في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
٤ - (الحسن بن جابر) اللَّخْميّ، وقيل: الكندي، أبو عليّ، ويقال: أبو عبد الرحمن الحمصيّ، مقبول [٣].
رَوَى عن معاوية، والمقدام بن معدي كرب، وأبي أمامة، وعبد الله بن بُسْر. ورَوَى عنه معاوية بن صالح، ومحمد بن الوليد الزُّبَيْدي. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: تُوُفّي سنة (١٢٨)، وكذا قال ابن سعد وغيره.
تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، أخرجا له هذا الحديث فقط، وسيعيده المصنّف مختصرًا برقم (٣١٩٣).
٥ - (المقدام بن معديكرب) بن عمرو بن يزيد بن معديكرب، أبو كريمة، وقيل: أبو يحيى الكندي، نزل حمص، رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن خالد بن الوليد، ومعاذ بن جبل، وأبي أيوب الأنصاري، وجماعة. وروى عنه ابنه يحيى، وابن ابنه صالح بن يحيى، وخالد بن معدان، وحبيب بن عبيد، ويحيى بن جابر الطائي، والشعبي، وشُريح بن عُبيد، وعبد الرحمن بن أبي عوف، وعبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي، وراشد بن سعد المقرائي، وأبو عامر الهوزني، ومحمد بن زياد الألهاني، وآخرون. ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل الشام، وقال: مات سنة سبع وثمانين، وهو ابن إحدى وتسعين سنة، وكذا قال غير واحد في سنة وفاته، وقيل: مات سنة ثلاث، وقيل: مات سنة ست وثمانين. أخرج له البخاريّ، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الحسن بن جابر، وهو مقبول، حيث يُتابع، وقد تابعه عبد الرحمن بن أبي عوف الْجُرَشيّ، وهو ثقة، كما سيأتي.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين من الحسن، والباقيان كوفيّان، والباقون حمصيّون.
٤ - (ومنها): أن فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبالإفراد في موضع،
стр. 177
والعنعنة في موضعين، وقد تقدّم البحث في ذلك مُسْتَوْفىً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْمِقْدَامِ) -بكسر الميم، وسكون القاف، وتخفيف الدال المهملة، آخره ميم- (ابْنِ مَعْدِيكَرِبَ) -بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وكسر الدال المهملة، و"كرب" بفتح الكاف، وكسر الراء- وهو اسم مركّبٌ تركيب مزج، ولذا كُتبت الياء مع الاسم الثاني؛ إشارة إلى ذلك.
[فائدة]: قال في "القاموس": "مَعْدِيكَرِب" فيه لغات: رفع الباء ممنوعًا، والإضافة، مصروفًا، وممنوعًا. انتهى. وقال في "اللسان": "مَعْدِيْكَرِب": اسمان، فيه ثلاث لغات: معديكربُ برفع الباء، لا يُصرف، ومنهم من يقول: مَعْديكرِبٍ، يُضيف، ويصرف "كَرِبًا"، ومنهم من يقول: "معديكربَ" يُضيف، ولا يَصِرف "كربًا"، يجعله مؤنّثًا معرفةً، والياء من "معديكرب" ساكنة على كلّ حال، وإذا نَسبتَ إليه قلتَ: مَعْدِيّ، وكذلك النسب في كلّ اسمين جُعلَا واحدًا، مثلُ بَعْلَبَكّ، وخمسة عشر، وتَأَبَّطَ شَرًّا، تنسُبُ إلى الاسم الأول، تقول: بَعْلِيّ، وخَمْسيّ، وتَأَبَّطِيّ، وكذلك إذا صَغَّرتَ، تُصغّر الأول. انتهى (١).
(الْكِنْدِيِّ) بكسر الكاف، وسكون النون-: نسبة إلى كِنْدة قبيلة باليمن (٢) (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: يُوشِكُ) مضارع أوشك: إذا قَرُب: أي يَقْرُب. قال ابن مالك: هو أحد أفعالَ المقاربة، ويقتضي اسمًا مرفوعًا، وخبرًا يكون فعلًا مقرونًا بـ"أن"، ولا أعلم تجرّده من "أن" إلا في هذا الحديث، وفي بعض الأشعار. قال السيوطيّ: قلت: قد رواه
стр. 178
الحاكم بلفظ: "يوشك أن يقعد الرجل على أريكته يُحدَّثُ الخ". قال السنديّ: أراد السيوطيّ أن لفظ الحديث قد غيّره الرواة، وإلا فـ "أن" موجودة فيه في الأصل، كما في رواية الحاكم. انتهى.
وفي رواية أبي داود من طريق عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المقدام ﵁: "ألا إني أوتيت الكتاب، ومثله معه، ألا يوشك رجلٌ شبعان الخ".
وقوله: "ألا إني أوتيت": يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما: أنه أوتي من الوحي الباطن، غير المتلوّ مثل ما أعطي من الظاهر المتلوّ. والثاني: أنه أوتي الكتاب وحيًا يُتلَى، وأوتي من البيان مثله: أي أُذن له أن يبيّن ما في الكتاب، فيعمّ، ويَخُصّ، وأن يزيد عليه، وينقص، فيشرع ما ليس له في الكتاب ذكر، فيكون ذلك في وجوب الحكم، ولزوم العمل به كالظاهر المتلوّ من القرآن. وقيل: "ومثله معه": أي أحكامًا، ومواعظ، وأمثالًا تمُاثل القرآن في كونها وحيًا، أو كونها واجبة القبول. وقد نزّه الله نطقَ رسوله ﷺ عن الهوى، وأمر بمتابعته فيما يأمر وينهى، فقال عزّ من قائل: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] وقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. أو المعنى: يماثله في المقدار، وقد ورد في حديث العرباض بن سارية ﵁ عند أبي داود ما يؤيّد هذا، ولفظه:"إنها لمثل القرآن، أو أكثر". لكنه حديث ضعيف (١).
[تنبيه]: ما أوتي الرسول ﷺ غير القرآن على أنواع: أحدها: الأحاديث القدسيّة التي أسندها إلى الله . وثانيها: ما أُلْهِم. وثالثها: ما أري في المنام. ورابعها: ما نَفَثَ جبريل ﵇ في رُوعه: أي في قلبه. قاله الطيبيّ. (٢).
وقوله: ألا يوشك": أي أنبّهكم بأنه قريبٌ أن يقول رجل شبعان، وإنما وصفه
стр. 179
بالشبعان؛ لأن الحامل له على هذا القول، إما البلادة، وسوء الفهم، ومن أسبابه الشبع، وشَرَهُ الطعام، وكثرة الأكل. وإما الْبَطَرُ والحماقَةُ، ومن موجباته التنعّم والغرور بالمال والجاه، والشبع يُكنى به عن ذلك.
(الرَّجُلُ مُتَكِئًا على أريكته) منصوب على الحال، أي حال كونه جالسًا على سريره المزيّن، والظاهر أنه حال من ضمير "يُحدَّث" الراجع إلى الرجل، وهو علي بناء المفعول، وجعله حالًا من الرجل بعيد معنىً. قاله السنديّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا بُعْد في كونه حالًا من الرجل، بل هو الأولى، وأما جعله حالًا من ضمير "يُحدّث"، فهو البعيد، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم.
والمتّكىء: اسم فاعل من "اتّكأ" بوزن افتعل، ويستعمل بمعنيين: أحدهما: الجلوس مع التمكّن. والثاني: القعود مع تمايلٍ، معتمِدًا على أحد الجانبين. قاله الفيّوميّ، في باب الألف، وقال في باب الواو: واتّكأ: جلس متمكّنا، وفي التنزيل: ﴿وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤]: أي يجلسون. وقال: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١]: أي مجلسًا يَجلِسن عليه. قال ابن الأثير: والعامّة لا تَعرِف الاتّكاءَ إلا الميل في القعود، معتمدًا على أحد الشّقّين، وهو يُستعمل في المعنيين جميعًا، يقال: اتّكأ: إذا أسند ظهره، أو جنبه إلى شيء، معتمدًا عليه، وكلُّ من اعتمد على شيء، فقد اتّكأ عليه. وقال السَّرَقُسْطِيُّ أيضًا: اتّكأته: أعطيته ما يتّكىء عليه: أي ما يجلس عليه، والتاء مُبدَلةٌ من واو، والاسم التُّكأَةُ، مثالُ رُطَبَةٍ. انتهى (١).
(عَلَى أَرِيكَتِهِ) -بفتح الهمزة، وكسر الراء-: أي سريره المزيَّنِ. قال في "القاموس": "الأريكة" كسفينة: سريرٌ في حَجَلَة، أو كلُّ ما يُتّكأُ عليه، من سرير، ومِنَصّةٍ، وفِرَاشٍ، أو سريرٌ مُنَجَّدٌ، مُزيّنٌ في قبّة، أو بيتٍ، فإذا لم يكن فيه سريرٌ، فهو حَجَلَةٌ، جمعُهُ أَرِيكٌ، وأرَائِكُ. انتهى.
стр. 180
وهذا بيان لبلادته، وسوء فهمه، وحماقته، وسوء أدبه، كما هو دأب المتنعّمين المغرورين بالمال والجاه.
وقال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: وإنما أراد بهذه الصفة أصحاب الترفّه والدَّعَةِ الذين لزموا البيوت، ولم يطلبوا العلم، ولم يغدُوا، ولم يَرُوحوا في طلبه في مظانّه، واقتباسه من أهله. انتهى (١).
(يُحَدَّثُ) بالبناء للمفعول (بِحَدِيثٍ) متعلّق بما قبله. وقوله: (مِنْ حَدِيثي) متعلّق بصفة لحديث (فَيَقُولُ) أي في ردّ ذلك الحديث، حيث لا يوافق هواه، أو مذهب إمامه الذي قلّده (بَيْنَنَا وَبَيْنكُمْ كِتَابُ الله مبتدأ مؤخّرٌ، خبره الظرف قبله أي كتاب الله تعالى حاكم بيننا وبينكم، فلا نَقبل حكم غيره. ثم بيّن المراد بهذه الجملة، بقوله: (مَا وَجَدْنَا فِيهِ) أي في كتاب الله تعالى (مِنْ حَلَالٍ) بيان لما (اسْتَحْلَلْنَاهُ) أي اعتقدناه حلالًا، وفعلناه (وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ) أي اعتقدنا حرمته، فتركناه، أي وهذا الحديث زائد على ما في القرآن، فلا نأخذ به. وفي رواية أبي داود المذكورة: "عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال، فأحِلُّوه، وما وجدتم من حرام، فحرّموه".
