← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا الحديث برقم (١٨٦) و (١٩٣١) حديث: "لا تُنكَح المرأة على عمّتها، ولا على خالتها". ٥ - (أبوه) عبد الله بن قيس بن سُليم، أبو موسى الأشعريّ الصحابيّ الشهير ﵁ ١٠/ ٨٨، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين إلى أبي بكر، وأبوه كوفيّان. ٣ - (ومنها): أن فيه من اشتهر بكنيته، وهم: أبو عمران، وأبو بكر، وأبوه. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن عبد العزيز، وأبا بكر هذا أول محل ذكرهما من الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لكلّ منهما في هذا الكتاب حديثان فقط، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن قيس ﵁، أنه قال: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ، "جَنَّتَانِ) خبر لمبتدإ محذوف، أي هما جنتان، ويجوز أن يكون مبتدأ، وسوّغ الابتداء بالنكرة وقوعه موقع التفصيل، على حدّ قول الشاعر [من المتقارب]: فَأَقْبَلْتُ زَحْفًا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ ... فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وَثَوْبٌ أَجُرُّ والشاهد "فثوبٌ لبستُ"، وكذلك "وثوبٌ أجرّ" (١). وقوله: (مِنْ فِضَّةٍ) خبر لـ "جنّتان"، على الثّاني، أي كائنان من فضّة، وقوله: (آنِيَتُهُما، وَمَا فِيهِمَا) بدل اشتمال من "جنّتان"، أو من ضمير "كائنتان"، أو "آنيتهما" فاعل بالجارّ والمجرور؛ لاعتماده على مسند إليه، أو "من فضّة" خبر مقدّم، و"آنيتهما" مبتدأ

стр. 1717

مؤخّر، والجملة خبر "جنّتان"، وكذلك إعراب قوله: (وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُما وَمَا فِيهِما) وفي رواية حماد بن سلمة عن ثابت البنانيّ، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، قال حماد: لا أعلمه إِلَّا قد رفعه قال: "جنتان من ذهب للمقربين، ومن دونهما جنتان من ورِقٍ لأصحاب اليمين"، أخرجه الطّبريّ، وابن أبي حاتم، ورجاله ثقات. قال الحافظ: وفي رَدّ على ما حكيته عن التّرمذيّ الحكيم أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ الدنوّ، لا أنهما دون الجنتين المذكورين قبلهما، وصرح جماعة بأن الأوليين أفضل من الأخريين، وعكس بعض المفسرين، والحديث حجة للأولين. قال الطّبريّ: اختُلف في قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ فقال بعضهم: معناه في الدرجة، وقال آخرون: معناه في الفضل. وقوله: "جنتان" إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾، وتفسير له. [فإن قلت]: هذا يدلّ على أن الجنتين من ذهب لا فضّة فيهما، وبالعكس، ويعارضه حديث أبي هريرة ﵁ قلنا: يا رسول الله حَدَّثنا عن الجنَّة ما بناؤها؟ قال: لبنة من ذهب، ولبنة من فضة ... " الحديث، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وصححه ابن حبّان، وله شاهد عن ابن عمر ﵄، أخرجه الطبرانيّ، وسنده حسن، وآخر عن أبي سعيد له، أخرجه البزار، ولفظه: "خَلَقَ الله الجنَّة لبنةً من ذهب، ولبنة من فضة ... " الحديث. [وأجيب]: بأنه يُجمَع بأن الأوّل صفة ما في كلّ جنة من آنية وغيرها، والثّاني صفة حوائط الجنان كلها، ويؤيده أنه وقع عند البيهقي في "البعث" في حديث أبي سعيد ﵁: "إن الله أحاط حائط الجنَّة لبنةً من ذهب، ولبنة من فضة" (١). والله تعالى أعلم بالصواب. (وَمَا) نافية (بَيْنَ الْقَوْمِ) أي أهل الجنّة (وَبَين أَنْ يَنْظروا إِلَى رَبِّهِمْ ﵎

стр. 1718

إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ) قال السنديّ: الظّاهر أن المراد برداء الكبرياء نفس صفة الكبرياء على أن الإضافة بيانيّة، وهذا هو الموافق لحديث: "الكبرياء ردائي" (١)، وحينئذ لا يخفى أن ظاهر هذا الحديث يفيد أنهم لا يرونه تعالى، فإنّه إذا كان رداء الكبرياء مانعًا عن نظر أهل جنّة عدن، فكيف غيرهم؟، وصفة الكبرياء من لوازم ذاته تعالى، لا يمكن زوالها عنه، فيدوم المنع بدوامها، إِلَّا أن يقال: هي مانعة عن دوام النظر، لا عن أصل النظر، على أن معنى قوله: "وبين أن ينظروا" أي وبين أن يُديموا، فلولا هي لدام نظرهم، وذلك لأن المنع من مقتضيات المعاملة بهذه الصِّفَة، وهي غير لازمة، وبهذا صارت صفة الكبرياء مانعةً عن دوام النظر، دون أصله، فليُتأمّل. ويمكن أن يقال: المراد برداء الكبرياء هو المعاملة بمقتضاها، لا نفس صفة الكبرياء، كما هو مقتضى الإضافة؛ إذ الأصل التغاير، لا التباين، وهو المناسب بالتعبير بالرداء، بناءً على أن الرداء عادةً لا يلزم اللابس لزوم الإزار، وحينيذ، فرداء الكبرياء، وإن كان مانعًا من أصل النظر، لكنه غير لازم، فيمكن النظر، وعلى الوجهين فالحديث مسوقٌ لإفادة كمال قرب أهل جنّة عدن منه تعالى. انتهى (٢). وقال المازريّ: كان النّبيّ ﷺ يخاطب العرب بما تَفْهَم، ويُخرِج لهم الأشياء المعنوية إلى الحس؛ ليُقَرِّب تناولهم لها، فعبر عن زوال الموانع ورفعه عن الأبصار بذلك. وقال عياض: كانت العرب تستعمل الاستعارة كثيرًا، وهو أرفع أدوات بديع فصاحتها وإيجازها، ومنه قوله تعالى: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾، فمخاطبة النّبيّ ﷺ برداء

стр. 1719

الكبرياء على وجهه، ونحو ذلك من هذا المعنى، ومن لم يفهم ذلك تاه، فمن أجرى الكلام على ظاهره، أفضى به إلي مر إلى التجسيم، ومن لم يتضح له، وعَلِم أن الله مُنَزَّهٌ عن الّذي يقتضيه ظاهرها، إمّا أن يُكَذِّب نقلتها، وإما أن يؤولها، كأن يقول: استعار لعظيم سلطان الله وكبريائه وعظمته وهيبته وجلاله المانعِ إدراكَ أبصار البشر مع ضعفها لذلك رداءَ الكبرياء، فإذا شاء تقوية أبصارهم وقلوبهم كشف عنهم حجاب هيبته، وموانع عظمته. انتهى ملخصًا. وقال الطيبي: قوله: "على وجهه" حال من "رداء الكبرياء". وقال الكرماني: هذا الحديث من المتشابهات، فإما مُفَوَّضٌ، وإما مُتَأَوَّلٌ بأن المراد بالوجه الذات، والرداء صفة من صفة الذات اللازمة المنزهة عما يشبه المخلوقات. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "متأول بأن المراد بالوجه الذات" هذا التّأويل خطأ، والصواب إجراء النصّ على ظاهره على الوجه اللائق بالله ، فمن فعل ذلك فقد سلك جادّة أهل السنة والجماعة، ولا يستلزم ذلك النقص ولا التشبيه، وأيضًا فلو جاء التشبيه من إثبات الوجه، للزم في إثبات الذات الّتي أول إليها؛ إذ لا فرق بينهما، فالواجب إثبات الوجه على ما يليق بجلاله ، كثبوت الذات له من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف، ولا تعطيل، فهذا هو الباب المطّرد الواسع في باب الأسماء والصفات، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، فإنّه حجة البليد، ومستمسك العنيد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ثمّ استشكل الكرمانيّ ظاهره بأنه يقتضي أن رؤية الله غير واقعة. وأجاب بأن مفهومه بيان قرب النظر؛ إذ رداء الكبرياء لا يكون مانعًا من الرؤية، فعَبَّر عن زوال المانع عن الإبصار بإزالة المراد انتهى. وحاصله أن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية، فكأن في الكلام حذفًا تقديره بعد قوله: "إِلَّا رداء الكبرياء"، فإنّه يَمُنّ عليهم برفعه، فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه، فكأنّ المراد أن المؤمنين إذا تبوؤا مقاعدهم من الجنَّة؛ لولا ما عندهم من هيبة ذي الجلال، لمَا

стр. 1720

حال بينهم وبين الرؤية حائل، فإذا أراد إكرامهم حَقّهم برأفته، وتفضل عليهم بتقويتهم على النظر إليه . قال الحافظ ﵀ بعد ذكر ما تقدّم: ثمّ وجدت في حديث صهيب ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ما يدلُّ على أن المراد برداء الكبرياء حديث أبي موسى ﵀ الحجاب المذكور حديث صهيب ﵁ يعني الحديث الآتي بعد هذا - وأنه سبحانه يكشف لأهل الجنَّة إكرامًا لهم. وقال القرطبي في "المفهم": الرداء استعارة كَنَى بها عن العظمة، كما في الحديث الآخر. "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري"، وليس المراد الثِّياب المحسوسة، لكن المناسبة أن الرداء والإزار لما كانا متلازمين للمخاطب من العرب، عَبّر عن العظمة والكبرياء بهما. ومعنى حديث الباب أن مقتضى عزة الله واستغنائه أن لا يراه أحد لكن رحمته للمؤمنين اقتضت أن يريهم وجهه كمالا للنعمة فإذا زال المانع فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء فكأنه رفع عنهم حجابا كان يمنعهم. قال الجامع عفا الله عنه: دعوى القرطبي الاستعارة غير صحيحة، بل الحديث لا مجاز فيه، بل هو على حقيقته، على ما يليق بجلال الله ، وقد سبق تحقيق هذا غير مرّة، والله تعالى وليّ التوفيق. ونقل الطّبريّ عن عليّ ﵁ وغيره في قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ قال: هو النظر إلى وجه الله. (في جَنَّةِ عَدْنٍ) راجع إلى القوم، قاله في "الفتح"، فهو متعلِّق بحال من ضمير "ينظرون"، قاله السنديِّ، وقال عياض: معناه راجع إلى الناظرين، أي وهم في جنة عدن، لا إلى الله، فإنّه لا تحويه الأمكنة سبحانه. وقال القرطبي: يتعلّق بمحذوف في موضع الحال من "القوم"، مثل كائنين "في جنة عدن".

