← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

رَوَى عن جده، وعن أبيه عن جده على خلاف في ذلك، وعن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأبي عَبْس بن جَبْر. ورَوَى عنه سعيد بن مسروق الثّوريّ، وأبو حَيّان يحيى بن سعيد التيميّ، ويزيد ابن أبي مريم الشامي، وأبو بِشْر جعفر بن أبي وَحْشِيّة، وعاصم بن كُليب، ومحُارب بن دِثَار وجماعة. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النَّسائيُّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم ١٦٠ و ٣١٣٧ و ٣١٧٨ و ٣١٨٣ و ٣٤٧٣. ٤ - (جدّه) رافع بن خَدِيج بن رافع بن عَدِيّ بن يزيد بن جُشَم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الأوسيّ الحارثيّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو خَدِيج، أمّه حليمة بنت مسعود بن سنان بن عامر من بني بياضة، عُرض على النبيّ ﷺ يوم بَدْر، فاستصغره، وأجازه يوم أحد، فخرج بها، وشَهِد ما بعدها. وروى عن النّبيّ ﷺ ، وعن عمه ظهير بن رافع، وعم آخر لم يسمه، وعن أبي رافع، ولعلّه عمه الآخر، وعنه ابنه عبد الرّحمن، وابنه رفاعة على خلاف فيه، وحُفَداؤه: عبايةُ بن رفاعة، وعيسى، ويقال: عثمان بن سهل، وهُرَير بن عبد الرّحمن، وابن أخيه يحيى بن إسحاق، وابن عمه، ويقال: ابن أخيه أُسيد بن ظُهير، وثابت بن أنس بن ظُهير، ومولاه أبو النجاشيّ، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيَّب، وسليمان بن يسار، وحنظلة بن قيس، ونافع مولى ابن عمر، ونافع بن جبير بن مطعم، وواسع ابن حَبّان، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، ومحمود بن لبيد، وأبو سلمة بن عبد الرّحمن، وعبد الله بن عمرو بن عثمان، وغيرهم، وأرسل عنه الزّهريُّ. قال يحيى بن بكير: مات أول سنة (٧٣)، وقال الواقديّ: مات في أول سنة (٧٤) وحَضَر ابنُ عمر جنازته، وكذا أَرَّخه خليفةُ، وابنُ نُمَير. وقال البخاريّ في "تاريخه":

стр. 1542

مات في زمن معاوية، وذكره في "التاريخ الأوسط" في فصل من مات من الخمسين إلى الستين، وأَرَّخه ابنُ قانع سنة (٥٩). فالله أعلم. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا. وأما عليّ بن محمّد شيخ المصنّف فقد تقدّم قبل باب، وأما وكيع، وسفيان -وهو الثوريّ- فقد تقدّما قبل ثلاثة أبواب، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين إلى سفيان، وما بعده مسلسل بالمدنيين. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي: يحيى عن عباية، ورواية الراوي عن جدّه. ٤ - (ومنها): أن عباية وجدّه هذا أول محلّ ذكرهما من الكتاب، وروى المصنّف لعباية خمسة أحاديث فقط، ولجدّه (١٩) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبَايَةَ) بفتح العين المهملة، وتخفيف الموحّدة (ابْنِ رِفَاعَةَ) بكسر الراء (عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال، أنه (قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ) ﵇ (أَوْ) للشكّ من الراوي (مَلَكٌ) هو جبريل، وفي رواية البخاريّ من طريق يحيى، عن معاذ بن رفاعة بن رافع، عن أبيه، قال: جاء جبريل بدون شكّ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: مَا) استفهاميّة (تَعُدُّونَ) بفتح أوله، وضم ثانيه، من العدّ (مَنْ شَهِدَ) بكسر الهاء (بَدْرًا) أي وقعة بدر (فِيكُمْ؟) أي في المسلمين (قَالُوا) هكذا عند المصنّف بواو الجماعة، وعند البخاريّ: "قال" بالإفراد، وهو واضح، أي قال النبيّ ﷺ ، ولما هنا أيضًا وجه، وهو أنه لما أجاب النبيّ ﷺ ، فكأن الصّحابة أجابوا معه، حيث إنهم مصدّقون له فيما يقوله ("خِيَارَنَا") بالنصب مفعول لفعل محذوف دلّ عليه السؤال، أي نعدّهم خيارنا، ويحتمل أن يكون بالرفع خبرًا لمبتدإ محذوف، أي هم خيارنا، ولفظ البخاريّ: "من

стр. 1543

أفضل المسلمين" أو كلمة نحوها (قَالَ) أي جبريل ﵇، أو ذلك الملك (كَذَلِكَ هُمْ) أي الملائكة الذين حضروا بدرًا (عِنْدَنَا) أي معاشر الملائكة (خِيَارُ الْمُلَائِكَةِ) ﵈، ولفظ البخاريّ: "وكذلك من شَهِد بدرًا من الملائكة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث رافع بن خديج ﵂ هذا أخرجه البخاريّ، من طريق جرير بن عبد الحميد، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزُّرقيّ، عن أبيه -وكان أبوه من أهل بدر- وأخرجه أيضًا من طريق حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد بالإسناد المذكور، وأخرجه أيضًا من طريق يزيد بن هارون، عن يحيى بالإسناد المذكور. قال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" ١٦/ ٢٠٧ - ٢٠٨ بعد أن أخرج الحديث من طريق سفيان بسند المصنّف: ما نصّه: قال أبو حاتم: رَوَى الخبر جرير بن عبد الحميد، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رِفاعة بن رافع، عن أبيه -وكان أبوه وجدّه من أهل العقبة- قال: أتى جبريل النبيّ ﷺ ، وقد رواه سفيان الثوريّ، عن يحيى ابن سعيد، عن عباية بن رفاعة، عن جدّه رافع بن خَدِيج، وسفيانُ أحفظ من جرير، وأتقن، وأفقه، كان إذا حفظ الشيء لم يُبالِ بمن خالفه. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا وجه لترجيح ابن حبّان رواية سفيان، فإن جريرًا لم ينفرد في ذلك، بل تابعه عليه حماد بن زيد، ويزيد بن هارون، ولذا أخرجه البخاريّ من طريقهم، فتأمّل. وقال البوصيريّ ﵀: بعد أن ساق حديث المصنّف: ما نصّه أخرجه البخاريّ في "باب فضل من شهِدَ بدرًا" من حديث يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة

стр. 1544

ابن رافع، عن أبيه، فإن كان محفوظًا، فيجوز أن يكون ليحيى بن سعيد فيه شيخان، فإن الجميع ثقات. انتهى (١). والحاصل أن الحديث صحيح بالطريقين، والله تعالى أعلم. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٠/ ١٦٠) بهذا السند فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" ٣/ ٤٦٥ و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (٤٢٥) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٢٢٤) و (الطبرانيّ) في "الكبير" ٥/ ٤٠١ حديث (٣٧٠٤). وأخرجه (البخاريّ) من حديث رفاعة بن رافع الزرقيّ (٥/ ١٠٣) و (البغوي) في "شرح السنّة" (٣٩٩٣) و (الطبرانيّ) (٤٤٥٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثّالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل أهل بدر ﵃ على سائر الصّحابة ﵃. ٢ - (ومنها): أن جبريل وغيره من الملائكة قد حضروا وقعة بدر، وفي "صحيح البخاريّ" من حديث ابن عبّاس ﵄ أن النبيّ ﷺ قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب"، وذكر ابن إسحاق أن النّبيّ ﷺ في يوم بدر خَفَقَ خَفْقَةً، ثمّ انتبه، فقال: "أَبْشِر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه الغبار"، وأخرج سعيد بن منصور من مرسل عطية بن قيس: "أنّ جبريل أتى النّبيّ ﷺ بعد ما فرغ من بدر، على فرس حمراء، معقودة الناصية، قد تخضب الغبار بثنيته، عليه درعه، وقال: يا محمّد إن الله بعثني إليك، وأمرني أن لا أُفارقك حتّى ترضى، أفرضيت؟ قال: نعم". وأخرج يونس بن بكير في زيادات "المغازي" والبيهقي من طريق الربيع بن أنس قال: كان النَّاس يوم بدر يعرفون قَتْلَى الملائكة من قَتْلَى النَّاس

стр. 1545

بضرب فوق الأعناق، وعلى البنان، مثل وَسْمِ النّار، وفي "مسند إسحاق" عن جُبير بن مُطْعِم قال: رأيت قبل هَزِيمة القوم ببدر مثل النجاد الأسود، أقبل من السَّماء كالنمل، فلم أشك أنها الملائكة، فلم يكن إِلَّا هزيمة القوم، وعند مسلم من حديث ابن عبّاس ﵄ بينما رجل مسلم يَشْتَدّ في أثر رجل مشرك إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس ... الحديث، وفيه: فقال: النّبيّ ﷺ : "ذلك مَدَدٌ من السَّماء الثّالثة". وعند ابن إسحاق من حديث أبي واقد الليثيُّ ﵁ قال: إنِّي لأَتَّبعُ يوم بدر رجلًا من المشركين لأضربه فوقع رأسه قبل أن يَصِلَ إليه سيفي، وعند البيهقي من طريق ابن محمّد بن جُبير بن مطعم أنه سمع عليا ﵁ يقول: هَبَّت ريح شديدة لم أَرَ مثلها، ثمّ هبت ريح شديدة وأظنه ذكر ثالثة، فكانت الأولى جبريل، والثّانية ميكائيل، والثالثة إسرافيل، وكان ميكائيل عن يمين النّبيّ ﷺ ، وفيها أبو بكر، وإسرافيل عن يساره وأنا فيها، ومن طريق أبي صالح عن علي ﵁ قال: "قيل لي ولأبي بكر يوم بدر مع أحدكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يحضر الصف ويشهد القتال"، وأخرجه أحمد، وأبو يعلى، وصححه الحاكم. [فائدة]: قال: الشّيخ تقي الدين السبكي ﵀: سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النّبيّ ﷺ مع أن جبريل ﵇ قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، فقلت: وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي ﷺ وأصحابه ﵃، وتكون الملائكة مَدَدًا على عادة مَدَدِ الجيوش رعايةً لصورة الأسباب وسنتها الّتي أجراها الله تعالى في عباده، والله تعالى هو فاعل الجميع، انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 1546

٣١ (*) - (فَضَائِلُ الصَّحَابَةَ ﵃ -) هكذا وقع في بعض النسخ، كما أشار إليه في النسخة الهنديّة، وهو الأولى، ووقع في بعض النسخ دون ترجمة، وفي نسخة "مصباح الزجاجة": "فضائل جميع الصّحابة"، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٦١ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وحَدَّثَنَا عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ"). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (محمّد بن الصبّاح) بن سفيان الْجَرْجَرَائيّ، أبو جعفر التاجر، صدوقٌ [١٠] ١/ ٢. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبّيّ الكوفيّ، قاضي الرّيّ، ثقة، صحيح الكتاب [٨] ١/ ٢. ٣ - (أبو كُريب) محمّد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] ٨/ ٥٢. ٤ - (أبو صالح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبتٌ [٣] ١/ ١. ٥ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ ٤/ ٣٧. [تنبيه]: وقع في بعض النسخ "عن أبي هريرة" بدل "عن أبي سعيد"، وهو غلط، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى. وأما الباقون فقد تقدّموا قريبًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف.

