روى عن النّبيّ ﷺ ، وعنه ابنه عاصم بن لَقِيط، وابن أخيه وَكِيع بن عُدُس، وعبد الله بن حاجب بن عامر، وعمرو بن أوس الثقفي.
قال الحافظ: تناقض في هذا المِزّيّ، فجعلهما في "التهذيب" واحدًا، وفي "الأطراف" اثنين، وقد جعلهما ابنُ معين واحدًا، وقال: ما يُعْرَف لَقِيط غيرُ أبي رزين، وكذا حَكَى الأثرم عن أحمد بن حنبل، وإليه نحا ابن حبّان، وابن السكن.
وأما علي بن المديني، وخليفة بن خياط، وابن أبي خيثمة، وابن سعد، ومسلم، والترمذي، وابن قانع، والبغوي، وجماعة، فجعلوهما اثنين، وقال الترمذيّ: سألت عبد الله بن عبد الرّحمن عن هذا، فأنكر أن يكون لقيط بن صبرة هو لقيط بن عامر، والله أعلم (١).
ورجّح في "الإصابة" كونهما اثنين، ونصّه بعد ذكر الخلاف المتقدّم: والراجح عندي أنهما اثنان؛ لأن لقيط بن عامر معروف بكنيته، ولَقِيط بن صَبِرة لم يُذكر كنيته إِلَّا ما شذّ به ابنُ شاهين، فقال: أبو رزين الْعُقَيليّ أيضًا، والرواة عن أبي رَزِين جماعة، ولقيط بن صَبِرة لا يُعرف له راو إِلَّا ابنه عاصم، وإنّما قَوَّى كونهما واحدًا عند من جزم به؛ لأنه وقع في صفة كلّ منهما أنه وافد بني المُنْتَفِق، وليس بواضح؛ لأنه يَحتمل أن يكون كلٌّ منهما كان رأسًا. انتهى كلام الحافظ في "الإصابة" (٢)، وهو بحثٌ نفيس، والله تعالى أعلم.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط برقم ١٨٠ و ١٨١ و ١٨٢ و ٤٠٧ و ٤٤٨ و ٢٩٠٦ و ٣٩١٤.
وشرح الحديث واضحٌ، يُعلم ممّا سبق.
وقوله: "وما آية ذلك": أي ما علامته، ومثاله في خلقه.
стр. 1682
وقوله: "مخليًّا به" اسم فاعل من أخلى، أي منفردًا برؤيته من غير أن يزاحمه صاحبه في ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي رزين الْعُقَيليّ ﵁ هذا حسنٌ.
[فإن قلت]: كيف يُحسَّن، وفيه وكيع بن حُدُس، وهو مجهول؟.
[قلت]: إنّما كان حسنًا لشواهده، وهي الأحاديث الصحاح المتقدّمة، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ١٨٠) بهذا الإسناد، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١١ و ١٢) و (أبو داود) في (٤٧٣١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٨١ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَبَأَنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ضَحِكَ رَبُّنا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ، وَقُرْبِ غِيَرِهِ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَوَ يَضْحَكُ الرَّبُّ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خيرًا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إسناد هذا الحديث هو الّذي تقدّم قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ) تقدّم أنه بضمّ الحاء، أو العين المهملتين، وضمّ الدال المهملة (عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ) لقيط بن عامر بن صَبِرة ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (ضَحِكَ رَبُّنا) بفتح الضاد المعجمة، وكسر الحاء المهملة، من باب عَلِمَ، يقال: ضَحِكَ
стр. 1683
منه، وبه يَضْحَكُ ضَحِكًا بفتح فكسر، وضَحْكًا بفتح فسكون، وضِحْكًا بكسر فسكون، مثلُ كَلِمٍ، وكَلْمٍ، وكِلْمٍ: إذا سَخِرَ منه، أو عَجِبَ، فهو ضاحكٌ، وضَحّاكٌ مبالغة. انتهى "المصباح" بزيادة.
قال السنديّ في "شرحه": قيل: الضحك من الله الرضا، وإرادة الخير، وقيل: بسط الرّحمة، والإقبال بالإحسان، أو بمعنى أمر ملائكته بالضحك، وأَذِنَ لهم فيه كما يقال: السلطان قتله إذا أمر بقتله، قال ابن حبّان في "صحيحه": هو من نسبة الفعل إلى الآمر، وهو في كلام العرب كثير. قلت (١): والتحقيق ما أشار إليه بعض المحقّقين أن الضحك وأمثاله ممّا هو من قبيل الانفعال إذا نُسب إلى الله تعالى يراد به غايته، وقيل: بل المراد به إيجاد الانفعال في الغير، فالمراد هاهنا الإضحاك.
ومذهب أهل التحقيق أنه صفة سمعيّة يلزم إثباتها مع نفي التشبيه، وكمال التنزيه كما أشار إلى ذلك مالك، وقد سئل عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيف غير معلوم، والإيمان به واجبٌ، والسؤال عنه بدعة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الّذي ذكره السنديّ في المراد بالضحك المذكور في الحديث كلام متناقض، فإن أوله مذهب أهل التّأويل، وآخره مذهب أهل التحقيق من السلف، ومن تبعهم من أهل الحديث، فقوله: المراد به الرضا إلخ فهو تفسير باللازم، وهو وإن صح باعتبار أن ثبوت الملزوم يستلزم ثبوت اللازم إِلَّا أنه ليس هو المراد، بل ثبوت الملزوم، وهو الضحك لله على الوجه اللائق به، ومعلوم أنه إذا ضحك الله إلى عبد رضي عنه، وأراد به الخير، وكذا ما بعده، وهذا هو المذهب الحقّ، كما أشار إليه السنديّ في آخر كلامه حيث قال: ومذهب أهل التحقيق أنه صفة إلخ، فكان ينبغي له أن يذكر الأقوال مفصّلة، لا مجملة بحيث يوقع أنه يسلّم الأقوال كلها.
والحاصل أن الحقّ الّذي لا مرية فيه، ولا مماراة أن هذه الصفات من الضحك،
стр. 1684
والرضا، والغضب، والمجيء، والنّزُول، والاستواء ثابتة لله على مراد الله، ونعتقد أنَّ الله ذلك اعتقادًا جازمًا لا يتطرّق إليه شك ولا ارتياب، ونثبتها له بلا تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، فكن على بصيرة، ولا تكن أسير التقليد، فإنّه حجة البليد، وملجأ العنيد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ) قال ابن الأثير ﵀: قد تكرّر ذكر "القنوط" في الحديث، وهو أشدّ اليأس من الشيء، يقال: قَنِطَ يَقْنَط، وقَنَطَ يَقْنِطُ، فهو قانط، وقَنُوطٌ، و"القُنُوط" المصدر. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: "القُنُوط" بالضمّ: اليأس من رحمة الله تعالى، يقال: قَنِط يَقْنَطُ، من بابي ضَرَب وتَعِبَ، وهو قانطٌ، وقَنُوطٌ، وحَكَى الجوهريّ لغةٌ ثالثةٌ من باب قَعَد، ويُعَدَّى بالهمزة. قاله في "المصباح" (٢).
وقال السنديّ ﵀: والقنوط كالجلوس: هو اليأس، ولعلّ المراد ههنا هو الحاجة والفقر، أي يرضي عنهم، ويُقبل بالإحسان إذ انظر إلى فقرهم وذِلّتهم وحَقَارتهم وضعفهم، وإلا فالقنوط من رحمته يوجب الغضب لا الرضا، قال تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ﴾ [الزمر: ٥٣]، وقال: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]، إِلَّا أن يقال ذلك هو القنوط بالنظر إلى كرمه وإحسانه، مثل أن لا يرى له كرمًا وإحسانًا، أو يرى قليلًا فيقنط كذلك، فهذا هو الكفر، والمنهيّ عنه أشدَّ النّهي، وأما القنوط بالنظر إلى أعماله وقبائحه، فهو ممّا يوجب للعبد تواضعًا وخُشوعًا وانكسارًا، فيوجب الرضا، ويَجْلُبُ الإحسانَ والإقبالَ من الله تعالى، ومنشأ هذا القنوط هو الغيبة عن صالح الأعمال، واستعظام المعاصي إلى الغاية، وكلّ منهما مطلوبٌ ومحبوبٌ، ولعلّ هذا سبب مغفرة
стр. 1685
ذنوب من أَمَرَ أهله بإحراقه بعد الموت حين أيس من المغفرة، فليُتأمّل. انتهى كلام السنديّ، وهو بحث نفسٌ، والله تعالى أعلم.
" (وَقُرْبِ غِيَرِهِ") بكسر الغين المعجمة، وفتح التحتانيّة المثنّاة، اسم من قولك: غَيَّرتُ الشيءَ، قاله في "النهاية"، ونحوه في "الصحاح" (١).
وقال السنديّ ﵀: ضُبط بكسر الغين المعجمة، ففتح ياء بمعنى فقير الحال، وهو اسم من قولك غَيَّرتُ الشيءَ، فتغيّر حاله من القوّة إلى الضعف، ومن الحياة إلى الموت، وهذه الأحوال ممّا تجلُبُ الرّحمة لا محالة في الشّاهد، فكيف لا تكون أسبابًا عاديّة لجلبها من أرحم الراحمين جلّ ذكره وثناؤه، والأقرب أن الْغيرَ بمعنى تغيير الحال، وتحويله، وبه تُشعر عبارة "القاموس"، لا تغيُّره وتحوّله كما في "النهاية"، والضمير لله، والمعنى أنه تعالى يضحك من أن العبد يصير مأيوسًا من الخير بأدنى شرّ وقع عليه مع قرب تغييره تعالى الحالَ من شرّ إلى خير، ومن مرض إلى عافية، ومن بلاء ومِحْنَة إلى سُرور وفَرْحَة، لكن الضحك على هذا لا يمكن تفسيره بالرضا. انتهى.
قال الجامع عفا لله تعالى عنه: عندي في كلام السنديّ هذا نظر من وجوه:
أما أوّلًا: فإن قوله: "وبه تشعر عبارة "القاموس" إلخ غير صحيح؛ إذ عبارته تفيد عكس ما ادّعاه، ودونكها، قال: ص ٤٠٩ "وتغيّر عن حاله: تحوّل، وغَيَّرَه: جعله غيرَ ما كان، وحَوَّله، وبدَّلَهُ، والاسم الْغَيْرُ، أي بفتح، فسكون. انتهى، ونحوه في "اللسان" ٥/ ٤٠ قال: و"الْغَيْرُ" الاسم من التغيّر، عن اللحيانيّ، وأنشد:
إِذْ أَنَا مَغْلُوبٌ قَلِيلُ الغَيْرِ. انتهى باختصار.