وقال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: يُحذّر النبيّ ﷺ بذلك مخالفة السنن التي سنّها رسول الله ﷺ مما ليس له في القرآن ذكرٌ، على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض، فإنهم تعلّقوا بظاهر القرآن، وتركوا السنن التي قد ضُمِّنَتْ بيان الكتاب، فتحيّروا، وضلُّوا. انتهى (٢).
(ألا) أداة استفتاح وتنبيه، يلقى بها للمخاطب تنبيهًا له، وإزالةً لغفلته.
قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: كلمة التنبيه مركّبة من همزة الاستفهام، و"لا" النافية، مُعْطِية معنى يُحقّق ما بعدها، ولكونها بهذه المثابة لا يكاد يقع ما بعدها إلا كانت مصدّرةً بما يُصدّر به جواب القسم، وشقيقتها "أما".
стр. 181
وقوله: (وَإِنَّ) عطف على مقدّر: أي إن ما في كتاب الله حقّ، وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرّم الله.
و"إنّ" -بكسر الهمزة -؛ لأنه ابتداء كلام من النبيّ ﷺ ، وقيل: يحتمل أن يكون من كلام الراوي، وهو بعيد. وصوّب الطيبيّ كونه من كلام النبي ﷺ ، وجعله من باب التجريد، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٨]. وأما جعله من كلام الراوي تخلّل بين كلامي رسول الله ﷺ فتعسّفٌ بعيدٌ من الفصاحة.
(مَا) موصولة، وصلتها قوله (حَرَّمَ رَسُولُ الله ﷺ ) حُذف العائد، كما قال في "الخلاصة":
........................ ... وَالحذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
في عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ ... بِفِعْلٍ أوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهَبْ
وقوله: (مِثْلُ مَا حَرَّمَ الله) بالرفع خبر "إن": أي الذي حرمه رسول الله ﷺ في حديثه مثلُ الذي حرّمه الله ﷺ في كتابه.
قيل: وفي الاقتصار على التحريم إشارة إلى أن الأصل في الأشياء الإباحة. وقيل: هو من باب الاكتفاء، أي ما حرّم وأحلّ رسول الله ﷺ مثلُ ما حرّم الله تعالى.
زاد في رواية أبي داود المذكورة: "ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السبع، ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يَقْرُوه، فإن لم يَقْرُوه فله أن يُعْقِبَهم بمثل قِرَاه".
فقوله: "ألا لا يحلّ لكم الخ" بيان للقسم الذي يثبت بالسنّة، ولم يوجد له ذكرٌ في الكتاب. ومنه "ولا لقطة معاهد الخ"، ومعناه: لا يحلّ التقاط ما ضاع من شخص معاهد، وهو الكافر الذي بينه وبين المسلمين عهد بأمان. وقوله: "إلا أن يستغني عنها صاحبها": أي يتركها لمن يأخذها؛ استغناء عنها. وقوله: "يقروه" بفتح الياء، وضم
стр. 182
الراء: أي يُضيفوه، من قريت الضيف: إذا أحسنت إليه. وقوله: "فله أن يُعقبهم: من الإعقاب: أي يجازيهم بأخذ مالهم عوضًا عما حَرَموه من القرى. قيل: هذا في المضطرّ. أو منسوخ.
والذي يظهر لى أنه على ظاهره، ولا دليل على ما ذُكر، وستكون عودة في المحلّ المناسب له، إن شاء الله تعالى.
قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: أما بيان النظم، فإنه ﷺ قرّر أوّلًا بقوله. "ألا إني أوتيت الكتاب" أنه ﷺ شرّع أيضًا أحكامًا في الدين سوى القرآن، وثنّى بتوبيخ من أنكر ذلك، وجعله متكبّرًا بَطِرًا طاغيًا، وثلّث بما يُشعر بالتعليل، وأن له أن يستقلّ بالأحكام، وربّع ببيان صور متعدّدة تحقيقًا للمطلوب، كما مرّ. وقوله: "ومن نزل بقوم الخ" أخرجه من سياق المبهمات، حيث لم يقل: لا يحلّ للمضيف أن لا يكرم ضيفه، وأبرزه في معرض الشرط والجزاء؛ دلالةً على أن ذلك ليس بمحرّم، ولكنه خارج عن سمة أهل المروءة، وهدي أهل الإيمان، وليتأهّل فاعله أن يخذّل، ويُستَهْجَن فعلُهُ، ويُجازى بكلّ قبيح. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "ليس بمحرّم" فيه نظر لا يخفى، بل ظاهر في التحريم، ولولا ذلك لما أمر الضيف بالإعقاب، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده الحسن بن جابر، يحتاج إلى متابعة؟.
[قلت]: تابعه عبد الرحمن بن أبي عوف، وهو ثقة، عند أبي داود، والله تعالى أعلم.
стр. 183
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا - ١/ ١٢ - بهذا الإسناد، وسيعيده في "كتاب الذبائح" (٣١٩٣) بنفس السند مختصرًا بلفظ: "أن رسول الله ﷺ حرّم أشياء حتى ذكر الحمر الإنسيّة". وأخرجه (أحمد) ٤/ ١٣٢ و (الدارميّ) (٥٩٢) و (أبو داود) (٣٨٠٤) و (٤٦٠٤) و (الترمذيّ) (٢٦٦٤)، و (ابن حبان) ١٢، و (الطبراني) ٢٠/ حديث (٦٤٩) و (البيهقيّ) في "السنن الكبرى" ٧/ ٧٦ و ٩/ ٣٣١، و"دلائل النبوّة" ٦/ ٥٤٩، و (الحاكم) ١/ ١٠٩ وصححه، وأقرّه الذّهَبيّ. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تعظيم حديث رسول الله ﷺ ، والتغليظ على من عارضه.
٢ - (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، حيث إن النبيّ ﷺ أخبر بما سيقع بعده، وحذّر منه، فوقع كما أخبر به.
٣ - (ومنها): ما قاله الخطابيّ رحمه الله تعالى: في الحديث دليل على أنه لا حاجة بالحديث أن يُعرض على الكتاب، وأنه مهما ثبت عن رسول الله ﷺ كان حجة بنفسه. وأما ما رواه بعضهم أنه ﷺ قال: "إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فخذوه، وإن خالفه فدعوه"، فإنه حديث باطلٌ، لا أصل له. وقد حَكَى زكريا بن يحيى الساجيّ عن يحيى بن معين أنه قال: هذا حديث وضعته الزنادقة. قال الخطابيّ: وقد روي هذا من حديث الشاميين، عن يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عن ثوبان. ويزيد بن ربيعة هذا مجهول، ولا يُعرف له سماع من أبي الأشعث، وأبو الأشعث لا يروي عن ثوبان، وإنما يروي عن أبي أسماء الرَّحَبيّ، عن ثوبان. انتهى كلام الخطابيّ (١).
٤ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ رحمه الله تعالى: [فإن قلت]: دلّت هذه الصور على
стр. 184
المحرّمات، فأين ذكر ما أحلّه ﷺ .
[قلت]: الأصل في الأشياء الإباحة، إلا ما خصّه الدليل؛ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا في الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. فخُصّ منها أشياء بنصّ التنزيل، وبقي ما عداها في معرض التحليل، فخصّ منها بنصّ الحديث بعضٌ، فبقي سائرها على أصل الإباحة، وكأنه ﷺ نصّ على تحليلها، فلا يزيد، ولا ينقص. انتهى كلام الطيبيّ (١).
٥ - (ومنها): قد تكرّرت كلمة التنبيه في هذا الحديث -يعني في رواية أبي داود- (٢) ففيه توبيخٌ وتقريعٌ، نشأ من غضب عظيم على من ترك السنّة، والعمل بالحديث؛ استغناءً عنها بالكتاب، هذا مع الكتاب، فكيف بمن رجّح الرأي على الحديث؟ وإذا سمع حديثًا من الأحاديث الصحيحة قال: لا عليّ بأن أعمل بها، فإن لي مذهبًا أتّبعه. قاله الطيبيّ.
وقد أشرت إلى هذا المعنى في "ألفيّة العلل" حيث قلت:
وَبَعْضُهُم بُلِيَ بِالتَّعَصُّبِ ... لمَذْهَبِ مُعَيَّنٍ وَاعَجَبِي
أَعْرَضَ كُلًّا عَنْ حَدِيثِ المُصْطَفَى ... إِلَّا إِذَا مَذْهَبَهُ قَدْ حَالَفَا
فَإِنْ تَقُلْ قَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ ... هَذَا الحدِيثَ قَالَ ذَا بُهْتَانِ
إِمَامُنَا أَحَقُّ أَنْ نَتَّبِعَهْ ... إِذْ هُوَ أَعْلَمُ فَقُلْ مَا أَشْنَعَهْ
فَيَرْمِيهِ أَهْلُ الرَّفْضِ بِالنَّصْبِ فِرْيَةً ... وَيَرْمِيهِ أَهْلُ النَّصْبِ بِالرَّفْضِ وَالجحْدِ
وَلَيْسَ لَهُ ذَنْبٌ سِوَى أَنهُ غَدَا ... يُتَابعُ قَوْلَ الله في الحلِّ وَالْعَقْدِ
وَيَتْبَعُ أَقْوَالَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ... وَهَلْ غَيْرُهُ بِاللهِ في الشَّرْع مَنْ يَهْدِي
لَئِنْ عَدَّهُ الجهَّالُ ذَنْبًا فَحَبَّذَا ... بِهِ حَبَّذَا يَوْمَ انْفِرَادِيَ في لحدِي
عَلَامَ جَعَلْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ دِينَنَا ... لأَرْبَعَةٍ لَا شَكَّ في فَضْلِهِمْ عِنْدِي
هُمُ عُلَمَاءُ الدِّينِ شَرْقًا وَمَغْرِبًا ... وَنُورُ عُيُونِ الْفَضْلِ وَالحقِّ وَالزُّهْدِ
وَلَكِنَّهُمْ كَالنَّاسِ لَيْسَ كَلَامُهُمْ ... دَلِيلًا وَلَا تَقْلِيدُهُمْ في غَدٍ يُجدِي
وَلَا زَعَمُوا حَاشَاهُمُ أَنَّ قَوْلهُمْ ... دَلِيلٌ فَيَسْتَهْدِي بِهِ كُلُّ مُسْتَهْدِي
بَلَى صَرَّحُوا أنِّا نُقَابِلُ قَوْلَهَمْ ... إِذَا خَالَفَ المنْصُوصَ بِالْقَدْح وَالرَّدِّ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
١٣ - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَليٍّ الجهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنةَ في بَيْتِهِ، أَنا سَأَلْتُهُ عَنْ سَالمٍ أَبِي النَّضْرِ، ثُمَّ مَرَّ في الحدِيثِ، قَالَ: أَوْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ أَبِي رَافِع، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِمّا أَمَرْتُ بِهِ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا في كِتَابِ الله اتَّبَعْنَاهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (نصر بن عليّ) بن نصر بن عليّ بن صُهبان الأزديّ الجْهضميّ، أبو عمرو البصريّ الصغير، ثقة ثبت [١٠].
