جائز بكلّ حال، لكن إن شقّ عليه تعهّده بالدَّهْن والتسريح استُحِبّ حلقه، وإن لم يشقّ استُحبّ تركه. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "سيماهم التحليق": أي جعلوا ذلك علامةً لهم على رَفْضهم زينة الدنيا، وشِعَارًا لِيُعرَفوا به كما يَفعَل بعض رُهْبان النصارى يفحصون عن أوساط رؤوسهم، وقد جاء في وصفهم مرفوعًا: "سيماهم التسبيد" (١)، أي الحلق، يقال: سبد رأسه حلقه، وهذا كلّه منهم جهل بما يُزهَد فيه، وما لا يُزهد فيه، وابتداعٌ منهم في دين الله تعالى شيئًا كان النبيّ ﷺ والخلفاء الراشدون وأتباعهم على خلافه، فلم يُرْوَ عن أحد منهم أنهم اتَّسموا بذلك، ولا حَلَقُوا رؤوسهم في غير إحلال، ولا حاجة، وقد كان لرسول الله ﷺ شعرٌ، فتارة فرقه، وتارة صيّره جُمّةً، وأُخرى لِمَّةً، وقد رُوي عنه ﷺ أنه قال: "من كانت له شعرة، أو جُمّة فليُكرمها" (٢)، وقد كره مالك الحلق في غير إحرام، ولا حاجة ضروريّة. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بكراهة الحلق ممّا لا وجه له؛ لحديث ابن عمر ﵄: أن النّبيّ ﷺ قال: "احلقوه كله، أو اتركوه كله"، وهو حديث صحيح، كما مرّ آنفًا، فالحقّ ما سبق تحقيقه عن النوويّ ﵀. والله تعالى أعلم.
(إِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ أَوْ) للشكّ من الراوي ("إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ") فيه الأمر بقتل الخوارج، وقد تقدّم تحقيقه، وأقوال أهل العلم فيهم، فلا تغفُل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 1647
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس بن مالك ﵁ هذا صحيح.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا ٣٤/ ١٧٥ بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٩٧ و ٢٢٤)، و (أبو داود) (٤٧٦٥ و ٤٧٦٦).
وفوائده، وسائر متعلّقاته، قد تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٧٦ - (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، يَقُولُ: "شَرُّ قَتْلَى قُتِلُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، وَخَيْرُ قَتِيلٍ مَنْ قَتَلُوا، كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ، فَصَارُوا كُفَّارًا"، قُلْتُ: يَا أَبَا أُسَامَةَ هَذَا شَيْءٌ تَقُولُهُ؟ قَالَ" بَلْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ) هو: سهل بن زَنْجَلَة بن أبي الصغْديّ الرازيّ، أبو عمر الخيّاط الأشتر، ثقةٌ (١) [١٠] ٩/ ٥٨.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ٢/ ١٣.
٣ - (أبو غَالِبٍ) قيل: اسمه حَزَوَّر، وقيل: سعيد بن الحَزوّر، وقيل: نافع، بصريّ، نزل أصبهان، لا بأس به [٥] ٧/ ٤٨.
٤ - (أبو أُمَامَةَ) صُديّ بن عَجلان الباهليّ الصحابيّ المشهور ﵁ ٧/ ٤٨، والله تعالى أعلم.
стр. 1648
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) صُديّ بن عجلان ﵁ (يَقُولُ) هكذا رواية المصنّف، ويقدّر قبله "سمعته"، أي سمعته يقول إلخ، ويوضح ذلك رواية الإمام أحمد، ولفظه:
٢١١٥٩ - حَدَّثَنَا عبد الرزّاق، أَخْبَرَنَا معمر، قال: سمعت أبا غالب يقول: لمّا أُتي برءوس الأزارقة، فنُصِبت على درج دمشق، جاء أبو أمامة، فلَمّا رآهم دَمَعَتْ عيناه، فقال: كلاب النّار ثلاث مرات، هؤلاء شَرُّ قَتْلَى قُتِلوا تحت أديم السَّماء، وخَيْرُ قَتْلَى قَتَلُوا تحت أديم السَّماء الذين قَتَلَهم هؤلاء، قال: فقلت: فما شأنك دَمَعَت عيناك؟ قال: رحمةً لهم، إنهم كانوا من أهل الإسلام، قال: قلنا: أبرأيك قلت: هؤلاء كلاب النّار، أو شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟، قال: إنِّي لجريء، بل سمعته من رسول الله ﷺ غير مرّة، ولا ثنتين، ولا ثلاث، قال: فَعَدَّ مِرَارًا.
٢١٢٨٢ - حَدَّثَنَا أنس بن عياض، قال: سمعت صفوان بن سليم يقول: دخل أبو أمامة الباهلي دمشق، فرأى رءوس حروراء، قد نُصِبت، فقال: كلاب النّار، كلاب النّار، ثلاثا، شَرُّ قتلى تحت ظل السَّماء، خير قتلى مَنْ قَتَلُوا، ثمّ بكى، فقام إليه رجل، فقال: يا أبا أمامة هذا الّذي تقول من رأيك أم سمعته؟ قال: إنِّي إذا لجريء، كيف أقول هذا عن رأي؟ قال: قد سمعته غير مرّة ولا مرتين، قال: فما يبكيك؟ قال أبكي لخروجهم من الإسلام، هؤلاء الذين تفرقوا، واتخذوا دينهم شيعًا.
٢١١٣٠ - حَدَّثَنَا أبو سعيد، حَدَّثَنَا عبد الله بن بَحِير، حَدَّثَنَا سيار، قال: جيء برءوس من قبل العراق، فنُصبت عند باب المسجد، وجاء أبو أمامة، فدخل المسجد، فركع ركعتين، ثمّ خرج إليهم، فنظر إليهم فرفع رأسه، دقال: شَرُّ قتلى تحت ظل السَّماء ثلاثا، وخير قتلى تحت ظل السَّماء مَنْ قَتَلُوه، وقال: كلاب النّار ثلاثا، ثمّ إنّه بكى، ثم انصرف عنهم، فقال له قائل: يا أبا أمامة أرأيت هذا الحديث حيث قلت كلاب النّار شيء سمعته من رسول الله ﷺ أو شيء تقوله برأيك؟ قال: سبحان الله، إنِّي إذا لجريء، لو سمعته من رسول الله ﷺ مرّة أو مرتين حتّى ذكر سبعًا لخلت أن لا أذكره، فقال
стр. 1649
الرَّجل: لأي شيء بكيت؟ قال: رحمة لهم، أو من رحمتهم.
(شَرُّ قَتْلَى) خبر لمبتدإ محذوف، أي هم شر قتلى، والضمير للخوارج (قُتِلُوا) بالبناء للمفعول جملة في محل جرّ صفة لـ "قَتْلَى" (تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ) ظرف لـ "قُتِلُوا"، و"أديم السَّماء" بالفتح: ما يظهر منه (وَخَيْرُ قَتِيلٍ مَنْ قَتَلُوا) بالبناء للفاعل، والعائد محذوف، أي من قتلوه، يعني أن من قتله الخوارج خير مقتول، أي من خير المقتولين ظلمًا، فلا يردّ أنه يكون خيرًا ممّن قُتل مع النبيّ ﷺ في غزواته (كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ) خبر لمحذوف أيضًا، أي هم كلاب أهل النّار (قَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ، فَصَارُوا كُفَّارًا") فيه دليل لمن قال بكفر الخوارج، وقد سبق أنه الظّاهر، وإن كان الجمهور على خلافه، حيث إنهم يؤوّلونه، بما فيه تكلّف وتعسّف. والله تعالى أعلم.
(قُلْتُ) القائل هو أبو غالب (يَا أَبَا أُمَامَةَ هَذَا شَيْءٌ تَقُولُهُ؟) بتقدير الاستفهام، أي أهذا تقوله من عندك استنباطًا؟ أم لك فيه نصّ؟ (قَالَ) أبو أمامة ﵁ (بَلْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ) يعني أن لديه نصّا صريحًا بذلك، وليس من عنده استنباطًا، واجتهادًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي أُمامة ﵁ هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده أبو غالب، وقد تكلّم فيه بعضهم؟.
[قلت]: هو وإن تكلّم فيه أبو حاتم، والنَّسائيّ، وابن حبّان، فقد روي عنه جماعة، ووثقه الدارقطني، وقال ابن معين: صالح الحديث، وقال ابن عديّ: لا بأس به، وأقلّ أحواله أن يكون حسن الحديث، وأيضًا لم ينفرد به، فقد رواه معه عن أبي أمامة صفوان بن سُليم، وهو ثقة، وسيّار الشاميّ، وهو صدوق، كما سبق آنفًا.
والحاصل أن الحديث صحيح. والله تعالى أعلم.
стр. 1650
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٤/ ١٧٦) بهذا السند فقط، وأخرجه (الحميديّ) في "مسنده" (٩٠٨) و (أحمد) في مسنده" (٥/ ٢٥٠ و ٢٥٣ و ٢٥٦ و ٢٦٩) و (الترمذيّ) (٣٠٠٠). وفوائد الحديث، وسائر متعلّقاته قد تقدّمت، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
قال الجامع الفقير إلى رحمة ربه القدير: محمّد ابن الشّيخ علي بن آدم بن موسى الإتيوبي -عفا الله عنه وعن والديه آمين-:
انتهى الجزء الثّالث: من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الله محمّد بن يزيد ابن ماجه رحمه الله تعالى المسمى "مشارق الأنوار الوهاجة، ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه".
وآخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
"اللَّهُمَّ صل على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللَّهُمَّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد"، "السّلام على النّبيّ ورحمة الله وبركاته".
ويليه الجزء الرّابع مفتتحا بـ (٢٥) (باب فيما أنكرت الجهمية). رقم الحديث (١٧٧).
