← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

الأوّل، وليس الّذي قاله مُطَّرِدًا في كلّ خارجي، فإنهم على قسمين: أحدهما: من تقدّم ذكره، والثّاني من خرج في طلب الملك، لا للدعاء إلى معتقده، وهم على قسمين أيضًا: قسم أخرجوا غضبًا للدين، من أجل جَوْر الولاة، وترك عملهم بالسُّنَّة النبوية، فهؤلاء أهل حقّ، ومنهم الحسن بن على، وأهل المدينة في الحرة، والقراء الذين خرجوا على الحجاج، وقسم أخرجوا لطلب الملك فقط، سواء كانت فيهم شبهة أم لا، وهم البغاة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٦٨ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الله بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ النَّاسِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإسْلَامِ، كَمَا يَمْرُقُ الْسَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَمَنْ لَقِيَهُمْ فَلْيَقْتُلْهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ عِنْدَ الله لمِنْ قَتَلَهُمْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أبو بكر بن أبي شيبة) المذكور قريبًا. ٢ - (عبد الله بن عامر بن زُرَارة) الحضرميّ مولاهم، أبو محمّد الكوفيّ، صدوق [١٠] ٤/ ٣٠. ٣ - (أبو بكر بن عيّاش) بن سالم الأسديّ الكوفيّ المُقرئ الحنّاط، مشهور بكنية، والأصحّ أنها اسمه، ثقة عابدٌ إِلَّا أنه لمّا كبِر ساء حفظه، وكتابه صحيح [٧] ٢٠/ ١٣٨. ٤ - (عاصم) بن بَهدلة، وهو ابن أبي النَّجُود الأسديّ مولاهم الكوفيّ المُقرئ، صدوق له أوهام (٢)، حجة في القراءة [٦] ٢/ ١٣٨.

стр. 1612

٥ - (زِرّ) بن حُبيش بن حُبَاشة الأسديّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقة جليل مخضرم [٢] ١٤/ ١١٤. ٦ - (عبد الله بن مسعود) الصحابيّ الشهير ﵁ ٢/ ١٩، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله موثقون، بل أخرج البخاريّ لأبي بكر بن عياش، وأخرجا لعاصم مقرونًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمَانِ) كذا وقع في هذا الحديث، وفي حديث أبي برزة عند النسائي بلفظ: "يَخرُج في آخر الزّمان قوم"، وهذا قد يخالف حديث أبي سعيد له، فإن مقتضاه انهم خرجوا في خلافة علي ﵁، وكذا أكثر الأحاديث الواردة أمرهم. وقد أجاب ابن التين ﵀ بأن المراد زمان الصّحابة، وفيه نظر؛ لأن آخر زمان الصّحابة كان على رأس المائة، وهم قد خرجوا قبل ذلك بأكثر من ستين سنة. ويمكن الجمع بأن المراد بآخر الزّمان زمان خلافة النبوة، فإن في حديث سفينة المُخَرَّج في "السنن"، و"صحيح ابن حبّان"، وغيره مرفوعًا: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثمّ تصير مُلْكًا"، وكانت قصة الخوارج، وقتلهم بالنهروان في أواخر خلافة علي ﵁ سنة ثمان وعشرين بعد النّبيّ ﷺ بدون الثلاثين بنحو سنتين. قاله في "الفتح" (١).

стр. 1613

(قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ) بمهملة، ثمّ مثلثة، جمع حَدَث بفتحتين، والحدث هو الصغير السن، قال في "الفتح" في شرح حديث عليّ ﵁: هكذا أكثر الروايات، ووقع هنا للمستملي والسرخسي "حُدَّاث" بضم أوله، وتشديد الدال، قال في "المطالع": معناه شَبَابٌ، جمع حَدِيث السن، أو جمع حَدَث، قال ابن التين: حِدَاث جمع حَدِيث، مثل كِرَام جمع كريم، وكِبَار جمع كبير، والحديث الجديد من كلّ شيء، ويطلق على الصغير بهذا الاعتبار، وتقدم في "التفسير حُدَّاث" مثل هذا اللّفظ، لكنه هناك جمع قياس، والمراد سُمّار يتحدثون، قاله في "النهاية"، وتقدم في "علامات النبوة" بلفظ: "حُدَثاء" بوزن سُفَهاء، وهو جمع حديث، كما تقدّم تقريره. و"الأسنان" جمع سِنٍّ، والمراد به العمر، والمراد أنهم شباب. (سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ) جمع حِلْم بكسر أوله، والمراد به العقل، والمعنى أن عقولهم رديئة، قال النووي: يستفاد منه أن التثبت، وقوة البصيرة تكون عند كمال السنّ، وكثرة التجارب، وقوة العقل. وتعقّبه الحافظ، فقال: ولم يظهر لي وجه الأخذ منه، فإن هذا معلوم بالعادة، لا من خصوص كون هؤلاء كانوا بهذه الصِّفَة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه عندي أن تعقّب الحافظ ممّا لا وجه له، فاستنباط النوويّ ظاهر، فتأمله بإنصاف. والله تعالى أعلم. (يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ النَّاسِ) أي يقولون قولًا هو من خير قول النَّاس، أي ظاهرًا، قيل: أراد قولهم: "لا حكم إِلَّا لله" حين التحكيم، ولذلك قال عليّ ﵁ في جوابهم: "كلمة حقّ أريد بها باطل"، وكذا دعاؤهم إلى كتاب الله، وبالجملة فالمراد أنهم يتكلّمون ببعض الأقوال الّتي هي من خيار قول النَّاس في الظّاهر (١). وأفاد في "الفتح" أنه قيل: إنّه مقلوب، وأن الأصل "من قول خير النَّاس"، وأن

стр. 1614

المراد به القرآن، قال: ويحتمل أن يكون على ظاهره، والمراد القول الحسن في الظّاهر، وباطنه على خلاف ذلك، كقولهم: "لا حكم إِلَّا لله" في جواب علي ﵁، وقد وقع عند الطّبريّ من رواية طارق بن زياد قال: "خرجنا مع علي ... فذكر الحديث، وفيه: "يخرج قوم يتكلمون كلمة حق، لا تجاوز حلوقهم"، وفي حديث أنس عن أبي سعيد عند أبي داود والطبراني: "يُحسنون القول، ويسيئون الفعل"، ونحوه في حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد، وفي حديث مسلم عن علي ﵁: "يقولون الحقّ، لا يجاوز هذا"، وأشار إلى حلقه (١). (يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ) وفي حديث أبي سعيد ﵁ عند مسلم: "يتلون كتاب الله رَطْبًا" قال القرطبيّ ﵀: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: الحِذْق بالتلاوة، والمعنى أنهم يأتون به على أحسن أحواله. والثّاني: المواظبة على تلاوته، فلا تزال ألسنتهم رطبةً به. والثّالث: حسن الصوت بالقراءة. انتهى (٢). (لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ) قال ابن الأثير ﵀: "التراقي" جمع تَرْقُوَة بفتح أوله، وسكون الراء، وضم القاف، وفتح الواو، وهي العظم الّذي بين ثُغْرَة النَّحْر والعاتق، وهما تَرْقُوَتان من الجانبين، ووزْنُهَا فَعْلُوةٌ بالفتح، والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله تعالى، ولا يَقبَلها، فكأنها لم تتجاوز حُلْقُومهم، وقيل: المعنى أنهم لا يعملون بالقرآن، ولا يُثَابون على قراءته، فلا يَحصُلُ لهم غير القراءة. انتهى بزيادة يسيرة من "الفتح" (٣). وقال السنديّ ﵀: أي لا يُجاوز حُلْقومهم بالصعود إلى محلّ القبول، أو النزول إلى القلوب؛ ليؤثِّر في قلوبهم. انتهى (٤).

стр. 1615

وقال في "الفتح": المعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها، وقيل: لا يعملون بالقرآن، فلا يثابون على قراءته، فلا يحصل لهم إِلَّا سَرْدُ. وقال النووي: المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إِلَّا مروره على لسانهم، لا يصل إلى حلوقهم فضلًا عن أن يصل إلى قلوبهم؛ لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب. انتهى. قال الحافظ: هو مثل قوله فيهم أيضًا: "لا يجاوز إيمانهم حناجرهم"، أي ينطقون بالشهادتين، ولا يعرفونها بقلوبهم، ووقع في رواية لمسلم: "يقرءون القرآن رطبا"، قيل المراد الحِذْق في التلاوة، أي يأتون به على أحسن أحواله، وقيل: المراد أنهم يُواظبون على تلاوته، فلا تزال ألسنتهم رطبة به، وقيل: هو كناية عن حسن الصوت به، حكاها القرطبي، ويرجح الأوّل ما وقع في رواية أبي الوَدّاك عن أبي سعيد عند مسدد: "يقرءون القرآن كأحسن ما يقرؤه النَّاس"، ويؤيد الآخر قوله في رواية مسلم عن أبي بكرة عن أبيه: "قوم أشدّاء أحدّاء، ذَلِقَةٌ ألسنتهم بالقرآن"، أخرجه الطّبريّ، وزاد في رواية عبد الرّحمن بن أبي نُعْم عن أبي سعيد: "يقتلون أهل الإسلام، ويَدَعُون أهل الأوثان، يمرقون"، وأرجحها الثالث. انتهى. وفي رواية البخاريّ في حديث عليّ ﵁: "لا يجاوز إيمانهم حناجرهم"، قال في "الفتح": في رواية الكشميهني: "لا يجوز"، و"الحناجر" بالحاء المهملة، ثمّ الجيم، جمع حنجرة بوزن قَسْوَرَة، وهي الحلقوم والبلعوم، وكله يُطلَق على مَجْرَى النَّفَس، وهو طَرَف الْمَرِيء ممّا يلي الفم، ووقع في رواية مسلم من رواية زيد بن وهب عن علي ﵁: "لا تجاوز صلاتهم تراقيهم"، فكأنه أَطلق الإيمان على الصّلاة، وله في حديث أبي ذر ﵁: "لا يجاوز إيمانهم حلاقيمهم"، والمراد أنهم يؤمنون بالنطق لا بالقلب، وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع عن علي ﵁ عند مسلم: "يقولون الحق بألسنتهم، لا يجاوز هذا منهم"، وأشار إلى حلقه، وهذه المجاوزة غير المجاوزة في حديث أبي سعيد ﵁. انتهى. (يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ) أي يَجُوزُونه، ويخرقونه، ويتعدَّونه، ويخرُجون منه،