رَوَى عن أبيه ويزيد بن زريع، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعيسى بن يونس اليمامي، ووهب بن جرير بن حازم، ووكيع، ومعن بن عيسى، ومسلم بن إبراهيم، وخلق كثير.
ورَوَى عنه الجماعة، وروى النسائي أيضا عن زكريا السجزي، وأحمد بن علي
стр. 187
المروزي عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والذهلي، وبقي بن مخلد، وعبد الله بن أحمد، وعبدان الأهوازي، وإسماعيل القاضي، وابن أبي الدنيا، وابن خزيمة، وآخرون.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه؟ فقال: ما به بأسٌ، ورَضِيَهُ. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن نصر بن علي، وأبي حفص الصيرفي، فقال: نصر أحب إلي وأوثق وأحفظ من أبي حفص، قلت: فما تقول في نصر؟ قال: ثقة. وقال النسائي، وابن خراش: ثقة. وقال عبيد الله بن محمد الفرهياني: نصر عندي من نبلاء الناس. وقال أبو علي بن الصواف، عن عبد الله بن أحمد: لمّا حدّث نصر بن علي بهذا الحديث -يعني حديث علي بن أبي طالب: أن رسول الله ﷺ أخذ بيد حسن وحسين، فقال: من أحبني وأحب هذين، وأباهما وأمهما كان في درجتي يوم القيامة" (١)، أمر المتوكل بضربه ألف سوط، فكلمه فيه جعفر بن عبد الواحد، وجعل يقول له: هذا من أهل السنة، فلم يزل به حتى تركه. وقال الحسين بن إدريس الأنصاري: سئل محمد بن علي النيسابوري عن نصر بن علي؟ فقال: حجة. وقال أبو بكر بن أبي داود: كان المستعين بعث إلى نصر بن علي لِيُوَلِّيَهُ القضاء، فقال لأمير البصرة: أرجع فأستخير الله تعالى، فرجع إلى بيته، فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك، فنام فَنَبَّهُوه، فإذا هو ميت. قال البخاري: مات في ربيع الآخر سنة خمسين ومائتين، وفيها أرخه غير واحد. وقيل: مات سنة إحدى وخمسين، وهو قول ابن جرير فيما حكاه مسلمة بن قاسم، وقال: هو ثقة عند جميعهم. وقال قاسم بن أصبغ: سمعت الْخُشَنِيَّ يقول: ما كتبت بالبصرة عن أحد أعقل من نصر بن علي روى عنه الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٧) حديثًا.
٢ - (سفيان بن عيينة) بن أبي عمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، سكن
стр. 188
مكة، وقيل: إن أباه عيينة هو المكنيّ أبا عمران، ثقة حافظ فقيه إمام حجة، إلا أنه تغيّر حفظه بآخره، وربما دلّس، لكن عن الثقات، من رءوس الطبقة [٨].
رَوَى عن عبد الملك بن عمير، وأبي إسحاق السبيعي، وزياد بن علاقة، والأسود ابن قيس، وأبان بن تغلب، وبيان بن بشر، وجعفر الصادق، وجامع بن أبي راشد، وحميد الطويل، وسليمان التيمي، وسليمان الأحول، وسُمَيّ، وسُهيل، وشبيب بن غرقدة، وصالح بن كيسان، وعمرو بن دينار، والزهري، والعلاء بن عبد الرحمن، وخلق لا يحصون.
وروى عنه الأعمش، وابن جريج، وشعبة، والثوري، ومسعر، وهم من شيوخه، وأبو إسحاق الفزاري، وحماد بن زيد، والحسن بن حي، وهمام، وأبو الأحوص، وابن المبارك، وقيس بن الربيع، وأبو معاوية، ووكيع، ومعتمر بن سليمان، ويحيى بن أبي زائدة، وهم من أقرانه، وماتوا قبله، ومحمد بن إدريس الشافعي، وعبد الله ابن وهب، ويحيى القطان، وابن مهدي، وأبو أسامة، وروح بن عبادة، وجمّ غفير.
قال ابن المديني: وُلد سنة (١٠٧) وكذا قال عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، عن سفيان، وزاد للنصف من شعبان، وكُتِب عنه الحديثُ سنة (٤٢) قبل موت الأعمش. وقال ابن عيينة: أول من أسندني إلى الإسطوانة مسعر، فقلت: إنّي حَدَثٌ، فقال: إن عندك الزهريِّ، وعمرَو بنَ دينار. وقال علي بن المديني: ما في أصحاب الزهري أتقن من ابن عيينة. وقال العجلي: كوفي ثقة ثبت في الحديث، وكان حسن الحديث، يُعَدُّ من حكماء أصحاب الحديث. وقال الشافعي: لولا مالك وسفيان، لذهب علم الحجاز. وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: مالك وسفيان القرينان، وقال ابن المديني: قال لي يحيى بن سعيد: ما بقي من معلميَّ أحد غير ابن عيينة، فقلت: يا أبا سعيد سفيان إمام في الحديث، قال: سفيان إمام منذ أربعين سنة.
قال ابن سعد: أخبرني الحسن بن عمران بن عيينة، أن سفيان قال له بجمع آخر حجة حجها: قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة، أقول في كل سنة: اللهم لا تجعله آخر
стр. 189
العهد من هذا المكان، وإني قد استحييت من الله من كثرة ما أسأله ذلك، فرجع، فتوفي في السنة الداخلة. وقال الواقدي: مات يوم السبت، أول يوم من رجب، سنة ثمان وتسعين ومائة. وقال ابن عمار: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: اشهدوا أن سفيان ابن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة، فمن سمع منه في هذه السنة وبعدها، فسماعه لا شيء.
قال الحافظ: قرأت بخط الذهبي: أنا أستبعد هذا القول، وأجده غلطا من ابن عمار، فإن القطان مات أول سنة (٩٨) عند رجوع الحجاج، وتحدثهم بأخبار الحجاز، فمتى يُمَكَّن من سماع هذا، حتى يتهيأ له أن يشهد به، ثم قال: فلعله بلغه ذلك في وسط السنة. انتهى. وهذا الذي لا يتجه غيره؛ لأن ابن عمار من الأثبات المتقنين، وما المانع أن يكون يحيى بن سعيد سمعه من جماعة، ممن حج في تلك السنة، واعتمد قولهم، وكانوا كثيرا، فشهد على استفاضتهم، وقد وجدت عن يحيى بن سعيد شيئا يصلح، أن يكون سببا لما نقله عنه ابن عمار في حق ابن عيينة، وذلك ما أورده أبو سعيد بن السمعاني، في ترجمة إسماعيل بن أبي صالح المؤذن، من "ذيل تاريخ بغداد"، بسند له قويّ إلى عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لابن عيينة: كنت تكتب الحديث، وتحدث اليوم وتزيد في إسناده، أو تنقص منه؟ فقال: عليك بالسماع الأول، فإني قد سئمت. وقد ذكر أبو معين الرازي، في زيادة "كتاب الإيمان" لأحمد: أن هارون بن معروف قال له: إن ابن عيينة تغير أمره بآخره.
وقال ابن حبان في "الثقات" كان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع والدين. وقال اللالكائي: هو مستغن عن التزكية؛ لتثبته وإتقانه، وأجمع الحفاظ أنه أثبت الناس في عمرو بن دينار. وجزم ابن الصلاح في "علوم الحديث" بأنه مات سنة ثمان وتسعين ومائة. انتهى. وكان انتقاله من الكوفة إلى مكة سنة (٦٣) فاستمر بها إلى أن مات.
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٩٨) حديثًا.
٣ - (سالم أبو النضر) هو سالم بن أبي أميّة، مولى عمر بن عُبيد الله التيميّ المدنيّ،
стр. 190
ثقة ثبت، يرسل [٥].
رَوَى عن أنس، والسائب بن يزيد، وعوف بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى كتابةً، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن أبي رافع، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه إبراهيم المعروف بِبَرَدَان بن أبي النضر، والسفيانان، ومالك، وعمرو بن الحارث، وموسى بن عقبة، وابن جريج، وابن إسحاق، وغيرهم.
قال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: سالم أبو النضر عندك فوق سُمَيّ؟ قال: نعم. وقال أحمد، وابن معين، والعجلي، والنسائي: ثقة، زاد العجلي: رجل صالح، وكذا قال أبو حاتم، وزاد: حسن الحديث. وقال ابن سعد: ثقة، كثير الحديث، مات في خلافة مروان بن محمد. وقال خليفة: مات سنة تسع وعشرين ومائة. وقال الجَنَديّ: سئل ابن عيينة عن سالم أبي النضر؟ فقال: كان ثقة، وكان يصفه بالفضل والعقل والعبادة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح: له شأن، ما أكاد أُقَدِّم عليه كبير أحد، سمع أنسًا. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": سمعت أبي يقول: أبو النضر عن عثمان بن أبي العاص مرسل. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت. وقال ابن خلفون: وثقه ابن المديني، وابن نمير. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث برقم ١٣ و ٤٩٨ و ٩٣٤ و ٩٣٥ و ١١٢٩ و ٢٤٩٨.
٤ - (زيد بن أسلم) العدويّ مولى عمر بن الخطاب، أبو عبد الله، ويقال: أبو أسامة المدنيّ، ثقة فقيه، يرسل [٣].
رَوَى عن أبيه، وابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وجابر، وربيعة بن عباد الدِّيلي، وسلمة ابن الأكوع، وأنس، وأبي صالح السمان، وبسر بن سعيد، والأعرج، وغيرهم.
ورَوَى عنه أولاده الثلاثة: أسامة، وعبد الله، وعبد الرحمن، ومالك، وابن عجلان، وابن جريج، وأيوب السختياني،، والسفيانان، والدَّرَاوَرْديّ، وجماعة.