أسأل الله تعالى أن يوفقني لإتمامه كله كما وفقني لهذا، إنّه جواد كريم رءوف رحيم.
"سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك أشهد أن لا إله إِلَّا أنت وحدك لا شريك لك أستغفرك وأتوب إليك".
٣٥ - (بَابُ فِيمَا أَنْكَرتِ الْجَهْمِيَّةَ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "الجهميّة" -بفتح الجيم، وسكون الهاء- طائفة من المبتدعة يخالفون أهل السنّة والجماعة في كثير من الأصول، كمسألة الرؤية، وإثبات الصفات لله ، يُنسبون إلى جهم بن صفوان رجل ضالّ من أهل الكوفة.
قال الكرماني ﵀: "الجْهْمِيَّة" فرقة من المبتدعة ينتسبون إلى جَهْم بن صفوان، مُقَدَّم الطائفة القائلة: أَنْ لا قدرة للعبد أصلًا، وهم "الجبْرِية" -بفتح الجيم، وسكون الموحدة- ومات مقتولًا في زمن هشام بن عبد الملك انتهى.
قال الحافظ ﵀ متعقّبًا على كلام الكرمانيّ هذا: ما نصّه: وليس الّذي أنكروه على الجهمية مذهب الجبر خاصّة، وإنما الّذي أطبق السلف على ذمهم بسببه إنكار الصفات، حتّى قالوا: إن القرآن ليس كلام الله، وإنه مخلوق، وقد ذكر الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التَّميميُّ البغدادي في كتابه "الْفَرْق بين الْفِرَق": إن رءوس المبتدعة أربعة ... إلى أن قال: والجهمية أتباع جهم بن صفوان الّذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وقال: لا فعل لأحد غير الله تعالى، وإنما يُنسَب الفعل إلى العبد مجازًا من أن يكون فاعلًا أو مستطيعًا لشيء، وزعم أن علم الله حادث، وامتنع مِن وصف الله تعالى بأنه شيء، أو حي، أو عالم، أو مريد، حتّى قال: لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره، قال: وأصفه بأنه خالق، ومحي، ومميت، ومُوَحَّد -بفتح المهملة الثقيلة-؛ لأن هذه الأوصاف خاصّة به، وزعم أن كلام الله حادث، ولم يُسَمِّ الله متكلمًا به، قال: وكان جهم يَحْمِل السلاح، ويقاتل، وخرج مع الحارث بن سُرَيج -وهو بمهملة وجيم مصغرًا- لمَّا قام على نصر بن سَيّار عامل بني أمية بخراسان، فآل أمره إلى أن قتله سَلْم بن أحوز -وهو بفتح السين المهملة، وسكون اللام، وأبوه بمهملة، وآخره زاي، وِزانُ أعور- وكان صاحب شُرْطة نصر، وقال البخاريّ في "كتاب خلق أفعال العباد": بلغني أن جهما كان يأخذ عن الجَعْد بن درهم، وكان خالد الْقَسْرِيُّ، وهو أمير العراق خطب، فقال: إنِّي مُضَحٍّ بالجعد بن درهم؛ لأنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم
стр. 1656
خليلًا، ولم يُكَلِّم موسى تكليمًا.
قال الحافظ: وكان ذلك في خلافة هشام بن عبد الملك، فكأنّ الكرماني انتقل ذهنه من الجعد إلى الجهم، فإنّ قتل جهم كان بعد ذلك بمدة.
ونقل البخاري عن محمد بن مقاتل قال: قال عبد الله بن المبارك [من البسيط]:
وَلَا أَقُولُ بِقَوْلِ الجُهْمِ إِنَّ لَهُ ... قَوْلًا يُضَارِعُ قَوْلِ الشِّرْكِ أَحْيَانَا
وعن ابن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ونستعظم أن نحكي قول جهم. وعن عبد الله بن شَوْذَب قال: تَرَكَ جهم الصلاة أربعين يومًا على وجه الشك.
وأخرج ابن أبي حاتم في "كتاب الردّ على الجهمية" من طريق خلف بن سليمان البلخي قال: كان جهم من أهل الكوفة، وكان فصيحًا، ولم يكن له نفاذ في العلم، فلقيه قوم من الزنادقة، فقالوا له: صِفْ لنا ربك الذي تعبده؟ فدخل البيت لا يخرج مُدَّةً، ثم خرج فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء. وأخرج ابن خزيمة في "التوحيد"، ومن طريقه البيهقي في "الأسماء" قال: سمعت أبا قُدامة يقول: سمعت أبا معاذ البلخي يقول: كان جهم على مَعْبَر ترمذ، وكان كوفي الأصل فصيحًا، ولم يكن له علم، ولا مجالسة أهل العلم، فقيل له: صِفْ لنا ربك، فدخل البيت لا يخرج كذا، ثم خرج بعد أيام، فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء، وفي كل شيء، ولا يخلو منه شيء. وأخرج البخاري من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة قال: كلام جهم صفةٌ بلا معنى، وبِنَاءٌ بلا أساس، ولم يُعَدَّ قط في أهل العلم، وقد سئل عن رجل طَلَّقَ قبل الدخول، فقال: تعتد امرأته، وأورد آثارًا كثيرة عن السلف في تكفير جهم.
وذكر الطبري في "تاريخه" في حوادث سنة سبع وعشرين أن الحارث بن سُرَيج خرج على نصر بن سيار، عاملِ خراسان لبني أمية، وحاربه والحارث حينئذ يدعو إلى العمل بالكتاب والسنة، وكان جهم حينئذ كاتبه، ثم تراسلا في الصلح، وتراضيا بحكم مقاتل بن حيان والجهم، فاتفقا على أن الأمر يكون شُورَى حتى يتراضى أهل خراسان على أمير يحكم بينهم بالعدل، فلم يقبل نصر ذلك، واستمر على محاربة الحارث إلى أن
стр. 1657
قُتِل الحارث في سنة ثمان وعشرين في خلافة مروان الحمار، فيقال: إن الجهم قُتِل في المعركة، ويقال: بل أُسِر فأَمَرَ نصر بن سيار سَلْمَ بن أحوز بقتله، فادعى جهم الأمانَ، فقال له سلم: لو كنت في بطني لشققته حتى أقتلك فقتله.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق محمد بن صالح مولى بني هاشم قال: قال سلم حين أخذه: يا جهم إني لست أقتلك لأنك قاتلتني، أنت عندي أحقر من ذلك، ولكني سمعتك تتكلم بكلامٍ أعطيتُ الله عهدًا أن لا أملكك إلا قتلتك فقتله. ومن طريق معتمر بن سليمان، عن خلاد الطُّفاوي: بلغ سلم بن أحوز، وكان على شُرطة خراسان أن جهم بن صفوان ينكر أن الله كَلَّم موسى تكليمًا فقتله. ومن طريق بكير بن معروف قال: رأيت سلم بن أحوز حين ضرب عنق جهم، فاسودّ وجه جهم.
وأسند أبو القاسم اللالكائي في "كتاب السنة" له أن قتل جهم كان في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، والمعتمد ما ذكره الطبري أنه كان في سنة ثمان وعشرين.
وذكر ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن رحمة صاحب أبي إسحاق الفزاري أن قصة جهم كانت سنة ثلاثين ومائة، وهذا يمكن حمله على جبر الكسر، أو على أن قتل جهم تراخى عن قتل الحارث بن سُريج، وأما قول الكرماني: إن قتل جهم كان في خلافة هشام بن عبد الملك فوهم؛ لأن خروج الحارث بن سُريج الذي كان جهم كاتبه، كان بعد ذلك، ولعل مستند الكرماني ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق صالح بن أحمد ابن حنبل قال: قرأت في دواوين هشام بن عبد الملك إلى نصر بن سيار عام خراسان: أما بعد "فقد نجم قِبَلك رجل يقال له: جهم من الدهرية، فإن ظَفِرت به فاقتله، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون قتله وقع في زمن هشام، وإن كان ظهور مقالته وقع قبل ذلك، حتى كاتب فيه هشام، والله أعلم.
وقال ابن حزم في كتاب "الملل والنِّحَل": فِرَقُ المقرين بملة الإسلام خمس: أهلُ السنة، ثم المعتزلة، ومنهم القدرية، ثم المرجئة، ومنهم الجهمية والكرامية، ثم الرافضة، ومنهم الشيعة، ثم الخوارج، ومنهم الأزارقة والإباضية، ثم افترقوا فِرَقًا كثيرة، فأكثر
стр. 1658
افتراق أهل السنة في الفروع، وأما في الاعتقاد ففي نُبَذٍ يسيرة، وأما الباقون ففي مقالاتهم ما يخالف أهل السنة الخلاف البعيد والقريب، فأقرب فِرَق المرجئة من قال: الإيمان التصديق بالقلب واللسان فقط، وليست العبادة من الإيمان، وأبعدهم الجهمية القائلون بأن الإيمان عقد بالقلب فقط، وان أظهر الكفر والتثليث بلسانه، وعَبَدَ الوثن تَقِيّةً، والكرامية القائلون بأن الإيمان قول باللسان فقط، وإن اعتقد الكفر بقلبه، وساق الكلام على بقية الفِرَق، ثم قال: فأما المرجئة فعمدتهم الكلام في الإيمان والكفر، فمن قال: إن العبادة من الإيمان، وإنه يزيد وينقص، ولا يُكَفِّر مؤمنًا بذنب، ولا يقول: إنه يُخَلَّد في النار فليس مرجئًا، ولو وافقهم في بقية مقالاتهم، وأما المعتزلة فعمدتهم الكلام في الوعد والوعيد والقدر، فمن قال: القرآن ليس بمخلوق، وأثبت القدر، ورؤية الله تعالى في القيامة، وأثبت صفاته الواردة في الكتاب والسنة، وأن صاحب الكبائر لا يخرج بذلك عن الإيمان فليس بمعتزلي، وإن وافقهم في سائر مقالاتهم، وساق بقية ذلك إلى أن قال: وأما الكلام فيما يوصف الله به فمشترك بين الفِرَقِ الخمسة من مُثبت لها وناف، فرأس النفاة المعتزلة والجهمية، فقد بالغوا في ذلك حتى كادوا يُعَطِّلون، ورأس المثبتة مُقاتل بن سليمان، ومن تبعه من الرافضة والكرامية، فإنهم بالغوا في ذلك، حتى شبهوا الله تعالى بخلقه، تعالى الله سبحانه عن أقوالهم علوًّا كبيرًا.