стр. 1721

وقال الطيبي: قوله: "في جنة عدن" متعلّق بمعنى الاستقرار في الظرف، فيفيد بالمفهوم انتفاء هذا الحصر في غير الجنَّة، وإليه أشار التوربشتي بقوله: يشير إلى أن المؤمن إذا تبوأ مقعده، والحجب مرتفعة، والموانع الّتي تحجب عن النظر إلى ربه مُضْمَحِلَّة إِلَّا ما يصدهم من الهيبة، كما قيل: أَشْتَاقُهُ فَإِذَا بَدَا ... أَطْرَقْتُ مِنْ إِجْلَالِه فإذا حَفّهم برأفته ورحمته، رفع ذلك عنهم تفضلًا منه عليهم (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبو موسى الأشعريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ١٨٦) بهذا السند فقط، وأخرجه (البخاريُّ) (٦/ ١٨١ و ٩/ ١٦٢) و (مسلم) (١/ ١١٢) و (التِّرمذيِّ) رقم (٢٥٢٨) و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٥٢٩) و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤١١ و ٤١٦) و (عبد بن حميد) في "مسنده" (٥٤٥) و (الدارميّ) في "سننه" (٢٨٢) و (ابن أبي عاصم) في "السُّنَّة" رقم (٦١٣) و (الدولابيّ) في "الكنى" (٢/ ٧١) و (ابن منده) (٧٨٠) و (اللالكائي) (٨٣١) و (البيهقي) في "الاعتقاد" (١٣٠) وفي "الأسماء والصفات" (٣٠٢) و (البغويّ) في "شرح السنة" (٤٣٧٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثّالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو إثبات ما أنكرته الجهميّة من صفات الله تعالى، وهي رؤية الله تعالى في الآخرة، وصفة رداء الكبرياء، وصفة

стр. 1722

الوجه أيضًا على ما يليق بجلاله ﷺ . ٢ - (ومنها): إثبات وجود الجنَّة، وأنها مخلوقة الآن. ٣ - (ومنها): إثبات تفاوت الجنَّة فيما بين درجاتها؛ إذ بعضها من الذهب، وبعضها من الفضّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٨٧ - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاج، حَدَّثَنَا حَمَّاد، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: تَلَا رَسُولُ الله ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وَقَالَ: "إِذَا دَخَل أَهْلُ الجنَّةِ الجنّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، نَادَى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الجنَّةِ، إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ الله مَوْعِدًا، يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُونَ: وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ يُثَقِّلِ الله مَوَازِينَنَا؟ وَيُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ وَيُدْخِلْنَا الْجنّةَ؟ وَيُنْجِنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الحجَابَ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَالله مَا أَعَطَاهُمُ الله شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ يَعْنِي إِلَيْهِ - وَلَا أَقرَّ لِأَعْيُنِهِمْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عبد الكبير بن شُعيب بن الحبحاب، أبو بكر الحبحابي المِعْولي العطار البصري، صدوق [١١]. رَوَى عن أبيه، وعمه صالح، وعبد الله بن داود الخُرَيبي، وبشر بن عمر الزهراني، وحجاج بن منهال، وداود بن شبيب، وغيرهم. ورَوى عنه البخاريّ، والترمذي، والنَّسائيّ، وابن ماجه، وأحمد بن منصور الرمادي، وأبو حاتم، وعبدان الأهوازي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي في الرحلة الثّالثة، وسئل عنه، فقال: صدوق، وقال النَّسائيُّ: ثقة، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال مسلمة: لا بأس به، وفي

стр. 1723

"الزهرة": روى عنه البخاريّ أربعة أحاديث، انتهى (١). وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم (١٨٧) و (١٣١٤) و (١٥١١). ٢ - (حَجَّاج) بن المنهال الأنماطيّ، أبو محمّد السَّلَميّ، وقيل: البرساني مولاهم البصريّ، ثقة فاضلٌ [٩]. رَوَى عن جرير بن حازم، والحمادين، وشعبة، وعبد العزيز الماجشون، وهمام، ويزيد بن إبراهيم التستري، وغيرهم. وعنه البخاريّ، وَرَوَى له الباقون بواسطة الدارمي، وبندار، وأبو موسى، وصاعقة، والخلال، والذهلي، وعبد بن حميد، وإسحاق الكوسج، وعبد القدوس الحبحابي، وغيرهم. قال أحمد: ثقة، ما أرى به بأسًا، وقال أبو حاتم: ثقة فاضل، وقال العجلي: ثقة، رجل صالح، وقال النَّسائيُّ: ثقة، وقال خلف بن محمّد كردوس: مات سنة (٢١٦) وكان صاحب سنة يُظهرها، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات في شوال سنة (٢١٧) وكذا أرخه البخاريّ، وابن قانع، وقال: ثقة مأمون، وقال الفلاس: ما رأيت مثله فضلًا ودينًا، وقال أبو داود: إذا اختلفا فعفان وحجاج أفضل الرجلين، وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال ابن منده: ثنا علي بن الحسن، أبو حاتم، ثنا حجاج بن المنهال، وكان من خيار النَّاس. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث برقم (١٨٧) و (٤٦٠) و (٦٥٦) و (٢١٥٠) و (٢٢٠٠) و (٢٢١٧). ٣ - (حَمَّادٌ) بن سلمة البصريّ أبو سلمة ثقة عابدٌ أثبت النَّاس في ثابت، من كبار [٨] تقدّم في ١٤/ ١١٦. ٤ - (ثَابِتٌ الْبُنَانِيِّ) ابن أسلم أبو محمّد البصريّ، ثقة عابدٌ [٤] تقدّم في

стр. 1724

١٤/ ١٥١. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) يسار الأنصاريّ المدنيّ، ثمّ الكوفيّ، ثقة [٢] ٣/ ٢٥. ٦ - (صُهَيْبٌ) بن سِنَان بن مالك، ويقال: خالد بن عبد عمرو بن عُقيل، ويقال: طُفيل بن عامر بن جندلة بن سعد بن خُزيمة بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس بن زيد مناة بن النمر بن قاسط النمريّ، أبو يحيى، وقيل: أبو غَسَّان النَّمَريُّ المعروف بالرُّوميّ، أصله من النِّمِر بن قاسط سَبَتْهُ الروم من نِينوَى، وزعم عُمارة بن وَثِيمة أن اسمه عبد الملك، وقال ابن سعد: كان أبوه أو عمه عاملًا لكسرى على الأُبُلَّة، فسبت الروم صُهيبًا، وهو غلام، فنشأ بينهم فابتاعه كلب منهم، فاشتراه عبد الله بن جُدْعان التيمي منهم، فأعتقه، ويقال: بل هَرَب صهيب من الروم إلى مكّة، فحالف عبد الله بن جُدعان، وأسلم قديمًا، وهاجر، فأدرك النّبيّ ﷺ بقباء، وشَهِد بدرًا والمشاهد بعدها، وروى عن النّبيّ ﷺ ، وعن عمر وعلي ﵄، وعنه بنوه: حبيب، وحمزة، وسعد، وصالح، وصيفي، وعباد، وعثمان، ومحمد، وابن عمر، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وإبراهيم ابن عبد الرّحمن بن عوف، وأسلم مولى عمر، وعبد الرّحمن بن أبي ليلى، وكعب الأحبار، وسعيد بن المسيَّب، وشعيب بن عمرو بن سليم، وابن ابنه زياد بن صيفي بن صهيب. وغيرهم، قال ابن سعد: مات بالمدينة في شوال سنة ثمان وثلاثين، وقيل: بلغ (٧٣) سنة، وقال يعقوب بن سفيان: وهو ابن (٨٤) سنة، وصلّى عليه سعد بن أبي وقّاص، وقال أبو زكريا الموصلي في "الطبقات": كان من المستضعفين بمكة، والمعذبين في الله، أسلم بعد بضعة وثلاثين رجلًا، وقال أنس: قال النّبيّ ﷺ : "صهيب سبق الروم"، وقيل: فيه نزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، وإليه أوصى عمر أن يصلّي بالناس، حتّى يجتمع أهل

стр. 1725

الشورى على رجل (١). روى له الجماعة، وله أحاديث، منها عند البخاريّ حديث، وعند مسلم ثلاثة أحاديث، وعند المصنّف في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم (١٨٧) و (٢٢٨٩) و (٢٤١٠) و (٣٤٤٣) و (٣٦٢٥) و (٣٧٣٨). والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصّحيح. ٣ - (ومنها) أنه مسلسل بالبصريين إلى عبد الرّحمن، فمدنيّ، ثمّ كوفيّ، وصهيب ﵁ فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن حماد بن سلمة أثبت من روى عن ثابت. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ثابت عن ابن أبي ليلى. ٧ - (ومنها): أن شيخه، وحجاجًا، وصهيبًا هذا أول محلّ ذكرهم في الكتاب، وقد ذكرت ما لكل واحد من الحديث فيه آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن صُهَيْبٍ) ﵁، أنه (قَالَ: تَلَا رَسُول الله ﷺ هَذِهِ الآيةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وَقَالَ) ظاهر هذه الرِّواية أنه قرأ الآية أوّلًا، ويخالفه ما في مسلم، ولفظه: أن النّبيّ ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنَّة الجنَّة يقول الله : تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تُبَيِّض وجوهنا، وتدخلنا الجنَّة؟ قال: فيكشف لهم الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحب إليهم منه"، ثمّ تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، إذ هو ظاهر في أنه أخّر قراءة الآية، لكن لا تعارض بينهما؛ لأن

