وقد جاءت أحاديث كثيرة في سبب نزول هذه الآية:
[فمنها]: هذا الحديث، وهو حديث حسنٌ، كما سيأتي، وأخرجه أيضًا أبو بكر بن مروديه، ولفظه:
حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر، ثنا هارون بن سليمان، أنبأنا علي بن عبد الله المديني، أنبأنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بَشِير بن الْفَاكِه الأنصاريّ، سمعت طلحة بن خِرَاشٍ بن عبد الرّحمن بن خِرَاش بن الصِّمَة الأنصاري قال: سمعت جابر بن عبد الله، قال: نظر إليّ رسول الله ﷺ ذات يوم، فقال: "يا جابر ما لي أراك مُهْتما؟ " قال: قلت: يا رسول الله استُشْهِد أبي، وتَرَك دينًا وعيالًا، قال: فقال: "ألَّا أخبرك؟ ما كَلَّم الله أحدًا قط إِلَّا من وراء حجاب، وإنه كلَّم أباك كِفَاحًا -قال علي: والكفاح المواجهة- "قال: سلني أعطك، قال: أسأَلُكَ أن أُرَدّ إلى الدنيا، فأُقتل فيك ثانية، فقال الرب : إنّه قد سبق مني القول أنهم إليها لا يرجعون، قال: أي رب فأبلغ من ورائي، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩].
ثمّ رواه من طريق أخرى عن محمّد بن سليمان بن سَلِيط الأنصاري، عن أبيه، عن جابر به نحوه. ومحمد بن سليمان هذا قال العقيليّ، وابن منده: مجهول، انظر "لسان الميزان " ٥/ ١٩٠، فالرواية ضعيفة، فتنبّه.
وكذا رواه البيهقي في "دلائل النبوة" من طريق علي بن المديني به، وقد رواه البيهقي أيضًا من حديث أبي عُبَادة الأنصاري -وهو عيسى بن عبد الرّحمن إن شاء الله- (١) عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال النّبيّ ﷺ لجابر: "يا جابر ألا أبشرك؟ " قال: بلى بَشَّرَك الله بالخير، قال: "شَعَرْتَ بأن الله أحيا أباك، فقال: تَمَنَّ عليّ عبدي ما شئت أعطكه، قال: يا رب ما عبدتك حَقَّ عبادتك، أتمنى عليك أن تَرُدَّني إلى
стр. 1752
الدنيا، فأقاتل مع نبيك، وأقتل فيك مرّة أخرى، قال: إنّه سَلَفَ مني أنه إليها لا يرجع".
وأخرج الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن محمّد بن عَقِيل، عن جابر، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أعلمتَ أن الله أحيى أباك، فقال له: تَمَنَّ، فقال له: أُرَدُّ إلى الدنيا، فأقتل فيك مرّة أخرى، قال: إنِّي قضيت أنهم إليها لا يرجعون".
قال الحافظ ابن كثير: تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقد ثبت في "الصحيحين" وغيرهما أن أبا جابر قُتِل يوم أحد شهيدا.
وقال البخاريّ ﵀: وقال أبو الوليد عن شعبة، عن ابن المنكدر: سمعت جابرًا قال: لمّا قُتل أبي جعلت أبكي، وأكشف الثّوب عن وجهه، فجعل أصحاب رسول الله ﷺ ينهوني، والنبي ﷺ لم يَنْهَ، فقال النّبيّ ﷺ : "لا تبكه -أو ما تبكيه- ما زالت الملائكة تُظله بأجنحتها حتّى رُفِعَ".
وقد أسنده هو ومسلم، والنَّسائيّ من طريق آخر عن شعبة، عن محمّد بن المكندر، عن جابر، قال: لمّا قُتل أبي يوم أحد، جعلت أكشف الثّوب عن وجهه، وأبكي ... وذكر تمامه بنحوه.
وقد جاء في سبب نزول الآية غير هذا، فقد أخرج الإمام محمّد بن جرير الطّبريّ في "تفسيره" بسنده عن إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك في أصحاب رسول الله ﷺ الذين أرسلهم نبي الله إلى أهل بئر معونة قال: لا أدري أربعين، أو سبعين، وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب رسول الله ﷺ حتّى أتوا غارًا مشرفًا على الماء، فقعدوا فيه، ثمّ قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله ﷺ أهل هذا الماء؛ فقال -أُراه ابن ملحان الأنصاري-: أنا أبلغ رسالة رسول الله ﷺ ، فَخَرَجَ حتّى أتى حول بيتهم، فاختبأ أمام البيوت، ثمّ قال: يا أهل بئر معونة إنِّي رسول رسول الله إليكم، إنِّي أشهد أن لا إله إِلَّا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فآمِنوا بالله ورسوله، فخرج إليه رجل من كِسَرِ البيت برمح فضربه في جنبه، حتّى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر فُزْت وربِّ الكعبة، فاتَّبَعُوا أَثَرَه حتّى أتوا
стр. 1753
أصحابه في الغار، فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل.
وقال ابن إسحاق: حدثني أنس بن مالك أن الله أنزل فيهم قرآنا: "بَلِّغُوا عَنّا قومنا أنا قد لقينا رَبَّنَا، فرضي عنّا، ورضينا عنه"، ثمّ نُسِخت فرفعت بعدَ ما قرأناها زمانًا، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وأخرج مسلم في "صحيحه": عن مسروق قال: إنا سألنا عبد الله عن هذه الآية؟: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، فقال: أَمَا إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "أرواحهم في جَوْف طير خُضْرٍ، لها قناديل مُعَلَّقة بالعرش، تَسْرَح من الجنَّة حيث شاءت، ثمّ تَأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلَعَ عليهم ربهم اطّلاعةً، فقال: هل تشتهون شيئًا، فقالوا: أيَّ شيء نشتهي، ونحن نَسْرَح من الجنَّة حيث شئنا، ففَعَلَ ذلك بهم ثلاث مرّات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يُسألوا، قالوا: يا رب نريد أن تَرُدَّ أرواحنا في أجسادنا حتّى نُقتَل في سبيلك مرّة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُرِكوا.
وقد روي نحوه من حديث أنس وأبي سعيد.
وأخرج أحمد بسنده عن إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد، عن أبي الزُّبير المكي، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ لمّا أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خُضْرٍ، تَرِدُ أنهار الجنَّة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وَجَدُوا طيب مأكلهم ومشربهم، وحسن مَقِيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا؛ لئلا يَزْهَدوا في الجهاد، ولا يَنكُلُوا عن الحرب، فقال الله : أنا أُبَلِّغهم عنكم، فأنزل الله هذه الآيات: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ وما بعدها.
قال ابن كثير: وهكذا رواه أحمد، ورواه ابن جرير عن يونس، عن ابن وهب، عن إسماعيل بن عَيّاش، عن محمّد بن إسحاق به، ورواه أبو داود، والحاكم في "مستدركه"
стр. 1754
من حديث عبد الله بن إدريس، عن محمّد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزُّبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس ﵄، فذكره ...
قال ابن كثير: وهذا أثبت، وكذا رواه سفيان الثّوريّ، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس.
وروى الحاكم في "مستدركه" من حديث أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: نزلت هذه الآية في حمزة، وأصحابه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ثمّ قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وكذا قال قتادة، والربيع، والضحاك: إنها نزلت في قتلى أحد.
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يعقوب، حَدَّثَنَا أبي، عن ابن إسحاق، حَدَّثَنَا الحارث ابن فُضيل الأنصاري، عن محمود بن لَبِيد، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ : "الشهداء على بارق نهر بباب الجنَّة، فيه قبة خضراء، يخرج إليهم رزقهم من الجنَّة بكرة وعشيًّا".
تفرد به أحمد، وقد رواه ابن جرير عن أبي كريب، حَدَّثَنَا عبد الرحيم بن سليمان، وعبدة، عن محمّد بن إسحاق به.
قال ابن كثير ﵀: وهو إسناد جيد، وكأنّ الشهداء أقسام: منهم من تَسْرَح أرواحهم في الجنَّة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنَّة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويُغْدَى عليهم برزقهم هناك، ويراح، والله أعلم.
قال ابن كثير: وقد رَوَينا في "مسند الإمام أحمد" حديثًا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنَّة، تَسْرَح أيضًا فيها، وتأكل من ثمارها، وتَرَى ما فيها من النَّضْرَة والسرور، وتشاهد ما أعد الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح، عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة، أصحاب المذاهب المتبعة، فإن الإمام أحمد رحمه الله
стр. 1755
رواه عن محمّد بن إدريس الشّافعيّ ﵀، عن مالك بن أنس الأصبحي ﵀، عن الزّهريّ، عن عبد الرّحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "نَسَمَةُ المؤمن طائر يَعْلُقُ في شجر الجنَّة، حتّى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه".
وقوله: "يَعْلُق" أي يأكل.
وفي هذا الحديث: إن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنَّة، وأما أرواح الشهداء، فكما تقدّم في حَوَاصل طير خُضْر، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان.
وقوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠] إلى آخر الآية أي الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم، وهم فَرِحون بما هم فيه من النعمة والْغِبْطَة، ومستبشرون بإخوانهم الذين يُقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يَقْدَمون عليهم، وأنهم لا يخافون ممّا أمامهم، ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم، نسأل الله الجنَّة.
وقال محمّد بن إسحاق: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي ويُسَرُّون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الّذي أعطاهم، قال السُّدّي: يؤتي الشهيد بكتاب فيه يَقْدَم عليك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، فيُسَرّ بذلك كما يسر أهل الدنيا بقدوم غيابهم. وقال سعيد ابن جبير: لما دخلوا الجنَّة، ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء.
قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة، فإذا شَهِدوا القتال باشروها بأنفسهم، حتّى يُسْتَشهَدوا، فيصيبوا ما أصبنا من الخير، فأخبر رسول الله ﷺ بأمرهم، وما هم فيه من الكرامة، وأخبرهم -أي ربهم- أني قد أنزلت على نبيكم، وأخبرته بأمركم، وما أنتم فيه، فاستبشروا بذلك، فذلك قوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ
стр. 1756
بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية.
