← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وقال الدارقطنيّ: ليس بالقويّ. وقال مرّة: ضعيف. وقال أبو نعيم الأصبهانيّ: رَوَى عن آبائه أحاديث منكرة لا شيء. وأخرج الحاكم حديثه في "المستدرك"، فَوَهِمَ. وذكره البخاريّ في فصل من مات ما بين الثمانين إلى التسعين ومائة. أخرج له الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم ١٦٤ و ٤٠٠ و ٥٠٠ و ٥٤٧ و ٩١٨ و ٣٤٦٥. ٤ - (أبوه) عبّاس بن سهل بن سعد الساعديّ الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٤]. أدرك زمن عثمان، وروى عن أبيه، وأبي أُسيد، وأبي حُميد الساعديين، وأبي هريرة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، وعبد الله بن الزُّبير، وجابر، وعبد الله بن حنظلة، وغيرهم. ورَوَى عنه ابناه: أُبيِّ، وعبد الجهيمن، وعمرو بن يحيى بن عُمارة، وعبد الرّحمن بن سليمان ابن الغسيل، وعمارة بن غَزِيَّة، وابن إسحاق، والعلاء بن عبد الرّحمن، ومحمد ابن عمرو بن عطاء، وفُليح بن سليمان، وابنُ أبي ذئب، وجماعة. قال ابن معين والنَّسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وقال الهيثم بن عديّ: توفي بالمدينة زمن الوليد بن عبد الملك. قال الحافظ المزّيّ: كذا قال، والأشبه أن يكون زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وذلك قريب من سنة عشرين ومائة. قال الحافظ: وقد أَرَّخَ وفاته في زمن الوليد بن عبد الملك كما قال الهيثم محمّد بن سعد عن شيخه الواقدي وغيره، وخليفةُ بن خياط، ويعقوب بن سفيان، وابن حبّان، وزاد سنة تسعين، وزاد ابن سعد وُلِد في عهد عمر، وقُتِلَ عُثمانُ وهو ابن خمس عشرة سنة، وكان منقطعا إلى ابن الزُّبير. أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم ١٦٤ و ٤٠٠ و ٥٠٠ و ٥٤٧ و ٨٦٣ و ٩١٨ و ٣٤٦٥. ٥ - (جدّه) سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن

стр. 1577

الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ الساعديّ، أبو العباس، ويقال: أبو يحيى الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄. رَوَى عن النّبيّ ﷺ ، وعن أُبَيّ بن كعب، وعاصم بن عدي، وعمرو بن عَبَسَة، ومروان بن الحكم، وهو دونه. ورَوَى عنه ابنه عبّاس، والزهري، وأبو حازم بن دينار، ووَفَاء بن شُريح الحَضْرميّ، ويحيى بن ميمون الحضرمي، وعبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي ذُبَاب، وعمرو بن جابر الحضرميّ، وغيرهم. قال شعيب، عن الزّهريّ، عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ تُوُفِّي، وهو ابن (١٥) سنة، قال أبو نعيم وغير واحد: مات سنة (٨٨)، زاد بعضهم: وهو ابن (٩٦) سنة، وقال الواقدي وغيره: مات سنة (٩١)، وهو ابن مائة سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصّحابة. قال الحافظ: رواية شعيب صحيحة، وهي المعتمدة في مولده، فيكون مولده قبل الهجرة بخمس سنين، فأيّ سنة مات يضاف إليها الخمس، فيخرج مبلغ عمره على الصِّحَّة، وما يخالف ذلك لا يُعَوَّل عليه. وقال ابن حبّان: كان اسمه حَزْنًا فسماه رسول الله ﷺ سَهْلًا. وقال أبو حاتم الرَّازيُّ: عاش مائة سنة، أو أكثر، فعلى هذا يكون تأخر إلى سنة (٩٦) أو بعدها، وزعم قتادة أنه مات بمصر، وزعم أبو بكر بن أبي داود أنه مات بالإسكندرية، قال الحافظ: وهذا عندي أنه وَلَدُهُ عبّاس بن سهل انتقل الذهن إليه، وأما سهل فموته بالمدينة. انتهى (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.

стр. 1578

شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الْمُهَيْمِنِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبّاس (عَنْ جَدِّهِ) سهل ﵁ (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ) هذا الحديث له سبب، اختصره المصنّف، وساقه الشيخان في "صحيحيهما" بطوله، وهذا لفظ الإمام البخاريّ ﵀ في "كتاب المغازي"، قال ﵀: ٤٣٣٠ - حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا وهيب، حَدَّثَنَا عمرو بن يحيى، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد بن عاصم، قال لمّا أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين، قسم في النَّاس، في المؤلفة قلوبهم، ولم يُعْط الأنصار شيئًا، فكأنهم وَجَدُوا إذ لم يُصِبْهم ما أصاب الناس، فخطبهم، فقال: "يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضُلَّالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين، فألّفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي"، كُلَّما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ، قال: "ما يَمنَعُكم أن تجيبوا رسول الله ﷺ ؟ "، قال: كلما قال شيئًا، قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ، قال: "لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا"، أترضون أن يذهب النَّاس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رِحَالكم، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك النَّاس واديّا وشِعْبًا، لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شِعَار، والناس دِثَار، إنكم ستلقون بعدي أَثَرَةً، فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض". وقال في "كتاب الغازي" أيضًا: ٤٣٣١ - حدثني عبد الله بن محمّد، حَدَّثَنَا هشام، أَخْبَرَنَا معمر، عن الزهريّ، ﵁ قال: أخبرني أنس بن مالك ﵁ قال: قال ناس من الأنصار حين أفاء الله على رسوله ﷺ ما أفاء من أموال هَوَازن، فطفق النّبيّ ﷺ يُعطي رجالًا المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفُنا تَقْطُرُ من دمائهم، قال أنس: فَحُدِّث رسول الله ﷺ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قُبَّةٍ من أَدَم، ولم يَدْعُ معهم غيرَهم، فلما اجتمعوا قام النّبيّ ﷺ ، فقال: "ما حديث بلغني عنكم؟ "، فقال فقهاء

стр. 1579

الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا، وأما ناس منا حديثةٌ أسنانهم، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يُعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال النّبيّ ﷺ : "فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر، أَتَألَّفُهُم، أما ترضون أن يذهب النَّاس بالأموال، وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم؛ فوالله لمَا تنقلبون به خير ممّا ينقلبون به"، قالوا: يا رسول الله قد رضينا، فقال لهم النّبيّ ﷺ : "ستجدون أَثَرَةً شديدةً، فاصبروا حتّى تلقوا الله ورسوله ﷺ ، فإني على الحوض"، قال أنس: فلم يصبروا. انتهى. (الأنْصَارُ شِعَارٌ) بكسر الشين المعجمة، بعدها عين مهملة خفيفة: الثّوب الّذي يلي الجلد من الجسد (وَالنَّاسُ دِثَار) بكسر الدّال المهملة، ومثلّثة خفيفة: الّذي يلبس فوق الشعار، وهي استعارة لطيفة لِفَرْط قربهم منه، وأراد أيضًا أنهم بِطَانته، وخاصّته، وأنهم ألصق به، وأقرب إليه من غيرهم، قاله في "الفتح" (١). وقال النوويّ في "شرحه": قال أهل اللُّغة: الشِّعَار الثّوب الّذي يلي الجسد، والدثار فوقه، ومعنى الحديث أن الأنصار هو البطانة، والخاصّة، والأصفياء، وألصق بي من سائر النَّاس، وهذا من مناقبهم الظاهرة، وفضائلهم الباهرة. انتهى (٢). (وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ اسْتَقْبَلُوا وَادِيًا) قال القرطبيّ: هو مجرى الماء المتّسع (٣)، وقال في "الفتح": هو المكان المنخفض، وقيل: الّذي فيه ماء، والمراد هنا بلدهم (أَوْ شِعْبًا) بكسر الشين المعجمة: اسم لما انفرج بين جبلين، وقيل: الطريق في الجبل، وأراد ﷺ بهذا التنبيه على جزيل ما حصل لهم من ثواب النصرة، والقناعة بالله ورسوله عن الدنيا، ومَنْ هذا وصفه، فحقّه أن يُسلَك طريقه، ويُتَّبَع حاله، قاله في "الفتح". (وَاسْتَقْبَلَتِ الأَنْصَارُ وَادِيًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأنْصَارِ) يعني أنه لا يفارقهم، ولا

стр. 1580

يسكن إِلَّا معهم، وفيه إبطال لزعم بعضهم أنه سيسكن مكّة بعد فتحها. وقال الخطّابيّ ﵀: لمّا كانت العادة أن المرء يكون في نزوله، وارتحاله مع قومه، وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشِّعَاب، فإذا تفرّقت في السَّفر الطرُقُ سلك كلُّ قوم منهم واديّا وشِعْبًا، فأراد أنه مع الأنصار، قال: ويحتمل أن يُريد بالوادي المذهب كما يقال: فلان في وادي فلان، وأنا في واد. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المعنى الأوّل هو الظّاهر، فتأمّله، والله تعالى أعلم. (وَلَوْلَا الهجْرَةُ) أي لولا شرفها، وجلالة قدرها عند الله تعالى (لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصارِ") أي لعددت نفسي واحدًا منهم؛ لكمال فضلهم وشرفهم بعد فضل الهجرة وشرفها، والمقصود الإخبار بما لهم من المزيّة بعد مزيّة الهجرة، وأنها مزيّة يرضى بها مثله، وإلا فالانتقال لا يُتصوّر، سيّما الانتساب، فإنّه حرام دينًا أيضًا (٢). وقال الخطابيّ ﵀: أراد بهذا الكلام تألُّفَ الأنصار، واستطابة نفوسهم، والثناء عليهم في دينهم، حتّى رضي أن يكون واحدًا منهم، لولا ما يمنعه من الهجرة الّتي لا يجوز تبديلها، ونسبةُ الإنسان تقع على وجوه: منها: الولادة، والبِلادية، والاعتقادية، والصناعية، ولا شك أنه لم يُرِد الانتقال عن نسب آبائه؛ لأنه ممتنع قطعًا، وأما الاعتقاديّ فلا معنى للانتقال فيه، فلم يبق إِلَّا القسمان الأخيران، وكانت المدينة دار الأنصار، والهجرة إليها أمرًا واجبًا، أي لولا أن النسبة الهجرية لا يَسَعُني تركها لانتسبت إلى داركم، قال: ويحتمل أنه لمّا كانوا أخواله؛ لكون أم عبد المطلب منهم، أراد أن ينتسب إليهم بهذه الولادة، لولا مانع الهجرة. وقال ابن الجوزيّ ﵀: لم يرد ﷺ تَغيِيرَ نسبه، ولا مَحْوَ هجرته، وإنما أراد أنه لولا ما سبق من كونه هاجر لانتسب إلى المدينة، وإلى نصرة الدين، فالتقدير لولا أن