стр. 1616

يقال: مرق السهم من الرَّمِيّة، من باب قعد: خرج منه من غير مدخله. قاله في "النهاية"، و"المصباح" (١)، وأصل المروق: الخروج عند أهل اللُّغة، يقال: مَرَقَ السهم من الْغَرَض: إذا أصابه، ثمّ نَفَذَ منه، فهو يَمْرُقُ منه مَرْقًا ومُرُوقًا، وانمرق منه، وأمرقه الرامي إذا فعل ذلك به. قال القرطبيّ: وبهذا اللّفظ سُمُّوا المارقة؛ لأنهم مَرَقُوا من الدين، وخرجوا على خيار المسلمين. انتهى (٢). (كَمَا يَمْرُقُ) أي كما يخرُج (السَّهْمُ) بفتح، فسكون: واحد من النَّبْلِ، وقيل: هو نفس النصل. قاله في "المصباح" (مِنَ الرَّمِيَّةِ) بفتح الراء، وكسر الميم، وتشديد الياء، فَعِيلة بمعنى مفعولة، من الرَّمْي، والمراد الصَّيد المرميّ، كالغَزَالة المرمية مثلًا. قاله في "الفتح"، وقال في موضع آخر: قوله: "من الرمية" -بكسر الميم، وتشديد التحتانية- فَعِيلة بمعنى مفعولة، فأدخلت فيها الهاء، وإن كان فَعِيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ للإشارة لنقلها من الوصفية إلى الاسمية، وقيل: إن شرط استواء المذكر والمؤنث أن يكون الموصوف مذكورًا معه، وقيل: شرطه سقوط الهاء من المؤنث قبل وقوع الوصف، تقول: خُذْ ذَبِيحتك، أي الشاة الّتي تريد ذبحها، فإذا ذبحتها قيل لها حينئذ: ذَبِيح. انتهى (٣). زاد في حديث أبي ذرّ ﵁ الآتي: "ثمّ لا يعودون فيه، هم شرار الخلق والخليقة"، وفي رواية معبد بن سيرين، عن أبي سعيد عند البخاريّ في آخر "كتاب التّوحيد": "لا يعودون فيه حتّى يعود السهم إلى فُوقِهِ". (فَمَنْ لَقِيَهُمْ فَلْيَقْتُلْهُمْ) فيه الأمر بقتلهم، وأنه متعيّنٌ إِلَّا إذا تابوا (فَإِنَّ قَتْلَهُمْ) الفاء تعليليّة، أي لأن قتلهم (أَجْرٌ) أي ذو أجر عظيم، فالتنوين للتعظيم، وقوله: (عِنْدَ

стр. 1617

الله) تعالى متعلّق بصفة لـ "أجر"، وقوله: (لمَنْ قَتَلَهُمْ) متعلّق بصفة أيضًا، أو بحال مقدّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه أبو بكر بن عيّاش، وقد تقدّم الكلام فيه، فهو حسن الحديث، وكذا الكلام في عاصم؟. [قلت]: إنما صحّ بشواهده، فقد جاء من حديث جماعة من الصّحابة ﵃، عن النّبيّ ﷺ منهم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبو ذرّ، وابن عبّاس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وحذيفة، وأبو بكرة، وعائشة، وجابر، وأبو برزة، وأبو أمامة، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن حنيف، وسلمان الفارسيّ، ورافع بن عمرو، وسعد بن أبي وقّاص، وعمار بن ياسر، وجندب بن عبد الله البجلي، وعبد الرّحمن بن عُدَيس، وعقبة بن عامر، وطلق بن علي، وأبو هريرة، أخرجه الطَّبرانيُّ في "الأوسط" بسند جيد من طريق الفرزدق الشاعر أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد، وسألهما، فقال: إنِّي رجل من أهل المشرق، وأن قومًا يخرجون علينا، يقتلون من قال: لا إله إِلَّا الله، ويُؤَمِّنُون مَنْ سِوَاهم، فقالا لي: سمعنا النّبيّ ﷺ يقول: "من قتلهم فله أجر شهيد، ومن قتلوه فله أجر شهيد". قال الحافظ ﵀: فهؤلاء خمسة وعشرون نفسًا من الصّحابة، والطرق إلى كثير منهم متعددة، كعلي، وأبي سعيد، وعبد الله بن عمر، وأبي بكرة، وأبي برزة، وأبي ذرّ، فيفيد مجموع خبرهم القطع بصحة ذلك عن رسول الله ﷺ ، أفاده في "الفتح" (١). فتبين بهذا أن الحديث صحيح، بل هو متواتر، والله تعالى أعلم.

стр. 1618

(المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٤/ ١٦٨) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (الترمذي) في (٢١٨٨) و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٤٠٤). وأما فوائده فقد تقدّم بعضها، ويأتي قريبًا بعضها -إن شاء الله تعالى-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٦٩ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي سَعِيدٍ الخدْرِيِّ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ في الْحُرُورِيَّةِ شَيْئًا؟ فَقَالَ: سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ قَوْمًا يَتَعَبَّدُونَ يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصَوْمَهُ مَعَ صَوْمهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، أَخَذَ سَهْمَهُ فَنَظَرَ في نَصْلِهِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَنَظَرَ في رِصَافِهِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَنَظَرَ في قِدْحِهِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَنَظَرَ في الْقُذَذِ فَتَمَارَى هَلْ يَرَى شَيْئًا أَمْ لَا؟ "). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أبو بكر بن أبي شيبة) المذكور قبله. ٢ - (يزيد بن هارون) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقنٌ عابد [٩] ١٦/ ١٢٧. ٣ - (محمّد بن عمرو) بن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، صدوقٌ له أوهام [٦] ٢/ ٢٢. ٤ - (أبو سلمة) بن عبد الرّحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ٢/ ٢٢. ٥ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان ﵄ المذكور قبل باب، والله تعالى أعلم.

стр. 1619

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، ومحمد بن عمرو أخرج له البخاريّ مقرونًا بغيره، ومسلم في المتابعات. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من محمّد بن عمرو. ٤ - (ومنها): أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو مشهور بكنيته، بل الصّحيح أنها اسمه، وقيل: اسمه عبد الله، وقيل إسماعيل. ٥ - (ومنها): أن أبا سعيد ﵁ أحد المكثرين السبعة، كما سبق قريبًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) وفي رواية البخاريّ من طريق محمّد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي سلمة وعطاء بن يسار أنهما أتيا أبا سعيد الخدريّ، فسألاه عن الحروريّة ... (قالَ) أبو سلمة (قُلْتُ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ﵁ (هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ الله ﷺ يَذْكُرُ في الْحُرُورِيَّةِ شَيْئًا؟) زاد في رواية للبخاريّ: "لا أدري ما الحروريّة؟ "، قالَ في "الفتح": هذا يغاير قوله في أول حديث الباب الّذي يليه: "وأشهد أن عليّا قتلهم، وأنا معه"، فإن مقتضى الأوّل أنه لا يدري هل ورد الحديث الّذي ساقه في الحروريّة أولا؟، ومقتضى الثّاني أنه ورد فيهم. ويمكن الجمع بأن مراده بالنَّفْي هنا أنه لم يحفظ فيهم نصًّا بلفظ الحروريّة، وإنّما سمع قصّتهم الّتي دلّ وجود علامتهم في الحروريّة بأنهم هم. انتهى. (فَقَالَ) أبو سعيد ﵁ (سَمِعْته) أي النبيّ ﷺ (يَذْكُرُ قَوْمًا) وفي رواية البخاريّ: "سمعت النبيّ ﷺ يقول: يخرج في هذه الأمة -ولم يقل: منها ... "، قال في "الفتح": لم تختلف الطرق الصحيحة على أبي سعيد في ذلك، فعند مسلم حن رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد "أن النبيّ ﷺ ذكر قومًا يكونون في أمته"، وله من وجه آخر "تمرُق مارقة عند

стр. 1620

فُرقة من المسلمين"، وله من رواية الضحاك المِشْرَقِيّ، عن أبي سعيد نحوه، وأما ما أخرجه الطّبريّ من وجه آخر عن أبي سعيد بلفظ "من أُمَّتي"، فسنده ضعيف، لكن وقع عند مسلم من حديث أبي ذرّ ﵁ بلفظ: "سيكون بعدي من أُمَّتي قوم"، وله من طريق زيد بن وهب، عن عليّ ﵁: يخرُج قوم من أُمَّتي. ويجمع بينه وبين حديث أبي سعيد بأن المراد بالأمة في حديث أبي سعيد أمة الإجابة، وفي رواية غيره أمة الدّعوة. قال النوويّ ﵀: وفيه دلالة على فقه الصّحابة ﵃، وتحريرهم الألفاظ، وفيه إشارة من أبي سعيد ﵁ إلى تكفير الخوارج، وأنهم من غير هذه الأمة. انتهى. (يَتَعَبَّدُونَ) أي يتعمّقون في العبادة، ويتكلّفون فيها، (يَحْقِرُ) بفتح أوله من باب ضرب: أي يستقلّ، واللازم من باب كَرُمَ (أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتهِمْ، وَصَوْمَهُ مَعَ صَوْمِهِمْ) وفي رواية عاصم بن شميخ، عن أبي سعيد: "تحقرون أعمالكم مع أعمالهم"، ووصف عاصم أصحاب نَجْدَة الحروريّ بأنهم يصومون النهار، ويقومون اللّيل، ويأخذون الصدقات على السنّة، أخرجه الطّبريّ، ومثله عنده من رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، وفي رواية محمّد بن عمرو، عن أبي سلمة عنده "يتعبّدون، يحقر أحدكم صلاته وصيامه مع صلاتهم وصيامهم"، ومثله من رواية أنس عن أبي سعيد، وزاد في رواية الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة: "وأعمالكم مع أعمالهم"، وفي رواية سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب، عن علي ﵁: "ليست قراءتكم إلى قراءتهم شيئًا، ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئًا"، أخرجه مسلم، والطّبريّ، وعنده من طريق سليمان التيمي، عن أنس ﵁: ذُكِر لي عن رسول الله ﷺ قال: إن فيكم قومًا يَدْأَبُون، ويَعمَلُون حتّى يُعجِبُوا النَّاس وتُعجِبهم أنفسهم"، ومن طريق حفص ابن أخي أنس عن عمه بلفظ: "يتعمقون في الدين"، وفي حديث ابن عبّاس عند الطَّبرانيُّ في قصة مناظرته للخوارج قال: "فأتيتهم فدخلت على قوم لم أَرَ أَشَدَّ اجتهادًا منهم، أيديهم كأنها ثفن الإبل، ووجوههم معلمة من آثار السجود"، وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عبّاس أنه

