ابن حمزة أضعف من عمر بن محمّد بن زيد. وقال النَّسائيُّ: ضعيف. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: كان ممّن يخطىء. وقال ابن عدي: هو ممّن يُكتَب حديثه. وأخرج الحاكم حديثه في "المستدرك"، وقال: أحاديثه لكلها مستقيمة.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٥٢) و (١٢٧٢).
٤ - (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت عابد فاضلٌ، من كبار [٣] ٢/ ١٦، والله تعالى أعلم.
стр. 1506
شرح الحديث:
(عَنْ سَالم) بن عبد الله ﵀ (أَنَّ شَاعِرًا مَدَحَ بِلَالَ بْنَ عَبْدِ الله) بن عمر بن الخطّاب القرشيّ الْعَدويّ ثقة من الطبقة الثّالثة، روى عن أبيه حديث: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". وروى عنه كعب بن عَلْقَمة، وعبد الله بن هُبيرة، وعبد الملك بن فارع. قال أبو زرعة: مدنيّ ثقة. وقال حمزة الكنانيّ: لا أعلم له غير هذا الحديث. وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين. وعدّه يحيى القطّان في فقهاء المدينة. وذكره ابن حبّان في الثقات. تفرّد به مسلم بالحديث المذكور (١).
وبلال هذا هو الّذي غضب عليه ابن عمر ﵁ حين ذكر حديث: "لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنّكم إليها"، فقال بلال بن عبد الله: "والله لنمنعهن"، فأقبل عليه عبد الله، فسبّه سبّا سيئًا، وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ ، وتقول: "والله لنمنعهنّ"، أخرجه مسلم.
(فَقَالَ) أي الشاعر في مدحه (بِلَالُ بْنُ عَبْدِ الله خَيْرُ بِلَالٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (كَذَبْتَ) أي في قولك: خير بلال (لَا) أي ليس الأمر كما قلت (بَلْ بِلَالُ رَسُولِ الله ﷺ )، أضافه إليه لحصول الشرف له بسبب اتباعه (خَيْرُ بِلَالٍ) أي لأنه من أوائل المسلمين، ممّن أسهم كثيرًا في سبيل الدّعوة إلى الله، وضحّى بنفسه كما سبق بيان ما لقيه من تعذيب المشركين له ﵁ وأرضاه.
[تنبيه]: أثر ابن عمر ﵄ هذا ضعيف؛ لضعف بن حمزة بن عبد الله، كما سبق أقوال أهل العلم فيه، وهو من أفراد المصنّف ﵀. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 1507
٢٦ - (فَضَائلُ خَبَّابٍ) ﵁ -
وفي نسخة "فضائل عمّار".
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٥٣ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الله، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَقَ، عَنْ أَبِي لَيْلَى الْكِنْدِيِّ، قَالَ: جَاءَ خَبَّابٌ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: ادْنُ، فَمَا أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا المَجْلِسِ مِنْكَ، إِلَّا عَمَّارٌ، فَجَعَلَ خَبَّابٌ يُرِيهِ آثَارًا بِظَهْرِهِ مِمَا عَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عبد الله) بن حَنَش الأوديّ الكوفيّ المذكور قبل بابين.
٢ - (سفيان) بن سعيد الثّوريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٥/ ٤١.
٣ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد مكثرٌ، مدلّسٌ، واختلط بآخره [٣] ٧/ ٤٥.
٤ - (أبو ليلى الكنديّ) يقال: مولاهم الكوفيّ، يقال: اسمه سَلَمة بن معاوية، وقيل: بالعكس، وقيل: سعيد بن أشرف بن سنان، وقيل: المُعَلَّى، ثقة [٢].
رَوَى عن عثمان، وخَبّاب بن الأرت، وأم سلمة، وسُويد بن غَفَلَة، وغيرهم.
وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، وعثمان بن أبي زُرْعة، وعبد الملك بن أبي سليمان، وأبو جعفر الفرّاء.
قال أحمد بن سعيد بن أبي مريم عن ابن معين: ثقة مشهور. وفرق الحاكم أبو أحمد بين أبي ليلى الكنديّ، سلمة بن معاوية، وقيل: معاوية بن سلمة، رَوَى عن سلمان، وعنه أبو إسحاق، وبين أبي ليلى الكنديّ، عن سُويد بن غَفَلة، وعنه عثمان بن أبي زرعة، وقال: إن هذا الثّاني لم نقف على اسمه، ثمّ رَوَى عن محمّد بن عثمان بن أبي شيبة قال: سمعت ابن معين، وسئل عن أبي ليلى الكنديّ، فقال: كان ضعيفًا. وقال العجلي: أبو ليلى الكنديّ، كوفي تابعي ثقة.
