← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

شرح الحديث: (عَنْ سَالم) بن عبد الله ﵀ (أَنَّ شَاعِرًا مَدَحَ بِلَالَ بْنَ عَبْدِ الله) بن عمر بن الخطّاب القرشيّ الْعَدويّ ثقة من الطبقة الثّالثة، روى عن أبيه حديث: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". وروى عنه كعب بن عَلْقَمة، وعبد الله بن هُبيرة، وعبد الملك بن فارع. قال أبو زرعة: مدنيّ ثقة. وقال حمزة الكنانيّ: لا أعلم له غير هذا الحديث. وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين. وعدّه يحيى القطّان في فقهاء المدينة. وذكره ابن حبّان في الثقات. تفرّد به مسلم بالحديث المذكور (١). وبلال هذا هو الّذي غضب عليه ابن عمر ﵁ حين ذكر حديث: "لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنّكم إليها"، فقال بلال بن عبد الله: "والله لنمنعهن"، فأقبل عليه عبد الله، فسبّه سبّا سيئًا، وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ ، وتقول: "والله لنمنعهنّ"، أخرجه مسلم. (فَقَالَ) أي الشاعر في مدحه (بِلَالُ بْنُ عَبْدِ الله خَيْرُ بِلَالٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (كَذَبْتَ) أي في قولك: خير بلال (لَا) أي ليس الأمر كما قلت (بَلْ بِلَالُ رَسُولِ الله ﷺ )، أضافه إليه لحصول الشرف له بسبب اتباعه (خَيْرُ بِلَالٍ) أي لأنه من أوائل المسلمين، ممّن أسهم كثيرًا في سبيل الدّعوة إلى الله، وضحّى بنفسه كما سبق بيان ما لقيه من تعذيب المشركين له ﵁ وأرضاه. [تنبيه]: أثر ابن عمر ﵄ هذا ضعيف؛ لضعف بن حمزة بن عبد الله، كما سبق أقوال أهل العلم فيه، وهو من أفراد المصنّف ﵀. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 1507

٢٦ - (فَضَائلُ خَبَّابٍ) ﵁ - وفي نسخة "فضائل عمّار". وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٥٣ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الله، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَقَ، عَنْ أَبِي لَيْلَى الْكِنْدِيِّ، قَالَ: جَاءَ خَبَّابٌ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: ادْنُ، فَمَا أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا المَجْلِسِ مِنْكَ، إِلَّا عَمَّارٌ، فَجَعَلَ خَبَّابٌ يُرِيهِ آثَارًا بِظَهْرِهِ مِمَا عَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عبد الله) بن حَنَش الأوديّ الكوفيّ المذكور قبل بابين. ٢ - (سفيان) بن سعيد الثّوريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٥/ ٤١. ٣ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد مكثرٌ، مدلّسٌ، واختلط بآخره [٣] ٧/ ٤٥. ٤ - (أبو ليلى الكنديّ) يقال: مولاهم الكوفيّ، يقال: اسمه سَلَمة بن معاوية، وقيل: بالعكس، وقيل: سعيد بن أشرف بن سنان، وقيل: المُعَلَّى، ثقة [٢]. رَوَى عن عثمان، وخَبّاب بن الأرت، وأم سلمة، وسُويد بن غَفَلَة، وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، وعثمان بن أبي زُرْعة، وعبد الملك بن أبي سليمان، وأبو جعفر الفرّاء. قال أحمد بن سعيد بن أبي مريم عن ابن معين: ثقة مشهور. وفرق الحاكم أبو أحمد بين أبي ليلى الكنديّ، سلمة بن معاوية، وقيل: معاوية بن سلمة، رَوَى عن سلمان، وعنه أبو إسحاق، وبين أبي ليلى الكنديّ، عن سُويد بن غَفَلة، وعنه عثمان بن أبي زرعة، وقال: إن هذا الثّاني لم نقف على اسمه، ثمّ رَوَى عن محمّد بن عثمان بن أبي شيبة قال: سمعت ابن معين، وسئل عن أبي ليلى الكنديّ، فقال: كان ضعيفًا. وقال العجلي: أبو ليلى الكنديّ، كوفي تابعي ثقة.

стр. 1508

أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والنَّسائيّ في "اليوم واللّيلة"، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٥٣) وحديث (١٨٠١) "لا يُجمَع بين متفرّق، ولا يُفرّق بين مجتمع"، والباقيان تقدّما في الباب الماضي، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي لَيْلَى الْكِنْدِيِّ) أنه (قَالَ: جَاءَ خَبَّاب) بن الأرتّ ﵁ (إِلَى عُمَرَ) بن الخطّاب ﵁ (فَقَالَ) أي عمر لخبّاب ﵄ (ادْنُ) أمر من الدنوّ، وهو القرب، أي اقرب إلى مجلسي، وفي "تحفة الأشراف" ٣/ ١٢٠: "ادنه" بزيادة هاء السكت (فما) نافيةٌ حجازيّة، ترفع الاسم وتنصب الخبر، واسمها قوله: (أَحَدٌ) وخبرها قوله: (أَحَقَّ بِهَذا الْمَجْلِسِ مِنْكَ) أي لما لك من السابقيّة، والبلاء والإبلاء في الإسلام (إِلَّا عَمَّارٌ) ﵁، بالرفع على البدليّة من "أحدٌ"، ويجوز في مثله النصب، فيجوز أن ينصب، ويُعتذر عن ترك الألف بأنه مبنيّ على مسامحة أهل الحديث في الكتابة، وهو اعتذار مشهور، لكن ههنا غير مستحسن؛ لعدم الحاجة إليه. قاله السنديّ (١). وقوله: "لعدم الحاجة إليه"، أي لأن الرفع على البدليّة وجه صحيح، بل هو المختار، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ نَفْي أَوْ كَنَفْي انْتُخِبْ ... إِتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ ................... فلا ضرورة تدعوا إلى النصب. والله تعالى أعلم. وفيه أن عمر ﵁ يُقدِّم في مجلسه أولي الفضل من الصّحابة ﵃ من سبقت لهم السوابق في الإسلام من التكاليف الشّاقّة، وكان عمّار ممّن عُذّب في الله تعالى عذابًا شديدًا، ولذا قدّمه في الرتبة على خبّاب (فَجَعَلَ خَبَّابٌ يُرِيهِ) بضم أوله من الإراءة، أي يظهر له حتّى يراه تصديقًا لعمر ﵁ (آثَارًا بِظَهْرِهِ مِمَّا عَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ) أي من أجله، و"ما" مصدريّة، أي من أجل تعذيب المشركين له حتّى يرجع عن دينه، فكأن خبّابًا ﵁

стр. 1509

لما قاله عمر: "إِلَّا عمّارٌ" عرَّض عليه بأنه لو كان سبب التقدّم في مجلسك التعذيب في الله تعالى، فأنا كذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: أثر عمر ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا بهذا السند فقط. (المسألة الثّانية): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل خبّاب ﵁. ٢ - (ومنها): أن فيه جوازَ مدح الرَّجل في وجهه إن كان لا يُخاف على دينه. ٣ - (ومنها): جواز إظهار بعض الأعمال الصالحة؛ تحدّثًا بالنعم الإلهيّة؛ عملًا بقوله ﵁: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]. (ومنها): تقديم أولي الفضل من أهل العلم والشرف في المجالس وغيرها؛ تكريمًا لهم، وهو من هدي النبيّ ﵁، فإنّه كان يليه أكابر المهاجرين والأنصار، وقال: "لِيَلِيَنّي منكم أولو الأحلام والنُّهَى"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 1510

٢٧ - (فَضَائِل زَيِدٍ بْنِ ثَابِتٍ) ﵁ - قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا كتب هذا العنوان في النسخة الّتي حقّقها الدكتور بشار، وكتب الشّيخ علي عبد الحميد في نسخته "فضائل صحابة آخرين"، ولم يشر أيّ منهما من أي نسخة أخذ العنوان، ووقع في النسخة الهنديّة هذا الحديث تحت العنوان السابق، "فضائل خباب"، فعلّق في الهامش: ما نصّه: ليس لهذا الحديث مناسبة بما قبله، ولا مطابقة بالترجمة، لعلّ ترجمة هذا سقط من بعض النسّاخ، "إنجاح"، انتهى. وقد تقدّمت ترجمة زيد بن ثابت ﵁ في ١٠/ ٧٧، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٥٤ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ في دِينِ الله عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْضَاهُمْ عَليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَاب الله أُبَيُّ بْنُ كعْبٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَأَمِينُ هَذه الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجرَّاحِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمّد بن المثنى) الزَّمِن، أبو موسى البصريّ، ثقة ثبتٌ [١٠] ٩/ ٦٦. ٢ - (عبد الوهّاب بن عبد المجيد) الثقفيّ، أبو محمّد البَصْريُّ، ثقة تغيّر قبل موته بثلاث سنين [٨] ٢/ ١٧. ٣ - (خالد الحذّاء) -بفتح المهملة، وتشديد الذال المعجمة- هو: خالد بن مِهْران، مولى قريش، وقيل: مولى بني مجُاشع، أبو المنازل -بفتح الميم، وقيل: بضمها، وكسر الزاي- البصريّ، ثقة يرسل [٥]. رَأَى أنس بن مالك، ورَوَى عن عبد الله بن شقيق، وأبي رجاء العُطَارديّ، وأبي عثمان النَّهْدي، وأبي قلابة، وأنس، ومحمد، وحفصة أولاد سيرين، وغيرهم.