وقد ثبت في "الصحيحين" عن أنس في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار الذين قتلوا في غداة واحدة، وقنت رسول الله ﷺ يدعو على الذين قتلوهم ويلعنهم، قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتّى رُفع: أن بَلِّغوا قومنا أنا قد لَقِينا رَبَّنا وأرضانا.
ثمّ قال تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧١] قال محمّد ابن إسحاق استَبْشَرُوا وسُرُّوا لمّا عاينوا من وفاء الموعود وجزيل الثّواب.
وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: هذه الآيات جمعت المؤمنين كلهم، سواء الشهداء وغيرهم، وقَلَّما ذكر الله فضلًا ذَكَر به الأنبياءَ، وثوابًا أعطاهم الله إياه إِلَّا ذكر الله ما أعطى المؤمنين من بعدهم. انتهى منقولًا من تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى (١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا حديث حسنٌ.
[فإن قلت]: قال البوصيريّ ﵀ في "مصباح الزجاجة": هذا إسناد ضعيفٌ، طلحة بن خِرَاش قال فيه الأزديّ: روى عن جابر مناكير، وذكره الذهبيّ في "الميزان"، وموسى بن إبراهيم قال فيه ابن حبّان في "الثقات": يُخطئ.
[أجيب]: بأن طلحة روى عنه ثلاثةٌ، وقال عنه النَّسائيّ: صالحٌ، ووثقه ابن حبّان، وابن عبد البرّ (٢)، وقال عنه في "التقريب": صدوقٌ، فلا يؤثّر فيه قول الأزديّ،
стр. 1757
بل هو نفسه متكلّم فيه، فتنبّه.
وأما موسى بن إبراهيم، فقد روى عنه جماعة من الثقات، منهم ابن المدينيّ، ودُحيم، ولم يتكلّم فيه أحدٌ، ولم يذكروه في الضعفاء، إِلَّا قول ابن حبّان: كان ممّن يُخطئ، ولم يبيّن ما أخطأ فيه، فأقلّ أحواله أن يكون حسن الحديث، وأيضًا لحديثه هذا شاهد.
فقد قال: الإمام الترمذيّ ﵀ بعد أن أخرج الحديث: هذا حديث غريبٌ من حديث موسى بن إبراهيم، رواه عنه كبار أهل الحديث، وقد روى عبد الله بن محمّد عن جابر شيئًا من هذا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: رواية عبد الله بن محمّد بن عَقيل أخرجها الإمام أحمد في "مسنده"، وقد سبق أن سُقتها قريبًا، وعبد الله بن محمّد، وإن تُكلّم فيه من قبل حفظه، إِلَّا أنه لا بأس به في المتابعات والشواهد، فقد قوّاه البخاريُّ، فقال: مقارب الحديث، والترمذيّ، فقال: صدوق، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ١٩٠) بهذا السند، وأعاده في "كتاب الجهاد" رقم (٢٨٠٠)، وأخرجه (الترمذيّ) رقم (٣٠١٠) و (الحميديّ) في "مسنده" (١٢٦٥) و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٦١) و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١٠٣٩) من طريق عبد الله بن محمّد بن عَقيل، عن جابر مختصرًا، وقد سبق لفظه قريبًا، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قد تبيّن بما سبق من التخريج أن الحديث ليس من أفراد المصنّف لا سندًا، ولا متنًا، كما توهّمه البوصيريّ، فقد شاركه الترمذيّ فيه، فقال في "كتاب التفسير": حَدَّثَنَا يحيى بن حبيب بن عربيّ، حَدَّثَنَا موسى بن إبراهيم بن كثير الأنصاري، ثمّ ساقه بسند المصنف، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو إثبات ما أنكرته الجهميّة من
стр. 1758
صفات الله ، وهو كلام الله تعالى عباده كلامًا حقيقيًّا.
٢ - (ومنها): بيان فضل الصحابيّ الجليل أبي جابر عبد الله بن عمرو ﵄، حيث خصّه الله تعالى بتكليمه كِفَاحًا من غير واسطة.
٣ - (ومنها): بيان فضل الجهاد في سبيل الله .
٤ - (ومنها): أن فيه تمنّي الخير، وطلبه مهما وَجَد الإنسان إليه سبيلًا.
٥ - (ومنها): أن فيه بيانَ أنه لا يرجع أحدٌ إلى الدنيا بعد الموت، فقد حكم الله بأنهم لا يرجعون.
٦ - (ومنها): بيان سبب نزول هذه الآية الكريمة.
٧ - (ومنها): بيان ما عليه الشهداء عند ربّهم من النعيم المقيم، والعزّ المستديم، والفوز الدائم، والفرح القائم، اللَّهُمَّ اجعلنا منهم، وألحقنا بهم برحمتك يا أرحم الراحمين آمين.
(المسألة الرّابعة): هذا الحديث فيه إبطال المزاعم الّتي طمّت، وعمّت، وفتنت عوامّ النَّاس، سفهاء الأحلام، سخفاء العقول، من أن الوليّ الفلانيّ يخرج من قبره، ويتصرّف في الأمور الدنيويّة، ويُغيث أصحابه، فإن هذا من خُرَافاتهم الّتي ملكت عقولهم الضعفية، وخُزَعْبِلاتهم (١) الّتي استولت على خيالاتهم الفاسدة، فقد قال الربّ في هذا الحديث: "إنّه سبق منّي أنهم إليها لا يرجعون"، فلو كان أحد من الأولياء يرجع إلى الدنيا من قبره لكان أبو جابر الّذي هو من أكابر الأولياء بشهادة رسول الله ﷺ له بذلك أحقّ أن يرجع حتّى يجاهد في سبيل الله تعالى، وكذلك سائر الشهداء كانوا أحقّ لذلك.
وأيضًا فقد صحّ أنه لا يتمنّى أحد له عند الله خير الرجوع إلى الدنيا إِلَّا الشهيد، فقد أخرج الشيخان في "صحيحيهما" من حديث أنس بن مالك ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال:
стр. 1759
"ما من عبد يموت له عند الله خير يَسُرُّه أن يرجع إلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها، إِلَّا الشهيد، لِمَا يَرَى من فضل الشّهادة، فإنّه يسره أن يرجع إلى الدنيا، فَيُقْتَلَ مرّة أخرى"، وفي رواية: "ما أحدٌ يدخل الجنَّة يُحِبّ أن يرجع إلى الدنيا، وله ما على الأرض من شيء إِلَّا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر مرات؛ لما يرى من الكرامة".
فلو كان ذلك ممكنًا لكان رسول الله ﷺ أحقّ بذلك حينما اختلف الصّحابة ﵃ في أمر الخلافة، واجتمعوا في سقيفة بني ساعدة حتّى أنقذهم الله تعالى من الشقاق والخلاف على يدي أبي بكر ﵁، وحينما اعتُدي على الحسين سبطه ﷺ في كربلاء، وحينما اعتدى أهل الشّام على أهل المدينة أيّام الحرّة، وغير ذلك ممّا جرى للصحابة ﵁ عامّة ولأهل البيت ﵃ خاصّة.
وإنّما نبّهت على هذا لأنه شاع وذاع هذا الباطل، وراج بين العوامّ، بل وبين من ينسُب نفسه إلى العلم، وليس هو بعالم، وإنما علمه هواه، وليس له من كتاب الله تعالى، ولا من سنة رسول الله ﷺ ، ولا من سيرة السلف الصالح نصيب، فيقرّر هذه الخرافات في أذهان العوامّ، بل بعض أهل الضلال من متصوّفة المتأخّرين، يتبجّح بذلك بين مريديه، ويقول لهم: إن الوليّ يستطيع أن يُغيث مريده من مسيرة ألف سنة، ولا يمنعه دفنه في القبر، وأنا منهم، فلا حول ولا قوّة إِلَّا بالله، فقد بلغ الضلال من أهله هذا المبلغ، ولهذا ترى العوامّ يحسنون ظنهم بأصحاب القبور، فيطوفون بقبورهم، وينذُرون لهم، ويطلبون منهم ما شاءوا من حوائجهم؛ لأنهم يرونهم قادرين على ذلك، وهذا هو الشرك العظيم، وهذا هو الضلال، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ فإنّه لله وإنا إليه راجعون، اللَّهُمَّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، اللَّهُمَّ أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه آمين آمين آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 1760
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٩١ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِن الله يَضْحَكُ إِلَى رَجُلَيْنِ، يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، كِلَاهُمَا دَخَلَ الجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ الله فَيُسْتَشْهَدُ، ثُمَّ يَتُوبُ الله عَلَى قَاتِلِهِ فَيُسْلِمُ، فَيُقَاتِلُ في سَبِيلِ الله فَيُسْتَشْهَدُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة الكوفيّ، ثقة حافظ (١٠) ١/ ١.
٢ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح، أبو سفيان الرؤاسيّ الكوفيّ، ثقة حافظ عابد [٩] ١/ ٣.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ، ثقة ثبت إمام [٧] ٥/ ٤١.
٤ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ١٣/ ١٠٩.
٥ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرّحمن بن هُرمز المدنيّ ثقة ثبت فقيه [٣] ١٠/ ٧٩.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ١/ ١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنِّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصّحيح.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأوّل مسلسل بثقات الكوفيين ونصفه الثّاني مسلسل بثقات المدنيين.
٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁، على ما نُقل عن الإمام البخاريّ ﵀ (١).
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبي الزِّناد عن الأعرج.
стр. 1761
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله (يَضْحَكُ إِلَى رَجُلَيْنِ) وفي رواية النَّسائيُّ من طريق ابن عيينة، عن أَبي الزِّناد: "إن الله يَعْجَب من رجلين" (١).