стр. 1621

ذُكِر عنده الخوارج، واجتهادُهم في العبادة، فقال: ليسوا أَشَدَّ اجتهادًا من الرهبان. (يَمْرُقُونَ) من باب نصر، أي يخرجون (مِنَ الدِّينِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) تقدّم الكلام على هذه الجملة في الحديث الماضي. (أَخَذَ) أي الرامي (سَهْمَهُ) تقدّم معنى السهم (فَنَظَرَ) وفي رواية البخاريّ: "فينظر الرامي إلى سهمه، إلى نصله" والجارّ والمجرور بدل من الأوّل، أي ينظر إليه جملة، ثمّ تفصيلًا، وفي رواية عند الطّبريّ: "ينظر إلى سهمه، فلا يرى شيئًا، ثمّ ينظر إلى نَصْلِه، ثمّ إلى رُصَافه". (في نَصْلِهِ) أي نصل السهم، وهو بفتح النون، وسكون الصاد، ويقال: له النَّصْلانُ: حديدة السهم والرُّمْحِ والسيف ما لم يكن له مَقْبِضٌ. قاله في "القاموس". (فَلَمْ يَرَ شَيْئًا) أي من الدم ونحوه ملصوقًا به؛ لسرعة خروجه (فَنَظَرَ في رِصَافِهِ) بكسر الراء، قيل: وبالضمّ، وبالصاد المهملة، جمع رَصَفَة بفتحين، وهو عَصَبٌ يُلْوَى على مدخل النصل في السهم (فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَنَظَرَ في قِدْحِهِ) بكسر القاف، وسكون الدال المهملة، بعدها حاء مهملة: عُود السهم (فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَنَظَرَ في الْقُذَذِ) بضم القاف، وبذالين معجمتين، الأولى مفتوحة: هو رِيشُ السهم، واحدها قُذّة بالضمّ (فَتَمَارَى) أي تشكّك (هَلْ يَرَى شَيْئًا أَمْ لَا؟) أي هل بقي محلّ فيه شيء من الدم. وفي رواية لمسلم: "فينظر الرامي إلى سهمه، إلى نصله، إلى رِصَافه، فيتمارى في الْفُوقَة، هل عَلِقَ بها من الدم شيء"، وفي رواية له: "ينظر إلى نَصْله فلا يوجد فيه شيء، ثمّ ينظر إلى رِصَافهِ فلا يوجد فيه شيء، ثمّ ينظر إلى نَضِيِّهِ فلا يوجد فيه شيء، ثمّ ينظر إلى قُذَذِه فلا يوجد فيه شيء، سَبَقَ الْفَرْثَ والدم ... "، وفي رواية: "قال: فضرب النبي ﷺ لهم مَثَلًا، أو قال قولًا: الرَّجل يرمي الرَّميّة، أو قال: الْغَرَضَ، فينظر في النصل فلا يرى بَصِيرة، وينظر في النَّضِيّ فلا يرى بصيرة، وينظر في الْفُوق فلا يرى بصيرة ... ". و"الْفُوقة" بضم الفاء وزان قُفْل: الموضع الّذي يجعل فيه الْوَتَر، والجمع أفواق، مثل قُفْل وأقفال، و"النَّضِيّ" بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة، وتشديد الياء: هو

стр. 1622

الْقِدحُ كذا جاء مفسّرًا في "صحيح مسلم"، وكذا قاله الأصمعيّ، وأما "البَصِيرة" فبفتح الباء الموحّدة، وكسر الصاد المهملة، وهو الشيء من الدم، أي لا يرى شيئًا من الدم يستدلّ به على إصابة الرَّمِيّة. (١). وقال القرطبيّ ﵀: مقصود هذا التمثيل أن هذه الطائفة خرجت من دين الإسلام، ولم يتعلّق بها منه شيء، كما خرج هذا السهم من هذه الرميّة الّذي لشدّة النزع، وسُرْعة السهم سبق خروجه الدم، بحيث لا يتعلّق به شيء ظاهر، كما قال: "سَبَقَ الْفَرْثَ والدم. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٤/ ١٦٩) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (البخاريّ) في (٤/ ٢٤٣ و ٦/ ٢٤٤ و ٨/ ٤٧ و ٩/ ٢١) وفي "خلق أفعال العباد" له (٢٢) و (مسلم) في (٣/ ١١٢) (مالك) في "الموطّإ" (١٤٤) و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٨٦٤٩) و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٥/ ٣١٥ - ٣١٦ و ٣٢٢ و ٣٢٩) و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٣ و ٥٦ و ٦٠ و ٦٥) و (النَّسائيّ) في "فضائل القرآن" (١٢٤) و"التفسير" (٢٤٠) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٧٣٧) و (البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٦/ ٤٢٧) و (البغويّ) في "شرح السنة" (٢٥٥٢ و ٢٥٥٣). وأما فوائده، فقد تقدّمت، في شرح حديث عليّ ﵁، فراجعها تستفد، والله تعالى

стр. 1623

أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٧٥ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِن بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي، أَوْ سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ، هُمْ شِرَارُ الْخَلْقِ وَالخلِيقَةِ". قَالَ عَبْدُ الله بْنُ الصَّامِتِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَافِعِ بْنِ عَمْرٍو، أَخِي الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ، فَقَالَ: وَأَنَا أَيْضًا قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أبو بكر بن أبي شيبة) المذكور قريبًا. ٢ - (أبو أُسامة) هو: حماد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت ربما دلّس، من كبار [٩] ١٢/ ١٠٢. ٣ - (سليمان بن المغيرة) الْقَيْسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٧]. رَوَى عن أبيه، وثابت البنانيّ، وحميد بن هلال، والحسن، وابن سيرين، والجريري، وأبي موسى الهلالي. ورَوَى عنه الثّوريّ، وشعبة، وماتا قبله، وبهز بن أسد، وحَبَّان بن هلال، وأبو أسامة، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، وغيرهم. قال قراد أبو نوح: سمعت شعبة يقول: سليمان بن المغيرة سيد أهل البصرة. وقال أبو داود الطيالسي: ثنا سليمان بن المغيرة، وكان خيارًا من الرجال. وقال عبد الله ابن داود الخُريبيّ: ما رأيت بالبصرة أفضل من سليمان بن المغيرة، ومرحوم بن عبد العزيز. وقال أبو طالب عن أحمد: ثبت ثبت. وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتا. وقال ابن المديني: لم يكن في أصحاب

стр. 1624

ثابت أثبت من حماد بن سلمة، ثمّ بعده سليمان بن المغيرة، ثمّ بعده حماد بن زيد. وقال النَّسائيُّ: ثقة. وذكر أبو زرعة الدمشقي عن سليمان بن حرب أنه قال: ثنا سليمان بن المغيرة الثقة المأمون. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت عبد الله بن مسلمة بن قعنب يقول: ما رأيت بصريا أفضل منه. وقال ابن شاهين في "الثِّقات": قال عثمان بن أبي شيبة: هو ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". ونَقَلَ ابن خلفون عن ابن نمير والعجلي وغيرهما توثيقه. وقال أبو مسعود الدمشقي في "الأطراف" في مسند أنس: ليس لسليمان بن المغيرة عند البخاريّ غير هذا الحديث الواحد، وقرنه بغيره. وقال البزار: كان من ثقات أهل البصرة. وقال البخاريّ عن محمّد بن محبوب: مات سنة خمس وستين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم ١٧٠ و ١٦٣٥ و ٣٢١٠ و ٣٥٥١. ٤ - (حُمَيد بن هلال) بن هُبَيرة، ويقال: ابن سُويد بن هُبيرة الْعَدَويّ، أبو نصر البصريّ، ثقة عالم [٣]. رَوَى عن عبد الله بن مُغَفّل، وعبد الرّحمن بن سَمُرة، وأنس، وهشام بن عامر الأنصاري، وابنه سعد بن هشام، وعبد الله بن الصامت، وغيرهم. ورَوَى عنه أَيّوب السختياني، وعاصم الأحول، وحجاج بن أبي عثمان، وحبيب ابن الشهيد، وقتادة، وأبو هلال الراسبي، وسليمان بن المغيرة، وغيرهم. قال القطان: كان ابن سيرين لا يرضاه، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: لأنه دخل في عمل السلطان، وكان في الحديث ثقة. وقال ابن معين والنَّسائيّ: ثقة. وقال أبو هلال الراسبي: ما كان بالبصرة أعلم منه. وقال ابن عديّ: له أحاديث كثيرة، وقد حَدّث عنه الأئمة، وأحاديثه مستقيمة. وقال ابن سعد: كان ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وقال البزار في "مسنده": لم يسمع من أبي ذرّ. وقال أبو حاتم: لم يَلْقَ هشام بن عامر، والحفاظ لا يُدخلون بينهما أحدًا، حماد بن زيد وغيره، وهو الأصح. وقال ابن المديني:

стр. 1625

لم يَلْقَ عندي أبا رفاعة العدوي. ووَثّقه العجلي، وفي أحاديث القهقهة من "السنن" للدارقطني من طريق وهيب عن ابن عون عن ابن سيرين قال: كان أربعة يُصَدِّقُون مَنْ حدَّثهم، ولا يبالون ممّن يسمعون: الحسن، وأبو العالية، وحُميد بن هلال، ولم يذكر الرّابع، وفي بعض النسخ منه وداود بن أبي هند. قال ابن سعد مات في ولاية خالد على العراق. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط برقم ١٧٠ و ٩٥٢ و ١٥٦٠ و ٢٦٥٤ و ٣٢١٠ و ٣٥٥١ و ٣٧٩٦ و ٣٩٨١. ٥ - (عبد الله بن الصامت) الغفاريّ البصريّ، ثقة [٣]. رَوَى عن عمه أبي ذرّ، وعمر، وعثمان، والحكم، ورافع ابني عمرو، وحذيفة، وابن عمر، وعائشة. ورَوَى عنه حميد بن هلال، وأبو العالية البرّاء، وأبو عمران الجْوْني، وسَوَادة بن عاصم، ومحمد بن واسع، وغيرهم. قال النَّسائيُّ: ثقة. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وقال ابن سعد يُكنى أبا النضر، وكان ثقة، وله أحاديث. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. ذكره البخاريّ في "الأوسط" في فصل من مات ما بين السبعين إلى الثمانين. ونقل الذهبي أن بعضهم قال ليس بحجة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله بعضهم ممّا لا يُلتفت إليه؛ لأنه لم يعتمد على حجة، فعبد الله بن الصامت ثقة، كما سمعته آنفًا في كلام الأئمة. والله تعالى أعلم. أخرج له البخاريّ في التعاليق، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث برقم ١٧٠ و ٩٥٢ و ١٢٥٦ و ٢٨٦٢ و ٣٢١٠ و ٣٣٦٢ و ٣٩٥٨ و ٤٢٢٥. ٦ - (أبو ذرّ) جندب بن جُنَادة الغفاريّ الصحابيّ الشهير ﵁ ١٢/ ١٠٨. ٧ - (رافع بن عمرو) الغفاري يُكنى أبا جبير صحابي عِدَاده في أهل البصرة، رَوَى عن النّبيّ ﷺ ، وعنه ابنه عمران، وعبد الله بن الصامت، وأبو جُبير مولى أخيه

стр. 1626

الحكم بن عمرو. أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٧٠) وحديث (٢٢٩٩) "فلا ترمي النخل، وكل ممّا يسقط في أسافلها". والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصّحيح. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير شيخه، وأبي أُسامة فكوفيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، ورواية الراوي عن عمه، فأبو ذرّ ﵁ عم عبد الله بن الصامت، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الصَّامِتِ) الغفاريّ ﵀ (عَنْ) عفه (أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جُنَادة ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ بَعْدِي) أي بعد موتي (مِنْ أُمَّتِي، أَوْ) للشكّ من الراوي (سَيَكُونُ بَعْدِي مِن أُمَّتِي قَوْمًا) بالنصب على أنه اسم "إنّ" مؤخّرًا، وخبرها الظرف "بعدي"، ومن أُمَّتي" متعلّق بحال مقدّر (يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ) بضم الحاء الهملة، واللام، جمع حَلْق بفتح، فسكون، قال في "المصباح": "الحَلْق" من الحيَوان جمعه حُلُوقٌ، مثلُ فَلْس وفُلُوس، وهو مذكّرٌ، قال ابن الأنباريّ: ويجوز في القياس أَحْلُقٌ، مثلُ أَفْلُس، لكنه لم يُسمع من العرب، وربّما قيل حُلُقٌ بضمتين، مثلُ رَهْنٍ ورُهُن، والْحُلْقُوم هو الْحَلْق، وميمه زائدة، والجمع حَلَاقِيم بالياء، وحذفُه تخفيفٌ. انتهى (١) (يَمْرُقُونَ) أي يخرجون، وتقدّم أنه من باب ضرب (مِنَ الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ).

стр. 1627

قال ابن الأثير: "الرمِيّة": الصَّيد الّذي تَرميه، فتقصده، ويَنفُذ فيه سَهْمُك، وقيل: هي كلّ دابة مَرْمِيَّة. انتهى (١). وقال الفيّوميّ ﵀: "الرميّة" ما يُرمى من الحيوان ذكرًا كان أو أنثى، والجمع رَمِيّات، ورَمَايَا، مثلُ عطيّة وعَطِيّات وعَطَايَا، وأصلها فَعِيلةٌ بمعنى مفعولة. انتهى (٢). (ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ) أي لا يرجعون إلى الدين (هُمْ شِرَارُ) بكسر الشين المعجمة، هكذا في رواية المصنّف، ووقع عند مسلم وغيره بلفظ "شَرّ الخلق والجلِيقة"، و"الشَّرُّ" بفتح الشين، ويجوز ضمها: نقيض الخير، جمعه شُرُور، أفاده في "القاموس"، ولم أجد "الشرار" بمعنى الشرّ في كتب اللُّغة الّتي بين يديّ، وإنّما هو بمعنى آخر، قال في "القاموس" ما حاصله: "الشِّرَار" كَكِتَاب، وجَبَلٍ: ما يتطاير من النّار، واحدتها بهاء. انتهى، ولعلّ المراد هنا أنهم كشِرَار النّار من حيث إلحاق الضرر بالأمة، والله تعالى أعلم (الخَلْقِ) أي النَّاس (وَالخَلِيقَةِ) أي البهائم، وقيل: هما بمعنى، أراد بهما جميع الخلق، واحتجّ بهذا من قال بتكفيرهم، وتأوله الجمهور بأن معناه هو شرّ المسلمين، ونحو ذلك، وبعده لا يخفى. (قَالَ عَبْدُ الله بْنُ الصَّامِتِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) أي الحديث الّذي سمعه من أبي ذرّ ﵁ في الخوارج (لِرَافِعِ بْنِ عَمْرٍو) الغِفَاريّ ﵁ تقدّمت ترجمته آنفًا (أَخِي الحكَمِ بْنِ عَمْرٍو) ابن مُجَدَّع، ويقال له: الحكم بن الأقرع، قال ابن سعد: صَحِب النبيّ ﷺ حتّى مات، ثمّ تحوّل إلى البصرة، فنزلها، روى عنه أبو الشعثاء، والحسن البصريّ، وابن سيرين، وأبو حاجب، وعبد الله بن الصامت، وأبو تميمة الْهُجَيميّ، والصّحيح أن بينهما دَلجَة بن قيس، ولّاه زياد خُرَاسان، فسكن مروَ، ومات بها، وقال أوس بن عبد الله بن بُريدة، عن أخيه سَهْل، عن أبيه: إن معاوية وجَهه عاملًا على خُراسان، ثمّ عَتَبَ عليه في شيء،

стр. 1628

فأرسل عاملًا غيره، فحَبَسَ الحكم وقيّده، فمات في قيوده، قيل: مات سنة (٤٥) وقال ابن ماكولا: سنة (٥٠) وقال العسكريّ: سنة (٥١)، وذكر الحاكم أنه لمّا ورد عليه كتاب زياد دعا على نفسه بالموت فمات. أخرج له البخاريّ، والأربعة، له حديث واحد حديث رقم (٣٧٣). وقوله: (الْغِفَارِيِّ) بكسر الفاء، وتخفيف الفاء نسبة إلى غِفَار بن مليك بن ضَمْرة ابن بكر بن عبد مناة بن كِنَانة. قاله في "اللبّ" (١). (فَقَالَ) رافع ﵁ (وَأَنا أَيْضًا قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أي سمعت هذا الحديث في الخوارج منه ﷺ . فثبت بهذا أن هذا الحديث ممّا سمعه كلّ من أبي ذرّ، ورافع ابن عمرو من النبيّ ﷺ ، وسمعه منهما عبد الله بن الصامت ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي ذرّ ﵁ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٤/ ١٧٠) بهذا السند فقط، وأخرجه (مسلم) في (٣/ ١١٦) و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٤٨) و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٥/ ٣٠٦) و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣١ و ١٧٦) و (الدارميّ) في "مسنده" (٢٤٣٩) و (ابن أبي عاصم) في "السنّة" (٩٢١ و ٩٢٢) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٧٣٨) و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٤٤٦١) و (الحاكم) في "مستدركه" (٣/ ٤٤٤) و (البيهقي) في "دلائل النبوّة" (٦/ ٤٢٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1629

وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٧١ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَيَقْرَأَنَّ الْقُرْآنَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ، كمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أبو بكر بن أبي شيبة) الحافظ الحجة المشهور المذكور قريبًا. ٢ - (سُويد بن سعيد) بن سهل الهَرَويّ الأصل، ثمّ الحدَثانيّ، ويقال له: الأنباريّ، أبو محمّد، صدوقٌ في نفسه، إِلَّا أنه عَمِيَ فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، وأفحش ألقول فيه ابن معين، من قدماء [١٠] ٤/ ٣٠. ٣ - (أبو الأحوص) سلّام بن سُلَيم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة متقنٌ [٧] ٢/ ١٥٧. ٤ - (سماك) بن حرب الذهليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، وروايته عن عكرمة خاصّةً مضطربةٌ، وقد تغيّر بآخره، فكان ربّما تلقّن [٤] ٤/ ٣٠. و"عكرمة" مولى ابن عبّاس، و"ابن عبّاس" تقدّما في الباب الماضي، وشرح الحديث، وفوائده تعلم ممّا سبق. والله تعالى أعلم. (مسألة): إسناد هذا الحديث ضعيف؛ لما سبق من الكلام في رواية سماك عن عكرمة، قال البوصيريّ ﵀: هذا إسناد ضعيفٌ، والعلّة فيه من سماك، قال النَّسائيّ، ويعقوب بن شيبة: روايته عن عكرمة مضطربة، وروايته عن غيره صالحة. انتهى. وأما المتن فصحيح؛ بالأسانيد السابقة واللاحقة. [تنبيه]: هذا الحديث من أفراد المصنّف، أخرجه هنا (٣٤/ ١٧١) بهذا السند فقط، ولم يخرجه من أصحاب الأصول غيره. وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٥٦)، والله تعالي أعلم بالصواب، وإليه

стр. 1630

المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٧٢ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَاحِ، أنبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ الله قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ بالجعْرَانَةِ، وَهُوَ يَقْسِمُ التِّبْرَ وَالْغَنَائِمَ، وَهُوَ في حِجْرِ بلَالٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ، فَإِنَّك لَمْ تَعْدِلْ، فَقَالَ: "وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ بَعْدِي إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ "، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْني يَا رَسُولَ الله حَتَّى أَضرِبَ عُنُقَ هَذَا المنافِقِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ هَذَا في أَصْحَابٍ" أَوْ "أُصَيْحَابٍ لَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (محمّد بن الصبّاح) بن سفيان الجرْجَرَائيّ، أبو جعفر التاجر، صدوقٌ [١٠] ١/ ٢. [تنبيه]: محمّد بن الصبّاح في الكتب الستة اثنان: (أحدهما): الجرجرائي المذكور هنا، رَوَى عنه أبو داود، والمصنّف بغير واسطة، وروى عنه في هذا الكتاب (١٤٦) حديثًا. (والثّاني): محمّد بن الصبّاح الدُّولابيّ، روى عنه المصنّف حديثًا واحدًا برقم (١٩٣) بواسطة محمّد بن يحيى الذهليّ، وقد تقدّم بيان هذا في أوائل هذا الشرح، وإنّما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٢ - (سفيان بن عُيينة) الإمام الحجة الثقة الثبت [٨] ٢/ ١٣. ٣ - (أبو الزُّبير) محمّد بن مسلم بن تدرُس المكيّ، صدوقٌ يدلِّس [٤] ٤/ ٣٤. ٤ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ ١/ ١١.