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: لم يسمع من جابر، ولا من أبي هريرة، وقال مالك
стр. 191
عن ابن عجلان: ما هِبْتُ أحدا قط هيبتي زيد بن أسلم. وقال العطاف بن خالد: حَدّث زيد بن أسلم بحديث، فقال له رجل: يا أبا أسامة عمّن هذا؟ فقال: يا ابن أخي ما كنا نجالس السفهاء. وقال أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن سعد، والنسائي، وابن خراش: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة من أهل الفقه والعلم، وكان عالما بتفسير القرآن. وقال البخاري في "تاريخه": قال زكريا بن عدي: ثنا هشيم، عن محمد بن عبد الرحمن القرشي، قال: كان علي بن الحسين يجلس إلى زيد بن أسلم، ويتخطى مجالس قومه، فقال له نافع ابن جبير بن مُطعِم: تتخطى مجالس قومك إلى عبد عمر بن الخطاب؟ فقال علي: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه. وقال حماد بن زيد، عن عبيد الله بن عمر: لا أعلم به بأسا إلا أنه يفسر برأيه القرآن، ويكثر منه، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال خليفة وغير واحد: مات سنة ست وثلاثين ومائة، زاد بعضهم في العشر الأول من ذي الحجة. وقيل: غير ذلك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٨) حديثًا.
٥ - (عبيد الله بن أبي رافع) المدنيّ مولى النبيّ ﷺ ، كان كاتب عليّ ﵁، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، وأمه سلمى، وعن علي، وكان كاتبه، وأبي هريرة، وشُقْران مولى النبي ﷺ .
وروى عنه أولاده: إبراهيم، وعبد الله، ومحمد، والمعتمر، والحسن بن محمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين بن علي، وسالم أبو النضر، وابن المنكدر، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، وبُسْر بن سعيد، والحكم بن عتيبة، والأعرج، وعبد الله بن الفضل الهاشمي، وعاصم بن عبيد الله، وآخرون.
قال أبو حاتم، والخطيب: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات" أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث.
٦ - (أبوه) أبو رافع القبطيّ، مولى رسول الله ﷺ ، قيل: اسمه إبراهيم، وقيل:
стр. 192
أسلم، وقيل: ثابت، وقيل: هرمز، وقيل: صالح. يقال: إنه كان للعباس، فوهبه للنبي ﷺ ، وأعتقه لمّا بَشّره بإسلام العباس وكان إسلام أبي رافع قبل بدر، ولم يشهدها، وشهد أحدًا، وما بعدها. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن ابن مسعود، وعنه أولاده: الحسن، ورافع، وعبيد الله، والمعتمر، ويقال: المغيرة، وسلمى، وأحفاده: الحسن، وصالح، وعبيد الله، أولاد علي بن أبي رافع، وعلي بن الحسين بن علي، وأبو سعيد المقبري، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وأبو غَطَفَان بن طريف المُرّيّ، وعمرو بن الشريد بن سُويد الثقفي، وحُصين والد داود، وسعيد بن أبي سعيد، مولى ابن حزم، وشرحبيل بن سعد، وغيرهم. قال الواقدي: مات بالمدينة بعد قتل عثمان، وقيل: مات في خلافة علي. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، بل من رجال الجماعة كلهم.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من سالم، وشيخه بصريّ، وسفيان كوفيّ، ثم مكيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عِليٍّ الجهْضَمِيُّ) -بفتح الجيم، وسكون الهاء، بعدها ضاد معجمة-: نسبة إلى الجهاضمة بطن من الأزد، والجهاضم محلّة لهم بالبصرة. (١) (حَدَّثنَا سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنةَ في بَيْتِهِ) متعلّق بـ "حدّثنا" قال نصر: (أَنَا سَألتُهُ) أي سألت سفيان (عَنْ سَالِمٍ) متعلّق بـ "حدّثنا" أيضًا، أو متعلّق بحال مقدّر: أي حال كونه روايًا عن سالم (أَبِي النَّضْرِ) بدل من "سالم" (ثُمَّ مَرَّ) أي استمرّ سفيان (في الحدِيثِ) أي في سوقه يعني أنه استمرّ فيه، ولم
стр. 193
يقطعه (قَالَ) سفيان (أَوْ) للشكّ (زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) يعني أن سفيان شكّ فيمن حدّثه بهذا الحديث، هل هو سالم أبو النضر، أو زيد بن أسلم، وهذا الشكّ لا يضرّ بصحّة الحديث؛ لأن كلّا منهما ثقة، كما سيأتي تحقيقه في السائل، إن شاء الله تعالى (عَنْ عُبَيْدِ الله بْن أَبِي رَافِع، عَنْ أَبِيهِ) أبي رافع مولى النبيّ ﷺ و ﵁ (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا) ناهيةَ (أُلْفِيَنَّ) -بضمّ الهمزة، بصيغة المتكلّم المؤكَّد بالنون الثقيلة، منَ ألفَيتُ الشيءَ: إذا وجدته، والظاهر أنه ﷺ نهى نفسه عن أن يَجِدهم على هذه الحالة، والمراد به نهيهم عن أن يكونوا على هذه الحالة، فإنهم إذا كانوا عليها يجدهم ﷺ عليها. قاله السنديّ.
وقال الطيبيّ: هو كقولك: لا أَرَيَنَّك ههنا، نهى رسول الله ﷺ نفسه عن أن يجدهم على هذه الحالة، والمراد نهيهم عن أن يكونوا على تلك الحالة، فإنهم إذا كانوا عليها وجدهم ﷺ كذلك، فهو من باب إطلاق السبّب على السبب، ومن الإيمائية. (١).
(أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ) أي سريره المزَيَّنِ في قُبّة، أو بيت، فإذا لم يكن فيه سرير، فهو حَجَلَة. وأراد بهذه الصفّة أصحاب الترفّه والدَّعَة الذين لزموا البيوت، وصُدّوا عن طلب العلم والحديث. ويحتمل أن يريد بهذا الوصف التكبّر والسلطنة. (٢)
(يَأْتِيهِ الْأَمْرُ) زاد في رواية: "من أمري". والجملة في محلّ نصب على الحال، و"الأمر" بمعنى الشأن، فيعُمّ الأمر والنهي، فيوافق البيان بقوله (مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ) و"أمرت"، و"نهيت" بالبناء للفاعل (فَيَقُولُ) ذلك الأحد؛ إعراضًا عن ذلك الأمر (لَا أَدْرِي) هذا الأمر، أو لا أدري غير القرآن، ولا أتبع غيره. وقوله: (مَا وَجَدْنَا في كِتَابِ الله اتَّبَعْنَاهُ) "ما" موصولة مبتدأ، خبره جملة "اتّبعناه": أي وليس هذا منه، فلا نتّبعه. ويَحتمل أن تكون "ما" نافية، والجملة كالتأكيد لقوله: "لا أدري"، وجملة "اتّبعناه" حالٌ: أي وقد اتّبعنا كتاب الله، فلا نتّبع غيره (٣).
стр. 194
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: يجوز أن يُراد بقوله: "الأمر من أمري": الأمر الذي هو بمعنى الشأن، ويكون "مما أمرت به، أو نهيت عنه" بيانًا للأمر الذي هو الشأن؛ لأنه أعمّ من الأمر والنهي. وقوله: "فيقول: لا أدري" مرتّبٌ على "يأتيه"، والجملة كما هي حالٌ أخرى من المفعول، ويكون النهي منصبّا على المجموع: أي لا أُلفيَنّ أحدكم حالةَ أنه يتكىء، ويأتيه الأمر، فيقول: لا أدري. (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي رافع رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا بهذا السند فقط، و (أبو داود) (٤٦٠٥) عن أحمد بن محمد ابن حنبل، وعبد الله بن محمد النُّفيليّ، كلاهما عن سفيان، عن سالم أبي النضر، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه و (الترمذي) (٢٦٦٣) عن قتيبة، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، وسالم أبي النضر، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي رافع، وغيره رفعه. قال الترمذيّ: ورَوَى بعضُهم عن سفيان، عن ابن المنكدر، عن النبيّ ﷺ مرسلًا. وسالمٍ أبي النضر، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ . وكان ابن عيينة إذا روى هذا الحديث على الانفراد بَيّنَ حديث محمد بن المنكدر من حديث سالم أبي النضر، وإذا جمعهما روى هكذا. انتهى، و (الحميديّ) ٥٥١ عن سفيان به. قال الحميديّ: قال سفيان: وحدّثنا ابن المنكدر مرسلًا، قال: قال رسول الله ﷺ ... الحديث. قال سفيان: وأنا لحديث ابن المنكدر أحفظ لأني سمعته أوّلًا، وقد حفظت هذا أيضًا، و (أحمد) (٦/ ٨) عن عليّ بن إسحاق، عن عبد الله، عن ابن لَهِيعة، عن سالم أبي النضر به،
стр. 195
و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٧) ومن طريقه (الحاكم) (١/ ١٠٨) وصححه، ووافقه الذهبيّ و (البيهقيّ) في "السنن الكبرى" (٧/ ٧٦) وفي "دلائل النبوّة" (١/ ٢٤) و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٣)، وفوائده تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
١٤ - (حَدَّثَنَا أَبو مَرْوَانَ، مُحَمَّدُ بْنُ عُثَمانَ الْعُثَمانِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هَذَا، مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَهُوَ رَدٌّ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو مَرْوَانَ، مُحَمَّدُ بْنُ عُثَمانَ) بن خالد بن عُمر بن عبد الله بن الوليد بن عثمان ابن عفان القرشيّ الأمويّ الْعُثْمَانيُّ، نزيل مكة، صدوقٌ، يُخطىء [١٠].
رَوَى عن أبيه، وابن أبي الزناد، وابن أبي حازم، وإبراهيم بن سَعْد، والدَّرَاوَرْديّ، ومحمد بن ميمون، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن ماجه، ورَوَى النسائي في "خصائص علي" عن زكريا السِّجْزيّ عنه، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وموسى بن هارون، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقة. وقال صالح بن محمد الأسدي: ثقة صدوق، إلا أنه يروي عن أبيه المناكير، قيل: ما حاله؟ قال: لا نعرفه -يعني أباه- لم أسمع أحدا يحدث عنه غير سلمة بن شبيب. قال الحاكم: وقد حدث عنه أهل المدينة، وغيرهم، وفي حديثه بعض المناكير. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ، ويخالف مات بمكة في آخر سنة أربعين أو أول سنة إحدى وأربعين ومائتين. وقال موسى بن هارون: مات سنة إحدى وأربعين. تفرّد به المصنّف، والنسائي في "خصائص عليّ ﵁". وله في هذا الكتاب (٣٩) حديثًا.
стр. 196
٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة، تُكُلِّم فيه بلا قادحٍ [٨].