стр. 1581

الهجرة نسبة دينية، لا يَسَعُ تركها لانتسبت إلى داركم. وقال القرطبي ﵀: معناه: لتسميت باسمكم، وانتسبت إليكم، كما كانوا ينتسبون بالحلف، لكن خصوصية الهجرة وتربيتها سبقت، فمنعت من ذلك، وهي أعلى وأشرف، فلا تَتبَدَّل بغيرها. وقيل: معناه: لكنت من الأنصار في الأحكام والعِدَاد. وقيل: التقدير: لولا أن ثواب الهجرة أعظم لاخترت أن يكون ثوابي ثواب الأنصار، ولم يُرِد ظاهر النسب أصلًا. وقيل: لولا التزامي بشروط الهجرة، ومنها ترك الإقامة بمكة فوق ثلاث، لاخترت أن أكون من الأنصار، فيباح لي ذلك. ذكر هذا كلّه في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا تخالف بين هذه الأقوال، وأظهرها ما قاله القرطبيّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (مسألة): حديث سهل بن سعد ﵄ بهذا الإسناد من أفراد المصنّف، وهو ضعيف بهذا الإسناد؛ لضعف عبد المهيمن، كما سبق في ترجمته. قال البوصيريّ ﵀: هذا إسناد ضعيف، والآفة فيه من عبد المهيمن بن عبّاس، وباقي رجاله ثقات. قال: رواه الترمذيّ في "الجامع" من حديث أُبيّ بن كعب ﵁، لكنه لم يذكر: "الأنصار شعار، والناس دِثَار"، وقال: "ولو سلك النَّاس" بدل "ولو استقبلوا"، والباقي نحوه، وقال: حديث حسن. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث بهذا الإسناد ضعيف، كما عرفت، لكنه

стр. 1582

متّفق عليه من حديث أنس، وعبد الله بن زيد بن عاصم، وأخرجه البخاريّ من حديث أبي هريرة ﵁، وصحيح أيضًا من حديث أبي قتادة، وأبي بن كعب ﵁، فاقتصار البوصيريّ على حديث أبيّ ﵁ فقط تقصير منه، لإشعاره أنه لم يروه غير أُبيّ بن كعب عند الترمذيّ، مع أنه متّفقٌ عليه من حديث الأولين، وأخرجه البخاريّ من حديث الثّالث، وصحيح أيضًا من حديث أبي قتادة ﵁. فأمّا حديث أنس ﵁ فأخرجه (البخاريّ) في "المغازي" (٣١٤٦ و ٣١٤٧ و ٣١٦٣ و ٣٥٢٨ و ٣٧٧٨ و ٣٧٩٣ و ٤٣٣٣) و (مسلم) في "الزكاة" ١٠٥٩ و (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨٣٦) و (النَّسائيّ) في "الزَّكاة" (٢٦١٠ و ٢٦١١) و (أحمد) في "مسنده" (١١٦٤٢ و ١١٧٤٢ و ١٢١٤٧ و ١٢٢٣٥ و ١٢٢٤٥ و (الدارميّ) في "مسنده" (٢٤١٥). وأما حديث عبد الله بن زيد ﵁ فأخرجه (البخاريّ) ٥/ ٢٠٠ و ٩/ ١٠٦ و (مسلم) في ٣/ ١٠٨. وأما حديث أبي هريرة ﵁ فأخرجه (البخاريّ) في ٥/ ٣٨ و ٩/ ١٠٦ و (الدارميّ) (٢٥١٧) و (أحمد) في ٢/ ٣١٥ و ٤١٠ و ٤١٤ و ٤٦٩ و ٥٠١ و ٣/ ٦٧. وأما حديث أبي قتادة ﵁ فأخرجه (أحمد) ٥/ ٣٠٧ و (الحاكم) في "المستدرك" ٤/ ٧٩ بإسناد صحيح. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبّين بهذا كلّه أن الحديث وإن كان ضعيف الإسناد من حديث سهل بن سعد ﵄، لكنه صحيح من أحاديث هؤلاء الصّحابة ﵃. ودلالة الحديث على ما ترجم له المصنّف، وهو بيان فضل الأنصار ﵃ واضحة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1583

وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٦٥ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَني كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "رَحِمَ الله الأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الأَنْصارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصارِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أبو بكر بن أبي شيبة) هو: عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة إبراهيم عثمان العبسيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] ١/ ١. ٢ - (خالد بن مَخْلد) الْقَطَوَانيّ -بفتح القاف والطاء- أبو الْهَيْثَم البجليّ مولاهم الكوفيّ، وقَطَوَان موضع بالكوفة، صدوقٌ يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠]. رَوَى عن سليمان بن بلال، وعبد الله بن عُمر العُمَريّ، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، ومالك، وعبد الرّحمن بن أبي الموال، وإسحاق بن حازم المدني، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، وروى له مسلم، وأبو داود في "مسند مالك"، والباقون بواسطة محمّد بن عثمان بن كَرَاَمة، وأبي كريب، وابن نمير، والقاسم بن زكريا، وعبد بن حميد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، وجماعة. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: له أحاديث مناكير. وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه. وقال الآجري عن أبي داود: صدوقٌ، ولكنه يَتَشَيَّع. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ما به بأس. وقال ابن عديّ: هو من المكثرين، وهو عندي -إن شاء الله- لا بأس به. وقال أيضًا بعد أن ساق له أحاديث: لم أجد في حديثه أنكر ممّا ذكرته، ولعلّها تَوَهُّمًا منه، أو حملًا على حفظه. وقال ابن سعد: كان متشيعا منكر الحديث مُفْرِطًا في التشيع، وكتبوا عنه للضرورة. وقال العجلي: ثقة، فيه قليل تشيع، وكان كثير الحديث. وقال صالح بن محمّد جَزَرَة: ثقة في الحديث، إِلَّا أنه كان مُتَّهَمًا بالغلوّ. وقال الجوزجاني: كان شَتّامًا مُعْلِنًا لسوء مذهبه. وقال الأعين: قلت له: عندك أحاديث في مناقب الصحابة؟ قال: قل: في المثالب، أو المثاقب -يعني بالمثلثة، لا بالنون-. وحكى أبو الوليد الباجي

стр. 1584

في رجال البخاريّ، عن أبي حاتم أنه قال: لخالد بن مخلد أحاديث مناكير، ويكتب حديثه. وفي "الميزان" للذهبي: قال أبو أحمد: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال الأزديّ: في حديثه بعض المناكير، وهو عندنا في عداد أهل الصدق. وقال ابن شاهين في "الثِّقات": قال عثمان بن أبي شيبة: هو ثقة صدوق. وذكره الساجي والعقيلي في "الضعفاء". وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: كان يكره أن يقال له: الْقَطَوَانيّ. وقال البخاريّ في "تاريخه": كان يغضب من القَطَوَاني، ويقال: إنما قَطَوَان بَقّال. وزعم الباجي أن قَطَوان قرية بالقرب من الكوفة، وبه جزم ابن السمعاني. قال مطين: مات سنة (٢١٣) وكذا أرخه ابن سعد، وقال ابن قانع: سنة (١٤)، وذكره البخاريّ في "الأوسط" فيمن مات فيما بين سنة (١١) إلى (١٥). أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود في "مسند مالك"، والترمذيّ، والنَّسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا. ٣ - (كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف) بن زيد بن مِلْحَة اليشكري المزنيّ المدنيّ، ضعيف [٧]. رَوَى عن أبيه، ومحمد بن كعب القرظيّ، ونافع مولى ابن عمر، وبكير بن عبد الرّحمن المزني، وجماعة. ورَوَى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو أويس، وزيد بن الحُبَاب، وعبد الله ابن وهب، وعبد الله بن نافع، وإبراهيم بن علي الرافعي، وغيرهم. قال أبو طالب عن أحمد: منكر الحديث ليس بشيء. وقال عبد الله بن أحمد: ضرب أبي على حديث كثير بن عبد الله في "المسند"، ولم يُحدّثنا عنه. وقال أبو خيثمة: قال لي أحمد: لا تحدث عنه شيئًا. وقال الدُّوري عن ابن معين: لجده صحبة، وهو ضعيف الحديث، وقال مرّة: ليس بشيء. وقال الدارمي عن ابن معين أيضًا: ليس بشيء. وقال الآجري: سئل أبو داود عنه: فقال كان أحد الكذابين، سمعت محمّد بن

стр. 1585

الوزير المصري يقول: سمعت الشّافعيّ، وذكر كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، فقال: ذاك أحد الكذابين، أو أحد أركان الكذب. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه، فقال: واهي الحديث، ليس بقوي، قلت له: بهز بن حكيم، وعبد المهيمن، وكثير أيهم أحب إليك؟ قال: بهز وعبد المهيمن أحب إلي منه. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين. وقال التّرمذيّ: قلت لمحمد في حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده في السّاعة الّتي تُرْجَى في يوم الجمعة: كيف هو؟ قال: هو حديث حسن، إِلَّا أن أحمد كان يَحْمِل على كثير يضعفه، وقد روى يحيى بن سعيد الأنصاري عنه. وقال النَّسائيُّ، والدارقطني: متروك الحديث. وقال النَّسائيُّ في موضع آخر: ليس بثقة. وقال ابن حبّان: روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة، لا يحل ذكرها في الكتب، ولا الرِّواية إِلَّا على جهة التعجب. وقال ابن عديّ: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال إبراهيم بن المنذر عن مُطَرّف: رأيته وكان كثير الخصومة، ولم يكن أحد من أصحابنا يأخذ عنه. وقال له ابن عمران القاضي: يا كثير أنت رجل بَطّال تخاصم فيما لا تَعْرِف، وتَدَّعِي ما ليس لك، وليس عندك ما يُطْلَب. وقال أبو نعيم: ضعفه علي ابن المديني. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، يُستَضعف. وقال ابن السكن: يروي عن أبيه، عن جده أحاديث فيها نظر. وقال الحاكم: حدَّث عن أبيه عن جده نسخة فيها مناكير. وضعفة الساجيّ، ويعقوب بن سفيان، وابن الْبَرْقيّ. وقال ابنُ عبد البرّ: مجمع على ضعفه. وذكره البخاريّ في "الأوسط" في فصل من مات من الخمسين ومائة إلى الستين. روى له البخاريّ في "جزء القراءة"، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. ٤ - (أبوه) عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد بن مِلْحَة المزنيّ المدنيّ، مقبول [٣]. رَوَى عن أبيه، وعنه ابنه كثير، وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". قال الحافظ: ووقع في سند الحديث الّذي علقه البخاريّ لوالده ذكره ضِمْنًا، وهو في "كتاب الغصب".