فأفاد أن ضبطه بفتح، فسكون، وأنه بمعنى التغيّر، لا بمعنى التغيير، كما ادّعاه السنديّ، فتأمّل.
وأما ثانيّا: فلأنّ عبارة "النهاية" تفيد أنه "الغير" بكسر ففتح بمعنى التغيير، لا
стр. 1686
بمعنى التغيُّر، وهي المناسبة لمعنى الحديث، لا عبارة "القاموس" كما ادّعاه أيضًا.
وثالثًا: قوله: "لكن الضحك إلخ" تقدّم أن تفسير الضحك بالرضا غير صحيح، فلا تغفُل، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو رزين ﵁ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَوَ يَضْحَكُ الرَّبُّ؟ قَالَ) ﷺ "نَعَمْ") سبق آنفًا معنى ثبوت الضحك لله بنا كفى وشفى (قُلْتُ: لَنْ نَعْدَمَ) بفتح أوله، وثالثه، يقال: عَدِمته عَدَمًا، من باب تَعِبَ: فَقَدتُهُ، وهو متعدًّ، ولذا نصب "خيرًا" (مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ) متعلّقٌ بقوله: (خَيْرًا) يريد أن الربّ الّذي من صفاته الضحك لا نفقد خيره، بل كلّما احتجنا إلى خيره وجدناه، فإنا إذا أظهرنا الفاقة لديه يضحك، فيعطي (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي رزين ﵁ هذا حسنٌ.
[فإن قلت]: كيف يُحسّن، وفيه وكيع بن حدُس، وهو مجهول؟، وقال البوصيريّ: هذا إسناد فيه مقال، وكيع ذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وذكره الذهبيّ في "الميزان"، وباقي رجاله احتجّ بهم مسلم. انتهى (٢).
[قلت]: إنّما كان حسنًا لوجود المتابعة، والشواهد، فأمّا المتابعة، فقد روى عبد الرّحمن بن عيّاش السمعي الأنصاريّ القُبَائيّ -من بني عمرو بن عوف- عن دَلْهَم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيليّ، عن أبيه، عن عمّه لقيط بن عامر - قال دَلْهم: وحدثنيه أبي الأسود، عن عاصم بن لقيط أن لقيطًا خرج وافدًا إلى رسول الله ﷺ ... " الحديث بطوله في صفحتين كبيرتين، وفيه مرفوعًا:
стр. 1687
"وعلم الله يوم الغيث يشرف عليكم أزلين مشفقين، فيظلّ يضحك قد علم أن غِيَرَكم إلى قرب"، قال لقيط: لن نعدم من ربّ يضحك خيرًا، أخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" ٤/ ١٣ و"السنّة" (١١٢٠) هكذا، وابن خزيمة في "التّوحيد" (١٢٢ - ١٢٥) والطبرانيّ في "المعجم الكبير" (١٩/ ٢١١ - ٢١٤) (١).
فهذا الإسناد، وإن كان في عبد الرّحمن، ودَلَهم، وأبيه جهالة، إِلَّا أنه يصلح للمتابعة، ولا سيما مع الشواهد الآتية، والله تعالى أعلم.
وأما الشواهد فقد أخرج البخاريّ (٨٠٦) ومسلم (١٨٢) حديث أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة ﵄ الطَّويل في الشفاعة، وفيه: "فيضحك الله ، فيدخله الجنَّة".
والحاصل أن الحديث حسنٌ؛ لما ذُكر، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ١٨١) وهو من أفراده، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٠٩٢) و (أحمد) في "مسنده" ٤/ ١١ و ١٢ وفي "السنة" (٤٥٢) و (ابن أبي عاصم) في "السنة" (٥٥٤) و (عبد الله بن أحمد) في "زوائد السنة (٤٥٣) و (الدارقطني) في "الصفات" ٤٦/ ٣٠ (والآجرّيّ) في "الشّريعة" (ص ٢٧٩ و ٢٨٠) و (البيهقيّ) في "الأسماء والصفات" (ص ٤٧٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان ما أنكرته الجهميّة من صفات الله .
٢ - (ومنها): أن فيه إثبات رؤية الله في الآخرة للمؤمنين.
стр. 1688
٣ - (ومنها): أن فيه إثبات صفة الضحك لله على ما يليق بجلاله، فنثبته له ﷺ ما أثبته لنفسه من الصفات، أو أثبته رسوله ﷺ الأحاديث الثابتة عنه، كهذه الأحاديث، ولا نؤوّل، ولا نعطل، ولا نشبّه، تعالى الله عما يقول الظالمون علُوّا كبيرًا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
٤ - (ومنها): أن الله قريب الإجابة، وكثير العطاء، وسريع التغيير للمحن عن عباده في وقت قريب، فلا ينبغي لهم القلق بشدّة الضرّ، وتفاقم الشرّ، بل يلجئون إلى الله ، ويجأرون إليه، فإنّه لا ملجأ ولا منجا من الله إِلَّا إليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٨٢ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قَالَ: "كَانَ في عَماءٍ، مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ، وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، وَمَا ثَمَّ خَلْقٌ، عَرْشهُ عَلَى المَاءِ").
رجال هذا الإسناد: هم الذين ذكروا في السند السابق، غير شيخه محمّد بن الصبّاح، وهو الجْرْجَرائيّ، أبو جعفر التاجر، صدوق [١٠] ١/ ٢ من أفراد المصنّف.
شرح الحديث:
(عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ) ﵁، أنه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا) قال السنديّ: قيل: هو بتقدير أين كان عرش ربّنا؟ قال: ويدلُّ عليه قوله: ثمّ خلق عرشه على الماء، وعلى هذا يحتمل قوله: (قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ) على غير العرش، وما يتعلّق به، وحينئذ لا إشكال في الحديث أصلًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا إشكال مطلقًا؛ لأن الحديث ضعيف، فلا حاجة إلى التكلّف في توجيهه، فإنّه فرع الصحّة، ولا سيّما وباب العقائد يحتاط فيها،
стр. 1689
فلا يثبت شيء منها إِلَّا بما صحّ سنده، واستقام متنه، فتفطّن. والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ﷺ (كَانَ في عَمَاءٍ) قال ابن الأثير: في "النهاية": "العماء" بالفتح والمدّ: السحاب، قال أبو عُبيد: لا يُدرَى كيف كان ذلك العماء، وفي رواية: كان في عمًا بالقصر، ومعناه ليس معه شيء، وقيل: هو كلُّ أمر لا تُدركه عُقُول بني آدم، ولا يبلُغ كنهه الوصف والْفِطَنُ، ولا بُدّ في قوله: "أين كان ربُنا" من مضاف محذوف، كما حُذف في قوله تعالى (١): ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية [البقرة: ٢١٠] ونحوه، فيكون التقدير: أين كان عرش ربّنا؟ ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، وقال الأزهريّ: نحق نؤمن به، ولا نكيّفه بصفة، أي نُجري اللفظ على ما جاء عليه من غير تأويل. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لو صحَّ الحديث لكان ما قاله الأزهريّ هو الصواب، لكن قد عرفت أنه ضعيف، فلا حاجة إلى التكلّف، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
وقال السنديّ بعد ما ذكر تفسير العماء عن "النهاية": ومن لا يُقدّر مضافًا يقول: ليس المراد من العماء شيئًا موجودًا غير الله؛ لأنه حينئذ يكون من قبيل الخلق، والكلام مفروضٌ قبل أن يخلُق الخلق، بل المراد ليس معه شيء، ويدلّ عليه رواية "كان في عَمًى بالقصر، فإن العمى بالقصر مفسَّرٌ به.
قال الترمذيّ: قال أحمد بن منيع: قال يزيد بن هارون: العماء أي ليس معه شيء، وعلى هذا كلة "في" في قوله: "كان في عماء" بمعنى "مع"، أي كان مع عدم شيء آخر، ويكون حاصل الجواب الإرشادَ إلى عدم المكان، وإلى أنه لا أين ثمة؟ فضلًا عن أن يكون هو في مكان، وقال كثير من العلماء: هذا من حديث الصفات، فنؤمن به، ونَكِلُ
стр. 1690
علمه إلى عالمه، انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت التحقيق فيما سبق، فلا تغفل.
وقوله: (وَمَا ثَمَّ خَلْقَ) "ما" فيه نافية، لا موصولة، وكذا في قوله: (وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ) وأما قوله: (وَمَاءٌ، ثُمَّ خَلَقَ) فقال السنديّ: هكذا في نسخ ابن ماجه المعتمدة، والظاهر أن قوله: "وما" تأكيد للنفي السابق، ويحتمل أن يكون "ثَمَّ" بفتح المثلّثة اسم إشارة إلى المكان، و"خَلْق" بمعنى مخلوق، وقوله: (عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ) جملة أخرى، وبعضهم جعل "مَاءٌ" بالمدّ عطفًا على "هواء"، والأقرب أنه تصحيف. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه السنديّ ﵀ أن "ما" في قوله: "وما ثَمَّ خلقٌ" نافية مؤكّدة للنفي السابق، و"ثَمَّ" بفتح الثاء المثلّثة، وتشديد الميم اسم إشارة للمكان البعيد، و"خَلْقٌ" بفتح، فسكون بصيغة المصدر بمعنى مخلوق، أي ليس في ذلك المكان مخلوق، وقوله: "عرشُهُ على الماء" جملة مستأنفة، وهذا تقرير حسنٌ، فتأمّله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألةُ الأولى): في درجته:
حديث أبي رزين ﵁ هذا ضعيف؛ لضعف إسناده كما سبق الكلام عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ١٨٢) بهذا السند فقط، وأخرجه (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٠٩٣ و ١٠٩٤) و (أحمد) في "مسنده" ٤/ ١١ و ١٢ و (الترمذيّ) (٣١٠٩) و (عثمان الدارميّ) في "الردّ على الجهميّة" (٥٥) و (ابن أبي
стр. 1691
عاصم) (٤٥٩ و ٤٦٠) و (عبد الله بن أحمد) في "السنّة" (٢٥٧ و ٢٥٨ و ٢٦٠ و ٢٦٥ و ٢٦٦) و (الطّبريّ) في "جامع البيان" (١٧٩٨٠) و"التاريخ" ١/ ٣٧ - ٣٨ و (ابن حبّان) (٦١٤١) و (الطبراني) في "الكبير" (١٩/ ٤٦٥ و ٤٦٨) و (الحاكم) في "المستدرك" (٤/ ٥٦٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٨٣ - (حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَد، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيِّ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ، كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ الله ﷺ يَذْكُرُ في النَّجْوَى؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يُدْنَى الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، ثُمَّ يُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَعْرِفُ، حَتَى إِذَا بلَغَ مِنْهُ مَا شَاءَ الله أَنْ يَبْلُغَ، قَالَ: إِنِّي سَتَرتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ"، قَالَ: "ثُمَّ يُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ"، أَوْ "كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ"، قَالَ: "وَأَمَّا الْكَافِرُ، أَوِ المُنَافِقُ، فَيُنَادَى عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَاد"، قَالَ خَالِدٌ: في "الْأَشْهَادِ" شَيْءٌ مِنِ انْقِطَاعٍ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حُمَيد بن مَسْعَدة) بن المبارك السّاميّ -بالمهملة- الباهليّ، أبو عليّ، ويقال: أبو العباس البصريّ، صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن حماد بن زيد، وبِشْر بن المُفَضّل، وابن عُلَيّة، وعبد الوهّاب الثقفي، وعبد الوارث بن سعيد، ومعتمر بن سليمان، ويزيد بن زُرَيع، وجماعة.