стр. 1726

الواو في رواية المصنّف لا ترتّب، فتُحمل على رواية مسلم بـ "ثُمّ"، فتأمل. ثمّ إن تفسير الآية الكريمة بهذا الحديث هو الصّحيح، وقد فُسّرت بما هو أعمّ، قال الحافظ ابن كثير ﵀ في "تفسيره": يُخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح الحسنى في الدَّار الآخرة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وزيادة على ذلك أيضًا، ويشمل ما يُعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قرة أعين، وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم، فإنّه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه، لا يستحقونها بعملهم بل بفضله ورحمته، وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي بكر الصديق، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عبّاس، وسعيد بن المسيَّب، وعبد الرّحمن بن أبي ليلى، وعبد الرّحمن ابن سابط، ومجاهد، وعكرمة، وعامر بن سعد، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسُّدّيّ، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم من السلف والخلف، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة عن النّبيّ ﷺ ، ثمّ أورد حديث صهيب ﵁ من رواية الإمام أحمد، ثمّ قال: وهكذا رواه مسلم، وجماعة من الأئمة من حديث حماد بن سلمة به. وقال ابن جرير: حدثني يونس، أَخْبَرَنَا ابن وهب، أَخْبَرَنَا شبيب، عن أبان، عن أبي تميمة الْهُجَيمي أنه سمع أبا موسى الأشعري ﵁ يحدث عن رسول الله ﷺ إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي يا أهل الجنَّة، بصوت يَسمع أولهم وآخرهم، إن الله وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى الجنَّة، والزيادة النظر إلى وجه الرّحمن "، ورواه أيضًا ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر الُهذَلِيُّ، عن أبي تميمة الهجيمي به. وقال ابن جرير أيضًا: حَدَّثَنَا ابن حميد، حَدَّثَنَا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن عطاء، عن كعب بن عُجرة ﵁، عن النّبيّ ﷺ في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "النظر إلى وجه الرّحمن ".

стр. 1727

وقال أيضًا: حَدَّثَنَا ابن عبد الرحيم، حَدَّثَنَا عمر بن أبي سلمة، سمعت زهيرًا، عمن سمع أبا العالية، حَدَّثَنَا أُبي بن كعب أنه سأل رسول الله ﷺ ، عن قول الله : : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "الحسنى الجنَّة، والزيادة النظر إلى وجه الله "، ورواه ابن أبي حاتم أيضًا من حديث زهير به. انتهى (١). ("إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجنَّةِ الجُنّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، نَادَى مُنَادٍ) أي ملك بأمر الله (يَا أَهْلَ الجنَّةِ) أي يقول: "يا أهل الجنَّة"، فهو تفسير للنداء (إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ الله مَوْعِدًا، يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ) بضمّ أوله من الإنجاز، وهو الإيفاء، أي يُوفِيكم، ويعطيكم إياه (فَيَقُولُونَ: وَمَا هُوَ؟ أَلمْ يُثَقِّل اللهُّ مَوَازِينَنَا؟) من التثقيل، وفيه إشارة إلى أنهم ينسون الوعد بالرؤية، وأن الله تعالى يُزيل عن قلوبهم الحرص، ويُعطيهم ما لا يَطمعون المزيد عليه، ويُرضيهم بفضله (٢). وقال القرطبيّ: قوله: "ألم يُبَيِّضْ وجوهنا إلخ" هذا لا يليق بمن مات على كمال المعرفة والمحبّة والشوق، وإنّما يليق ذلك بمن مات بين الخوف والرجاء، فلما حصل على الأمن من المخوف، والظفَر بالمرجوّ الّذي كان تشوّق إليه قَنِعَ به، ولَهَا عن غيره، وأما من مات محبًّا لله، مشتاقا لرؤيته، فلا يكون همّه إِلَّا طلب النظر لوجهه الكريم لا غيرُ، ويدلُّ على صحّة ما قلته أن المرْء يُحشر على ما يموت عليه، كما عُلم من الشّريعة، بل أقول: إن من مات مشتاقًا لرؤية الله تعالى لا يُنبَّه بالسؤال، بل يُعطيه أمنيّته ذو الفضل والإفضال، ومذهب أهل السنة بأجمعهم أن الله تعالى ينظر إليه المؤمنون في الآخرة بأبصارهم، كما نطق بذلك الكتاب، وأجمع عليه سلف الأمة، ورواه بضعة عشر من الصّحابة ﵃ عن النبيّ ﷺ ، ومنع ذلك فِرَقٌ من المبتدعة، منهم المعتزلة، والخوارج، وبعض المرجئة؛ بناءً منهم على أن الرؤية يلزمها شروط اعتقدوها عقليّة، كاشتراط

стр. 1728

البنية المخصوصة والمقابلة، واتّصال الأشعّة، وزوال المانع من القرب المفرط، والْبُعد المفرط، والحُجُب الحائلة، في خَبْط لهم وتحكّم، وأهلُ الحقّ لا يشترطون شيئًا من ذلك عقلًا سوى وجود المرئيّ، وأن الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائي، فيرى المرئيّ، لكن يقترن بالرؤية بحكم العادة أحوال يجوز في العقل شرعًا تبدّلها. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "لا يليق بمن مات إلخ" فيه نظر لا يخفى؛ لأن نصّ الحديث مطلق، لم يفرّق بين طائفة، وطائفة، وأيضًا استدلاله على ذلك بأن من مات يُحشر إلخ محلّ نظر أيضًا؛ لأن الكلام ليس في الحشر، وإنما هو بعد دخول الجنَّة، والاستقرار فيها، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب. (وَيُبَيِّضْ) من التبييض (وُجُوهَنَا؟ وَيُدْخِلْنَا) بضم أوله، من الإدخال (الجَنَّةَ؟ وَيُنْجِنَا) من الإنجاء، أو من التنجية، قال السنديّ ﵀: وفي بعض النسخ: "وينجينا" بإثبات الياء، كما في الترمذيّ، مع أنه معطوف على المجزوم، إمّا للإشباع، أو للتنزيل منزلة الصّحيح. انتهى (٢) (مِنَ النَّارِ؟ قَالَ) ﷺ (فَيَكْشِفُ الحجَابَ) أي يزيله، ويرفعه، والظاهر أنه رداء الكبرياء الّذي تقدّم في حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁، وقال السنديّ: لا تعارض بين الأحاديث الّتي وردت في الرؤية مختلفةً في الكيفيّة؛ لكونها تكون مرات متعدّدةً. انتهى (فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ) أي إلى الله (فَوَالله مَا أَعَطَاهُمُ الله شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ -يَعْنِي إِلَيْهِ-) العناية من بعض الرواة، وَلم يتبيّن لي من هو؟، ولفظ مسلم: "فما أُعطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربّهم" (وَلَا أَقرَّ لِأَعْيُنِهِمْ") و"أُقَرّ" من قرّت عينه تَقِرّ -بفتح القاف، وكسرها، من بابي عَلِمَ، وتَعِبَ-. قال في "القاموس": وقرّت عينه تَقَرُّ بالكسر والفتح قَرَّةً -بالفتح- وتُضمّ،

стр. 1729

وقُرُورًا: بَرَدَت، وانقطع بكاؤها، أو رأت ما كانت متشوّفةً إليه. انتهى (١). وقال في "اللسان": واختلفوا في اشتقاق ذلك، فقال بعضهم: معناه بَرَدَت، وانقطع بكاؤها، واستحرارها بالدمع، فإن للسرور دَمْعَةً باردةً، وللحزن دَمعةً حازة، وقيل: من الْقَرَار، أي رأت ما كانت متشوّفةً إليه، فقرّت ونامت، وأقرّ الله عينه وبعينه، وقيل: أعطاه حتّى تقرّ، فلا تطمح إلى من هو فوقه. وقيل: أَقرّ الله عينه مشتقّ من الْقَرُور، وهو الماء البارد، وقيل: أقرّ الله عينك، أي صادفت ما يُرضيك، فتقرّ عينك من النظر إلى غيره، وقيل: أقرّ الله عينه أنام الله عينه، والمعنى صادف سُرورًا، يُذهب سَهَره، فينام. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث صهيب ﵁ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثّانية): في الكلام على هذا الحديث: هذا الحديث هكذا رواه المصنِّف، ومسلم في "صحيحه"، والترمذي في "جامعه"، وغيرهم من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن ابن أبي ليلى، عن صهيب ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال أبو عيسى الترمذيّ، وأبو مسعود الدمشقيّ، وغيرهما: لم يروه هكذا مرفوعًا عن ثابت غير حماد بن سلمة، ورواه سليمان بن المغيرة، وحماد بن زيد، وحماد بن واقد، عن ثابت، عن ابن أبي ليلى من قوله، ليس فيه ذكرُ النبيّ ﷺ ، ولا ذكرُ صهيب ﵁. قال النوويّ ﵀ في "شرح مسلم": وهذا الّذي قاله هؤلاء ليس بقادح في صحّة الحديث، فقد قدّمنا في الفصول أن المذهب الصّحيح المختار الّذي ذهب إليه

стр. 1730

الفقهاء، وأصحاب الأصول، والمحقّقون من المحدّثين، وصححه الخطيب البغداديّ أن الحديث إذا رواه بعض الثقات متّصلًا، وبعضهم مرسلًا، أو بعضهم مرفوعًا، وبعضهم موقوفًا حُكم بالمتّصل وبالمرفوع؛ لأنهما زيادة ثقة، وهي مقبولة عند الجماهير من كلّ الطَّوائف. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الّذي قاله النوويّ ﵀ من إطلاقه القول بقبول زيادة الثقة مطلقًا، وكذا الحكم للموصول والمرفوع على الإطلاق، ليس هو المختار عند المحَقِّقين من المحدّثين، بل المختار عندهم أن القبول يدور مع القرائن، فإن قامت قرينة لترجيح الوصل والرفع على ضدّهما حكم به، وإلا فلا، وكذا القول في زيادة الثقة، وقد ذكرت تحقيق ذلك في "شرح مقدمة مسلم"، فراجعه تستفد. ثمّ إن ما قاله النووي من الترجيح هنا مقبول؛ لأن الّذي وصله هو حماد بن سلمة، وهو مقدّم في ثابت على غيره، فترجّح روايته. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح علل الترمذيّ" في ذكر طبقات أصحاب ثابت البنانيّ: الطبقة الأولى الثقات، كشعبة، وحماد بن زيد، وسليمان بن المغيرة، وحماد بن سلمة، ومعمر، وأثبت هؤلاء كلهم في ثابت حماد بن سلمة، كذا قال أحمد في رواية ابن هانىء: ما أحدٌ روى عن ثابت أثبتُ من حماد بن سلمة. وقال ابن معين: حماد بن سلمة أثبت النَّاس في ثابت البنانيّ، وقال أيضًا: حماد بن سلمة أعلم النَّاس بثابت، ومن خالف حماد بن سلمة في ثابت فالقول قول حماد. وقال ابن المدينيّ: لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة، ثمّ من بعده سليمان بن المغيرة، ثمّ من بعده حماد بن زيد، وهي صحاح، يعني أن أحاديث هؤلاء الثّلاثة عن ثابت. وقال أبو حاتم الرازيّ: حماد بن سلمة في ثابت وعليّ بن زيد أحبّ إليّ من همّام، وهو أحفظ النَّاس، وأعلم النَّاس بحديثهما، بَيّن خطأ النَّاس، يعني أن من