стр. 1586

روى له البخاريّ في خلق "أفعال العباد"، وفي "جزء القراءة"، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا أيضًا. ٥ - (جدّه) عمرو بن عوف بن زيد بن مِلْحَة -بكسر أوّله، ومهملة- ابن عمرو ابن بكر بن أفرك بن عثمان بن عمرو بن أُدّ بن طابخة، أبو عبد الله المزنيّ، قال ابن سعد: كان قديم الإسلام، رَوَى عن النّبيّ ﷺ ، ورَوَى حديثه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده، وكثير ضعيف، وذكر أبو حاتم ابن حبّان في "الصّحابة" أنه مات في ولاية معاوية. وقال الواقديّ: استعمله النّبيّ ﷺ على حرم المدينة. وقال البخاريّ في "التاريخ": قال لنا ابن أبي أويس: حَدَّثَنَا كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، قال: كنا مع النّبيّ ﷺ حين قَدِمَ المدينة، فصلّى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرًا. ورَوَى ابن سعد عنه أن أول غزوة غزاها الأبواء. روى له البخاريّ في التعاليق، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا أيضًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن (عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﵁: "رَحِمَ الله الأَنْصَارَ) جملة فعلية خبريّة اللّفظ، إنشائية المعنى؛ لأن المراد بها الدعاء بالرّحمة لهم، لا الإخبار بذلك، ويدلُّ على ذلك ما وقع عند الشيخين في حديث زيد بن أرقم ﵁ بلفظ: "اللَّهُمَّ اغفر للأنصار ... " الحديث (وَأَبْنَاءَ الْأنْصَارِ) قال السنديّ ﵀ أراد بالأبناء الصلبيّة في الموضعين، إذ لو أراد أعمّ لما احتاج "إلى قوله: (وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ") قال: ويحتمل على بُعْد أن المراد العموم في أبناء الأبناء، ثمّ الظّاهر أن المراد بالأبناء الأولاد، فالدعاء شاملٌ للذكور والإناث. انتهى (١). ولفظ الشيخين من حديث زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهمّ

стр. 1587

اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار". ولفظ مسلم من حديث أنس ﵁: "أن رسول الله ﷺ استغفر للأنصار -قال: وأحسبه قال-: "ولذرَاريّ الأنصار، ولموالي الأنصار" لا أشكّ فيه. قال القرطبيّ ﵀: ظاهره الانتهاء بالاستغفار إلى البطن الثّالث، فيمكن أن يكون ذلك؛ لأنهم من القرون الّتي قال النبي ﷺ : "خير أُمَّتي قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم" متّفقٌ عليه. ويمكن أن تشمل بركة هذا الاستغفار المؤمنين من نسل الأنصار إلى يوم القيامة مبالغةً في إكرام الأنصار، لا سيّما إذا كانت نيّة الأولاد فعل مثال ما سبق إليه الأجداد، ويؤيّد ذلك قوله في الرِّواية الأخرى: "ولذرَارِيّ الأنصار". انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (مسألة): حديث عمرو بن عوف ﵁ هذا ضعيف بهذا الإسناد؛ لاتفاقهم على ترك كثير بن عبد الله، فقد تركه النَّسائيّ، والدراقطنيّ، وضعّفه غير واحد، واتّهمه الشّافعي وأبو داود بالكذب، كما سبق في ترجمته، قال: البوصيريّ: هذا إسناد ضعيف، فيه كثير بن عبد الله، وهو متّهمٌ، ورواه البخاريّ ومسلم من حديث زيد بن أرقم ﵁ بلفظ "اللَّهُمَّ اغفر للأنصار"، والباقي مثله، وهو في "جامع الترمذيّ" من حديث أنس ﵁ -كما هو في "الصحيحين"، وقال: حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه. انتهى (٢). والحاصل أن الحديث صحيح، من حديث زيد بن أرقم، ومن حديث أنس ﵁. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 1588

٣٣ - (فَضْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ هو: عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عمّ رسول الله ﷺ ، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله ﷺ بالفهم في القرآن، فكان يدعى بترجمان القرآن، والبحر والحبر لسعة علمه، قال عمر ﵁: لو أدرك ابن عبّاس أسناننا ما عاشره منا أحدٌ، وهو أحد العبادة الأربعة، والمكثرين السبعة، مات سنة (٦٨ هـ) بالطائف، وتقدّمت ترجمته مستوفاة في ٣/ ٢٧، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِليُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ الله ﷺ إِلَيْهِ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ، وَتَأْوِيلَ الْكِتَابِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمّد بن المثنّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقة ثبتٌ [١٠] ٩/ ٦٦. ٢ - (أبو بكر بن خلاد الباهليّ) هو: محمّد بن خلّاد بن كثير البصريّ، ثقة [١٠] ٢/ ١٩. ٣ - (عبد الوهّاب) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمّد البصريّ، ثقة تغيّر قبل موته بثلاث سنين [٨] ٢/ ١٧. ٤ - (خالد الحذّاء) هو: ابن مِهْران، أبو المُنَازل البصريّ، ثقة يرسل [٥] ٢٦/ ١٥٤. ٥ - (عكرمة) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عبّاس، بربريّ الأصل، ثقة ثبتٌ، لا يثبت عنه بدعة [٣] ٩/ ٦٢. ٦ - (ابن عبّاس م) تقدّم أول الباب. والله تعالى أعلم.

стр. 1589

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. ٣ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصّحيح، بل من رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر فأخرج له مسلم، وأبو داود، والنَّسائيّ، والمصنّف. ٤ - (ومنها): أن شيخه محمّد بن المثنّى أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: خالد عن عكرمة. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأحد المشهورين بالفتوى من الصّحابة ﵃، وهو ترجمان القرآن، وحبر الأمة، وبحرها. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ الله ﷺ إِلَيْهِ) وفي رواية للبخاريّ في "المناقب": "إلى صدره"، وكان ابن عبّاس إذ ذَاك غلامًا مميزًا، فيستفاد منه جواز احتضان الصبي القريب على سبيل الشفقة (وَقَالَ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ) بين البخاريّ ﵀ في روايته في "كتاب الطّهارة" من طريق عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عبّاس ﵄ سبب هذا الدُّعاء، ولفظه: "دخل النّبيّ ﷺ الخلاء، فوضعت له وَضُوءًا"، زاد مسلم: "فلما خرج قال: من وضع هذا؟ فأُخبر"، ولمسلم: "قالوا: ابنُ عبّاس"، ولأحمد وابن حبّان من طريق سعيد بن جبير عنه أن ميمونة ﵂ هي الّتي أخبرته بذلك، وأن ذلك كان في بيتها ليلًا، ولعلّ ذلك كان في اللَّيلة الّتي بات ابن عبّاس فيها عندها ليرى صلاة النّبيّ ﷺ -كما سيأتي في موضعه -إن شاء الله تعالى-، وقد أخرج أحمد من طريق عمرو بن دينار، عن غريب، عن ابن عبّاس في قيامه خلف النّبيّ ﷺ في صلاة اللّيل، وفيه: "فقال لي: ما بالك أجعلك حذائي، فتخلفني؟ فقلت: أَوَ ينبغي لأحد أن

стр. 1590

يُصَلِّي حذاءك، وأنت رسول الله؟ فدعا لي أن يزيدني الله فهمًا وعلمًا". (الحكْمَةَ) ولفظ البخاريّ: "اللَّهُمَّ علمه الكتاب"، قال في "الفتح": المراد بالكتاب القرآن؛ لأن العرف الشرعي عليه، والمراد بالتعليم ما هو أعم من حفظه، والتفهم فيه، ووقع في رواية مسدد "الحكمة" بدل "الكتاب"، وذكر الإسماعيلي أن ذلك هو الثابت في الطرق كلها عن خالد الحذاء، كذا قال، وفيه نظر؛ لأن البخاريّ أخرجه أيضًا من حديث وهيب عن خالد بلفظ "الكتاب" أيضًا، فيُحْمَل على أن المراد بالحكمة أيضًا القرآن، فيكون بعضهم رواه بالمعنى، وللنسائيّ والترمذي من طريق عطاء، عن ابن عبّاس قال: "دعا لي رسول الله ﷺ أَنْ أُوتَى الحكمة مرتين". فيَحْتَمِل تعدد الواقعة، فيكون المراد بالكتاب القرآن، وبالحكمة السنة، ويؤيده أن في رواية عبيد الله بن أبي يزيد عند الشيخين: "اللَّهُمَّ فقهه في الدين"، لكن لم يقع عند مسلم "في الدين"، وذكر الحميدي في "الجمع" أن أبا مسعود ذكره في "أطراف الصحيحين" بلفظ: "اللَّهُمَّ فقهه في الدين، وعلمه التّأويل"، قال الحميدي: وهذه الزِيادة ليست في "الصحيحين". قال الحافظ: وهو كما قال، نعم هي في رواية سعيد بن جبير عند أحمد، وابن حبّان، والطبراني، ورواها ابن سعد من وجه آخر عن عكرمة مرسلًا، وأخرج البغوي في "معجم الصّحابة" من طريق زيد بن أسلم، عن ابن عمر: "كان عمر يدعو ابن عبّاس، ويُقَرِّبه، ويقول: إنِّي رأيت رسول الله ﷺ دعاك يومًا، فمسح رأسك، وقال: اللَّهُمَّ فقهه في الدين، وعلمه التّأويل". واختلف الشراح في المراد بالحكمة هنا، فقيل: القرآن بهما تقدّم، وقيل: العمل به، وقيل: السنة، وقيل: الإصابة في القول، وقيل: الخشية، وقيل: الفهم عن الله، وقيل: العقل، وقيل: ما يَشْهَد العقل بصحته، وقيل: نُورٌ يُفَرَّق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة، وبعض هذه الأقوال ذكرها بعض أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، والأقرب أن المراد بها

стр. 1591

في حديث ابن عبّاس اللهم في القرآن. قاله في "الفتح". (١). وزاد في "كتاب المناقب": ما نصّه: وكان ابن عبّاس من أعلم الصّحابة بتفسير القرآن. ورَوَى يعقوب بن سفيان في "تاريخه" بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: لو أدرك ابن عبّاس أسناننا ما عاشره منا رجل، وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عبّاس. ورَوَى هذه الزيادة ابن سعد من وجه آخر عن عبد الله بن مسعود. ورَوَى أبو زرعة الدمشقي في "تاريخه" عن ابن عمر قال: هو أعلم بما أنزل الله على محمّد ﷺ ، وأخرج ابن أبي خيثمة نحوه بإسناد حسن. ورَوَى يعقوب أيضًا بإسناد صحيح عن أبي وائل قال: قرأ ابن عبّاس "سورة النور"، ثمّ جعل يُفَسِّرها، فقال رجل: لو سمعت هذا الديلم لأسلمت، ورواه أبو نعيم في "الحلية" من وجه آخر بلفظ "سورة البقرة"، وزاد: إنّه كان علي الموسم -يعني سنة خمس وثلاثين كان عثمان أرسله لما حصر-. انتهى (٢). (وَتَأوِيلَ الْكِتَابِ) هكذا النسخ الّتي عندنا بهذه الزيادة، لكن من الغريب عزاها "الفتح" إلى بعض النسخ، ودونك نصّه: قال: ووقع في بعض نسخ ابن ماجه من طريق عبد الوهّاب الثقفي، عن خالد الحذاء، في حديث الباب بلفظ: "اللَّهُمَّ علمه الحكمة، وتأويلَ الكتاب"، وهذه الزيادة مُستغرَبةٌ من هذا الوجه، فقد رواه الترمذيّ، والإسماعيليّ، وغيرهما من طريق عبد الوهّاب بدونها. قال: وقد وجدتها عند ابن سعد من وجه آخر، عن طاوس، عن ابن عبّاس، قال: دعاني رسول الله ﷺ فمسح على ناصيتي، وقال: "اللَّهُمَّ علمه الحكمة، وتأويل الكتاب"، وقد رواه أحمد عن هُشيم، عن خالد، في حديث الباب بلفظ: "مسح على رأسي". وهذه الدّعوة ممّا تَحَقَّقَ إجابةُ النّبيّ ﷺ فيها، لِمَا عُلِم من حال ابن عبّاس في معرفة