ونظير هذا التباين قول الجهمية: إن العبد لا قدرة له أصلًا، وقول القدرية: إنه يخلُقُ فعل نفسه.
وقد أفرد البخاري خلق أفعال العباد في تصنيف، وذكر منه هنا أشياء بعد فراغه مما يتعلق بالجهمية. ذكر هذا كلّه في "الفتح" (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ في "منهاج السنّة": ما حاصله: ثم إنه في أواخر عصر التابعين من أوائل المائة الثانية حدثت بدعة الجهميّة منكرة الصفات، وكان
стр. 1659
أول من أظهر ذلك الجعد بن درهم، فطلبه خالد بن عبد الله الْقَسْريّ، فضحّى به بواسط، فخطب الناس يوم النحر.
قال: أيها الناس ضحّوا تقبّل الله ضحاياكم، فإني مضحّ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله تعالى لم يتّخذ إبراهيم خليلًا، ولم يُكلّم موسى تكليمًا تعالى الله عما يقول الجعد عُلُوًا كبيرًا، ثم نزل فذبحه.
ثم ظهر بهذا المذهب الجهم بن صفوان، ودخلت فيه بعد ذلك المعتزلة، وهؤلاء أوّل من عُرف عنهم في الإسلام أنهم أثبتوا حدوث العالم بحدوث الأجسام، وأثبتوا حدوث الأجسام بحدوث ما يستلزمها من الأعراض، وقالوا: الأجسام لا تنفكّ عن أعراض محدثة، وما لا ينفكّ عن الحوادث، أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها.
ثم إنهم تفرّقوا عن هذا الأصل، فلما قالوا بامتناع دوام الحوادث في الماضي عورضوا بالمستقبل، فَطَرَدَ إماما هذه الطريقة هذا الأصل، وهما إمام الجهميّة الجهم بن صفوان، وأبو الْهُذيل الْعَلّاف إمام المعتزلة، وقالا بامتناع دوام الحوادث في المستقبل والماضي.
ثم إن جهمًا قال: إذا كان الأمر كذلك لزم فناء الجنّة والنار، وأنه يعدم كلّ ما سوى الله، كما كان كل ما سواه معدومًا، وكان هذا مما أنكره السلف والأئمة على الجهميّة، وعدُّوه من كفرهم، وقالوا: إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] وقال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] إلى غير ذلك من النصوص الدّالّة على بقاء نعيم الجنّة. إلى آخر ما قاله، فقد فصّل هذه الفرق تفصيلًا حسنًا لا تراه في كتب غيره كما فصّله، فاستفد منه (١)، والله تعالى وليّ التوفيق.
стр. 1660
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٧٧ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ (ح) وحَدَّثَنَا عَليُّ ابْنُ مُحَمَّدٍ، حدَّثنا خَالِي يَعْلَى، وَوَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْس بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ قَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تَضَامُّونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، فَافْعَلُوا، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن عبد الله بن نُمَير) الهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة حافظٌ فاضلٌ [١٠] ١/ ٤.
٢ - (أبوه) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقة صاحب حديث، سنّيّ، من كبار [٩] ٨/ ٥٢.
٣ - (وكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظ عابد، من كبار [٩] ١/ ٣.
٤ - (عليّ بن محمد) الطنافسيّ الكوفي، ثقة عابد [١٠] ٩/ ٥٧.
٥ - (خاله يعلى) بن عُبيد بن أُميّة الطنافسيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقة إلا في حديثه عن الثوريّ، ففيه لين، من كبار [٩] ١٠/ ٨٩.
٦ - (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] ١/ ٣.
٧ - (إسماعيل بن أبي خالد) البجليّ الأحمسيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبتٌ [٤] ١٣/ ١١٣.
٨ - (قيس بن أبي حازم) البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة مخضرم [٢] ١٣/ ١١٣.
٩ - (جرير بن عبد الله) البجلي الصحابيّ المشهور ﵁ ٢٨/ ١٥٩، والله تعالى أعلم.
стр. 1661
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنف.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه علي بن محمد، وهو ثقة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل السند، وقد تقدّم تمام البحث فيها غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، والراوي عن خاله.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٧ - (ومنها): أن قيسًا هو الذي اجتمع له الرواية عن العشرة المبشّرين بالجنّة ﵁، ولا يوجد له نظير في التابعين، وهو من المعمّرين، فقد جاوز عمره مائة سنة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله) ﵁، ووقع عند ابن مردويه من طريق شعبة، عن إسماعيل التصريح بسماع إسماعيل من قيس، وسماع قيس من جرير ﵁ (١) (قَالَ) جرير ﵁ (كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ) وللبخاريّ: "كنا عند النبيّ ﷺ (فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) أي ليلة كون القمر بدَرًا، أي ليلة كماله، سميت بذلك لتمام قمرها، قال في "اللسان": وليلة البدر ليلةُ أربع عشرة، وقال أيضًا: البدر القمر، إذا امتلأ، وإنما سمّي بدرًا لأنه يُبادر بالغروب طلوع الشمس، وفي "المحكم": لأنه يبادر بطلوعه غروب الشمس؛ لأنهما يتراقبان في الأُفُق صُبْحًا. انتهى (٢).
(قَالَ) ﷺ (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ) وفي رواية عند البخاريّ: "إنكم ستُعرضون على
стр. 1662
ربّكم، فترونه"، وفي رواية: "إنكم سترون ربّكم عِيَانًا"" (كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ) أي من غير مزاحمة كما يُفيده آخر الكلام، وإلا فهذه رؤية في جهة، وتلك رؤية لا في جهة. قاله السنديّ.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "لا في جهة" فيه نظرٌ؛ لأنه مبنيّ على نفي المؤوّلة من الأشاعرة والماتريديّة للعلّوّ، فإنهم هنا يزعمون إثبات رؤية الله مع نفي أن تكون في جهة، فوقعوا في التناقض والمحال، والحقّ أنه يُرى في الدَّار الآخرة حقيقةً كما وَصَف بذلك نفسه في غير ما آية، كقوله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] وكما وصفه بذلك نبيّه ﷺ وأعرف الخلق به في غير ما حديث، ورؤيته حقّ، وهو في علوه عند أهل السنّة والجماعة، والله تعالى أعلم.
(لَا تَضَامُّونَ) رُوي بضم التاء، وبتخفيف الميم، من الضيم، وهو التعب، وبتشديدها من الضمّ، وفتح التاء، وتشديد الميم، قال الخطّابيّ ﵀: يُروى على وجهين: أحدهما مفتوحة التاء مشدّدة الميم، وأصله تتضامّون حُذفت إحدى التاءين، أي لا يُضَامُّ بعضكم بعضا كما يفعله النَّاس في طلب الشيء الخفيّ الّذي لا يسهل دركه، فيتزاحمون عنده، يريد أن كلّ واحد منهم وَادِعٌ مكانه لا ينازعه في رؤيته أحدٌ، والآخر "لا تُضامُون" من الضيم: أي لا يَضِيم بعضكم بعضا في رؤيته.
وقال التيميّ: "لا تُضامُّون" بضمّ الميم، مراده أنكم لا تختلفون إلى بعض فيه حتّى تجتمعوا للنظر، وينضمّ بعضكم إلى بعض، فيقول واحد: هو ذاك، ويقول الآخر: ليس ذاك كما يفعله النَّاس عند النظر إلى الهلال أوّل الشهر، وبتخفيفها معناه لا يَضيم بعضكم بعضًا بأن يدفعه عنه، أو يستأثر به دونه.
وقال ابن الأنباري: أي لا يقع لكم في الرؤية ضَيْمٌ، وهو الذّلّ، وأصله تُضيَمُون، فأُلقيت حركة الياء على الضاد، فصارت الياء ألفا؛ لانفتاح ما قبلها.
وقال ابن الجوزي: لا تضامون بضمّ التاء المثنّاة من فوقُ، وتخفيف الميم، وعليه أكثر الرواة، والمعنى: لا ينالكم ضيمٌ، والضيم أصله الظلم، وهذا الضيم يَلْحَق الرائيَ
стр. 1663
من وجهين: أحدهما: من مزاحمة الناظرين له، أي لا تزدحمون في رؤيته فيراه بعضكم دون بعض، ولا يظلم بعضكم بعضا. والثّاني: من تأخّره عن مقام الناظر المحقّق، فكأن المتقدّمين ضاموه، ورؤية الله يستوي فيها الكلّ، فلا ضيم ولا ضرر ولا مشقّة.
وفي رواية "لا تضامون، أو لا تضاهون" يعني على الشك، أي لا يشتبه عليكم، وترتابون، فيعارض بعضكم بعضًا في رؤيته، وقيل: لا تشبهونه في رؤيته بغيره من المرئيات.
وروي "تضارّون" بالراء المشدّدة والتاء مفتوحة ومضمومة. وقال الزجّاج: معناه لا تتضارون، أي لا يُضارّ بعضكم بعضًا في رؤيته بالمخالفة.