стр. 1731

خالف حمادًا في حديث ثابت وعليّ بن زيد قُدِّم قول حماد عليه، وحُكم بالخطأ على مخالفه. وحَكَى مسلم في "كتاب التمييز" إجماع أهل المعرفة على أن حماد بن سلمة أثبت النَّاس في ثابت، وحَكى ذلك عن يحيى القطان، وابن معين، وأحمد، وغيرهم من أهل المعرفة. وقال الدارقطنيّ: حماد بن سلمة أثبت النَّاس في ثابت. انتهى ما ذكره ابن رجب رحمه الله تعالى (١). قلت: فتبيّن بهذا أن رواية حماد بن سلمة بالوصل والرفع هي الراجحة، ولذلك أودعها الإمام مسلم ﵀ في "صحيحه"، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثّالثة): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ١٨٧) بهذا السند فقط، وأخرجه (مسلم) (١١٢١) رقم (٤٤٨ و ٤٤٩) و (الترمذيّ) رقم (٢٥٥٢) و (٣١٠٥) و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" رقم (١٤١٥) و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٣٢ و ٦/ ١٥) و (هناد بن السريّ) في "الزهد" (١٧١) و (ابن أبي عاصم) في "السنة" (٤٧٢) و (عبد الله بن أحمد) في "السنّة". (٢٧١) و (الطّبريّ) في "التفسير" (١٧٦٢٦) و (أبو عوانة) في "صحيحه" ١/ ١٥٦ و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٧٣١٤ و ٧٣١٥) و (ابن منده) (٧٨٢ و ٧٨٤ و ٧٨٦ و ٨٧٥ و (اللالكائيّ) (٧٧٨ و ٨٣٣) و (البيهقيّ) في "البعث والنشور" (٤٤٦) و"الاعتقاد" (١٢٤) وفي "الأسماء والصفات" (٣٠٧) و (البغويّ) في "شرح السنة" (٤٣٩٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الرّابعة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان ما أنكرته الجهميّة من الصفات، فقد بين الحديث رؤية المؤمنين لله في الجنَّة.

стр. 1732

٢ - (ومنها): بيان المراد من ﴿الْحُسْنَى﴾ والزيادة في هذه الآية الكريمة، وهو أولى ما فُسّرت به. ٣ - (ومنها): إكرم الله عباده المؤمنين بندائهم لإنجاز موعده لهم. ٤ - (ومنها): أن النظر إلى وجهه الكريم أعظم ما يُعطاه العبد من نعيم الجنَّة، فكلّ نعم الجنَّة دونه، اللَّهُمَّ اجعلنا ممّن تُعطيه النظر إلى وجهك الكريم في جنات النعيم آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٨٨ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: الحَمْدُ لله الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَا في نَاحِيَةِ الْبَيْتِ تَشْكُو زَوْجَهَا، وَمَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، فَأَنَزَلَ الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عِليٌّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطَّنافسيّ الكوفيّ ثقة عابد [١٠] ٩/ ٥٧. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمّد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة أحفظ النَّاس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] ١/ ٣. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، أبو محمّد الكاهليّ مولاهم الكوفيّ، ثقة حافظ ورع يدلّس [٥] ١/ ١. ٤ - (تَميمُ بْنُ سَلَمَةَ) السلميّ الكوفيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن سليمان بن صُرَد، وشُرَيح بن الحارث القاضي، وعبد الرّحمن بن هلال العبسي. ورَوَى عنه الأعمش، ومنصور، وطلحة بن مُصَرِّف، وأبو صَخْرة جامع بن شداد، وجماعة. قال ابن معين والنَّسائيّ: ثقة. وقال ابن أبي عاصم وغيره: مات سنة (١٠٠)

стр. 1733

وكذا قال ابن سعد، قال: وكان ثقة، وله أحاديث. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وفَرّق بينه وبين تميم بن سَلَمة الخزاعي، روى عن جابر بن سَمُرة، وعنه المسيَّب بن رافع، قال: وهو الّذي روى عن عروة بن الزبير. رَوَى له البخاريّ في التعاليق، ومسلم، وأبو داود، والنَّسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا الحديث (١٨٨) وأعاده برقم (٢٠٦٣) و (٣٦٨٧) حديثا جرير بن عبد الله البجليّ ﵁، مرفوعًا. مرفوعًا: "من يُحْرَم الرفقَ يُحْرَم الخير". ٥ - (عُرْوَةُ بنُ الزُبَيْرِ) بن العوّام الأسديّ، ثقة فقيه مشهور [٣] ٢/ ١٥. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ١/ ١٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنِّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصّحيح، غير شيخه، وهو ثقة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين إلى تميم، والباقيان مدنيان. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض: الأعمشُ عن تميم، عن عروة. ٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. ٦ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وقد روى عن خالته، وهو أحفظ وأكثر من روى عنها. ٧ - (ومنها): أن أبا معاوية أحفظ من روى عن الأعمش بعد الثوريّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ)، أنها (قَالَتِ: الحَمْدُ لله الَّذِي وَسِعَ) بكسر السين المهملة، كسمِعَ (سَمْعُهُ) بالرفع على الفاعليّة (الْأَصْوَاتَ) بالنصب على المفعوليّة، وفي الرِّواية الآتية في

стр. 1734

"الطّلاق" (٢٠٦٣) من طريق محمّد بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن الأعمش: "تبارك الّذي وسع سمعه كلّ شيء"، أي يسمع كلّ الأصوات، وأحاط سمعه بالأصوات كلها، فلا يخفى عليه شيءٌ منها في الأرض ولا في السَّماء، جهر به المتكلّم، أو أسرّ، وهذا من عائشة ﵂ ثناء على الله تعالى حين ظهر عندها آثار سعة سمعه، وهذا لا يدلّ على أنها كانت ليست عالمة بذلك قبلُ حتّى يقال: كيف خفي على مثلها هذا الأمر؟. قاله السنديّ (١) (لَقَدْ جَاءَتِ المُجَادِلَةُ) بكسر الدال، أي المرأة الّتي تجادل في مظاهرة زوجها لها، وهي خولة بنت ثعلبة، كما في الرِّواية الآية: "إنِّي لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويَخفَى علي بعضه إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . أخرج قصّتها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" بطولها (٢٦٠٥٦): حَدَّثَنَا سعد ابن إبراهيم، ويعقوب قالا: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا محمّد بن إسحاق، قال: حدثني معمر بن عبد الله بن حنظلة، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خولة بنت ثعلبة، قالت: والله فِيَّ وفي أوس بن صامت أنزل الله صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عنده وكان شيخًا كبيرًا، قد ساء خلقه وضَجِرَ، قالت: فدخل عليّ يومًا، فراجعته بشيء فغضب، فقال: أنت علي كظهر أمي، قالت: ثمّ خرج فجلس في نادي قومه ساعةً، ثمّ دخل عليّ، فإذا هو يريدني على نفسي، قالت: فقلت كلا والذي نفس خويلة بيده لا تخلص إلي، وقد قلت ما قلت، حتّى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه، قالت: فواثبني، وامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشّيخ الضعيف، فألقيته عني، قالت: ثمّ خرجت إلى بعض جاراتي، فاستعرت منها ثيابها، ثمّ خرجت حتّى جئت رسول الله ﷺ ، فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيت منه، فجعلت أشكو إليه ﷺ ما ألقى من سوء خلقه، قالت: فجعل رسول الله ﷺ يقول: "يا خويلة ابن عمك شيخ كبير، فاتقي الله فيه"، قالت: فوالله ما بَرَحت حتّى نزل فِيّ القرآن، فتغشى رسول الله ﷺ ما كان

стр. 1735

يتغشاه، ثمّ سُرِّي عنه، فقال لي: يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك، ثمّ قرأ عليّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]، إلى قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فقال لي رسول الله ﷺ : "مُرِيه فليُعتِق رقبةً"، قالت: فقلت: والله يا رسول الله ما عنده ما يُعتق، قال: "فليصم شهرين متتابعين"، قالت: فقلت: والله يا رسول الله إنّه شيخ كبير، ما به من صيام، قال: "فليطعم ستين مسكينا وسقًا من تمر"، قالت: قلت: والله يا رسول الله ما ذاك عنده، قالت: فقال رسول الله ﷺ : "فإنا سنعينه بعرق من تمر"، قالت: فقلت: وأنا يا رسول الله سأعينه بعرق آخر، قال: "قد أصبتِ، وأحسنت، فاذهبي فتصدقي عنه، ثمّ استوصي بابن عمك خيرًا"، قالت: ففعلت. والحديث، وإن تكلّم فيه بعضهم إِلَّا أنه صحيح، راجع ما كتبته على النَّسائيّ (١). (وَأَنا) جملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أنا جالسة (في نَاحِيَةِ الْبَيْتِ) أي في جانب من جوانب بيتها، قال في "المصباح": "الناحية": الجانب، فاعلةٌ بمعنى مفعولة؛ لأنك نَحَوْتهَا: أي قصدتها (٢) (تَشْكُو زَوْجَهَا) جملة في محلّ نصب على الحال من "المجادلةُ" (وَمَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ) أي لعدم رفعها له، بل كانت تُسرّ به إلى النبيّ ﷺ ، ولا تريد أن يسمعه غيره (فَأَنزَلَ الله) ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] وفي الرِّواية المذكورة: "وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ ، وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتّى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي ظاهر مني، اللَّهُمَّ إنِّي أشكو إليك، فما بَرِحت حتّى نزل جبرائيل بهؤلاء الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 1736