стр. 1511

ورَوَى عنه الحمادان، والثوري، وشعبة، وابن علية، وسعيد بن أبي عروبة، وخالد بن عبد الله الواسطي، وعبد الوهّاب الثقفي، وبشر بن المفضل، وغيرهم. قال الأثرم عن أحمد: ثَبْت. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النَّسائيُّ، وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، ولا يحتج به. وقال العجلي: بصري ثقة. وقال أبو الوليد الباجي: قرأت على أبي ذر الهروي في "كتاب الكنى" لمسلم: خالدٌ الحذاء أبو المنازل -بفتح الميم-، قال أبو الوليد: والضم أشهر. وقال ابن سعد: لم يكن خالد بِحَذّاء، ولكن كان يجلس إليهم، قال: وقال فهد بن حَيّان: إنّما كان يقول: احْذُ على هذا النحو، فلُقِّب الحذاء، قال: وكان خالد ثقةً، مَهِيبًا، كثير الحديث، توفي سنة (١٤١)، وكان قد استُعْمِل على العشور بالبصرة. وقال محمّد ابن المثنى عن قُريش بن أنس: مات سنة (١٤٢) أو أكثر، وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وحكى القولين في تاريخ وفاته. أخرج الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثًا. ٤ - (أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو البصريّ، ثقة فاضل كثير الإرسال، فيه نصب يسير [٣] ١/ ١٠. ٥ - (أنس بن مالك) الصحابيّ الجليل ﵁ ٣/ ٢٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصّحيح، بل رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: خالد الحذاء عن أبي قلابة. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه هو المشهور بخدمة النبيّ ﷺ خدمه عشر سنين، وأنه أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وأنه آخر من مات من الصّحابة ﵃-

стр. 1512

بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣) سنة، وأنه من المعمّرين، عاش أكثر من مائة سنة ﵁، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: أَرْحَمُ) أي أكثرهم رحمة (أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ في دِينِ الله) أي أَقواهم في دين الله كما في رواية (عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً) أي أكثرهم حياءً، فإن الأكثر حياءً يكون أدقّ في إظهار آثاره (عُثْمانُ، وَأَقْضَاهُمْ) قيل: هذه منقبة عظيمة؛ لأن القضاء بالحقّ، والفصل بينه وبين الباطل يقتضي علمًا كثيرًا، وقوّةً في النفس (١) (عَليُّ بْنُ أَبِي طَالِب، وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله) أي أرجحهم، وأعلمهم بقراءة القرآن (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالحلَالِ وَالحرَام مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ) أي أكثرهم علمًا بالفرائض (زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا) أي مبالغًا في الأمانة (وَأَمِينُ هَذ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْد بْنُ الجرَّاحِ) رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قال الطحاويّ ﵀ في "شرح مشكل الآثار": ما حاصله: إن سأل سائل عن المراد بما ذُكر به كلُّ واحد من أُبيّ، وزيد، ومعاذ في هذا الحديث، وهل يوجب ذلك له أن يكون في معناه الّذي ذُكر به فوق الخلفاء الراشدين المهديين، ومن سواهم من أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين؟ فكان جوابنا له في ذلك أن من جَلَّت رتبته في معنى من المعاني جاز أن يقال: إنّه أفضل النَّاس في ذلك المعنى، وإن كان فيهم من هو مثله، أو من هو فوقه. انتهى كلام الطحاويّ ﵀ (٢). وقال البغويّ ﵀ في "شرح السنّة": قال أبو حاتم السجستانيّ: هذه ألفاظ أُطلقت بحذف "من"، يريد من أرحم أُمَّتي، ومن أشدّهم، ومن أصدقهم، ومن أفرضهم، وأقرئهم، يريد أن هؤلاء من جماعة فيهم تلك الفضائل، كقوله ﷺ للأنصار:

стр. 1513

"أنتم أحبّ النَّاس إليّ"، أي من أحبّ النَّاس. انتهى (١). وقال السنديّ ﵀: هذا الحديث صريحٌ في تعدّد جهات الخير في الصّحابة ﵃، واختصاص بعضها ببعض، لكن الفضيلة بمعنى كثرة الثّواب عند الله على التّرتيب، وذلك شيء آخر. (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس بن مالك ﵁ هذا صحيح. (المسألةُ الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٢٦/ ١٥٤) بهذا السند، والسند التالي ٢٦/ ١٥٥، وأخرجه (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٧٩٠ و ٣٧٩١) و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٠٩٦) و (أحمد) في "مسنده" ٣/ ١٨٤ رقم (١٢٩٠٤) و (النَّسائيّ) في "فضائل الصّحابة" (٨١٨٥) و (٨٢٢٩) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٣١) و (٧١٣٧) و (٧٢٥٢) و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٨٠٨) و (أبو نعيم) في "الحلية" ٣/ ١٢٢ و (الحاكم) في "المستدرك " ٣/ ٤٢٢ و (البيهقيّ) في "السنن الكبرى" ٦/ ٢١٠ و (البغويّ) في "شرح السنة" (٣٩٣٠)، وقال الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1514

وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٥٥ - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ خَالِدٍ الحذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، مِثْلَهُ عِنْدَ ابْنِ قُدَامَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ في حَقِّ زَيْدٍ: "وَأَعْلَمُهُمْ بِالْفَرَائِضِ"). رجال هذا الإسناد خمسة، وهم ثقات، وقد تقدّموا إلى سفيان في الباب الماضي، والباقيان ذُكروا في السند الماضي. وقوله: "مثله" أي مثل حديث عبد الوهّاب بن عبد المجيد. وقوله: "غير أنه يقول إلخ" الضمير لسفيان، وهو الثوريّ، أي يقول في روايته بدل قوله: "وأفرضهم وأعلمهم بالفرائض". [تنبيه]: وقع في النسخة الّتي حققها محمّد فؤاد عبد الباقي، وتبعه الدكتور بشّار بعد قوله: "عن أبي قلابة مثله": ما نصّه: "عِنْدَ ابْنِ قُدَامَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ في حَقِّ زَيْدٍ: "وَأَعْلَمُهُمْ بِالْفَرَائِضِ"، ولا يوجد في النسخة الهنديّة، ولا في النسخة الّتي حقّقها الشّيخ علي حسن، وهو غلطٌ فاحشٌ دون شكّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 1515

٢٨ - (فَضْلُ أَبِي ذَرٍّ) ﵁ - هو: جندب بن جُنادة على الأصحّ، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، ومناقبه ﵁ جمّة، مات سنة (٣٢) في خلافة عثمان ﵁، وتقدّمت ترجمته في ١٢/ ١٠٨. وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٥٦ - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عُثْمانَ ابْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيْليِّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَا أَقلَّتِ الْغَبْرَاءُ، وَلَا أَظَلَّتِ الخضْرَاءُ، مَنْ رَجُلٍ أَصْدَقَ لهجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ"). رجال هذا الإسناد: ستة: (عثمان بن عمير) -بالتصغير- ويقال: ابن قيس، والصواب أن قيسًا جدّ أبيه، وهو عثمان بن أبي حميد أيضًا البجليّ، أبو اليقظان الكُوفيُّ الأعمى، ضعيفٌ، واختلط، وكان يُدلّس، ويغلو في التشيّع [٧]. رَوَى عن أنس، وزيد بن وهب، وأبي الطفيل، وأبي حرب بن أبي الأسود، وغيرهم. وروى عنه حصين بن عبد الرّحمن، وهو من أقرانه، والأعمش، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبي: عثمان بن عمير أبو اليقظان، ويقال: عثمان ابن قيس، ضعيف الحديث، كان ابن مهدي ترك حديثه. وقال أبي: خرج في الفتنة مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن. وقال عمرو بن علي: لم يرض يحيى، ولا عبد الرّحمن أبا اليقظان. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال ابن أبي حاتم: ثنا أبي، سألت محمّد بن عبد الله بن نمير، عن عثمان بن عمير فضعفه، قال: وسألت أبي عنه، فقال: ضعيف الحديث، منكر الحديث، كان شعبة لا يرضاه، وذكر أنه حضره، فروى عن شيخ، فقال له شعبة: كم سِنُّك؟ فقال: كذا، فإذا قد مات الشّيخ،

стр. 1516

وهو ابن سنتين. وقال إبراهيم بن عرعرة، عن أبي أحمد الزبيري: كان الحارث بن حُصَين، وأبو اليقظان يؤمنان بالرجعة، ويقال: كان يغلو في التشيع. ونسبه أحمد بن حنبل، فقال: هو عثمان بن عمير بن عمرو بن قيس البجلي، وقد يُنسَب إلى جد أبيه، ذكره البخاريّ في "الأوسط" في "فصل من مات ما بين العشرين ومائة إلى الثلاثين"، وقال: منكر الحدّيث، ولم يسمع من أنس، وقال في "الكبير": كان يحيى وعبد الرّحمن لا يحدثان عنه، وهو ابن قيس البجلي، وهو عثمان بن أبي حُميد الكُوفيُّ. وقال الجوزجاني عن أحمد: منكر الحدّيث، وفيه ذلك الداء، قال: وهو على المذهب منكر الحديث. وقال الْبَرْقاني عن الدارقطني: متروك. وقال الحاكم عن الدارقطني: زائغ، لم يُحتجّ به. وقال ابن عبد البرّ: كلهم ضعفوه. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن حبّان: اختلط حتّى كان لا يَدرِي ما يقول، لا يجوز الاحتجاج به. وقال ابن عدي: رديء المذهب، غال في التشيع، يؤمن بالرجعة، ويكتب حديثه مع ضعفه. أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٥٦) و (٦٢٥) و (٩٦٩) و (١٥٥٥). (أبو حرب) بن أبي الأسود الدِّيليّ البصريّ، ثقة، قيل: اسمه مِحْجَن، وقيل: عطاء، وقيل: اسمه كنيته، ثقة [٣]. رَوَى عن أبيه، وأبي ذرّ، والصّحيح عن أبيه، وعن عمه، وعن محجن عنه، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن فَضَالة الليثيُّ، وغيرهم. وروى عنه قتادة، وداود بن أبي هند، والقطان، وعثمان بن عمير البجلي، وعثمان ابن قيس البجلي، وغيرهم. ذكره ابن سعد في الطبقة الثّانية من قراء أهل البصرة، وقال: كان معروفًا، وله أحاديث. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال هو وعمرو بن علي: مات سنة تسع ومائة. وقال النَّسائيُّ: ما علمت أن ابن جريج سمع من أبي حرب. وقال خليفة في