وعن ابن الأنباريّ: هو تتفاعلون من الضّرار، أي لا تتنازعون وتختلفون. وروي أيضًا "لا تُضَارُونَ" بضم التاء وتخفيف الراء، أي لا يقع للمرء في رؤيته ضَيرٌ ما بالمخالفة، أو المنازعة، أو الخفاء. وروي "تُمارون" براء مخفّفة يعني تُجادلون، أو لا يدخلكم شك. ذكر هذا كلّه العينيّ في "عمدته" (١).
(في رُؤْيَتِهِ) متعلّق بما قبله (فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا) بالبناء للمفعول، أي لا يغلبكم الشيطان حتّى تتركوهما، أو تؤخّروهما عن أول الوقت.
وقال ابن بطّال: قال المهلّب: قوله: "أن لا تُغلبوا عن صلاة" أي في الجماعة قال: وخصّ هذين الوقتين لاجتماع الملائكة فيهما، ورفعهم أعمال العباد لئلا يفوتهم هذا الفضل العظيم.
وتعقّبه الحافظ في تقييده بالجماعة -فأحسن في ذلك- قال: لم يظهر لي وجه تقييد ذلك بكونه في جماعة، وإن كان فضل الجماعة معلومًا من أحاديث أُخَر، بل ظاهر الحديث يتناول مَنْ صلاهما ولو منفردًا؛ إذ مقتضاه التحريض على فعلهما أعمّ من كونه جماعة أو لا. انتهى، والله تعالى أعلم.
стр. 1664
(عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) زاد مسلم "يعني العصر والفجر"، وفي رواية لابن مرويه: "قبل طلوع الشّمس صلاة الصُّبح، وقبل غروبها صلاة العصر".
فيه إشارة إلى قطع أسباب الغلبة المنافية للاستطاعة كالنوم والشغل ومقاومة ذلك بالاستعداد له (فَافْعَلُوا) أي عدمَ الغلبة، وهو كناية عمّا ذُكر من الاستعداد، ووقع في رواية في "الصّحيح" بلفظ: "فلا تغفلوا عن صلاة ... " الحديث.
وقال الخطابيّ: هذا يدلُّ على أن الرؤية قد يُرجى نَيْلُها بالمحافظة على هاتين الصلاتين انتهى، وقد يُستشهد لذلك بما أخرجه الترمذيّ من حديث ابن عمر ﵄ رفعه: قال: "إن أدنى أهل الجنّة منزلة ... " فذكر الحديث، وفيه: "وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيّة"، وقي سنده ضعف. قاله في "الفتح" (١).
(ثُمَّ قَرَأَ) لم يُبيّن فاعل "قرأ" في جميع الروايات، لكن في "صحيح مسلم" عن زهير بن حرب، عن مروان بن معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد بسند الباب: "ثمّ قرأ جرير"، أي الصحابيّ، وكذا أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" من طريق يعلى بن عُبيد، عن إسماعيل، وكذا هو عند أبي نعيم في "مستخرجه أن جريرًا قرأه"، فتبيّن بهذا أن القارىء هو جرير الصحابيّ ﵁، فما قاله الحافظ في "الفتح": والظاهر أنه النبيّ ﷺ ، لكن لم أر ذلك صريحًا تعقّبه العينيّ بأنه تخمين وحسبان، وقد أجاد في تعقّبه، ومن الغريب أن الحافظ ذكر بعد هذا نصّ ما وقع عند مسلم وأبي عوانة، وسكت عليه، سبحان من لا يضلّ ولا ينسى.
(﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]) أي قرأ هذه الآية تصديقًا للحديث، وإشارة إلى أما نزلت في ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 1665
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جرير بن عبد الله ﵁ هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٤/ ١٧٧) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (البخاريّ) (١/ ١٤٥ و ١٥٠ و ٦/ ١٧٣ و ٩/ ١٥٦) و (مسلم) في (٢/ ١١٣ و ١١٤) و (أبو داود) (٤٧٢٩) و (البخاريّ) في "خلق أفعال العباد" (١٢) و (الحميديّ) في "مسنده" (٧٩٩) و (أحمد) في "مسنده" ٤/ ٣٦٠ و ٣٦٢ و ٣٦٥ (ابن أبي عاصم) في "السنّة" (٤٤٦ و ٤٤٧ و ٤٤٨ و ٤٤٩ و ٤٦١) و (عبد الله بن أحمد) في "السنّة" (٢١٩ و ٢٢١ و ٢٢٥ و ٢٢٦ و ٢٢٧) و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣١٧) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٤٤٢) و (الطبرانيّ) (٢٢٢٤ و ٢٢٢٥ و ٢٢٢٦ و ٢٢٢٧ و ٢٢٢٨ و ٢٢٢٩) و (ابن منده) (٧٩١ و ٧٩٣ و ٧٩٤ و ٧٩٥ و ٧٩٦ و ٧٩٧) و (اللالكائيّ) في "شرح أصول الاعتقاد" (٩٢٥ و ٨٢٦ و ٨٢٨ و ٨٢٩) و (البيهقيّ) في "الاعتقاد" (١٢٨ و ١٢٩) و (البغويّ) في "شرح السنة" (٣٧٨ و ٣٧٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان ما أنكرته الجهميّة من رؤية الله معاندة للحق الأبلج، والنور الأبهج.
٢ - (ومنها): أن فيه إثباتَ رؤية المؤمنين ربّهم في الآخرة، وهو الّذي عليه أهل السنّة والجماعة، وسيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-.
٣ - (ومنها): أن فيه بيان زيادة شرف الصلاتين، وذلك لتعاقب الملائكة في وقتيهما، ولأن وقت صلاة الصُّبح وقت لذّة النوم كما قيل:
ألذُّ الْكَرَى عِنْدَ الصَّبَاحِ يَطِيبُ
والقيام فيه أشقّ على النفس من القيام في غيره، وصلاة العصر وقت الفراغ عن
стр. 1666
الصناعات، وإتمام الوظائف، والمسلم إذا حافظ عليها مع ما فيه من التثاقل والتشاغل فلأن يُحافظ على غيرها بالطريق الأولى.
٤ - (ومنها): ما قاله الخطّابيّ ﵀: إن قوله: "فافعلوا" يدلّ على أن الرؤية قد يُرجى نيلها بالمحافظة على هاتين الصلاتين. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرّابعة): أنه استُدلّ بهذا الحديث وبأحاديث أخرى وبالقرآن وإجماع الصّحابة ﵃ ومن بعدهم على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، وقد رَوَى أحاديث الرؤية أكثرُ من عشرين صحابيّا، قال أبو القاسم: روى رؤية المؤمنين لربهم في القيامة أبو بكر، وعليّ بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وابن مسعود، وأبو موسى، وابن عبّاس، وابن عمر، وحُذيفة، وأبو أُمامة، وأبو هريرة، وجابر، وأنس، وعمّار بن ياسر، وزيد بن ثابت، وعبادة بن الصامت، وبُريدة بن الحُصَيب، وجُنادة بن أبي أُميّة، وفَضَالة ابن عُبيد، ورجل له صحبة النبيّ ﷺ ، ثمّ ذكر أحاديثهم بأسانيدها، غالبها جيّد، وذكر أبو نُعيم الحافظ في "كتاب تثبيت النظر" أبا سعيد الخدريّ، وعُمارة بن رؤيبة، وأبا رزين الْعُقَيليّ، وأبا برزة، وزاد الآجريّ في "كتاب الشّريعة"، وأبو محمّد عبد الله بن محمّد المعروف بأبي الشّيخ في "كتاب السنّة الواضحة" عن عديّ بن حاتم الطائيّ بسند جيّد.
ثمّ إن الرؤية مختّصّة بالمؤمنين، ممنوعة عن الكفّار، وقيل: يراه منافقو هذه الأمّة، وهذا ضعيف، والصّحيح أن المنافقين كالكفّار باتّفاق العلماء، وعن ابن عمر وحُذيفة: "من أهل الجنّة من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيّة".
ومنع من ذلك المعتزلة، والخوارج، وبعض المرجئة، واحتجّوا في ذلك بوجوه:
(الأوّل): قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقالوا: يلزم من نفي الإدراك بالبصر نفي الرؤية.
(الثّاني): قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، و"لن" للتأبيد بدليل قوله تعالى: ﴿قُل لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ [الفتح: ١٥]، وإذا ثبت في حقّ موسى ﵇ عدم الرؤية
стр. 1667
ثبت في حقّ غيره.
(الثّالث): قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]، فالآية دلّت على أن من يتكلّم الله معه فإنّه لا يراه، فإذا ثبت عدم الرؤية في وقت الكلام ثبت في غير وقت الكلام ضرورة أنه لا قائل بالفصل.
(الرّابع): أن الله تعالى ما ذكر في طلب الرؤية في القرآن إِلَّا وقد استعظمه، وذمّ عليه، وذلك في آيات، منها: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥].
(الخامس): لو صحّت رؤية الله تعالى لرأيناه الآن، والتالي باطلٌ والمقدّم مثله.
واحتجّ أهل السنّة بما سبق من الأحاديث الصحيحة، وبقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، فهذا يدلُّ على أن المؤمنين لا يكونون محجوبين.
والجواب عن قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أن المراد من الإدراك الإحاطة، ونحن أيضًا نقول به.
وعن قوله تعالى: ﴿لَن تَرَانِى﴾ أنا لا نُسلّم أن "لن" تدلّ على التّأبيد بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] مع أنهم يتمنّونه في الآخرة.
وعن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ الآية [الشورى: ٥١] أن الوحي كلام يُسمع بالسرعة، وليس فيه دلالة على كون المتكلّم محجوبًا عن نظر السامع أو غير محجوب عن نظره.
وعن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى﴾ الآية أن الاستعظام لم لا يجوز أن يكون لأجل طلبهم الرؤية على سبيل التعنّت والعناد بدليل الاستعظام في نزول الملائكة في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١]، ولا نزاع في جواز ذلك.