стр. 1592

التفسير، والفقه في الدين، رضي الله تعالى عنه (١). [تنبيه]: قال في "الفتح": وهذه اللفظة -يعني قوله: "وعلّمه التّأويل" اشتَهَرت على الألسنة "اللَّهُمَّ فقهه في الدين، وعَلِّمه التّأويل"، حتّى نسبها بعضهم في "الصحيحين"، ولم يُصِب، والحديث عند أحمد بهذا اللّفظ من طريق ابن خُيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، وعند الطَّبرانيُّ من وجهين آخرين، وأوله في "صحيح البخاريّ" من طريق عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عبّاس دون قوله: "وعلمه التّأويل"، وأخرجها البزار من طريق شعيب بن بشر، عن عكرمة، بلفظ: "اللَّهُمَّ علمه تأويل القرآن"، وعند أحمد من وجه آخر عن عكرمة: "اللَّهُمَّ أعط ابن عبّاس الحكمة، وعلمه التّأويل". انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس ﵄ هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٣/ ١٦٦) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه البخاريّ في (١/ ٢/ ٢٩ و٥/ ٣٤ و ٩/ ١١٣) و (الترمذي) في (٣٨٢٤) و (النَّسائيّ) في "الفضائل" (٧٦) و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٤ و ٢٦٩ و ٣٥٩) وفي "فضائل الصّحابة" له (١٨٣٥ و ١٨٨٣ و ١٩٢٣) و (يعقوب بن سفيان) في "المعرفة" (١/ ٥١٨) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٠٥٤) و"الطبرانيّ" في "الكبير" (١٠٥٨٨ و ١١٥٣١ و ١١٩٦١)، والله تعالى أعلم.

стр. 1593

(المسألة الثّالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل ابن عبَّاس ﵄. ٢ - (ومنها): بركة دعاء النبيّ ﷺ حيث كان ابن عبّاس ﵄ ترجمان القرآن، وحبر الأمة وبحرها لهذه الدّعوة المباركة. ٣ - (ومنها): استحباب خدمة الأكابر؛ لأن ابن عبّاس حصل ذلك بسبب أنه وضع للنبيّ ﷺ ماء للوضوء لما دخل الخلاء، كما سبق بيانها. ٤ - (ومنها): جواز ضمّ الطفل محبّة وشفقة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. ولما أنهى الكلام على فضائل الصّحابة الكرام ﵃، أتبعه ببيان قبائح الفِرَق الضالّة اللئام؛ للمناسبة الضدّيّة، ولأنهم أول ما خرجوا على الأمة خرجوا على إمام العدل عثمان ﵁ حتّى قتلوه، ثمّ عليّ ﵁، فحملوا السلاح على المسلمين، وعلى مقدّمتهم الصّحابة الذين مضى ذكر فضائلهم، فقاتلوهم بالحجة والسيف، فأول من قام بالحجة هو ابن عبّاس ﵄ لمّا بعثه عليّ ﵁، فَحَاجَّهم، فرجع كثير منهم كما سيأتي بيان ذلك، ولذا ناسب ذكرهم بعد ترجمته ﵁، والله تعالى أعلم. قال ﵀:

стр. 1594

٣٤ - (بَابٌ في الْخَوَارِجِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذه التّرجمة مسألتان: (المسألة الأولى): في معنى الخوارج، ومتى خرجوا؟، وبيان سبب خروجهم: (اعلم): أن الخوارج جمع خارجة، أي طائفة، وهم قوم مبتدعون، سُمُّوا بذلك لخروجهم عن الدين، وخروجهم على خيار المسلمين، وأصل بدعتهم فيما حكاه الرافعي في "الشرح الكبير" أنهم خرجوا على علي ﵁ حيث اعتقدوا أنه يَعْرِف قَتَلَة عثمان ﵁ ويَقْدِر عليهم، ولا يَقْتَصّ منهم لرضاه بقتله، أو مواطأته إياهم، كذا قال، وهو خلاف ما أطبق عليه أهل الأخبار، فإنّه لا نزاع عندهم أن الخوارج لم يطلبوا بدم عثمان، بل كانوا ينكرون عليه أشياء، ويتبرءون منه، وأصل ذلك أن بعض أهل العراق أنكروا سِيرة بعض أقارب عثمان، فطَعَنوا على عثمان بذلك، وكان يقال لهم: القراء لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إِلَّا أنهم كانوا يتأولون القرآن المراد منه ويستبدون برأيهم، ويتنطعون في الزهد والخشوع، وغير ذلك، فلما قُتِل عثمان قاتلوا مع علي، واعتقدوا كُفْرَ عثمان ومن تابعه، واعتقدوا إمامة علي وكفر من قاتله من أهل الجمل الّذي كان رئيسهم طلحة والزبير، فإنهما خرجا إلى مكّة بعد أن بايعا عليا، فلقيا عائشة وكانت حجت تلك السنة، فاتفقوا على طلب قَتَلَة عثمان. وخرجوا إلى البصرة يدعون النَّاس إلى ذلك، فبلغ عليا، فخرج إليهم، فوقعت بينهم وقعة الجمل المشهورة، وانتصر على، وقُتل طلحة في المعركة، وقُتل الزُّبير بعد أن انصرف من الوقعة، فهذه الطائفة هي الّتي كانت تطلب بدم عثمان بالاتفاق، ثمّ قام معاوية بالشام في مثل ذلك، وكان أمير الشّام إذ ذاك، وكان عليٌّ أرسل إليه لأن يبايع له أهل الشّام، فاعتَلَّ بأن عثمان قُتل مظلومًا، وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قَتَلته، وأنه أقوى النَّاس على الطلب بذلك، ويلتمس من علي أن يُمَكِّنه منهم، ثمّ يبايع له بعد ذلك، وعلي يقول: ادخل فيما دخل فيه النَّاس، وحاكمهم إليّ أحكم فيهم بالحق، فلما طال الأمر خرج علي في أهل العراق طالبًا قتال أهل الشّام، فخرج معاوية في أهل الشّام

стр. 1595

قاصدًا إلى قتاله، فالتقيا بصِفِّين، فدامت الحرب بينهما أشهرًا، وكاد أهل الشّام أن ينكسروا، فرفعوا المصاحف على الرماح، ونادَوْا ندعوكم إلى كتاب الله تعالى، وكان ذلك بإشارة عمرو بن العاص، وهو مع معاوية، فترك جمع كثير ممّن كان مع علي، وخُصُوصًا القراءُ القتالَ بسبب ذلك تديُّنًا، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٢٣]، فراسلوا أهل الشّام في ذلك، فقالوا: ابعثوا حَكَمًا منكم، وحَكَمًا مِنّا، ويحضر معهما من لم يباشر القتال، فمن رأوا الحق معه أطاعوه، فأجاب عليّ ومن معه إلى ذلك، وأنكرت ذلك تلك الطائفة الّتي صاروا خوارج، وكتب علي بينه وبين معاوية كتاب الحكومة بين أهل العراق والشام، هذا ما قاضى عليه أمير المؤمنين على معاوية، فامتنع أهل الشّام من ذلك، وقالوا: اكتبوا اسمه واسم أبيه، فأجاب عليّ إلى ذلك، فأنكره عليه الخوارج أيضًا، ثمّ انفصل الفريقان على أن يحضر الحكمان، ومن معهما بعد مدة عينوها في مكان وسط بين الشّام والعراق، ويرجع العسكران إلى بلادهم إلى أن يقع الحكم، فرجع معاوية إلى الشّام، ورجع علي إلى الكوفة، ففارقه الخوارج، وهم ثمانية آلاف، وقيل: كانوا أكثر من عشرة آلاف. وقيل: ستة آلاف، ونزلوا مكانًا، يقال له: حَرُوراء -بفتح المهملة، وراءين الأولى مضمومة- ومن ثَمَّ قيل لهم: الحرورية، وكان كبيرهم عبد الله بن الْكَوَّاء -بفتح الكاف، وتشديد الواو، مع المد- اليشكريّ، وشَبَث -بفتح المعجمة، والموحدة، بعدها مثلثة- التميميّ، فأرسل إليهم عليٌّ ابنَ عبّاس، فناظرهم فرجع كثير منهم معه، ثمّ خرج إليهم عليّ فأطاعوه، ودخلوا معه الكوفة، معهم رئيساهم المذكوران، ثمّ أشاعوا أن عليا تاب من الحكومة، ولذلك رجعوا معه، فبلغ ذلك عليًّا، فخطب وأنكر ذلك، فتنادوا من جوانب المسجد لا حكم إِلَّا لله، فقال: كلمة حق يراد بها باطل، فقال لهم: لكم علينا ثلاث، أن لا نَمنعكم من المساجد، ولا من رزقكم من الفيء، ولا نبدؤكم بقتال ما لم تُحْدِثوا فسادًا، وخرجوا شيئًا بعد شيء إلى أن اجتمعوا بالمدائن، فراسلهم في

стр. 1596

الرجوع، فأصروا على الامتناع حتّى يُشْهِد على نفسه بالكفر؛ لرضاه بالتحكيم، ويتوب، ثمّ راسلهم أيضًا فاستعرضوا النَّاس، فقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين، ومر بهم عبد الله بن خباب بن الأرت، وكان واليًا لعلي على بعض تلك البلاد، ومعه سُرِّيَّة وهي حامل، فقتلوه وبَقَروا بطن سُرِّيته عن ولد، فبلغ عليا فخرج إليهم في الجيش الّذي كان هيأه للخروج إلى الشّام، فأوقع بهم بالنَّهْرَوان، ولم ينج منهم إِلَّا دون العشرة، ولا قُتل ممّن معه إِلَّا نحو العشرة، فهذا ملخص أول أمرهم. ثمّ انضم إلى من بقي منهم مَنْ مال إلى رأيهم، فكانوا مختفين في خلافة علي، حتّى كان منهم عبد الرّحمن بن مُلْجِم الّذي قَتَل عليا بعد أن دخل علي في صلاة الصُّبح، ثمّ لمّا وقع صلح الحسن ومعاوية ثارت منهم طائفة، فأوقع بهم عسكر الشّام بمكان يقال له: النجيلة، ثمّ كانوا منقمعين في إمارة زياد وابنه عبيد الله على العراق، طول مدة معاوية وولده يزيد، وظفر زياد وابنه منهم بجماعة فأبادهم بين قتل وحبس طويل، فلما مات يزيد ووقع الافتراق، وولى الخلافة عبد الله بن الزبير، وأطاعه أهل الأمصار إِلَّا بعض أهل الشّام ثار مروان، فادَّعَى الخلافة، وغلب على جميع الشّام إلى مصر، فظهر الخوارج حينئذ بالعراق مع نافع بن الأزرق، وباليمامة مع نَجْدَة بن عامر، وزاد نَجْدة على مُعتَقَد الخوارج أن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر، ولو اعتقد معتقدهم، وعَظُم البلاء بهم، وتوسعوا في معتقدهم الفاسد، فأبطلوا رجم المحصن، وقطعوا يد السارق من الإبط، وأوجبوا الصّلاة على الحائض في حال حيضها، وكَفَّروا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادرًا. وإن لم يكن قادرًا فقد ارتكب كبيرة، وحُكْمُ مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر، وكَفُّوا عن أموال أهل الذِّمَّة، وعن التعرض لهم مطلقًا، وفَتَكُوا فيمن ينسب إلى الإسلام بالقتل والسبي والنَّهْب، فمنهم من يفعل ذلك مطلقًا بغير دعوة منهم، ومنهم من يدعو أولا ثمّ يَفتِك، ولم يزل البلاء بهم يزيد إلى أن أُمِّرَ المُهَلَّب بن أبي صُفْرة على قتالهم فطاولهم حتّى ظفر بهم، وتقلل جمعهم، ثمّ لم يزل منهم بقايا في طول الدولة