стр. 1547

٢ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين إلى الأعمش، وشيخه جرجرائيّ بلد بين واسط وبغداد، والباقيان مدنيّان. ٣ - (ومنها:) أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن شيخه أبا غريب أحد مشايخ الجماعة من غير واسطة. ٥ - (ومنها): أن شيخه محمّد بن الصبّاح من أفراده. ٦ - (ومنها): أن فيه كتابةَ (ح) إشارة إلى الانتقال من سند إلى سند آخر، فللمصنّف في هذا الحديث ثلاثة أسانيد: محمّد بن الصبّاح، عن جرير، وعليّ بن محمّد، عن وكيع، وأبو كُريب، عن أبي معاوية، وكلٌّ من جرير، ووكيع، وأبي معاوية يروي عن الأعمش، وقد تقدّم تمام البحث في هذه الحاء، فلا تغفل. ٧ - (ومنها): أن فيه أبا معاوية أحفظ من روى لحديث الأعمش، إِلَّا أن يكون الثوريّ، والأعمش من أكثر من روى عن أبي صالح، يقال: روى عنه ألف حديث. ٨ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٩ - (ومنها): أن أبا سعيد ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدْرِيِّ) ﵁. [تنبيه]: وقع في هذا الإسناد اختلاف، ففي بعض النسخ "عن أبي سعيد"، وفي بعضها "عن أبي هريرة"، والأول هو الصواب، كما حقّقه الحافظ أبو الحجاج المزيّ ﵀ في "تحفة الأشراف" ٣/ ٣٤٢ - ٣٤٤، والحافظ في "الفتح" ٧/ ٤٤ - ٤٦، وقد أحببتُ إيراد بحثه؛ لأنه أجمع وأوعب، فدونك عبارته: قال ﵀ عند قول الإمام البخاريّ ﵀ بعد إخراج الحديث عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال: قال النبيّ ﷺ : "لا تسبّوا أصحابي ... الحديث: ما نصّه:

стр. 1548

تابعه جريرٌ، وعبد الله بن داود، وأبو مُعاوية، ومُحاضر، عن الأعمش. انتهى. قال الحافظ: قوله: تابعه جرير، هو ابن عبد الحميد، وعبد الله بن داود، هو الْخُريبيّ -بالمعجمة والموحدة، مصغرٌ- وأبو معاوية هو الضرير، ومحُاضر -بمهملة، ثمّ معجمة بوزن مجاهد- عن الأعمش، أي عن أبي صالح، عن أبي سعيد. فأمّا رواية جرير فوصلها مسلم، وابن ماجة، وأبو يعلى، وغيرهم. وأما رواية محُاضر فرويناها موصولة في "فوائد أبي الفتح الحداد" من طريق أحمد ابن يونس الضبيّ، عن محاضر المذكور، فذكره مثل رواية جرير، لكن قال: "بين خالد ابن الوليد وبين أبي بكر، بدل عبد الرّحمن بن عوف"، وقول جرير أصح. وقد وقع كذلك في رواية عاصم عن أبي صالح الآتي ذكرها. وأما رواية عبد الله بن داود فوصلها مسدد في "مسنده" عنه، وليس فيه القصة، وكذا أخرجها أبو داود عن مسدد. وأما رواية أبي معاوية فوصلها أحمد عنه هكذا، وقد أخرجه مسلم عن أبي بكر ابن أبي شيبة، وأبي كريب، ويحيى بن يحيى، ثلاثتهم عن أبي معاوية، لكن قال فيه: "عن أبي هريرة"، بدل "أبي سعيد"، وهو وَهَمٌ، كما جزم به خَلَفٌ، وأبو مسعود، وأبو علي الجَيّانيّ، وغيرهم، قال المزي: كأن مسلما وَهِمَ في حال كتابته، فإنّه بدأ بطريق أبي معاوية، ثمّ ثَنَّى بحديث جرير، فساقه بإسناده ومتنه، ثمّ ثَلَّثَ بحديث وكيع، ورَبَّعَ بحديث شعبة، ولم يسق إسنادهما، بل قال: بإسناد جرير وأبي معاوية، فلولا إن إسناد جرير وأبي معاوية عنده واحد، لما أحال عليهما معًا، فإن طريق وكيع وشعبة جميعًا تنتهي إلى أبي سعيد، دون أبي هريرة اتفاقًا. انتهى كلامه. وقد أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة أحدُ شيوخ مسلم فيه في "مسنده"، و"مُصَنَّفه" عن أبي معاوية، فقال: "عن أبي سعيد" كما قال أحمد، وكذا رويناه من طريق أبي نعيم في "المستخرج" من رواية عُبيد بن غَنّام، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأخرجه أبو نعيم أيضًا من رواية أحمد، ويحيى بن عبد الحميد، وأبي خيثمة، وأحمد بن جَوّاس، كلهم عن أبي

стр. 1549

معاوية، فقال: "عن أبي سعيد"، وقال بعده: أخرجه مسلم عن أبي بكر، وأبي كريب، ويحيى بن يحيى، فدل على أن الْوَهَمَ وقع فيه ممّن دون مسلم؛ إذ لو كان عنده "عن أبي هريرة" لَبَيّنه أبو نعيم. ويُقَوِّي ذلك أيضًا أن الدارقطني مع جزمه في "العلل" بأن الصواب أنه من حديث أبي سعيد، لم يتعرض في تتبعه أوهام الشيخين إلى رواية أبي معاوية هذه. وقد أخرجه أبو عبيدة في "غريب الحديث"، والجَوْزقيّ من طريق عبد الله بن هاشم، وخيثمة من طريق سعيد بن يحيى، والإسماعيلي، وابن حبّان من طريق علي بن الجعد، كلهم عن أبي معاوية، فقالوا: "عن أبي سعيد". وأخرجه ابنُ ماجه عن أبي كريب أحد شيوخ مسلم فيه أيضًا، عن أبي معاوية، فقال: "عن أبي سعيد"، كما قال الجماعة، إِلَّا أنه وقع في بعض النسخ عن ابن ماجة اختلاف، ففي بعضها "عن أبي هريرة"، وفي بعضها "عن أبي سعيد"، والصواب "عن أبي سعيد"؛ لأن ابن ماجة جَمَعَ في سياقه بين جرير ووكيع وأبي معاوية، ولم يقل أحدٌ في رواية وكيع وجرير: إنها "عن أبي هريرة"، وكل من أخرجها من المصنفين والمخَرِّجين أورده عنهما من حديث أبي سعيد. قال: وقد وجدته في نسخة قديمة جدًّا، قُرِئت في سنة بضع وسبعين وثلثمائة، وهي في غاية الإتقان، وفيها: "عن أبي سعيد"، واحتمال كون الحديث عند أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد وأبي هريرة جميعًا مُستَبْعَدٌ؛ إذ لو كان كذلك لجمعهما، ولو مَرّةً، فلما كان غالب ما وُجِد عنه ذكرَ أبي سعيد دون ذكر أبي هريرة دَلّ على أن في قول من قال عنه عن أبي هريرة شذوذًا، والله أعلم. قال: وقد جمعهما أبو عوانة عن الأعمش، ذكره الدارقطني وقال في "العلل": رواه مسدد، وأبو كامل، وشيبان عن أبي عوانة كذلك، ورواه عفان ويحيى بن حماد عن أبي عوانة، فلم يَذكُرا فيه أبا سعيد، قال: ورواه زيد بن أبي أُنيسة عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وكذلك قال نصر بن عليّ، عن عبد الله بن داود، قال:

стр. 1550

والصواب من روايات الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، لا عن أبي هريرة، قال: وقد رواه عاصم عن أبي صالح، فقال: عن أبي هريرة، والصّحيح عن أبي صالح، عن أبي سعيد، انتهى. وقد سبق إلى ذلك عليّ بن المديني، فقال في "العلل": رواه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، ورواه عاصم عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: والأعمش أثبت في أبي صالح من عاصم. فعُرِف من كلامه أن من قال فيه عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فقد شَذّ، وكان سبب ذلك شهرة أبي صالح بالرواية عن أبي هريرة، فيسبق إليه الوَهْمُ ممّن ليس بحافظ، وأما الحفاظ فيميزون ذلك. ورواية زيد بن أبي أُنيسة الّتي أشار إليها الدارقطني أخرجها الطَّبرانيُّ في "الأوسط"، قال: ولم يروه عن الأعمش إِلَّا زيد بن أبي أُنيسة، ورواه شعبة وغيره عن الأعمش، فقالوا: "عن أبي سعيد"، انتهى. وأما رواية عاصم فأخرجها النَّسائيُّ في "الكبرى"، والبزار في "مسنده"، وقال: ولم يروه عن عاصم إِلَّا زائدة، وممن رواه عن الأعمش، فقال: عن أبي سعيد، أبو بكر ابن عياش عند عبد بن حميد، ويحي بن عيسى الرَّمْليّ عند أبي عوانة، وأبو الأحوص عند ابن أبي خيثمة، وإسرائيل عند تمام الرَّازيُّ. وأما ما حكاه الدارقطني عن رواية أبي عوانة، فقد وقع لي من رواية مسدد، وأبي كامل، وشيبان عنه على الشك، قال في روايته: عن أبي سعيد، أو أبي هريرة، وأبو عوانة كان يحدث من حفظه، فربما وَهِمَ، وحديثه من كتابه أثبت، ومن لم يشكّ أحق بالتقديم ممّن شك، والله أعلم. قال: وقد أمليت على هذا الموضع جزءًا مفردًا لَخَّصْتُ مقاصده هنا بعون الله تعالى، انتهى كلام الحافظ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الّذي حقّقه الحافظ تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، قد تبيّن