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة هذا صحيح. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ١٨٨) بهذا السند وفي "كتاب الطّلاق" باب الظهار" (١/ ٦٦٦) رقم (٢٠٦٣) وأخرجه النَّسائيُّ ٦/ ١٦٨ و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٦) و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١٥١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثّالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان ما أنكرته الجهمية من صفات الله تعالى، وهو صفة السميع، فقد أثبته الله بقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ الآية، وأثبتته عائشة رضي الله تعالى عنها بقولها: "الحمد لله الّذي وسِع سمعه الأصوات". قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "كتاب التّوحيد" من "صحيحه": ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. قال ابن بطّال ﵀: غرض البخاريّ ﵀ في هذا الباب الردّ على من قال: إن معنى "سميع بصير" عليم، قال: ويلزم من قال ذلك أن يسويه بالأعمى الّذي يَعْلَم أن السَّماء خضراء ولا يراها، والأصم الّذي يَعلَم أن في النَّاس أصواتًا ولا يسمعها، ولا شك أن من سمع وأبصر أدخلُ في صفة الكمال ممّن انفرد بأحدهما دون الآخر، فصَحَّ أن كونه سميعًا بصيرًا يفيد قدرًا زائدًا على كونه عليمًا، وكونه سميعًا بصيرًا يتضمن أنه يسمع بسمع ويبصر ببصر، كما تضمن كونه عليمًا أنه يعلم بعلم، ولا فرق بين إثبات كونه سميعًا بصيرًا، وبين كونه ذا سمع وبصر، قال: وهذا قول أهل السنة قاطبة. انتهى.

стр. 1737

قال الحافظ ﵀: واحتج المعتزلي بأن السمع يَنشَأ عن وصول الهواء المسموع إلى العصب المفروش في أصل الصماخ، والله مُنَزَّه عن الجوارح. وأجيب بأنها عادة أجراها الله تعالى فيمن يكون حيًّا، فيخلقه الله عند وصول الهواء إلى المحل المذكور، والله يسمع المسموعات بدون الوسائط، وكذا يرى المرئيّات بدون المقابلة، وخروج الشعاع، فذات الباري مع كونه حيًّا موجودًا لا تشبه الذوات، فكذلك صفات ذاته لا تُشبه الصفات. وقال البيهقي في "الأسماء والصفات": السميع مَنْ له سمع يُدرك به المسموعات، والبصير من له بصر يدرك به المرئيات، وكل منهما في حق الباري صفة قائمة بذاته، وقد أفادت الآية، وأحاديث الباب الرَّدِّ على من زعم أنه سميع بصير بمعنى عليم، ثمّ ساق حديث أبي هريرة ﵁ الّذي أخرجه أبو داود بسند قوي على شرط مسلم، من رواية أبي يونس، عن أبي هريرة ﵁: رأيت رسول الله ﷺ يقرؤها -يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ - إلى قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، ويضع إصبعه، قال أبو يونس: وضع أبو هريرة إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه، قال البيهقي: وأراد بهذه الإشارة تحقيق إثبات السمع والبصر لله ببيان محلهما من الإنسان، يريد أن له سمعًا وبصرًا، لا أن المراد به العلم، فلو كان كذلك لأشار إلى القلب؛ لأنه محل العلم، ولم يُرد بذلك الجارحة، فإن الله تعالى مُنَزَّه عن مشابهة المخلوقين، ثمّ ذكر لحديث أبي هريرة ﵁ شاهدًا من حديث عقبة بن عامر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "إن رَبَّنَا سميع بصير"، وأشار إلى عينيه، وسنده حسن. ذكره في "الفتح" (١). قلت: ولتمام البحث في الحديث راجع "شرح النَّسائيّ" في "باب الظهار"، تستفد ٢٩/ ٧١ - ٧٢.

стр. 1738

٢ - (ومنها): بيان رأفة الله تعالى بخلقه، حيث استجاب دعوة هذه المرأة المتضرّرة من جفاء زوجها لها بسبب الظهار، فأزال الله تعالى عنها ذلك بما شرعه من الكفّارة، فعاد إليها كما كان. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النّبيّ ﷺ من سعة الخلق حيث يخلو بهذه المرأة، ويقضي حاجتها، فكان ذلك مصداق قوله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. ٤ - (ومنها): جواز شكوى المرأة زوجها إلى الإمام أو غيره في إلحاق الضرر بها حتّى يُصلح بينهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٨٩ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "كتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ بِيَدِهِ، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي". رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) الذُّهْليّ النيسابوريّ الحافظ الحجة [١١] ٢/ ١٦. ٢ - (صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى) الزهريّ، أبو محمّد البصريّ الْقَسَّامُ، ثقة [٩]. رَوَى عن يزيد بن أبي عبيد، وعبيد الله بن سعيد بن أبي هند، ومحمد بن عجلان، وهشام بن حسان، وعبد الله بن هارون، وأبي نَعَامة عمرو بن عيسى العدوي، وهاشم ابن هاشم، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق بن راهويه، وعليّ، وأبو بكر بن أبي شيبة، وبندار، وأبو موسى، وعباس بن عبد العظيم العنبري، وأحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، والذُّهلي، وأبو قُدَامة السرخسيّ، وعبد بن حميد، وغيرهم. قال: أبو حاتم: صالح. وقال ابن سعد: كان ثقةً صالحًا، توفي بالبصرة سنة مائتين

стр. 1739

في خلافة هارون. وقال البخاريّ: مات سنة (١٩٨). وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: مات سنة ثمان وتسعين، أو أول سنة (٩٩)، وقيل: سنة مائتين، وقيل: سنة (٢٠٨) في أول رجب، وكان من خيار عباد الله. وقال العجليّ: بصري ثقة. وكتب الذهبي ﵀ أن قول من قال: إنّه مات سنة (٢٠٨) غلط. روى له البخاريّ في التعاليق، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٣ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو محمّد بن عجلان المدنيّ، صدوق [٥] ٢/ ١٩. ٤ - (أَبُوه) عجلان مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة المدنيّ، لا بأس به [٤]. رَوَى عن مولاته، وأبي هريرة، وزيد بن ثابت، ورَوَى عنه ابنه محمّد، وبُكير بن عبد الله ابن الأشجّ، وإسماعيل بن أبي حبيبة إن كان محفوظًا. قال النَّسائيّ: لا بأس به. وقال الآجريّ، عن أبي داود: لم يرو عنه غير ابنه محمّد. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". روى له البخاريّ في التعاليق، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط برقم ١٨٩ و ٣٤٤ و ١١٢٧ و ٢٥٧٥ و ٢٦٨٧ و ٤١٣١ و ٤٢٩٥. ٥ - (أَبُو هرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ﵁ ١/ ١، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصّحيح، فابن عجلان وأبوه ممّن علّق لهم البخاريُّ، وأخرج لهم مسلم في المتابعات. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.

стр. 1740

شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ بِيَدِهِ) ظاهر في أنه كتبه بيده، كما صحّ أنه كتب التوراة لموسى بيده، وقد قدّمنا غير مرّة أن الحقّ أن لله يدًا كما أثبتها لنفسه في كتابه، وأثبتها له النبيّ ﷺ في الأحاديث الصحاح، كهذا الحديث وغيره، أما ما ذكره في "الفتح" في "كتاب بدء الخلق"، وفي "كتاب التوحيد" في شرح هذا الحديث من التأويلات الزائفهّ المخالفة لطريق السلف فَمِمَّا يجب الحذر عنه، ولولا مخافة التطويل لأوردته، مع التعليق عليه، ولكن يكفي اللبيب التلميح، فإنّه يفهم بالإشارة ما لا يفهمه الغبي بألف عبارة (قَبْلَ أَنْ يَخَلُقَ الْخَلْقَ) وفي رواية البخاريّ من طريق الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: "لمّا قَضَى الله الخلق، كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي". ولا تنافي بين الروايتين؛ لإمكان حمل قوله: "لمّا قضى إلخ" أي أراد أن يقضي، فهو قبل الخلق، والله تعالى أعلم. (رَحْمَتِي) مبتدأ خبره قوله: (سَبَقَتْ غَضَبِي) وفي رواية البخاريّ المذكورة: "غَلَبت" بدل سبقت، والغلبة هي المراد بـ "سبقت" هنا. قيل: المعنى أن تعلّق الرّحمة غالبٌ سابقٌ على تعلّق الغضب؛ لأن الرّحمة مقتضى ذاته المقدّسة، وأما الغضب فإنّه متوقّف على سابق عمل من العبد، وبهذا يندفع استشكال من أورد وقوع العذاب قبل الرّحمة في بعض المواطن، كمن يدخل النّار من الموحّدين، ثمّ يخرج بالشفاعة أو غيرها. وقيل: معنى الغلبة الكثرة والشمول، تقول غلب على فلان الكرم، أي أكثر أفعاله، وهذا كلّه بناءٌ على أن الرّحمة والغضب من صفات الذات، وقال بعض العلماء: الرّحمة والغضب من صفات الفعل، لا من صفات الذات، ولا مانع من تقدّم بعض الأفعال على بعض، فتكون الإشارةُ بالرّحمة إلى إسكان آدم ﵇ الجنّة أَوَّلَ ما خُلق مثلًا، ومقابلها ما وقع من إخراجه منها، وعلى ذلك استمرّت أحوال الأمم بتقديم الرّحمة في

стр. 1741

خلقهم بالتوسيع علمهم من الرزق وغيره، ثمّ يقع بهم العذاب على كفرهم، وأما ما أشكل من أمر من يُعذّب من الموحدين، فالرّحمة سابقةٌ في حقّهم أيضًا، ولولا وجودها لخُلّدوا أبدًا. وقال الطيبيّ: في سبق الرّحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب، وأنها تنالهم من غير استحقاق، وأن الغضب لا ينالهم إِلَّا باستحقاق، فالرّحمة تشمل الشخص جَنِينًا ورضيعًا وفَطِيمًا وناشئًا قبل أن يصدر منه شيء من الطّاعة، ولا يلحقه الغضب إِلَّا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحقّ معه ذلك. انتهى (١). وقال السنديّ. قوله: "كتب على نفسه" يدلّ على أنه ساق هذا الكلام على أنه وَعَدَ بأنه سيُعامل بالرّحمة ما لا يُعامل بالغضب، لا أنه إخبار عن صفة الرّحمة والغضب بأن الأُولى دون الثّانية؛ لأن صفاته كلها كاملة عظيمة، ولأن ما فَعَلَ من آثار الأولى فيما سبق أكثر ممّا فَعَل من آثار الثّانية. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قرّر السنديّ، لكن فيه ما المانع من كون الأولى دون الثّانية، كما دلّ عليه ظاهر السياق، فتبصّر، والله تعالى أعلم. قال: ولا يُشكل هذا الحديث بما جاء أن الواحد من الألف يدخل الجنَّة، والبقيّة النّار. إِمّا لأنه يعامل بمقتضى الرّحمة ولا يعامل بمقتضى الغضب، كما قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]، وقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. وإِما لأن مظاهر الرّحمة أكثر من مظاهر الغضب، فإن الملائكة كلهم مظاهر الرّحمة، وهم أكثر خلق الله، وكذا ما خلق الله في الجنَّة من الحور والوالدان وغير ذلك.