стр. 1517

"الطبقات": إن اسمه كنيته، وذكر أنه مات سنة ثمان ومائة. وذكر عبد الواحد بن علي في "أخبار النحاة"، عن أبي حاتم السجستاني قال: تَعَلَّمَ النحوَ من أبي الأسود ابنه عطاء، فإن صح هذا فيَحتَمِل أن يكون هو اسم أبي حرب؛ لأنهم لم يذكروا لأبي الأسود ولدًا غيره. وقال ابن قُتَيْبَةُ: كان أبو حرب شاعرًا عاقلًا ولّاه الحجاج جُوخَا، فلم يزل عليها حتّى مات الحجاج. وقال ابن عبد البرّ في "الكنى": هو بصري ثقة. أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنَّسائيّ في "خصائص علي"، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم (١٥٦) و (٥٢٥)، والباقون تقدّموا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو) بن العاص ﵄، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَا) نافية (أَقَلَّتِ) أي حملت (الْغَبْرَاءُ) أي الأرض (وَلَا أَظَلَّتِ الخضْرَاءُ) أي السَّماء؛ سميت الأرض بالغبراء، والسماء بالخضراء للونهما، قاله في "النهاية" (١) (مِنْ رَجُلٍ) "من" زائدة، و"رجل" منصوب على المفعولية، على سبيل التنازع لـ "أقلّت"، و"أظلّت" (أَصْدَقَ) صفة لـ "رجل" (لهْجَةً) منصوب على التمييز، و"اللهجة" -بفتح اللام، وسكون الهاء-: اللسان، وما يُنطق به من الكلامِ (مِنْ أَبِي ذَرٍّ) قال الهرويّ: لم يُرد ﵇ أنه أصدق من أبي بكر وعمر ﵄، ولكنه على اتّساع الكلام، المعنى أنه متناه في الصدق. انتهى. وقال ابن الأثير: أراد أنه متناه في الصدق إلى الغاية، فجاء به على اتساع الكلام والمجاز. انتهى (٢). وقال: السنديّ: وليس المراد أنه فاضل في الصدق على غيره حتّى على الأنبياء عليهم الصّلاة والسلام، بل المراد به أنه بلغ في الصدق نهايته، والمرتبة الأعلى بحيث لم

стр. 1518

يكن يفضّل عليه في وصف الصدق، وهو لا يمنع المساواة، وهذا مبنيّ على أن المساواة في وصف الصدق مع الأنبياء جائزة، ولا بُعد فيها عقلًا، أو المراد أنه لا يزيد عليه أحد من جنسه في الصدق، وأما الأنبياء فلا كلام فيهم، بل معلومون برتبتهم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الأخير هو الصواب، وأما الّذي قبله، فليس بشيء، فتأمّله بإنصاف. والله تعالى أعلم. وقيل: يمكن أن يُراد به أنه لا يذهب إلى التورية والمعاريض في الكلام، فلا يرخي عِنَان كلامه، ولا يُواري مع النَّاس، ولا يسامحهم، ويُظهر لهم الحقّ البحت، والصدق المحض. انتهى (١). وفيه منقبة عظيمة لأبي ذرٍّ ﵁، وأنه كان ناطقًا بالحقّ، لا يخاف في الله لومة لائم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا صحيحٌ. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه عثمان بن عمير، وهو ضعيف، كما سبق في ترجمته؟ [قلت]: إنّما صحّ؛ لشواهده، فقد روي من حديث أبي ذرّ ﵁ نفسه، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وعليّ ﵁: فأما حديث أبي ذرّ ﵁، فأخرجه الترمذيّ (٣٨٠٢) وابن حبَّان (٧١٣٢) والحاكم ٣/ ٣٤٢ من طريق مالك بن مرثد بن عبد الله، عن أبيه، عنه، وقال الترمذيّ: حسن غريب، وصحّحه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبيّ، وفيه نظر؛ لأن مرثد ابن عبد الله الزِّمّانيّ، ويقال: الذِّماريّ، مجهول، تفرّد بالروية عنه ابنه، وذكره العقيليّ في

стр. 1519

"الضعفاء"، وقال: لا يُتابع على حديثه، وقال الذهبيّ: فيه جهالة (١)، ووثقه ابن حبّان، والعجليّ. وأما حديث أبي الدرداء ﵁ فأخرجه الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: ٢٠٧٣١ - (حَدَّثَنَا أبو النَّضْر حَدَّثَنَا عبد الحميد بن بَهْرام، حَدَّثَنَا شهر بن حوشب، حَدَّثَنَا عبد الرّحمن بن غَنْم أنه زار أبا الدرداء بحمص، فمكث عنده ليالي، وأمر بحماره فأُوكف، فقال أبو الدرداء: ما أَرَاني إِلَّا متبعك، فأمر بحماره، فأُسرج فسارا جميعا على حماريهما، فلقيا رجلًا شهد الجمعة بالأمس عند معاوية بالجابية، فعرفهما الرَّجل، ولم يعرفاه، فأخبرهما خبر النَّاس، ثمّ إن الرَّجل قال: وخبر آخر كَرِهتُ أن أخبركما أراكما تكرهانه، فقال أبو الدرداء: فلعلّ أبا ذر نُفِيَ، قال: نعم والله، فاسترجع أبو الدرداء وصاحبه قريبا من عشر مرات، ثمّ قال أبو الدرداء: ارتقبهم واصطبر كما قيل لأصحاب الناقة، اللَّهُمَّ إن كذبوا أبا ذر فإني لا أكذبه، اللَّهُمَّ وإن اتهموه، فإني لا أتهمه، اللَّهُمَّ وإن استغَشُّوه فإني لا أستَغِشُّهُ، فإن رسول الله ﷺ كان يأتمنه حين لا يأتمن أحدًا، ويُسِرُّ إليه حين لا يُسِرُّ إلى أحد، أما والذي نفس أبي الدرداء بيده، لو أن أبا ذر قطع يميني ما أبغضته بَعْدَ الّذي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لُهجَة أصدق من أبي ذر". وهذا إسناد حسنٌ، وفي شهر كلام لا يضرّه، فإن الصّحيح أنه حسن الحديث. وأخرجه ابن سعد ٤/ ٢٢٨، وابن أبي شيبة ١٢/ ١٢٥، والبزار (٢٧١٣)، والحاكم ٣/ ٣٤٢ من طريق حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد بن جُدعان، عن بلال بن أبي الدرداء، عنه، وإسناده ضعيف؛ لضعف عين بن زيد. وأما حديث أبي هريرة ﵁، فأخرجه ابن سعد ٤/ ٢٢٨ من طريق أبي أميّة بن يعلى -وهو ضعيف- عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عنه.

стр. 1520

وحديث عليّ ﵁ فأخرجه أبو نعيم في "الحلية" ٤/ ١٧٢ وسنده ضعيف جدًّا، فيه بشر بن مهران، وهو متروك. وأخرجه ابن سعد عن مالك بن دينار مرسلًا، وعن محمّد بن سيرين مرسلًا أَيضًا. والحاصل أن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح، فتبصّر بإنصاف. والله تعالى أعلم. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٢٧/ ١٥٦) فقط، وأخرجه (ابن سعد) ٤/ ٢٢٨ و (ابن أبي شيبة) ١٢/ ١٢٤ و (أحمد) ٢/ ١٦٣ و ١٧٥ و ٢٢٣ و (الترمذيّ) (٣٨٠١) و (الحاكم) ٣/ ٣٤٢، وقال الترمذيّ: حسن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 1521

٢٩ - (فَضْلُ سَعْدٍ بْنِ مُعَاذٍ) ﵁ - هو: سعد بن مُعاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جُشَم ابن الحارث بن الخزرج بن النَّبِيت بن مالك بن الأوس الأنصاري الأشهليّ، وأمه كبشة بنت رافع لها صحبة، ويُكنَى أبا عمرو، شَهِدَ بدرًا باتِّفاق، ورُمِي بسهم يوم الخندق، فعاش بعد ذلك شهرًا حتّى حَكَم في بني قُريظة، وأجيبت دعوته في ذلك، ثمّ انتقض جرحه فمات، أخرج ذلك البخاريّ، وذلك سنة خمس. وقال المنافقون لمّا خَرَجت جنازته: ما أخفها؟ فقال النبي ﷺ : "إن الملائكة حملته"، أخرجه البخاريّ. وفي "الصحيحين" وغيرهما من طُرُق أن النّبيّ ﵁ قال: "اهتز العرش لموت سعد ابن معاذ". ورَوَى يحيى بن عَبّاد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة، لم يكن أحدٌ أفضلَ منهم: سعد بن معاذ، وأُسيد بن حُضير، وعباد بن بشر. وذكر ابن إسحاق أنه لمّا أسلم على يد مُصْعَب بن عمير قال لبني عبد الأشهل: كلامُ رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتّى تُسلموا، فأسلموا فكان من أعظم النَّاس بركةً في الإسلام. وهو سيّد الأوس، كما أن سعد بن عبادة سيّد الخزرج، وإياهما أراد الشاعر بقوله [من الطَّويل]: فَإِنْ يُسْلِمِ السَّعْدَانِ يُصْبِحْ مُحَمَّدُ ... بِمَكَّةَ لَا يَخْشَى خِلَافَ الْمُخَالِفِ ورَوَى ابنُ إسحاق في قصة الخندق عن عائشة قالت: كنتُ في حِصن بني حارثة، وأم سعد بن معاذ معي، فَمَرَّ سعدُ بن معاذ، وهو يقول [من الرجز]: لَبِّثْ قَلِيلًا يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ ... مَا أَحْسَنَ الْمَوْتَ إَذَا حَانَ الأَجَلْ فقالت له أمه: الحَقْ يا بُنَيّ، فقد تأخرت، فقلتُ: يا أم سعد لَوَدِدتُ أن دِرْعَ سعد