стр. 1551

لنا منه أن الصّحيح في رواية ابن ماجه ما وقع في بعض النسخ من قوله: "عن أبي سعيد"، لا ما وقع في بعضها من قوله: "عن أبي هريرة"، فإنّه غلطٌ، وتبيّنّا منه أيضًا أن ما وقع في "صحيح مسلم" من قوله: "عن أبي هريرة" الغلط فيه ممّن دون مسلم، لا منه، لما ذكره الحافظ من الحجج، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي) وقع في رواية جرير ومحاضر، عن الأعمش، وكذا في رواية عاصم، عن أبي صالح، ذِكرُ سببٍ لهذا الحديث، وهو ما وقع في أوله، قال: "كان بين خالد بن الوليد، وعبد الرّحمن بن عوف شيءٌ، فَسَبَّهُ خالد ... " فذكر الحديث. (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أقسم النبيّ ﷺ تعظيمًا للأمر الّذي نَهَى عنه، فإنّه خطيرٌ جدًّا؛ إذ منصب الصّحابة ﵃ أرفع وأعلى، كما أشار إليه بقوله: (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ) فيه إشعار بأن المراد بقوله أوَّلًا: "أصحابي" أصحاب مخصوصون، وإلا فالخطاب كان للصحابة، وقد قال: "لو أنّ أحدكم أنفق"، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ الآية [الحديد: ١٠]، ومع ذلك فنَهْيُ بعضِ من أدرك النّبيّ ﷺ ، وخاطبه بذلك عن سب من سبقه يَقتَضِي زجرَ من لم يدرك النّبيّ ﷺ ، ولم يخاطبه عن سب من سبقه من باب الأولى، وغَفَل مَنْ قال: إن الخطّاب بذلك لغير الصّحابة، وإنما المراد من سيوجد من المسلمين المفروضين في العقل تَنْزيلًا لمن سيوجد مَنْزلة الموجود؛ للقطع بوقوعه، ووجه التعقب عليه وقوعُ التصريح في نفس الخبر بأن المخاطب بذلك خالد بن الوليد، وهو من الصّحابة الموجودين إذ ذاك بالاتفاق. (أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا) زادْ الْبَرْقَانيّ في "المصافحة" من طريق أبي بكر بن عياش، عن الأعمش: "كُلَّ يوم"، قال: وهي زيادة حسنة. (مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ) "المد" بضم الميم: مكيال معروف، وحكى الخطابي أنه رُوي بفتح الميم، قال: والمراد به الفضل والطَّوْل. قاله في "الفتح": وقال في "المصباح": "المدّ" بالضمّ كيلٌ، وهو رطلٌ وثُلُث عند أهل الحجاز، فهو ربع صاع؛ لأن الصاع خمسة

стр. 1552

أرطال وثلُث، والمدّ رطلان عند أهل العراق، والجمع أمداد، ومِداد بالكسر. انتهى (١). وقال ابن الأثير ﵀: ما: نصّه: وفي حديث فضل الصّحابة: "ما أدرك مُدَّ أحدهم، ولا نَصِيفه": المدّ في الأصل ربع الصاع، وإنما قدّره به؛ لأنه أقلّ ما كانوا يتصدَّقون به في العادة. ويُروى بفتح الميم، وهو الغاية. وقد تكرّر ذكرُ المدّ في الحديث: وهو رطلٌ وثُلُثٌ عند الشّافعيّ، وأهل الحجاز، وهو رطلان عند أبي حنيفة، وأهل العراق. وقيل: إن أصل المدّ مُقَدَّر بأن يَمُدّ الرَّجل يديه، فيملأَ كفّيه طعامًا. انتهى (٢). (وَلَا نَصِيفَهُ) أي ولا نصيف المد من كلّ شيء، و"النَّصِيف" بوزن رغيف، هو النّصف، كما يقال: عُشْر وعَشِير، وثُمُن وثَمِين، وقيل: "النَّصِيف": مكيال دون المد. قاله في "الفتح" (٣). وقال النووي في "شرح مسلم" جـ: ١٦ ص: ٩٣: قال أهل اللُّغة: "النَّصِيف": النّصف، وفيه أربع لغات: نِصْف -بكسر النون- ونُصْفٌ -بضمها- ونَصْف -بفتحها- ونَصِيف بزيادة الياء، حكاهنّ القاضي عياض في "المشارق" عن الخطابي. وقال في "القاموس": "النّصفُ": مُثَلَّثَةً: أحد شقّي الشيء، كالنَّصِيف، جمعه أَنصافٌ، انتهى. وقال "الشارح": قوله: "مُثَلّثة" قال شيخنا: أفصحها الكسر، وأقيسها الضمّ؛ لأنه الجاري على بقيّة الأجزاء، كالربع، والخمس، والسدس، ثمّ الفتح، وقرأ زيد بن ثابت ﵁: ﴿فَلَهَا الْنِّصْفُ﴾ [النِّساء: ١١] بالضمّ. انتهى. قال في "الفتح": وقد تقدّم في أول "باب فضائل الصّحابة" تقرير أفضلية الصّحابة عمن بعدهم، وهذا الحديث دالّ لما وقع الاختيار له ممّا تقدّم من الاختلاف.

стр. 1553

والله أعلم. وقال البيضاوي ﵀: معنى الحديث: لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبًا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مُدِّ طعام أو نصيفه، وسببُ التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص، وصدق النية. قال الحافظ: وأعظم من ذلك في سبب الأفضلية عِظَمُ مَوْقِع ذلك لشدة الاحتياج إليه، وأشار بالأفضلية بسبب الإنفاق إلى الأفضلية بسبب القتال، كما وقع في الآية: ﴿مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ [الحديد: ١٠]، فإن فيها إشارة إلى موقع السبب الّذي ذكرته، وذلك أن الإنفاق والقتال كان قبل فتح مكّة عظيمًا؛ لشدة الحاجة إليه، وقِلَّة المعتني به، بخلاف ما وقع بعد ذلك؛ لأن المسلمين كَثُرُوا بعد الفتح، ودخل النَّاس في دين الله أفواجًا، فإنّه لا يقع ذلك الموقع المتقدم. والله أعلم، انتهى كلام الحافظ (١). وقال النوويّ ﵀ في "شرح مسلم" (جـ: ١٦ ص: ٩٣): معنى الحديث: لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبًا ما بلغ ثوابه في ذلك ثواب نفقة أَحَد أصحابي مُدّا، ولا نَصف مُدّ، قال القاضي عياض: ويؤيد هذا ما قدمناه في أول "باب فضائل الصّحابة" عن الجمهور من تفضيل الصّحابة كلهم على جميع مَنْ بَعْدهم، وسبب تفضيل نفقتهم أنها كانت في وقت الضّرورة، وضِيق الحال، بخلاف غيرهم، ولأن إنفاقهم كان في نصرته ﷺ ، وحمايته، وذلك معدوم بعده، وكذا جهادهم، وسائر طاعاتهم، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ الآية [الحديد: ١٠]، هذا كله مع ما كان في أنفسهم من الشفقة والتودد والخشوع والتواضع والإيثار والجهاد في الله حَقَّ جهاده، وفضيلةُ الصحبة ولو لحظةً لا يوازيها عملٌ، ولا تُنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، ذلك فضل الله يؤتيه من

стр. 1554

يشاء. (١). قال أبو العبّاس القرطبيّ -بعد ذكره سبب الحديث- وهو قصة ما جرى بين خالد بن الوليد وبين عبد الرّحمن بن عوف ﵄، كما سبق بيانه -: ما نصّه: فأظهر ذلك السبب أن مقصود هذا الخبر زجر خالد، ومن كان على مثل حاله ممّن سُبِقَ بالإسلام، وإظهار خصوصيّة السابق بالنبيّ ﷺ ، وأن السابقين لا يَلْحَقهم أحد في درجتهم، وإن كان أكثر نفقةً وعملًا منهم، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ [الحديد: ١٠]، ويدلُّ على صحّة هذا المقصود أن خالدًا وإن كان من الصّحابة ﵃ لكنه متأخّر الإسلام، قيل: أسلم سنة خمس، وقيل: سنة ثمان، لكنه ﷺ لمّا عدل عن غير (٢) خالد وعبد الرّحمن إلى التعميم دل ذلك على أنه قصد مع ذلك تقعيد قاعدةِ تغليظ تحريم سبّ الصّحابة مطلقًا، فيحرُمُ ذلك من صحابيّ وغيره؛ لأنه إذا حُرِّم على صحابيّ، فتحريمه على غيره أولى، وأيضًا فإن خطابه ﷺ للواحد خطاب للجميع، وخطابه للحاضرين خطاب للغائبين إلى يوم القيامة، انتهى كلام القرطبيّ، وهو كلام نفيسٌ جدًّا (٣). وقال القاضي عياض: ومن أصحاب الحديث من يقول: هذه الفضيلة مختصة بمن طالت صحبته، وقاتل معه، وأنفق، وهاجر، ونصر، لا لمن رآه مَرّةً، كَوُفُود الإعراب، أو صَحِبَه آخرًا بعد الفتح، وبعد إعزاز الدين، ممّن لم يوجد له هجرة، ولا أَثَرٌ في الدين، ومنفعة المسلمين، قال: والصّحيح هو الأوّل، وعليه الأكثرون، والله أعلم، انتهى (٤). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الّذي قاله عياض من تصحيح رأي الجمهور

стр. 1555

في أن فضل الصحبة يعمّ جميع الصّحابة ﵃ هو الحقّ؛ لكثرة الأدلّة على ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٠/ ١٦١) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (البخاريّ) في ٥/ ١٠ (٣٦٧٣) و (مسلم) ٧/ ١٨٨ (٢٥٤١) و (أبو داود) (٤٦٥٨) و (الترمذيّ) (٣٨٦١) و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢١٨٣) و (عليّ بن الجعد) في "مسنده" (٧٦٠) و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" ١٢/ ١٧٤ - ١٧٥ و (أحمد) ٣/ ١١ و ٥٤ و ٥٥ و ٦٣ وفي "الفضائل" له (٥ و ٦ و ٧ و ١٧٣٥) و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (٩١٨) و (ابن أبي عاصم) (٩٨٨ و ٩٨٩ و ٩٩٠ و ٩٩١) و (البزّار) في "مسنده" (٢٧٦٨) و (النَّسائيّ) في "الفضائل" (٢٠٣ و ٢٠٤) و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٠٨٧ و ١١٩٨) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٩٤ و ٧٢٥٣ و ٧٢٥٥) و (أبو نعيم) في "تاريخ أصبهان" (٢/ ١٢٢) و (الخطيب) في "تاريخ بغداد" (٧/ ١٤٤) و (البغويّ) في "شرح السنة" (٣٥٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثّالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضائل الصّحابة ﵃. ٢ - (ومنها): بيان تفاوت مراتب الصّحابة في الفضل والأجر عند الله تعالى. ٣ - (ومنها): بيان أن الفضل والمنزلة عند الله ليس من الأمور القياسيّة، بل محض فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، فقد يُعطي على عمل قليل ما لا ينال بالعمل الكثير. ٤ - (ومنها): بيان أن الإنفاق في وقت الحاجة أفضل من الإنفاق في غيرها.