قال الطيبيّ ﵀: عَدَّى "يَضحك" بـ "إلى" لتضمّنه معنى الانبساط والإقبال، مأخوذ من قولهم: ضَحِكتُ إلى فلان: إذا انبسطت إليه، وتوجّهت إليه بوجه طلق، وأنت راض عنه. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: معنى الضحك هنا على ظاهره، كما هو مذهب السلف، وهو المذهب الحق، نُثبت لله ما أثبته النصّ الصّحيح على ما يليق بجلاله ، لا نكيّف، ولا نعطّل، ولا نشبّه.
وأما ما ذكره النوويّ (٣) في "شرح مسلم" نقلًا عن القاضي عياض من أن المراد بالضحك هنا استعارة في حق الله تعالى؛ لأنه لا يجوز عليه الضحك المعروف في حقنا؛ لأنه إنما يصح من الأجسام، وممن يَجُوز عليه تَغَيُّر الحالات، والله تعالى مُنَزَّه عن ذلك، وإنما المراد به الرضا بفعلهما، والثواب عليه، وحَمْدُ فعلهما ومحبته، وتلقي رُسُل الله لهما بذلك؛ لأن الضحك من أحدنا إنما يكون عند موافقته ما يرضاه، وسروره وبِرِّه لمن يلقاه، قال: ويحتمل أن يكون المراد هنا ضحك ملائكة الله تعالى الذين يوجههم لقبض
стр. 1762
روحه، وإدخاله الجنَّة، كما يقال: قَتَلَ السلطان فلانًا: أي أمر بقتله. انتهى (١).
ففيه حقّ وباطلٌ، فأمّا قوله لا يجوز عليه الضحك المعروف في حقنا إلخ، فكلام حقٌّ، وأما دعواه الاستعارة فباطلٌ؛ لأن الاستعارة من المجاز، والمجاز لا يصار إليه إِلَّا عند تعذر الحقيقة، أو تعسّره، وهنا -بحمد الله- لم يتعذّر، ولم يتعسّر؛ لأن وصف الله تعالى بكونه يضحك ليس فيه تشبيه؛ لأن صفاته تعالى ليست كصفات المخلوق، فله الأسماء الحسنى، والصفات الْعُلَى، وهي فرع عن الذات، فكما نُثبت له الذات الّتي تليق بجلاله، نُثبت له الصفات على الوجه اللائق به .
والحاصل أن صفة الضحك ثابتة لله تعالى كسائر صفاته، من العلم والقدرة، والسمع والبصر، والرّحمة، والمحبة، والرضا، والغضب على ما يليق بجلاله .
وكذا تأويله بأن المراد ضحك ملائكة الله غير صحيح؛ لما أسلفته، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد، فإنّه حجة البليد، وملجأ العنيد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(يَقْتُلُ) بالبناء للفاعل، والفاعل، قوله: (أَحَدُهُمَا الْآخَرَ) وللنسائيّ: "أحدهما صاحبه" (كِلَاهُمَا دَخَلَ الجَنَّةَ) أفرد "دَخَل" مراعاة لإفراد لفظ "كلاهما"، ومراعاة لفظ "كلا"، و"كلتا" هو الأكثر في الاستعمال، وبه جاء القرآن نصّا في قوله : ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، ويجوز مراعاة معناهما، وقد اجتمعا في قول الشاعر يَصِفُ فرسين تسابقا [من البسيط]:
كِلَاهُمَا حِينَ جَدَّ السَّيْرُ بَيْنَهُما ... قَدْ أَقْلَعَا وَكِلَا أَنْفَيْهِمَا رَابِي
فثنّى "أقلعا"، أي تركا الجري مراعاة للمعنى، وراعى اللّفظ في "رابي": بمعنى منتفِخ من التعب (٢).
ولفظ البخاريّ من طريق مالك، عن أبي الزِّناد: "يضحك الله إلى رجلين، يقتُل
стр. 1763
أحدهما الآخر، يدخلان الجنّة"، زاد في رواية مسلم من طريق همام، عن أبي هريرة ﵁: "قالوا: كيف يا رسول الله؟ ".
(يُقَاتِلُ هَذَا في سَبِيلِ الله فَيُسْتَشْهَدُ) بالبناء للمفعول، أي يُقتل شهيدًا، زاد في رواية هَمّام: "فَيَلِجُ الجنَّة".
قال أبو عمر ابن عبد البرّ ﵀: معنى هذا الحديث عند أهل العلم أن القاتل الأوّل كان كافرًا.
قال الحافظ ﵀: وهو الّذي استنبطه البخاريّ في ترجمته -يعني قوله: "باب الكافر يَقتُل المسلم، ثمّ يسلم إلخ"- ولكن لا مانع أن يكون مسلمًا؛ لعموم قوله: "ثمّ يتوب الله على القاتل"، كما لو قَتَلَ مسلم مسلمًا عمدًا بلا شبهة، ثمّ تاب القاتل، واستُشهِد في سبيل الله، وإنّما يَمْنَع دخول مثل هذا مَنْ يذهب إلى أن قاتل المسلم لا تقبل له توبة.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأخير تردّه رواية المصنّف: "ثُمَّ يَتُوبُ الله عَلَى قَاتِلِهِ، فَيُسْلِمُ"، وفي رواية همّام عند مسلم: "ثمّ يتوب الله على الآخر، فيَهْديه إلى الإسلام"، وأصرح من ذلك -كما قال الحافظ- ما أخرجه أحمد من طريق الزّهريُّ، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "قيل: كيف يا رسول الله؟ قال: يكون أحدهما كافرًا، فيَقْتُلُ الآخرَ، ثمّ يُسْلِم فيغزو، فيقْتَلُ".
(ثُمَّ يَتُوبُ الله عَلَى قَاتِلِهِ) أي قاتل هذا المسلم (فَيُسْلِمُ، فَيُقَاتِلُ في سَبِيلِ الله فَيُسْتَشْهَدُ) ولفظ هَمّام: "فيهديه إلى الإسلام، ثمّ يجاهد في سبيل الله، فيُسْتَشهد"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
стр. 1764
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنِّف) هنا (٣٥/ ١٩١) بهذا السند فقط، وأخرجه (مالك) في "الموطإ" (٢٨٥) و (الحميديّ) في "مسنده" (١١٢٢) و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٤ و ٢٦٤) و (البخاريّ) (٤/ ٢٨) و (مسلم) (٦/ ٤٠) و (النَّسائيّ) (٦/ ٣٨) وفي "الكبرى" (٣٣/ ٤٣٧٣ و ٣٤/ ٤٣٧٤) و (الآجريّ) في "الشّريعة" (٢٧٧ و ٢٧٨) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٦٦٦) و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٦٥) وفي "الأسماء والصفات" (٤٦٧ و ٤٦٨ و ٤٦٩) و (البغويّ) في "شرح السنة" (٢٦٣٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان ما أنكرته الجمهيّة من صفات الله تعالى، وهو صفة الضحك، فقد أثبتها النبيّ ﷺ في هذا الحديث الصّحيح المتّفق عليه، فهي ثابتة له على ما يليق بجلاله ، وقد أسلفت آنفا أنه لا يجوز تأويلها بالرضا، فإن الرضا صفة ثابتة له، بالنصوص أيضًا، ولا داعي لتأويلها، وأن التشبيه الّذي زعموه في إثباتها غير وارد أصلًا، لأنه إنّما يأتي لو قلنا ضحك كضحكنا، وهذا لا يعنيه عاقلٌ، فضلًا عن السلف الصالح، أهل العلم والفضل والفهم عن الله تعالى المميزين بين صفات الخالق والمخلوقين، فاسلك سبيلهم، تغنم وتسلم، ولا تقلّد آراء المتأخرين تهلك وتندم، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٢ - (ومنها): بيان فضل الله ، وسعة رحمته، حيث يجعل كلّا من المتقاتلين من أهل الجنَّة، مع أن الكافر قَتَل مسلمًا ظلمًا وعُدوانًا، وجَحْدًا لنعمه تعالى، لكنه بواسع فضله، وسعة رحمته تفضّل عليه بالتوبة، وهداه للإسلام، والقتال في سبيله، حتّى استُشهد، فدخل الجنَّة، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤].
стр. 1765
٣ - (ومنها): أن المتقاتلين ظلمًا إذا وُفّقا للتوبة يكونان متآخيين متصافيين متحابيّن في الجنَّة، كما قال : ﴿وَنَزَعْنَا مَا في صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]، وقال ﴿وَنَزَعْنَا مَا في صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧].
٤ - (ومنها): أن كلّ من قُتِل في سبيل الله فهو في الجنَّة، قاله ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى.
٥ - (ومنها): أن العبرة بالخواتيم، فلو عمل العبد دهرًا من عمره أنواع الكبائر كلها، ثمّ وفّقه الله في آخر حياته للتوبة، والعمل الصالح، مُحيت عنه ذنوبه كلها، وصار من أهل الجنَّة، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]، ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٩٢ - (حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَقْبِضُ الله الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّماءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن عبد الله بن حَرْملة بن عِمران، أبو حفص التُّجيبيّ المصريّ، صاحب الشّافعيّ، صدوق [١١].
رَوَى عن ابن وهب فأكثر، وعن الشّافعيّ ولازمه، وأيوب بن سُويد الرملي، وبشر بن بكر، وأبي صالح عبد الغفار بن داود الحراني، ويحيى بن عبد الله بن بكير، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وابن ماجه، وروى له النَّسائيُّ بواسطة أحمد بن الهيثم
стр. 1766
الطرسوسي، وأبو دُجَانة أحمد بن إبراهيم المصري، وحفيده أحمد بن طاهر بن حرملة، وأبو عبد الرّحمن أحمد بن عثمان النَّسائيُّ الكبير، رفيق أبي حاتم في الرحلة، وغيرهم.