стр. 1631

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصّحيح، غير شيخه، وهو ثقة، وأبو الزُّبير، وإن كان مدلّسًا إِلَّا أنه صرّح بالسماع في "صحيح مسلم"، فزالت تهمة التدليس. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، غير شيخه، فجرجرائيّ، نسبة إلى جَرْجَرايا بلد بين واسط وبغداد، وجابر ﵁ سكن مكّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله) ﵄، وفي رواية لمسلم من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، قال: أخبرني أبو الزُّبير، أنه سمع جابر بن عبد الله (قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ بِالجعْرَانَةِ) قال ابن الأثير ﵀: هو: موضعٌ قريبٌ من مكّة، وهو في الحلّ، وميقات للإحرام، وهي بتسكين العين، والتخفيف، وقد تُكسر العين، وتُشَدَّد الراء. انتهى (١). وقال الفيّوميّ ﵀: هو موضع بين مكّة والطائف، وهي على سبعة أميال من مكّة، وهي بالتخفيف، واقتصر عليه في "البارع"، ونقَلَه جماعة عن الأصمعيّ، وهو مضبوط كذلك في "الْمُحْكَمِ"، وعن ابن المدينيّ: العراقيّون يُثَقِّلُون الجعْرَانة، والحُدَيبيَةَ، والحجازيّون يُخَفِّفُونهما، فأخَذَ به المحدّثون على أن هذا اللّفظ ليس فيه تصريح بأن التثقيل مسموع من العرب، وليس للتثقيل ذكرٌ في الأصول المعتمدة إِلَّا ما حكاه في "المحكم" تقليدًا له في الحديبية، وفي "الْعُبَاب": والجعْرَانَة بسكون العين، وقال الشّافعيّ: المحدّثون يُخطئون في تشديدها، وكذلك قال الخطّابيّ. انتهى (٢). زاد في رواية مسلم: "مُنْصَرَفه من حُنَيْنٍ"، يعني أنه كان وقت انصرافه من غزوة

стр. 1632

حُنين، وكان ذلك في ذي القعدة سنة ثمان من الهجرة (وَهُوَ) ﷺ جملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أنه ﷺ (يَقْسِمُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب (التِّبْرَ) بكسو التاء المثنّاة الفوقية، وسكون الموحّدة-: هو الذهب والفضّة قبل أن يُضرَبَا دنانير ودراهم، فإذا ضُرِبَا كانا عَيْنًا، وقد يُطلَق التبر على غيرهما من المعدنيّات، كالنحاس والحديد والرَّصاص، وأكثر اختصاصه بالذهب، ومنهم من يَجعله في الذهب أصلًا، وفي غيره فرعًا ومجازًا. أفاده في "النهاية" (١). (وَالْغَنَائِمَ) بالفتح جمع غنيمة، وهو ما أُصيب من أموال أهل الحرب، وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب. قاله في "النهاية" (٢)، وقال في "المصباح": "الغنيمة": ما نِيل من أهل الشرك عَنْوَةً، والحربُ قائمةٌ، و"الْفَيْءُ": ما نِيل منهم بعد أن تَضَعَ الحرب أوزارها. انتهى (٣). (وَهُوَ) الواو للحال، أي والحال أن ذلك التبر موضوع (في حِجْرِ بِلَالٍ) الصحابيّ المؤذّن المشهور ﵁، و"الحَجْر" بفتح الحاء المهملة، وكسرها، وسكون الجيم: الثّوب، والحِضْنُ، قاله في "النهاية" (٤)، وظاهرة عبارة "القاموس" أنه بكسر الحاء فقط، وفسّره بما بين يديك من ثوبك، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ رَجُلٌ) قيل: هو ذو الخويصرة، وفيه كلام سيأتي تحقيقه قريبًا -إن شاء الله تعالى- (اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ، فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ) وفي لفظ منْ حديث أبي سعيد: "اتّق الله يا محمّد"، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند البزّار والحاكم: "فقال: يا محمّد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما أراك تعدل"، ووقع في رواية: "فقال: يا محمّد قد رأيتُ الّذي

стр. 1633

صنعتَ، قال: وكيف رأيتَ؟ قال: لم أرك عدلت" (فَقَالَ) ﷺ ("وَيْلَكَ) وفي حديث أبي سعيد: "ويحك" (وَمَنْ يَعْدِلُ) "من" استفهامية، والاستفهام للإنكار، أي لا أحد يعدل (بَعْدِي إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ ") يعني أنهم أمروا باتباعه ﷺ ، فإذا لم يعدل المتبع فمن الّذي يعدل بعده؟، ولفظ البخاريّ من طريق عمرو بن دينار، عن جابر ﵁ قال: "بينما رسول الله ﷺ يَقسم غنيمةً بالجعرانة، إذ قال له رجل: اعدل، قال: لقد شقيت إن لم أعدل". وقوله: "لقد شقيت" بضم المثناة للأكثر، ومعناه ظاهر، ولا محذور فيه، والشرط لا يستلزم الوقوع؛ لأنه ليس ممّن لا يعدل حتّى يحصل له الشقاء، بل هو عادل فلا يَشقَى، وحكى عياض فتحها، ورجحه النووي، وحكاه الإسماعيليّ عن رواية شيخه المنيعيّ من طريق عثمان بن عمر، عن قُرّة، والمعنى: لقد شقيتَ، أي ضللتَ أنت أيها التابع حيث تقتدي بمن لا يعدل، أو حيث تعتقد في نبيّك هذا القول الّذي لا يصدُر عن مؤمن. قاله في "الفتح" (١). ولفظ مسلم: "قال: ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خِبْتُ وخَسِرتُ إن لم أكن أعدل"، وفي حديث أبي سعيد: "ومن يُطع الله إذا لم أُطعه"، وفي لفظ: "أو لست أحقّ أهل الأرض أن أطيع الله"، وفي حديث عبد الله بن عمرو: "عند مَنْ يُلْتَمسُ العدل بعدي؟ "، وفي رواية عنه: "فغضب ﷺ وقال: العدل إذا لم يكن عندي فعند من يكون"، وفي حديث أبي بكرة: "فغضب حتّى احمرّت وجنتاه"، وفي حديث أبي برزة: "فغضب غضبًا شديدًا، وقال: والله لا تجدون بعدي رجلًا هو أعدل عليكم منّي". (فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطّاب ﵁، وهذا صريح في أن الّذي طلب قتله عمر ﵁، وكذا هو في حديث أبي سعيد ﵁ عند البخاريّ، لكن وقع عند مسلم في حديث أبي سعيد أن الّذي طلب هو خالد بن الوليد، ويُمكن الجمع بأن كلا منهما طلب ذلك، ويؤيّد هذا الجمع ما في رواية لمسلم أيضًا من طريق جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن

стр. 1634

عبد الرّحمن بن أبي نُعم عنه، وفيه: "فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال: لا، ثمّ أدبر، فقام إليه خالد بن الوليد سيف الله، فقال: يا رسول الله أضرب عنقه؟، قال: لا"، فهذا نصّ صريح في أن كلا منهما سأل. هذا بالنسبة لحديث أبي سعيد ﵁، وأمّا في حديث جابر ﵁ المذكور هنا، وكذا حديث عبد الله بن عمرو فالسائل هو عمر ﵁، لكن المعترض واحد في الموضعين. أفاده في "الفتح" (١). (دَعْنِي) أي اتركني (يَا رَسُولَ الله حَتَّى أَضْرِبَ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ) وفي رواية مسلم بيان سبب الأمر بتركه، ولفظه: "فقال: معاذ الله أن يتحدَّث النَّاس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن ... " الحديث، وأخرج أحمد، والطّبريّ من طريق بلال ابن بقطر، عن أبي بكرة قال: "أُتِيَ النّبيّ ﷺ بِمُوَيْلٍ، فقعد يقسمه، فأتاه رجل، وهو على تلك الحال ... " فذكر الحديث، وفيه: "فقال أصحابه ألَّا تضرب عنقه؟، فقال: لا أريد أن يسمع المشركون أني أقتل أصحابي". [تنبيه]: القصة الّتي في حديث جابر المذكور هنا صُرِّح فيه بأنها كانت منصرف النّبيّ ﷺ من الجعرانة، وكان ذلك في ذي القعدة سنة ثمان، وكان الّذي قسمه النّبيّ ﷺ حينئذ تبرًا كان في حجر بلال ﵁، وكان يعطي كلّ من جاء منها، والقصة الّتي في حديث أبي سعيد صرح في رواية أبي نعيم عنه أنها كانت بعد بحث علي ﵁ إلى اليمن، وكان ذلك في سنة تسع، وكان المقسوم فيها ذهبًا وخص به أربعة أنفس، فهما قصتان في وقتين، اتَّفَقَ في كلّ منهما إنكار القائل، وصرح في حديث أبي سعيد أنه ذو الخويصرة التَّميميّ، ولم يُسَمَّ القائل في حديث جابر. قال الحافظ: ووَهِمَ من سماه ذا الخويصرة ظانّا اتحاد القصتين، قال: ووجدت لحديث جابر ﵁ شاهدًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النّبيّ ﷺ أنه أتاه رجل يوم حنين، وهو يَقْسِم شيئًا، فقال: يا محمّد اعْدِل، ولم يُسَمِّ الرَّجل أيضًا، وسماه

стр. 1635

محمّد بن إسحاق بسند حسن، عن عبد الله بن عمر، وأخرجه أحمد، والطّبريّ أيضًا، ولفظه: "أتى ذو الخويصرة التَّميميُّ رسول الله ﷺ ، وهو يَقْسِم الغنائم بحنين، فقال يا محمّد ... فذكر نحو هذا الحديث المذكور، فيمكن أن يكون تكرر ذلك منه في الموضعين، عند قسمة غنائم حنين، وعند قسمة الذهب الّذي بعثه علي. انتهى كلام الحافظ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: آخر كلام الحافظ ﵀ يعارض أوله؛ لأنه قال: ووهم من سمّاه ذا الخويصرة إلخ، ثمّ قرّر أخيرًا بإمكان أن يتكرّر ذلك منه، وهذا هو الّذي يظهر لي، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ هَذَا في أَصْحَابٍ) أي مع أصحاب، ففي بمعنى: "مع"، والمعنى أنه ليس بواحد حتّى يندفع شرّه بقتله، بل له أصحاب، وأمثال (٢)، ورواية مسلم المذكورة: "إن هذا وأصحابه يقرءون ... " (أَوْ) للشكّ من الراوي ("أُصَيْحَابٍ) بالتصغير (لَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ ترَاقِيَهُمْ) بمثناة، وقاف جمع تَرْقُوة -بفتح أوله، وسكون الراء، وضم القاف، وفتح الواو- وهي العظم الّذي بين نُقرة النَّحر والعاتق، والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله، ولا يقبلها، وقيل: لا يعملون بالقرآن، فلا يثابون على قراءته، فلا يحصُل لهم إِلَّا سَرْده (يَمْرُقُونَ) أي يخرجون (مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ") فَعِيلة بمعنى مفعولة، أي الغزالة المرميّة مثلًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا متّفق عليه.