стр. 1522

أسبغ ممّا هي، قال: فأصابه السهم حيث خافت عليه، وقال الّذي رماه: خُذْها وأنا ابن الْعَرِقَة، فقالى: عَرَّقَ اللهُ وجهك في النّار، وابنُ العَرِقة اسمه حِبَّان بن عبد مناف، من بني عامر بن لؤيّ، والعرقة أمه، وقيل: إن الّذي أصاب سعدًا أبو أمامة الْجُشَمِيُّ. وروى البخاريّ من حديث أبي سعيد الخدري أن بَنِي قريظة لمَّا نَزَلُوا على حكم سعد، وجاء على حمار، فقال النّبيّ ﷺ : "قُوموا إلى سيدكم". وأخرج ابن إسحاق بغير سند أن أم سعد لما مات قالت: وَيْلُ أمِّ سَعْدٍ سَعْدًا حَزَامَةً ... وَجَدَّا وَسَيِّدًا سُدَّ بِهِ مَسَدَّا فقال النّبيّ ﷺ : "كلُّ نادبة تكذب إِلَّا نادبة سعد". وأخرجه الطَّبرانيُّ (١) بسند ضعيف عن ابن عبّاس، قال: جعلت أم سعد تقول: وَيْلُ أمِّ سَعْدٍ سَعْدَا ... حَزَامَةً وَجَدّا فقال النّبيّ ﷺ : "لا تزيدي على هذا، كان -والله ما علمتُ- حازمًا، وفي أمر الله قويًّا (٢) "، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٥٧ - (حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ابْنِ عَازِبٍ، قَالَ: أُهْدِيَ لِرَسُولِ الله ﷺ سَرَقَةٌ مِنْ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَتَدَاوَلُونَهَا بَيْنَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا؟ "، فَقَالُوا لَهُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لمنادِيل سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ في الجنَّةِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (هنّاد بن السريّ) بن مُصعب التميميّ، الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢/ ٢٢. ٢ - (أبو الأحوص) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ الحافظ، ثقة متقن،

стр. 1523

صاحب حديث [٧]. روى عن أبي إسحاق السبيعي، وعاصم بن سليمان، وسماك بن حرب، وشَبِيب ابن غَرْقَدة، وزياد بن عِلاقة، وآدم بن علي، وغيرهم. وروى عنه يحيى بن آدم، ووكيع، وابن مهدي، وأبو نعيم، ويحيى بن يحيى، وسعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد، وهَنَّاد بن السَّرِيِّ، وغيرهم. قال ابن مهدي: أبو الأحوص أثبت من شَريك. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة متقن. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى: أبو الأحوص أحب إليك أو أبو بكر بن عياش؟ قال: ما أقربهما. وكذا قال أبو حاتم. وقال العجلي: كان ثقة، صاحب سنة واتباع. وقال أبو زرعة، والنَّسائيّ: ثقة. وقال عبد الرّحمن بن أبي حاتم عن أبيه: صدوق، دون زائدة وزهير في الإتقان. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، صالحا فيه. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير. وقال البخاريّ: حدثني عبد الله بن أبي الأسود، قال: مات سنة تسع وسبعين -يعني ومائة-. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٧) حديثًا. ٣ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمدانيّ السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بآخره، وكان يدلّس [٣] ٧/ ٤٥. ٤ - (البراء بن عازب) الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵂ ١٤/ ١١٦، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصّحيح، بل رجال الجماعة.

стр. 1524

٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵄، أنه (قَالَ: أُهْدِيَ) بالبناء للمفعول، أهداها له أُكيدر دُومة، كما بُيّن في حديث أنس ﵁ (لِرَسُولِ الله ﷺ سَرَقَة) بفتحتين أي قطعة من جيّد الحرير، وجمعها سَرَقٌ، قاله ابن الأثير (١) وقالَ في "القاموس": السَّرَقُ مُحَرَّكَةً: شُقَقُ الحرير الأبيض، أو الحرير عامّةً، الواحدة بهاء. انتهى، فقوله: (مِنْ حَرِيرٍ) مؤكّدٌ. وفي "المعجم الكبير" للطبراني، في حديث أنس ﵁ من طريق عبد الله بن سالم الحمصيّ، عن الزُّبيدي، عن الزهريّ، عن أنس قال: أُهدي للنبيّ ﷺ حُلّة من إستبرق، فجعل ناس يلمسونها بأيديهم، ويتعجّبون منها، فقال النبيّ ﷺ : "تُعجبكم هذه؟ فوالله لمناديل سعد في الجنَّة أحسن منها". قال الدارقطنيّ في "الأفراد": لم يروه عن الزبيدي إِلَّا عبد الله بن سالم. قاله في "الفتح" (٢). (فَجَعَلَ الْقَوْمُ) أي الصّحابة ﵃ (يَتَدَاوَلُونَهَا بَيْنَهُمْ) أي يأخذها بعضهم من بعض تعجّبًا من لِينها وحسنها، فخاف ﷺ عليهم الميل إلى الدنيا، فزهّدهم فيها، ورغّبهم في الآخرة بما أشار إليه بقوله: (فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا؟ "، فَقَالُوا لَهُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه" قَسَمٌ أقسم به النبيّ ﷺ تأكيدًا للأمر، وقوله: (لمنَادِيلُ سَعْدَ بْنِ مُعَاذٍ) بفتح اللام، وهو جمع منديل، وهو هذا الّذي يُحمل في اليد، قال ابن الأعرابيّ وغيره: هو مشتقّ من الندل، وهو النقل؛ لأنه يُنقل من واحد إلى واحد، وقيل: من الندل، وهو الوَسَخُ، لأنه يُندل به. وقال الخطابيّ ﵀: إنّما ضرب النبيّ ﷺ المثل بالمناديل؛ لأنها ليست من عِلّيّة الثِّياب، بل هي تُبتذل في أنواع من المرافق،

стр. 1525

فتمسح بها الأيدي، وينفض بها الغبار عن البدن، ويُعطي به ما يُهدى في الأطباق، وتتخذ لِفافًا للثياب، فصار سبيلها سبيل الخادم، وسبيل سائر الثِّياب سبيل الخدوم، فإذا كان أدناها هكذا، فما الظَّنُّ بعلّيّتها. انتهى (١) (في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا) قال القرطبيّ ﵀: هذه إشارة إلى أدنى ثياب سعد؛ لأن المناديل إنّما هي مُمتهنة مُتخذةٌ لمسح الأيدي بها من الدنس والوسخ، وإذا كان هذا حال المنديل، فما ظنك بالعمامة والحلّة؟. ولا يُظنّ أن طعام الجنّة وشَرابها فيهما ما يُدنّس يدَ المتناول حتّى يُحتاج إلى منديل، فإن هذا ظنّ من لا يعرف الجنّة، ولا طعامها، ولا شرابها؛ إذ قد نزّه الله الجنّة عن ذلك كلّه، وإنما ذلك إخبار بأن الله أعدّ في الجنّة كلّ ما كان يُحتاج إليه في الدنيا، لكن هي على حالة هي أعلى وأشرف، فأَعدَّ فيها أمشاطًا، ومَجَامرَ، وأُلُوّةً، ومناديل، وأسواقًا، وغير ذلك ممّا تعارفناه في الدنيا، وإن لم نحتج له في الجنّة إتمامًا للنعمة، وإكمالًا للمنّة. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث البراء بن عازب ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٢٨/ ١٥٧) فقط، وأخرجه (البخاريّ) (٣٢٤٩) و (٣٨٠٢) و (٥٨٣٦) و (٦٦٤٠) و (مسلم) في (٢٤٦٨) و (الترمذي) (٣٨٤٧) و (النَّسائيُّ) في "فضائل الصّحابة" (٨١٦٤) و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٧١٠) و (ابن سعد) في "الطبقات" ٣/ ٤٣٥ و (أحمد) في "مسنده" في (١٨٥٤٤) و (ابن حبّان) في

стр. 1526

(٧٠٣٥) و (٧٠٣٦) و (البغويّ) في "شرح السنّة في (٣٩٨١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثّالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل سعد بن معاذ ﵁. ٢ - (ومنها): أن في الجنَّة كلّ ما تشتهيه النفس، وتلذّ الأعين، من كلّ ما يحتاجه النَّاس في الدنيا. ٣ - (ومنها): التزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة. ٤ - (ومنها): ما كان عليه النّبيّ ﷺ من المحافظة على أمته حتّى لا يغترّوا بزخارف الدنيا، وينسوا الآخرة، وقد أخرج الشيخان في "صحيحيهما" من حديث عمرو بن عوف ﵁، في حديثه الطَّويل، وفيه: "فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسَط عليكم الدنيا كما بُسِطَت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتُهلككم كما أهلكتهم"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٥٨ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لمِوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عليّ بن محمّد) الطنافسيّ المذكور في الباب الماضي. ٢ - (أبو معاوية) محمّد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة حافظ، من كبار [٩] ١/ ٣. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهْران المذكور في الباب الماضي. ٤ - (أبو سفيان) طلحة بن نافع القُرَشيُّ مولاهم الإسكاف الواسطيّ، نزيل مكّة، صدوقٌ [٤]. رَوَى عن جابر بن عبد الله، وأبي أَيّوب الأنصاري، وابن عمر، وابن عبّاس، وابن الزُّبير، وأنس، وعبيد بن عمير، وغيرهم.