قال: أبو حاتم: يُكْتَب حديثه ولا يحتج به. وقال الدُّوريّ عن يحيى: شيخ لمصر، يقال له: حرملة كان أعلم النَّاس بابن وهب. وقال: ابن عدي: سألت عبد الله بن محمّد ابن إبراهيم الْفَرْهَاذاني أن يملي عليّ شيئًا من حديث حرملة، فقال: يا بُنَيّ ما تصنع بحرملة؟ ضعيفٌ. وقال: أحمد بن صالح: صَنّفَ ابن وهب مائة ألف حديث وعشرين ألف حديث، عند بعض النَّاس النّصف -يعني نفسه- وعند بعض النَّاس منها الكل -يعني حرملة- قال: ابن عدي: وقد تبحرتُ حديث حرملة، وفتشته الكثير فلم أجد فيه ما يجب أن يُضعَّف من أجله، ورجل يكون حديث ابن وهب كله عنده، فليس ببعيد أن يُغْرِب على غيره كُتُبًا ونُسَخًا، وأما حمل أحمد بن صالح عليه، فإن أحمد سَمِعَ في كتب حرملة من ابن وهب، فأعطاه نصف سماعه، ومنعه النّصف، فتَوَلَّدَ بينهما العداوةُ من هذا، وكان من يبدأ بحرملة إذا دخل مصر لم يحدثه أحمد بن صالح، وما رأينا أحدًا جمع بينهما.
كذا قاله، وقد جمع بينهما أحمد بن رِشْدِين شيخ الطَّبرانيُّ، لكن يُحْمَلُ قول ابن عدي على الغرباء، مات حرملة سنة (٢٤٤) كذا قال.
وقال: ابن يونس: وُلِد سنة (١٦٦)، وتُوُفّي لتسع بقين من شوال سنة (٤٣) قال: وكان من أملى النَّاس بما رَوَى ابنُ وهب، ونقل أبو عمر الْكِنْديّ أن سبب كثرة سماعه من ابن وهب أن ابن وهب استَخْفَى عندهم لمّا طُلِب للقضاء. قال: ونظر إليه أشهب فقال: هذا خير أهل المسجد. وقال: الْعُقَيليّ: كان أعلم النَّاس بابن وهب، وهو ثقة -إن شاء الله تعالى- وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وقال: أبو عبد الله الْبُوشنْجِي: سمعت عبد العزيز بن عمران المصري يقول: لَقِيتُ حرملة بعد موت الشّافعيّ، فقلت له: أخرج إليّ فِهْرِسْتَ كتب الشّافعيّ، قال: فأخرجه إليّ، فقلت: ما سمعتم من هذه الكتب؟ قال: فسَمَّى لي سبعة كتب أو ثمانية، فقال: هذا كلُّ شيء عندنا عن الشّافعيّ عَرْضًا وسماعًا.
стр. 1767
قال أبو عبد الله البوشنجي: فَرَوَى عنه الكتب كلها سبعين كتابًا أو أكثر، وزاد أيضًا ما لم يصنفه الشّافعيّ، وذاك أنه رَوَى عنه فيما أَخْبَرَنَا بعض أصحابنا كتاب الفرق بين السحر والنبوة، وأنه قيل له في ذلك، فقال: هذا تصنيف حفص الفرد، وقد عرضته على الشّافعيّ فَرَضِيَهُ.
وله في هذا الكتاب (٥٠) حديثًا.
٢ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن موسى بن مَيْسَرة بن حَفْص بن حَيّان الصَّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠].
رَوَى عن ابن عيينة، والوليد بن مسلم، وابن وهب، وأبي ضَمْرة، والشّافعيّ، وأشهب، وأيوب بن سُويد الرملي، ومَعْن بن عيسى القزاز، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، والنَّسائيّ، وابن ماجه، وابنه أحمد بن يونس، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو زُرْعة، وأبو حاتم، وأبو بكر بن خزيمة، وأبو محمّد بن أبي حاتم، وأبو عوانة الإسفرائيني، وأبو جعفر الطحاوي، وآخرون.
قال أبو حاتم: سمعت أبا الطّاهر ابنَ السَّرْح يَحُثُّ عليه، ويُعَظِّم شأنه. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يوثقه، ويرفع من شأنه. وقال النَّسائيُّ: ثقة. وقال علي بن الحسن ابن قُديد: كان يحفظ الحديث. وقال الطحاوي: كان ذا عقل، حدثني علي بن عَمْرو بن خالد الحراني، سمعت أبي يقول: قال لي الشّافعيّ: يا أبا الحسن انظر إلى هذا الباب، فنظرت إليه، فقال ما يدخل منه أحد أعقل من يونس بن عبد الأعلى. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات".
قال الحافظ: وكان إمامًا في القراءات، قرأ على وَرْشٍ وغيره وقرأ عليه ابن جرير الطّبريّ وجماعة. وقال أبو عمر الْكِنْديّ: كان فقيرًا شديد التّقشُّف، مقبولا عند القضاة.
قال يحيى بن حسان: يونسكم هذا من أركان الإسلام. قال أبو عمر: كان يُسْتَسْقَى بدعائه. وقال مسلمة بن قاسم: كان حافظًا.
стр. 1768
وقد أنكروا عليه تفرده بروايته عن الشّافعيّ حديث: "لا مَهْدِيّ إِلَّا عيسى"، أخرجه ابن ماجه عنه، وكذا الذهبيّ يَدَّعِي أن يونس دَلَّسَه، ويستند في ذلك أن أبا الطاهر رواه عن يونس، فقال: حُدِّثتُ عن الشّافعيّ، لكن رواه ابن منده في "فوائده" من طريق الحسن بن يوسف الطرائفي، وأبي الطّاهر المذكور كلاهما عن يونس: أنا الشّافعيّ ورواه يوسف الميانجي عن ابن خزيمة، وابن أبي حاتم، وزكرياء الساجي، وغير واحد، عن يونس: ثنا الشّافعيّ.
وذكر حفيده عبد الرّحمن بن أحمد بن يونس أن دَعْوَتهم في الصَّدِف، وليسوا من أنفسهم ولا مواليهم، قد تُوُفِّي غداة الاثنين ليومين مَضَيَا من ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين، وكان مولده في ذي الحجة سنة سبعين ومائة.
تفرد به المصنّف، ومسلم، والنَّسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا.
٣ - (عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمّد المصريّ الفقيه، ثقة حافظ عابدٌ [٩].
رَوَى عن عمرو بن الحارث، وابن هاني، وحسين بن عبد الله الْمُعَافري، وبكر بن مضر، وحَيْوَة بن شُرَيح، وسعيد بن أبي أَيّوب، والليث بن سعد، وابن لهيعة، وعياض ابن عبد الله الْفِهْريّ، وعبد الرّحمن بن شُريح، وغيرهم من أهل مصر، وعن مالك، وسليمان بن بلال، ويونس بن يزيد، وسلمة بن وَرْدان، وجماعة.
ورَوَى عنه ابن أخيه أحمد بن عبد الرّحمن بن وهب، والليث بن سعد شيخه، وعبد الرّحمن بن مهدي، وعبد الله بن يوسف التنيسي، وأحمد بن صالح المصري، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وعلي بن المديني، وسعيد بن أبي مريم، ويحيى بن بكير، وإبراهيم بن المنذر، وأصبغ بن الفَرَج، وحرملة بن يحيى، وقُتَيْبَةُ، وجماعة، ويونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان المراديّ، وآخرون.
قال الميموني عن أحمد: كان ابن وهب له عقل ودين وصلاح. وقال أبو طالب عن أحمد: صحيح الحديث، يَفْصِلُ السماع من الْعَرْض، والحديثَ من الحديث، ما
стр. 1769
أصح حديثه وأثبته، قيل له: إنّه كان يُسيئ الأخذ، قال: قد كان، ولكن إذا نظرتَ في حديثه، وما روى عن مشايخه وجدته صحيحًا.
وقال أحمد بن صالح: حدث ابن وهب بمائة ألف حديث. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: سمعت ابن بُكير يقول: ابن وهب أفقه من ابن القاسم. وقال علي بن الحسين بن الجنيد: سمعت أبا مُصْعَب يُعَظِّم ابن وهب، قال: ومسائل ابن وهب عن مالك صحيحة.
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: صالح الحديث، صدوقٌ أحب إليّ من الوليد بن مسلم، وأصح حديثًا منه بكثير. وقال هارون بن عبد الله الزهريّ: كان النَّاس بالمدينة يختلفون في الشيء عن مالك، فينتظرون قدوم ابن وهب حتّى يسألوه عنه. وقال الحارث بن مسكين: شهدت ابن عيينة يقول: هذا عبد الله ابن وهب شيخ أهل مصر. وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: نظرت في نحو ثلاثين ألفًا من حديث ابن وهب بمصر وغير مصر، لا أعلم أني رأيت له حديثًا لا أصل له، وهو ثقة. وقال أبو حاتم بن حبّان: جمع ابن وهب وصَنَّف، وهو حَفِظَ على أهل الحجاز ومصر حديثهم، وعُنِي بجميع ما رووا من المسانيد والمقاطيع، وكان من الْعُبّاد. وقال ابن عدي: وابنُ وهب من أجلة النَّاس وثقاتهم، وحديث الحجاز ومصر يدور على رواية ابن وهب، وجَمع لهم مسندهم ومقطوعهم، وقد تفرّد عن غير شيخ بالرواية، من الثقات والضعفاء، ولا أعلم له حديثًا منكرًا إذا حدث عنه ثقةٌ من الثقات. وقال يونس بن عبد الأعلى: عُرِضَ على ابن وهب القضاءُ، فجَنَّن نفسه، ولزم بيته.
وقال أبو الطّاهر ابن السرح لم يزل ابن وهب يسمع من مالك من سنة (٤٨) إلى أن مات مالك. وقال الخليلي: ثقة متفق عليه، و"موطؤه" يزيد على كلّ مَنْ رَوَى عن مالك.