стр. 1636

(المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٤/ ١٧٢) بهذا السند فقط، وأخرجه (البخاريّ) بها "صحيحه" (٤/ ١١١ و ٣١٣٨) مختصرًا و (مسلم) في "صحيحه" (٣/ ١٠٩ و ١١٠) و (الحميديّ) في "مسنده" (١٢٧١) و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٥٣ و ٣٥٤) و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٧٧٤) و (النَّسائيّ) في "فضائل القرآن" (١١٢ و ١١٣) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٨١٩) و (البيهقي) في "دلائل النبوّة" (٥/ ١٨٥ - ١٨٦)، وفوائد الحديث تعلم ممّا سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول االكتاب قال: ١٧٣ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَقُ الْأَزْرَقُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الخَوَارِجُ كِلَابُ النَّارِ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (إسحاق الأزرق) هو: إسحاق بن يوسف بن مِرْداس المخزوميّ الواسطي المعروف بالأزرق، ثقة [٩]. رَوَى عن ابن عون، والأعمش، وشريك، والثوري، ومسعر، وعُمَر بن ذَرّ، وعوف، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة، ودُحَيم، وقتيبة، وعمرو الناقد، ويحيى بن معين، وجماعة، آخرهم سَعْدَان بن نصر البزاز. قيل لأحمد: إسحاق الأزرق ثقة؟ فقال: إِي والله ثقة. وقال ابن معين والعجلي: ثقة. وقال أبو حاتم: صحيح الحديث، صدوق، لا بأس به. وقال يعقوب بن شيبة: كان من أعلمهم بحديث شريك. وقال الخطيب: كان من الثقات المأمونين. وقال وهب بن بقية: وُلِد سنة (١١٧)، وقال خليفة، ومحمد بن سعد، وغير واحد: مات سنة (١٩٥) زاد ابن سعد: وكان ثقة، وربما غَلِطَ. وذكر ابن حبّان في "الثِّقات" أنه روى عن

стр. 1637

إسماعيل بن أبي خالد، وقال البزار: كان ثقة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث برقم ١٧٣ و ٦٦٧ و ٦٨٠ و ١٢٢٤ و ١٦٠٦ و ٢٣٩٢ و ٢٦١٧ و ٣٤٠٥ و ٤٠٣٢. ٢ - (الأعمش) سليمان بن مِهْرَان، أبو محمّد الكوفيّ الحافظ الحجة المشهور [٥] ١/ ١. ٣ - (ابن أبي أوفى) هو: عبد الله بن أبي أوفى، واسمه علقمة بن خالد بن الحارث ابن أبي أسيد بن رِفاعة بن ثعلبة بن هوازن بن أسلم بن أفصَى بن حارثة الأسلمي، أبو إبراهيم، وبه جزم البخاريّ، وقيل: أبو محمّد، وقيل: أبو معاوية، وله ولأبيه صحبة، وشَهِدَ عبد الله بيعة الرضوان، ثم نزل الكوفة ومات بها. رَوَى عن النّبيّ ﷺ ، وعنه إبراهيم بن عبد الرّحمن السَّكْسَكِيُّ، وإبراهيم بن مسلم الْهَجَريّ، وإسماعيل بن أبي خالد، والحكم بن عُتيبة، وسالم أبو النضر فيما كتب إليه، وسلمة بن كُهيل، والأعمش -يقال مرسل- وطارق بن عبد الرّحمن البجلي، وطلحة بن مُصَرِّف، وعبد الله، ويقال: محمّد بن أبي المُجَالد، وعُبيد بن الحسن، وعدي ابن ثابت، وعطاء بن السائب، وعمرو بن مرّة، وفائد أبو الورقاء، والقاسم بن عوف الشيباني، ومَجْزأة بن زاهر، والوليد بن سَرِيع، ويحيى بن عَقِيل، وأبو آدم المحاربي، وأبو إسحاق الشيباني، وأبو المختار الأسدي، وأبو يعفور العبدي، وشَعْثاء الكوفية. وأخرج أحمد عن يزيد، عن إسماعيل: رأيت على ساعد عبد الله بن أبي أوفى ضربة، فقال: ضُربتها يوم حُنين، فقلت: أشهد حُنينًا؟ قال: نعم، وقبل ذلك. وفي "الصّحيح" عن عمرو بن مرّة قال: سمعت ابن أبي أوفى، وكان من أصحاب الشجرة. وفي "الصّحيح" عنه قال: غزوت مع النبيّ ﷺ ست غزوات نأكل الجراد، وفي رواية سبع غزوات، قال سفيان وعطاء -هو ابن السائب-: رأيت عبد الله بن أبي أوفى بعد ما ذهب بصره (١).

стр. 1638

قال يحيى بن بكير وغيره: مات سنة ست وثمانين. وقال البخاريّ عن أبي نعيم: مات سنة (٨٧). وقال الذهلي عن أبي نعيم: مات سنة سبع أو ثمان وثمانين. قال عمرو ابن علي: وهو آخر من مات بالكوفة من الصّحابة، وهو أخو زيد بن أبي أوفي، لكن منع ذلك أبو أحمد العسكري وغيره، وفي "كتاب الجهاد" من البخاريّ ما يدلُّ على أنه شهد الخندق (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا. وشيخ المصنّف سبق قريبًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن) عبد الله (ابْنِ أَبِي أَوْفَى) علقمة بن خالد الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ "الخوَارِجُ كِلَابُ النَّارِ) مبتدأ وخبره، والمعنى: هم كلاب أهلها، ويحتمل أن يكونَ أنهم على صورة كلاب فيها (٢). والحديث ساقه الإمام أحمد ﵀ وغيره مطوّلًا، ولفظ أحمد: ١٨٦٠٠ - حَدَّثَنَا أبو النضر، حَدَّثَنَا الحَشْرج بن نُبَاتة العبسي كوفي، حدثني سعيد ابن جُمْهان، قال: لقيت عبد الله بن أبي أوفى، وهو محجوب البصر، فسلمت عليه، قال لي: من أنت؟ فقلت: أنا سعيد بن جُمْهان، قال: فما فَعَل والدك؟ قال: قلت: قتلته الأزارقة (٣) قال: لعن الله الأزارقة، لعن الله الأزارقة، حَدَّثَنَا رسول الله ﷺ أنهم كلاب النّار، قال: قلت: الأزارقة وحدهم أم الخوارج كلها؟ قال: بلى الخوارج كلها، قال: قلت: فإن السلطان يَظْلِم الناسَ، ويفعل بهم، قال: فتناول يدي فغَمَزَها بيده غَمْزة شديدة، ثمّ قال: ويحك يا ابن جُمْهان عليك بالسواد الأعظم، عليك بالسواد الأعظم، إن كان السلطان يَسمَع منك فأته في بيته فأخبره بما تعلم، فإن قَبِل منك وإلا فدعه،

стр. 1639

فإنك لست بأعلم منه. وهذا إسناد صحيح، فإن الحَشْرَج وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود، وقال أبو زرعة: لا بأس به، مستقيم الحديث، وقال النَّسائيُّ: ليس به بأس، وسعيد بن جمهان وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود، وابن حبّان، وأبو النضر هاشم ابن القاسم حافظ حجة مشهور من رجال الجماعة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه الرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن أبي أوفى ﵄ هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه انقطاع، فإن الأعمش لم يسمع من ابن أبي أوفى؟. [قلت]: إنّما صحّ لشواهده، فقد تقدّم آنفًا أن أحمد أخرجه من طريق الحشْرَج بن نُباتة، عن سعيد بن جمهان، عنه، وهو إسناد صحيح على الصواب. والله تعالى أعلم. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٤/ ١٧٣) بهذا الإسناد فقط، ولم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٥٥ و ١٩٤٣٤) و (الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٥٧١) و (ابن أبي عاصم) في "السنة" (٩٠٤) و (عبد الله بن أحمد) في "السنة" (١٥١٣) و (أبو نعيم) في "الحلية" (٥/ ٥٦) و (الخطيب) في "التاريخ" (٦/ ٣١٩). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٧٤ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "يَنْشَأُ نَشْءٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يجاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، كُلَّمَا خَرَجَ قَرْنٌ قُطِعَ"، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "كُلَّمَا خَرَجَ قَرْنٌ قُطِعَ" -أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً- "حَتَّى يَخْرُجَ في عِرَاضِهِمُ الدَّجَّالُ").