ورَوَى عنه الجماعة سوى البخاريّ، وأبو زرعة، وأبو يحيى صاعقة، وموسى بن هارون، وجعفر الفريابي، وأبو جعفر الطّبريّ، ومحمد بن إبراهيم بن الحَزَوَّر، والبغوي، وغيرهم. قال أبو حاتم: كَتبتُ حديثه في سنة نيف وأربعين ومائتين، فلما قَدِمتُ البصرة
стр. 1692
كان قد مات، وكان صدوقًا. وقال النَّسائيّ في "أسماء شيوخه": ثقة. وقال إبراهيم بن أورمة: كُلُّ حديث حميد فائدة، ويُنْظَر كيف يجتمع الباهلي والسامي. وقال أبو الشّيخ: تُوُفِّي سنة (٤٤٢)، وكذا قال ابن حبّان في "الثِّقات" في تاريخ وفاته.
أخرج له مسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٢١) حديثًا.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سليمان، ويُقال: ابن الحارث بن سُليم بن عُبيد بن سُفيان الْهُجَيمي، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبتٌ [٨].
رَوَى عن حميد الطَّويل، وأيوب، وابن عون، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، والثوري، وعبد الملك بن أبي سليمان، وابن جريج، وهشام بن حسان، وهشام الدستوائي، وجماعة.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق بن راهويه، وعلي ابن المديني، ومسدد، وعارم، والفلاس، وعبد الله بن عبد الوهّاب الحَجَبيّ، وعبيد الله بن معاذ، ويحيى بن حبيب بن عربي، ونصر بن علي الْجَهْضَميّ، والحسن بن عرفة، وهو آخر أصحابه، وغيرهم، وحَدَّثَ عنه شعبة، وهو من شيوخه.
قال ابن عَمَّار عن القطان: ما رأيت خيرًا من سفيان وخالد بن الحارث. وقال الأثرم عن أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. وقال المرُّوذيُّ عن أحمد: كان خالد بن الحارث يجيء بالحديث كما يَسْمَع. وقال أبو زرعة: كان يقال له خالدُ الصدقِ. وقال ابن سعد: ثقة. وقال أبو حاتم: إمام ثقة. وقال النَّسائيُّ: ثقة ثبت. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: كان من عُقلاء النَّاس ودُهاتهم. وقال معاوية بن صالح: قلت ليحيى ابن معين: من أثبت شيوخ البصريين؟ قال: خالد بن الحارث مع جماعة سماهم. وقال التّرمذيّ: ثقة مأمون، سمعت ابن مثنى يقول: ما رأيت بالبصرة مثله. وقال ابن شاهين في "الثِّقات": قال فيه حماد بن زيد: ذاك الصدوق.
وقال الآجري: سألت أبا داود عن خالد ومعاذ، فقال: معاذ صاحب حديث، وخالد كثير الشكوك، وذكر من فضله. وقال الدارقطني: رَوَى عنه حسان بن إبراهيم
стр. 1693
الكرماني، وهو أكبر من خالد، وأقدم وفاةً. وقال في موضع آخر: أحد الأثبات.
وقال عمرو بن عليّ: وُلد سنة عشرين ومائة، وقال هو وابن سعد: مات سنة (١٨٦)، وقال ابن حبّان: وُلد سنة (١١٩).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٣) حديثًا.
٣ - (سَعِيدٌ) بن أبي عروبة مِهْرَان الْعَدَويّ الْيشكُريّ، مولى بني عَدِيّ بن يَشْكُر، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختَلَطَ، وكان من أثبت النَّاس في قتادة [٦].
رَوَى عن قتادة، والنضر بن أنس، والحسن البصريّ، وعبد الله بن فَيْرُوز الداناج، وأبي مَعْشَر زياد بن كُليب، وزياد الأعلم، ومطر الورَّاق، وجماعة.
ورَوَى عنه الأعمش، وهو من شيوخه، وشعبة، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وخالد بن الحارث، ورَوْح بن عُبادة، ويزيد بن زُرَيع، وأبو بَحْر الْبَكراويّ، ومحمد بن أبي عديّ، ومحمد بن سَوَاء، ويحيى القطان، وبِشْر بن المفضل، وسهل بن يوسف، وابن المبارك، وعبد الوارث بن سعيد، وكَهْمَس بن المنهال، وابن عُلَيَّة، وأبو أُسامة، وسالم ابن نوح، وسعيد بن عامر، وأبو خالد الأحمر، وجماعة.
قال أبو حاتم: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يكن لسعيد بن أبي عروبة كتاب، إنّما كان يَحفَظ ذلك كله. وقال ابن معين، والنَّسائيّ: ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة مأمون.
وقال ابن أبي خيثمة: أثبت النَّاس في قتادة سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائيّ. وقال أبو عوانة: ما كان عندنا في ذلك الزّمان أحفظ منه. وقال أبو داود الطيالسيّ: كان أحفظ أصحاب قتادة. وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: سعيد أحفظ وأثبت -يعني من أبَان العطار- وأثبت أصحاب قتادة هشام، وسعيد. ويقال أبو حاتم: هو قبل أن يَختلط ثقة، وكان أعلم النَّاس بحديث قتادة. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: عن دُحَيم: اختلط مَخْرَج إبراهيم سنة خمس وأربعين ومائة. وقال الآجري عن أبي داود: سماعُ وكيعٍ منه بعد الهزيمة. وقال أبو داود: كان وكيع يقول: كنا ندخل على سعيد فنسمع،
стр. 1694
فما كان من صحيح حديثه أخذناه، وما لم يكن صحيحًا طرحناه. وقال أبو نعيم: كتبتُ عنه بعد ما اختَلَط حديثين. وقال ابن حِبّان: كان سماع شعيب بن إسحاق منه سنة (٤٤) قبل أن يختلط بسنة. وقال البخاريّ: قال عبد الصمد: مات سنة ست وخمسين ومائة، وقال غيره: سنة (٧٥).
وقال أبو بكر البزار: يحدث عن جماعة لم يسمع منهم، فإذا قال: سمعت، وحَدَّثَنَا كان مأمونًا على ما قال. وقال ابن أبي خيثمة عن يحيى: كان يرسل. وقال الأزدي: اختلط اختلاطًا قبيحًا. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، ثمّ اختلط في آخر عمره. وقال ابن حبّان في "الثِّقات": مات سنة (١٥٥)، وبقي في اختلاطه خمس سنين، ولا يُحتج إِلَّا بما رَوَى عنه القدماء مثلُ يزيد بن زريع، وابن المبارك، ويعتبر برواية المتأخرين عنه دون الاحتجاج بها، ثمّ قال: وقد قيل: مات سنة (٥٥). وقال الذُّهَلي عن عبد الوهّاب الخفاف: خُولط سعيد سنة (٤٨)، وعاش بعد ما خولط تسع سنين. وقال الْعُقيليّ: سمع منه محمّد بن أبي عديّ بعدما اختلط. وقال الآجري عن أبي داود: كان سعيد يقول في الاختلاط: قتادة عن أنس، أو أنس عن قتادة. وقال النَّسائيّ: من سمع منه بعد الاختلاط فليس بشيء. وقال الآجري عن أبي داود: سماع رَوْح منه قبل الهزيمة، وكذا سَرّارٌ، وسماع ابن مهدي منه بعد الهزيمة. وقال يزيد بن زريع: أولُ ما أنكرنا ابن أبي عروبة يومَ مات سليمان التيمي، جئنا من جنازته، فقال: من أين جئتم؟ قلنا: من جنازة سليمان التيمي، فقال: ومن سليمان التيمي؟.
قال الحافظ: والتيمي مات سنة (٤٣)، ويؤيد ذلك ما حكاه ابن عديّ في "الكامل" عن ابن معين قال: من سمع منه سنة (٤٢) فهو صحيح السماع، وسماع من سمع منه بعد ذلك ليس بشيء، وأَثبتُ النَّاس سماعًا منه عبدة بن سليمان. وقال ابن قانع: خلط في آخر عمره، وكان أعرج يُرْمَى بالقدر. وقال أحمد: كان يقول بالقدر ويكتمه. وقال العجلي: كان لا يدعو إليه، وكان ثقة. وقال ابن مهدي: كَتَب غندر عن سعيد بعد الاختلاط. وقال ابن عديّ، وسعيد من ثقات المسلمين، وله أصناف كثيرة،
стр. 1695
وحَدَّث عنه الأئمة، ومن سَمِع منه قبل الاختلاط، فإن ذلك صحيح حجة، ومن سمع منه بعد الاختلاط لا يعتمد عليه، وأرواهم عنه عبد الأعلى، وهو مقدم في أصحاب قتادة، ومن أثبت النَّاس عنه روايةً، وكان ثَبْتًا عن كلّ مَنْ رَوَى عنه إِلَّا من دَلَّس عنهم، وأثبت النَّاس عنه ابنُ زُرَيع، وخالد بن الحارث، ويحيى بن سعيد، ونظراؤهم. وقال ابن القطان: حديثُ عبد الأعلى عنه مُشتبه لا يُدرَى هو قبل الاختلاط أو بعده، وتَعَقَّب ذلك ابن المُوّاق فأجاد. وقال ابن السكن: كان يزيد بن زريع يقول: اختلط سعيد في الطّاعون -يعني سنة (١٣٢)، وكان القطان يُنكر ذلك، ويقول: إنّما اختلط قبل الهزيمة.