стр. 1668
والجواب عن قولهم: لو صحّت رؤية الله تعالى إلخ أن عدم الوقوع لا يستلزم عدم الجواز، فإن قالوا: الرؤية لا تتحقّق إِلَّا بثمانية أشياء: سلامة الحاسّة، وكون الشيء بحيث يكون جائز الرؤية، وأن يكون المرئيّ مقابلًا للرّائي، أو في حكم المقابل، فالأول كالجسم المحاذي للرائي، والثّاني كالأعراض المرئيّة، فإنها ليست مقابلة للرائي؛ إذ الْعَرَض لا يكون كمقابلًا للجسم، ولكنّها حالّةٌ في الجسم المقابل للرائي، فكان في حكم المقابل، وأن لا يكون المرئيّ في غاية القرب، ولا في غاية البعد، وأن لا يكون في غاية الصغر، ولا في غاية اللطافة، وأن لا يكون بين الرائي والمرئيّ حجاب.
قلنا: الشرائط الستة الأخيرة لا يمكن اعتبارها إِلَّا في الأجسام، والله تعالى ليس بجسم، فلا يمكن اعتبار هذه الشرائط في رؤيته، ولا يُعتبر في حصول الرؤية إِلَّا أمران: سلامة الحاسّة، وكونه بحيث يصحّ أن يُرَى، وهذان الشرطان حاصلان.
[فإن قلت]: الكاف في "كما ترون" للتشبيه، ولا بُدّ أن تكون مناسبة بين الرائي والمرئي.
[أجيب]: بأن معنى التشبيه فيه أنكم ترونه رؤية محقّقة لا شكّ فيها ولا مشقّة ولا خفا كما ترون القمر كذلك، فهو تشبيه للرؤية بالرؤية، لا المرئيّ بالمرئيّ. قاله العينيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهو تحقيق حسنٌ، إِلَّا قوله: "والله تعالى ليس بجسم"، ففيه نظرٌ لا يخفى؛ لأن هذا ممّا لم يرد به نصٌّ، لا بالإثبات، ولا بالنَّفْي، فلا ينبغي التعرّض له لا بالنَّفْي، ولا بالإثبات، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال الإمام البخاريّ ﵀: "باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ الآية [القيامة: ٢٢، ٢٣].
قال في "الفتح": كأنه يشير إلى ما أخرجه عبد بن حميد، والتِّرمذيُّ، والطّبريّ،
стр. 1669
وغيرهم، وصححه الحاكم من طريق ثُوَير بن أبي فاختة، عن ابن عمر ﵄، عن النّبيّ ﷺ قال: إن أدنى أهل الجنَّة مَنْزِلة لمَن ينظر في مُلكه ألف سنة، وإن أفضلهم منزلة لمن ينظر في وجه ربه في كلّ يوم مرتين"، قال: ثمّ تلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ قال: بالبياض والصفاء ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: تنظر كلّ يوم في وجه الله"، لفظه الطّبريّ من طريق مُصْعَب بن المقدام، عن إسرائيل، عن ثُوير، وأخرجه عبد عن شبابة، عن إسرائيل، ولفظه: "لمَن ينظر إلى جِنَانه وأزواجه وخَدَمه ونعيمه وسروره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله تعالى من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية"، وكذا أخرجه الترمذي عن عبد، وقال غريب، رواه غير واحد عن إسرائيل مرفوعًا، ورواه عبد الملك بن أبجر، عن ثوير، عن ابن عمر موقوفًا، ورواه الثّوريّ عن ثُوير، عن مجاهد، عن ابن عمر موقوفًا أيضًا، قال: ولا نعلم أحدًا ذكر فيه مجاهدًا غير الثّوريّ بالعنعنة.
قال الحافظ: أخرجه ابن مردويه من أربعة طرق، عن إسرائيل، عن ثوير قال: سمعت ابن عمر، ومن طريق عبد الملك بن أبجر، عن ثوير، مرفوعًا، وقال الحاكم بعد تخريجه: ثُوير لم يُنْقَم عليه إِلَّا التشيع.
قال الحافظ: لا أعلم أحدًا صَرَّح بتوثيقه، بل أطبقوا على تضعيفه، وقال ابن عديّ: الضعف على أحاديثه بَيِّنٌ، وأقوى ما رأيت فيه قولُ أحمد بن حنبل فيه، وفي ليث ابن أبي سُليم، ويزيد بن أبي زياد: ما أقرب بعضهم من بعض.
وأخرج الطّبريّ من طريق أبي الصهباء موقوفًا، نحو حديث ابن عمر، وأخرج بسند صحيح إلى يزيد النحوي، عن عكرمة في هذه الآية قال: تنظر إلى ربها نظرًا، وأخرج عن البخاريّ، عن آدم، عن مبارك، عن الحسن قال: تنظر إلى الخالق، وحُقَّ لها أن تنظر، وأخرج عبد بن حميد، عن إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة: انظروا ماذا أعطى الله عبده من النور في عينه من النظر إلى وجه ربه الكريم عيانًا -يعني في الجنَّة- ثمّ قال: لو جُعل نورُ جميع الخلق في عيني عبد، ثمّ كُشف عن الشّمس سِتر
стр. 1670
واحدٌ، ودونها سبعون سِترًا ما قدر على أن ينظر إليها، ونور الشّمس جزء من سبعين جزأ من نور الكرسيّ، ونور الكرسي جزء من سبعين جزأ من نور العرش، ونور العرش جزء من سبعين جزأ من نور السِّتر، وإبراهيم فيه ضعف.
وقد أخرج عبد بن حُميد عن عكرمة من وجه آخر إنكار الرؤية.
ويمكن الجمع بالحمل على غير أهل الجنَّة.
وأخرج بسند صحيح عن مجاهد ﴿نَاظِرَةٌ﴾ تنظر الثّواب، وعن أبي صالح نحوه.
وأورد الطّبريّ الاختلاف، فقال: الأولى عندي بالصواب ما ذكرناه عن الحسن البصريّ، وعكرمة، وهو ثبوت الرؤية؛ لموافقته الأحاديث الصحيحة.
وبالغ ابن عبد البرّ في رد الّذي نقل عن مجاهد، وقال: هو شذوذ.
وقد تمسك به بعض المعتزلة، وتمسكوا أيضًا بقوله في حديث سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان، وفيه: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك"، قال بعضهم: فيه إشارة إلى انتفاء الرؤية.
وتُعُقِّبَ بأن المنفي فيه رؤيته في الدنيا؛ لأن العبادة خاصّة بها، فلو قال قائل: إن فيه إشارةً إلى جواز الرؤية في الآخرة لمَا أَبْعَدْ.
وزعمت طائفة من المتكلمين كالسالمية من أهل البصرة أن في الخبر دليلًا على أنّ الكفّار يرون الله في القيامة من عموم اللِّقاء والخطاب، وقال بعضهم يراه بعض دون بعض، واحتجّوا بحديث أبي سعيد ﵁ حيث جاء فيه أن الكفار يتساقطون في النّار إذا قيل لهم: ألَّا تَرِدُون، ويبقى المؤمنون، وفيهم المنافقون، فيرونه لمّا يُنصَبُ الجسر، ويتبعونه، ويُعطَي كلّ إنسان منهم نوره، ثمّ يُطْفَأُ نور المنافقين، وأجابوا عن قوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، أنه بعد دخول الجنَّة، وهو احتجاج مردود، فإن بعد هذه الآية: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦]، فدل على أن الحَجْب وقع قبل ذلك، وأجاب بعضهم بأن الحَجْب يَقَع عند إطفاء النور، ولا يلزم من كونه يتجلى للمؤمنين ومن معهم ممّن أدخل نفسه فيهم أن تَعُمَّهم الرؤية؛
стр. 1671
لأنه أعلم بهم، فيُنْعِم على المؤمنين برؤيته دون المنافقين، كما يمنعهم من السجود، والعلّم عند الله تعالى.
قال البيهقيّ: وجهُ الدّليل من الآية أن لفظ ﴿نَاضِرَةٌ﴾ الأوّل بالضاد المعجمة الساقطة من النضرة بمعنى السرور، ولفظ ﴿نَاظِرَةٌ﴾ بالظاء المعجمة المشالة، يحتمل في كلام العرب أربعة أشياء: نظر التفكر والاعتبار، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، ونظر الانتظار، كقوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٤٩]، ونظر التعطف والرّحمة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]، ونظر الرؤية، كقوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠]، والثلاثة الأُوَلُ غير مرادة، أما الأوّل فلأنّ الآخرة ليست بدار استدلال، وأما الثّاني فلأن في الانتظار تنغيصًا وتكديرًا، والآية خرجت مخرج الامتنان والبشارة، وأهلُ الجنَّة لا ينتظرون شيئًا؛ لأنه مهما خَطَرَ لهم أُتُوابه، وأما الثّالث فلا يجوز؛ لأن المخلوق لا يتعطف على خالقه، فلم يبق إِلَّا نظر الرؤية، وانضمّ إلى ذلك أن النظر إذا ذُكر مع الوجه انصرف إلى نظر العينين اللتين في الوجه، ولأنه هو الّذي يتعدى بـ "إلى"، كقوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، وإذا ثبت أن ﴿نَاظِرَةٌ﴾ هنا بمعنى رائية اندفع قولُ من زَعَمَ أن المعنى ناظرة إلى ثوابها؛ لأن الأصل عدم التقدير، وأُيِّدَ منطوقُ الآية في حق المؤمنين بمفهوم الآية الأخرى في حق الكافرين ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، وقَيْدُها بالقيامة في الآيتين إشارةٌ إلى أن الرؤية تحصل في الآخرة دون الدنيا. انتهى كلام البيهقيّ مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا.