стр. 1640

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هشام بن عمّار) السلميّ الدمشقيّ الخطيب، صدوقٌ مقرىء، كبر فصار يتلقّن، فحديثه القديم أصحّ، من كبار [١٠] ١/ ٥. ٢ - (يحيى بن حمزة) بن واقد الحضرميّ، أبو عبد الرّحمن الدمشقي القاضي، ثقة رُمي بالقدر [٨] ١/ ٧. ٣ - (الأوزاعيِّ) عبد الرّحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقيّ الفقيه الثقة الحجة [٧] ٥/ ٨. ٤ - (نافع) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه الثقة الثبت [٣] ١١/ ٩٩. ٥ - (ابن عمر) بن الخطّاب ﵄ ١/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصّحيح. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالدمشقيين، إلى نافع، وهو ومولاه مدنيان. ٤ - (ومنها): أن ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى من الصّحابة ﵃، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ) عبد الله (ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "يَنْشَأُ نَشْءٌ) أي يتجدّد أحداثٌ من الشباب، قال في "المصباح": ونَشَأَ الشيَءُ يَنْشَأُ نَشْأً مهموز من باب نَفَعَ: حَدَثَ وتَجَدَّد، وأنشأتُهُ أحدثته، والاسم النَّشْأَةُ، والنَّشَاءَة، وزانُ التّمرة والضلالة. انتهى (١)، وقال في "النهاية": ما حاصله: الناشىءُ السَّحَابُ لم يتكامل اجتماعه واصطحابه، ومنه نَشَأَ الصبيّ نَشْأً فهو ناشىء: إذا كَبِرَ وشَبَّ، ولم يتكامل،

стр. 1641

ومنه حديث "نَشَأٌ يتخذون القرآن مَزَاميرَ" يُروى بفتح الشين، جمع ناشىء، كخادم وخَدَم، يريد جماعة أحداثًا، قال أبو موسى: والمحفوظ بسكون الشين، كأنه تسمية بالمصدر. انتهى (١). (يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ) أي حُلُوقهم بالصعود إلى محلّ القبول، أو النزول إلى القلوب ليؤثّر فيها (كُلَّمَا خَرَجَ قَرْنٌ) فعل وفاعل: أي كلما ظهرت طائفة منهم (قُطِعَ) بالبناء للمفعول: أي استحق أن يُقطع، وكثيرًا ما يُقطع أيضًا، كالحروريّة قطعهم عليّ ﵁. هكذا قاله السندي في "شرحه" (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الّذي يظهر لي أن معناه إخبار بأنهم يقطعهم الله، يدلُّ على ذلك ما في رواية الإمام أحمد في "مسنده" بلفظ: "كلما طلع منهم قرنٌ قطعه الله ". (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "كلمَا خَرَجَ قَرْنٌ قُطِعَ" -أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً-) يعني أنه ردّده كثيرًا حتّى جَاوز عشرين، ولفظ أحمد من طريق شهر بن حَوْشب، عن ابن عمر ﵄: "فردّد ذلك رسول الله ﷺ عشرين مرّة أو أكثر، وأنا أسمع" ("حَتَى يَخْرُجَ في عِرَاضِهِمُ الدَّجَّالُ) بكسر العين المهملة، جمع عُرْض، بضم فسكون، وهو الناحية، هكذا يُستفاد من عبارة "القاموس" (٣)، والمعنى أن الدجّال يخرج في جملة هؤلاء النَّشْءِ الخارجين. وقال السنديّ: أي خِدَاعهم، أي أن آخرهم يقابلهم، ويناظرهم في الأعمال، وفي بعض النسخ "أعراضهم" وهو جمع عَرْض، بفتح فسكون بمعنى الجيش العظيم، وهو

стр. 1642

مستعار من العرض بمعنى ناحية الجبل، أو بمعنى السحاب الّذي يسدّ الأُفُقِ، وهذه النسخة أظهر معنى. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "أي خداعهم إلخ" لا يظهر لي معناه، ولا أدري من أين له هذا المعنى، بل المعنى الّذي قدّمته هو الأوضح، فتأمله. والله تعالى أعلم. وقال صاحب "إنجاح الحاجة" (٢): ما نصُّه: قوله: "كلما خرج قرن قُطِع إلخ" أي أُهلك، ودُمِّر، ولفظ "عشرين مرّةً" يحتمل أن يكون مقولة ابن عمر، فيكون سماع ابن عمر هذا الكلام منه ﷺ أكثر من عشرين مرّة، ويحتمل أن يكون من مقولة النّبيّ ﷺ فالمراد منه -والله أعلم- أن أهل الحقّ يقاتلونهم، ويقطعون دابرهم أكثر من عشرين مرّة في كلّ قرن، ومع ذلك يبقى منهم فرقة حتّى يخرج في عراضهم ومواجهتهم الدجّال، والحاصل أن أهل الأهواء وإن قاتلهم أهل الحقّ في قرن واحد أكثر من عشرين مرّة لا يتركون أهواءهم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ويحتمل أن يكون من مقولة النبيّ ﷺ إلخ ممّا لا وجه له، بل الاحتمال الأوّل هو الصواب، فقد سبق في رواية أحمد بيانه، حيث رواه بلفظ: "فردّد ذلك رسول الله ﷺ عشرين مرّة أو أكثر، وأنا أسمع"، فهذا صريح في كونه من كلام ابن عمر ﵄، فلا وجه لترديد الاحتمالات، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1643

وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٧٥ - (حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بشْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَخْرُجُ قَوْمٌ في آخِرِ الزَّمَانِ" أَوْ "في هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ ترَاقِيَهُمْ"، أَوْ "حُلُوقَهُمْ، سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ، إِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ" أَوْ "إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ""). رجال هذا الإسناد خمسة: ١ - (بكر بن خَلَف أبو بِشْر) البصريّ، خَتَنُ أبي عبد الرّحمن المقرىء، ثقةٌ (١) [١٠]. روى عن غندر، ومحمد بن بكر الْبُرْساني، وإبراهيم بن خالد الصنعاني، وابن عيينة، وأبي عاصم، ومعتمر بن سليمان، ويزيد بن زريع، وجماعة. ورَوَى عنه البخاريّ تعليقًا، وأبو داود، وابن ماجه، وعبد الله بن أحمد، وحنبل ابن إسحاق، وزكرياء السجزي، وأبو بكر محمّد بن إدريس بن عمر ورّاق الحميدي، وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة عن يحيى: ما به بأس. وقال هاشم بن مَرْثَد عنه: صدوق. وقال أبو حاتم: ثقة. ووثقه مسلمة بن قاسم الأندلسيّ، وابن خلفون. وقال عبيد الله ابن واصل: رأيت محمّد بن إسماعيل يَخْتَلِف إلى محمّد بن المهَلَّب يكتب عنه أحاديث أبي بِشْر بن خَلَف، وكنت أَتَوَهَّم أن أبا بشر قد مات، فلما قدمت مكّة إذا هو حي فلزمته. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: تُوُفّي سنة (٢٤٠)، وكذا ذكر ابن يونس وفاته في "تاريخ الغرباء"، وقال أبو داود: أمرني أحمد بن حنبل أن أكتُب عنه. أخرج له البخاريّ في التعاليق، وأبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب

стр. 1644

(٦٧) حديثًا. ٢ - (عبد الرزّاق) بن همّام بن نافع، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ مصنّف شهير، عَمِي في آخر عمره فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] ٢/ ١٦. ٣ - (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار [٧] ٢/ ١٦. ٤ - (قتاد) بن دِعَامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبت يدلّس [٤] ١/ ١٠. ٥ - (أنس) بن مالك الصحابيّ الشهير ﵁ ٣/ ٢٣، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصّحيح، وشيخه أخرج له البخاريّ في التعاليق. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. ٤ - (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصّحابة بالبصرة، خدم النبيّ ﷺ عشر سنين، وهو من المعمّرين عاش أكثر من مائة سنة ﵁، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَخْرُجُ قَوْمٌ في آخِرِ الزَّمَانِ") تقدّم أن المختار في معناه آخر زمان خلافة النبوة؛ لما في حديث سفينة ﵁ عند أصحاب السنن و"صحيح ابن حبّان" مرفوعًا: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثمّ تصير ملكًا"، وكانت قصّة خروج الخوارج وقتلهم بالنهروان في أواخر خلافة عليّ ﵁ سنة ثمان وعشرين بعد وفاة النبيّ ﷺ بدون الثلاثين بنحو سنتين. وهذا الحديث أخرجه أبو داود في "سننه" بإسناد صحيح، من طريق قتادة، عن أبي سعيد الخدري، وأنس ﵄ مطوّلًا، ولفظه:

стр. 1645

٤١٣٧ - حَدَّثَنَا نصر بن عاصم الأنطاكي، حَدَّثَنَا الوليد ومبشر -يعني ابن إسماعيل الحلبي- عن أبي عمرو (١) قال -يعني الوليد- حَدَّثَنَا أبو عمرو، قال: حدثني قتادة عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: "سيكون في أُمَّتي اختلاف وفُرْقة، قوم يحسنون القيل، ويسيئون الفعل، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرَّمِيّة، لا يرجعون حتّى يَرْتَدّ على فُوقه، هم شر الخلق والخليقة، طُوبَى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله، وليسوا منه في شيء، مَنْ قاتلهم كان أولى بالله منهم"، قالوا: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال: "التحليق". حَدَّثَنَا الحسن بن علي، حَدَّثَنَا عبد الرزّاق، أَخْبَرَنَا معمر، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله ﷺ نحوه قال: "سيماهم التحليق والتسبيد، فإذا رأيتموهم فأَنِيموهم"، قال أبو داود: "التسبيد": استئصالُ الشعر. (أَوْ) للشكّ من الراوي ("في هَذه الْأُمَّةِ) سبق الجمع بينه وبين رواية "من أُمَّتي" بأن المراد من قوله: "في هذه الأمة" أمة الإجابة، ومن قوله: "من أُمَّتي" أمة الدّعوة، فافهم (يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ ترَاقِيَهُمْ"، أَوْ) للشكّ أيضًا ("حُلُوقَهُمْ) بضمتين، وهو بمعنى التراقي (سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ) قال النوويّ ﵀: "السيما" العلامة، وفيها ثلاث لغات: القصر، وهو الأفصح، وبه جاء القرآن، والمدّ، والثالثة السيمياء بزيادة ياء مع المدّ لا غير، والمراد به تحليق الرؤوس، واستدلّ به بعض النَّاس على كراهة حلق الرّأس، ولا دلالة فيه، وإنّما هو علامة لهم، والعلامة قد تكون بحرام، وقد تكون بمباح كما قال ﷺ : "آيتهم رجلٌ أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة"، ومعلوم أن هذا ليس بحرام، وقد ثبت في "سنن أبي داود" بإسناد صحيح على شرط البخاريّ ومسلم أن رسول الله ﷺ رأى صبيّا قد حُلق بعض رأسه، فقال: "احلقوه كله، أو اتركوه كلّه"، وهذا صريح في إباحة حلق الرّأس لا يحتمل تأويلًا، قال أصحابنا -يعني الشّافعيّة-: حلق الرّأس