قال الحافظ: والجمعُ بين القولين ما قال أبو بكر البزار: إنّه ابتدأ به الاختلاط سنة (١٣٣)، ولم يَستحكِم ولم يُطْبِق به، واستمرّ على ذلك، ثمّ استحكم به أخيرًا، وعامة الرواة عنه سمعوا منه قبل الاستحكام، وإنما اعتبر النَّاس اختلاطه بما قال يحيى القطان. والله أعلم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٩) حديثًا.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة بن قتادة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبت، رأس الطبقة [٤] ١/ ١٠.
٥ - (صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيُّ) هو: صفوان بن محُرز بن زياد المازنيّ الباهليّ، وقال الأصمعي: كان نازلا في بني مازن، وليس منهم، ثقة عابدٌ [٤] رَوَى عن ابن عمر، وابن مسعود، وعمران بن حُصين، وأبي موسى الأشعري، وابن عبّاس، وحكيم بن حزام، وجندب بن عبد الله. ورَوى عنه أبو صَخْرة جامع بن شداد، وخالد بن عبد الله الأشَجّ، وعاصم الأحول، وقتادة، ومحمد بن واسع، وعلي بن زيد بن جُدْعان، وغيرهم. قال أبو حاتم: جليل. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله فَضْلٌ وورَع. قال الواقديّ: تُوُفِّي في ولاية بشر بن مروان، وقال ابن حبّان في "الثِّقات": مات سنة (٧٤) في ولاية عبد الملك، وكان من العباد اتَّخَذ لنفسه سَرَبًا يبكي فيه. ورَوَى محمّد بن نصر في
стр. 1696
"قيام اللّيل" من طريق يزيد الرقاشي أن صفوان بن محُرز كان إذا قام إلى التهجد قام معه سكان داره من الجنّ، فصَلَّوْا بصلاته. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة.
قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي: ما نصّه: قتادةُ ومحمد بن واسع، وعلي بن زيد بن جُدْعان إنّما طلبوا العلم قبل التسعين وبعدها، فهذا يدلُّ على أن الواقدي وَهِمَ في تاريخ موته، وتَبِعَهُ ابنُ حبّان.
قلت (١): ما وَهِمَ الواقديّ، فقد قال خليفة في "الطبقات": مات بعد انقضاء أمر ابن الزُّبير بقليل، ومن هنا أخذ ابن حبّان قولَهُ: مات سنة أربع؛ لأن قتل ابن الزُّبير كان آخر سنة ثلاث، وما ذكره الحافظ أبو عبد الله الذهبي من أن الذين سماهم لم يطلبوا العلم إِلَّا بعد ذلك لا يمنع سماعهم من صفوان، فكم ممّن سَمِعَ حديثًا أو أحاديث قديمًا، ثمّ اشتغل بعد مُدّة وطَلَبَ. والله أعلم، انتهى (٢).
أخرج له البخاريّ، ومسلم، والترمذيّ، والنَّسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦ - (عبد الله بن عمر) بن الخطّاب ﵄ ١/ ٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصّحيح.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قتادة، عن صفوان.
٥ - (ومنها): أن صحابيه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتوى، وشدّة اتّباع السنّة من الصّحابة ﵃، والله تعالى أعلم.
стр. 1697
شرح الحديث:
(عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) بضم الميم، وسكون الحاء المهملة، وكسر الراء، آخره زاي، ووقع في رواية للبخاريّ من طريق شيبان: "حَدَّثَنَا صفوان"، فزالت تهمة تدليس قتادة (الْمَازِنِيِّ) نسبة إلى مازن أبو قبيلة (قَالَ: بَيْنَما نَحْنُ مَعَ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ) ﵄ (وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ) جملة في محلّ نصب على الحال (إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسم السائل، لكن يمكن أن يكون هو سعيد بن جبير، فقد أخرج الطبرانيّ من طريقه قال: "قلت لابن عمر حدّثني ... " فذكر الحديث (فَقَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ) وفي رواية للبخاريّ: "فقال: يا أبا عبد الرّحمن"، وهي كنية عبد الله بن عمر (كيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ في النَّجْوَى؟) هي ما تَكَلَّمَ به المرءُ يُسمِعُ نفسه، ولا يُسمِع غيره، أو يُسمِع غيره سِرًّا دون من يليه، قال الراغب: ناجيته: إذا ساررته، وأصله أن تخلو في نَجْوة من الأرض، وقيل: أصله من النجاة، وهي أن تنجو بسرّك من أن يَطَّلِعَ عليه أَحَدٌ، والنجوى في الأصل مصدر، وقد يوصف بها، فيقال: هو نَجْوَى، وهم نَجْوَى، والمراد بها هنا المناجاة الّتي تقع من الربّ يوم القيامة مع المؤمنين، وقال الكرمانيّ: أطلق على ذلك النجوى لقابلة مخاطبة الكفّار على رؤوس الأشهاد هناك. انتهى (١).
(قَالَ) أي ابن عمر ﵄ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: يُدْنَى الْمُؤْمِنُ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية للبخاريّ: "يدنو أحدكم"، وفي أخرى: "يدنو المؤمن" (مِنْ رَبِّهِ) متعلّق بـ "يُدنَى": أي يقرب منه قُرب كرامة، وعُلوّ منزلة. قاله في "الفتح".
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف لـ "يُدنَى" (حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ) بفتح الكاف والنون بعدها فاء، وهو يُطلق على الجانب، والستر، وهو المراد هنا، بدليل رواية سعيد بن جُبير بلفظ: "يجعله في حجابه"، زاد في رواية همام: "وستره". قال في "الفتح": والأول يعني
стр. 1698
تفسيره بالجانب- مجاز في حقّ الله تعالى كما يقال: فلان في كَنَف فلان، أي في حمايته وكَلاءته. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الكلام نظرٌ من وجهين:
[الأوّل]: أن المراد هنا بالكنف هو الحجاب والستر؛ لكونه جاء في الرِّواية الأخرى بهذا اللّفظ، كما سبق بيانه آنفًا، والروايات يفسّر بعضها بعضًا، وأخرج الحديث البخاريّ في كتابه "خلق أفعال العباد" من طريق عبد الله بن المبارك، عن محمّد ابن سواء، عن قتادة، ثمّ قال في آخر الحديث: قال عبد الله بن المبارك: كنفه ستره. قاله في "الفتح" (١).
[والثّاني]: أنه قال في "القاموس": أنت في كَنَف الله تعالى مُحَرَّكَةً: في حِرْزه وسِتْره، وهو الجانب، والظلّ، والناحية. انتهى (٢).
فإذا ثبت لغة إطلاق الكنف على الجانب، فالحقّ إبقاؤه على ظاهره وحقيقته؛ إذ لا حاجة إلى المجاز، كسائر الصفات من السمع، والبصر، والكلام، والرضا، والغضب، والاستواء، والنّزول، ونحوها ممّا وردت به النصّوص الصحيحة، فنثبتها كلها على الوجه اللائق به من غير تعطيل، ولا تحريف، ومن غير تمثيل، ولا تكييف، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والحكمة في وضع الكنف عليه ستره عن أهل الموقف حتّى لا يطّلع على سرّه غيره. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في "الفتح": ومن رواه "كتفه" بالمثنّاة المكسورة، فقد صحّف على ما جزم به جمع من العلماء. انتهى (٣).
стр. 1699
(ثُمَّ يُقَرِّر بِذُنُوبِهِ) من التقرير بمعنى الحمل على الإقرار، أي يحمله، ويجعله يعترف بما فعله من الذنوب، قال في "الصحاح": وأقرّ بالحقّ: اعترف به، وقرّره بالحقّ غيره حتّى أقرّ. انتهى (١).
ثمّ بيّن كيفية تقريره بقوله: (فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟) أي تذكر ذنوبك الّتي ارتكبتها، وأنت في الدنيا، وفي رواية البخاريّ: "فيقول: عَمِلت كذا وكذا"، وفي رواية: "أتعرف ذنب كذا وكذا"، وفي رواية: "فيقول له اقرأ صحيفتك، فيقرأ، ويقرّره بذنب ذنب، ويقول: أتعرف، أتعرف" (٢) (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَعْرِفُ، حَتَى إِذَا بَلَغَ مِنْهُ) أي حتّى إذا بلغ المؤمن من الإقرار، أو حتّى إذا بلغ من الفَزَع (مَا شَاءَ الله أَنْ يَبْلُغَ، قَالَ) الله تعالى له (إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ) أي في الآخرة (قَالَ ﷺ ثُمَّ يُعْطَى) بالبناء للمفعول (صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ، أَوْ) للشكّ من الراوي (كِتَابَتَهُ بِيَمِينِهِ، قَالَ) ﷺ (وَأَمَّا الْكَافِرُ، أَوِ المُنَافِقُ،) "أو" هنا للتنويع، لا للشكّ، كما يوضح ذلك وقوعه في رواية للبخاريّ بالواو، ولفظه: "وأما الكافر والمنافق"، وفي لفظ: "وأما الكفّار والمنافقون"، وفي رواية: "وأما الكافر، فينادى" بحذف "والمنافق" (فَيُنَادَى) بالبناء للمفعول (عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَاد) بالفتح: جمع شاهد، كصاحب وأصحاب، وهو أيضًا جمع شَهِيد، كشريف وأشراف.
قال القرطبيّ ﵀: المراد بالأشهاد: الملائكة الحفظة، قاله مجاهد وغيره، وعن الأعمش: هم الملائكة، وقال الضحّاك: هم الأنبياء والمرسلون، ودليله قوله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، وقيل: الملائكة والأنبياء والعلماء الذين بلّغوا الرسالات، وقال قتادة: عَنَى الخلائق أجمع. انتهى (٣).
стр. 1700
(قَالَ خَالِدٌ) بن الحارث الراوي عن سعيد بن أبي عروبة (في "الْأَشْهَادِ" شَيْءٌ مِنِ انْقِطَاعٍ) يعني أن لفظ "الأشهاد" من قوله: "على رؤوس الأشهاد" لم يتّصل سنده، والظاهر أنه حصل عليه التباس حين تحديث سعيد له به، فلم يسمعه منه، وإنّما سمعه من غيره، لكن هذا لا يضرّ بصحّة الحديث، فإنّه ثبت متّصلًا كلّه من رواية غيره، فقد ثبت في "الصحيحين"، وغيرهما من رواية أبي عوانة، وهشام الدستوائيّ، وشيبان النحويّ، كلهم عن قتادة دون هذه الزيادة، والله تعالى أعلم.