стр. 1527

وروى عنه الأعمش، وهو راويته، وأبو بِشر جعفر بن أبي وحشية، والمثنى بن سعيد، وحصين بن عبد الرّحمن، وابن إسحاق، وأبو بِشْر الوليد بن مسلم العنبري، وشعبة حديثًا واحدًا، وغيرهم. قال أحمد: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: روى عنه النَّاس، قيل له: أبو الزُّبير أحب إليك أو هو؟ قال: أبو الزُّبير أشهر، فعاوده بعضُ من حَضر، فقال: الثقة شعبة وسفيان. وقال أبو حاتم: أبو الزُّبير أحب إلي منه. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: لا شيء. وقال أبو خيثمة عن ابن عيينة: حديث أبي سفيان عن جابر إنّما هي صحيفة، وكذا قال وكيع عن شعبة. وعند البخاريّ قال مسدد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان: جاورت جابرًا بمكة ستة أشهر. وقال النَّسائيُّ: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: لا بأس به، روى عنه الأعمش أحاديث مستقيمة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وروى له البخاري مقرونًا بغيره. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": قال أبي: لم يسمع من أبي أَيّوب. وفي "العلل الكبير" لعلّي بن الديني: أبو سفيان لم يَسْمَع من جابر إِلَّا أربعة أحاديث، وقال فيها: أبو سفيان يُكْتَب حديثه، وليس بالقوي. وقال أبو حاتم عن شعبة: لم يسمع أبو سفيان من جابر إِلَّا أربعة أحاديث. قال الحافظ: لم يُخرج البخاريّ له سوى أربعة أحاديث عن جابر، وأظنها الّتي عناها شيخه علي بن المديني، منها حديثان في "الأشربة" قَرَنه بأبي صالح، وفي "الفضائل" حديث "اهتز العرش" كذلك، والرّابع في تفسير "سورة الجمعة" قَرَنه بسالم ابن أبي الجعد. وقال أبو بكر البزار: هو في نفسه ثقة. أخرج الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٦) حديثًا. ٥ - (جابر) بن عبد الله الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ ١/ ١١، والله تعالى أعلم.

стр. 1528

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إِلَّا شيخه، فتفرّد به هو والنَّسائيّ في "مسند عليّ ﵁ ". ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، إلى الأعمش، وأبو سفيان واسطيّ، ثمّ مكيّ، وجابر ﵁ مدنيّ ثمّ مكيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعي. ٥ - (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لمِوْتِ سَعْدِ ابْنِ مُعَاذ") أي فرَحًا بقدومه ﵁. قال النوويّ ﵀: اختلف العلماء في تأويله، فقالت طائفة: هو على ظاهره، واهتزاز العرش تحرُّكه فرَحًا بقدوم روح سعد، وجعل الله تعالى في العرش تمييزًا حصل به هذا، ولا مانع منه كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، وهذا القول هو ظاهر الحديث، وهو المختار. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الّذي قاله النوويّ ﵀ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقال المازري: قال بعضهم: هو على حقيقته، وأن العرش تحرك لموته، قال: وهذا لا يُنكَر من جهة العقل؛ لأن العرش جسم من الأجسام، يَقْبَل الحركة والسكون، قال: لكن لا تحصل فضيلة سعد بذلك إِلَّا أن يقال: إن الله تعالى جَعَل حركته علامة للملائكة على موته. وقال آخرون: المراد اهتزاز أهل العرش، وهم حملته، وغيرهم من الملائكة،

стр. 1529

والمراد بالاهتزاز الاستبشار والقبول، ومنه قول العرب: فلان يهتز للمكارم، لا يُريدون اضطراب جسمه وحركته، وإنما يريدون ارتياحه إليها، وإقباله عليها. وقال الحربيّ: هو كناية عن تعظيم شأن وفاته، والعرب تَنسُب الشيءَ المُعَظَّم إلى أعظم الأشياء، فيقولون: أظلمت لموت فلان الأرض، وقامت له القيامة. وقال جماعة: المراد اهتزاز سرير الجنازة، وهو النعش، وهذا القول باطلُ يَرُدُّه صريح هذه الروايات الّتي ذكرها مسلم: "اهتزّ لموته عرش الرّحمن"، وإنّما قال هؤلاء هذا التّأويل؛ لكونهم لم تبلغهم هذه الروايات الّتي في مسلم. والله أعلم. (١). [تنبيه]: أخرج الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "صحيحه" بعد إخراج حديث جابر ﵁ هذا من طريق فُضيل بن مُسَاور خَتَن أبي عوانة، عن أبي عوانة، عن الأعمش، فقال: "وعن الأعمش حَدَّثَنَا أبو صالح، عن جابر، عن النبيّ ﷺ مثله، فقال رجل لجابر: فإنّ البراء يقول: اهتزّ السرير، فقال: إنّه بين هذين الحيين ضَغَائنُ، سمعت النبيّ ﷺ يقول: "اهتر عرش الرّحمن لموت سعد بن معاذ". قال في "الفتح": قوله: فقال رجل لجابر، لم أقف على اسمه، وقوله: فإن البراء يقول: اهتز السرير، أي الّذي حُمِل عليه، وقوله: إنّه كان بين هذين الحيين، أي الأوس والخزرج، قوله: ضغائن -بالضاد، والغين المعجمتين، جمع ضغينة- وهي الحقد، قال الخطابي: إنّما قال جابر ذلك؛ لأن سعدًا كان من الأوس، والبراء خزرجي، والخزرج لا تُقِرّ للأوس بفضل. قال الحافظ: كذا قال، وهو خطأ فاحش، فإن البراء أيضًا أوسيٌّ؛ لأنه ابن عازب ابن الحارث بن عَدِيّ بن مَجْدَعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، يجتمع مع سعد بن معاذ في الحارث بن الخزرج، والخزرج والد الحارث بن الخزرج، وليس هو الخزرج الّذي يقابل الأوس، وإنّما سُمِّي على اسمه.

стр. 1530

نعم الّذي من الخزرج الذين هم مقابلو الأوس جابر، وإنما قال: جابر ذلك إظهارًا للحق، واعترافًا بالفضل لأهله، فكأنه تعجب من البراء، كيف قال ذلك مع أنه أوسيّ؟، ثمّ قال: أنا وإن كنت خزرجيا، وكان بين الأوس والخزرج ما كان لا يمنعني ذلك أن أقول الحق، فذكر الحديث. والعذر للبراء أنه لم يَقصِد تغطية فضل سعد بن معاذ، وإنّما فَهِمَ ذلك، فجَزَم به، هذا الّذي يَلِيق أن يُظَنَّ به، وهو دالّ على عدم تعصبه. ولما جَزَم الخطابي بما تقدّم احتاج هو ومن تبعه إلى الاعتذار عما صدر من جابر في حق البراء، وقالوا في ذلك: ما مُحَصَّلُهُ: إن البراء معذور، لأنه لم يَقُل ذلك على سبيل العداوة لسعد، وإنّما فَهِمَ شيئا محتملًا، فحمل الحديث عليه، والعذر لجابر أنه ظن أن البراء أراد الغض من سعد، فساغ له أن ينتصر له. والله أعلم. وقد أنكر ابنُ عمر ما أنكره البراء، فقال: إن العرش لا يهتز لأحد، ثمّ رجع عن ذلك، وجزم بأنه اهتز له عرش الرّحمن، أخرج ذلك ابن حبّان من طريق مجاهد عنه. والمراد باهتزاز العرش استبشاره وسروره بقدوم روحه، يقال لكل من فَرِحَ بقدوم قادم عليه اهتز له، ومنه اهتزت الأرض بالنبات، إذا اخضَرَّت، وحَسُنت، ووقع ذلك من حديث ابن عمر عند الحاكم بلفظ: "اهتَزّ العرش فرحا به"، لكنه تأوله كما تأوله البراء بن عازب، فقال: اهتز العرش فرحًا بلقاء الله سعدًا حتّى تفسخت أعواده على عواتقنا، قال ابن عمر -يعني عرش سعد الّذي حُمِل عليه- وهذا من رواية عطاء ابن السائب، عن مجاهد، عن ابن عمر، وفي حديث عطاء مقال، لأنه ممّن اختلط في آخر عمره، ويعارض روايته أيضًا ما صححه التّرمذيّ، من حديث أنس ﵁ قال: لمّا حُملت جنازة سعد بن معاذ، قال المنافقون: ما أخفّ جنازته؟ فقال النّبيّ ﷺ : "إن الملائكة كانت تحمله". قال الحاكم:. الأحاديث الّتي تُصَرِّح باهتزاز عرش الرّحمن مُخَرَّجة في "الصحيحين"، وليس لمعارضها في الصّحيح ذكر، انتهى.