стр. 1646

جائز بكلّ حال، لكن إن شقّ عليه تعهّده بالدَّهْن والتسريح استُحِبّ حلقه، وإن لم يشقّ استُحبّ تركه. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "سيماهم التحليق": أي جعلوا ذلك علامةً لهم على رَفْضهم زينة الدنيا، وشِعَارًا لِيُعرَفوا به كما يَفعَل بعض رُهْبان النصارى يفحصون عن أوساط رؤوسهم، وقد جاء في وصفهم مرفوعًا: "سيماهم التسبيد" (١)، أي الحلق، يقال: سبد رأسه حلقه، وهذا كلّه منهم جهل بما يُزهَد فيه، وما لا يُزهد فيه، وابتداعٌ منهم في دين الله تعالى شيئًا كان النبيّ ﷺ والخلفاء الراشدون وأتباعهم على خلافه، فلم يُرْوَ عن أحد منهم أنهم اتَّسموا بذلك، ولا حَلَقُوا رؤوسهم في غير إحلال، ولا حاجة، وقد كان لرسول الله ﷺ شعرٌ، فتارة فرقه، وتارة صيّره جُمّةً، وأُخرى لِمَّةً، وقد رُوي عنه ﷺ أنه قال: "من كانت له شعرة، أو جُمّة فليُكرمها" (٢)، وقد كره مالك الحلق في غير إحرام، ولا حاجة ضروريّة. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بكراهة الحلق ممّا لا وجه له؛ لحديث ابن عمر ﵄: أن النّبيّ ﷺ قال: "احلقوه كله، أو اتركوه كله"، وهو حديث صحيح، كما مرّ آنفًا، فالحقّ ما سبق تحقيقه عن النوويّ ﵀. والله تعالى أعلم. (إِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ أَوْ) للشكّ من الراوي ("إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ") فيه الأمر بقتل الخوارج، وقد تقدّم تحقيقه، وأقوال أهل العلم فيهم، فلا تغفُل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 1647

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس بن مالك ﵁ هذا صحيح. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا ٣٤/ ١٧٥ بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٩٧ و ٢٢٤)، و (أبو داود) (٤٧٦٥ و ٤٧٦٦). وفوائده، وسائر متعلّقاته، قد تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٧٦ - (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، يَقُولُ: "شَرُّ قَتْلَى قُتِلُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، وَخَيْرُ قَتِيلٍ مَنْ قَتَلُوا، كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ، فَصَارُوا كُفَّارًا"، قُلْتُ: يَا أَبَا أُسَامَةَ هَذَا شَيْءٌ تَقُولُهُ؟ قَالَ" بَلْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ) هو: سهل بن زَنْجَلَة بن أبي الصغْديّ الرازيّ، أبو عمر الخيّاط الأشتر، ثقةٌ (١) [١٠] ٩/ ٥٨. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ٢/ ١٣. ٣ - (أبو غَالِبٍ) قيل: اسمه حَزَوَّر، وقيل: سعيد بن الحَزوّر، وقيل: نافع، بصريّ، نزل أصبهان، لا بأس به [٥] ٧/ ٤٨. ٤ - (أبو أُمَامَةَ) صُديّ بن عَجلان الباهليّ الصحابيّ المشهور ﵁ ٧/ ٤٨، والله تعالى أعلم.

стр. 1648

شرح الحديث: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) صُديّ بن عجلان ﵁ (يَقُولُ) هكذا رواية المصنّف، ويقدّر قبله "سمعته"، أي سمعته يقول إلخ، ويوضح ذلك رواية الإمام أحمد، ولفظه: ٢١١٥٩ - حَدَّثَنَا عبد الرزّاق، أَخْبَرَنَا معمر، قال: سمعت أبا غالب يقول: لمّا أُتي برءوس الأزارقة، فنُصِبت على درج دمشق، جاء أبو أمامة، فلَمّا رآهم دَمَعَتْ عيناه، فقال: كلاب النّار ثلاث مرات، هؤلاء شَرُّ قَتْلَى قُتِلوا تحت أديم السَّماء، وخَيْرُ قَتْلَى قَتَلُوا تحت أديم السَّماء الذين قَتَلَهم هؤلاء، قال: فقلت: فما شأنك دَمَعَت عيناك؟ قال: رحمةً لهم، إنهم كانوا من أهل الإسلام، قال: قلنا: أبرأيك قلت: هؤلاء كلاب النّار، أو شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟، قال: إنِّي لجريء، بل سمعته من رسول الله ﷺ غير مرّة، ولا ثنتين، ولا ثلاث، قال: فَعَدَّ مِرَارًا. ٢١٢٨٢ - حَدَّثَنَا أنس بن عياض، قال: سمعت صفوان بن سليم يقول: دخل أبو أمامة الباهلي دمشق، فرأى رءوس حروراء، قد نُصِبت، فقال: كلاب النّار، كلاب النّار، ثلاثا، شَرُّ قتلى تحت ظل السَّماء، خير قتلى مَنْ قَتَلُوا، ثمّ بكى، فقام إليه رجل، فقال: يا أبا أمامة هذا الّذي تقول من رأيك أم سمعته؟ قال: إنِّي إذا لجريء، كيف أقول هذا عن رأي؟ قال: قد سمعته غير مرّة ولا مرتين، قال: فما يبكيك؟ قال أبكي لخروجهم من الإسلام، هؤلاء الذين تفرقوا، واتخذوا دينهم شيعًا. ٢١١٣٠ - حَدَّثَنَا أبو سعيد، حَدَّثَنَا عبد الله بن بَحِير، حَدَّثَنَا سيار، قال: جيء برءوس من قبل العراق، فنُصبت عند باب المسجد، وجاء أبو أمامة، فدخل المسجد، فركع ركعتين، ثمّ خرج إليهم، فنظر إليهم فرفع رأسه، دقال: شَرُّ قتلى تحت ظل السَّماء ثلاثا، وخير قتلى تحت ظل السَّماء مَنْ قَتَلُوه، وقال: كلاب النّار ثلاثا، ثمّ إنّه بكى، ثم انصرف عنهم، فقال له قائل: يا أبا أمامة أرأيت هذا الحديث حيث قلت كلاب النّار شيء سمعته من رسول الله ﷺ أو شيء تقوله برأيك؟ قال: سبحان الله، إنِّي إذا لجريء، لو سمعته من رسول الله ﷺ مرّة أو مرتين حتّى ذكر سبعًا لخلت أن لا أذكره، فقال

стр. 1649

الرَّجل: لأي شيء بكيت؟ قال: رحمة لهم، أو من رحمتهم. (شَرُّ قَتْلَى) خبر لمبتدإ محذوف، أي هم شر قتلى، والضمير للخوارج (قُتِلُوا) بالبناء للمفعول جملة في محل جرّ صفة لـ "قَتْلَى" (تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ) ظرف لـ "قُتِلُوا"، و"أديم السَّماء" بالفتح: ما يظهر منه (وَخَيْرُ قَتِيلٍ مَنْ قَتَلُوا) بالبناء للفاعل، والعائد محذوف، أي من قتلوه، يعني أن من قتله الخوارج خير مقتول، أي من خير المقتولين ظلمًا، فلا يردّ أنه يكون خيرًا ممّن قُتل مع النبيّ ﷺ في غزواته (كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ) خبر لمحذوف أيضًا، أي هم كلاب أهل النّار (قَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ، فَصَارُوا كُفَّارًا") فيه دليل لمن قال بكفر الخوارج، وقد سبق أنه الظّاهر، وإن كان الجمهور على خلافه، حيث إنهم يؤوّلونه، بما فيه تكلّف وتعسّف. والله تعالى أعلم. (قُلْتُ) القائل هو أبو غالب (يَا أَبَا أُمَامَةَ هَذَا شَيْءٌ تَقُولُهُ؟) بتقدير الاستفهام، أي أهذا تقوله من عندك استنباطًا؟ أم لك فيه نصّ؟ (قَالَ) أبو أمامة ﵁ (بَلْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ) يعني أن لديه نصّا صريحًا بذلك، وليس من عنده استنباطًا، واجتهادًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي أُمامة ﵁ هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده أبو غالب، وقد تكلّم فيه بعضهم؟. [قلت]: هو وإن تكلّم فيه أبو حاتم، والنَّسائيّ، وابن حبّان، فقد روي عنه جماعة، ووثقه الدارقطني، وقال ابن معين: صالح الحديث، وقال ابن عديّ: لا بأس به، وأقلّ أحواله أن يكون حسن الحديث، وأيضًا لم ينفرد به، فقد رواه معه عن أبي أمامة صفوان بن سُليم، وهو ثقة، وسيّار الشاميّ، وهو صدوق، كما سبق آنفًا. والحاصل أن الحديث صحيح. والله تعالى أعلم.

стр. 1650

(المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٤/ ١٧٦) بهذا السند فقط، وأخرجه (الحميديّ) في "مسنده" (٩٠٨) و (أحمد) في مسنده" (٥/ ٢٥٠ و ٢٥٣ و ٢٥٦ و ٢٦٩) و (الترمذيّ) (٣٠٠٠). وفوائد الحديث، وسائر متعلّقاته قد تقدّمت، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. قال الجامع الفقير إلى رحمة ربه القدير: محمّد ابن الشّيخ علي بن آدم بن موسى الإتيوبي -عفا الله عنه وعن والديه آمين-: انتهى الجزء الثّالث: من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الله محمّد بن يزيد ابن ماجه رحمه الله تعالى المسمى "مشارق الأنوار الوهاجة، ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه". وآخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. "اللَّهُمَّ صل على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللَّهُمَّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد"، "السّلام على النّبيّ ورحمة الله وبركاته". ويليه الجزء الرّابع مفتتحا بـ (٢٥) (باب فيما أنكرت الجهمية). رقم الحديث (١٧٧). أسأل الله تعالى أن يوفقني لإتمامه كله كما وفقني لهذا، إنّه جواد كريم رءوف رحيم. "سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك أشهد أن لا إله إِلَّا أنت وحدك لا شريك لك أستغفرك وأتوب إليك".
следующие страницы →