﴿هؤلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ بنسبة الولد والشريك إليه ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ أي سخطه، وإبعاده من رحمته (﴿عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]) أي الذين وضعوا العبادة في غير موضعها. قاله القرطبيّ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ١٨٣) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (البخاريّ) في (٣/ ١٦٨ و ٦/ ٩٣ و ٩/ ١٨١) وفي "خلق أفعال العباد" له (٤١) و (مسلم) (٨/ ١٠٥) و (عبد بن حُميد) (٨٤٦) و (ابن أبي عاصم) (٦٠٤ و ٦٠٥) و (الطّبريّ) (٦٤٩٧) و (الآجري) في "الشّريعة" (٢٦٨) و (ابن حبان) (٧٣٥٥) و (ابن منده) (٧٩٠ و ١٠٧٧ و ١٠٧٨ و ١٠٧٩) و (البيهقيّ) في "الأسماء والصفات" (ص ٢١٩ - ٢٢٠) والله تعالى أعلم.
стр. 1701
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو الرّد على الجهميّة في إنكارهم الصفات، حيث إن فيه إثبات صفة الكلام لله ، حيث يكلّم عبده المؤمن في الآخرة.
٢ - (ومنها): إكرام الله تعالى لعبده المؤمن، حيث يدنيه منه، ويضع عليه كنفه، حتّى لا يسمع مناجاته له.
٣ - (ومنها): بيان فضل ستر المؤمن على نفسه في الدنيا إذا وقع منه مخالفة؛ لأن ذلك يكون سببًا لمغفرة الله تعالى له ذلك في الآخرة.
٤ - (ومنها): بيان قبح المجاهرة بالمعاصي، وأن الله تعالى لا يغفر لأصحابها؛ لمبارزتهم له بها، واستخفافهم بشأنها.
أخرج الشيخان في "صحيحيهما" من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كلُّ أُمَّتي مُعَافًى إِلَّا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرَّجل باللّيل عملًا، ثمّ يُصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه".
٥ - (ومنها): بيان فضيحة الكفّار والمنافقين يوم القيامة، حيث ينادى بهم على رؤوس الأشهاد ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، اللَّهُمَّ اعصمنا من المعاصي والفتن، وجنّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن بعفوك ومنّك وكرمك يا أرحم الراحمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماّب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٨٤ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ :"بَيْنَا أَهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهِمْ، إِذْ سَطَعَ لهُمْ نُورٌ، فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَإِذَا الرَّبُ قَد أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلُ اللهَ: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، قَالَ: فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَلَا
стр. 1702
يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ، وَيَبْقَى نُورُهُ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ في دِيَارِهِمْ".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ) الأمويّ البَصْريُّ، واسم أبي الشَّوَارب محمّد بن عبد الله بن أبي عثمان بن عبد الله بن خالد بن أسد بن أبي العِيص بن أمية القرشيّ الأُمويّ، أبو عبد الله الأُبُلّيّ البصريّ، صدوقٌ من كبار [١٠].
رَوَى عن كَثِير بن سُليم المدائني، وعبد العزيز بن المختار، وأبي عوانة، ويزيد بن زُريع، وبشر بن المفضل، وعبد الواحد بن زياد، وعبد الوارث بن سعيد، وأبي عاصم العبادانيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، والترمذيّ، والنَّسائيّ، وابن ماجه، وروى النَّسائيُّ عن زكريا السجزيّ عنه، وأبو إسماعيل الترمذيّ، وابن أبي الدنيا، وغيرهم.
قال أبو علي بن خاقان عن أحمد: ما بلغني عنه إِلَّا خير. وقال صالح بن محمّد الأسدي: شيخٌ جليلٌ، صدوق. وقال النَّسائيّ: لا بأس به، وقال النَّسائيُّ في "مشيخته": ثقة. وقال مَسلمَة: بصري ثقة. وقال ابن شاهين في "الثِّقات": قال عثمان ابن أبي شيبة: شيخ صدوق، لا بأس به.
وقال ابن قانع: مات بالبصرة لعشر بَقِين من جُمادى الآخرَة، سنة أربع وأربعين ومائتين، وفيها أرّخه البغوي، وذكره أبو علي الجيّاني في شيوخ أبي داود، ولم يذكره غيره.
وفي "الزهرة": رَوَى عنه مسلم عشرة أحاديث. انتهى. وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثًا.
٢ - (أبو عاصم العبّادانيّ) المَرَئِيّ البصريّ، اسمه عبد الله بن عبيد الله، ويقال: ابن عَبْد، ويقال: عبيد الله بن عبد الله، صدوق (١) [٨].
стр. 1703
رَوَى عن فائدٍ أبي الوَرْقاء، وعلي بن زيد بن جُدْعان، وأبان بن أبي عَيّاش، وخالد الحذاء، والفضل بن عيسى الرقاشيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه علي بن المديني، وعبد الأعلى بن حماد، ونعيم بن حماد، وإسحاق بن راهويه، وآدم بن أبي إياس، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وغيرهم.
قال الدُّوريّ عن ابن معين: لم يكن به بأس، صالح الحديث. وقال عمرو بن علي: كان صدوقًا ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة شيخ. وقال أبو حاتم: ليس به بأس. وقال أبو داود: لا أعرفه، وقال الْعُقيليّ: منكر الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يخطىء.
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٨٤) و (١٣٨٤) "من كانت له حاجة إلى الله ... " الحديث.
٣ - (الفضل الرقاشي) هو الفضل بن عيسى بن أبان، أبو عيسى البصريّ الواعظ، منكر الحديث، ورُمي بالقدر [٦].
رَوَى عن عمه يزيد بن أبان الرقاشيّ، وعن أنس، وأبي عثمان النَّهْديّ، ومحمد بن المنكدر، والحسن البصري، وأبي الحكم البجليّ، وجماعة.
ورَوَى عنه ابن أخته المعتمر بن سليمان، وأبو عاصم العَبّاداني، وأبو عاصم النبيل، والحكم بن أبان العبدي، وعلي بن عاصم الواسطيّ، وآخرون.
стр. 1704
قال سَلّام بن أبي مطيع عن أيوب: لو أن فضلًا وُلِد أخرس لكان خيرًا له. وقال عبد الله ابن أحمد بن حنبل عن أبيه: ضعيف. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان قاصًّا، وكان رجل سَوْء، قلت: كيف حديثه؟ قال: لا تسأل عن القَدَرِيّ الخبيث. وقال إسحاق بن منصور: عن ابن معين: سئل عنه ابن عيينة، فقال: لا شيء. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، في حديثه بعض الْوَهَن، ليس بقوي. وقال الآجريّ: قلت لأبي داود: أكتب حديث الفضل الرقاشيّ؟ قال: لا، ولا كرامة، وقال مرة: كان هالكًا، وقال مرة: حدّث حماد بن عدي عن الفضل بن عيسى، وكان من أخبث الناس قولًا، وقال مرة: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن فضل الرقاشيّ، عن ابن المنكدر، عن جابر ﵁ رفعه: "يُنَادِي رجل يوم القيامة واعطشاه ... " الحديث، فقال أبو داود: هذا حديث يُشبِه وجهَ فضلٍ الرقاشيّ. وقال النسائيّ: ضعيف، وقال في موضع آخر: ليس بثقة. وقال ابن عدي: الضعف بَيِّنٌ على ما يرويه. وقال البخاري في "الأوسط" عن ابن عيينة: كان يرى القدر، وكان أهلًا أن لا يُرْوَى عنه. وقال الساجيّ: كان ضعيف الحديث، قدريّا، قال: وسمعت ابن المثنى يقول: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وكان شعبة يُشَبِّهه بأبان بن أبي عياش وأمثاله، وكذا رواه الْعُقَيليّ في "الضعفاء" عن الساجى، وقال يعقوب بن سفيان: معتزليّ، ضعيف الحديث.
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهُدَير التيميّ المدنيّ، ثقة فاضل [٣] ١٥/ ١٢٢.
٥ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرَام الأنصاريّ السلميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ ١/ ١١، والله تعالى أعلم.
стр. 1705
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله) ﵄، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : بَيْنَا) هي "بين" أُشبعت فتحتها، فتولّدَت منها الألف، وقد تقدّم تمام البحث فيها (أَهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهِمْ، إِذْ سَطَعَ) أي ظهر، وارتفع (لهُمْ نُورٌ، فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَإِذَا) هي الفُجائيّة، أي ففاجأهم (الرَّبُّ) (قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ) أي اطّلع عليهم، والجملة في محلّ نصب على الحال من "الربّ".
وقال السنديّ ﵀: فيه إثبات للجهة ظاهرًا، فلا بدّ من التأويل، إن ثبت الحديث بحمله على العلوّ اللائق بجنابه العلّيّ، أي يظهر عليهم حال كونه عاليًا علوّا يليق به تعالى. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: كلام السنديّ ﵀ هذا جيّد، والله تعالى أعلم.
(مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الجنَّةِ، قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلُ الله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، قَالَ: فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) قال السنديّ ﵀: أي يبدو لهم أنه ناظرٌ إليهم، أو ينظر إليهم نظر رحمة فوق ما كانوا فيها، وإلا فهو ناظرٌ إليهم على الدوام، لا يغيب عن نظره شيء، ويحتمل أن يكون التفريع بالنظر إلى قوله: (وَيَنْظرونَ إِلَيْهِ) انتهى كلام السنديّ.
قال الجامع عفا الله عنه: كلام السنديّ ﵀ هذا جيّد أيضًا، والله تعالى أعلم.
(فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ) أي من نعيم الجنّة (مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ) لأنه أعلى وأحلى النعيم (حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ، وَيَبْقَى نُور وَبَرَكَته عَلَيْهِمْ في دِيَارِهِمْ)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
[تنبيه]: هذا الحديث ممّا تفرّد به المصنّف، وهو ضعيف، وقال البوصيريّ: هذا
стр. 1706
إسناد ضعيف؛ لضعف الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشيّ. انتهى (١).
[قلت]: أما قول الأستاذ بشار: وفيه أبو عاصم العبّادانيّ البصريّ لين الحديث، قال الذهبيّ: ليس بحجة يأتي بعجائب. انتهى، فليس كما ينبغي، فقد عرفت توثيق كثير من الأئمة أبا عاصم هذا فيما سبق من ترجمته، فلا تكن من الغافلين، ومن الغريب أنه ردّ على صاحب "التقريب" في تعقّباته قوله: ليّن الحديث، بأنه صدوق، حسن الحديث، وأما ما نقله عن الذهبيّ، فقد ذكره في "ميزان الاعتدال"، والظاهر أنه اعتمد على قول العقيليّ: منكر الحديث، فإنّه نقله يعد كلامه هذا، ولم يذكر كلام الأئمة الموثّقين له.