стр. 1531

وقيل: المراد باهتزاز العرش اهتزاز حملة العرش، ويؤيده حديث: "إن جبريل قال: من هذا الميِّت الّذي فُتحت له أبواب السَّماء، واستبشر به أهلها"، أخرجه الحاكم. وقيل: هي علامةٌ نَصَبَها الله لموت من يموت من أوليائه لِيُشعِر ملائكته بفضله. وقال الحربيّ: إذا عَظَّموا الأمر نسبوه إلى عظيم، كما يقولون: قامت لموت فلان القيامة، وأظلمت الدنيا، ونحو ذلك. وفي هذه منقبة عظيمة لسعد ﵁، وأما تأويل البراء ﵁ على أنه أراد بالعرش السرير الّذي حُمِل عليه، فلا يستلزم ذلك فضلا له؛ لأنه يَشْرَكُه في ذلك كلُّ ميت إِلَّا أن يريد اهتز حملةُ السرير فرحًا بقدومه على ربه فيتجه. ووقع لمالك نحوُ ما وقع لابن عمر أوّلًا، فذكر صاحب "العتبية" فيها أن مالكا سُئل عن هذا الحديث، فقال: أنهاك أن تقوله، وما يدعو المرءَ أن يتكلم بهذا، وما يدري ما فيه من الغُرور، قال أبو الوليد بن رُشْد في "شرح العتبية": إنّما نَهَى مالك لئلا يَسبِق إلى وهم الجاهل أن العرش إذا تحرك يتحرك الله بحركته كما يقع للجالس منا على كرسيه، وليس العرش بموضع استقرار الله تبارك الله وتَنَزّه عن مشابهة خلقه، انتهى ملخصا. قال الحافظ: والذي يظهر أن مالكا ما نَهَى عنه لهذا؛ إذ لو خشي من هذا لما أسند في "الموطإ" حديث: "يَنْزل الله إلى سماء الدنيا ... " لأنه أصرح في الحركة من اهتزاز العرش، ومع ذلك فمعتقد سلف الأئمة، وعلماء السنة من الخلف أن الله مُنَزَّه عن الحركة والتحول والحلول، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. ويحتمل الفرق بأن حديث سعد ما ثبت عنده، فأمر بالكف عن التحدث به، بخلاف حديث النزول، فإنّه ثابت، فرواه ووَكَلَ أمره إلى فهم أولي العلم الذين يسمعون في القران ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ونحو ذلك. وقد جاء حديث اهتزاز العرش لسعد بن معاذ ﵁ عن عشرة من الصّحابة ﵃، أو

стр. 1532

أكثر، وثبت في "الصحيحين" فلا معنى لإنكاره (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٢٨/ ١٥٨) فقط، وأخرجه (سعيد بن منصور) (٢٩٦٣) و (ابن سعد) في "الطبقات" ٣/ ٤٣٣ - ٤٣٤ و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" ٢/ ١٤٢ و (عبد الرزّاق) في "مصنفه" (٦٧٤٧) و (أحمد) في "مسنده" ٣/ ٣١٦ و ٢٩٥ و ٣٤٩ و (البخاريّ) ٥/ ٤٤ و (مسلم) ٧/ ١٥٠ و (التِّرمذيِّ) (٣٨٤٨) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٠٣١ و ٧٠٢٩) و (الطَّبرانيُّ) (٥٣٣٥ و ٥٣٣٧ و ٥٣٣٨ و ٥٣٣٩) و (البغويّ) في "شرح السنة" (٣٩٨٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 1533

٣٠ - (فَضْلُ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ الله الْبَجَلِيِّ) ﵁ - هو: جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نَضْر بن ثَعْلبة بن جُشَم بن عَوْف بن خزيمة بن حرب بن علي البجلي الصحابي الشهير، يُكنى أبا عمرو، وقيل: يُكنى أبا عبد الله، اختُلف في وقت إسلامه، ففي الطَّبرانيُّ "الأوسط" من طريق حُصين بن عمر الأحمسي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير، قال: لمّا بُعِث النّبيّ ﷺ أتيته، فقال: "ما جاء بك؟ "، قلت: جئت لأسلم، فألقى إليَّ كساءه، وقال: "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه"، حصين فيه ضعف، ولو صح لَحُمِل على المجاز، أي لمّا بلغنا خبر بعث النّبيّ ﷺ ، أو على الحذف، أي لما بُعِث النّبيّ ﷺ ، ثمّ دعا إلى الله، ثمّ قدم المدينة، ثمّ حارب قريشًا وغيرهم، ثمّ فَتَحَ مكّة، ثمّ وَفَدت عليه الوفود. وجزم ابنُ عبد البرّ عنه بأنه أسلم قبل وفاة النّبيّ ﷺ بأربعين يومًا، وهو غلط، ففي "الصحيحين" عنه أن النّبيّ ﷺ قال له: "استَنْصِتِ الناسَ" في حجة الوداع، وجزم الواقدي بأنه وَفَد على النّبيّ ﷺ شهر رمضان سنة عشر، وأن بعثه إلى ذي الْخَلَصَة كان بعد ذلك، وأنه وافي مع النّبيّ ﷺ حجة الوداع من عامه. قال الحافظ: وفيه عندي نظر؛ لأن شريكًا حدَّث عن الشيباني، عن الشّعبيّ، عن جرير قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "إن أخاكم النجاشي قد مات ... " الحديث، أخرجه الطَّبرانيُّ، فهذا يدلُّ على أن إسلام جرير كان قبل سنة عشر، لأن النجاشي مات قبل ذلك. قاله في "الإصابة". وقال في "الفتح": والصّحيح أنه أسلم سنة الوفود سنة تسع، ووَهِمَ من قال: إنّه أسلم قبل موت النبي ﷺ بأربعين يومًا؛ لما ثبت في "الصّحيح" أن النَّبيّ ﷺ قال له: "استنصت النَّاس" في حجة الوداع، وذلك قبل موته ﷺ بأكثر من ثمانين يومًا. انتهى (١). وكان جرير جَمِيلًا، قال عمر: هو يوسف هذه الأمة، وقَدَّمه عمر في حروب

стр. 1534

العراق على جميع بَجِيلة، وكان لهم أثرٌ عظيمٌ في فتح القادسية، ثمّ سكن جرير الكوفة، وأرسله عليٌّ رسولا إلى معاوية، ثمّ اعتزل الفريقين، وسكن قرقيسيا حتّى مات سنة إحدى، وقيل: أربع وخمسين. وفي "الصّحيح" أنه ﷺ بعثه إلى ذي الْخَلَصة، فهدمها، وفيه عنه قال: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إِلَّا تبسم. وروى البغوي من طريق قيس، عن جرير قال: رآني عمر مُتَجَرِّدًا، فقال: ما أرى أحدًا من النَّاس صُوِّر صورة هذا إِلَّا ما ذُكر من يوسف. ومن طريق إبراهيم بن إسماعيل الكهيليّ، قال: كان طول جرير ستة أذرع. وروى الطَّبرانيُّ من حديث عليّ مرفوعًا: "جرير منا أهل البيت ... ". وروى عنه من الصّحابة أنسُ بن مالك، قال: كان جرير يَخدُمني، وهو أكبر مني، أخرجه الشيخان (١)، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٥٩ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِم، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله الْبَجَليِّ، قَالَ: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ الله ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلا تَبَسَّمَ في وَجْهِي، وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لَا أثبُتُ عَلَى الخَيْلِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ في صَدْرِي، فَقَالَ: "اللِّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيّا مَهْدِيًّا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمّد بن عبد الله بن نُمير) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ فاضلٌ [١٠] ١/ ٤. ٢ - (عبد الله بن إدريس) الأوديّ، أبو محمّد الكوفيّ، ثقة فقيهُ عابدٌ [٨] ٧/ ٥٢. ٣ - (إسماعيل بن أبي خالد) الْبَجَليّ الأحصيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبتٌ [٤] ١٣/ ١٣.

стр. 1535

٤ - (قيس بن أبي حازم) البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة مخضرم [٢] ١٣/ ١٣. ٥ - (جرير بن عبد الله) الصحابيّ المذكور ﵁. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنِّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعي مخضرم. ٤ - (ومنها): أن قيسًا هو الّذي اجتمع له الرِّواية عن العشرة المبشّرين بالجنّة ﵃ كلّهم، ولا يوجد من التابعين من اتّفق له ذلك غيره. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ كان يقال له: يوسف هذه الأمة في الجمال، والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله) ﵁ (الْبَجَليِّ) بفتحتين نسبة إلى قبيلة بَجِيلة -بفتح، فكسر- وهو ابن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث أخي الأسد بن الغوث، وقيل: إن بَجِيلة اسم أمهم، وهي من سعد الْعَشِيرة، وأختها باهلة، وَلَدتا قبيلتين عظيمتين، نزلت بالكوفة. قاله السمعانيّ (١)، أنه (قَالَ: مَا حَجَبَني رَسُولُ الله ﷺ ) معناه: ما منعني الدخول عليه في وقت من الأوقات. قاله النوويّ ﵀ (٢). وقال القرطبي ﵀: يعني أنه ﷺ ما كان يحتجب منه، بل بنفس ما يعلم النبيّ ﷺ باستئذانه ترك كلَّ ما يكون فيه، وأذِن له، مبادرًا لذلك مبالغةً في إكرامه، ولا يُفهم من هذا أن جريرًا كان يدخل على النبيّ ﷺ بيته من غير إذن، فإن ذلك لا يصحّ؛ لحرمة بيت النبيّ ﷺ ، ولما يُفضي ذلك إليه من الاطّلاع على ما لا يجوز من عورات البيوت.