стр. 1508
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والنَّسائيّ في "اليوم واللّيلة"، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٥٣) وحديث (١٨٠١) "لا يُجمَع بين متفرّق، ولا يُفرّق بين مجتمع"، والباقيان تقدّما في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي لَيْلَى الْكِنْدِيِّ) أنه (قَالَ: جَاءَ خَبَّاب) بن الأرتّ ﵁ (إِلَى عُمَرَ) بن الخطّاب ﵁ (فَقَالَ) أي عمر لخبّاب ﵄ (ادْنُ) أمر من الدنوّ، وهو القرب، أي اقرب إلى مجلسي، وفي "تحفة الأشراف" ٣/ ١٢٠: "ادنه" بزيادة هاء السكت (فما) نافيةٌ حجازيّة، ترفع الاسم وتنصب الخبر، واسمها قوله: (أَحَدٌ) وخبرها قوله: (أَحَقَّ بِهَذا الْمَجْلِسِ مِنْكَ) أي لما لك من السابقيّة، والبلاء والإبلاء في الإسلام (إِلَّا عَمَّارٌ) ﵁، بالرفع على البدليّة من "أحدٌ"، ويجوز في مثله النصب، فيجوز أن ينصب، ويُعتذر عن ترك الألف بأنه مبنيّ على مسامحة أهل الحديث في الكتابة، وهو اعتذار مشهور، لكن ههنا غير مستحسن؛ لعدم الحاجة إليه. قاله السنديّ (١).
وقوله: "لعدم الحاجة إليه"، أي لأن الرفع على البدليّة وجه صحيح، بل هو المختار، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ نَفْي أَوْ كَنَفْي انْتُخِبْ ... إِتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ ...................
فلا ضرورة تدعوا إلى النصب. والله تعالى أعلم.
وفيه أن عمر ﵁ يُقدِّم في مجلسه أولي الفضل من الصّحابة ﵃ من سبقت لهم السوابق في الإسلام من التكاليف الشّاقّة، وكان عمّار ممّن عُذّب في الله تعالى عذابًا شديدًا، ولذا قدّمه في الرتبة على خبّاب (فَجَعَلَ خَبَّابٌ يُرِيهِ) بضم أوله من الإراءة، أي يظهر له حتّى يراه تصديقًا لعمر ﵁ (آثَارًا بِظَهْرِهِ مِمَّا عَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ) أي من أجله، و"ما" مصدريّة، أي من أجل تعذيب المشركين له حتّى يرجع عن دينه، فكأن خبّابًا ﵁
стр. 1509
لما قاله عمر: "إِلَّا عمّارٌ" عرَّض عليه بأنه لو كان سبب التقدّم في مجلسك التعذيب في الله تعالى، فأنا كذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
أثر عمر ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا بهذا السند فقط.
(المسألة الثّانية): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل خبّاب ﵁.
٢ - (ومنها): أن فيه جوازَ مدح الرَّجل في وجهه إن كان لا يُخاف على دينه.
٣ - (ومنها): جواز إظهار بعض الأعمال الصالحة؛ تحدّثًا بالنعم الإلهيّة؛ عملًا بقوله ﵁: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١].
(ومنها): تقديم أولي الفضل من أهل العلم والشرف في المجالس وغيرها؛ تكريمًا لهم، وهو من هدي النبيّ ﵁، فإنّه كان يليه أكابر المهاجرين والأنصار، وقال: "لِيَلِيَنّي منكم أولو الأحلام والنُّهَى"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 1510
٢٧ - (فَضَائِل زَيِدٍ بْنِ ثَابِتٍ) ﵁ -
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا كتب هذا العنوان في النسخة الّتي حقّقها الدكتور بشار، وكتب الشّيخ علي عبد الحميد في نسخته "فضائل صحابة آخرين"، ولم يشر أيّ منهما من أي نسخة أخذ العنوان، ووقع في النسخة الهنديّة هذا الحديث تحت العنوان السابق، "فضائل خباب"، فعلّق في الهامش: ما نصّه: ليس لهذا الحديث مناسبة بما قبله، ولا مطابقة بالترجمة، لعلّ ترجمة هذا سقط من بعض النسّاخ، "إنجاح"، انتهى.
وقد تقدّمت ترجمة زيد بن ثابت ﵁ في ١٠/ ٧٧، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٥٤ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ في دِينِ الله عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْضَاهُمْ عَليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَاب الله أُبَيُّ بْنُ كعْبٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَأَمِينُ هَذه الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجرَّاحِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمّد بن المثنى) الزَّمِن، أبو موسى البصريّ، ثقة ثبتٌ [١٠] ٩/ ٦٦.
٢ - (عبد الوهّاب بن عبد المجيد) الثقفيّ، أبو محمّد البَصْريُّ، ثقة تغيّر قبل موته بثلاث سنين [٨] ٢/ ١٧.
٣ - (خالد الحذّاء) -بفتح المهملة، وتشديد الذال المعجمة- هو: خالد بن مِهْران، مولى قريش، وقيل: مولى بني مجُاشع، أبو المنازل -بفتح الميم، وقيل: بضمها، وكسر الزاي- البصريّ، ثقة يرسل [٥].
رَأَى أنس بن مالك، ورَوَى عن عبد الله بن شقيق، وأبي رجاء العُطَارديّ، وأبي عثمان النَّهْدي، وأبي قلابة، وأنس، ومحمد، وحفصة أولاد سيرين، وغيرهم.