وقال حاتم بن اللَّيث الجوهري عن خالد بن خِدَاش: قُرئ على ابن وهب "كتاب أهوال يوم القيامة" -يعني من تصنيفه- فَخَرّ مَغْشيًّا عليه، فلم يتكلم بكلمة
стр. 1770
حتّى مات بعد أيّام، قال: فَنَرَى -والله أعلم- أنه انصدع قلبه، فمات بمصر سنة سبع وتسعين ومائة. وقال ابن يونس: حدثني أبي عن جدي، قال: سمعت ابن وهب يقول: وُلِدتُ سنة (١٢٥)، وطَلَبتُ العلم وأنا ابن (١٧) سنة. وقال ابن يونس: وتُوُفّي يوم الأحد لأربع بقين من شعبان.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب من الأحاديث (١٠٤).
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد، ويقال: ابن مُشكان بن أبي النِّجَاد الأيليّ -بفتح الهمزة، وسكون التحتيّة، بعدها لام- أبو يزيد، مولى معاوية بن أبي سفيان، ثقة ثبتٌ، من كبار [٧].
رَوَى عن أخيه، أبي عليّ بن يزيد، والزهريّ، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، وعُمارة بن غَزِيّة، وعكرمة، وغيرهم.
ورَوَى عنه عَمرو بن الحارث، ومات قبله، وابن أخيه عنبسة بن خالد بن يزيد الأيليّ، والليث، والأوزاعيّ، وسليمان بن بلال، وابن المبارك، وابن وهب، وبقية بن الوليد، وحسان بن إبراهيم الكرماني، وعبد الله بن رَجَاء المكي، وأبو صفوان عبد الله ابن سعيد الأموي، وعبد الله بن عُمَر النُّمَيري، وعثمان بن عمر بن فارس، وآخرون.
قال ابن المديني، وابن مهدي: كان ابن المبارك يقول: كتابه صحيح، قال ابن مهدي: وكذا أقول. وقال عبدان عن ابن المبارك: إنِّي إذ انظرت في حديث معمر ويونس يعجبني كأنهما خرجا من مشكاة واحدة. وقال عبد الرزّاق عن ابن المبارك: ما رأيت أحدًا أروى للزهري من معمر إِلَّا أن يونس أحفظ للمسند، وفي رواية إِلَّا يونس، فإنّه كتب على الوجه. وقال محمّد بن عوف عن أحمد: قال وكيع: رأيت يونس ابن يزيد الأيلي، وكان سيء الحفظ. وقال حنبل بن إسحاق عن أحمد: ما أعلم أحدًا أحفظ بحديث الزّهريُّ من معمر إِلَّا ما كان من يونس فإنّه كتب كلّ شيء هناك. وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: في حديث يونس عن الزّهريُّ منكرات، منها عن سالم عن أبيه، "فيما سَقَت السَّماء العشر"، وقال الميموني:
стр. 1771
سئل أحمد من أثبت في الزّهريّ؟ قال: معمر، قيل: فيونس؟ قال: رَوَى أحاديث منكرة. وقال الفضل بن زياد عن أحمد: ثقة. وقال الدُّوري عن ابن معين: أثبت النَّاس في الزّهريّ مالك ومعمر ويونس وعُقيل وشعيب وابن عيينة.
وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: يونس أحب إليك أو عقيل؟ قال: يونس ثقة، وعقيل ثقة قليل الحديث عن الزّهريّ، قلت: أين يقع الأوزاعي من يونس؟ قال: يونس أسند عن الزّهريّ. وقال يعقوب بن شيبة عن أحمد بن العباس: قلت لابن معين: معمر أو يونس؟ قال: يونس أسندهما، وهما ثقتان جميعًا، وكان معمر أحلى.
وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: يونس ومعمر عالمان بالزهري. وقال أحمد بن صالح: نحن لا نُقَدِّم في الزّهريّ على يونس أحدًا، قال: وكان الزّهريُّ إذا قَدِمَ أَيْلَةَ نزل عليه، وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وقال ابن يونس: كان من موالي بنى أمية.
قيل: تُوُفِّي بصعيد مصر سنة تسع وخمسين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٥) حديثًا.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمّد بن مسلم، أبو بكر الزهريّ الإمام الحجة الفقيه الحافظ المتفق على جلالته وإمامته، وإتقانه، من رءوس [٤] ٢/ ١٥.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] ١٢/ ١٠٤.
٧ - (أبو هُرَيْرَةَ) المذكور في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصّحيح.
٣ - (ومنها): أن نصفة الأوّل مسلسلٌ بثقات المصريين، ونصفه الثّاني مسلسل بثقات المدنيين.
٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصح أسانيد أبي هريرة ﵁ على ما ذكره الحافظ أبو
стр. 1772
عبد الله الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" ص (٥٥).
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن شهاب، عن ابن المسيّب.
٦ - (ومنها): أن سعيدًا من الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٧ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁، كما بيَّنَّاه في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه قال: (حَدَّثَني سَعِيدُ بْنُ المسَيَّبِ) هكذا في هذه الرِّواية صرّح الزهريّ بأن سعيدًا حدّثه، فشيخه هو ابن المسيّب.
[تنبيه]: (اعلم): أنه اختُلف في هذا الإسناد على ابن شهاب في شيخة، فقال يونس: عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة له، وخالفه في ذلك شعيب بن أبي حمزة، ومحمد بن الوليد الزُّبَيدي (١)، وعبد الرّحمن بن خالد بن مسافر الفهميّ، وإسحاق بن يحيى، فقالوا: عن الزّهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁.
فأمّا رواية شعيب بن أبي حمزة، فقد وصلها الدارمي، قال: حَدَّثَنَا الحكم بن نافع -وهو أبو اليمان- فذكره، وفيه: سمعت أبا سلمة يقول: قال: أبو هريرة، وكذا أخرجه ابن خُزيمة في "كتاب التّوحيد" عن محمّد بن يحيى الذُّهْلي، عن أبي اليمان.
وأما رواية الزُّبَيْدي، فوصلها ابن خزيمة أيضًا من طريق عبد الله بن سالم عنه، عن الزّهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وأما طريق عبد الرّحمن بن خالد بن مسافر فوصلها البخاريّ في "تفسير سورة الزُّمَر" من طريق اللَّيث بن سعد عنه كذلك.
وأما رواية إسحاق بن يحيى، فوصلها الذُّهْلي في "الزهريات".
قال الإسماعيلي وافق الجماعةَ عبيدُ الله بنُ زياد الرُّصَافي في أبي سلمة.
стр. 1773
قال الحافظ: وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق الصَّدَفيّ، عن الزّهريّ كذلك، ونَقَل ابن خزيمة عن محمّد بن يحيى الذُّهْلي أن الطريقين محفوظان. انتهى.
قال: وصنيع البخاريّ يقتضي ذلك، وإن كان الّذي تقتضيه القواعد ترجيحَ رواية شعيب؛ لكثرة من تابعه، لكن يونس كان من خَوَاصِّ الزّهريّ الملازمين له.
انتهى ملخّصًا من "الفتح" (١)، وهو تحقيق نفيسٌ. والله تعالى أعلم.
(أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسْولُ الله ﷺ : "يَقْبِضُ) بكسر الموحّدة، من باب ضرب (الله الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ) قال القاضي عياض: هذا الحديث جاء في "الصّحيح" على ثلاثة ألفاظ: القبض، والطيّ، والأخذ، وكلّها بمعنى الجمع، فإن السماوات مبسوطة، والأرض مَدْحُوّةٌ ممدودة، ثمّ رجع ذلك إلى معنى الرفع والإزالة والتبديل، فعاد ذلك إلى ضمّ بعضها إلى بعض وإبادتها، فهو تمثيل لصفة قبض هذه المخلوقات، وجمعها بعد بسطها، وتفرّقها دلالةً على المقبوض والمبسوط، لا على البسط والقبض، وقد يحتمل أن يكون إشارةً إلى الاستيعاب انتهى.
وقال السنديّ ﵀: هذا الحديث كالتفسير لقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، والمقصود بيان عظمته تعالى، وحقارة الأفعال العظام الّتي تتحيّر فيها الأوهام بالإضافة إلى كمال قدرته، وهذا المقصود حاصلٌ بهذا الكلام، وإن لم يُعرف كيفيّة القبض، وحقيقة اليمين، فالبحث عنهما خارجٌ عن القدر المقصود إفهامه، فلا ينبغي. انتهى (٢).
(ثُمَّ يَقولُ: أَنَا الْملِكُ) قال البيهقي ﵀: الملك، والمالك: هو الخاصّ الملكِ، ومعناه في حقّ الله تعالى القادر على الإيجاد، وهي صفة يستحقها لذاته. وقال الراغب: الملك التصف بالأمر والنهي، وذلك يختص بالناطقه، ولهذا قال: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾
стр. 1774
[النَّاس: ٢]، ولم يقل: مَلِكُ الأشياء، قال: وأما قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، فتقديره: الملك في يوم الدين؛ لقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] انتهى.
ويحتمل أن يكون خص النَّاس بالذكر في قوله تعالى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾؛ لأن المخلوقات جمادٌ ونَامٍ، والنامي صامتٌ وناطقٌ، والناطق متكلم وغير متكلم، فأشرف الجميع المتكلم، وهم ثلاثة: الإنس والجن والملائكة، وكل مَنْ عداهم جائز دخوله تحت قبضتهم وتصرفهم، وإذا كان المراد بالناس في الآية المتكلم، فمن ملكوه في ملك من ملكهم، فكان في حكم ما لو قال: ملك كلّ شيء، مع التنويه بذكر الأشرف، وهو المتكلم. قاله في "الفتح" (١).
(أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْص؟) يقوله تعالى هذا إذلالًا لهم، وإظهارًا لعظمته ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ١٩٢) بهذا السند فقط، وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢/ ٣٧٤) و (البخاريُّ) (٨/ ١٣٥ و ٩/ ١٤٢) و (مسلم) (٨/ ١٢٦) وأخرجه أيضًا الدارميّ في "سننه" (٢٨٠٢) و (البخاريّ) (٦/ ١٥٨) من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو إثبات ما أنكرته الجهميّة
стр. 1775
من الصفات، وهو صفة القبض، والطيّ، واليمين، والكلام، حيث يقول الله : "أنا الملك أين ملوك الأرض؟ "، وكلّها صفات ثابتة لله على ما يليق بجلاله، بل نثبتها له كما أثبتها هذا الحديث الصّحيح المتّفق عليه، ولا نعطّل، ولا نمثّل، ولا نكيّف، ولا نؤول.