وقد أخرج أبو العباس السَّرَّاج في "تاريخه" عن الحسن بن عبد العزيز الجْرَوِيّ (١)، وهو من شيوخ البخاريّ، سمعت عمرو بن أبي سلمة، يقول سمعت مالك بن أنس، وقيل له: يا أبا عبد الله قولُ الله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ يقول قوم: إلى ثوابه، فقال:
стр. 1672
كَذَبُوا، فأين هم عن قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾.
ومن حيث النظر أن كلّ موجود يصح أن يُرَى، وهذا على سبيل التَّنَزُّل، وإلا فصفات الخالق لا تُقاس على صفات المخلوقين، وأدلّةُ السمع طافحة بوقوع ذلك في الآخرة لأهل الإيمان دون غيرهم، ومُنِعَ ذلك في الدنيا إِلَّا أنه اختُلِف في نبيّنا ﷺ ، وما ذكروه من الفرق بين الدنيا والآخرة أن أبصار أهل الدنيا فانية، وأبصارهم في الآخرة باقية جَيِّدٌ، ولكن لم يَمْنَع تخصيصَ ذلك بمن ثبت وقوعه له.
ومَنَع جمهور المعتزلة من الرؤية، متمسكين بأن من شرط المرئي أن يكون في جهة، والله مُنَزَّه عن الجهة، واتفقوا على أنه يَرَى عباده، فهو رَاءٍ لا من جهة.
واختَلَفَ من أثبت الرؤية في معناها، فقال قوم: يَحصُل للرائي العلم بالله تعالى برؤية العين كما في غيره من المرئيات، وهو على وفق قوله في حديث الباب: "كما تَرَون القمر" إِلَّا أنه مُنزَّه عن الجهة والكيفية، وذلك أمر زائد على العلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ذكر صاحب "الفتح" قوله: "مُنَزَّه عن الجهة والكيفية"، أما كونه منزّهًا عن الكيفيّة، فحق، وأما كونه منزّهًا عن الجهة ففيه نظر لا يخفى، فقد أثبتت الأدلّة الصحيحة على أنه في جهة العلّو، فتدبّرها، ولا تكن أسير التقليد، فإنّه حجة البليد، وملجأ العنيد، والله الهادي إلى سواء السبيل.
وقال بعضهم: إن المراد بالرؤية العلم، وعَبَّر عنها بعضهم بأنها حُصول حالة في الإنسان نسبتها إلى ذاته المخصوصة نسبة الإبصار إلى المرئيات، وقال بعضهم: رؤية المؤمن لله نوع كشف وعِلْم إِلَّا أنه أتم وأوضح من العلم، وهذا أقرب إلى الصواب من الأول (١).
وتُعُقِّب الأولُ بأنه حينئذ لا اختصاص لبعض دون بعض؛ لأن العلم لا يتفاوت، وتعقّبه ابن التين بأن الرؤية بمعنى العلم تتعدى لمفعولين، تقول: رأيت زيدًا
стр. 1673
فقيهًا أي علمته، فإن قلت: رأيت زيدًا منطلقًا (١) لم يُفْهَم منه إِلَّا رؤية البصر، ويزيده تحقيقًا قوله في الخبر: "إنكم سترون ربكم عِيَانًا"؛ لأن اقتران الرؤية بالعيان لا يحتمل أن يكون بمعنى العلم.
وقال ابن بطّال ﵀: ذهب أهل السنة، وجمهور الأمة إلى جواز رؤية الله في الآخرة، ومَنَعَ الخوارج والمعتزلة، وبعض المرجئة، وتمسكوا بأن الرؤية توجب كون المرئي مُحْدَثًا وحالًّا في مكان، وأولوا قوله: ﴿نَاظِرَةٌ﴾ بمنتظرة، وهو خطأ؛ لأنه لا يتعدى بـ "إلى"، ثمّ ذكر نحو ما تقدّم، ثمّ قال: وما تمسكوا به فاسد؛ لقيام الأدلة على أن الله تعالى موجود، والرؤية في تعلّقها بالمرئي بِمَنْزِلة العلم في تعلّقه بالمعلوم، فإذا كان تعلّق العلم بالمعلوم لا يوجب حدوثه، فكذلك المرئي، قال: وتعلّقوا بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وبقوله تعالى لموسى: ﴿لَن تَرَانِى﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والجواب عن الأوّل أنه لا تدركه الأبصار في الدنيا جمعًا بين دليلي الآيتين، وبأن نفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية؛ لإمكان رؤية الشيء من غير إحاطة بحقيقته، وعن الثّاني المراد لن تراني في الدنيا جمعًا أيضًا، ولأن نفي الشيء لا يقتضي إحالته، مع ما جاء من الأحاديث الثابتة على وفق الآية، وقد تلَقّاها المسلمون بالقبول من لدن الصّحابة والتابعين حتّى حَدَثَ من أنكر الرؤية، وخالف السلف. انتهى كلام ابن بطّال ﵀، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبي: اشترط النُّفاة في الرؤية شروطًا عقلية، كالبنية المخصوصة، والمقابلة، واتِّصال الأشعة، وزوال الموانع، كالْبُعْد والحَجْب، في خَبْط لهم، وتحَكُّم، وأهلُ السنة لا يَشترطون شيئا من ذلك، سوى وجود المرئيّ، وأن الرؤية إدراك يخلقه الله للرائي فيرى المرئيّ، وتقترن بها أحوال يجوز تبدلها، والعلم عند الله تعالى. انتهى
стр. 1674
كلام القرطبيّ (١)، وهو كلامٌ نفيس.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة ومن أقوال أهل السنّة والجماعة أن رؤية المؤمنين لربّهم ثابتةٌ، لا شكّ فيها، ولا يُلتفَت إلى ما أبداه أهل الضلال من الجهميّة وغيرهم من الشُّبّه والخيالات الفاسدة، فإنها من تلبيسات الشيطان، وإغوائه، نسأل الله تعالى أن يعافينا من ذلك، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
قال الإمام أبو عيسى الترمذيّ ﵀ في جامعه بعد إخراج حديث أبي هريرة ﵁ الآتي من طريق العلاء بن عبد الرّحمن، عن أبيه، عنه: ما نصّه:
هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، وقد رُوي عن النّبيّ ﷺ رواياتٌ كثيرةٌ مثلُ هذا ما يُذكَر فيه أمرُ الرؤية أن النَّاس يرون ربهم، وذِكرُ القدم، وما أشبه هذه الأشياء، والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة، مثل سفيان الثّوريّ، ومالك بن أنس، وابن المبارك، وابن عيينة، ووكيع، وغيرهم، أنهم رَوَوْا هذه الأشياء.
ثمّ قالوا: تُرْوَى هذه الأحاديث، ويُؤمَنُ بها، ولا يقال: كيف، وهذا الّذي اختاره أهل الحديث، أن تُرْوَى هذه الأشياءُ كما جاءت، ويُؤمَنَ بها، ولا تُفَسَّر، ولا تُتَوَهَّم، ولا يقال: كيف، وهذا أمر أهل العلم الّذي اختاروه، وذهبوا إليه، ومعنى قوله في الحديث: "فَيُعَرِّفُهُم نَفسَه" يعني يتجلى لهم. انتهى كلام الترمذيّ ﵀، وهو تحقيق نفيسٌ، وبحثٌ أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 1675
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٧٨ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْر، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ عِيسَى الرَّمليُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "تَضَامُّونَ في رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَكَذَلِكَ لَا تَضَامُّونَ في رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمّد بن عبد الله بن نُمَير) المذكور في السند الماضي.
٢ - (يحيى بن عيسى الرمليّ) هو: يحيى بن عيسى بن عبد الرّحمن، ويقال: ابن
محمّد التميميّ النَّهْشَليّ، أبو زكريا الكُوفيُّ الفاخُوريّ -بالفاء والخاء المعجمة- الجَرّار -بالجيم، وراءين- نزيل الرَّمْلة، ليّن الحديث (١)، ورُمي بالتشيّع [٩] ١٠/ ٨٧.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهْرَان المذكور في الباب الماضي.
٤ - (أبو صالح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ١/ ١.
٥ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١، وشرح الحديث سبق في الّذي قبله.
وقوله: "تضامون في رؤية القمر" هو بتقدير حرف الاستفهام، أي هل تضامون إلخ، وقوله: "تضامون" يروى بضم أوله، وتشديد الميم، أي لا تجتمعون لرؤيته في جهة واحدة، ولا يضمّ بعضكم بعضًا، ويُروى بفتح التاء أيضًا، والأصل تتضامّون في رؤيته باجتماع في جهة واحدة، وبالتخفيف من الضيم، وهو الظلم، أي لا تُظلمون برؤية بعضكم دون بعض، فإنكم ترونه جميعًا، وقد سبق أن التشبيه إنّما هو للرؤية بالرؤية.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 1676
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ عنه هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده يحيى بن عيسى الرمليّ، وقد ضعّفه الأكثرون، وتابعه في روايته عن الأعمش جابر بن نوح الحِمَّانيّ، وهو أضعف منه؟.