رَوَى عن أبيه، وصالح بن كيسان، والزهري، وهشام بن عروة، وصفوان بن سُليم، ومحمد بن إسحاق، وشعبة، ويزيد بن الهاد، وخلق كثير.
ورَوَى عنه الليث، وقيس بن الربيع، وهما أكبر منه، ويزيد بن الهاد، وشعبة، وهما من شيوخه، والقعنبي، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وابناه: يعقوب، وسعد، وجماعة.
قال أحمد: ثقة. وقال أيضًا: أحاديثه مستقيمة. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: كان وكيع كَفَّ عن حديث إبراهيم بن سعد، ثم حدث عنه بعدُ، قلت: لم؟ قال: لا أدري، إبراهيم ثقة. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة. وقال أيضًا: إبراهيم أحب إلي في الزهري من ابن أبي ذئب، وقال أيضًا: إبراهيم أثبت من الوليد بن كثير، ومن ابن إسحاق. وقال الدُّوريّ: قلت ليحيى: إبراهيم أحب إليك في الزهري أو الليث؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال ابن معين أيضًا، والعجلي، وأبو حاتم: ثقة. وقال مرة: ليس به بأس. وقال علي بن الجعد: سألت شعبة عن حديث لسعد بن إبراهيم، فقال لي: فأين أنت عن ابنه؟ قلت: وأين ذا؟ قال: نازل على عمارة بن حمزة، فأتيته، فحدثني. وقال البخاري: قال لي إبراهيم بن حمزة: كان عند إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق نحو من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام، سوى المغازي، وإبراهيم بن سعد من أكثر أهل المدينة حديثًا في زمانه. وقال صالح جزرة: حديثه عن الزهري ليس بذاك؛ لأنه كان صغيرا، حين سمع من الزهري. وقال الدُّوري عن ابن معين في حديث جمع القرآن: ليس أحد حدث به أحسن من إبراهيم بن سعد، وقد حدث مالك بطرف منه. وقال أبو داود: ولي بيت المال ببغداد. وقال ابن خِرَاش: صدوق.
وذكر الخطيب في "تاريخ بغداد" أنه قدم بغداد سنة (٨٤)، فأكرمه الرشيد، وفيها أرخ ابن أبي عاصم وفاته. قال الخطيب: حدث عنه يزيد بن الهاد، والحسين بن
стр. 197
سيار الحراني، وبين وفاتيهما مائة واثنتا عشرة سنة. وذكر ابن عدي في "الكامل" عن عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: ذُكر عند يحيى بن سعيد عُقَيل، وإبراهيم بن سعد، فجعل كأنه يضعفهما، يقول: عُقيل وإبراهيم، ثم قال أبي: أَيْشٍ ينفع هذا؟ هؤلاء ثقات، لم يَخْبُرْهما يحيى. وعن أبي داود السجستاني: سمعت أحمد سُئل عن حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أنس، مرفوعا: "الأئمة من قريش"؟، فقال: ليس هذا في كتب إبراهيم بن سعد، لا ينبغي أن يكون له أصل.
قال الحافظ: رواه جماعة عن إبراهيم، ونقل الخطيب أن إبراهيم كان يجيز الغناء بالْعُود، وولي قضاء المدينة. وقال ابن عيينة: كنت عند ابن شهاب، فجاء إبراهيم بن سعد، فرفعه، وأكرمه، وقال: إن سعدا أوصاني بابنه، وسعدٌ سعدٌ. وقال ابن عدي: هو من ثقات المسلمين، حدث عنه جماعة من الأئمة، ولم يختلف أحد في الكتابة عنه، وقول من تكلم فيه تحامل، وله أحاديث صالحة، مستقيمة، عن الزهري وغيره.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول في إبراهيم ما تقدّم عن "التقريب" إنه ثقة حجة، تُكُلّم فيه بلا قادح، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
قال عبد الله بن أحمد: وُلد سنة (١٠٨) أخبرني بذلك بعض ولده. وقال أبو موسى: مات سنة (٢) أو (١٨٣). وقال ابن سعد، وابن المديني، وخليفة، وابن أبي خيثمة، وغيرهم: مات سنة (٨٣) زاد علي بن المديني: وهو ابن (٧٣) سنة. وقال ابن سعد: وهو ابن (٧٥) سنة. وقال سعيد بن عُفير، وأبو حسان الزيادي: مات سنة (٨٤). وقال أبو مروان العثماني: سمعت من إبراهيم بن سعد سنة (٨٥)، ومات بعد ذلك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٠) حديثًا.
٣ - (أبوه) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق، ويقال: أبو إبراهيم، أمه أم كلثوم بنت سعد، وكان قاضي المدينة، والقاسم بن محمد حي، ثقة فاضلٌ عابدٌ [٥].
رأى ابن عمر، وروى عن أبيه، وعميه: حميد، وأبي سلمة، وابن عم أبيه طلحة
стр. 198
ابن عبد الله بن عوف، وابن عمه عمر بن أبي سلمة، وأخيه المسور، وخاليه: إبراهيم وعامر ابني سعد، وعن أنس، وعبد الله بن جعفر، وأبي أمامة بن سهل بن حُنيف، ونافع، والقاسم بن محمد وابن المنكدر، وجماعة.
ورَوَى عنه ابنه إبراهيم، وأخوه صالح، وعبد الله بن جعفر المخزومي، وعياض ابن عبد الله الْفِهْري، وابن عجلان، والزهري، وموسى بن عقبة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن عيينة، وغيرهم من أهل الحجاز، وأيوب السختياني، والحمادان، والثوري، وشعبة، ومسعر، وزكرياء بن أبي زائدة، وابن إسحاق، وأبو عوانة، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة ولي قضاء المدينة، وكان فاضلًا. وقال عبد الله بن شعيب، عن ابن معين: ثقة لا يُشَكُّ فيه. وقال الدُّوري، وغير واحد، عن ابن معين: ثقة. وكذا قال العجلي، وأبو حاتم، والنسائي. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت ابن المديني، وقيل له: سمع سعد بن إبراهيم من عبد الله بن جعفر؟ قال: ليس فيه سماع، ثم قال علي: لم يَلْقَ سعدُ بنُ إبراهيم أحدًا من الصحابة. وقال أبو حاتم عن ابن المديني: كان سعد لا يحدث بالمدينة، فلذلك لم يكتب عنه أهل المدينة، ومالك لم يكتب عنه، وإنما سمع منه شعبة، وسفيان بواسط، وابن عيينة سمع منه بمكة. وقال حجاج بن محمد: كان شعبة إذا ذكره قال: حدثني حبيبي سعد. وقال الساجي: ثقة أجمع أهل العلم على صدقه، والرواية عنه، إلا مالكًا، وقد رَوَى مالك عن عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، وصح باتفاقهم أنه حجة، وقال أحمد بن الْبَرْقِيّ: سألت يحيى عن قول بعض الناس في سعد: إنه كان يرى القدر، وترك مالك الرواية عنه، فقال: لم يكن يرى القدر، وإنما ترك مالك الرواية عنه؛ لأنه تكلم في نسب مالك، فكان مالك لا يروي عنه، وهو ثبت، لا شك فيه. وقال ابن عيينة: قال ابن جريج أتيت الزهري بكتاب أَعْرِضُ عليه، فقلت: أعرض عليك؟ فقال: إني وعدت سعدا في ابنه، وسعدٌ سعدٌ، قال ابن جريج: فقلت: ما أشدَّ ما تَفْرَقُ منه. وذكره ابن المديني في الطبقة الثالثة من الرواة عن نافع.
стр. 199
وقال يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه: سرد سعد الصوم قبل أن يموت بأربعين سنة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول في سعد رحمه الله تعالى أنه ثقة ثبت حجة، ولا يلحقه شيء من الجرح، والله تعالى أعلم.
قال إبراهيم ابنه: مات سنة خمس وعشرين ومائة. وقال يعقوب بن إبراهيم: مات سنة (٢٦)، وقال مرة: سنة (١٢٧)، وهو ابن (٧٢) سنة. وقال خليفة وغير واحد: مات سنة (٧)، وقال خليفة مرة: مات سنة (٨). وأرخه ابن سعد، وابن حبان في "الثقات" سنة (٢٧)، وحكى بن حبان الخلاف في وفاته أيضا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
٤ - (القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت فاضلٌ، من كبار [٣].
رَوَى عن أبيه، وعمته، عائشة، وعن العبادلة، وعبد الله بن جعفر، وأبي هريرة، وعبد الله بن خباب، ومعاوية، ورافع بن خَدِيج.
ورَوَى عنه ابنه عبد الرحمن، والشعبي، وسالم بن عبد الله بن عمر، وهما من أقرانه، ويحيى وسعد ابنا سعيد الأنصاري، وابن أبي مليكة، ونافع مولى ابن عمر، والزهري، وعبيد الله بن عمر، وسعد بن إبراهيم، وآخرون.
قال ابن سعد: أمه أم ولد يقال لها: سودة، وذكر عن الواقديّ أنه قال: كان ثقة، رفيعًا عالمًا فقيها إماما ورعا كثير الحديث. وقال البخاري: قُتل أبوه، وبقي القاسم يتيما في حجر عائشة ﵂. وقال الزبير: ما رأيت أبا بكر وَلَد ولدا أشبه به من هذا الفتى. وقال عبد الله بن شَوْذَب عن يحيى بن سعيد: ما أدركنا بالمدينة أحدا نفضله على القاسم. وقال وهيب، عن أيوب: ما رأيت أفضل منه. وقال البخاري في "الصحيح": حدثنا علي، حدثنا ابن عيينة، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، وكان أفضل أهل زمانه، أنه سمع أباه، وكان أفضل أهل زمانه. وقال أبو الزناد: ما رأيت أحدا أعلم بالسنة منه،
стр. 200
ولا أَحَدَّ ذهنا. وقال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي، عن ابن معين: عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة، ترجمة مُشَبّكَةٌ بالذهب. وقال ابن عون: كان القاسم، وابن سيرين، ورجاء بن حَيْوَة يحدثون بالحديث على حروفه. وقال خالد بن نزار، عن ابن عيينة: كان أعلم الناس بحدث عائشة ثلاثة: القاسم، وعروة، وعمرة. وقال مالك: كان قليل الحديث والفتيا. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: رأيت القاسم يصلي، فجاء إليه أعرابي، فقال له: أيما أعلم أنت أو سالم؟ فقال: سبحان الله، فكرر عليه، فقال: ذاك سالم فاسأله، قال ابن إسحاق: كره أن يقول: أنا أعلم من سالم، فيزكيَ نفسه، وكره أن يقول: سالم أعلم مني، فيكذبَ، قال: وكان القاسم أعلمهما. وقال ابن وهب عن مالك: كان القاسم من فقهاء هذه الأمة، قال: وكان ابن سيرين يأمر من يحج أن ينظر إلى هدى القاسم، فيقتدي به. وقال مصعب الزبيري، والعجلي: كان من خيار التابعين. وقال العجلي أيضا: مدني تابعي ثقة، نَزِهٌ، رجل صالح. وقال ابن وهب: حدثني مالك أن عمر بن عبد العزيز كان يقول له: لو كان لي من هذا الأمر شيء ما عَصَّبْتُهُ إلا بالقاسم.