والحاصل أن الحديث ضعيف؛ لأجل الفضل بن عيسى، لا لأبي عاصم، وقد أورده ابن الجوزيّ في "الموضوعات"، وقال: الفضل الرقاشيّ رجل سَوْء، ورواه عنه أبو عاصم، ولا يتابع عليه (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ أول الكتاب قال:
١٨٥ - (حَدَّثَنَا عَلي بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنه وَبَيْنه تَرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ مِنْ عَنْ أَيْمَنَ مِنْهُ، فَلَا يَرَى إِلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ، ثُمَّ يَنْظر مِنْ عَنْ أَيْسَرَ مِنْهُ، فَلَا يَرَى إِلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ أَمَامَهُ، فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ، وَلَوْ بِشِقّ تَمرةٍ فَلْيَفْعَلْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ الكوفيّ الثقة تقدّم قريبًا.
٢ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح الكوفيّ الحافظ الحجة الثبت من كبار [٩] ١/ ٣.
стр. 1707
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكُوفيُّ الحافظ الثبت يُدلّس [٥] ١/ ١.
٤ - (خَيْثَمَةُ) -بفتح المعجمة، وسكون التحتانيّة، بعدها مثلّثةٌ- ابن عبد الرّحمن ابن أبي سَبْرة -بفتح المهملة، وسكون الموحّدة- واسمه يزيد بن مالك بن عبد الله بن ذويب الجعفيّ الكوفيّ -لأبيه ولجده صحبة، وَفَدَ جده أبو سبرة إلى النّبيّ ﷺ ومعه ابنه: سَبْرَة- ثقة، وكان يرسل [٣].
رَوَى عن أبيه، وعلي بن أبي طالب، وابن. عمر، وابن عمرو، وابن عبّاس، والبراء ابن عازب، وعدي بن حاتم، والنعمان بن بشير، وغيرهم من الصّحابة والتابعين.
ورَوَى عنه زِرّ بن حُبيش، وأبو إسحاق السبيعي، وطلحة بن مُصَرِّف، وعمرو ابن مرّة الجَمَليّ، وقتادة، والأعمش، ومنصور، وغيرهم.
قال ابن معين، والنَّسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: كوفي تابعي ثقة، وكان رجلًا صالحًا، وكان سخيًّا، ولم يَنجُ من فتنة بن الأشعث إِلَّا هو، وإبراهيم النخعيّ. وقال مالك بن مِغْوَل عن طلحة بن مُصَرّف: ما رأيت بالكوفة أحدًا أعجب إلى منهما. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وساق بسنده إلى نعيم بن أبي هند، قال: رأيت أبا وائل في جنازة خيثمة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: لم يسمع خيثمة من ابن مسعود، وكذا قال أبو حاتم، وقال أبو زرعة: خيثمة عن عمر مرسل. وقال ابن القطان: ينظر في سماعه من عائشة ﵂.
قال البخاريّ: مات قبل أبي وائل، وقال غيره: مات بعد سنة ثمانين، وأرّخه ابن قانع سنة (٨٠).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا الحديث، وأعاده برقم (١٨٤٣) و (١٩٩٢) حديث: "أمرها أن تُدخِل على رجل امْرَأَتَهُ قبلَ أن يعطيها شيئًا".
٥ - (عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ) الصحابيّ المشهور ﵁ تقدّم في ١٠/ ٨٧، والله تعالى أعلم.
стр. 1708
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين.
٣ - (ومنها): أنه فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الأعمش، عن خيثمة.
٤ - (ومنها): أنه لا يوجد من اسمه خيثمة في هذا الكتاب، بل في الكتب الستة غير هذا، إِلَّا خيثمة بن أبي خيثمة البصريّ عند الترمذيّ، والنَّسائيّ فقط، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) الطائيّ ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) ظاهر الخطّاب للصحابة ﵃، ويَلتَحق بهم المؤمنون كلّهم، وسَابِقُهُم، ومقصّرهم، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة. قاله في "الفتح" (١) (إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ) ولفظ البخاريّ: "إِلَّا سَيكلّمه الله" (لَيْسَ بَيْنه وَبَيْنه تَرْجُمَانٌ) قال ابن الأثير ﵀: التّرْجمان بالضمّ والفتح: هو الذي يُترجم الكلام، أي ينقله من لغة إلى لغة أخرى، والجمع التَّرَاجم، والتاء والنون زائدتان، وقد تكرّر في الحديث. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ ﵀: وتَرْجم فلان كلامه: إذا بيّنه وأوضحه، وترجم كلام غيره: إذا عبّر عنه بلغةٍ غيرِ لغة المتكلّم، واسم الفاعل تَرْجُمَان، وفيه لغات، أجودها فتح التاء، وضمّ الجيم، والثّانية ضمّهما معًا، بجعل التاء تابعةً للجيم، والثالثةُ فتحهما بجعل الجيم تابعةً للتاء، والجمع تراجِمُ، والتاءُ والميم أصلّيّتان، فوزن تَرْجَمَ فَعْلَل، مثلُ دَحْرَجَ، وجعل الجوهريّ التاء زائدة، وأورده في تركيب رَجَمَ، ويوافقه ما في نسخةٍ من "التهذيب" من باب رجم أيضًا، قال اللِّحْيَانيّ: وهو التَّرْجُمَانُ، لكنه ذكَرَ الفعل في الرباعيّ، وله وجهٌ، فإنّه يقال: لسان مِرْجَمٌ: إذا كان فصيحًا قَوّالًا، لكن الأكثر على
стр. 1709
أصالة التاء. انتهى (١).
وقال في "الفتح": يفتح التاء المثنّاة، وضمّ الجيم، ورجّحه النوويّ في "شرح مسلم"، ويجوز ضمّ التاء اتباعًا، ويجوز فتح الجيم، مع فتح أوّله، حكاه الجوهريّ، ولم يصرّحوا بالرّابعة، وهي ضم أوله، وفتح الجيم، وهو المعبّر عن لغة بلغة، وهو معرّبٌ، وقيل: عربيّ (٢).
قلت: قد تبيّن بما ذُكِر أن في ضبط التّرجُمان أربعة أوجه، أفصحها فتح التاء، والجيم، وأقلّها ضم التاء، وفتح الجيم. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: لم تبيّن رواية المصنّف ما يقول له، وقد بَيَّنَتْهُ روايةُ رواية البخاريُّ في "كتاب الزَّكاة" من "صحيحه" (١٤١٣) من طريق مُحِلّ بن خليفة، قال سمعت عدي بن حاتم ﵁ يقول: كنت عند رسول الله ﷺ ، فجاءه رجلان: أحدهما يشكر الْعَيْلة، والآخر يَشْكُو قطع السبيل، فقال رسول ﷺ : "أما قطع السبيل فإنّه لا يأتي عليك إِلَّا قليل، حتّى تَخْرُج الْعِير إلى مكّة بغير خَفِير، وأما العَيْلة فإن السّاعة لا تقوم حتّى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه، ثمّ لَيِقِفَنَّ أحدكم بين يدي الله، ليس بينه وبينه حجاب، ولا تَرْجُمان يُتَرْجم له، ثمّ ليقولن له: أَلم أُوتك مالًا؟ فليقولنّ: بلى، ثمّ ليقولنّ: ألم أرسل إليك رسولًا؟ فليقولنّ: بلى، فينظر عن يمينه فلا يَرَى إِلَّا النّار، ثمّ ينظر عن شماله فلا يرى إِلَّا النّار، فَلْيَتَّقِيَنّ أحدكم النّار، ولو بِشِقّ تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة".
[تنبيه آخر]: زاد في رواية البخاريّ في "كتاب التّوحيد" بعد قوله: "ليس بينه وبينه ترجمان": ما نصّه: "ولا حجاب يحجبه"، في رواية الكشميهني: "ولا حاجب"، قال ابن بطّال: معنى رفع الحجاب إزالة الآفة من أبصار المؤمنين المانعة لهم من الرؤية، فيرونه لارتفاعها عنهم بخلق ضدها فيهم، ويشير إليه قوله تعالى في حق الكفار: ﴿كَلَّا
стр. 1710
إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].
وقال الحافظ صلاح الدين العلائي في شرح قوله في قصة معاذ ﵁: "واتّقِ دعوة المظلوم، فإنّه ليس بينها وبين الله حجاب": المراد بالحاجب والحجاب نفيُ المانع من الرؤية، كما نَفَى عدم إجابة دعاء المظلوم، ثمّ استعار الحجاب للردّ، فكان نفيه دليلًا على ثبوت الإجابة، والتعبير بنفي الحجاب أبلغ بالقبول، لأن الحجاب من شأانه المنع من الوصول إلى المقصود، فاستعير نفيه لعدم المنع، ويتخرج كثير من أحاديث الصفات على الاستعارة التخييلية، وهي أن يشترك شيئان في وصف، ثمّ يعتمد لوازم أحدهما حيث تكون جهة الاشتراك وصفًا، فيثبت كماله في المستعار بواسطة شيء آخر، فيثبت ذلك للمستعار مبالغة في إثبات المشترك، قال: وبالحمل على هذه الاستعارة التخييلية يحصل التخلص من مهاوي التجسيم، قال: ويحتمل أن يراد بالحجاب استعارةُ محسوسٍ لمعقولٍ؛ لأن الحجاب حسيّ، والمنع عقليّ، قال: وقد ورد ذِكْرُ الحجاب في عدة أحاديث صحيحة، والله مُنْزّه عما يحجبه, إذ الحجاب إنّما يحيط بمقدر محسوس، ولكن المراد بحجابه منعه أبصار خلقه، وبصائرهم بما شاء، متى شاء، كيف شاء، وإذا شاء كشف ذلك عنهم، ويؤيده قوله في الحديث الّذي بعده: "وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إِلَّا رداء الكبرياء على وجهه"، فإن ظاهره ليس مرادًا قطعًا، فهي استعارة جزمًا، وقد يكون المراد بالحجاب في بعض الأحاديث الحجاب الحسيّ، لكنه بالنسبة للمخلوقين، والعلم عند الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا نقل في "الفتح" كلام العلائيّ، وأقرّه، وهو عجيبٌ، فإن هذه التأويلات المتعسّفة الّتي أتعب نفسه بها، لا يتحمّلها نصوص الكتاب والسُّنَّة، فإن الواجب على المسلم أن يُثبت ما أثبت الله تعالى لنفسه، وينفي عنه ما نفاه في كتابه العزيز، أو فيما صحّ عن رسوله ﷺ ، ويبتعد عن هذه التخيّلات الفاسدة الّتي لا تليق بالله ، فله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، كما قال : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الآية [الأعراف: ١٨٠]، وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
стр. 1711
الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فإذا أثبت النصّ الحجاب له بقوله : "حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره"، وكذا قوله : "رداء الكبرياء"، فنحن نثبت ذلك له على ما يليق بجلاله ، ولا نشبّه، ولا نمثّل، ولا نكيّف، ولا نعطل، بل نقول: يثبت له ما أثبته لنفسه، على حقيقته، كما يليق بجلاله، ولا نقول: إنّه مجاز، ولا استعارة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
ونقل الطيبي في شرح حديث أبي موسى عند مسلم: "حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحَات وجهه ما أدركه بصره": أن فيه إشارة إلى أن حجابه خلاف الحجب المعهودة، فهو محتجب عن الخلق بأنوار عزه وجلاله، وأشعة عظمته وكبريائه، وذلك هو الحجاب الّذي تُدْهَشُ دونه العقول، وتُبْهَتُ الأبصار، وتتحير البصائر، فلو كشفه فتجلى لما وراءه بحقائق الصفات، وعظمة الذات، لم يبق مخلوق إِلَّا احترق، ولا منظور إِلَّا اضْمَحَلّ، وأصل الحجاب الستر الحائل بين الرائي والمرئي، والمراد به هنا منع الأبصار من الرؤية له بما ذُكِر، فقام ذلك المنع مقام الستر الحائل، فعَبَّر به عنه، وقد ظهر من نصوص الكتاب والسُّنَّة أن الحالة المشار إليها في هذا الحديث هي في دار الدنيا المعدة للفناء، دون دار الآخرة المعدة للبقاء، والحجاب في هذا الحديث وغيره يرجع إلى الخلق؛ لأنهم هم المحجوبون عنه.