стр. 1536

انتهى (١). وقال في "الفتح": قوله: "ما حجبني إلخ": أي ما منعني من الدخول إليه إذا كان في بيته، فاستأذنت عليه، وليس كما حمله بعضهم على إطلاقه، فقال: كيف جاز له أن يدخل على غير محرم بغير حجاب؟ ثمّ تكلّف في الجواب أن المراد مجلسه المختصّ بالرجال، أو أن المراد بالحجاب منه ما يطلبه منه، قال الحافظ: قوله: "ما حجبني" يتناول الجميع مع بُعد إرادة الأخير. انتهى (٢). قوله: (مُنْذُ أَسْلَمْتُ) ظرف لـ "حجبني" (وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ في وَجْهِي) وفي رواية البخاريُّ: "إِلَّا ضحك"، ومعنى "ضحِك" تبسّم، وفعل ذلك إكرامًا ولُطفَا، وبَشَاشةً، قاله النووي، وقال القرطبيّ: هذا منه ﷺ فَرَحٌ به، وبشاشةٌ للقائه، وإعجابٌ برؤيته، فإنّه كان من كَمَلَة الرجال خَلْقًا وخُلُقًا. انتهى (٣). وأخرج الإمام أحمد في "مسنده" بسند صحيح، عن المغيرة بن شِبْل قال: قال جرير: لمّا دَنَوت من المدينة أَنخْتُ راحلتي، ثمّ حَلَلت عَيْبتي، ثمّ لبست حُلَّتي، ثمّ دخلت المسجد، فإذا النّبيّ ﷺ يخطب، فرماني النَّاس بالحَدَق، قال: فقلت لجليسي: يا عبد الله هل ذكر رسول الله ﷺ من أمري شيئًا؟ قال: نعم ذكرك بأحسن الذكر، بينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته، فقال: "إنّه سيدخل عليكم من هذا الْفَجّ من خير ذي يمن، أَلَا وإن على وجهه مَسْحَةَ مَلَك"، قال جرير: فحمدت الله على ما أبلاني (٤). (وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ) أي إلى النبيّ ﷺ (أَنِّي) بفتح الهمزة؛ لوقوعها مفعولًا به (لَا أَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ) يعني أنه كان يسقط، أو يخاف السقوط من على ظهورها حالة

стр. 1537

إجرائها. قاله القرطبيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "أو يخاف السقوط إلخ" فيه نظر؛ إذ ظاهر النصّ لا يساعده. والله تعالى أعلم. (فَضَرَبَ) ﷺ (بِيَدِهِ في صَدْرِي) وفي حديث البراء ﵁ عند الحاكم: "فشكا جرير إلى رسول الله ﷺ الْقَلَع، فقال: ادْنُ منّي، فدنا منه، فوضع يده على رأسه، ثمّ أرسلها على وجهه وصدره حتّى بلغ عانته، ثمّ وضع يده على رأسه وأرسلها على ظهره حتّى انتهت إلى أبيته، وهو يقول مثل قوله الأوّل"، فكان ذلك للتبرّك بيده المباركة. [فائدة]: "القلع" بالقاف، ثمّ اللام قال في "القاموس": القلع محّركةً مصدر قَلِعَ كفَرِحَ قَلَعَةً محرَّكةً، فهو قِلْعٌ بالكسر، وكَكَتِفٍ، وطُرْفَةٍ، وهُمَزَةٍ، وجُبُنَّةٍ، وشَدَّاد: إذا لم يثبت على السرج، أو لم يثبُت قدمه عند الصراع، أو لم يفهم الكلام بلادةً. انتهى باختصار (٢). (فَقَالَ) ﷺ ووقع في حديث البراء ﵁ أنه قال ذلك في حال إمرار يده عليه في المرّتين. ("اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا") زاد في حديث البراء: "وبارك فيه، وفي ذرّيّته"، قيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ لأنه لا يكون هاديًا حتّى يكون مهديًّا، وقيل: معناه كاملًا مكمّلًا. قاله في "الفتح" (٣). قال القرطبيّ ﵀: دعا له النبيّ ﷺ بأكثر ممّا طلب، بالثبوت مطلقًا، وبأن يجعله هاديًا لغيره، ومهديًّا في نفسه، فكان كلُّ ذلك، وظهر عليه جميع ما دعا له به، وأوّل ذلك أنه نَفَرَ في خمسين ومائة فارس لذي الْخَلَصَة، فحرّقها، وعَمِلَ فيها عَمَلًا لا يعمله خمسة آلاف، وبعثه رسول الله ﷺ لذي الْكَلاع، وذِي رُعَين، وله المقامات المشهورة.

стр. 1538

[تنبيه]: قصّة ذي الْخَلَصة لم يسقها المصنّف، وقد ساقها الشيخان في "صحيحيهما"، قال الإمام البخاريّ ﵀: ٣٠٧٦ - حَدَّثَنَا محمّد بن المثنى، حَدَّثَنَا يحيى، حَدَّثَنَا إسماعيل، قال: حدثني قيس، قال: قال لي جرير بن عبد الله ﵁: قال لي رسول الله ﷺ : "ألَّا تريحني من ذي الخلصة؟ ". وكان بيتًا في خَثْعَم يُسَمَّى كعبة اليمانية، فانطلقت في خمسين ومائة من أحمس، وكانوا أصحاب خيل، فأخبرت النّبيّ ﷺ أني لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري حتّى رأيت أثر أصابعه في صدري، فقال: "اللَّهُمَّ ثَبِّته، واجعله هاديًا مهديًّا"، فانطلق إليها فكسرها وحرقها، فأرسل إلى النّبيّ ﷺ يبشره، فقال رسول جرير لرسول الله: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما جئتك حتّى تركتها كأنها جَمَلٌ أجرب، فبارك على خيل أَحْمَسَ ورجالها خمس مرات. وقال الإمام مسلم: ٢٤٧٦ - حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم، أَخْبَرَنَا جرير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا جرير ألَّا تُرِيحني من ذي الْخَلَصَة؟ " بيت لخثعم، كان يُدعى كعبة اليمانية، قال: فنفرت في خمسين ومائة فارس، وكنتُ لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فضرب يده في صدري، فقال: "اللَّهُمَّ ثَبِّته، واجعله هاديًا مهديًّا". قال: فانطلق فحرقها بالنار، ثمّ بَعَثَ جرير إلى رسول الله ﷺ رجلًا يبشره، يكنى أبا أرطاة -منا- فأتى رسول الله ﷺ ، فقال له: ما جئتك حتّى تركناها كأنها جمل أجرب، فَبَرَّك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات. وقال في رواية: فجاء بشير جرير، أبو أرطاة حُصَين بن رَبِيعة يبشر النّبيّ ﷺ . وقوله: "يدعى كعبة اليمانية" سموها بذلك مضاهة للكعبة الشريفة، وهي

стр. 1539

بالنسبة لمن يكون جهة اليمن شاميّة، فسمّوها شاميّة للفرق بينهما (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع المآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جرير بن عبد الله هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٢٩/ ١٥٩) بهذا السند فقط، وأخرجه (البخاريّ) في ٤/ ٧٩ و٥/ ٩٤ و ٨/ ٢٩ وفي "الأدب المفرد" له (٥٢٠) و (مسلم) في ٧/ ١٥٧ و (الترمذيّ) في (٣٨٢٠ و ٣٨٢١) وفي "الشمائل" له (٢٣٠ و ٢٣١) و (النَّسائيّ) في "الفضائل" (١٩٨) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٢٠٠ و ٧٢٠١) و (الطبرانيّ) (٢٢١٩ و ٢٢٢٠ و ٢٢٢٢ و ٢٢٢٣ و ٢٢٥٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثّالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل جرير بن عبد الله ﵁. ٢ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من حسن الخلق، وطيب المعاملة للناس، فكان يُنزل كلَّ أحد منزلته، فلما كان جرير ﵁ شريفًا في قومه خصّه بمزايا اللطف والإكرام، فكان لا يحجُبُه إذا جاءه، ويتبسّم في وجهه إذا رآه. ٣ - (ومنها): أن فيه معجزة للنبيّ ﷺ حيث دعا لجرير ﵁ بأن يثبت على الخيل، فما أصابه بعد سقوط ولا ميل. ٤ - (ومنها): أن فيه منقبة لقبيلة أحمس، حيث دعا النَّبي ﷺ لخليها ورجالها خمس مرّات، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 1540

٣١ - (فَضْلُ أَهْلِ بَدْرٍ) ﵁ - أي هذا باب بيان فضل من حضر بدرًا مع النبيّ ﷺ مقاتلًا للمشركين، قال في "الفتح" عند قول البخاريّ: "باب فضل من شَهِد بدرًا": ما نصّه: وكأن المراد بيان أفضليّتهم، لا مطلق فضلهم، انتهى (١). و"بَدْرٌ" -بفتح الموحّدة، وسكون الدال المهملة-: اسم قرية مشهورة، نُسبت إلى بدر بن مخلد بن النضر بن كِنَانة، كان نزلها، ويُقال: بدر بن الحارث، ويقال: بدر اسم البئر الّتي بها، سُمّيت بذلك لاستدارتها، أو لصفاء مائها، فكان البدر يُرى فيها، وحَكَى الواقديّ إنكار ذلك كلّه عن غير واحد من شُيُوخ بني غِفَار، وإنّما هي مأوانا ومنازلنا، وما ملكها أحد قط يقال له: بدر، وإنّما هو عَلَمٌ عليها كغيرها من البلاد. قاله في "الفتح" (٢)، والله تعالى بالصواب. وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٦٠ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ، أَوْ مَلَكٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فِيكُمْ؟ قَالُوا: "خِيَارَنَا"، قَالَ: كَذَلِكَ هُمْ عِنْدَنَا خِيَارُ المُلَائِكَةِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أبو كُريب) محمّد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة ثبت حافظ [١٠] ٨/ ٥٢. ٢ - (يحيى بن سعيد) الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٣/ ٢٩. ٣ - (عباية -بفتح أوّله، والموحّدة الخفيفة، وبعد الألف تحتانيّة خفيفة- ابن رِفَاعة) ابن رافع بن خَدِيج الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو رِفَاعة المدنيّ، ثقة [٣].