стр. 1556

٥ - (ومنها): بيان وجوب احترام الصّحابة له، والنهي عن سبّهم. ٦ - (ومنها): أن فيه دلالة واضحةً على أن الصّحابة ﵃ لا يلحقهم أحدٌ ممّن بعدهم في فضلهم، وإن عمل ما عمل من أفعال الخير، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرّابعة): في أقوال أهل العلم فيمن سبّ الصّحابة ﵃: قال النووي: اعلم أنّ سَبّ الصّحابة ﵃ حرام، من فَوَاحش المحرمات، سواء من لابس الفتن منهم وغيرهم؛ لأنهم مجتهدون في تلك الحروب، متأولون، قال القاضي عياض ﵀: سب أحدهم من المعاصي الكبائر، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يُعَزَّر، ولا يُقتَل، وقال بعض المالكية: يُقْتَل. انتهى (١). وقال في "الفتح": اختُلِفَ في سابّ الصحابي ﵃، فقال عياض: ذهب الجمهور إلى أنه يُعَزَّر، وعن بعض المالكية: يُقْتَل، وخَصَّ بعض الشّافعيّة ذلك بالشيخين، والحَسَنين، فحَكَى القاضي حسين في ذلك وجهين، وقَوّاه السبكي في حق من كَفَّر الشيخين، وكذا من كَفَّرَ مَنْ صَرَّحَ النّبيّ ﷺ بإيمانه، أو تبشيره بالجنة، إذا تواتر الخبر بذلك عنه؛ لما تَضَمَّن من تكذيب رسول الله ﷺ انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الّذي فصّله السبكيّ ﵀ هو الأرجح عندي؛ لوضوح حجته، والله تعالى أعلم. وقال أبو العبّاس القرطبيّ: من المعلوم الّذي لا يُشكّ فيه أن الله تعالى اختار أصحاب نبيّه لنبيّه ﷺ ، ولإقامة دينه، فجميعُ ما نحن فيه من العلوم والأعمال والفضائل والأحوال والممتلكات والأموال والعزّ والسلطان والدين والإيمان وغير ذلك من النعم الّتي لا يُحصيها لسان، ولا يتّسع لتقديرها زمان إنّما كان بسببهم، ولمّا

стр. 1557

كان ذلك وجب علينا الاعتراف بحقوقهم، والشكر لهم على عظيم أياديهم، قيامًا بما أوجبه الله تعالى من شكر النعم، واجتنابًا لِمَا حرَمه من كُفران حقّه، هذا مع ما تحقّقنا من ثناء الله تعالى عليهم، وتشريفه لهم، ورضاه عنهم، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ إلى قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٨ - ٢٩]، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]، إلى غير ذلك، وكقوله ﷺ : "إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين" إلى غير ذلك من الأحاديث المتضمّنة للثناء عليهم ﵃ أجمعين. وعلى هذا فمن تعرَّضَ لسبّهم، وجَحَدَ عظيم حقِّهِم، فقد انسلخ من الإيمان، وقابل الشكر بالكفران، ويكفي في هذا الباب ما رواه الترمذيّ من حديث عبد الله بن مُغَفَّل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتّخِذوهم غَرَضًا بعدي، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه"، قال الترمذيّ: حديث غريب، وهذا الحديث وإن كان غريب السند، فهو صحيح المتن؛ لأنه معضود بما قدّمناه من الكتاب والسنّة، والمعلوم من دين الأمّة؛ إذ لا خلاف في وجوب احترامهم، وتحريم سبّهم، ولا يُختَلف في أن من قال: إنهم كانوا على كفر أو ضلال كافر يُقتَل؛ لأنه أنكر معلومًا ضروريًّا من الشّرع، فقد كذّب الله تعالى ورسوله ﷺ فيما أخبرا به عنهم، وكذلك الحكم فيمن كفّر أحد الخلفاء الأربعة، أو ضلَّلَهم، وهل حكمه حكم المرتدّ، فيُستتاب، أو حكم الزنديق فلا يُستتاب، ويُقتل على كلّ حال؟ هذا ممّا يُختلَف فيه، فأمّا من سبّهم بغير ذلك، فإن كان سبّا يُوجب حدّا كالقذف حُدّ حَدَّه، ثمّ يُنكَّل التنكيل الشديد من الحبس والتخليد فيه، والإهانة ما خلا عائشة ﵂، فإن قاذفها يُقتَل؛ لأنه مكذّب لما جاء في الكتاب والسنّة من براءتها، قاله

стр. 1558

مالك وغيره، واخْتُلِفَ في غيرها من أزواج النبيّ ﷺ ، فقيل: يُقتَل قاذفها؛ لأن ذلك أذًى للنبيّ ﷺ ، وقيل: يُحدّ ويُنكَّل، كما ذكرناه على قولين، وأما من سبّهم بغير القذف فإنّه يُجْلَد الجلدَ الموجع، ويُنكَّل التنكيل الشديدَ، قال ابن حبيب: ويُخلَّد سَجْنه إلى أن يموت، وقد رُوي عن مالك: من سبّ عائشة ﵂ قُتِل مطلقًا، ويُمكن حمله على السبّ بالقذف، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الّذي ذكره القرطبيّ ﵀ تحقيق نفيس جدًّا، وخلاصته تشديد العقوبة على من انتهك حرمات الصّحابة ﷺ ، وأنَّه يُقتل على التفصيل الّذي ذكره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في ذكر قصيدة لبديع الزّمان الْهَمَذَانيّ (٢) ﵀ يمدح بها الصّحابة ﵃، ويهجو أبا بكر الخوارزميّ، ويُجيبه عن قصيدة رُويت له في الطعن عليهم قال [من الرجز]: وَكَّلَنِي بِالهَمِّ وَالْكَآبهْ ... طَعَّانَةٌ لَعَّانَةٌ سَبَّابَه لِلسَّلَفِ الصَّالِح وَالصَّحَابَهْ ... أَسَاءَ سَمْعًا فَأَسَاءَ جَابَهْ تَأَمَّلُوا يَا كُبَرَاءَ الشِّيعَهْ ... لِعِشرَةِ الإِسْلَامِ وَالشَّرِيعَه أَتُسْتَحَلُّ هَذِهِ الْوَقِيعَهْ ... في بِيَع الْكُفْرِ وَأَهْلِ الْبِيعَه فَكَيْفَ مَنْ صَدَّقَ بِالرِّسَالَهْ ... وَقَامَ لِلدِّينِ بِكُلِّ آلَهْ وَأَحْرَزَ اللهُ يَدَ الْعُقْبَى لَهْ ... ذَالِكُمُ الصِّدِّيقُ لَا مَحَالَه إِمَامُ مَنْ أُجْمِعَ في السَّقِيفَهْ ... قَطْعًا عَلَيْهِ أَنَّهُ الخلِيفَهْ

стр. 1559

نَاهِيكَ مِنْ آثَارِهِ الشَّرِيفَهْ ... في رَدِّهِ كيْدَ بَنِي حَنِيفَه سَلِ الجبَالَ الشُّمَّ وَالْبِحَارَا ... وَسَائِلِ الْمِنْبَرَ وَالْمَنَارَا وَاسْتَعْلِمِ الآفَاقَ وَالأَقْطَارَا ... مَنْ أَظْهَرَ الدِّينَ بِهَا شِعَارَا ثُمَّ سَلِ الْفُرْسَ وَبَيْتَ النَّار ... مَنْ الَّذِي فَلَّ شَبَا الْكُفَّارِ هَلْ هَذِهِ الْبِيْضُ مِنَ الآثَارِ ... إِلَّا لِثَانِي الْمُصْطَفَى في الْغَارِ وَسَائِلِ الإِسْلَامَ مَنْ قَوَّاهُ ... وَقَالَ إِذْ لَمْ تَقُلِ الأَفْوَاه وَاسْتَنْجَزَ الْوَعْدَ فَأَوْمَى اللهُ ... مَنْ قَامَ لمَّا قَعَدُوا إِلَّا هُو ثَانِي النَّبِيِّ في سِنِي الْوِلَادَهْ ... ثَانِيهِ في الْغَارَةِ بَعْدَ الْعَادَهْ ثَانِيهِ والدعْوَةِ وَالشَّهَادَهْ ... ثَانِيهِ في الْقَبْرِ بِلَا وِسَادَهْ ثَانِيهِ في مَنْزِلَةِ الزَّعَامَه ... نُبُوَّةٌ أَفْضَتْ إِلَى إِمَامَهْ أَتَأْمُلُ الجنَّةَ يَا شَتَّامَهْ ... لَيْسَتْ بِمَأْوَاكَ وَلَا كَرَامَه إِنَّ امْرَءًا أَثْنَى عَلَيْهِ الْمُصْطَفَى ... ثُمَّتَ وَالَاهُ الْوَصِيُّ الْمُرْتَضَى وَاجْتَمَعَتْ عَلَى مَعَالِيهِ الْوَرَى ... وَاخْتَارَهُ خَليفَةً رَبُّ الْعُلَى وَاتَّبَعْتْهُ أُمِّه الأُمِّيِّ ... وَبَايَعَتْهُ رَاحَةُ الْوَصِيِّ وَبِاسْمِهِ اسْتَسْقَى حَيَا الْوَسْمِيِّ ... مَا ضَرَّهُ هَجْوُ الخُوَارَزْمِيِّ سُبْحَانَ مَنْ لَمْ يُلْقِمِ الصَّخْرَ فَمَهْ ... وَلم يُعِدْهُ حَجَرًا مَا أَحْلَمَه يَا نُذْلُ يَا مَأْبُونُ أَفْطَرْتَ فَمَهْ ... لَشَدَّ مَا اشْتَاقَتْ إِلَيْكَ الْحُطَمَهْ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُرْتَضَى ... وَجَعْفَرَ الصَّادِقَ أَوْ مُوسَى الرِّضَا لَوْ سمِعُوكَ بِالْخَنَا مُعَرِّضَا ... مَا ادَّخَرُوا عَنْكَ الحُسَامَ المُنْتَضَى وَيْلَكَ لَمْ تَنْبَحُ يَا كلْبَ الْقَمَرْ ... مَا لَكَ يَا مَأْبُونُ تَغْتَابُ عُمَرْ سيِّدَ مَنْ صَامَ وَحَجَّ وَاعْتَمَرْ ... صَرِّحْ بِإِلحادِكَ لَا تَمْشِ الخَمَرْ