[قلت]: إنّما صحّ لأنه رواه سفيان بن عيينة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، أخرجه مسلم في "صحيحه" مطوّلًا، ولفظه:
٢٩٦٨ - حَدَّثَنَا محمّد بن أبي عمر، حَدَّثَنَا سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول الله هل نرى رَبَّنَا يوم القيامة؟ قال: "هل تضارون في رؤية الشّمس في الظهيرة ليست في سحابة؟، قالوا: لا، قال: "فهل تُضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ "، قالوا: لا، قال: "فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إِلَّا كما تضارون في رؤية أحدهما"، قال: "فَيَلْقَى العبدَ، فيقول: أَيْ فُلُ ألم أُكرِمك، وأسودك، وأُزَوِّجك، وأُسَخِّر لك الخيل والإبل، وأَذَرْكَ تَرْأَس وتَرْبَع؟، فيقول: بلى، قال: فيقول: أفظننت أَنَّك مُلاقِيَّ؟، فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثمّ يَلْقَى الثّانيَ، فيقول: أي فُلُ ألم أكرمك، وأسودك، وأزوِّجك، وأُسَخِّر لك الخيل والإبل، وأَذَرْك تَرْأَس وتَرْبَع؟ فيقول: بلى أي رب، فيقول: أفظننت أَنَّك مُلاقِيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإنِّي أنساك كما نسيتني، ثمّ يَلْقَى الثالثَ، فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك، وصلّيت، وصمت، وتصدقت، ويُثْنِي بخير ما استطاع، فيقول: هاهنا إِذًا، قال: ثمّ يقال له: الآن نَبْعَثُ شاهدنا عليك، ويتفكر في نفسه مَنِ ذا الّذي يشهد عليّ؟، فيُخْتَم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطِقِي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك لِيُعْذَرَ من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الّذي يَسْخَطُ الله عليه".
قال الإمام الترمذيّ ﵀ عقب إخراجه: هذا حديث حسن صحيح غريب،
стр. 1677
وهكذا رَوَى يحيى بن عيسى الرَّمليّ وغير واحد عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ ، ورَوَى عبد الله بن إدريس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النّبيّ ﷺ ، وحديث ابن إدريس، عن الأعمش غير محفوظ، وحديث أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ أصحّ، وهكذا رواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ وقد روي عن أبي سعيد، عن النّبيّ ﷺ من غير هذا الوجه مثل هذا الحديث، وهو حديث صحيح. انتهى.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ١٧٨) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (مسلم) في (٨/ ٢١٦) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، و (أبو داود) (٤٧٣٠) و (الترمذيّ) (٢٥٥٤) و (الحميديّ) في "مسنده" (١١٧٨) و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٨٩ و ٤٩٢)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٧٩ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الهمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمانِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، أَنَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ: "تَضَامُّونَ في رُؤيةِ الشَّمْسِ في الظَّهِيرَةِ في غَيْرِ سَحَاب؟ " قُلْنَا: لَا، قَال: "فَتَضَارُّونَ في رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ في غَيْرِ سَحَابٍ؟ "، قَالُوا: لَا، قَال: "إِنَّكُمْ لَا تَضَارُّونَ في رُؤْيَتِهِ إِلَّا كَمَا تَضَارُّونَ في رُؤيتِهِمَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمّد بن العلاء الهمْدانيّ) أبو كُريب الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] ٨/ ٥٢.
٢ - (عبد الله بن إدريس) الأوديّ الكوفيّ، ثقة فقيه عابدٌ [٨] ٧/ ٥٢.
٣ - (أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الْخُدريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ ٤/ ٣٧، والباقيان سبقا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث يُعرف ممّا مضى.
وقوله: "تضامون" بالميم، وتقدّم الكلام عليه في الّذي قبله، وفي بعض النسخ
стр. 1678
"تضارون" بالراء، وهو بفتح التاء، وتشديد الراء، أي هل يُصيبكم ضرر؟، ويحتمل كونه بالتخفيف علي بناء المفعول من الضير لغة في الضرر.
وقوله: "في الظهيرة" بالفتح: الهاجرة، وهو حين تزول الشّمس.
وقوله: "في غير سحاب" أي لا في سحاب، وليس المراد أما تكون في شيء غير سحاب. قاله السنديّ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد ﵁ عنه هذا غير محفوظ بهذا السند، وهو متفقٌ عليه، من غير طريق الأعمش، عن أبي صالح، فقد أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" من طريق عطاء بن يسار، عن أبي سعيد ﵁، مطوَّلًا، وقد سبق للمصنّف مختصرًا برقم ٩/ ٦٠ وأوردته هناك مطوّلًا من رواية الشيخين رحمهما الله، فراجعه تستفد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(المسألةُ الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ١٧٩) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٦) و (ابن أبي عاصم) (٤٥٢) و (أبو يعلى) (١٠٠٦) و (ابن خُزيمة) (١٦٩) والآجريّ في "الشّريعة" (٢٦١) و (ابن منده) (٨١٠).
وأخرجه المصنّف من طريق عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، مختصرًا، وقد سبق برقم ٩/ ٦٠ مختصرًا، وهو متّفق عليه، كما سبق قريبًا، وقد تقدّم تخريجه هناك، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 1679
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءِ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَنَرَى اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ في خَلْقِهِ؟ قَالَ: "يَا أَبَا رَزِينٍ، أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرَى الْقَمَرَ مُخْلِيًّا بِهِ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: "فَالله أَعْظَمُ، وَذَلِكَ آيَةٌ في خَلْقِهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفيّ الثقة الحافظ [١٠] ١/ ١.
٢ - (يزيد بن هارون) أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقنٌ عابدٌ [٩] ١٦/ ١٢٧.
٣ - (حماد بن سلمة) أبو سلمة البَصْريُّ، ثقة عابد، من كبار [٨] ١٤/ ١١٦.
٤ - (يعلى بن عطاء) العامريّ، ويقال: الليثيّ الطائفيّ، ثقة [٤].
رَوَى عن أبيه، وأوس بن أبي أوس، وعُمارة بن حُدَير البجليّ، وعمرو بن الشَّرِيد ابن سُوَيد، وعمرو بن عاصم بن سُفيان عبد الله الثَّقَفِيّ، وأبي عَلْقَمَة الهاشميّ، وجابر ابن يزيد ابن الأسود، وأبي هَمّام عبد الله بن يسار الكوفيّ، ووكيع بن عُدُس، ويزيد بن طَلْق، وغيرهم. ورَوَى عنه شعبة، والثوريّ، وحماد بن سلمة، وهُشيم، وشريك، وأبو عوانة، وغيرهم.
قال الأثرم: أثنى عليه أحمد بن حنبل خيرًا. وقال ابن معين، والنَّسائيُّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: سمع هُشيم من يعلى، وهو صغير جدًّا. وقال الفضل بن زياد عن أحمد: قال هشيم: فارقنا يعلى سنة عشرين ومائة. وقال البخاريُّ: يقال: مات بواسط سنة عشرين، وفيها أَرّخه ابن حبَّان. وقال ابن المديني: يعلى بن عطاء له أحاديثُ لم يروها غيره، ورجالٌ لم يرو عنهم غيره، منهم وكيع بن عُدُس، وأهل الحجاز لا يعرفونه، وإنّما رَوَى عنه قوم بواسط.
أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
стр. 1680
٥ - (وكيع بن حُدُس) -بمهملات، وضمّ أوله وثانيه، وقد يُفتح ثانيه، ويقال: بالعين المهملة بدل الحاء- أبو مُصعب الْعُقَيليّ (١) الطائفيّ، مجهول (٢) [٤].
رَوَى عن عمه أبي زرين الْعُقَيليّ، وعنه يعلى بن عطاء العامري، قال الآجري عن أبي داود: قال حماد بن سلمة، وأبو عوانة، وسفيان: وكيع بن حُدُس، وقال شعبة، وهُشيم: وكيع بن عُدُس، قال: وسمعت عيسى بن يونس يقول: رأيت رجلًا من ولد وكيع، فسألته عنه، فقال: ابن حُدُس. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: أرجو أن يكون الصواب حُدُس بالحاء، سمعت عبدان الجوالقي يقول ذلك، وقال ابن قُتَيْبَةُ في "اختلاف الحديث": غير معروف، وقال ابن القطان: مجهول الحال.
أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم ١٨٠ و ١٨١ و ١٨٢ و ٣٩١٤.
٦ - (أبو رَزِين) -بفتح الراء، وكسر الزاي- هو: لَقِيط بن صَبِرَة -بفتح الصاد المهملة، وكسر الموحّدة- وهو لقيط بن عامر بن صَبِرة بن عبد الله بن المُنْتَفِق بن عامر ابن عُقَيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صَعْصَعة، الْعُقَيليّ، وقيل: هو غير لقيط بن عامر بن صَبِرة، قال ابن عبد البرّ: وقد قيل: إن لقيط بن عامر غير لقيط بن صَبِرة، وليس بشيء. وقال عبد الغني بن سعيد: أبو رَزِين الْعُقَيليّ هو لقيط بن عامر بن المنتفق، وهو لقيط بن صَبِرَة، وقيل: إنّه غيره، وليس بصحيح.
стр. 1681
روى عن النّبيّ ﷺ ، وعنه ابنه عاصم بن لَقِيط، وابن أخيه وَكِيع بن عُدُس، وعبد الله بن حاجب بن عامر، وعمرو بن أوس الثقفي.
قال الحافظ: تناقض في هذا المِزّيّ، فجعلهما في "التهذيب" واحدًا، وفي "الأطراف" اثنين، وقد جعلهما ابنُ معين واحدًا، وقال: ما يُعْرَف لَقِيط غيرُ أبي رزين، وكذا حَكَى الأثرم عن أحمد بن حنبل، وإليه نحا ابن حبّان، وابن السكن.
وأما علي بن المديني، وخليفة بن خياط، وابن أبي خيثمة، وابن سعد، ومسلم، والترمذي، وابن قانع، والبغوي، وجماعة، فجعلوهما اثنين، وقال الترمذيّ: سألت عبد الله بن عبد الرّحمن عن هذا، فأنكر أن يكون لقيط بن صبرة هو لقيط بن عامر، والله أعلم (١).