وقال يعقوب بن سفيان: كان قليل الحديث والفتيا. وقال ابن حبان في ثقات التابعين: كان من سادات التابعين، من أفضل أهل زمانه علمًا وأدبًا وفقهًا، وكان صَمُوتًا، فلما ولي عمر بن عبد العزيز قال أهل المدينة: اليوم تنطق العذراء أرادوا القاسم.
قال ضمرة عن رجاء بن جميل: مات بعد عمر بن عبد العزيز سنة إحدى، أو اثنتين ومائة. وقال عبد الله بن عمر: مات القاسم وسالم أحدهما سنة خمس، والآخر سنة ست. وقال خليفة: مات سنة ست، أو أول سنة سبع. وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين، وابن المديني: مات سنة ست ومائة. وكذا قال غير واحد، زاد بعضهم: وهو ابن سبعين سنة. وقال ابن سعد: مات سنة اثنتي عشرة ومائة. وقيل: غير ذلك.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٤) حديثًا.
стр. 201
٥ - (عائشة) بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب ابن سعد بن تيم بن مُرّة بن كعب بن لؤيّ القُرَشيِّةُ التَّيْميَّةُ، وأمها أم رومان بنت عامر ابن عُويمر الكنانية، وُلدت بعد المبعث بأربع سنين أو خمس، فقد ثبت في "الصحيح" أن النبي ﷺ تزوجها، وهي بنت ست، وقيل: سبع، ويجمع بأنها كانت أكملت السادسة، ودخلت في السابعة، ودخل بها وهي بنت تسع، وكان دخوله بها في شوال في السنة الأولى، كما أخرجه ابن سعد عن الواقدي، عن أبي الرجال، عن أبيه، عن أمه عمرة، عنها قالت: أُعرِس بي على رأس ثمانية أشهر. وقيل: في السنة الثانية من الهجرة. وقال الزبير بن بكار: تزوجها بعد موت خديجة، قيل: بثلاث سنين. قال أبو عمر: كانت تُذكَر لجبير بن مُطعم، وتسمى له. أخرجه ابن سعد من حديث ابن عباس بسند فيه الكلبي، وأخرجه أيضا عن عبد الله بن نمير، عن الأجلح، عن ابن أبي مليكة، قال: خطب رسول الله ﷺ عائشة إلى أبي بكر، فقال: يا رسول الله إني كنت أعطيتها مُطعِمًا لابنه جبير، فدَعْني حتى أَسُلَّها منهم، فاستسلّها منهم، فطلّقها، فتزوّجها رسول الله ﷺ . وفي "الصحيح" من رواية أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قالت: تزوجني رسول الله ﷺ ، وأنا بنت ست سنين، وبَنَى بي وأنا بنت تسع، وقُبِضَ وأنا بنت ثمان عشرة سنة، وفي "الصحيح" أيضا: لم يَنكِح بكرا غيرها، وهو متفق عليه بين أهل النقل. وكانت تكنى أم عبد الله، بابن أختها عبد الله بن الزبير، قال الشعبي: كان مسروق إذا حدث عن عائشة، قال حدثتني الصادقة ابنة الصديق، حبيبة حبيب الله. وقال أبو الضحى، عن مسروق: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض. وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيا في العامة، وقال هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت أحدا أعلم بفقه، ولا بطب، ولا بشعر من عائشة. وقال أبو بردة ابن أبي موسى، عن أبيه: ما أشكل علينا أمر، فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها فيه علمًا. وقال الزهري: لو جُمع
стр. 202
علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين، وعلم جميع النساء، لكان علم عائشة أفضل.
وأسند الزبير بن بكار، عن أبي الزناد قال: ما رأيت أحدا أروى لشعر من عروة، فقيل له: ما أرواك!، فقال: ما روايتي في رواية عائشة؟ ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا.
ماتت سنة ثمان وخمسين، في ليلة الثلاثاء، لسبع عشرة خلت من رمضان عند الأكثر. وقيل: سنة سبع، ذكره علي بن المديني عن ابن عيينة، عن هشام بن عروة، ودُفنت بالبقيع (١). أخرج لها الجماعة، وروت (٢٢١٠) أحاديث، اتفق الشيخان منها على (١٧٤) وانفرد البخاريّ (٥٤) ومسلم (٦٨) ولها في هذا الكتاب (٣٨٦) حديثًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأخرج له النسائيّ في "الخصائص".
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه أيضًا، فإنه دمشقيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: سعد، عن القاسم، ورواية الراوي عن عمّته: القاسم، عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
٥ - (ومنها): أن فيه القاسم بن محمد من الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، وقد تقدّموا.
٦ - (ومنها): أن فيه عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، ومن المشهورين بالفتوى. والله تعالى أعلم.
стр. 203
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: مَنْ أَحْدَثَ) أي ابتدع، قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: حَدَثَ الشيءُ حدُوثًا، من باب قعد: تجدّد وجوده، فهو حادثٌ، وحَدِيثٌ، ومنه يقال: حدثَ به عيبٌ: إذا تجدّد، وكان معدومًا قبل ذلك، ويتعدّى بالألف، فيقال: أحدثته، ومنه "محدَثَات الأمور"، وهي التي ابتدعها أهل الأهواء. انتهى (١). وقال القرطبيّ: أي من اخترع في الشرع ما لا يشهد له أصل من أصوله، فهو مفسوخٌ، لا يعمل به، ولا يُلتفتُ إليه. انتهى (٢).
(في أَمْرِنَا) أي في شأننا، فالأمر واحد الأمور، أو فيما أمرنا به، فالأمر واحد الأوامر، أُطلق على المأمور به، والمراد على الوجهين: الدين القيّم ووصف الأمر بقوله: (هَذَا) إشارةً إلى أن أمر الإسلام كَمُلَ واشتهر، وشاع، وظهر ظهور المحسوس، بحيث لا يخفى على كلّ ذي بصر وبصيرة، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ الآية [المائدة: ٣]، فمن رام الزيادة عليه فقد حاول أمرًا غير مرضيّ؛ لأنه من قصور فهمه رآه ناقصًا (مَا لَيْسَ مِنْهُ) "ما" موصولة مفعول "أحدث" أي أحدث الشيء الذي ليس منه: أي من أمر الدين، وأشار إلى أن إحداث ما له أصل في الكتاب والسنّة ليس بمردود، كأن يُجدّد سنة أُميتت، وتناساها الناس، أو أحدث شيئًا يشهد له الكتاب والسنّة، مما لا يشمله تعريف البدعة الشرعيّة، كجمع الصدّيق ﵁ القرآن، وجمع عمر ﵁ الناس على إمام واحد في قيام رمضان (فَهُوَ) أي ذلك المحدث (رَدٌّ) -بفتح، فسكون- أي مرود، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، مثل خَلْق ومخلوق، ونَسْخ ومنسوخ، وكأنه قال: فهو باطل، غير معتد به. قاله في "الفتح" (٣).
стр. 204
والمراد أن ذلك الأمر واجب الردّ، فيجب على الناس ردّه، ولا يجوز لأحد اتّباعه، والتقليد فيه. وقيل: ضمير "فهو" يعود إلى "من": أي فذلك الشخص مرود مطرود عن جملة أهل السنّة والجماعة، فيكون من الفرق الضالّة التي تفترق إليها هذه الأمة، كما أخبر بذلك النبي ﷺ فيما أخرجه المصنّف في "كتاب الفتن"، كما سيأتي برقم (٣٩٨٢) بإسناد صحيح، عن عوف بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقنّ أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار"، قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: "الجماعة". (١).
وقال الطيبيّ في "الكاشف" قوله: "من أحدث في أمرنا": الأمر حقيقة في القول الطالب للفعل، مجاز في الفعل، والشأنِ، والطريقِ، وأُطلق هنا على الدين من حيث إنه طريقه، أو شأنه الذي يتعلّق به، وهو مهتمّ بشأنه، بحيث لا يخلو عن شيء من أقواله وأفعاله.
والمعنى أن من أحدث في الإسلام رأيًا لم يكن له من الكتاب والسنة سند ظاهر، أو خفيّ، ملفوظ، أو مستنبطٌ، فهو مرود عليه. قال: روى محيي السنّة عن يحيى بن سعيد، سمعت أبا عبيد رحمه الله تعالى يقول: جمع النبيّ ﷺ جميع أمر الآخرة في كلمة: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه، فهو رد"، وجميع أمر الدنيا في كلمة: "إنما الأعمال بالنيّات". انتهى. (٢).
стр. 205
[تنبيه]: هذا الحديث فيه قصّة، أخرجها مسلم في "صحيحه" من طريق أبي عامر الْعَقَدِيّ، عن سعد بن إبراهيم، قال: سألت القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن، فأوصى بثلث كل مسكن منها، قال: يُجمَع ذلك كله في مسكن واحد، ثم قال: أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "من عَمِلَ عَمَلًا، ليس عليه أمرنا، فهو رَدٌّ".
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقد رويناه في "كتاب السنّة" لأبي الحسين بن حامد من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الواحد، وفيه قصّة، قال: "عن سعد بن إبراهيم قال: كان الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب أوصى بوصية، فجعل بعضها صدقة، وبعضها ميراثًا، وخلط فيها، وأنا يومئذ على القضاء، فما دَرَيتُ كيف أقضي فيها؟ فصليت بجنب القاسم بن محمد، فسألته، فقال: أَجِزْ من ماله الثلث وصية، ورُدَّ سائر ذلك ميراثًا، فإن عائشة حدثتني"، فذكره بلفظ إبراهيم بن سعد.