٢ - (ومنها): بيان عظمة الله تعالى، وأنه المتفرّد بالملك، وأن الخلائق كلهم يفنون.
[تنبيه]: ذكر في "الفتح" عن ابن أبي حاتم ﵀ أنه قال في "كتاب الرَّدِّ على الجهمية": وجدت في كتاب أبي عمر نُعيم بن حماد، قال: يقال للجهمية: أخبرونا عن قول الله تعالى بعد فناء خلقه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، فلا يجيبه أحد، فيرد على نفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وذلك بعد انقطاع ألفاظ خلقه بموتهم، أفهذا مخلوق. انتهى.
وأشار بذلك إلى الرَّدِّ على من زعم أن الله يخلُق كلامًا، فيسمعه من شاء بأن الوقت الّذي يقول فيه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ لا يبقى حينئذ مخلوق حيًّا، فيجيب نفسه، فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، فثبت أنه يتكلم بذلك، وكلامه صفة من صفات ذاته مخلوق.
وعن أحمد بن سَلَمة، عن إسحاق بن راهويه قال: صَحّ أن الله يقول بعد فناء خلقه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، فلا يجيبه أحد، فيقول لنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.
قال: ووجدت في كتاب عند أبي، عن هشام بن عبيد الله الرَّازيُّ قال: إذا مات الخلق، ولم يبق إِلَّا الله، وقال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، فلا يجيبه أحدٌ، فيرد على نفسه، فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، قال: فلا يشكّ أحدٌ أن هذا كلام الله، وليس بوحي إلى أحد؛ لأنه لم تَبْقَ نفس فيها روح إِلَّا وقد ذاقت الموت، والله هو القائل، وهو المجيب لنفسه.
وفي حديث الصور الطَّويل: "فإذا لم يبق إِلَّا الله كان آخرًا كما كان أوَّلًا، طَوَى السَّماء والأرض، ثمّ دحاها، ثمّ تلقفهما، ثمّ قال: أنا الجبار ثلاثًا، ثمّ قال: ﴿لِمَنِ
стр. 1776
الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ثلاثًا، ثمّ قال لنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١).
وقال الإمام ابن جرير الطّبريّ ﵀ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، يعني يقول الله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ﴾، فترك ذكر ذلك استغناءً لدلالة الكلام عليه، قال: وقوله: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ذكر أن الرب ﷻ هو القائل ذلك مجيبًا لنفسه (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٩٣ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا الْوَليدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ الهَمْدَانِيُّ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمِيرَةَ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المطَّلِبِ، قَالَ: كُنْتُ بِالْبَطْحَاءِ في عِصَابَةٍ، وَفِيهِمْ رَسُول الله ﷺ ، فَمَرَّتْ بِهِ سَحَابَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: "مَا تُسَمُّونَ هَذِهِ؟ قَالُوا: السَّحَابُ، قَالَ: "وَالمُزْنُ"، قَالُوا: وَالْمُزْنُ، قَالَ: "وَالْعَنَانُ"، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالُوا: وَالْعَنَانُ، قَالَ: "كَمْ ترَوْنَ بَيْنكُمْ وَبَيْنَ السَّماءِ؟ " قَالُوا: لَا نَدْرِي، قَالَ: "فَإِنَّ بَيْنكُمْ وَبَيْنَهَا إِمَّا وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَالسَّمَاءُ فَوْقَهَا كَذَلِكَ"، حَتَى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، ثُمَّ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ كَمَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْ عَالٍ، بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ وَرُكَبِهِنَّ كَمَا بَيْنَ سَمَاء إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِنَّ الْعَرْشُ، بَيْنَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ كَمَا بَيْنَ سَماءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ الله فَوْقَ ذَلِكَ ﵎").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيىَ) الذّهْليّ النيسابوريّ، ثقة ثبت حافظ جليل [١١] ٢/ ١٦.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح) الدُّولابي، أبو جعفر البغداديّ، البزّاز، مولى مُزَينة،
стр. 1777
صاحب "السنن"، ثقة حافظ [١٠].
رَوَى عن حفص بن غياث، والفضل بن موسى السِّيناني، وإسماعيل بن جعفر، وإسماعيل بن زكريا، وإبراهيم بن سعد، ويوسف بن يعقوب الماجشون، والوليد بن مسلم، وهشيم، وابن المبارك، وابن عيينة، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وروى الباقون عن البخاريّ، والحسن ابن محمّد الزعفراني، وداود بن سليمان الدقاق، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، ومحمد ابن يحيى بن كثير الحراني، والذهلي، وعبد الملك بن عبد الحميد الميموني عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان، وأبو زرعة الدمشقي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم.
قال القاسم بن نصر المُخَرِّمي: سألت أحمد بن حنبل عن محمّد الدولابي، فقال: شيخنا ثقة. وقال ابن معين: ثقة مأمون. وقال العجاب: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صاحب حديث، وقال في موضع آخر: كان ثقةً عالمًا بهشيم. وقال أبو حاتم: ثقة ممّن يحتج بحديثه، وكان أحمد يعظمه. وقال تمتام: حَدَّثَنَا محمّد الدولابي الثقة المأمون والله.
وقال ابن عدي: شيخ سُنّي من الصالحين. وقال مسلمة في "الصلة": ثقة مشهور.
وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: وُلد بالري بقرية يقال لها دُولاب. وقال ابنه: مات أبي وهو ابن (٧٧) سنة. وقال ابن سعد: مات في آخر المحرم سنة سبع وعشرين ومائتين، وفيها أَرَّخه ابن حبّان، لكن قال: لأربع عشرة ليلة خلت من المحرم.
وفي "الزهرة": رَوَى عنه البخاريّ (١٢) حديثًا، ومسلم (٢٠).
وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (الْوَليدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ الْهَمْدَانِيُّ) هو الوليد بن عبد الله بن أبي ثور المُرْهِبِيّ الكوفيّ، نُسب لجدّه، ضعيف [٨].
رَوَى عن عبد الملك بن عُمير، وسماك بن حرب، وزياد بن عِلاقة، والسُّدّي،
стр. 1778
ومحمد بن سُوقة، وغيرهم.
ورَوَى عنه يونس بن محمّد المؤدب، ومحمد بن بكار بن الريان، ومحمد الدُّولابي، وعباد بن يعقوب الرَّوَاجِنِي، وجُبَارة بن المُغَلِّس، ولُوَين، وغيرهم.
قال أبو داود: قال أحمد: ما لي به ذاك الْخُبْر، كان شيخًا قَدِم هنا، كان ابن الصبّاح يحدث عنه. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس بشيء. وقال محمّد بن عبد الله بن نمير: كذّاب. وقال سعيد الْبَرْذعيّ عن أبي زرعة: منكر الحديث يَهِمُ كثيرًا. وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: في حديثه وَهَاءٌ، وعن أبيه: شيخ يُكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال يعقوب بن سفيان، والنَّسائيّ، وصالح بن محمّد: ضعيف. وقال صالح بن محمّد في موضع آخر: سألنا محمّد بن الصبّاح عنه، فقال: جاء إلى هُشيم فأكرمه، فكتبنا عنه. وقال يعقوب الدّوْرقي عن الوليد بن صالح: سألت شريكًا عنه فزكاه. وقال الْعُقيليّ: يحدّث عن سماك بمناكير، لا يتابع عليها.
وقال ابن قانع: مات سنة اثنتين وسبعين ومائة.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (سِمَاك (١)) بن حرب بن أوس بن خالد الذُّهليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، وروايته عن عكرمة خاصّةً مضطربة، وتغيّر بآخره، وربّما تلقّن [٤] ٤/ ٣٠.
٥ - (عَبْدُ الله بْنُ عَمِيرَةَ) -بفتح أوله، وكسر ثانيه- الكوفيّ مجهول (٢) [٢].
قال في "التهذيب": رَوَى عن الأحنف بن قيس، عن العباس حديث الأَوْعَال -يعني هذا الحديث- وعنه سماك بن حرب، وفيه عن سماك اختلاف، قال البخاريّ: لا يُعلَم له سماع من الأحنف. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وحَسَّن التّرمذيّ حديثه.
стр. 1779
وقال أبو نعيم في "معرفة الصّحابة": أدرك الجاهلية، وكان قائد الأعشى، لا تصح له صُحْبةٌ، ولا رؤية، ذكره بعض المتأخرين -يعني ابن منده-. وقال مسلم في "الوُحْدان": تفرد سماك بالراوية عنه. وقال إبراهيم الحربيّ: لا أعرفه. وقال ابن ماكولا: روى عن جرير وغيره.
أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف هذا الحديث فقط.
٦ - (الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ) بن معاوية بن حِصْن التميميّ السعديّ، أبو بَحْر البصريّ، اسمه الضحّاك، وقيل: صخر، وقيل: الحارث، والأحنف لقبٌ، أدرك النّبيّ ﷺ ، ولم يُسْلِم، ويُروَى بسند لين أن النّبيّ ﷺ دعا له، مخضرم ثقة [٢].
رَوَى عن عمر، وعلي، وعثمان، وسعد، وابن مسعود، وأبي ذرّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه الحسن البصري، وأبو العلاء بن الشِّخِّير، وطلق بن حبيب، وغيرهم.