стр. 1597

الأموية وصدر الدولة العباسية، ودخلت طائفة منهم المغرب. وقد صنف في أخبارهم أبو مِخْنَف -بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح النون، بعدها فاء- واسمه لوط بن يحيى كتابا لخصه الطّبريّ في "تاريخه"، وصنف في أخبارهم أيضًا الهيثم بن عديّ كتابًا، ومحمد بن قدامة الجوهري أحد شيوخ البخاريّ خارج "الصّحيح" كتابا كبيرًا، وجَمَعَ أخبارهم أبو العباس المبرد في كتابه "الكامل" لكن بغير أسانيد بخلاف المذكورين قبله. قال القاضي أبو بكر بن العربي: الخوارج صنفان: أحدهما يزعم أن عثمان وعليا وأصحاب الْجَمَل وصِفِّين وكلُّ من رَضِي بالتحكيم كفار، والآخر يزعم أن كلّ من أتى كبيرة فهو كافر مخلد في النّار أبدًا. وقال غيره: بل الصنف الأوّل مُفَرَّع عن الصنف الثّاني، لأن الحامل لهم على تكفير أولئك كونهم أذنبوا فيما فعلوه بزعمهم. وقال ابن حزم: ذهب نَجْدة بن عامر من الخوارج إلى أن من أتى صغيرة عُذِّب بغير النّار، ومن أَدْمَن على صغيرة فهو كمرتكب الكبيرة في التخليد في النّار، وذكر أن منهم من غلا في معتقدهم الفاسد، فأنكر الصلوات الخمس، وقال: الواجب صلاة بالغداة، وصلاة بالعشي، ومنهم من جوّز نكاح بنت الابن، وبنت الأخ والأخت، ومنهم من أنكر أن تكون "سورة يوسف" من القرآن، وأن من قال: لا إله إِلَّا الله فهو مؤمن عند الله ولو اعتقد الكفر بقلبه. وقال أبو منصور البغدادي في "المقالات": عِدَّة فِرَق الخوارج عشرون فرقة. وقال ابن حزم: أسوؤهم حالًا الغلاة المذكورون، وأقربهم إلى قول أهل الحق الإباضية، منهم بقية بالمغرب. وقد وردت بما ذُكِر من أصل حال الخوارج أخبار جياد، منها ما أخرجه عبد الرزّاق، عن معمر، وأخرجه الطّبريّ من طريق يونس كلاهما عن الزّهريّ، قال: لمّا نشر أهل الشّام المصاحف بمشورة عمرو بن العاص، حين كاد أهل العراق أن يغلبوهم،

стр. 1598

هاب أهل الشّام ذلك إلى أن آل الأمر إلى التحكيم، ورجع كلّ إلى بلده إلى أن اجتمع الحكمان في العام المقبل بدُومَة الجندل، وافترقا عن غير شيء، فلمّا رجعوا خالفت الحرورية عليا، وقالوا: لا حكم إِلَّا لله. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق أبي رَزِين قال: لمَّا وقع الرضا بالتحكيم، ورجع علي إلى الكوفة اعتزلت الخوارج بحروراء، فبعث لهم عبدَ الله بنَ عبّاس فناظرهم، فلما رجعوا جاء رجل إلى علي، فقال: إنهم يتحدثون أنك أقررت لهم بالكفر؛ لرضاك بالتحكيم، فخطب وأنكر ذلك، فتنادوا من جوانب المسجد لا حكم إِلَّا لله. ومن وجه آخر أن رءوسهم حينئذ الذين اجتمعوا بالنهروان: عبدُ الله بن وهب الراسبي، وزيد بن حِصْن الطائي، وحُرْقُوص بن زهير السعدي، فاتفقوا على تأمير عبد الله بن وهب. ذكر هذا كلّه في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسأله الثّانية): في اختلاف أهل العلم في تكفير الخوارج: قال في "الفتح": استدل به -أي بحديث أبي سعيد الآتي بعد حديث- لمن قال بتكفير الخوارج، وهو مقتضى صنيع البخاريّ، حيث قَرَنهم بالملحدين، وأفرد عنهم المتأولين بترجمة، وبذلك صَرّح القاضي أبو بكر بن العربي في "شرح التّرمذيّ"، فقال: الصّحيح أنهم كُفّار لقوله ﷺ : "يَمْرُقون من الإسلام"، ولقوله: "لأَقتُلَنَّهم قتل عاد"، وفي لفظ "ثمود" وكل منهما إنّما هلك بالكفر، وبقوله: "هم شر الخلق"، ولا يوصف بذلك إِلَّا الكفار، ولقوله: "إنهم أبغض الخلق إلى الله تعالى"، ولحكمهم على كلّ من خالف مُعتَقَدَهم بالكفر، والتخليدِ في النّار، فكانوا هم أحقَّ بالاسم منهم. وممن جنح إلى ذلك من أئمة المتأخرين الشّيخ تقي الدين السبكي، فقال في "فتاويه": احتَجَّ من كَفَّر الخوارج، وغُلاة الروافض بتكفيرهم أعلامَ الصّحابة؛ لتضمنه تكذيب النّبيّ ﷺ في شهادته لهم بالجنة، قال: وهو عندي احتجاجٌ صحيحٌ، قال واحتَجَّ

стр. 1599

من لم يكفرهم بأن الحكم بتكفيرهم يَستَدْعِي تقدُّم علمهم بالشهادة المذكورة علمًا قطعيًّا، وفيه نظر؛ لأنا نعلم تزكية من كفَّروه علمًا قطعيا إلى حين موته، وذلك كاف في اعتقادنا تكفير من كفَّرهم، ويؤيده حديث: "مَنْ قال لأخيه يا كافر، فقد باء به أحدهما"، وفي لفظ مسلم: "مَنْ رَمَى مسلما بالكفر، أو قال: عدو الله إِلَّا حار عليه"، قال: وهؤلاء قد تحقق منهم أنهم يرمون جماعة بالكفر، ممّن حصل عندنا القطع بإيمانهم، فيجب أن يُحكَم بكفرهم بمقتضى خبر الشارع، وهو نحو ما قالوه فيمن سَجَدَ للصنم ونحوه، ممّن لا تصريح بالجحود فيه بعد أن فَسَّروا الكفر بالجحود، فإن احتجوا بقيام الإجماع على تكفير فاعل ذلك، قلنا: وهذه الأخبار الواردة في حق هؤلاء تقتضي كفرهم، ولو لم يعتقدوا تزكية من كَفَّروه علمًا قطعيًّا، ولا يُنجيهم اعتقاد الإسلام إجمالًا، والعملُ بالواجبات عن الحكم بكفرهم، كما لا يُنجي الساجد للصنم ذلك. وممن جَنَحَ إلى بعض هذا البحث الطّبريّ في "تهذيبه"، فقال بعد أن سرد أحاديث الباب: فيه الردُّ على قول من قال: لا يَخرُج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إِلَّا بقصد الخروج منه عالمًا فإنّه مبطل، لقوله في الحديث: "يقولون الحقّ، ويقرءون القرآن، ويَمرُقون من الإسلام، ولا يتعلّقون منه بشيء"، ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلالَ دماء المسلمين وأموالهم إِلَّا بخطإ منهم فيما تأولوه من آي القرآن المرادَ منه، ثمّ أخرج بسند صحيح عن ابن عبّاس، وَذُكِرَ عنده الخوارج، وما يَلْقَون عند قراءة القرآن، فقال: يؤمنون بمحكمه، ويَهْلِكون عند متشابهه. ويؤيد القول المذكور الأمرُ بقتلهم مع ما تقدّم من حديث ابن مسعود ﵁: "لا يحل قتل امرئ مسلم إِلَّا بإحدى ثلاث"، وفيه: "التارك لدينه المفارقُ للجماعة". قال القرطبي في "المفهم": يؤيد القول بتكفيرهم التمثيل المذكور في حديث أبي سعيد ﵁ يعني الآتي بعد حديث، فإن ظاهر مقصوده أنهم خَرَجُوا من الإسلام، ولم يتعلّقوا منه بشيء، كما خرج السهم من الرَّمِيَّة؛ لسرعته، وقُوَّة راميه، بحيث لم يتعلّق من الرَّمِيَّة بشيء، وقد أشار إلى ذلك بقوله: "سَبَقَ الفَرْثَ والدمَ".