وقال النوويّ: أصل الحجاب المنع من الرؤية، والحجاب في حقيقة اللُّغة الستر، وإنّما يكون في الأجسام، والله سبحانه مُنَزَّه عن ذلك، فعُرِف أن المراد المنع من رؤيته، وذَكَر النور؛ لأنه يمنع من الإدراك في العادة لشعاعه، والمراد بالوجه الذات، وبما انتهى إليه بصره جميع المخلوقات؛ لأنه سبحانه محيط بجميع الكائنات. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الّذي قاله النوويّ من جنس ما قاله العلائيّ فيما سبق من كلامه، والجواب عنه هو الجواب عنه، وإياك أن تغترّ بمثله، فإنّه خلاف منهج السلف، فإنهم لا يؤولون مثل هذا الحديث، بل يُثبتونه على ظاهره، كما يليق
стр. 1712
بجلاله ، إثباتًا بلا تمثيل، ويُنَزّهون الله تعالى من مشابهة خلقه تَنْزيهًا بلا تعطيل، والله الهادي إلى سواء السبيل.
(فَيَنْظُرُ مِنْ عَنْ) بمعنى جانب (أَيْمَنَ مِنْهُ) أي من جهة يمينه (فَلَا يَرَى إِلا شَيْئًا قَدَّمَهُ) أي إِلَّا عمله (ثُمَّ يَنْظُرُ مِنْ عَنْ أَيْسَرَ مِنْهُ) أي من جانب يساره (فَلَا يَرَى إِلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ) أي من الأعمال، قال ابن هُبيرة: نظر اليمين والشمال هنا كالمثل؛ لأن الإنسان من شأنه إذا دَهَمَه أمرٌ أن يلتفت يمينًا وشمالًا، يطلُب الغَوْث. وقال الحافظ: ويحتمل أن يكون سبب الالتفات أنه يترجّى أن يجد طريقًا يذهب فيها ليحصل له النجاة من النّار، فلا يرى إِلَّا ما يُفضي به إلى النّار، كما بيّنته رواية مُحلّ بن خليفة المذكورة. انتهى (١).
(ثُمَّ يَنْظُرُ أَمَامَهُ، فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ) أي تظهر له، وتواجهه، وفي رواية للبخاريّ من طريق عيسى بن يونس، عن الأعمش: "وينظر بين يديه، فلا يرى إِلَّا النّار تلقاء وجهه"، قال ابن هُبيرة: والسبب في ذلك أن النّار تكون في ممرّه، فلا يُمكنه أن يَحِيد عنها؛ إذ لا بُدِّ له من المرور على الصراط (فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمرةٍ) "شِقُّ التّمرة" بكسر الشين: نصفها وجانبها (٢)، أي من استطاع أن يجعل بينه وبين النّار وِقَايةً من الصَّدقة، وعمل البرّ، ولو بشيء يسير (فَلْيَفْعَلْ) زاد في رواية محُلّ بن خليفة السابقة: "فإن لم يجد فبكلمة طيبة". وفي رواية لمسلم (١٠١٦) من طريق الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن خيثمة، عن عدي بن حاتم ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ النارَ، فأعرض وأشاح، ثمّ قال: "اتقوا النّار"، ثمّ أعرض وأشاح، حتّى ظننا أنه كأنما ينظر إليها، ثمّ قال: "اتقوا النّار، ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة"، وفي لفظ: أنه ذكر النّار، فتعوذ منها، وأشاح بوجهه ثلاث مرار، ثمّ قال: "اتقوا النّار ... " الحديث.
ومعنى "أشاح": أعرض، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
стр. 1713
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عديّ بن حاتم ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ١٨٥) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٠٣٥ و ١٠٣٨) و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه " ٣/ ١١٠ و (أحمد) في "مسنده" ٤/ ٢٥٦ و ٢٥٨ و ٣٧٧ و ٣٧٩ و (الدارميّ) في "سننه" (١٦٦٤) و (البخاريّ) ٨/ ١٤ و ١٣٩ و ١٤٤ و ٩/ ١٩٢ و ١٨١ و (مسلم) ٣/ ٨٦ و (الترمذيّ) (٢٤١٥) و (النَّسائيُّ) ٥/ ٧٥ و (ابن خزيمة) (٢٤٢٨) و (ابن حبّان) (٢٨٠٤) و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٧/ ١٨٥ و ١٨٦ و ١٨٧ و ١٨٨ و ١٨٩ و ١٩٠ و ١٩١ و ١٩٢ و ١٩٣ و ١٩٤ و ١٩٥) و (أبو نعيم) في "الحلية" (٤/ ١٢٤ و ٧/ ١٢٩) و (البيهقيّ) (٤/ ١٧٦) و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦٣٨ و ١٦٤٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو إثبات صفة الكلام لله ، وهو الّذي أنكرته الجهميّة الضّالة.
٢ - (ومنها): إثبات يوم القيامة.
٣ - (ومنها): إثبات مناقشة الله لعباده يوم القيامة.
٤ - (ومنها): الحثّ على الصَّدقة، وأنه لا يمتنع الإنسان منها لقلّتها.
٥ - (ومنها): أن قليل الصَّدقة سبب للنجاة من النّار.
٦ - (ومنها): أن الكلمة الطيّبة تقوم مقام الصَّدقة، وتكون سببًا للنجاة من النّار، فإنّه ﷺ قال: "فإن لم يجد فبكلمة طيبة"، وهي الكلمة الّتي فيها تطييب قلب الإنسان إذا
стр. 1714
كانت مباحة، أو طاعة. قاله النوويّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٨٦ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ، عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الجُوْنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "جَنَّتانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُما وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُما وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَومِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ﵎ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ، في جَنَّةِ عَدْنٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أبو بكر البصريّ الملقّب بُنْدَار، ثقة حافظ [١٠] ١/ ٦.
٢ - (أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ، عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) الْعَمّيّ، البصريّ، ثقة حافظ، من كبار [٩].
رَوَى عن أبي عمران الجَوْنيّ، وداود بن أبي هند، ومنصور، وعلي بن زيد بن جُدْعان، ومطر الورَّاق، وعطاء بن السائب، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وعليّ، ويحيى، وأبو موسى، وبُنْدار، والحميدي، وأبو غسان المسمعي، والحسن بن عرفة، وغيرهم.
قال أحمد: كان ثقة. وقال ابن معين: لم يكن به بأس. وقال القواريري: كان حافظًا. وقال أبو زرعة، وأبو داود، والنَّسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال عمرو بن عليّ: سمعت عبد الرّحمن بن مهدي يقول يوم مات: ما مات لكم منذ ثلاثين سنة شبههُ، أو مثله، أو أوثق منه. وقال العجليّ: ثقة.
قال أبو داود: مات سنة (١٨٧). وقال ابن حبّان في "الثِّقات": مات سنة
стр. 1715
(١٨٨)، وقال ابن قانع: مات سنة (٨٩)، ويقال: سنة (٩٠)، وحكى الْقَرّاب القولين في "تاريخه".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم (١٨٦) و (٣٤٥٥) حديث: "الكمأة من المنّ، والعجوة من الجنَّة، وهي شفاء من السمّ".
٣ - (أَبُو عِمْرَانَ الجُوْنِيُّ) عبد الملك بن حبيب الأزديّ، أو الْكِنديّ، البصريّ، مشهور بكنيته، ثقة، من كبار [٤] ٩/ ٦١.
٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ) الكوفيّ، يقال: اسمه عمرو، ويقال: عامر، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، والبراء بن عازب، وجابر بن سمرة، وابن عبّاس، والأسود بن هلال.
وروى عنه أبو جمرة الضُّبَعيّ، وأبو عمران الجُوْنيّ، وبدر بن عثمان، وعبد الله بن أبي السَّفَر، والأجلح بن عبد الله الْكِنديّ، وأبو إسحاق السبيعي، ويونس بن أبي إسحاق، وغيرهم.
قال الآجريّ: قلت لأبي داود: سمع أبو بكر من أبيه؟ قال: أُراه قد سمع، وأبو بكر أرضى عندهم من أبي بردة، وكان يذهب مذهب أهل الشّام، جاءه أبو غادية الجهنيّ، قاتل عَمّار، فأجلسه إلى جانبه، وقال مرحبًا بأخي. وقال محمّد بن عبد الله بن نمير: كان أكبر من أبي بردة، وقال: مات في ولاية خالد بن عبد الله. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: اسمه كنيته، مات في ولاية خالد، ومن زَعَم أن اسمه عامر فقد وَهِمَ عامر اسم أبي بردة. وقال عبد الله بن أحمد في "العلل": قلت لأبي: فأبو بكر بن أبي موسى سمع من أبيه؟ قال: لا. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق يقول: أبو بكر بن أبي موسى أفضل من أخيه أبي بردة. وقال العجليّ: كوفي تابعي ثقة. وقال بن سعد: اسمه كنيته، وكان قليل الحديث، يُستضعَف، ومات في ولاية خالد، وكان أكبر من أخيه أبي بردة. وقال خليفة: مات سنة ست ومائة.
стр. 1716
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا الحديث برقم (١٨٦) و (١٩٣١) حديث: "لا تُنكَح المرأة على عمّتها، ولا على خالتها".