стр. 1560

يَا مَنْ هَجَا الصِّدِّيقَ وَالْفَارُوقَا ... كَيْمَا يُقِيمَ عِنْدَ قَوْمِ سُوقَا نَفَخْتَ يَا طَبْلُ عَلَيْنَا بُوقَا ... فَمَا لَكَ الْيَوْمَ كَذَا مَوْهُوقَا (١) إِنَّكَ في الطَّعْنِ عَلَى الشَّيْخَيْنِ ... وَالْقَدْح في السَّيِّدِ ذِي النُّورَيْنِ لَوَاهِنُ الظَّهْرِ سَخِينُ الْعَيْنِ ... مُعْتَرِضٌ لِلْحَيْنِ بَعْدَ الحِيْنِ هَلَّا شُغِلْتَ بِاسْتِكَ الْمَغْلُومَهْ ... وَهَامَةٍ تَحْمِلُهَا مَشْؤُومَهْ هَلَّا نَهَتْكَ الْوَجْنَةُ الْمَشْمُومَهْ ... عَنْ مُشْتَرِي الخُلْدِ بِبِئْرِ رُومَهْ كفَى مِنَ الْغِيبَةِ أَدْنَى شَمَّهْ ... مَنِ اسْتَجَازَ الْقَدْحَ في الأَئِمَّهْ وَلَمْ يُعَظِّمْ أُمَنَاءَ الأُمَّهْ ... فَلَا تَلُومُوهُ وَلُومُوا أُمَّهْ مَا لَكَ يَا نُذْلُ وَللزَّكِيَّهْ ... عَائِشَةَ الرَّضِيَةِ الْمَرْضِيَّهْ يَا سَاقِطَ الْغَيْرَةِ وَالحمِيَّهْ ... أَلمْ تَكُنْ لِلْمُصْطَفَى حَظِيَّهْ مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي الخوَارَزْمِيَّا ... يُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَهُ عَلِيَّا قَدِ اشْتَرَيْنَا مِنْهُ لحمًا نِيَّا ... بِشَرْطِ أَنْ يُفْهِمَنَا الْمَعْنِيَّا يَا أَسَدَ الخلْوَةِ خِنْزِيرَ الْمَلَا ... مَا لَكَ في الحَرَّى تَقُودُ الجمَلَا يَا ذَا الَّذِي يَثْلُبُنِي إِذَا خَلَا ... وَفي الْخَلَا أُطْعِمُهُ مَا فِي الْخَلَا وَقُلْتُ لمَّا احْتَفَلَ الْمِضْمَارُ ... وَاحْتَفَّتِ الأَسْمَاعُ وَالأَبْصَارُ سَوْفَ تَرَى إِذَا انْجَلَى الْغبارُ ... أفرَسٌ تَحْتِيَ أَمْ حِمَارُ (٢) قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد بديع الزّمان رحمه الله تعالى في هذه القصيدة وحيث دافع عن خيار الأمة ﵃، فجزاه الله خير الجزاء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 1561

(المسألة السّادسة): في بيان حكم سابّ الرسول ﷺ : (اعلم): بأن السبّ والشتم إهانة واستخفاف للمسبوب، فكلّ سابّ مستخفّ بمن سبّه، ومستهزئ به، فإذا حصل في القلب امتنع أن يكون معه انقياد واستسلام؛ لأنه لا يسبّ، إِلَّا وهو جاحد له. قال القاضي عياض: من سبّ النبيّ ﷺ ، أو تنقصه، فقد ظهرت عليه علامة مرض قلبه، وبرهان سرّ طويّته، وكفره، انتهى. وقال أيضًا: إن مسألة سابّ النبيّ ﷺ أقوى لا يُتصوّر فيها الخلاف؛ لأنه حقّ متعلّقٌ بالنبيّ ﷺ ، وبأمته بسببه، لا تسقطه التوبة، كسائل حقوق الآدميين انتهى (١). وقال الحافظ: من سبّ النبيّ ﷺ ممّا هو قذف صريح كفر باتّفاق العلماء، فلو تاب لم يسقط عنه القتل؛ لأن حدّ قذفه القتلُ، وحدّ القذف لا يسقط بالتوبة انتهى (٢). وقال الإمام ابن القيّم ﵀ خلال كلامه: فذلك أن الحقّ له ﷺ ، فله أن يستوفيه، وله أن يتركه، وليس لأمته ترك استيفاء حقّه ﷺ انتهى (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ في "كتابه العديم النظير في بابه "الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ ": إن سبّ الله تعالى، أو سبّ رسوله ﷺ كفرٌ ظاهرًا وباطنًا، وسواءٌ كان السابّ يعتقد أن ذلك محرّم، أو كان مستحلًا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده. هذا مذهب الفقهاء، وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعملٌ. وقد قال الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ المعروف بابن راهويه، وهو أحد الأئمة يَعْدِل بالشّافعيّ وأحمد: قد أجمع المسلمون على أن من سبّ الله تعالى،

стр. 1562

أو سب رسوله ﷺ ، أو دفع شيئًا ممّا أنزل الله، أو قتل نبيّا من أنبياء الله أنه كافر بذلك، وإن كان مُقِرّا بكل ما أنزل الله. وكذلك قال محمّد بن سحنون، وهو أحد الأئمة من أصحاب مالك، وزمنه قريب من هذه الطبقة: أجمع العلماء أن شاتم النبيّ ﷺ المنتقص له كافرٌ، والوعيد جارٍ عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شكّ في كفره وعذابه كَفَرَ .. وقد نَصّ على مثل هذا غير واحد من الأئمة، قال أحمد في رواية عبد الله في رجل قال لرجل: يا ابن كذا وكذا أعني أنت ومن خلقك: هذا مرتدّ عن الإسلام، يُضرَب عنقه، وقال في رواية عبد الله، وأبي طالب: من شتم النّبيّ ﷺ قُتِل، وذلك أنه إذا شتم، فقد ارتد عن الإسلام، ولا يشتم مسلم النبيّ ، فبين أن هذا مرتدّ، وأن المسلم لا يُتَصَوَّر أن يشتم وهو مسلم. وكذلك نُقِل عن الشّافعيّ أنه سئل عمن هَزَل بشيء من آيات الله تعالى أنه قال: هو كافرٌ، واستدل بقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٦٥، ٦٦]. وكذلك قال أصحابنا -يعني الحنبليّة- وغيرهم: مَنْ سَبّ الله كَفَرَ، سواء كان مازحًا أو جادّا؛ لهذه الآية، وهذا هو الصواب المقطوع به. وقال القاضي أبو يعلى في "المعتمد": مَنْ سَبَّ الله تعالى، أو سب رسوله ﷺ ، فإنّه يكفر، سواء استحلّ سبه، أو لم يستحله، فإن قال: لم أستحلّ ذلك، لم يقبل منه في ظاهر الحكم، روايةً واحدةً، وكان مرتدّا؛ لأن الظّاهر خلاف ما أخبر؛ لأنه لا غَرَضَ له في سبّ الله تعالى، وسبّ رسوله ﷺ إِلَّا لأنه غير معتقد لعبادته، غير مصدّق بما جاء به النبيّ ﷺ ، ويفارق الشارب، والقاتل، والسارق، إذا قال: أنا غير مستحلّ لذلك أنه يصدق في الحكم؛ لأن له غرضًا في فعل هذه الأشياء مع اعتقاد تحريمها، وهو ما يتعجل من اللَّذَّة، قال: وإذا حكمنا بكفره، فإنّما نحكم به في ظاهر الحكم، فأمّا في الباطن، فإن كان صادقًا فيما قال، فهو مسلم، كما قلنا في الزنديق: لا تقبل توبته في ظاهر

стр. 1563

الحكم، وذكر القاضي عن الفقهاء أن سابّ النبيّ ﷺ إن كان مستحلا كفر، وإن لم يكن مستحلًا فسق، ولم يكفر كسابّ الصّحابة ﵃، وهذا نظير ما يُحكى أن بعض الفقهاء من أهل العراق أفتى هارون أمير المؤمنين، فيمن سب النبيّ ﷺ أن يجلده حتّى أنكر ذلك مالك، ورَدّ هذه الفتيا، وهو نظير ما حكاه أبو محمّد ابن حزم أن بعض النَّاس لم يُكَفِّر المستخفّ به. وقد ذكر القاضي عياض بعد أن رد هذه الحكاية عن بعض فقهاء العراق، والخلاف الّذي ذكره ابن حزم بما نقله من الإجماع عن غير واحد، وحمل الحكاية على أن أولئك لم يكونوا ممّن شُهِر بالعلّم، أو لم يكونوا ممّن يوثق بفتواه لميل الهوى به، أو أن الفتيا كانت في كلمة اختُلِف في كونها سبًّا، أو كانت فيمن تاب. وذكر أن السابّ إذا أقرّ بالسبّ، ولم يتب منه قُتل كفرًا؛ لأن قوله إمّا صريح كفر كالتكذيب ونحوه، أو هو من كلمات الاستهزاء، أو الذمّ، فاعترافه بها، وترك توبته منها، دليل على استحلاله لذلك، وهو كفر أيضًا، قال: فهذا كافر بلا خلاف (١). وقال (٢) في موضع آخر: إن مَنْ قَتَله بلا استتابة فهو لم يره ردّةً، وإنّما يوجب القتل فيه حدّا، وإنّما يقول ذلك مع إنكاره ما شُهِد عليه به، أو إظهاره الإقلاع عنه والتوبة، ونَقْتُلُه حدّا، كالزنديق إذا تاب، قال: ونحن إن أثبتنا له حكم الكافر في القتل، فلا نقطع عليه بذلك؛ لإقراره بالتوحيد والنبوة، وإنكاره ما شُهِد به عليه، أو زعمه أن ذلك كان منه ذُهُولًا ومعصية، وأنه مقلع عن ذلك، نادمًا عليه. قال: وأما مَنْ عُلم أنه سبه معتقدًا لاستحلاله، فلا شك في كفره بذلك، وكذلك إن كان سبه في نفسه كفرًا، كتكذيبه، أو تكفيره ونحوه، فهذا ما لا إشكال فيه، وكذلك من لم يُظهِر التوبة، واعتَرَف بما شُهِد به، وصَمَّم عليه فهو كافر بقوله، واستحلاله هتكَ

стр. 1564

حرمة الله تعالى، أو حرمة نبيه ﷺ ، وهذا أيضًا تشبثٌ منه بأن السب يكفر به؛ لأجل استحلاله له إذا لم يكن في نفسه تكذيبًا صريحًا. وهذا موضع لا بُدّ من تحريره، ويجب أن يُعلَم أن القول بأن كفر السابّ في نفس الأمر إنّما هو لاستحلاله السبّ زلةٌ منكرةٌ، وهفوةٌ عظيمةٌ. ويرحم الله القاضي أبا يعلي قد ذَكَر في غير موضع من كتبه ما يُناقض ما قاله هنا، وإنّما أوقع من وقع في هذه الْمَهْوَاة ما تلقَّوه من كلام طائفة من متأخري المتكلمين، وهم الجهمية الإناث الذين ذهبوا مذهب الجهمية الأولى في أن الإيمان هو مجرد التصديق الّذي في القَلب، وإن لم يقترن به قول اللسان، ولم يقتض عملًا في القلب، ولا في الجوارح، وصَرَّح القاضي أبو يعلى بذلك هنا، قال عقيب أن ذكر ما حكيناه عنه: وعلى هذا لو قال الكافر: أنا مُعْتَقِدٌ بقلبي معرفة الله وتوحيده، لكني لا آتي بالشهادتين، كما لا آتي غيرها من العبادات كسلًا لم يحكم بإسلامه في الظّاهر، ويحكم به باطنًا، قال: وقول الإمام أحمد: مَنْ قال: إن المعرفة تنفع في القلب من غير أن يَتَلَفَّظ بها، فهو جهميٌّ محمول على أحد وجهين: أحدهما أنه جهمي في ظاهر الحكم، والثّاني على أنه يمتنع من الشهادتين عنادًا؛ لأنه احتجّ أحمد في ذلك بأن إبليس عَرَفَ ربة بقلبه، ولم يكن مؤمنًا، ومعلوم أن إبليس اعتَقَد أنه لا يلزم امتثال أمره تعالى بالسجود لآدم. وقد ذَكَر القاضي في غير موضع أنه لا يكون مؤمنًا حتّى يُصَدِّق بلسانه مع القدرة وبقلبه، وأن الإيمان قول وعمل، كما هو مذهب الأئمة كلِّهم: مالكٍ وسفيان، والأوزاعيّ، والليث، والشّافعيّ، وأحمد، وإسحاق، ومن قبلهم وبعدهم من أعيان الأمة. وليس الغرض هنا استيفاء الكلام في هذا الأصل، وإنّما الغرض التنيبه على ما يَختص بهذه المسألة، وذلك من وجوه: [أحدها]: أن الحكاية المذكورة عن الفقهاء أنه إن كان مستحلًا كَفَر، وإلا فلا، ليس لها أصلٌ، وإنّما نقلها القاضي من كتاب بعض المتكلمين الذين حَكَوها عن