стр. 1742

انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه، فقد أخرجه البخاريّ من رواية أبي رافع، وأبي صالح، كلاهما عن أبي هريرة ﵁، وأخرجه مسلم من رواية عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة ﵁، فلا يقال: إن محمّد بن عجلان متكلّم فيه في حديث أبي هريرة ﵁، فتفطّن. والله تعالى أعلم. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ١٨٩) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (البخاريّ) (٤/ ١٢٩ و ٩/ ١٥٣ و ١٦٥) و (مسلم) (٨/ ٩٥) و (الترمذيّ) (٣٥٤٣) و (النَّسائيّ) في "الكبرى" و (الحميديّ) في "مسنده" (١١٢٦) و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٢ و ٢٥٧ و ٢٥٩ و ٣١٣ و ٣٥٨ و ٣٨١ و ٣٩٠ و٤٣٣ و ٤٦٦) والله تعالى أعلم. (المسألة الثّالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما أنكرته الجهميّة من الصفات، وهو هنا إثبات صفة الكتابة، واليد، والرّحمة، والغضب، على ما يليق بجلاله ، ولا التفات إلى من فسّر الغضب باللازم، فقال: هو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب، كما مشى عليه في "الفتح" وغيره؛ لأن ذلك من التأويلات الّتي مشى عليها المتأخرون من الأشاعرة وغيرهم، وهو مخالف لهدي السلف، فإن مذهبهم التمسّك بظواهر الكتاب والسُّنَّة، فصفة الغضب ثابتةٌ لله تعالى كسائر صفاته، من المحبة، والرضا، والضحك، وغير ذلك على ما يليق بجلاله ، فعليك بمذهب السلف تسلم، وتغنم، والله تعالى الهادي إلى الطريق الأقوم.

стр. 1743

٢ - (ومنها): بيان سعة رحمة الله تعالى، وهو كقوله : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٦]. ٣ - (ومنها): إثبات كتابة الأمور في الأزل، وأن الله علم الأشياء وكتبها قبل أن يخلقها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٩٠ - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الحِزَامِيُّ، وَيَحْيىَ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ الأَنْصَارِيُّ الْحَرَامِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ خِرَاشٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: لمَّا قُتِلَ عَبْدُ الله بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ يَوْمَ أُحُدٍ، لَقِيَني رَسُولُ الله ﷺ ، فَقَالَ: "يَا جَابِرُ أَلا أُخْبِرُكَ مَا قَالَ الله لِأَبِيكَ؟ " وَقَالَ يَحْيَى في حَدِيثهِ: فَقَالَ: "يَا جَابِرُ مَا لي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله اسْتُشْهِدَ أَبِي، وَترَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، قَالَ: "أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِما لَقِيَ الله بِهِ أَبَاكَ؟ " قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "مَا كَلَّمَ الله أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِن وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً، فَقَالَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ: إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ، قَالَ: يَا رَبِّ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي، قَالَ: فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ) -بكسر الحاء المهملة، والزاي- هو إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حِزَام بن خُوَيلد بن أَسَد الأسديّ الحِزَاميّ، أبو إسحاق المدني، صدوقٌ، تَكلّم فيه أحمد لأجل القرآن [١٠]. رَوَى عن مالك (١)، وابن عيينة، وابن أبي فديك، وأبي بكر بن أبي أُويس، وأبي

стр. 1744

ضَمْرَة، والوليد بن مسلم، وابن وهب، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، وابن ماجه، ورَوَى له التّرمذيّ والنَّسائيّ بواسطة، والدارمي، وصاعقة، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم. قال عثمان الدارمي: رأيت ابن معين كتب عن إبراهيم بن المنذر أحاديث ابن وهب، ظننتها المغازي. وقال النَّسائيُّ: ليس به بأس. وقال صالح بن محمّد: صدوق. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال أيضًا: هو أعرف بالحديث من إبراهيم بن حمزة، إِلَّا أنه خلط في القرآن، جاء إلى أحمد بن حنبل، فاستأذن عليه، فلم يأذن له، وجلس حتّى خرج، فسلّم عليه، فلم يَرُدّ عليه أَحمد السلام. وقال الساجي: بلغني أن أحمد كان يتكلم فيه ويَذُمُّه، وكان قدم إلى ابن أبي دواد قاصدًا من المدينة، عنده مناكير. قال الخطيب: أما المناكير فقلما توجد في حديثه إِلَّا أن يكون عن المجهولين، ومع هذا فإن يحيى بن معين وغيره من الحفاظ كانوا يرضونه ويوثقونه. قال الحافظ: سبق الخطيبَ أبو الفتح الأزديّ بمعنى كلامه هذا. وقال الدارقطني ثقة. وقال ابن وَضّاح: لقيته بالمدينة وهو ثقة. وقال الزُّبير بن بَكّار: كان له علم بالحديث، ومروءة وقَدْر. قال يعقوب بن سفيان: مات سنة (٢٣٦) في المحرم صَدَرَ من الحجِّ، فمات بالمدينة. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: مات سنة (٣٥) أو (٦). وله في هذا الكتاب (٢٩) حديثًا. ٢ - (يَحْيىَ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ) الحارثيّ، وقيك: الشيبانيّ، أبو زكريّا البصريّ، ثقة [١٠]. رَوَى عن يزيد بن زُريع، وحماد بن زيد، وخالد بن الحارث، وعبد الوهّاب الثقفي، ومعتمر بن سليمان، وموسى بن إبراهيم بن كثير، وجماعة.

стр. 1745

ورَوَى عنه الجماعة، سوى البخاريّ، وأبو بكر بن أبي عاصم، وأبو بكر البزار، وزكرياء الساجي، ويوسف بن يعقوب القاضي، ومحمد بن إسحاق بن خُزيمة، وغيرهم. قال أبو حاتم الرَّازيُّ: صدوق. وقال النَّسائيُّ: ثقة مأمون، قَلَّ شيخ رأيتُ بالبصرة مثلَهُ. وقال مسلمة بن قاسم ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال هو والسراج: مات سنة ثمان وأربعين ومائتين، زاد ابن حبّان: وقد قيل: مات بعد سنة خمسين. وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٩٠) و (٤١١١) و (٤١١٤). ٣ - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ) بن بَشِير بن الْفَاكِهِ (الأَنْصَارِيُّ الحرَامِيُّ) -بفتح الحاء المهملة، والراء- المدنيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨]. رَوَى عن طلحة بن خِرَاشٍ، ويحيى بن عبد الله بن أبي قتادة. ورَوَى عنه يوسف بن عَدِيّ، وعلي بن المديني، وإبراهيم بن المنذر الحزاميّ، ويحيى ابن حبيب بن عربي، ودُحَيم، ويعقوب بن كاسب، وجعفر بن مسافر التنيسيّ، وغيرهم. ذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: وكان يخطئ. أخرج له الترمذيّ، والنَّسائيّ في "اليوم واللّيلة"، والمصنف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم (١٩٠) وأعاده برقم (٢٨٠٠) وحديث (٣٨٠٠). ٤ - (طَلْحَةُ بْنُ خِرَاشِ) بن عبد الرّحمن بن خِرَاِش بن الصِّمَة الأنصاريّ المدنيّ، صدوقٌ [٤]. رَوَى عن جابر بن عبد الله، وعبد الملك بن جابر بن عَتِيك. ورَوَى عنه موسى بن إبواهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه، والدَّرَاوَرْدِيُّ، ويحيى ابن عبد الله بن يزيد الأُنَيسيّ. قال النَّسائيُّ: صالح. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال ابن عبد البرّ: موسى وطلحة كلاهما مدني ثقة. وقال الأزدي: طلحة رَوَى عن جابر مناكير. وذكره أبو