قال: وفي هذه الرواية دلالة على أن قوله في رواية مسلم: "يُجمَع ذلك كله في مسكن واحد، هو بقية الوصية، وليس هو من كلام القاسم بن محمد، لكن صَرّح أبو عوانة في روايته بأنه كلام القاسم بن محمد، وهو مشكل جِدّا، فالذي أوصى بثلث كل مسكن أوصى بأمر جائز اتفاقًا، وأما إلزام القاسم بأن يُجمَع في مسكن واحد ففيه نظر؛ لاحتمال أن يكون بعض المساكن أغلى قيمةً من بعض، لكن يَحتَمِل أن تكون تلك المساكن متساويةً، فيكون الأولى أن تقع الوصية بمسكن واحد من الثلاثة، ولعله كان في الوصية شيء زائد على ذلك يوجب إنكارها، كما أشارت إليه رواية أبي الحسين بن حامد. قال: وقد استشكل القرطبيّ، شارح مسلم ما استشكلته، وأجاب عنه بالحمل على ما إذا أراد أحد الفريقين من الورثة، أو الموصَى لهم القسمةَ، وتمييز حقّه، وكانت المساكن بحيث يُضمّ بعضها إلى بعض في القسمة، فحينئذ تقوّم المساكن قيمة التعديل، ويُجمع نصيب الموصَى لهم في موضع واحد، ويبقى نصيب الورثة فيما عدا ذلك بحسب
стр. 206
مواريثهم. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ (١).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: مراد القاسم أن تغيير وصية الموصي إلى ما هو أحب إلى الله، وأنفع جائز، وقد حُكي هذا عن عطاء، وابن جريج. وربما يستدل بعض من ذهب إلى هذا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢]، ولعله أخذ هذا من جمع العتق، فإنه صحّ أن رجلًا أعتق ستة مماليك عند موته، فدعاهم النبي ﷺ ، فجزّأهم ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين وأرق أربعة. أخرجه مسلم.
وذهب فقهاء الحديث إلى هذا الحديث؛ لأن تكميل عتق العبد مهما أمكن فهو أولى من تشقيصه، ولهذا شُرعت السراية والسعاية، إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من عبد، وقال ﷺ فيمن أعتق بعض عبده: "هذا هو عتيق كله ليس لله شريك" (٢).
وأكثر العلماء على خلاف قول القاسم، وأن وصية الموصي لا تُجمع، ويُتَّبع لفظه إلا في العتق خاصة؛ لأن المعنى الذي جُمع له فيه العتق موجود في بقية الأموال، فيعمل فيها بمقتضى وصية الموصي.
وذهب طائفة من الفقهاء في العتق على أنه يَعْتِق من كل عبد ثلثه، ويُستسعون في الباقي، واتباع قضاء النبي ﷺ أحق وأولي.
والقاسم نظر إلى أن في مشاركة الموصَى له للورثة في المساكن كلها ضررا عليهم، فَيُدفع عنهم هذا الضرر، ويجمع الوصية في مسكن واحد، فإن الله شرط في الوصية عدم المضارة؛ لقوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢]، فمن ضار في وصيته كان عمله مردودا عليه؛ لمخالفته ما شرط الله تعالى في الوصية.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه القاسم رحمه الله تعالى هو الوجيه؛ لوضوح حجته. والله تعالى أعلم.
стр. 207
وقد ذهب طائفة من الفقهاء إلى أنه لو أوصى بثلث مساكنه كلها، ثم تلف ثلثا المساكن، وبقي منها ثلث أنه يُعطَى كلها للموصَى له. وهذا قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة. وحُكي عن أبي يوسف ومحمد، ووافقهم القاضي أبو يعلى من الحنابلة خلافه، وبَنَوا ذلك على أن المساكن المشتركة تُقسم بين المشتركين فيها قسمة إجبار، كما هو قول مالك. وظاهر كلام ابن أبي موسى من الحنابلة، والمشهور عندهم أن المساكن المتعددة لا تقسم قسمة إجبار، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي رحمهما الله.
وقد تأول بعض المالكية فتيا القاسم المذكورة في هذا الحديث على أن أحد الفريقين من الورثة، والموصى لهم طلب قسمة المساكن، فكانت متقاربة بحيث يُضم بعضها إلى بعض في القسمة، فإنه يجاب إلى قسمتها على قولهم، وهذا التأويل بعيد، مخالف للظاهر. انتهى كلام ابن رجب ببعض تصرّف (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد ابن رجب ببعض المالكية القرطبيّ، وقد سبق تأويله هذا، وعندي أنه لا بُعد في تأويله، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا (٢/ ١٤) بهذا الإسناد فقط، و (البخاري) في "صحيحه" (٣/ ٢١٤) عن يعقوب، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عنها. وفي "خلق أفعال العباد" (٢٩) عن العلاء بن عبد الجبّار، عن عبد الله بن جعفر المخرمي، عن سعد بن إبراهيم به. و (مسلم) (٥/ ١٣٢) عن محمد بن الصبّاح، وعبد
стр. 208
الله بن عون الهلالي جميعًا عن إبراهيم بن سعد به. وعن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد جميعًا عن أبي عامر العقديّ، عن عبد الله بن جعفر به. و (أبو داود) (٤٦٠٦) عن محمد بن الصبّاح، به. وعن محمد بن عيسى، عن عبد الله بن جعفر المخرميّ، وإبراهيم ابن سعد به. و (أحمد) ٦/ ٧٣ عن إسحاق بن عيسى، عن عبد الله بن جعفر به. و (٦/ ١٤٦) عن محمد بن جعفر غندر، عن عبد الله بن جعفر المخرميّ و (٦/ ٢٤٠) عن يزيد بن هارون، عن إبرهيم بن سعد به. و (٦/ ٢٥٦) عن حماد بن خالد، عن عبد الله بن جعفر به. و (٦/ ٢٧٠) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه به. و (الطيالسيّ) (١٤٢٢) و (أبو عوانة) (٤/ ١٨/ ١٩) و (ابن حبان) في "صحيحه" (٢٦ و ٢٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن هذا الحديث قاعدة عظيمة، من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه ﷺ ، فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات.
٢ - (ومنها): أنه وقع في رواية لمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ".
ففي هذه الرواية ردّ على من قد يعاند من بعض الفاعلين في بدعة سُبق إليها، فإذا احتُجَّ عليه بالرواية الأولى، يقول: أنا ما أحدثت شيئًا، فيحتج عليه بالثانية التي فيها التصريح برد كل المحدثات، سواء أحدثها الفاعل، أو سُبق بإحداثها. قاله النوويّ رحمه الله تعالى (١).
وقال في "الفتح": واللفظ الثاني -وهو قوله: "من عَمِلَ"- أعم من اللفظ الأول -وهو قوله: "من أحدث"- فيُحتَجُّ به في إبطال جميع العقود المنهية، وعدم وجود ثمراتها المرتبة عليها، وفيه ردُّ المحدثات، وأن النهي يقتضي الفساد؛ لأن المنهيات كلها
стр. 209
ليست من أمر الدين، فيجب ردّها. انتهى (١).
٣ - (ومنها): أنه يستفاد منه أن حكم الحاكم لا يغير ما في باطن الأمر؛ لقوله: "ليس عليه أمرنا"، والمراد به أمر الدين.
٤ - (ومنها): أن الصلح الفاسد مُنتَقَضٌ، والمأخوذ عليه مُستحق الرد.
٥ - (ومنها): أن هذا الحديث دليلٌ لمن يقول من الأصوليين: إن النهي يقتضي الفساد، ومن قال: لا يقتضي الفساد يقول: هذا خبر واحد، ولا يكفي في إثبات هذه القاعدة المهمة. قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا جواب فاسد.
وقال القرطبيّ: فيه حجةً على أن النهي يدلّ على الفساد، وهو قول جمهور الفقهاء. وذهب بعض المالكيّة، وأكثر المتكلّمين إلى أنه لا يدل على الفساد، وإنما مدلوله المنع من إدخال المنهيّ عنه في الوجود فقط، وأما حكمه إذا وقع من فساد أو صحّة، فالنهي لا يدلّ عليه، ويُنظر دليل ذلك من خارج النهي. وقد اختلف حال المنهيّات، فبعضها يصحّ إذا وقع، كالطلاق في الحيض، وبعضها لا يصحّ، كبيع الملاقيح والمضمامين، وبعضها يَختلف فيه الفقهاء، كالبيع عند النداء. قاله القرطبيّ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ هو ما عليه جمهور الفقهاء من أن النهي يقتضي الفساد، وهذا فيما إذا لم يدلّ دليل على خلافه، كالنهي عن تلقّي الجلب، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" وغيره عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لا تَلَقَّوُا الجلب، فمن تلقاه، فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار"، فقد خير ﷺ صاحبه بعد النهي بين أن يجيز البيع، وبين أن يُبطله، فدلّ على أن النهي ليس للفساد، ومثله النهي عن التصرية، فقد أخرج مسلم أيضًا عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ولا تُصَرُّوا الإبلَ والغنمَ، فمن ابتاعها بعد ذلك، فهو بخير النظرين، بعد أن يَحْلُبها، فإن رضيها أمسكها، وإن
стр. 210
سخطها رَدّها، وصاعا من تمر". فقد خيّر ﷺ المشتري بين الرضا، وبين الردّ مع صاع من تمر، فدلّ على أن النهي ليس للفساد، وكذا كلّ نهي دلّ النصّ على عدم اقتضائه الفساد، وما عدا ذلك كلّه على الفساد. والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أن هذا الحديث معدود من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعده، فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله، فلا يلتفت إليه. قال النووي: هذا الحديث مما ينبغي أن يعتنى بحفظه، واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به كذلك. وقال الطرقي: هذا الحديث يصلح أن يُسمَّى نصف أدلة الشرع؛ لأن الدليل يتركب من مقدمتين، والمطلوب بالدليل إما إثبات الحكم، أو نفيه، وهذا الحديث مقدمة كبرى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه؛ لأن منطوقه مقدمة كلية في كل دليل ناف لحكم، مثل أن يُقال في الوضوء بماء نجس: هذا ليس من أمر الشرع، وكل ما كان كذلك فهو مردود، فهذا العمل مردود، فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث، وإنما يقع النزاع في الأولى، ومفهومه أن من عمل عملا عليه أمر الشرع فهو صحيح، مثل أن يقال في الوضوء بالنية: هذا عليه أمر الشرع، وكل ما كان عليه أمر الشرع فهو صحيح، فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث، والأولى فيها النزاع، فلو اتفق أن يوجد حديث يكون مقدمة أولى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه، لاستقل الحديثان بجميع أدلة الشرع، لكن هذا الثاني لا يوجد، فإذًا حديث الباب نصف أدلة الشرع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قد كتب الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه "جامع العلوم والحكم" بحثًا نفيسًا في هذا الحديث، أحببت إيراده هنا تتميمًا للفائدة، وتكميلًا للعائدة، قال ﵀:
هذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، كما أن حديث: "الأعمالُ بالنيات" ميزان للأعمال في باطنها، وهو ميزان للأعمال في ظاهرها، فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى، فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله تعالى
стр. 211
ورسوله ﷺ فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء.