стр. 1600

وقال صاحب "الشفاء" فيه: وكذا نقطع بكفر كُلِّ من قال قولًا يتوصل به إلى تضليل الأمة، أو تكفير الصّحابة، وحكاه صاحب "الروضة" في "كتاب الردة" عنه، وأقرّه. وذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى أن الخوارج فُسَّاق، وأن حكم الإسلام يجري عليهم؛ لتلفظهم بالشهادتين، ومواظبتهم على أركان الإسلام، وإنما فَسَقُوا بتكفيرهم المسلمين، مُستندين إلى تأويل فاسد، وجَرَّهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم، وأموالهم، والشهادة عليهم بالكفر والشرك. وقال الخطابي: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فِرَق المسلمين، وأجازوا مناكحتهم، وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يُكَفَّرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام. وقال عياض: كادت هذه المسألة تكون أشدَّ إشكالا عند المتكلمين من غيرها، حتّى سأل الفقيه عبد الحق الإمامَ أبا المعالي عنها، فاعتذر بأن إدخال كافر في الملة، وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين، قال: وقد توقف قبله القاضي أبو بكر الباقلاني، وقال: لم يُصَرِّح القوم بالكفر، وإنّما قالوا أقوالا تؤدي إلى الكفر. وقال الغزالي في "كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة": والذي ينبغي الاحترازُ عن التكفير ما وَجَدَ إليه سبيلًا، فإن استباحة دماء المصلّين المقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد. ومما احتج به من لم يُكَفِّرهم قوله في حديث أبي سعيد أيضًا بعد وصفهم بالمروق من الدين كمروق السهم: "فينظر الرامي إلى سهمه ... " إلى أن قال: "فيتمارى في الفُوقة هل عَلِقَ بها شيء". قال ابن بطّال: ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين عن جملة المسلمين؛ لقوله: "يتمارى في الفُوق"؛ لأن التماري من الشك، وإذا وقع الشك في ذلك لم يُقطَع عليهم بالخروج من الإسلام؛ لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين، لم يَخرُج منه

стр. 1601

إِلَّا بيقين، قال: وقد سئل علي ﵁ عن أهل النَّهْرَوان، هل كفروا؟ فقال: مِنَ الكفر فَرُّوا. قال الحافظ: وهذا إن ثبت عن علي ﵁ حُمِل على أنه لم يكن يتحقق على معتقدهم الّذي أوجب تكفيرهم عند من كَفَّرهم، وفي احتجاجه بقوله: "يتمارى في الفوق" نظر؛ فإن في بعض طرق الحديث المذكور: "لم يَعلَق منه بشيء"، وفي بعضها: "سَبقَ الفرث والدم". وطريق الجمع بينهما أنه تردد هل في الفوق شيء أو لا؟ ثمّ تحقق أنه لم يَعلَق بالسهم ولا بشيء منه من الرمي بشيء. ويمكن أن يُحمَل الاختلاف فيه على اختلاف أشخاص منهم، ويكون في قوله: "يتمارى" إشارة إلى أن بعضهم قد يبقى معه من الإسلام شيء. قال القرطبي في "المفهم": والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث، قال: فعلى القول بتكفيرهم يُقاتَلون، ويُقتلون، وتُسبَى أموالهم، وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج، وعلى القول بعدم تكفيرهم يُسلَك بهم مسلك أهل البغي إذا شَقُّوا العصا، ونَصَبُوا الحرب، فأمّا من استسرّ منهم ببدعة، فإذا ظهر عليه هل يُقتَل بعد الاستتابة، أو لا يُقتَل بل يُجتَهد في رد بدعته، اختُلِف فيه بحسب الاختلاف في تكفيرهم، قال: وباب التكفير باب خطر، ولا نَعْدِل بالسلامة شيئا، انتهى، وقد سبق تحقيق القول في هذه المسألة في المسائل المذكورة أوّلَ "باب القدر"، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٦٧ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: وَذَكرَ الخوَارِجَ، فَقَالَ: فِيهِمْ رَجُلٌ مُخْدَجُ الْيَدِ، أَوْ مَوْدُونُ الْيَدِ، أَوْ مَثْدُونُ الْيَدِ، وَلَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا لحَدَّثْتُكُمْ بِما وَعَدَ الله الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْته مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟، قَالَ: إِي وَرَبِّ

стр. 1602

الْكَعْبَةِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أبو بكر بن أبي شيبة) المذكور قبل باب. ٢ - (إسماعيل ابن عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، و"عُلَيّة" أمه، ثقة ثبت حافظ [٨] ٧/ ٤٧. ٣ - (أَيّوب) بن أبي تَمِيمة كيسان السَّختيانيّ، أبو بكر البَصْريُّ، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العبّاد [٥] ٢/ ١٧. ٤ - (محمّد بن سيرين) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عَمْرة البصريّ، ثقة ثبت عابد كبير القدر [٣] ٣/ ٢٤. ٥ - (عَبِيدة) بن عَمْرو، ويقال: ابن قيس بن عمرو السَّلْمانيّ -بسكون اللام، ويقال: بفتحها- المراديّ، أبو عمرو الكوفيّ، تابعيّ كبير مخضرم، ثقة ثبت [٢]. رَوَى عن علي، وابن مسعود، وابن الزُّبير، ورَوَى عنه عبد الله بن سَلِمة المرادي، وإبراهيم النخعي، وأبو إسحاق السبيعي، ومحمد بن سيرين، وأبو حسان الأعرج، وأبو الْبَخْتريّ الطائي، وعامر الشّعبيّ، وغيرهم. قال الشّعبيّ: كان شُرَيح أعلمهم بالقضاء، وكان عَبِيدة يوازيه، وقال أشعث عن محمّد بن سيرين: أدركت الكوفة، وبها أربعة ممّن يُعَدّ في الفقه، فمن بدأ بالحارث ثَنّى بعبيدة، أو العكس، ثمّ علقمة الثّالث، وشُريح الرّابع، ثمّ يقول: وأن أربعة أحسنهم شُريح لخِيَار. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة جاهلي، أسلم قبل وفاة النّبيّ ﷺ بسنتين ولم يره، وكان من أصحاب علي وعبد الله، وكان ابن سيرين من أروى النَّاس عنه، وقال ابن نُمير: كان شُريح إذا أشكل عليه الأمر كتب إلى عَبِيدة، ويُروَى عن ابن سيرين: ما رأيت رجلًا أشدّ توقيّا منه، وكل شيء رَوَى عن إبراهيم عن عَبِيدة سوى رأيه، فإنّه عن عبد الله إِلَّا حديثًا واحدًا. وقال محمّد بن سعد: قال محمّد بن عمر: هاجر عَبِيدة زَمَنَ عمر ﵁. وقال ابن

стр. 1603

معين: كان عيسى بن يونس يقول: السَّلَمَاني مفتوحة. وعَدَّه علي بن المديني في الفقهاء من أصحاب ابن مسعود ﵁. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة لا يُسأل عن مثله. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: علقمة أحبُّ إليك أو عَبِيدة؟ فلم يُخَيَّر، قال عثمان: هما ثقتان. وقال علي بن المديني، وعمرو بن علي الفلاس: أصحُّ الأسانيد محمّد بن سيرين، عن عَبِيدة عن علي. وقال العجلي: كلّ شيءٍ رَوَى محمدٌ (١) عن عَبِيدة، سوى رأيه فهو عن علي، وكلُّ شيء رَوَى عن إبراهيم، فذكر مثل ما تقدّم. قال ابن نُمير وغيرُ واحد: مات سنة اثنتين وسبعين، وقال قعنب: مات سنة (٢) أو (٣). وقال التّرمذيّ: سنة (٣)، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: سنة (٧٤) وكذا أرّخه ابن حبّان في "الثِّقات"، وصححه، وقد قال البخاريّ في "تاريخه": حَدَّثَنَا ابن بشار، ثنا ابن مهدي، ثنا شعبة، عن أبي حَصين قال: أوصى عَبيدة أن يصلّي عليه الأسود، خَشِي أن يصلّي عليه المختار، فبادر فصلّى عليه، وهذا إسناد صحيح، رواه ابن سعد أيضًا عن أبي داود، عن شعبة، ومقتضاه أن عَبِيدة مات قبل سنة تسعين بمدة؛ لأن المختار قُتِل سنة (٦٧) بلا خلاف. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم ١٦٧ و ٢٣٦٢ و ٤٣٣٩. ٦ - (عليّ بن أبي طالب) الخليفة الراشد ﵁ ٢/ ٢٠، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصّحيح. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين إلى ابن سيرين، إِلَّا شيخه فكوفيّ، كالباقيين.

стр. 1604

٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين يروي بعضهم عن بعض: أَيّوب، عن محمّد، عن عبيدة. ٥ - (ومنها): ما تقدّم عن ابن المدينيّ والفلاس أن أصحّ الأسانيد ابن سيرين، عن عبيدة، عليّ ﵁. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشّرين بالجنّة، وزوج بنت الرسول ﵁، وابن عمه، جمّ المناقب ﵁. [تنبيه]: رَوَى هذا الحديث في الخوارج عن علي ﵁ تامًّا ومختصرًا مع عَبِيدة بن عمرو المذكور هنا: عبيدُ الله بن أبي رافع، وسُويد بن غَفَلة، وزيد بن وهب، وكُليب الجرمي، وطارق بن زياد، وأبو مريم، وأبو وَضِى، وأبو كثير، وأبو موسى، وأبو وائل في "مسند إسحاق بن راهويه"، والطبراني، وأبو جحيفة، عند البزار، وأبو جعفر الفراء، مولى علي ﵁، أخرجه الطَّبرانيُّ في "الأوسط"، وكثير بن نُمير، وعاصم بن ضمرة. أفاده في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ﵁، أنه (قَالَ: وَذَكَرَ الْخَوَارجَ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَقَالَ: فِيهِمْ) أي الخوارج (رَجُلٌ مُخدَجُ الْيَدِ) بضم الميم، وإسكان الخاء المعجمة، وفتح الدال-: أي ناقص اليد (أَوْ) للشكّ من الراوي (مَوْدُونُ الْيَدِ) بضم الميم، وإسكان الواو، وفتح الدال، ويقال: بالهمزة، وبتركه، وهو ناقص اليد، ويقال أيضًا: وَدِينُ (أَوْ) للشكّ أيضًا (مَثْدُونُ الْيَدِ) بفتح الميم، وثاء مثلّة ساكنة، وهو صغير اليد، مُجْتمِعها، كثَنْدُوة الثَّدْي، وهي بفتح الثاء بلا همز، وبضمّها مع الهمز، وكان أصله مثنود، فقُدِّمت الدال على النون، كما قالوا: جَبَذَ وجَدبَ، وعاثَ في الأرض، وعَثَا. قاله النوويّ ﵀ (٢).

стр. 1605

وقال القرطبيّ ﵀: ما معناه: قوله: "فيهم رجل مُخْدَج اليد، أو مودن اليد، أو مُثدن اليد" على لفظ الشكّ لجميع الرواة، وقال بعضهم: "مَثْدُون"، وكذا هو عند العُذْريّ، والطّبريّ، والباجيّ. فأمّا "مُخْدَجُ اليد" فناقصها، و"مُثدَنُ اليد" و"مثدونها" صغيرها، ومُجْتَمعها بمنزلة ثندوة الرَّجل، وكان أصله مثند، فقدّمت الدال على النون، كما قالوا: جبذ وجذب، وقيل: معناه كثير اللّحم، قال ابن دريد: ثدن الرَّجل ثدنًا: إذا كثُر لحمه وثَقُل، وعلى هذا فلا يكون في الجرف قلبٌ. وأما "مودن"، فقال أبو مروان بن سرّاج: يُهمز ولا يُهمز، قال ابن دُريد: رجل مودنٌ ناقص الخلق، وودن ومودن، وكلّه بالدال المهملة. والذي يجمع شَتَات هذه الأحاديث في صفة يد هذا المخدج، ويُبيّن صفتها ما جاء في حديث زيد بن وهب الّذي قال فيه: "وآية ذلك أن فيهم رجلًا له عَضُدٌ ليس له ذراعٌ، على رأس عضده مثل حَلَمَة الثدي، عليه شَعَرَاتٌ بِيضٌ"، وهذه الرِّواية هي أحسن الروايات، وأكملها، وأبينها. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). (وَلَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا) كتفرَحُوا وزنًا ومعنًى، أي لولا خشيةُ أن تفرحوا بكثرة الثّواب، وعظيم الأجر فرَحًا يؤدّي إلى ترك الأعمال، وكثرة الطغيان (لحَدَّثْتكُمْ بِمَا وَعَدَ الله) فعل وفاعل، ومفعوله قوله: (الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ ) متعلّق بـ "وعد"، وفي رواية زيد بن وهب عند مسلم: "لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قُضِيَ لهم على لسان نبيهم لَنكلُوا عن العمل". قال عَبِيدة لعلّيّ ﵁ مستثبتًا لا شكّا فيه: (قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْته مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟) أي سمعت هذا الثّواب الّذي وعده الله لقاتليهم؟ (قَالَ) عليّ ﵁ (إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) "إِيْ" -بكسر الهمزة، وسكون الياء- حرف جواب، كنَعَم، قال ابن هشام في "مغنيه":