стр. 1746

موسى في "ذَيْلِ معرفة الصّحابة"، وبَيّن أن حديثه مرسل. [تنبيه]: ذكر الحافظ ﵀ في "التهذيب": ما نصّه: وفي "سنن ابن ماجه" من طريق موسى بن إبراهيم: سمعت طلحة بن خراش ابن عم جابر قال: سمعت جابرًا. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أورده بزيادة "ابن عمّ جابر"، وليس هذا في النسخ عندنا، وفيه إشكالٌ؛ لأنه إن كان المراد جابر بن عبد الله الصحابيّ، فكونه ابن عمه، محلّ نظر، والظاهر أن الزيادة غلط، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. أخرج له التّرمذيّ، والنَّسائيّ في "اليوم واللّيلة"، والمصنّف، وله في هذا الكتاب الحديثان المذكوران في ترجمة موسى بن إبراهيم قبله. [تنبيه]: ذكر في "التهذيب": أن له عندهم في أفضل الذكر والدعاء، وعند الترمذيّ والمصنّف في فضل والد جابر، وعند الترمذيّ: "لا يلج النّار من رآني". انتهى (١). ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله) بن عمرو بن حرام الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ١/ ١١، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ طَلْحَةَ بْنَ خِرَاشٍ) ﵀ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله) ﵄ (يَقُولُ: لمَّا قُتِلَ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ) يعني أباه ﵁، و"حَرَام" بفتحتين بلفظ ضدّ الحلال (يَوْمَ أُحُدٍ) أي يوم غزوة أحد، وهي في السنة الثّالثة من الهجرة (لَقِيَنِي رَسُولُ الله ﷺ ، فَقَالَ: "يَا جَابِرُ أَلَا) بفتح الهمزة، وتخفيف اللام أداة عَرْضٍ وتَحضيض، ومعناهما طلب الشيء، لكن العَرْضُ طلبٌ بِلِينٍ، والتحضيضُ طلبٌ بِحَثٍّ، وتختصّ "ألا" هذه بالجملة الفعليّة، كقوله : ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [النور: ٢٢]، وقوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا

стр. 1747

أَيْمَانَهُمْ﴾ الآية، وكهذا الحديث (١) (أُخْبِرُكَ مَا قَالَ الله لِأَبِيكَ؟) أي عبدِ الله بن عمرو ﵁ (وَقَالَ يَحْيىَ) يعني شيخه الثّاني يحيى بن عربيّ، والمعنى أن هذا اللّفظ لشيخه إبراهيم ابن المنذر، وأما شيخه يحيى فقال (في حَدِيثِهِ: فَقَالَ) أي النبيّ ﷺ ("يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟ ") أي منكسر القلب حزينًا (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله اسْتُشْهِدَ أَبِي) بالبناء للمفعول: أي قُتل شهيدًا. قال في "القاموس": وأُشْهِدَ مجهولًا: قُتِل في سبيل الله، كاسْتُشْهِدَ. انتهى (٢) (وَتَرَكَ عِيَالًا) بكسر العين المهملة، قال في "المصباح": الْعِيَالُ: أهلُ البيت، ومن يَمُونه الإنسان، الواحد عَيِّلٌ، مثالٌ جِيَادٍ وجَيِّدٍ. انتهى (٣)، وقال في "القاموس": و"عَيِّلٌ" ككَيِّسٍ، وكِتَابٍ: من تتكفّلُ به واويّةٌ يائيّةٌ. انتهى، وكتب نصر الْهُورينيّ في الهامش: ما نصّه: قال الصغانيّ في "التكملة": الْعِيَالُ جمع عَيِّلٍ، كجِيَاد جمع جَيِّدٍ، وهو من يلزم الإنفاق عليه، ويكون اسمًا للواحد، كما استعمله الحريريّ في "مقاماته"، وذكره المُطَرِّزِيّ في "شرحه". انتهى "شرح الشفا" (٤) (وَدَيْنًا، قَالَ) ﷺ ("أفلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ الله) بالرفع على الفاعليّة (بِهِ أَبَاكَ؟ " قَالَ) جابر ﵁ (بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ) ﷺ ("مَا كَلَّمَ الله أَحَدًا قَطُّ) أي لا في الدنيا، ولا في عالم البرزخ (إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا) بكسر الكاف، وتخفيف الفاء، آخره حاء مهملة: أي مواجهةً، ليس بينهما حجاب ولا رسول، قاله ابن الأثير (٥). [تنبيه]: هذا الحديث فيه إشكال، مع قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ

стр. 1748

اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ الآية [الشورى: ٥١]. وأجيب بأن الآية مخصوصة في الدنيا، فلا يُتصوّر في الدنيا كلام الله تعالى مع عبده مواجهةً؛ وذلك لأن أجساد الدنيا كثيفة لا تستطيع أن تتحمّل التجلّي الإلهيّ، ولذلك لمّا تجلّى الله للجبل جعله دكّا، وخرّ موسى ﵇ صعقًا، وأما في الآخرة فالأجساد والأرواح الأخرويّة تستطيع ذلك، أفاده بعضهم. والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه آخر]: ذكر بعضهم أن في هذا الحديث أيضًا إشكالًا آخرَ، وهو أن روح المديون محبوسة بدينه لا يُعرَج في السَّماء، كما جاء في الأحاديث، ولكن هذا محمول على ما إذا لم يترك الميِّت وفاء دينه، وكان عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر ترك لدينه وفاء، واهتمامُ جابر وانكساره كان بسبب استيفاء الدين بالتركة، ولهذا قال: استُشهِد أبي وترك عيالًا ودينًا. ويمكن أن يُجاب بأن عدم كون روحه محبوسة؛ لأن شهادته سبب لعفو حقوق العباد، وقال الشّيخ المجدّدي ﵀: يُحبس روح المديون إذا لم يحصل لروحه العروج في الدنيا، فإذا حصل له العروج بالسلوك والجدية لم يحبسه شيء بعد الموت. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا كتب بعض من علّق على هذا الكتاب، وفيما كتبه نظر في أمور: الأوّل: قوله: إن أبا جابر ترك وفاء لدينه غير صحيح، فقد ذكر جابر ﵁ أن أباه قُتل وترك دينًا، ولم يترك وفاء، ومما يؤكد ذلك أن النّبيّ ﷺ سعى في إرضاء غرمائه بأخذ ما وجدوه، فلم يرضوا، فدعى ﷺ على البيدر، فبارك الله تعالى فيه، فأخذوا ديونهم، وبقي لعياله شيء كثير، وهذا مشهور في "الصحيحين" وغيرهما. الثّاني: أن قوله: "لأن شهادته سبب لعفو حقوق العباد" غير صحيح؛ لأنه يخالف صريح ما أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث عبد الله مِن عمرو رضي الله

стр. 1749

عنهما مرفوعًا: "يُغفر للشهيد كلُّ ذنب إِلَّا الدين"، وفي حديث أبي قتادة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قام فيهم، فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قُتِلتُ في سبيل الله تُكَفَّر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله ﷺ : ("نعم، إن قُتلتَ في سبيل الله، وأنت صابر محتسب، مُقبِلٌ، غيرُ مدبر، ثمّ قال رسول الله ﷺ : "كيف قلت؟ "، قال: أرأيتَ إن قتلت في سبيل الله، أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ : ("نعم وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إِلَّا الدين، فإن جبريل ﵇ قال لي ذلك". رواه مسلم. فهذا صريح في كون الشّهادة لا تُكفر حقوق العباد. والثّالث: قوله: "إذا لم يحصل عروجه إلخ"، ما هو العروج الّذي يعنيه؟، وأي آية، أو أية سنة تدلّ عليه، وأنه إذا حصل للعبد في الدنيا لا يَحبسه شيء بعد موته؟ فيا سبحان الله إن هذا لهو العجب العجاب، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] اللَّهُمَّ اهدينا فيمن هديت، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. (فَقَالَ) (يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ) قال السنديّ ﵀: ظاهره عموم المفعول، أي ما شئتَ، كما يُفيده حذف المفعول، والمقامُ، فيُشكل بأن عموم الوعد شمل الإحياء، وهو لا يُخلف المعياد، فكيف ما أحياه؟ ويمكن الجواب بأن خلاف الميعاد المعهود مستثنى من العموم، فإن الغاية من جملة المخصِّصات، كما ذكره أهلُ الأصول. انتهى (١) (قَالَ) أي عبد الله بن عَمرو ﵁ (يَا رَبِّ تُحْيِينِي) أي أتمنّى أن تُحييني، قال السنديّ ﵀: هذا من وضع الإخبار موضع الإنشاء؛ لإظهار كمال الرغبة، وإلا فالمقام يقتضي أَحْيِني، أي أحيني في الدنيا، وإلا فالشهداء أحياء، وهو حيّ يتكلّم، فكيف يطلُبُ الإحياء؟ وهو تحصيل الحاصل. انتهى (٢) (فَأُقْتَلُ) بالبناء للمفعول، قال

стр. 1750

السنديّ: وضبطه بعضهم بالنصب، وكأنه مبنيّ على أنه جواب الأمر معنى؛ لما ذكرنا. انتهى (فِيكَ) أي لأجل إعلاء كلمتك (ثَانِيَةً) أي مرّةً ثانيةً (فَقَالَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ: إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن (سَبَقَ مِنِّي) أي تقدّم فيما كتبته في الأزل (أَنَّهُمْ) بفتح الهمزة؛ لوقوعها موقع المصدر، كما قال في "الخلاصة": وَهَمْزَ "إِنَّ" افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ... مَسَدَّهَا وِفي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ (إِلَيْهَا) أي إلى الدنيا (لَا يَرْجِعُونَ) بالبناء للفاعل، من الرجوع، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، أي لا يرجعهم الله تعالى (قَالَ) عبد الله بن عمرو ﵁ (يَا رَبِّ فَأَبْلِغْ) من الإبلاغ (مَنْ) بفتح الميم: موصولة: أي الذين (وَرَائِي) أي يبقون أحياء بعد قتلي، أي أبلغهم حالنا، وما صِرْنا إليه ترغيبًا لهم في الجهاد (قَالَ) ﷺ ، أو جابر ﵁ (فَأَنزَلَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ قرأ ابن عامر، وحمزة، وعاصم بفتح السين، والباقون بكسرها، والخطاب لرسول الله ﷺ ، أو لكلّ أحد (الَّذِينَ قُتِلُوا) قرأ ابن عامر بتشديد التاء، والباقون بتخفيفها (في سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا) أي كسائر الأموات (بَلْ أَحْيَاءٌ) أي بل هم أحياء (عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي مقرّبون عنده، ذوو زُلْفَى ﴿يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]) أي بمثل ما يُرزق سائر الأحياء، يأكلون ويشربون، وهو تأكيد لكونهم أحياء، ووصفٌ لحالهم الّتي هم عليها، من التنعّم برزق الله تعالى، قاله النسفيّ ﵀ (١). والحاصل أن لهم خصوصيّة، وهي أنهم يُعْطَون أجسادًا متشكّلة بطيور خُضر تسرح في الجنَّة حيث شاءت، كما يأتي في الأحاديث الآتية. قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في "تفسيره" النافع -عند شرح هذه الآية: يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدَّار، فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار حياةَ الشهداء. انتهى.