стр. 1565

الفقهاء، وهؤلاء نَقَلوا قول الفقهاء بما ظَنّوه جاريّا في أصولهم، أو بما قد سَمِعوه من بعض المنتسبين إلى الفقه، ممّن لا يُعَدّ قوله قولًا، وقد حكينا نصوص أئمة الفقهاء، وحكاية إجماعهم ممّن هو أعلم النَّاس بمذاهبهم، فلا يَظُنّ ظانّ أن في المسألة خلافًا، يَجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد، وإنّما ذلك غَلَطٌ لا يستطيع أحد أن يَحكي عن واحد من الفقهاء، أئمة الفتوى هذا التفصيل البتة. [الوجه الثّاني]: أن الكفر إذا كان هو الاستحلال، فإنّما معناه اعتقاد أن السب حلالٌ، فإنّه لمّا اعتَقَد أن ما حرَّمه الله تعالى حلالٌ كَفَر، ولا ريب أن من اعتقد في المحرمات المعلوم تحريمها أما حلال كَفَر، لكن لا فرق في ذلك بين سبّ النبيّ ﷺ ، وبين قذف المؤمنين، والكذب عليهم، والغيبة لهم، إلى غير ذلك من الأقوال الّتي عُلِم أن الله حرّمها، فإنّه مَنْ فَعَل شيئًا من ذلك مستحلًا كَفَر، مع أنه لا يجوز أن يقال: مَنْ قَذَف مسلمًا، أو اغتابه كَفَر، ويُعنْىَ بذلك إذا استحله. [الوجه الثّالث]: أن اعتقاد حِلِّ السبّ كفرٌ، سواء اقترن به وجود السبّ، أو لم يقترن، فإذن لا أثر للسبّ في التكفير وجودًا وعدمًا، وإنّما المؤثر هو الاعتقاد، وهو خلاف ما أَجمَع عليه العلماء. [الوجه الرّابع]: أنه إذا كان المكفِّر هو اعتقادَ الحل، فليس في السبّ ما يدلُّ على أن السابّ مستحلّ، فيجب أن لا يُكَفر، لا سيما إذا قال: أنا أعتقد أن هذا حرامٌ، وإنما قلته غيظًا، وسَفَهًا، أو عَبَثًا، أو لَعِبًا، كما قال المنافقون: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]، كما إذا قال: إنّما قذفت هذا، أو كذَبْتُ عليه لَعِبًا وعبثًا، فإن قيل: لا يكونون كفارًا، فهو خلاف نصّ القرآن، وإن قيل: يكونون كفارًا، فهو تكفير بغير مُوجِبٍ، إذا لم يُجْعَل نفسُ السبّ مُكَفِّرًا، وقول القائل: أنا لا أصدِّقه في هذا، لا يستقيم، فإن التكفير لا يكون بأمر محُتمِلٍ، فإذا كان قد قال: أنا أعتقد أن ذلك ذنب ومعصية، وأنا أفعله، فكيف يُكَفَّر إن لم يكن ذلك كفرًا، ولهذا قال : ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]، ولم يقل: قد كذبتم في قولكم: ﴿إِنَّمَا كُنَّا

стр. 1566

نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، فلم يكذبهم في هذا العذر، كما كذَّبهم في سائر ما أظهروه من العذر الّذي يوجب براءتهم من الكفر، كما لو كانوا صادقين، بل بَيَّن أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب. وإذا تَبَيَّن أن مذهب سلف الأمة، ومن اتبعهم من الخلف أن هذه المقالة في نفسها كُفْرٌ، استحَلَّها صاحبها أو لم يستحلها، فالدّليل على ذلك جميعُ ما قدمناه في المسألة الأولى، من الدّليل على كفر السابّ، مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ الآية [التوبة: ٦١]، وقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٦٦]، وما ذكرناه من الأحاديث والآثار، فإنها أدلّة بَيِّنة في أن نفس أذى الله ورسوله كُفْرٌ، مع قطع النظر عن اعتقاد التّحريم وجودًا وعدمًا (١). وقال أيضًا في موضع آخر: قد ثبت أن كلّ سبّ وشتم يبيح الدم، فهو كفرٌ، وإن لم يكن كلّ كفرٌ سبًّا، ونحن نذكر عبارات العلماء في هذه المسألة: قال الإمام أحمد: كلّ من شتم النبيّ ﷺ ، أو تنقّصه، مسلمًا كان، أو كافرًا، فعليه القتل، وأرى أن يُقْتَل ولا يستتاب، وقال في موضع آخر: كلُّ من ذكر شيئًا يُعَرض بذكر الربّ ﵎، فعليه القتل مسلمًا كان، أو كافرًا، وهذا مذهب أهل المدينة. وقال أصحابنا -يعني الحنبلية-: التعرض بسبّ الله تعالى، وسبّ رسول الله ﷺ رِدّةٌ، وهو موجب للقتل كالتصريح، ولا يختلف أصحابنا أن قذف أُمّ رسول الله ﷺ جملة سبه الموجب للقتل، وأغلظ؛ لأن ذلك يُفضي إلى القدح في نسبه، وفي عبارة بعضهم إطلاق القول بأن من سب أُمّ النبيّ ﷺ يُقتل مسلمًا كان، أو كافرًا، وينبغي أن يكون مرادهم بالسبّ هنا القذف، كما صرح به الجمهور؛ لما فيه من سب النبيّ ﷺ . وقال القاضي عياض: جميعُ مَنْ سَبَّ النبيَّ ﷺ ، أو عابه، أو ألحق به نقصًا في

стр. 1567

نفسه، أو نسبه، أو دينه، أو خصلةً من خصاله، أو عَرّض به، أو شبهه بشيء على طريق السبّ له، والإزراء عليه، أو البغض منه، والعيب له، فهو سابّ له، والحكم فيه حكمُ السابّ، يُقْتَلُ ولا نَسْتَثْنِ فصلًا من فصول هذا الباب عن هذا المقصد، ولا نَمْتَرِ فيه تصريحًا كان، أو تلويحًا، وكذلك مَنْ لعنه، أو تَمَنَّى مَضَرَّةً له، أو دعا عليه، أو نَسَب إليه ما لا يَليق بمنصبه على طريق الذمّ، أو عَيَّبَهُ في جهته العزيزة بِسُخْف من الكلام، وهُجْر، ومُنكَر من القول، وزورٍ، أو عَيَّره بشيء ممّا يجري من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة، والمعهودة لديه، قال: هذا كله إجماع من العلماء، وأئمة الفتوى من لدن، صحابه، وهَلُمَّ جَرّا (١). وقال ابن القاسم، عن مالك: مَنْ سَبّ النبيّ ﷺ قُتِل، ولم يُسْتَتَب، قال ابن القاسم: أو شتمه، أو عابه، أو تنقّصه، فإنّه يُقْتَل كالزنديق، وقد فَرَض الله توقيره وبِرّه، وكذلك قال مالك في رواية المدنبين عنه: مَنْ سَبّ رسول الله ﷺ ، أو شتمه، أو عابه، أو تنقّصه قُتِل، مسلمًا كان أو كافرًا، ولا يستتاب. وذكر القاضي عياض أجوبة جماعة من فقهاء المالكية المشاهير بالقتل بلا استتابة في قضايا متعددة، أفتى في كلّ قضية بعضهم، إلى آخر كلام شيخ الإسلام المفصّل والمبيّن بالأدلّة الواضحة (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة ما يُفيده كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة، وما ذكره من نصوص العلماء، وأدلّتهم صريح في أن سابّ النبيّ ﷺ لا توبة له، بل يُقتل وإن تاب تنكيلًا له، وزجرًا لغيره، وأن توبته إن صدقت تنفعه فيما بينه وبين ربّه ، وهذا هو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ.

стр. 1568

وقد ذكر محقّق كتاب "الصارم المسلول على شاتم الرسول" في تقدمته للكتاب (١) طائفة من زنادقة العصر الذين جنوا بسبّ الرسول الكريم ﷺ ، واعتدوا على الله، منهم الرَّجل الضالّ، بل الشيطان الرجيم المسمّى سلمان رشدي، وعبد العزيز المقالح، وعبد الوهّاب البيّاتي، ومحمود درويش، وأونيس السوريّ، وصلاح عبد الصبور المصريّ، وغيرهم، لا كثّر الله وجودهم بين العباد، وكسر شوكتهم في جميع البلاد، فهؤلاء وأمثالهم قد تفوّهوا بكلام الإلحاد والزندقة، قاتلهم الله أنى يؤفكون، اللَّهُمَّ اكف الإسلام والمسلمين شرّهم وفسادهم بما شئت، وكيف شئت، إنك على كلّ شيء قدير، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٦٢ - (حَدَّثَنَا عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الله قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيع، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ نُسَيْرِ بْنِ ذُعْلُوقٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُول: "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، فَلَمُقَامُ أَحَدِهِمْ سَاعَةً خَيرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمْرَهُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عبد الله) بن حَنَشٍ، ويقال: ابن محمّد بن حَنَش (٢) الأوديّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ١١/ ٩٦ من أفراد المصنّف. ٢ - (نُسَير -مصغّرًا- ابن ذُعْلُوق) -بضم الذال المعجمة، واللام، بينهما عين مهملة ساكنة- الثوريّ مولاهم، أبو طُعْمة الكوفيّ، ثقة (٣)، لم يُصب من ضعّفه [٤]. رَوَى عن أبيه، وابن عمر، وبكر بن ماعز، وخُليد الثوريّ، وسعيد بن جبير، والربيع بن حثيم، وعبد الله بن قيس الغفاريّ، وعَمْرو بن راشد الأشجعيّ، ومسلم بن