стр. 1606

"إِيْ" بالكسر والسكون حرف جواب بمعنى "نَعَم"، فيكون لتصديق المخبِر، ولإعلام المستخبر، ولوعد الطالب، فتقع بعد "قام زيد"، و"هل قام زيد"، و"اضرب زيدًا"، ونحوهنّ، كما تقع "نَعَمْ" بعدهنّ، وزعم ابن الحاجب أنها إنّما تقع بعد الاستفهام، نحو قوله : ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ الآية [يونس: ٥٣]، ولا تقع عند الجميع إِلَّا قبل القسم، وإذا قيل: "إي والله"، ثمّ أسقطت الواو جاز سكون الياء وفتحها وحذفها، وعلى الأوّل فيلتقي ساكنان على غير حدّهما. انتهى كلام ابن هشام ﵀ (١). (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي قال هذا الكلام ثلاث مرّات تأكيدًا له. ولمسلم في رواية زيد بن وهب في قصة قتل الخوارج أن عليًّا ﵁ لمَّا قتلهم قال: صدق الله، وبَلَّغَ رسوله، فقام إليه عَبِيدة، فقال يا أمير المؤمنين: اللهِ الّذي لا إله إِلَّا هو لقد سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: إي والله الّذي لا إله إِلَّا هو، حتّى استحلفه ثلاثا. قال النووي ﵀: إنّما استحلفه ليؤكد الأمر عند السامعين، ولتظهر معجزة النّبيّ ﷺ ، وأن عليًّا ومن معه على الحق. قال الحافظ ﵀: وليطمئن قلب المستحلف لإزالة توهم ما أشار إليه عليّ أن الحرب خُدْعَة، فَخَشِي أن يكون لم يسمع في ذلك شيئًا منصوصًا، وإلى ذلك يشير قول عائشة لعبد الله بن شداد، قالت له: ما قال علي حينئذ؟ قال: سمعته يقول: صدق الله ورسوله، قالت: رحم الله عليا إنّه كان لا يرى شيئًا يعجبه إِلَّا قال: صدق الله ورسوله، فيذهب أهل العراق فَيِكْذِبُون عليه، ويزيدونه، فَمِنْ هذا أراد عَبيدة بن عمرو التثبت في هذه القصة بخصوصها، وأن فيها نقلًا منصوصًا مرفوعًا. وأخرج أحمد نحو هذا الحديث عن علي ﵁، وزاد في آخره: "قتالهُم حق على كلّ مسلم.

стр. 1607

ووقع سبب تحديث علي بهذا الحديث في رواية عبيد الله بن أبي رافع، فيما أخرجه مسلم من رواية بشر بن سعيد عنه، قال: إن الحرورية لمّا خرجت، وهو مع علي، قالوا: لا حُكْمَ إِلَّا لله تعالى، فقال علي: "كلمةُ حَقٍّ أريد بها باطل، إن رسول الله ﷺ وَصَفَ ناسًا إنِّي لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم، ولا يجاوز هذا منهم -وأشار بحلقه- مِنْ أبغض خلق الله إليه". ذكره في "الفتح" (١). وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٤/ ١٦٧) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (مسلم) في (٣/ ١١٤) و (أبو داود) (٤٧٦٣) و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٦٦) و (عبد الرزاق) في "مصنفه" (١٨٦٥٢ و ١٨٦٥٣) و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" ١٥/ ٣٠٣ - ٣٠٤ و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٨٣ و ٩٥ و ١٤٤ و ١٥٥) و (عبد الله بن أحمد) في زياداته على "المسند" (١/ ١١٣ و ١٢١ و ١٢٢)، وزياداته على "الفضائل" (١٠٤٦) و (ابن أبي عاصم) في "السنّة" (٩١٢) و (النَّسائيّ) في "الخصائص" (١٨٧ و ١٨٨) و (أبو يعلى) في "مسنده" (٣٣٧) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٣٨) و (الطبرانيّ) في "الصغير" (٩٦٩ و ١٠٠٢) و (البيهقيّ) في "الكبرى" ٨/ ١٨٨، والله تعالى أعلم. (المسألة الثّالثة): في فوائده (٢): ١ - (منها): أن فيه بيان علامة الخوارج في أول خروجهم، وذلك الرَّجل

стр. 1608

الموصوف بأنه مخدوج اليد. ٢ - (ومنها): الحثّ على قتالهم. ٣ - (ومنها): بيان الأجر العظيم لمن قتلهم. ٤ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم أن لا يذكر فضائل بعض الأعمال، إذا خشي على بعض النَّاس أن يغترّوا بها، فيتركوا العمل اتّكالًا عليها، وهذا نظير ما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النّبيّ ﷺ ، ومعاذ رديفه على الرَّحْل، قال: "يا معاذ بن جبل"، قال لَبَّيْكَ يا رسول الله وسعديك، قال: "يا معاذ"، قال لَبَّيْكَ يا رسول الله وسعديك ثلاثًا، قال: "ما من أحد يشهد أن لا إله إِلَّا الله، وأن محمدا رسول الله، صدقًا من قلبه إِلَّا حرمه الله على النّار"، قال: يا رسول الله أفلا أخبر به النَّاس، فيستبشروا؟ قال: "إِذًا يَتَّكِلُوا"، وأخبر بها معاذ عند موته تأثُّمًا. وقد ترجم الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" على هذا، فقال: "باب من خَصَّ بالعلّم قوفا دون قوم كراهيةَ أن لا يفهموا، وقال عليّ: حدّثوا النَّاس بما يعرفون، أتحبّون أن يُكذّب الله ورسوله"، ثمّ أخرج حديث أنس ﵁ المذكور. ٥ - (ومنها): جواز الحلف على الخبر للتأكيد، وإن كان الشخص لا يُتّهم. ٦ - (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوة، حيث أخبر ﷺ بما وقع قبل أن يقع، وذلك أن الخوارج لما حَكَمُوا بكفر من خالفهم، واستباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذِّمَّة، فقالوا نَفِي لهم بعهدهم، وتركوا قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين، وهذا كله من آثار عبادة الجهال الذين لم تنشرح صدورهم بنور العلم، ولم يتمسكوا بحبل وثيق من العلم، وكفى أن رأسهم رَدّ على رسول الله ﷺ أمره، ونسبه إلى الجور، نسأل الله السلامة. ٧ - (ومنها): ما قال ابن هُبَيرة ﵀: وفي الحديث أن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين، والحكمة فيه أن في قتالهم حفظ رأس مال الإسلام، وفي قتال أهل الشرك طلب الربح، وحفظُ رأس المال أولى.

стр. 1609

٨ - (ومنها): أن فيه الزجرَ عن الأخذ بظواهر جميع الآيات القابلة للتأويل الّتي يُفضي القول بظواهرها إلى مخالفة إجماع السلف. ٩ - (ومنها): أن فيه التحذيرَ من الغلو في الديانة، والتنطع في العبادة بالحمل على النفس فيما لم يأذن فيه الشّرع، وقد وصف النبيّ ﷺ الشّريعة بأنها سهلة سمحة، وإنّما ندب إلى الشدة على الكفار، وإلى الرأفة على بالمؤمنين، فعكس ذلك الخوارج. ١٠ - (ومنها): أن فيه جوازَ قتال من خرج عن طاعة الإمام العادل، ومن نصب الحرب فقاتل على اعتقاد فاسد، ومن خرج يقطع الطرق، ويخيف السبيل، ويسعى في الأرض بالفساد، وأما من خرج عن طاعة إمام جائر، أراد الغلبة على ماله أو نفسه أو أهله فهو معذور، ولا يحل قتاله، وله أن يدفع عن نفسه وماله وأهله بقدر طاقته. وقد أخرج الطّبريّ بسند صحيح، عن عبد الله بن الحارث، عن رجل من بني نضر، عن عليّ، وذكر الخوارج، فقال: إن خالفوا إمامًا عدلًا فقاتلوهم، وإن خالفوا إمامًا جائرًا فلا تقاتلوهم، فإن لهم مقالًا. قال الحافظ ﵀: وعلى ذلك يحمل ما وقع للحسين بن علي، ثمّ لأهل المدينة في الحرَّة، ثمّ لعبد الله بن الزُّبير، ثمّ للقراء الذين خرجوا على الحجاج في قصة عبد الرّحمن بن محمّد بن الأشعث. والله أعلم. ١١ - (ومنها): ما قيل: إن فيه ذمَّ استئصال شعر الرّأس، لكن فيه نظر؛ لاحتمال أن يكون المراد بيان صفتهم الواقعة، لا لإرادة ذمها، وترجم أبو عوانة في "صحيحه" لهذه الأحاديث: "بيانُ أن سبب خروج الخوارج كان بسبب الأَثَرَة في القسمة مع كونها كانت صوابًا، فخفي عنهم ذلك". ١٢ - (ومنها): أن فيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الحزوج منه، ومن غير أن يختار دينًا على دين الإسلام. ١٣ - (ومنها): أن الخوارج شرُّ الفرق المبتدعة من الأمة المحمدية، ومن اليهود

стр. 1610

والنصارى. والأخير مبني على القول بتكفيرهم مطلقًا. ١٤ - (ومنها): أنه لا يُكتَفَى في التعديل بظاهر الحال، ولو بلغ المشهود بتعديله الغاية في العبادة والتقشف والورع حتّى يُخْتَبَر باطن حاله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرّابعة): في حكم قتال الخوارج: قال النوويّ ﵀ في "شرح مسلم": قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الخوارج وأشباههم من أهل البدع والبغي متى خَرَجُوا على الإمام، وخالفوا رأي الجماعة، وشَقُّوا العصا وجب قتالهم بعد إنذارهم، والاعتذار إليهم، قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، لكن لا يُجَهَّز على جريحهم، ولا يُتَّبَع مُنهزمهم، ولا يَقتُل أسيرهم، ولا تباح أموالهم، وما لم يخرجوا عن الطّاعة، وينتصبوا للحرب لا يقاتَلُون، بل يوعظون، ويستتابون من بدعتهم وباطلهم، وهذا كله ما لم يُكَفَّروا ببدعتهم، فإن كانت بدعةً ممّا يُكَفَّرون به جَرَت عليهم أحكام المرتدين. وأما البغاة الذين لا يُكَفَّرون، فَيَرِثُون ويورثون، ودمهم في حال القتال هَدَرٌ، وكذا أموالهم الّتي تُتْلَفُ في القتال، والأصح أنهم لا يُضَمَّنُون أيضًا ما أتلفوه على أهل العدل في حال القتال من نفس ومال، وما أتلفوه في غير حال القتال من نفس ومال ضمِنُوه، ولا يحل الانتفاع بشيء من دوابهم وسلاحهم في حال الحرب عندنا، وعند الجمهور، وجوزه أبو حنيفة. والله أعلم. انتهى كلام النووي (١) وهو تفصيل حسنٌ. وقال في "الفتح" نقلًا عن الغزالي في "الوسيط" تبعًا لغيره: في حكم الخوارج وجهان: أحدهما أنه كحكم أهل الردة، والثّاني: أنه كحكم أهل البغي، ورجح الرافعي