стр. 1751

وقد جاءت أحاديث كثيرة في سبب نزول هذه الآية: [فمنها]: هذا الحديث، وهو حديث حسنٌ، كما سيأتي، وأخرجه أيضًا أبو بكر بن مروديه، ولفظه: حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر، ثنا هارون بن سليمان، أنبأنا علي بن عبد الله المديني، أنبأنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بَشِير بن الْفَاكِه الأنصاريّ، سمعت طلحة بن خِرَاشٍ بن عبد الرّحمن بن خِرَاش بن الصِّمَة الأنصاري قال: سمعت جابر بن عبد الله، قال: نظر إليّ رسول الله ﷺ ذات يوم، فقال: "يا جابر ما لي أراك مُهْتما؟ " قال: قلت: يا رسول الله استُشْهِد أبي، وتَرَك دينًا وعيالًا، قال: فقال: "ألَّا أخبرك؟ ما كَلَّم الله أحدًا قط إِلَّا من وراء حجاب، وإنه كلَّم أباك كِفَاحًا -قال علي: والكفاح المواجهة- "قال: سلني أعطك، قال: أسأَلُكَ أن أُرَدّ إلى الدنيا، فأُقتل فيك ثانية، فقال الرب : إنّه قد سبق مني القول أنهم إليها لا يرجعون، قال: أي رب فأبلغ من ورائي، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩]. ثمّ رواه من طريق أخرى عن محمّد بن سليمان بن سَلِيط الأنصاري، عن أبيه، عن جابر به نحوه. ومحمد بن سليمان هذا قال العقيليّ، وابن منده: مجهول، انظر "لسان الميزان " ٥/ ١٩٠، فالرواية ضعيفة، فتنبّه. وكذا رواه البيهقي في "دلائل النبوة" من طريق علي بن المديني به، وقد رواه البيهقي أيضًا من حديث أبي عُبَادة الأنصاري -وهو عيسى بن عبد الرّحمن إن شاء الله- (١) عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال النّبيّ ﷺ لجابر: "يا جابر ألا أبشرك؟ " قال: بلى بَشَّرَك الله بالخير، قال: "شَعَرْتَ بأن الله أحيا أباك، فقال: تَمَنَّ عليّ عبدي ما شئت أعطكه، قال: يا رب ما عبدتك حَقَّ عبادتك، أتمنى عليك أن تَرُدَّني إلى

стр. 1752

الدنيا، فأقاتل مع نبيك، وأقتل فيك مرّة أخرى، قال: إنّه سَلَفَ مني أنه إليها لا يرجع". وأخرج الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن محمّد بن عَقِيل، عن جابر، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أعلمتَ أن الله أحيى أباك، فقال له: تَمَنَّ، فقال له: أُرَدُّ إلى الدنيا، فأقتل فيك مرّة أخرى، قال: إنِّي قضيت أنهم إليها لا يرجعون". قال الحافظ ابن كثير: تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقد ثبت في "الصحيحين" وغيرهما أن أبا جابر قُتِل يوم أحد شهيدا. وقال البخاريّ ﵀: وقال أبو الوليد عن شعبة، عن ابن المنكدر: سمعت جابرًا قال: لمّا قُتل أبي جعلت أبكي، وأكشف الثّوب عن وجهه، فجعل أصحاب رسول الله ﷺ ينهوني، والنبي ﷺ لم يَنْهَ، فقال النّبيّ ﷺ : "لا تبكه -أو ما تبكيه- ما زالت الملائكة تُظله بأجنحتها حتّى رُفِعَ". وقد أسنده هو ومسلم، والنَّسائيّ من طريق آخر عن شعبة، عن محمّد بن المكندر، عن جابر، قال: لمّا قُتل أبي يوم أحد، جعلت أكشف الثّوب عن وجهه، وأبكي ... وذكر تمامه بنحوه. وقد جاء في سبب نزول الآية غير هذا، فقد أخرج الإمام محمّد بن جرير الطّبريّ في "تفسيره" بسنده عن إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك في أصحاب رسول الله ﷺ الذين أرسلهم نبي الله إلى أهل بئر معونة قال: لا أدري أربعين، أو سبعين، وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب رسول الله ﷺ حتّى أتوا غارًا مشرفًا على الماء، فقعدوا فيه، ثمّ قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله ﷺ أهل هذا الماء؛ فقال -أُراه ابن ملحان الأنصاري-: أنا أبلغ رسالة رسول الله ﷺ ، فَخَرَجَ حتّى أتى حول بيتهم، فاختبأ أمام البيوت، ثمّ قال: يا أهل بئر معونة إنِّي رسول رسول الله إليكم، إنِّي أشهد أن لا إله إِلَّا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فآمِنوا بالله ورسوله، فخرج إليه رجل من كِسَرِ البيت برمح فضربه في جنبه، حتّى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر فُزْت وربِّ الكعبة، فاتَّبَعُوا أَثَرَه حتّى أتوا

стр. 1753

أصحابه في الغار، فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل. وقال ابن إسحاق: حدثني أنس بن مالك أن الله أنزل فيهم قرآنا: "بَلِّغُوا عَنّا قومنا أنا قد لقينا رَبَّنَا، فرضي عنّا، ورضينا عنه"، ثمّ نُسِخت فرفعت بعدَ ما قرأناها زمانًا، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وأخرج مسلم في "صحيحه": عن مسروق قال: إنا سألنا عبد الله عن هذه الآية؟: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، فقال: أَمَا إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "أرواحهم في جَوْف طير خُضْرٍ، لها قناديل مُعَلَّقة بالعرش، تَسْرَح من الجنَّة حيث شاءت، ثمّ تَأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلَعَ عليهم ربهم اطّلاعةً، فقال: هل تشتهون شيئًا، فقالوا: أيَّ شيء نشتهي، ونحن نَسْرَح من الجنَّة حيث شئنا، ففَعَلَ ذلك بهم ثلاث مرّات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يُسألوا، قالوا: يا رب نريد أن تَرُدَّ أرواحنا في أجسادنا حتّى نُقتَل في سبيلك مرّة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُرِكوا. وقد روي نحوه من حديث أنس وأبي سعيد. وأخرج أحمد بسنده عن إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد، عن أبي الزُّبير المكي، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ لمّا أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خُضْرٍ، تَرِدُ أنهار الجنَّة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وَجَدُوا طيب مأكلهم ومشربهم، وحسن مَقِيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا؛ لئلا يَزْهَدوا في الجهاد، ولا يَنكُلُوا عن الحرب، فقال الله : أنا أُبَلِّغهم عنكم، فأنزل الله هذه الآيات: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ وما بعدها. قال ابن كثير: وهكذا رواه أحمد، ورواه ابن جرير عن يونس، عن ابن وهب، عن إسماعيل بن عَيّاش، عن محمّد بن إسحاق به، ورواه أبو داود، والحاكم في "مستدركه"

стр. 1754

من حديث عبد الله بن إدريس، عن محمّد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزُّبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس ﵄، فذكره ... قال ابن كثير: وهذا أثبت، وكذا رواه سفيان الثّوريّ، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس. وروى الحاكم في "مستدركه" من حديث أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: نزلت هذه الآية في حمزة، وأصحابه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ثمّ قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وكذا قال قتادة، والربيع، والضحاك: إنها نزلت في قتلى أحد. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يعقوب، حَدَّثَنَا أبي، عن ابن إسحاق، حَدَّثَنَا الحارث ابن فُضيل الأنصاري، عن محمود بن لَبِيد، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ : "الشهداء على بارق نهر بباب الجنَّة، فيه قبة خضراء، يخرج إليهم رزقهم من الجنَّة بكرة وعشيًّا". تفرد به أحمد، وقد رواه ابن جرير عن أبي كريب، حَدَّثَنَا عبد الرحيم بن سليمان، وعبدة، عن محمّد بن إسحاق به. قال ابن كثير ﵀: وهو إسناد جيد، وكأنّ الشهداء أقسام: منهم من تَسْرَح أرواحهم في الجنَّة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنَّة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويُغْدَى عليهم برزقهم هناك، ويراح، والله أعلم. قال ابن كثير: وقد رَوَينا في "مسند الإمام أحمد" حديثًا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنَّة، تَسْرَح أيضًا فيها، وتأكل من ثمارها، وتَرَى ما فيها من النَّضْرَة والسرور، وتشاهد ما أعد الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح، عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة، أصحاب المذاهب المتبعة، فإن الإمام أحمد رحمه الله

стр. 1755

رواه عن محمّد بن إدريس الشّافعيّ ﵀، عن مالك بن أنس الأصبحي ﵀، عن الزّهريّ، عن عبد الرّحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "نَسَمَةُ المؤمن طائر يَعْلُقُ في شجر الجنَّة، حتّى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه". وقوله: "يَعْلُق" أي يأكل. وفي هذا الحديث: إن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنَّة، وأما أرواح الشهداء، فكما تقدّم في حَوَاصل طير خُضْر، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان. وقوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠] إلى آخر الآية أي الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم، وهم فَرِحون بما هم فيه من النعمة والْغِبْطَة، ومستبشرون بإخوانهم الذين يُقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يَقْدَمون عليهم، وأنهم لا يخافون ممّا أمامهم، ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم، نسأل الله الجنَّة. وقال محمّد بن إسحاق: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي ويُسَرُّون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الّذي أعطاهم، قال السُّدّي: يؤتي الشهيد بكتاب فيه يَقْدَم عليك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، فيُسَرّ بذلك كما يسر أهل الدنيا بقدوم غيابهم. وقال سعيد ابن جبير: لما دخلوا الجنَّة، ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء. قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة، فإذا شَهِدوا القتال باشروها بأنفسهم، حتّى يُسْتَشهَدوا، فيصيبوا ما أصبنا من الخير، فأخبر رسول الله ﷺ بأمرهم، وما هم فيه من الكرامة، وأخبرهم -أي ربهم- أني قد أنزلت على نبيكم، وأخبرته بأمركم، وما أنتم فيه، فاستبشروا بذلك، فذلك قوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ
следующие страницы →