قال: فهذا الحديث بمنطوقه يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع، فهو مردود، ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره، فهو غير مردود، والمراد بأمره ههنا دينه وشرعه، كالمراد بقوله في الرواية الأخرى: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد"، فالمعنى إذًا أنّ من كان عمله خارجا عن الشرع، ليس متقيدا بالشرع، فهو مردود. وقوله: "ليس عليه أمرنا" إشارةٌ إلى أن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة، فتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها، بأمرها ونهيها، فمن كان عمله جاريا تحت أحكام الشريعة، موافقا لها، فهو مقبول، ومن كان خارجا عن ذلك فهو مردود، فأما العبادات فما كان منها خارجا عن حكم الله تعالى ورسوله ﷺ بالكلية فهو مردود على عامله، وعاملُه يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾ [الشورى: ٢١]، فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله، فعمله باطل مردود عليه، وهو شبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية (١).
وهذا كمن تقرب إلى الله تعالى بسماع الملاهي، أو بالرقص، أو بكشف الرأس في غير الإحرام، وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ورسوله التقرب بها بالكلية. وليس ما كان قربة في عبادة، يكون قربة في غيرها مطلقًا، فقد رأى النبي ﷺ رجلا قائما في الشمس، فسأل عنه، فقيل: إنه نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، وأن يصوم، فأمره النبي ﷺ أن يقعد، ويستظل، وأن يتم صومه (٢).
فلم يجعل قيامه، وبروزه في الشمس قربة يوفي بنذرهما. وقد رُوي أن ذلك كان في يوم جمعة عند سماع خطبة النبي ﷺ ، وهو على المنبر، فنذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا
стр. 212
يستظل، ما دام النبي ﷺ يخطب؛ إعظاما لسماع خطبة النبي ﷺ (١)، ولم يجعل النبي ﷺ ذلك قربةً يُوفي بنذره، مع أن القيام عبادة في مواضع أُخَر، كالصلاة، والأذان، والدعاء بعرفة، والبروزُ للشمس قربةٌ للمحرم، فدل على أنه ليس كل ما كان قربة في موطن، يكون قربة في كل المواطن، وإنما يُتبع في ذلك كلِّه ما وردت به الشريعة في مواضعها. وكذلك من تقرب بعبادة، نُهي عنها بخصوصها، كمن صام يوم العيد، أو صلى وقت النهي.
وأما من عَمِلَ عملا أصله مشروع وقربة، ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع، أو أَخَلّ فيه بمشروع، فهذا أيضا مخالف للشريعة، بقدر إخلاله بما أخل به، أو إدخاله ما أدخل فيه، وهل يكون عمله من أصله مردودا عليه أو لا؟ فهذا لا يُطلق القول فيه برد ولا قبول، بل ينظر فيه، فإن كان ما أخل به من أجزاء العمل، أو شروطه موجبا لبطلانه في الشريعة، كمن أخل بالطهارة مع القدرة عليها، أو كمن أخل بالركوع أو بالسجود، أو بالطمأنينة فيهما، فهذا عمل مردود عليه، وعليه إعادته إن كان فرضًا. وإن كان ما أخل به لا يوجب بطلان العمل، كمن أخل بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يوجبها، ولا يجعلها شرطًا، فهذا لا يقال: إن عمله مردود من أصله، بل هو ناقص.
وإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع، فزيادته مردودة عليه، بمعنى أنها لا تكون قربة، ولا يثاب عليها، ولكن تارة يبطل بها العمل من أصله، فيكون مردودًا، كمن زاد ركعة عمدا في صلاته مثلًا، وتارة لا يبطله، ولا يرده من أصله، كمن توضأ أربعًا أربعًا، أو صام الليل مع النهار، وواصل في صيامه. وقد يبدل ما يؤمر به في العبادة بما هو منهي عنه، كمن ستر عورته في الصلاة بثوب محرم، أو توضأ للصلاة بماء مغصوب، أو صلى في بقعة غصب، فهذا قد اختلف العلماء فيه، هل عمله مردود من أصله، أو أنه غير مردود، وتبرأ به الذمة من عُهْدة الواجب، وأكثر الفقهاء
стр. 213
على أنه ليس بمردود من أصله، وقد حَكَى عبد الرحمن بن مهدي عن قوم من أصحاب الكلام، يقال لهم: الشمرية، أصحاب أبي شمر أنهم يقولون: إنه من صلى في ثوب كان في ثمنه درهم حرام أن عليه إعادة صلاته، وقال: ما سمعت قولا أخبث من قولهم، نسأل الله العافية. وعبد الرحمن بن مهدي من أكابر فقهاء أهل الحديث، المطلعين على مقالات السلف، وقد استنكر هذا القول، وجعله بدعة، فدل على أنه لم يعلم عن أحد من السلف القول بإعادة الصلاة في مثل هذا،، ويُشبه هذا الحجُّ بمال حرام، وقد ورد في حديث أنه مردود على صاحبه، ولكنه حديث لا يثبت (١). وقد اختلف العلماء هل يسقط به الفرض أم لا؟.
وقريبٌ من ذلك الذبح بآلة محرمة، أو ذبح من لا يجوز له الذبح، كالسارق، فأكثر العلماء قالوا: إنه تباح الذبيحة بذلك. ومنهم من قال: هي محرمة. وكذا الخلاف في ذبح المحرم الصيد، لكن القول بالتحريم فيه أشهر وأظهر؛ لأنه منهي عنه بعينه، فلهذا فرق من فرق من العلماء بين أن يكون النهي لمعنى يختص بالعبادة فيبطلها، وبين أن لا يكون مختصا بها فلا يبطلها، فالصلاة بالنجاسة، أو بغير طهارة، أو بغير ستارة، أو إلى غير القبلة يبطلها؛ لاختصاص النهي بالصلاة، بخلاف الصلاة في الغضب، ويشهد لهذا أن الصيام لا يبطله إلا ارتكاب ما نُهي عنه فيه بخصوصه، وهو جنس الأكل والشرب والجماع، بخلاف ما نُهي عنه الصائم لا بخصوص الصيام، كالكذب والغيبة عند الجمهور. وكذلك الحج لا يبطله إلا ما نُهي عنه في الإحرام، وهو الجماع، ولا يبطله ما لا يختص بالإحرام من المحرمات، كالقتل، والسرقة، وشرب الخمر. وكذلك الاعتكاف إنما يبطل بما نُهي عنه فيه بخصوصه، وهو الجماع، وإنما يبطل بالسُّكْر عند
стр. 214
الأكثرين؛ لنهي السكران عن قربان المسجد، ودخوله على أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] أن المراد مواضع الصلاة، فصار كالحائض، ولا يبطل الاعتكاف بغيره من ارتكابه الكبائر عند كثير من العلماء.
وقد خالف في ذلك طائفة من السلف منهم: عطاء، والزهري، والثوري، ومالك، وحكي عن غيرهم أيضا المعاملات.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه بعض السلف هو الظاهر. والله تعالى أعلم.
وأما المعاملات، كالعقود، والفسوخ، ونحوهما، فما كان منها مغير الأوضاع الشرعية، كجعل حد الزنا عقوبة مالية، وما أشبه ذلك، فإنه مردود من أصله، لا ينتقل به الملك؛ لأن هذا غير معهود في أحكام الإسلام، ويدل على ذلك أن النبي ﷺ قال للذي سأله: إن ابني كان عسيفا (١) على فلان، فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، فقال النبي ﷺ "المائة الشاة والخادم رد عليك، وعلى ابنك مائة جلدة، وتغريب عام" (٢).
وما كان منها عقدا منهيا عنه في الشرع، إما لكون المعقود عليه ليس محلا للعقد، أو لفوات شرط فيه، أو لظلم يحصل به للمعقود معه، أوعليه، أو لكون العقد يَشغَل عن ذكر الله الواجبِ عند تضايق وقته، أو غير ذلك، فهذا العقد هل هو مردود بالكلية، لا يَنتقِل به الملك أم لا؟ هذا الموضع قد اضطرب الناس فيه اضطرابا كثيرا، وذلك أنه ورد في بعض الصور أنه مردود لا يفيد الملك، وفي بعضها أنه يفيده، فحصل الاضطراب فيه بسبب ذلك.
والأقرب -إن شاء الله تعالى- أنه إن كان النهي عنه لحق الله تعالى، لا يفيد الملك بالكلية، ومعنى أن يكون الحق لله أنه لا يسقط برضا المتعاقدين عليه، وإن كان النهي
стр. 215
عنه لحق آدمي معين، بحيث يسقط برضاه به، فإنه يقف على رضاه به، فإن رضي لزم العقد، واستمر الملك، وإن لم يرض به فله الفسخ، فإن كان الذي يلحقه الضرر لا يعتبر رضاه بالكلية، كالزوجة والعبد في الطلاق والعتاق، فلا عبرة برضاه ولا بسخطه، وإن كان النهي رفقا بالمنهي خاصة؛ لما يلحقه من المشقة، فخالف وارتكب المشقة، لم يبطل بذلك عمله.
فأما الأول: فله صور كثيرة:
(منها): نكاح من يحرم نكاحه، إما لعينه كالمحرمات على التأبيد بسبب أو نسب، أو للجمع، أو لفوات شرط لا يسقط بالتراضى باسقاطه، كنكاج المعتدة والمحرمة، والنكاح بغير ولي، ونحو ذلك. وقد رُوي أن النبي ﷺ فَرّق بين رجل وامرأة، تزوجها وهي حبلي، فردّ النكاح؛ لوقوعه في العدة (١).
(ومنها): عقود الربا، فلا يفيد الملك، ويؤمر بردّها. وقد أمر النبي ﷺ من باع صاع تمر بصاعين أن يرده (٢).
(ومنها): بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام، والكلب، وسائر ما نهي عن بيعه مما لا يجوز بيعه.
وأما الثاني: فله صور عديدة:
(منها): إنكاح الولي مالا يجوز له إنكاحها إلا بإذنها، لا بغير إذنها، وقد ردّ النبي ﷺ نكاح امرأة ثيب، زوّجها أبوها، وهي كارهة (٣).
وروى عنه ﷺ أنه خير امرأة زُوِّجَت بغير إذنها (٤).