стр. 1611

الأوّل، وليس الّذي قاله مُطَّرِدًا في كلّ خارجي، فإنهم على قسمين: أحدهما: من تقدّم ذكره، والثّاني من خرج في طلب الملك، لا للدعاء إلى معتقده، وهم على قسمين أيضًا: قسم أخرجوا غضبًا للدين، من أجل جَوْر الولاة، وترك عملهم بالسُّنَّة النبوية، فهؤلاء أهل حقّ، ومنهم الحسن بن على، وأهل المدينة في الحرة، والقراء الذين خرجوا على الحجاج، وقسم أخرجوا لطلب الملك فقط، سواء كانت فيهم شبهة أم لا، وهم البغاة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٦٨ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الله بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ النَّاسِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإسْلَامِ، كَمَا يَمْرُقُ الْسَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَمَنْ لَقِيَهُمْ فَلْيَقْتُلْهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ عِنْدَ الله لمِنْ قَتَلَهُمْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أبو بكر بن أبي شيبة) المذكور قريبًا. ٢ - (عبد الله بن عامر بن زُرَارة) الحضرميّ مولاهم، أبو محمّد الكوفيّ، صدوق [١٠] ٤/ ٣٠. ٣ - (أبو بكر بن عيّاش) بن سالم الأسديّ الكوفيّ المُقرئ الحنّاط، مشهور بكنية، والأصحّ أنها اسمه، ثقة عابدٌ إِلَّا أنه لمّا كبِر ساء حفظه، وكتابه صحيح [٧] ٢٠/ ١٣٨. ٤ - (عاصم) بن بَهدلة، وهو ابن أبي النَّجُود الأسديّ مولاهم الكوفيّ المُقرئ، صدوق له أوهام (٢)، حجة في القراءة [٦] ٢/ ١٣٨.

стр. 1612

٥ - (زِرّ) بن حُبيش بن حُبَاشة الأسديّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقة جليل مخضرم [٢] ١٤/ ١١٤. ٦ - (عبد الله بن مسعود) الصحابيّ الشهير ﵁ ٢/ ١٩، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله موثقون، بل أخرج البخاريّ لأبي بكر بن عياش، وأخرجا لعاصم مقرونًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمَانِ) كذا وقع في هذا الحديث، وفي حديث أبي برزة عند النسائي بلفظ: "يَخرُج في آخر الزّمان قوم"، وهذا قد يخالف حديث أبي سعيد له، فإن مقتضاه انهم خرجوا في خلافة علي ﵁، وكذا أكثر الأحاديث الواردة أمرهم. وقد أجاب ابن التين ﵀ بأن المراد زمان الصّحابة، وفيه نظر؛ لأن آخر زمان الصّحابة كان على رأس المائة، وهم قد خرجوا قبل ذلك بأكثر من ستين سنة. ويمكن الجمع بأن المراد بآخر الزّمان زمان خلافة النبوة، فإن في حديث سفينة المُخَرَّج في "السنن"، و"صحيح ابن حبّان"، وغيره مرفوعًا: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثمّ تصير مُلْكًا"، وكانت قصة الخوارج، وقتلهم بالنهروان في أواخر خلافة علي ﵁ سنة ثمان وعشرين بعد النّبيّ ﷺ بدون الثلاثين بنحو سنتين. قاله في "الفتح" (١).

стр. 1613

(قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ) بمهملة، ثمّ مثلثة، جمع حَدَث بفتحتين، والحدث هو الصغير السن، قال في "الفتح" في شرح حديث عليّ ﵁: هكذا أكثر الروايات، ووقع هنا للمستملي والسرخسي "حُدَّاث" بضم أوله، وتشديد الدال، قال في "المطالع": معناه شَبَابٌ، جمع حَدِيث السن، أو جمع حَدَث، قال ابن التين: حِدَاث جمع حَدِيث، مثل كِرَام جمع كريم، وكِبَار جمع كبير، والحديث الجديد من كلّ شيء، ويطلق على الصغير بهذا الاعتبار، وتقدم في "التفسير حُدَّاث" مثل هذا اللّفظ، لكنه هناك جمع قياس، والمراد سُمّار يتحدثون، قاله في "النهاية"، وتقدم في "علامات النبوة" بلفظ: "حُدَثاء" بوزن سُفَهاء، وهو جمع حديث، كما تقدّم تقريره. و"الأسنان" جمع سِنٍّ، والمراد به العمر، والمراد أنهم شباب. (سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ) جمع حِلْم بكسر أوله، والمراد به العقل، والمعنى أن عقولهم رديئة، قال النووي: يستفاد منه أن التثبت، وقوة البصيرة تكون عند كمال السنّ، وكثرة التجارب، وقوة العقل. وتعقّبه الحافظ، فقال: ولم يظهر لي وجه الأخذ منه، فإن هذا معلوم بالعادة، لا من خصوص كون هؤلاء كانوا بهذه الصِّفَة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه عندي أن تعقّب الحافظ ممّا لا وجه له، فاستنباط النوويّ ظاهر، فتأمله بإنصاف. والله تعالى أعلم. (يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ النَّاسِ) أي يقولون قولًا هو من خير قول النَّاس، أي ظاهرًا، قيل: أراد قولهم: "لا حكم إِلَّا لله" حين التحكيم، ولذلك قال عليّ ﵁ في جوابهم: "كلمة حقّ أريد بها باطل"، وكذا دعاؤهم إلى كتاب الله، وبالجملة فالمراد أنهم يتكلّمون ببعض الأقوال الّتي هي من خيار قول النَّاس في الظّاهر (١). وأفاد في "الفتح" أنه قيل: إنّه مقلوب، وأن الأصل "من قول خير النَّاس"، وأن

стр. 1614

المراد به القرآن، قال: ويحتمل أن يكون على ظاهره، والمراد القول الحسن في الظّاهر، وباطنه على خلاف ذلك، كقولهم: "لا حكم إِلَّا لله" في جواب علي ﵁، وقد وقع عند الطّبريّ من رواية طارق بن زياد قال: "خرجنا مع علي ... فذكر الحديث، وفيه: "يخرج قوم يتكلمون كلمة حق، لا تجاوز حلوقهم"، وفي حديث أنس عن أبي سعيد عند أبي داود والطبراني: "يُحسنون القول، ويسيئون الفعل"، ونحوه في حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد، وفي حديث مسلم عن علي ﵁: "يقولون الحقّ، لا يجاوز هذا"، وأشار إلى حلقه (١). (يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ) وفي حديث أبي سعيد ﵁ عند مسلم: "يتلون كتاب الله رَطْبًا" قال القرطبيّ ﵀: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: الحِذْق بالتلاوة، والمعنى أنهم يأتون به على أحسن أحواله. والثّاني: المواظبة على تلاوته، فلا تزال ألسنتهم رطبةً به. والثّالث: حسن الصوت بالقراءة. انتهى (٢). (لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ) قال ابن الأثير ﵀: "التراقي" جمع تَرْقُوَة بفتح أوله، وسكون الراء، وضم القاف، وفتح الواو، وهي العظم الّذي بين ثُغْرَة النَّحْر والعاتق، وهما تَرْقُوَتان من الجانبين، ووزْنُهَا فَعْلُوةٌ بالفتح، والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله تعالى، ولا يَقبَلها، فكأنها لم تتجاوز حُلْقُومهم، وقيل: المعنى أنهم لا يعملون بالقرآن، ولا يُثَابون على قراءته، فلا يَحصُلُ لهم غير القراءة. انتهى بزيادة يسيرة من "الفتح" (٣). وقال السنديّ ﵀: أي لا يُجاوز حُلْقومهم بالصعود إلى محلّ القبول، أو النزول إلى القلوب؛ ليؤثِّر في قلوبهم. انتهى (٤).

стр. 1615

وقال في "الفتح": المعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها، وقيل: لا يعملون بالقرآن، فلا يثابون على قراءته، فلا يحصل لهم إِلَّا سَرْدُ. وقال النووي: المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إِلَّا مروره على لسانهم، لا يصل إلى حلوقهم فضلًا عن أن يصل إلى قلوبهم؛ لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب. انتهى. قال الحافظ: هو مثل قوله فيهم أيضًا: "لا يجاوز إيمانهم حناجرهم"، أي ينطقون بالشهادتين، ولا يعرفونها بقلوبهم، ووقع في رواية لمسلم: "يقرءون القرآن رطبا"، قيل المراد الحِذْق في التلاوة، أي يأتون به على أحسن أحواله، وقيل: المراد أنهم يُواظبون على تلاوته، فلا تزال ألسنتهم رطبة به، وقيل: هو كناية عن حسن الصوت به، حكاها القرطبي، ويرجح الأوّل ما وقع في رواية أبي الوَدّاك عن أبي سعيد عند مسدد: "يقرءون القرآن كأحسن ما يقرؤه النَّاس"، ويؤيد الآخر قوله في رواية مسلم عن أبي بكرة عن أبيه: "قوم أشدّاء أحدّاء، ذَلِقَةٌ ألسنتهم بالقرآن"، أخرجه الطّبريّ، وزاد في رواية عبد الرّحمن بن أبي نُعْم عن أبي سعيد: "يقتلون أهل الإسلام، ويَدَعُون أهل الأوثان، يمرقون"، وأرجحها الثالث. انتهى. وفي رواية البخاريّ في حديث عليّ ﵁: "لا يجاوز إيمانهم حناجرهم"، قال في "الفتح": في رواية الكشميهني: "لا يجوز"، و"الحناجر" بالحاء المهملة، ثمّ الجيم، جمع حنجرة بوزن قَسْوَرَة، وهي الحلقوم والبلعوم، وكله يُطلَق على مَجْرَى النَّفَس، وهو طَرَف الْمَرِيء ممّا يلي الفم، ووقع في رواية مسلم من رواية زيد بن وهب عن علي ﵁: "لا تجاوز صلاتهم تراقيهم"، فكأنه أَطلق الإيمان على الصّلاة، وله في حديث أبي ذر ﵁: "لا يجاوز إيمانهم حلاقيمهم"، والمراد أنهم يؤمنون بالنطق لا بالقلب، وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع عن علي ﵁ عند مسلم: "يقولون الحق بألسنتهم، لا يجاوز هذا منهم"، وأشار إلى حلقه، وهذه المجاوزة غير المجاوزة في حديث أبي سعيد ﵁. انتهى. (يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ) أي يَجُوزُونه، ويخرقونه، ويتعدَّونه، ويخرُجون منه،
следующие страницы →