قال الحسن: ما رأيت شريف قوم أفضل من الأحنف، ومناقبه كثيرة، وحلمه يُضْرَب به المثل. وذكره محمّد بن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة، قال: وكان ثقةً مأمونًا قليل الحديث. وذكر الحاكم أنه الّذي افتتح مَرْوَ الرُّوذ. وقال مُصْعَب بن الزُّبير يوم موته: ذهب اليوم الحزم والرأي. قيل: مات سنة (٦٧)، وقيل: سنة (٧٢). وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وقال أحمد في "الزهد": حَدَّثَنَا أبو عبيدة الحداد، ثنا عبد الملك ابن مَعْن، عن خير بن حَبِيب أن الأحنف بَلَّغَه رجلان دعاءَ النّبيّ ﷺ ، فسجد. ومن طريق الحسن عن الأحنف قال: لست بحليم، ولكني أتحالم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٩٣) وحديث (٦٨٩) "لا تزال أُمَّتي على الفطرة ما لم يؤخّروا المغرب".
٧ - (الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المطَّلِبِ) بن هاشم، عمّ النبيّ ﷺ -﵁ ٢١/ ١٤٠، والله تعالى أعلم.
стр. 1780
شرح الحديث:
(عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ) ﵁، أنه (قَالَ: كنْتُ بِالْبَطْحَاءِ) قال ابن الأثير: البطحاء: الحصى الصغار، وبطحاء الوادي وأبطحه: حصاه اللَّيِّن في بطن المَسِيل، وأبطح مكّة هو مَسيل واديها، ويُجمع على البِطَاح، والأباطح. انتهى (١).
[تنبيه]: يحتمل أن يكون المراد بالبطحاء بطحاء مكّة، ويحتمل أن يكون غيره، وإلى الأوّل مال الطيبيّ حيث استدلّ به، وبقوله في رواية الترمذيّ "زعم أنه كان جالسًا إلخ" على أن العباس لم يكن حينئذ مسلمًا، ولا تلك العصابة كانوا مسلمين، قال: وأراد ﷺ أن يَشغلهم عن السفليّات إلى العلّويات، والتفكّر في ملكوت السماوات والعرش، ثمّ يترقّوا إلى معرفة خالقهم، ورازقهم، ويستنكفوا عن عبادة الأصنام، ولا يُشركوا بالله الملك العلّام، فأخذ في الترقّي من السحاب، ثمّ من السماوت، ثمّ من البحر، ثمّ من الأوعال، ثمّ من العرش إلى ذي العرش. انتهى (٢).
(في عِصَابَةٍ) أي مع جماعة، فـ "في" بمعنى "مع"، و"العصابة" بالكسر: الجماعة من النَّاس (وَفِيهِمْ رَسُولُ الله ﷺ ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَمَرَّتْ بِهِ سَحَابَةٌ) واحدة السحاب، سُمّي بذلك؛ لانسحابه في الهواء، والجمع سُحُبٌ بضمّتين (٣) (فَنَظَرَ) النبيّ ﷺ (إِلَيْهَا) أي إلى السحابة (فَقَالَ: "مَا) استفهاميّة (تُسَمُّونَ هَذِهِ؟) أي أيّ شيء تسمّون هذه السحابة؟ (قَالُوا: السَّحَابُ) بالرفع خبر لمحذوف، أي هي السحاب، ويحتمل النصب، أي نسمّيها السحاب، وكذا يجوز الوجهان في "المزن"، و"العَنَان" (قَالَ) ﷺ " (وَالْمُزْنُ") أي وتسمونها أيضًا المزن، وهو بضم الميم، وسكون الزاي: السحابُ، أو أبيضه، وقال الطيبي: هو الغيم والسحاب، واحدته مُزنة، وقيل: هي
стр. 1781
السحاب الأبيض انتهى (١) (قَالُوا: وَالْمُزْنُ، قَالَ) ﷺ ("وَالْعَنَانُ") أي وتسمونها أيضًا الْعَنَان، وهو كالسَّحاب وزنًا ومعنًى، واحدته عَنَانة، وقيل: ما عَنَّ لك فيها، أي اعترض، وبدا لك إذا رفعت رأسك. قاله الطيبيّ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) هكذا النسخ، ولا ذكر لأبي بكر في السند، ولعلّ المصنّف أيضًا رواه عن شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، فإنّه كثير الرواية عنه، فليُحرّر (قَالُوا: وَالْعَنَانُ، قَالَ) ﷺ ("كَمْ ترَوْنَ) أي تظنّون وتعتقدون، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ (بَيْنكُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ؟ ").
وفي رواية أبي داود: "هل تدرون ما بُعْدُ ما بين السَّماء والأرض؟ " (قَالُوا: لَا نَدْرِي) أي لا نعلم ذلك (قَالَ) ﷺ "فَإِنَّ بَيْنكُمْ وَبَيْنَهَا إِذَا وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ سَنَةً) قال السنديّ: قيل: لعلّ الترديد من شك الراوي، وقد جاء في الأخبار أن بُعد ما بين السَّماء والأرض خمسمائة سنة، فقال الطيبيّ: المراد بالسبعين في الحديث التكثير دون التحديد، ورُدّ بأنه لا فائدة حينئذ لزيادة "واحد، أو اثنين"، قال السنديّ: لعلّ التّفاوت لتفاوت السائر؛ إذ لا يقاس سير الإنسان بسير الفرس، كذلك ذكرته في "حاشية أبي داود"، ثمّ رأيت في "حاشية السيوطيّ" على الكتاب أن الحافظ ابن حجر ذكر مثله، فلله الحمد على التوفق. انتهى (٢) (وَالسَّمَاءُ فَوْقَهَا كَذَلِكَ) أي بالمدّة المذكورة (حَتَّى عَدَّ) ﷺ (سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، ثُمَّ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ) بالرفع كما في بعض النسخ على أنه مبتدأ خبره الظرف قبله، ووقع في بعض النسخ "بحرًا" بالنصب، فيكون معطوفًا على اسم "إنّ" في قوله: "فإن بينكم وبينها إمّا واحدًا" (بَيْنَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ) أي بين أعلى ذلك البحر وأسفله (كَما بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سماءٍ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمانِيَةُ أَوْعَالٍ) يحتمل "ثمانية" الرفع والنصب كما مرّ آنفًا في "بحر"، و"الأوعال" بالفتح جمع وَعِل بفتح، فكسر: وهو تَيْسُ الجبل، والمراد به هنا الملائكة على صورة الأوعال، كما قال : ﴿وَيَحْمِلُ
стр. 1782
عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ) بالفتح: جمع ظِلْف، بكسر فسكون، وهو للبقر والغنم، كالحافر للفرس (وَرُكَبِهِنَّ) بضم ففتح: جمع ركبة بضم، فسكون، كغُرْفة وغُرَف (كَمَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِنَّ الْعَرْشُ، بَيْنَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ كَمَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ الله فَوْقَ ذَلِكَ ﵎ فيه أن الله تعالى مستوٍ على عرشه، وهو بائن من خلقه، وقال السنديّ: تصوير لعظمته ، وفوقيّته على العرش بالعلّوّ والعظمة والحكم، لا الحلول والمكان. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: إن قولنا: إن الله تعالى استوى على العرش، أي علا وارتفع، لا يلزم منه الاتحاد، ولا الحلول، بل هو استواء وعلوّ وارتفاع يليق بجلاله ، ولا يجوز أن نؤوّله بأنه بمعنى استولى كما هو مذهب الأشاعرة والمتكلّمين، فتنبه لهذه الدقيقة، فإنها من مزالّ الأقدام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث العباس بن عبد المطّلب هذا ضعيف؛ لضعف الوليد بن عبد الله، بل كذّبه ابن نُمير، وقال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء، وجهالة عبد الله ابن عَمِيرة؛ فإنّه لم يرو عنه إِلَّا سماك بن حرب، وضعفه العقيليّ وابن عديّ، وقال إبراهيم الحربيّ والذهبيّ: لا يُعرف، وقال البخاريّ في "التاريخ الكبير": لا يعلم له سماع من الأحنف.
والحاصل أن الحديث ضعيف جدًّا، فلا التفات إلى تحسين الترمذيّ له، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ١٩٣) بهذا السند فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٠٦ و ٢٠٧) و (أبو داود) (٤٧٢٣ و ٤٧٢٥) و (الترمذيّ) (٣٣٢٠)،
стр. 1783
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٩٤ - (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِب، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: "إِذَا قَضَى الله أَمْرًا في السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا خُضْعَانًا لِقَوْلهِ، كَأَنَّهُ سلسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَـ ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ، فَيَسْمَعُ الْمَلَائِكَةُ الْكَلِمَةَ، فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا إِلَى الَّذِي تَحْتَهُ، فَيُلْقِيهَا عَلَى لِسَانِ الْكَاهِنِ أَوِ السَّاحِرِ، فَرُبَّمَا لَمْ يُدْرَكْ حَتَّى يُلْقِيَهَا، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فتصْدُقُ تِلْكَ الْكَلِمَةُ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّماءِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ) المدنيّ، نزيل مكّة، صدوقٌ ربّما وَهِم [١٠] ١/ ٩.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنةَ) الهلاليّ، أبو محمّد الكوفيّ، ثمّ المكي، ثقة ثبت فقيه حجة، من كبار [٨] ٢/ ١٣.
٣ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الجُمحيّ، أبو محمّد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١٠/ ٨٠.
٤ - (عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبّاس، أبو عبد الله المدنيّ، بربريّ الأصل، ثقة ثبت مفسّر، لا يثبت عنه بدعة [٣] ٩/ ٦٢.