ورجّح في "الإصابة" كونهما اثنين، ونصّه بعد ذكر الخلاف المتقدّم: والراجح عندي أنهما اثنان؛ لأن لقيط بن عامر معروف بكنيته، ولَقِيط بن صَبِرة لم يُذكر كنيته إِلَّا ما شذّ به ابنُ شاهين، فقال: أبو رزين الْعُقَيليّ أيضًا، والرواة عن أبي رَزِين جماعة، ولقيط بن صَبِرة لا يُعرف له راو إِلَّا ابنه عاصم، وإنّما قَوَّى كونهما واحدًا عند من جزم به؛ لأنه وقع في صفة كلّ منهما أنه وافد بني المُنْتَفِق، وليس بواضح؛ لأنه يَحتمل أن يكون كلٌّ منهما كان رأسًا. انتهى كلام الحافظ في "الإصابة" (٢)، وهو بحثٌ نفيس، والله تعالى أعلم.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط برقم ١٨٠ و ١٨١ و ١٨٢ و ٤٠٧ و ٤٤٨ و ٢٩٠٦ و ٣٩١٤.
وشرح الحديث واضحٌ، يُعلم ممّا سبق.
وقوله: "وما آية ذلك": أي ما علامته، ومثاله في خلقه.
стр. 1682
وقوله: "مخليًّا به" اسم فاعل من أخلى، أي منفردًا برؤيته من غير أن يزاحمه صاحبه في ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي رزين الْعُقَيليّ ﵁ هذا حسنٌ.
[فإن قلت]: كيف يُحسَّن، وفيه وكيع بن حُدُس، وهو مجهول؟.
[قلت]: إنّما كان حسنًا لشواهده، وهي الأحاديث الصحاح المتقدّمة، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ١٨٠) بهذا الإسناد، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١١ و ١٢) و (أبو داود) في (٤٧٣١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٨١ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَبَأَنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ضَحِكَ رَبُّنا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ، وَقُرْبِ غِيَرِهِ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَوَ يَضْحَكُ الرَّبُّ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خيرًا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إسناد هذا الحديث هو الّذي تقدّم قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ) تقدّم أنه بضمّ الحاء، أو العين المهملتين، وضمّ الدال المهملة (عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ) لقيط بن عامر بن صَبِرة ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (ضَحِكَ رَبُّنا) بفتح الضاد المعجمة، وكسر الحاء المهملة، من باب عَلِمَ، يقال: ضَحِكَ
стр. 1683
منه، وبه يَضْحَكُ ضَحِكًا بفتح فكسر، وضَحْكًا بفتح فسكون، وضِحْكًا بكسر فسكون، مثلُ كَلِمٍ، وكَلْمٍ، وكِلْمٍ: إذا سَخِرَ منه، أو عَجِبَ، فهو ضاحكٌ، وضَحّاكٌ مبالغة. انتهى "المصباح" بزيادة.
قال السنديّ في "شرحه": قيل: الضحك من الله الرضا، وإرادة الخير، وقيل: بسط الرّحمة، والإقبال بالإحسان، أو بمعنى أمر ملائكته بالضحك، وأَذِنَ لهم فيه كما يقال: السلطان قتله إذا أمر بقتله، قال ابن حبّان في "صحيحه": هو من نسبة الفعل إلى الآمر، وهو في كلام العرب كثير. قلت (١): والتحقيق ما أشار إليه بعض المحقّقين أن الضحك وأمثاله ممّا هو من قبيل الانفعال إذا نُسب إلى الله تعالى يراد به غايته، وقيل: بل المراد به إيجاد الانفعال في الغير، فالمراد هاهنا الإضحاك.
ومذهب أهل التحقيق أنه صفة سمعيّة يلزم إثباتها مع نفي التشبيه، وكمال التنزيه كما أشار إلى ذلك مالك، وقد سئل عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيف غير معلوم، والإيمان به واجبٌ، والسؤال عنه بدعة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الّذي ذكره السنديّ في المراد بالضحك المذكور في الحديث كلام متناقض، فإن أوله مذهب أهل التّأويل، وآخره مذهب أهل التحقيق من السلف، ومن تبعهم من أهل الحديث، فقوله: المراد به الرضا إلخ فهو تفسير باللازم، وهو وإن صح باعتبار أن ثبوت الملزوم يستلزم ثبوت اللازم إِلَّا أنه ليس هو المراد، بل ثبوت الملزوم، وهو الضحك لله على الوجه اللائق به، ومعلوم أنه إذا ضحك الله إلى عبد رضي عنه، وأراد به الخير، وكذا ما بعده، وهذا هو المذهب الحقّ، كما أشار إليه السنديّ في آخر كلامه حيث قال: ومذهب أهل التحقيق أنه صفة إلخ، فكان ينبغي له أن يذكر الأقوال مفصّلة، لا مجملة بحيث يوقع أنه يسلّم الأقوال كلها.
والحاصل أن الحقّ الّذي لا مرية فيه، ولا مماراة أن هذه الصفات من الضحك،
стр. 1684
والرضا، والغضب، والمجيء، والنّزُول، والاستواء ثابتة لله على مراد الله، ونعتقد أنَّ الله ذلك اعتقادًا جازمًا لا يتطرّق إليه شك ولا ارتياب، ونثبتها له بلا تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، فكن على بصيرة، ولا تكن أسير التقليد، فإنّه حجة البليد، وملجأ العنيد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ) قال ابن الأثير ﵀: قد تكرّر ذكر "القنوط" في الحديث، وهو أشدّ اليأس من الشيء، يقال: قَنِطَ يَقْنَط، وقَنَطَ يَقْنِطُ، فهو قانط، وقَنُوطٌ، و"القُنُوط" المصدر. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: "القُنُوط" بالضمّ: اليأس من رحمة الله تعالى، يقال: قَنِط يَقْنَطُ، من بابي ضَرَب وتَعِبَ، وهو قانطٌ، وقَنُوطٌ، وحَكَى الجوهريّ لغةٌ ثالثةٌ من باب قَعَد، ويُعَدَّى بالهمزة. قاله في "المصباح" (٢).
وقال السنديّ ﵀: والقنوط كالجلوس: هو اليأس، ولعلّ المراد ههنا هو الحاجة والفقر، أي يرضي عنهم، ويُقبل بالإحسان إذ انظر إلى فقرهم وذِلّتهم وحَقَارتهم وضعفهم، وإلا فالقنوط من رحمته يوجب الغضب لا الرضا، قال تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ﴾ [الزمر: ٥٣]، وقال: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]، إِلَّا أن يقال ذلك هو القنوط بالنظر إلى كرمه وإحسانه، مثل أن لا يرى له كرمًا وإحسانًا، أو يرى قليلًا فيقنط كذلك، فهذا هو الكفر، والمنهيّ عنه أشدَّ النّهي، وأما القنوط بالنظر إلى أعماله وقبائحه، فهو ممّا يوجب للعبد تواضعًا وخُشوعًا وانكسارًا، فيوجب الرضا، ويَجْلُبُ الإحسانَ والإقبالَ من الله تعالى، ومنشأ هذا القنوط هو الغيبة عن صالح الأعمال، واستعظام المعاصي إلى الغاية، وكلّ منهما مطلوبٌ ومحبوبٌ، ولعلّ هذا سبب مغفرة
стр. 1685
ذنوب من أَمَرَ أهله بإحراقه بعد الموت حين أيس من المغفرة، فليُتأمّل. انتهى كلام السنديّ، وهو بحث نفسٌ، والله تعالى أعلم.
" (وَقُرْبِ غِيَرِهِ") بكسر الغين المعجمة، وفتح التحتانيّة المثنّاة، اسم من قولك: غَيَّرتُ الشيءَ، قاله في "النهاية"، ونحوه في "الصحاح" (١).
وقال السنديّ ﵀: ضُبط بكسر الغين المعجمة، ففتح ياء بمعنى فقير الحال، وهو اسم من قولك غَيَّرتُ الشيءَ، فتغيّر حاله من القوّة إلى الضعف، ومن الحياة إلى الموت، وهذه الأحوال ممّا تجلُبُ الرّحمة لا محالة في الشّاهد، فكيف لا تكون أسبابًا عاديّة لجلبها من أرحم الراحمين جلّ ذكره وثناؤه، والأقرب أن الْغيرَ بمعنى تغيير الحال، وتحويله، وبه تُشعر عبارة "القاموس"، لا تغيُّره وتحوّله كما في "النهاية"، والضمير لله، والمعنى أنه تعالى يضحك من أن العبد يصير مأيوسًا من الخير بأدنى شرّ وقع عليه مع قرب تغييره تعالى الحالَ من شرّ إلى خير، ومن مرض إلى عافية، ومن بلاء ومِحْنَة إلى سُرور وفَرْحَة، لكن الضحك على هذا لا يمكن تفسيره بالرضا. انتهى.
قال الجامع عفا لله تعالى عنه: عندي في كلام السنديّ هذا نظر من وجوه:
أما أوّلًا: فإن قوله: "وبه تشعر عبارة "القاموس" إلخ غير صحيح؛ إذ عبارته تفيد عكس ما ادّعاه، ودونكها، قال: ص ٤٠٩ "وتغيّر عن حاله: تحوّل، وغَيَّرَه: جعله غيرَ ما كان، وحَوَّله، وبدَّلَهُ، والاسم الْغَيْرُ، أي بفتح، فسكون. انتهى، ونحوه في "اللسان" ٥/ ٤٠ قال: و"الْغَيْرُ" الاسم من التغيّر، عن اللحيانيّ، وأنشد:
إِذْ أَنَا مَغْلُوبٌ قَلِيلُ الغَيْرِ. انتهى باختصار.
فأفاد أن ضبطه بفتح، فسكون، وأنه بمعنى التغيّر، لا بمعنى التغيير، كما ادّعاه السنديّ، فتأمّل.
وأما ثانيّا: فلأنّ عبارة "النهاية" تفيد أنه "الغير" بكسر ففتح بمعنى التغيير، لا