стр. 1569

عياض، ونَوْف، وهُبيرة بن خُزَيمة. ورَوَى عنه سعيد عبد الله بن الربيع بن خُثَيْم، وسفيان الثوريّ، وعُبيدة بن مُعتّب الضبيّ، وابنه عَمْرو بن نُسير بن ذُعلُوق، وقيس بن الربيع، ومُبارك بن سعيد الثوريّ (١)، وإسرائيل بن يونس، كما ذكره في الرواة عنه ابن حبّان (٢). قال ابنُ أبي حاتم عن أبيه، عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: نُسَير بن ذُعْلُوق ثقة، قال: وقال أبي: نُسَير صالح الحديث. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وقال البرقانيّ عن الدارقطنيّ: ثقة. وقال ابنُ عبد البرّ: هو عندهم من ثقات الكوفيين. وذكره ابنُ حبّان في الثقات. وقال ابنُ حزم: لا شيءَ، وتبعه عبد الحق في ذلك (٣)، وتُعُقّبا بأن الأئمة وثّقُوه، ولم يتكلّم فيه أحد، فقد شذّا في ذلك، فلا التفات إليهما، كما أشار إلى ذلك الحافظ في "التقريب"، فتنبّه. وهو من أفراد المصنّف، أخرج له هذا الحديث فقط. ٣ - (ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵂ ٤/ ١. وأما الباقون فقد تقدّموا قريبًا، و"سفيان" هو الثوريّ، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، إِلَّا الصحابيّ، فمدنيّ. ٣ - (ومنها): أن "نُسير بن ذُعلوق" هذا أول محلّ ذكره، وهو من أفراد المصنّف، أخرج له هذا الحديث فقط، وهو ثقة باتّفاق الأئمة، وإن شذّ ابن حزم بتضعيفه، كما تقدّم ردّه، وهذا يفند زعم من زعم أن كلّ من انفرد جهم ابن ماجة من الرجال ضعاف،

стр. 1570

وكذا شيخه عمرو بن عبد الله أيضًا من أفراده، وهو ثقة باتّفاق، كما سبق في ترجمته ١١/ ٩٦. ٤ - (ومنها): ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأحد المشهورين بالفتوى من الصّحابة له، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ نُسَيْرِ بْنِ ذُعْلُوقٍ) تقدّم آنفًا ضبط اسمه، واسم أبيه، فلا تغفُل، أنه (قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄ (يَقُولُ: "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ) ﷺ ، أي لشرفهم، ورفعة مقامهم عند الله تعالى، كما أشار إليه بقوله (فَلَمَقَامُ أَحَدِهِمْ) الفاء فصيحيّة، واللام مفتوحة، وهي لام الابتداء، و"المقام" بفتح الميم مبتدأ خبره "خيرٌ"، وأراد به هنا المصدر، أي قيام أحدهم في الجهاد في سبيل الله، وطاعة رسوله ﷺ (سَاعَةً) ظرف لـ "مقام" (خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمْرَهُ) هذا وإن كان موقوفًا إِلَّا أن له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (مسألة): حديث ابن عمر ﵄ هذا صحيح، قال البوصيريّ ﵀: إسناده صحيح، وهو من أفراد المصنّف ﵀، وفوائده تقدّمت في شرح حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 1571

٣٢ - (فَضْلُ الأَنْصَارِ ﵃ -) " الأنصار": -بفتح الهمزة، وسكون النون، وفتح الصاد المهملة، وفي آخره راء- في الأصل جمع نَصِير كشريف وأشراف، قال في "القاموس"، و"شرحه": وأنصار النبيّ ﷺ من الأوس والخزرج نصروه في ساعة العسرة، غلبت عليهم الصِّفَة، فجرى مَجْرَى الأسماء، وصار كأنه اسم الحيّ، ولذلك أضيف إليه بلفظ الجمع، فقيل: أنصاريّ، انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "أضيف إليه بلفظ الجمع" أشار به إلى قاعدة النسب، وهي أنه إذا نُسب إلى المثنّى، أو الجمع وجب ردّه إلى واحده، إن لم يجر مجرى المفرد، كما في الأنصاريّ، قال في "الخلاصة": وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِبًا لِلْجَمْع ... إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالْوَضْع وقال في "الفتح": اسم إسلاميّ، سَمَّى به النبيّ ﷺ الأوسَ والخزرجَ، وحُلفاءهم، والأوس يُنسبون إلى أوس بن حارثة، والخزرج يُنسبون إلى الخزرج بن حارثة، وهما ابنا قَيْلَةَ، وهو اسم أمّهم، وأبوهم هو حارثة بن عمرو بن عامر الّذي يجتمع إليه أنساب الأزد. انتهى (٢). وقال السمعانيّ ﵀: هم جماعة من أهل المدينة من الصّحابة من أولاد الأوس والخزرج، قيل لهم: الأنصار، لنصرتهم رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ الآية [الأنفال: ٧٢]، وقال عزّ من قائل: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ الآية [التوبة: ١٠٠]،

стр. 1572

وفيهم كثرة وشُهْرة على اختلاف بطونهم وأفخاذهم، انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٦٣ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الله، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ الأَنْصَارَ أَحَبَّهُ الله، وَمَنْ أَبْغَضَ الأَنْصَارَ أَبْغَضَهُ الله". قَالَ شُعْبَةُ لِعَدِيٍّ: أَسَمِعْته مِنَ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ؟ قَالَ: إِيَّايَ حَدَّثَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ١/ ٦. ٢ - (عديّ بن ثابت) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقة رُمي بالتشيّع [٤] ١٤/ ١١٤. ٣ - (البراء بن عازب) الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، نزيل الكوفة ١٤/ ١١٦. وأما الباقون فتقدّموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. ١ - لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير شعبة، فبصريّ، والصحابيّ ﵁ ممّن نزل الكوفة، كما مرّ آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵄، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ الأَنْصَارَ) "منْ" شرطيّة، أو موصولة مبتدأ خبرها قوله: (أَحَبَّهُ الله) أراد بمحبّتهم -والله أعلم- محبتهم لنصرة دين الله تعالى، وكذلك بغضهم إذا كان لذلك، وإلا فكثيرًا

стр. 1573

ما تجري معاملة تؤدّي إلى المحبّة والبغض، وهما خارجان عما يقتضيه المقام. أفاده السنديّ ﵀ (١). وقال ابن التين ﵀: المراد حبّ جميعهم، وبغض جميعهم؛ لأن ذلك إنّما يكون للدين، ومن أبغض بعضهم لمعنى يسوغ البغض له، فليس داخلًا في ذلك، وهو تقرير حسنٌ، كما قاله في "الفتح" (٢). (وَمَنْ أَبْغَضَ الْأَنْصَارَ أَبْغَضَهُ الله) قال القرطبيّ: هذا على مقابلة اللّفظ باللفظ، ومعناه أن من أحبّهم جازاه الله على ذلك جزاء المحبوب المحبّ من الإكرام، والترفيع، والتشفيع، وعكس ذلك في البغض، وظاهر هذا الكلام أنه خبرٌ عن مآل كلِّ واحد من الصنفين، ويصلح أن يُقال: إن ذلك الخبر خرج مخرج الدُّعاء لكلّ واحد من الصنفين، فكأنه قال: اللَّهُمَّ افعل بهم ذلك، كما قال: صلّى الله على محمّد وآله، والله أعلم، انتهى (٣). [تنبيه]: هذا الحديث مختصر، وقد ساقه الشيخان في "صحيحيهما" بتمامه، ولفظ البخاريّ من طريق حجاج بن منهال، عن شعبة: "قال النبيّ": "الأنصار لا يُحبّهم إِلَّا مؤمن، ولا يُبغضهم إِلَّا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله"، وفي حديث أنسٍ ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "آية الإيمان حبّ الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار"، وقد استوفيت ما يتعلّق بهذا الحديث من مباحث نفيسة فيما كتبته على النَّسائيّ، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجاج (لِعَدِيٍّ: أَسَمِعْتَهُ مِنَ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ؟) ﵄ (قَالَ) عديّ (إِيَّايَ حَدَّثَ) هذا تأكّد من شبعة ﵀، واستيثاق، لا شكّ في صدق

стр. 1574

عديّ ﵀، ولذا قدّم عديّ المفعول، لإفادة الحصر، ويحتمل أنه إنّما سأله لاحتمال أن يكون بينهما واسطة، حيث لم يُصرّح بالتحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث البراء بن عازب ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٢/ ١٦٣) بهذا السند فقط، وأخرجه (البخاريّ) في (٥/ ٣٩) و (مسلم) في (١/ ٦٠) و (الترمذي) في (٢٩٠٠) و (النَّسائيّ) في "فضائل الصّحابة" (٢٢٩) و (علي بن الجعد) في "مسنده" (٤٩٣) و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" ١٢/ ١٥٧ و (أحمد) في "مسنده" ٤/ ٢٨٣ و ٢٩٢ و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٢٧٢) و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٩٦٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثّالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل الأنصار ﵃. ٢ - (ومنها): أن محبة الأنضار سبب لمحبّة الله تعالى، وبغضهم سبب لبغضه -نعوذ بالله من بغضه-. ٣ - (ومنها): أن الجزاء من جنس العمل، فإن الأنصار لمّا أحبوا رسول الله ﷺ ، وأصحابه ﵃ جازاهم الله تعالى بأن جعل حبهم علامة الإيمان وبغضهم علامة النفاق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1575

وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٦٤ - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ عَبْدِ الْمُهَيْمِنِ ابْنِ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَار، وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ اسْتَقْبَلُوا وَادِيّا أَوْ شِعْبًا، وَاسْتَقبَلَتِ الأَنْصَارُ وَادِيًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ، وَلَوْلَا الهجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عبد الرّحمن بن إبراهيم) العثمانيّ مولاهم، أبو سعيد الدمشقيّ المعروف بدُحَيم ابن اليتيم، ثقة حافظ متقنٌ [١٠] ٧/ ٥١. ٢ - (ابن أبي فُديك) محمّد بن إسماعيل بن مسلم الديلي مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] ٧/ ٥١. ٣ - (عبد المهيمن عبّاس بن سهل بن سعد) السّاعديّ الأنصاريّ المدنيّ، ضعيفٌ [٨]. رَوَى عن أبيه عن جده، وعن أبي حازم بن دينار، وامرأة لم تُسَمَّ. رَوَى عنه ابنه عبّاس، وعبد الله بن نافع، وابنُ أبي فُديك، ويعقوب بن محمّد الزّهريُّ، وذُؤيب بن غَمَامة، ويحيى بن محمّد الجاريّ، ويعقوب بن حميد بن كاسب، وعلي بن بحر بن بَرّيّ، وأبو مُصْعَب، وغيرهم. قال البخاريّ: منكر الحديث. وقال النَّسائيّ: ليس بثقة. وقال ابن عدي: له عشرة أحاديث، أو أقلُّ. وقال ابن حبّان: لمّا فَحُش الوهم في روايته بطل الاحتجاج به. وقال علي بن الجنيد: ضعيف الحديث. وقال النَّسائيُّ في موضع آخر: متروك الحديث. وقال أبو حاتم: منكر الحديث. وقال الساجي: عنده نسخة عن أبيه عن جده فيها مناكير. وقال الحربي: غيرة أوثق منه. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: أُبَيٌّ وعبد المهيمن أخوان، وأُبَيّ أقومهما. وذكره ابن الْبَرْقي في طبقة من كان الأغلب على روايته الضعف.