стр. 1541

رَوَى عن جده، وعن أبيه عن جده على خلاف في ذلك، وعن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأبي عَبْس بن جَبْر. ورَوَى عنه سعيد بن مسروق الثّوريّ، وأبو حَيّان يحيى بن سعيد التيميّ، ويزيد ابن أبي مريم الشامي، وأبو بِشْر جعفر بن أبي وَحْشِيّة، وعاصم بن كُليب، ومحُارب بن دِثَار وجماعة. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النَّسائيُّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم ١٦٠ و ٣١٣٧ و ٣١٧٨ و ٣١٨٣ و ٣٤٧٣. ٤ - (جدّه) رافع بن خَدِيج بن رافع بن عَدِيّ بن يزيد بن جُشَم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الأوسيّ الحارثيّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو خَدِيج، أمّه حليمة بنت مسعود بن سنان بن عامر من بني بياضة، عُرض على النبيّ ﷺ يوم بَدْر، فاستصغره، وأجازه يوم أحد، فخرج بها، وشَهِد ما بعدها. وروى عن النّبيّ ﷺ ، وعن عمه ظهير بن رافع، وعم آخر لم يسمه، وعن أبي رافع، ولعلّه عمه الآخر، وعنه ابنه عبد الرّحمن، وابنه رفاعة على خلاف فيه، وحُفَداؤه: عبايةُ بن رفاعة، وعيسى، ويقال: عثمان بن سهل، وهُرَير بن عبد الرّحمن، وابن أخيه يحيى بن إسحاق، وابن عمه، ويقال: ابن أخيه أُسيد بن ظُهير، وثابت بن أنس بن ظُهير، ومولاه أبو النجاشيّ، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيَّب، وسليمان بن يسار، وحنظلة بن قيس، ونافع مولى ابن عمر، ونافع بن جبير بن مطعم، وواسع ابن حَبّان، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، ومحمود بن لبيد، وأبو سلمة بن عبد الرّحمن، وعبد الله بن عمرو بن عثمان، وغيرهم، وأرسل عنه الزّهريُّ. قال يحيى بن بكير: مات أول سنة (٧٣)، وقال الواقديّ: مات في أول سنة (٧٤) وحَضَر ابنُ عمر جنازته، وكذا أَرَّخه خليفةُ، وابنُ نُمَير. وقال البخاريّ في "تاريخه":

стр. 1542

مات في زمن معاوية، وذكره في "التاريخ الأوسط" في فصل من مات من الخمسين إلى الستين، وأَرَّخه ابنُ قانع سنة (٥٩). فالله أعلم. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا. وأما عليّ بن محمّد شيخ المصنّف فقد تقدّم قبل باب، وأما وكيع، وسفيان -وهو الثوريّ- فقد تقدّما قبل ثلاثة أبواب، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين إلى سفيان، وما بعده مسلسل بالمدنيين. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي: يحيى عن عباية، ورواية الراوي عن جدّه. ٤ - (ومنها): أن عباية وجدّه هذا أول محلّ ذكرهما من الكتاب، وروى المصنّف لعباية خمسة أحاديث فقط، ولجدّه (١٩) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبَايَةَ) بفتح العين المهملة، وتخفيف الموحّدة (ابْنِ رِفَاعَةَ) بكسر الراء (عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال، أنه (قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ) ﵇ (أَوْ) للشكّ من الراوي (مَلَكٌ) هو جبريل، وفي رواية البخاريّ من طريق يحيى، عن معاذ بن رفاعة بن رافع، عن أبيه، قال: جاء جبريل بدون شكّ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: مَا) استفهاميّة (تَعُدُّونَ) بفتح أوله، وضم ثانيه، من العدّ (مَنْ شَهِدَ) بكسر الهاء (بَدْرًا) أي وقعة بدر (فِيكُمْ؟) أي في المسلمين (قَالُوا) هكذا عند المصنّف بواو الجماعة، وعند البخاريّ: "قال" بالإفراد، وهو واضح، أي قال النبيّ ﷺ ، ولما هنا أيضًا وجه، وهو أنه لما أجاب النبيّ ﷺ ، فكأن الصّحابة أجابوا معه، حيث إنهم مصدّقون له فيما يقوله ("خِيَارَنَا") بالنصب مفعول لفعل محذوف دلّ عليه السؤال، أي نعدّهم خيارنا، ويحتمل أن يكون بالرفع خبرًا لمبتدإ محذوف، أي هم خيارنا، ولفظ البخاريّ: "من

стр. 1543

أفضل المسلمين" أو كلمة نحوها (قَالَ) أي جبريل ﵇، أو ذلك الملك (كَذَلِكَ هُمْ) أي الملائكة الذين حضروا بدرًا (عِنْدَنَا) أي معاشر الملائكة (خِيَارُ الْمُلَائِكَةِ) ﵈، ولفظ البخاريّ: "وكذلك من شَهِد بدرًا من الملائكة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث رافع بن خديج ﵂ هذا أخرجه البخاريّ، من طريق جرير بن عبد الحميد، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزُّرقيّ، عن أبيه -وكان أبوه من أهل بدر- وأخرجه أيضًا من طريق حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد بالإسناد المذكور، وأخرجه أيضًا من طريق يزيد بن هارون، عن يحيى بالإسناد المذكور. قال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" ١٦/ ٢٠٧ - ٢٠٨ بعد أن أخرج الحديث من طريق سفيان بسند المصنّف: ما نصّه: قال أبو حاتم: رَوَى الخبر جرير بن عبد الحميد، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رِفاعة بن رافع، عن أبيه -وكان أبوه وجدّه من أهل العقبة- قال: أتى جبريل النبيّ ﷺ ، وقد رواه سفيان الثوريّ، عن يحيى ابن سعيد، عن عباية بن رفاعة، عن جدّه رافع بن خَدِيج، وسفيانُ أحفظ من جرير، وأتقن، وأفقه، كان إذا حفظ الشيء لم يُبالِ بمن خالفه. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا وجه لترجيح ابن حبّان رواية سفيان، فإن جريرًا لم ينفرد في ذلك، بل تابعه عليه حماد بن زيد، ويزيد بن هارون، ولذا أخرجه البخاريّ من طريقهم، فتأمّل. وقال البوصيريّ ﵀: بعد أن ساق حديث المصنّف: ما نصّه أخرجه البخاريّ في "باب فضل من شهِدَ بدرًا" من حديث يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة

стр. 1544

ابن رافع، عن أبيه، فإن كان محفوظًا، فيجوز أن يكون ليحيى بن سعيد فيه شيخان، فإن الجميع ثقات. انتهى (١). والحاصل أن الحديث صحيح بالطريقين، والله تعالى أعلم. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٠/ ١٦٠) بهذا السند فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" ٣/ ٤٦٥ و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (٤٢٥) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٢٢٤) و (الطبرانيّ) في "الكبير" ٥/ ٤٠١ حديث (٣٧٠٤). وأخرجه (البخاريّ) من حديث رفاعة بن رافع الزرقيّ (٥/ ١٠٣) و (البغوي) في "شرح السنّة" (٣٩٩٣) و (الطبرانيّ) (٤٤٥٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثّالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل أهل بدر ﵃ على سائر الصّحابة ﵃. ٢ - (ومنها): أن جبريل وغيره من الملائكة قد حضروا وقعة بدر، وفي "صحيح البخاريّ" من حديث ابن عبّاس ﵄ أن النبيّ ﷺ قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب"، وذكر ابن إسحاق أن النّبيّ ﷺ في يوم بدر خَفَقَ خَفْقَةً، ثمّ انتبه، فقال: "أَبْشِر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه الغبار"، وأخرج سعيد بن منصور من مرسل عطية بن قيس: "أنّ جبريل أتى النّبيّ ﷺ بعد ما فرغ من بدر، على فرس حمراء، معقودة الناصية، قد تخضب الغبار بثنيته، عليه درعه، وقال: يا محمّد إن الله بعثني إليك، وأمرني أن لا أُفارقك حتّى ترضى، أفرضيت؟ قال: نعم". وأخرج يونس بن بكير في زيادات "المغازي" والبيهقي من طريق الربيع بن أنس قال: كان النَّاس يوم بدر يعرفون قَتْلَى الملائكة من قَتْلَى النَّاس

стр. 1545

بضرب فوق الأعناق، وعلى البنان، مثل وَسْمِ النّار، وفي "مسند إسحاق" عن جُبير بن مُطْعِم قال: رأيت قبل هَزِيمة القوم ببدر مثل النجاد الأسود، أقبل من السَّماء كالنمل، فلم أشك أنها الملائكة، فلم يكن إِلَّا هزيمة القوم، وعند مسلم من حديث ابن عبّاس ﵄ بينما رجل مسلم يَشْتَدّ في أثر رجل مشرك إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس ... الحديث، وفيه: فقال: النّبيّ ﷺ : "ذلك مَدَدٌ من السَّماء الثّالثة". وعند ابن إسحاق من حديث أبي واقد الليثيُّ ﵁ قال: إنِّي لأَتَّبعُ يوم بدر رجلًا من المشركين لأضربه فوقع رأسه قبل أن يَصِلَ إليه سيفي، وعند البيهقي من طريق ابن محمّد بن جُبير بن مطعم أنه سمع عليا ﵁ يقول: هَبَّت ريح شديدة لم أَرَ مثلها، ثمّ هبت ريح شديدة وأظنه ذكر ثالثة، فكانت الأولى جبريل، والثّانية ميكائيل، والثالثة إسرافيل، وكان ميكائيل عن يمين النّبيّ ﷺ ، وفيها أبو بكر، وإسرافيل عن يساره وأنا فيها، ومن طريق أبي صالح عن علي ﵁ قال: "قيل لي ولأبي بكر يوم بدر مع أحدكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يحضر الصف ويشهد القتال"، وأخرجه أحمد، وأبو يعلى، وصححه الحاكم. [فائدة]: قال: الشّيخ تقي الدين السبكي ﵀: سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النّبيّ ﷺ مع أن جبريل ﵇ قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، فقلت: وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي ﷺ وأصحابه ﵃، وتكون الملائكة مَدَدًا على عادة مَدَدِ الجيوش رعايةً لصورة الأسباب وسنتها الّتي أجراها الله تعالى في عباده، والله تعالى هو فاعل الجميع، انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
следующие страницы →