٥ - (أبوه) عبد الله بن قيس بن سُليم، أبو موسى الأشعريّ الصحابيّ الشهير ﵁ ١٠/ ٨٨، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين إلى أبي بكر، وأبوه كوفيّان.
٣ - (ومنها): أن فيه من اشتهر بكنيته، وهم: أبو عمران، وأبو بكر، وأبوه.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن عبد العزيز، وأبا بكر هذا أول محل ذكرهما من الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لكلّ منهما في هذا الكتاب حديثان فقط، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن قيس ﵁، أنه قال: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ، "جَنَّتَانِ) خبر لمبتدإ محذوف، أي هما جنتان، ويجوز أن يكون مبتدأ، وسوّغ الابتداء بالنكرة وقوعه موقع التفصيل، على حدّ قول الشاعر [من المتقارب]:
فَأَقْبَلْتُ زَحْفًا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ ... فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وَثَوْبٌ أَجُرُّ
والشاهد "فثوبٌ لبستُ"، وكذلك "وثوبٌ أجرّ" (١).
وقوله: (مِنْ فِضَّةٍ) خبر لـ "جنّتان"، على الثّاني، أي كائنان من فضّة، وقوله: (آنِيَتُهُما، وَمَا فِيهِمَا) بدل اشتمال من "جنّتان"، أو من ضمير "كائنتان"، أو "آنيتهما" فاعل بالجارّ والمجرور؛ لاعتماده على مسند إليه، أو "من فضّة" خبر مقدّم، و"آنيتهما" مبتدأ
стр. 1717
مؤخّر، والجملة خبر "جنّتان"، وكذلك إعراب قوله: (وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُما وَمَا فِيهِما) وفي رواية حماد بن سلمة عن ثابت البنانيّ، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، قال حماد: لا أعلمه إِلَّا قد رفعه قال: "جنتان من ذهب للمقربين، ومن دونهما جنتان من ورِقٍ لأصحاب اليمين"، أخرجه الطّبريّ، وابن أبي حاتم، ورجاله ثقات.
قال الحافظ: وفي رَدّ على ما حكيته عن التّرمذيّ الحكيم أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ الدنوّ، لا أنهما دون الجنتين المذكورين قبلهما، وصرح جماعة بأن الأوليين أفضل من الأخريين، وعكس بعض المفسرين، والحديث حجة للأولين.
قال الطّبريّ: اختُلف في قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ فقال بعضهم: معناه في الدرجة، وقال آخرون: معناه في الفضل.
وقوله: "جنتان" إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾، وتفسير له.
[فإن قلت]: هذا يدلّ على أن الجنتين من ذهب لا فضّة فيهما، وبالعكس، ويعارضه حديث أبي هريرة ﵁ قلنا: يا رسول الله حَدَّثنا عن الجنَّة ما بناؤها؟ قال: لبنة من ذهب، ولبنة من فضة ... " الحديث، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وصححه ابن حبّان، وله شاهد عن ابن عمر ﵄، أخرجه الطبرانيّ، وسنده حسن، وآخر عن أبي سعيد له، أخرجه البزار، ولفظه: "خَلَقَ الله الجنَّة لبنةً من ذهب، ولبنة من فضة ... " الحديث.
[وأجيب]: بأنه يُجمَع بأن الأوّل صفة ما في كلّ جنة من آنية وغيرها، والثّاني صفة حوائط الجنان كلها، ويؤيده أنه وقع عند البيهقي في "البعث" في حديث أبي سعيد ﵁: "إن الله أحاط حائط الجنَّة لبنةً من ذهب، ولبنة من فضة" (١). والله تعالى أعلم بالصواب.
(وَمَا) نافية (بَيْنَ الْقَوْمِ) أي أهل الجنّة (وَبَين أَنْ يَنْظروا إِلَى رَبِّهِمْ ﵎
стр. 1718
إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ) قال السنديّ: الظّاهر أن المراد برداء الكبرياء نفس صفة الكبرياء على أن الإضافة بيانيّة، وهذا هو الموافق لحديث: "الكبرياء ردائي" (١)، وحينئذ لا يخفى أن ظاهر هذا الحديث يفيد أنهم لا يرونه تعالى، فإنّه إذا كان رداء الكبرياء مانعًا عن نظر أهل جنّة عدن، فكيف غيرهم؟، وصفة الكبرياء من لوازم ذاته تعالى، لا يمكن زوالها عنه، فيدوم المنع بدوامها، إِلَّا أن يقال: هي مانعة عن دوام النظر، لا عن أصل النظر، على أن معنى قوله: "وبين أن ينظروا" أي وبين أن يُديموا، فلولا هي لدام نظرهم، وذلك لأن المنع من مقتضيات المعاملة بهذه الصِّفَة، وهي غير لازمة، وبهذا صارت صفة الكبرياء مانعةً عن دوام النظر، دون أصله، فليُتأمّل.
ويمكن أن يقال: المراد برداء الكبرياء هو المعاملة بمقتضاها، لا نفس صفة الكبرياء، كما هو مقتضى الإضافة؛ إذ الأصل التغاير، لا التباين، وهو المناسب بالتعبير بالرداء، بناءً على أن الرداء عادةً لا يلزم اللابس لزوم الإزار، وحينيذ، فرداء الكبرياء، وإن كان مانعًا من أصل النظر، لكنه غير لازم، فيمكن النظر، وعلى الوجهين فالحديث مسوقٌ لإفادة كمال قرب أهل جنّة عدن منه تعالى. انتهى (٢).
وقال المازريّ: كان النّبيّ ﷺ يخاطب العرب بما تَفْهَم، ويُخرِج لهم الأشياء المعنوية إلى الحس؛ ليُقَرِّب تناولهم لها، فعبر عن زوال الموانع ورفعه عن الأبصار بذلك.
وقال عياض: كانت العرب تستعمل الاستعارة كثيرًا، وهو أرفع أدوات بديع فصاحتها وإيجازها، ومنه قوله تعالى: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾، فمخاطبة النّبيّ ﷺ برداء
стр. 1719
الكبرياء على وجهه، ونحو ذلك من هذا المعنى، ومن لم يفهم ذلك تاه، فمن أجرى الكلام على ظاهره، أفضى به إلي مر إلى التجسيم، ومن لم يتضح له، وعَلِم أن الله مُنَزَّهٌ عن الّذي يقتضيه ظاهرها، إمّا أن يُكَذِّب نقلتها، وإما أن يؤولها، كأن يقول: استعار لعظيم سلطان الله وكبريائه وعظمته وهيبته وجلاله المانعِ إدراكَ أبصار البشر مع ضعفها لذلك رداءَ الكبرياء، فإذا شاء تقوية أبصارهم وقلوبهم كشف عنهم حجاب هيبته، وموانع عظمته. انتهى ملخصًا.
وقال الطيبي: قوله: "على وجهه" حال من "رداء الكبرياء".
وقال الكرماني: هذا الحديث من المتشابهات، فإما مُفَوَّضٌ، وإما مُتَأَوَّلٌ بأن المراد بالوجه الذات، والرداء صفة من صفة الذات اللازمة المنزهة عما يشبه المخلوقات.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "متأول بأن المراد بالوجه الذات" هذا التّأويل خطأ، والصواب إجراء النصّ على ظاهره على الوجه اللائق بالله ، فمن فعل ذلك فقد سلك جادّة أهل السنة والجماعة، ولا يستلزم ذلك النقص ولا التشبيه، وأيضًا فلو جاء التشبيه من إثبات الوجه، للزم في إثبات الذات الّتي أول إليها؛ إذ لا فرق بينهما، فالواجب إثبات الوجه على ما يليق بجلاله ، كثبوت الذات له من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف، ولا تعطيل، فهذا هو الباب المطّرد الواسع في باب الأسماء والصفات، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، فإنّه حجة البليد، ومستمسك العنيد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
ثمّ استشكل الكرمانيّ ظاهره بأنه يقتضي أن رؤية الله غير واقعة.
وأجاب بأن مفهومه بيان قرب النظر؛ إذ رداء الكبرياء لا يكون مانعًا من الرؤية، فعَبَّر عن زوال المانع عن الإبصار بإزالة المراد انتهى.
وحاصله أن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية، فكأن في الكلام حذفًا تقديره بعد قوله: "إِلَّا رداء الكبرياء"، فإنّه يَمُنّ عليهم برفعه، فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه، فكأنّ المراد أن المؤمنين إذا تبوؤا مقاعدهم من الجنَّة؛ لولا ما عندهم من هيبة ذي الجلال، لمَا
стр. 1720
حال بينهم وبين الرؤية حائل، فإذا أراد إكرامهم حَقّهم برأفته، وتفضل عليهم بتقويتهم على النظر إليه .
قال الحافظ ﵀ بعد ذكر ما تقدّم: ثمّ وجدت في حديث صهيب ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ما يدلُّ على أن المراد برداء الكبرياء حديث أبي موسى ﵀ الحجاب المذكور حديث صهيب ﵁ يعني الحديث الآتي بعد هذا - وأنه سبحانه يكشف لأهل الجنَّة إكرامًا لهم.
وقال القرطبي في "المفهم": الرداء استعارة كَنَى بها عن العظمة، كما في الحديث الآخر. "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري"، وليس المراد الثِّياب المحسوسة، لكن المناسبة أن الرداء والإزار لما كانا متلازمين للمخاطب من العرب، عَبّر عن العظمة والكبرياء بهما.
ومعنى حديث الباب أن مقتضى عزة الله واستغنائه أن لا يراه أحد لكن رحمته للمؤمنين اقتضت أن يريهم وجهه كمالا للنعمة فإذا زال المانع فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء فكأنه رفع عنهم حجابا كان يمنعهم.
قال الجامع عفا الله عنه: دعوى القرطبي الاستعارة غير صحيحة، بل الحديث لا مجاز فيه، بل هو على حقيقته، على ما يليق بجلال الله ، وقد سبق تحقيق هذا غير مرّة، والله تعالى وليّ التوفيق.
ونقل الطّبريّ عن عليّ ﵁ وغيره في قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ قال: هو النظر إلى وجه الله.
(في جَنَّةِ عَدْنٍ) راجع إلى القوم، قاله في "الفتح"، فهو متعلِّق بحال من ضمير "ينظرون"، قاله السنديِّ، وقال عياض: معناه راجع إلى الناظرين، أي وهم في جنة عدن، لا إلى الله، فإنّه لا تحويه الأمكنة سبحانه.
وقال القرطبي: يتعلّق بمحذوف في موضع الحال من "القوم"، مثل كائنين "في جنة عدن".