стр. 1576

وقال الدارقطنيّ: ليس بالقويّ. وقال مرّة: ضعيف. وقال أبو نعيم الأصبهانيّ: رَوَى عن آبائه أحاديث منكرة لا شيء. وأخرج الحاكم حديثه في "المستدرك"، فَوَهِمَ. وذكره البخاريّ في فصل من مات ما بين الثمانين إلى التسعين ومائة. أخرج له الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم ١٦٤ و ٤٠٠ و ٥٠٠ و ٥٤٧ و ٩١٨ و ٣٤٦٥. ٤ - (أبوه) عبّاس بن سهل بن سعد الساعديّ الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٤]. أدرك زمن عثمان، وروى عن أبيه، وأبي أُسيد، وأبي حُميد الساعديين، وأبي هريرة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، وعبد الله بن الزُّبير، وجابر، وعبد الله بن حنظلة، وغيرهم. ورَوَى عنه ابناه: أُبيِّ، وعبد الجهيمن، وعمرو بن يحيى بن عُمارة، وعبد الرّحمن بن سليمان ابن الغسيل، وعمارة بن غَزِيَّة، وابن إسحاق، والعلاء بن عبد الرّحمن، ومحمد ابن عمرو بن عطاء، وفُليح بن سليمان، وابنُ أبي ذئب، وجماعة. قال ابن معين والنَّسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وقال الهيثم بن عديّ: توفي بالمدينة زمن الوليد بن عبد الملك. قال الحافظ المزّيّ: كذا قال، والأشبه أن يكون زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وذلك قريب من سنة عشرين ومائة. قال الحافظ: وقد أَرَّخَ وفاته في زمن الوليد بن عبد الملك كما قال الهيثم محمّد بن سعد عن شيخه الواقدي وغيره، وخليفةُ بن خياط، ويعقوب بن سفيان، وابن حبّان، وزاد سنة تسعين، وزاد ابن سعد وُلِد في عهد عمر، وقُتِلَ عُثمانُ وهو ابن خمس عشرة سنة، وكان منقطعا إلى ابن الزُّبير. أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم ١٦٤ و ٤٠٠ و ٥٠٠ و ٥٤٧ و ٨٦٣ و ٩١٨ و ٣٤٦٥. ٥ - (جدّه) سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن

стр. 1577

الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ الساعديّ، أبو العباس، ويقال: أبو يحيى الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄. رَوَى عن النّبيّ ﷺ ، وعن أُبَيّ بن كعب، وعاصم بن عدي، وعمرو بن عَبَسَة، ومروان بن الحكم، وهو دونه. ورَوَى عنه ابنه عبّاس، والزهري، وأبو حازم بن دينار، ووَفَاء بن شُريح الحَضْرميّ، ويحيى بن ميمون الحضرمي، وعبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي ذُبَاب، وعمرو بن جابر الحضرميّ، وغيرهم. قال شعيب، عن الزّهريّ، عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ تُوُفِّي، وهو ابن (١٥) سنة، قال أبو نعيم وغير واحد: مات سنة (٨٨)، زاد بعضهم: وهو ابن (٩٦) سنة، وقال الواقدي وغيره: مات سنة (٩١)، وهو ابن مائة سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصّحابة. قال الحافظ: رواية شعيب صحيحة، وهي المعتمدة في مولده، فيكون مولده قبل الهجرة بخمس سنين، فأيّ سنة مات يضاف إليها الخمس، فيخرج مبلغ عمره على الصِّحَّة، وما يخالف ذلك لا يُعَوَّل عليه. وقال ابن حبّان: كان اسمه حَزْنًا فسماه رسول الله ﷺ سَهْلًا. وقال أبو حاتم الرَّازيُّ: عاش مائة سنة، أو أكثر، فعلى هذا يكون تأخر إلى سنة (٩٦) أو بعدها، وزعم قتادة أنه مات بمصر، وزعم أبو بكر بن أبي داود أنه مات بالإسكندرية، قال الحافظ: وهذا عندي أنه وَلَدُهُ عبّاس بن سهل انتقل الذهن إليه، وأما سهل فموته بالمدينة. انتهى (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.

стр. 1578

شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الْمُهَيْمِنِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبّاس (عَنْ جَدِّهِ) سهل ﵁ (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ) هذا الحديث له سبب، اختصره المصنّف، وساقه الشيخان في "صحيحيهما" بطوله، وهذا لفظ الإمام البخاريّ ﵀ في "كتاب المغازي"، قال ﵀: ٤٣٣٠ - حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا وهيب، حَدَّثَنَا عمرو بن يحيى، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد بن عاصم، قال لمّا أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين، قسم في النَّاس، في المؤلفة قلوبهم، ولم يُعْط الأنصار شيئًا، فكأنهم وَجَدُوا إذ لم يُصِبْهم ما أصاب الناس، فخطبهم، فقال: "يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضُلَّالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين، فألّفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي"، كُلَّما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ، قال: "ما يَمنَعُكم أن تجيبوا رسول الله ﷺ ؟ "، قال: كلما قال شيئًا، قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ، قال: "لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا"، أترضون أن يذهب النَّاس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رِحَالكم، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك النَّاس واديّا وشِعْبًا، لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شِعَار، والناس دِثَار، إنكم ستلقون بعدي أَثَرَةً، فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض". وقال في "كتاب الغازي" أيضًا: ٤٣٣١ - حدثني عبد الله بن محمّد، حَدَّثَنَا هشام، أَخْبَرَنَا معمر، عن الزهريّ، ﵁ قال: أخبرني أنس بن مالك ﵁ قال: قال ناس من الأنصار حين أفاء الله على رسوله ﷺ ما أفاء من أموال هَوَازن، فطفق النّبيّ ﷺ يُعطي رجالًا المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفُنا تَقْطُرُ من دمائهم، قال أنس: فَحُدِّث رسول الله ﷺ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قُبَّةٍ من أَدَم، ولم يَدْعُ معهم غيرَهم، فلما اجتمعوا قام النّبيّ ﷺ ، فقال: "ما حديث بلغني عنكم؟ "، فقال فقهاء

стр. 1579

الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا، وأما ناس منا حديثةٌ أسنانهم، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يُعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال النّبيّ ﷺ : "فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر، أَتَألَّفُهُم، أما ترضون أن يذهب النَّاس بالأموال، وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم؛ فوالله لمَا تنقلبون به خير ممّا ينقلبون به"، قالوا: يا رسول الله قد رضينا، فقال لهم النّبيّ ﷺ : "ستجدون أَثَرَةً شديدةً، فاصبروا حتّى تلقوا الله ورسوله ﷺ ، فإني على الحوض"، قال أنس: فلم يصبروا. انتهى. (الأنْصَارُ شِعَارٌ) بكسر الشين المعجمة، بعدها عين مهملة خفيفة: الثّوب الّذي يلي الجلد من الجسد (وَالنَّاسُ دِثَار) بكسر الدّال المهملة، ومثلّثة خفيفة: الّذي يلبس فوق الشعار، وهي استعارة لطيفة لِفَرْط قربهم منه، وأراد أيضًا أنهم بِطَانته، وخاصّته، وأنهم ألصق به، وأقرب إليه من غيرهم، قاله في "الفتح" (١). وقال النوويّ في "شرحه": قال أهل اللُّغة: الشِّعَار الثّوب الّذي يلي الجسد، والدثار فوقه، ومعنى الحديث أن الأنصار هو البطانة، والخاصّة، والأصفياء، وألصق بي من سائر النَّاس، وهذا من مناقبهم الظاهرة، وفضائلهم الباهرة. انتهى (٢). (وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ اسْتَقْبَلُوا وَادِيًا) قال القرطبيّ: هو مجرى الماء المتّسع (٣)، وقال في "الفتح": هو المكان المنخفض، وقيل: الّذي فيه ماء، والمراد هنا بلدهم (أَوْ شِعْبًا) بكسر الشين المعجمة: اسم لما انفرج بين جبلين، وقيل: الطريق في الجبل، وأراد ﷺ بهذا التنبيه على جزيل ما حصل لهم من ثواب النصرة، والقناعة بالله ورسوله عن الدنيا، ومَنْ هذا وصفه، فحقّه أن يُسلَك طريقه، ويُتَّبَع حاله، قاله في "الفتح". (وَاسْتَقْبَلَتِ الأَنْصَارُ وَادِيًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأنْصَارِ) يعني أنه لا يفارقهم، ولا

стр. 1580

يسكن إِلَّا معهم، وفيه إبطال لزعم بعضهم أنه سيسكن مكّة بعد فتحها. وقال الخطّابيّ ﵀: لمّا كانت العادة أن المرء يكون في نزوله، وارتحاله مع قومه، وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشِّعَاب، فإذا تفرّقت في السَّفر الطرُقُ سلك كلُّ قوم منهم واديّا وشِعْبًا، فأراد أنه مع الأنصار، قال: ويحتمل أن يُريد بالوادي المذهب كما يقال: فلان في وادي فلان، وأنا في واد. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المعنى الأوّل هو الظّاهر، فتأمّله، والله تعالى أعلم. (وَلَوْلَا الهجْرَةُ) أي لولا شرفها، وجلالة قدرها عند الله تعالى (لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصارِ") أي لعددت نفسي واحدًا منهم؛ لكمال فضلهم وشرفهم بعد فضل الهجرة وشرفها، والمقصود الإخبار بما لهم من المزيّة بعد مزيّة الهجرة، وأنها مزيّة يرضى بها مثله، وإلا فالانتقال لا يُتصوّر، سيّما الانتساب، فإنّه حرام دينًا أيضًا (٢). وقال الخطابيّ ﵀: أراد بهذا الكلام تألُّفَ الأنصار، واستطابة نفوسهم، والثناء عليهم في دينهم، حتّى رضي أن يكون واحدًا منهم، لولا ما يمنعه من الهجرة الّتي لا يجوز تبديلها، ونسبةُ الإنسان تقع على وجوه: منها: الولادة، والبِلادية، والاعتقادية، والصناعية، ولا شك أنه لم يُرِد الانتقال عن نسب آبائه؛ لأنه ممتنع قطعًا، وأما الاعتقاديّ فلا معنى للانتقال فيه، فلم يبق إِلَّا القسمان الأخيران، وكانت المدينة دار الأنصار، والهجرة إليها أمرًا واجبًا، أي لولا أن النسبة الهجرية لا يَسَعُني تركها لانتسبت إلى داركم، قال: ويحتمل أنه لمّا كانوا أخواله؛ لكون أم عبد المطلب منهم، أراد أن ينتسب إليهم بهذه الولادة، لولا مانع الهجرة. وقال ابن الجوزيّ ﵀: لم يرد ﷺ تَغيِيرَ نسبه، ولا مَحْوَ هجرته، وإنما أراد أنه لولا ما سبق من كونه هاجر لانتسب إلى المدينة، وإلى نصرة الدين، فالتقدير لولا أن
следующие страницы →