٥ - (أبو هُرَيْرَةَ) ﵁ ١/ ١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصّحيح، غير شيخه، وهو صدوق، ولم ينفرد بهذا الحديث، فقد تابعه عليّ بن المديني عند البخاريّ في "صحيحه"، والحميديّ في
стр. 1784
"مسنده"، وأحمد بن عبدة، وإسماعيل بن إبراهيم كلاهما عند أبي داود، وابن أبي عمر عند الترمذيّ، فكلهم رووه عن سفيان بن عيينة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير عكرمة، وأبا هريرة فمدنيان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عمرو عن عكرمة.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁، وقد سبق القول فيه قريبًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا قَضَى الله أَمْرًا) أي تكلَّم الله بأمر (في السَّمَاءِ) في حديث النواس بن سمعان ﵁ عند الطَّبرانيُّ مرفوعًا: "إذا تكلم الله بالوحي، أَخَذت السماءَ رَجْفَةٌ شديدةٌ من خوف الله، فإذا سَمِع أهلُ السَّماء بذلك صَعِقُوا، وخَرُّوا سُجَّدًا، فيكون أَوَّلهم يرفع رأسه جبريلُ، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فينتهي به على الملائكة، كلما مَرّ بسماء سأله أهلها، ماذا قال رَبَّنَا؟ قال: الحقَّ، فينتهي به حيث أُمِرَ (ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ أجْنِحَتَهَا) وعند البخاريّ: "بأجنحتها" (خُضْعَانًا) بضم أوله وسكون ثانية، مصدر خَضَع، كالغُفْران، والْكُفْرَان، ويُروى بالكسر، كالْوِجْدَان، والْعِرْفَان، أو هو جمع خاضع، كالجِيعَان، فإن كان جمعًا، فهو حالٌ، وإن كان مصدرًا جاز أن يكون مفعولًا مطلقًا؛ لما في ضرب الأجنحة من معنى الخضوع، أو مفعولًا له، وذلك لأن الطائر إذا استشعر خوفًا أرخى جناحيه، مُرْتعدًا، ويُروى "خُضَعًا لقوله"، جمع خاضع، كراكع ورُكَّع (١).
وقال في "الفتح": قوله: "خَضَعَانًا" بفتحتين، من الخضوع، وفي رواية بضم أوله، وسكون ثانيه، وهو مصدر بمعنى خاضعين انتهى (٢) (لِقَوْلهِ) متعلّق بـ "خضعانًا" (كَأَنَّهُ) أي القول المسموع (سِلْسِلَةٌ) أي صوت وَقْع سلسلة الحديد، وقال في "الفتح":
стр. 1785
هو مثل قوله في بدء الوحي: "صَلْصَلةٌ كصلصلة الجَرَس، وهو صوت الملك بالوحي، وقد رَوَى ابن مَرْدَوَيه من حديث ابن مسعود ﵁ رَفَعَهُ: "إذا تكلم الله بالوحي، يسمع أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان، فيفزعون، ويَرَون أنه من أمر السّاعة، وقرأ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾ الآية، وأصله عند أبي داود وغيره وعلقه البخاريّ موقوفًا، قال الخطابي: الصَّلْصَلةُ صوت الحديد إذا تحرك وتداخل.
قال الحافظ: وكأنّ الرِّواية وقعت له بالصاد، وأراد أن التشبيه في الموضعين بمعنى واحد، فالذي في بدء الوحي هذا، والذي هنا جَرُّ السلسلة من الحديد على الصفوان الّذي هو الحجر الأملس، يكون الصوت الناشيء عنهما سواء. انتهى.
(عَلَى صَفْوَانٍ) بفتح، فسكون: هو الحجر الأَمْلَسُ، زاد في رواية البخاريّ في "سورة الحجر" عن علي بن عبد الله: قال غيره -يعني غير سفيان- "ينفذهم ذلك"، وفي حديث ابن عبّاس عند ابن مردويه من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عنه: "فلا يَنْزِل على أهل سماء إِلَّا صعِقُوا"، وعند مسلم والترمذي، من طريق على بن الحسين بن علي، عن ابن عبّاس، عن رجال من الأنصار، أنهم كانوا عند النّبيّ ﷺ ، فَرُمِيَ بنجم فاستنار، فقال: "ما كنتم تقولون لهذا إذا رُمِي به في الجاهلية؟ " قالوا: كنا نقول: مات عظيم، أو يولد عظيم، فقال: "إنها لا يُرْمَى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن رَبُّنَا إذا قضى أمرًا سَبَّحَ حملةُ العرش، ثمّ سَبَّح أهلُ السَّماء الذين يلونهم، حتّى يبلغ التسبيح سماءَ الدنيا، ثمّ يقولون لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ ... " الحديث، وليس عند التّرمذيّ: "عن رجال من الأنصار".
(فَـ ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي كُشِف عنهم الفزع وأُزيل (قَالُوا) أي قال بعض الملائكة لبعضهم (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ) (قَالُوا) أي الملائكة المقرّبون، كجبريل ﵇، فقد أخرج أبو داود في "سننه" عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تكلم الله بالوحي، سمِعَ أهلُ السماء للسماء صَلْصَلةً كجَرِّ السلسلة على
стр. 1786
الصَّفَا، فيَصْعَقُون، فلا يزالون كذلك، حتّى يأتيهم جبريل، حتّى إذا جاءهم جبريل فُزِّعَ عن قلوبهم، قال: فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربك؟ فيقول: الحقَّ، فيقولون: الحق الحق".
(الحقَّ) بالنصب، مفعولًا لفعل مقدّر يدلّ عليه السؤال، أي قال الحقّ، أي القول الحقّ، وجوّز بعضهم الرفع بتقدير قوله الحقُّ، والأول هو الظّاهر، قيل: القولُ يجوز أن يراد به كلمة "كن"، وأن يراد به الحقّ مقابل الباطل، والمراد ما يقضيه الله من الحوادث اليوميّة، بأن يغفر ذنبًا، ويفرّج كربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين، ويعزّ ذليلًا، ويذلّ جبّارًا، وهكذا (﴿وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾) [سبأ:١٢٣]) أي ذو العلّوّ والكبرياء (فَيَسْمَعُهَا) أي الكلمة الّتي تكلَّم بها الحقّ (مُسْتَرِقُو السَّمْعِ) أي الشّياطين الذين يسرقون الكلام من الملائكة، و"الاستراق" افتعال، من السّرقة، يقال: استرق السمع: إذا سمعه مستخفيًا، كما يفعل السارق (١)، ووقع في بعض الرِّواية: "مسترق السمع" بالإفراد، وهو فصيح أيضًا (بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونهم راكبي بعضهم فوق بعضٍ؛ لأجل أن يتمكّنوا من استراق السمع، وفي رواية البخاريّ: "فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع، هكذا بعضه فوق بعض، ووصف سفيان بكفّه، فحرّفها، وبَدَّد بين أصابعه".
قال في "الفتح": قوله: "هكذا بعضه فوق بعض وصفه سفيان"، أي ابن عيينة بكفه فحَرَفَّها، وبَدَّد بين أصابعه، أي فَرَّق، وفي رواية عليّ: "ووصف سفيان بيده، ففرّج بين أصابع يده اليمني، نصبها بعضَها فوق بعض"، وفي حديث ابن عبّاس عند ابن مردويه: "كان لكل قبيل من الجن مَقْعَدٌ من السَّماء، يسمعون منه الوحي" -يعني يلقيها- زاد عليّ عن سفيان: "حتّى ينتهي إلى الأرض فيلقي ... ".
(فَيَسْمَعُ الْمَلَائِكَةُ الْكَلِمَةَ) هكذا النسخ الهنديّة، وعليها فقوله: "يسمع" بالبناء
стр. 1787
للفاعل، والفاعل ضمير "مسترقو السمع"، وأفرده باعتبار الجنس، و"الملائكة" منصوب بنزع الخافض، أي من الملائكة، و"الكلمةَ" مفعول به، ووقع في النسخ المطبوعة "فيَسْمَعُ الكلمةَ"، بحذف لفظ "الملائكة"، وهو ظاهر، ووقع في بعضها "فتَسْمَعُ الملائكةُ، فتلقيها إلى من تحته"، والظاهر أما غير صحيحة، والله تعالى أعلم.
(فَيُلْقِيهَا) أي يلقي الشيطان تلك الكلمة المسروقة (إِلَى مَنْ تَحْتَهُ") أي من مسترقي السمع (فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ) أي الشيطان الفوقانيّ (الشِّهَابُ) بالكسر: هو في الأصل شُعْلَةٌ من نار ساطعةٌ، جمعه شُهُبٌ، ككتاب وكُتُب، قال ابن الأثير: أراد بالشهاب الّذي ينقضّ في اللّيل شِبْه الكوكب، وهو في الأصل الشُّعْلَةُ من النّار. انتهى (١) (قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا إِلَى الَّذِي تَحْتَهُ") أي إلى الشيطان الّذي يليه.
قال في "الفتح": هذا يقتضي أن الأمر في ذلك يقع على حدّ سواء، والحديث الآخر يقتصي أن الّذي يَسْلَم منهم قليل بالنسبة إلى من يُدركه الشهاب، ووقع في رواية سعيد بن منصور، عن سفيان في هذا الحديث: "فَيَرْمِي هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتّى يُلقى على فم ساحر أو كاهن".
(فَيُلْقِيهَا) أي يلقي الشيطان الأخير الكلمة المسترقة (عَلَى لِسَانِ الْكَاهِنِ) اسم فاعل، من كَهَنَ يكهُن، من باب قتل كَهانَةً بالفتح، وإذا صارت الْكَهَانة طبيعةً وغريزةً قيل: كَهُن بالضمّ، والْكِهَانةُ بالكسر: الصناعة (٢).
وقال ابن الأثير ﵀: "الكاهن": هو الّذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزّمان، ويدّعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كَهَنَة، كشِقٍّ وسَطِيح، وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعًا من الجنّ، ورَئِيّا يُلقِي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يَعرِف الأمور بمقدّمات أسباب يستدلّ بها على مواقعها من كلام من
стр. 1788
يسأله، أو فعله، أو حاله، وهذا يخصّونه باسم العرّاف، كالذي يدّعي معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالّة، ونحوهما، والحديث الّذي فيه "من أتى كاهنًا" قد يشتمل على إتيان الكاهن، والعرّاف، والمنجّم، وجمع الكاهن كَهَنَةٌ، وكُهّان. انتهى (١) (أَو) الظّاهر أما للتنويع، لا للشكّ من الراوي (السَّاحِرِ) اسم فاعل من سَحَر، من باب منع: إذا خَدَعَ، والسِّحْرُ: كلُّ ما لَطُفَ مأخذه ودَقَّ، قاله في "القاموس" (٢).
(فَرُبَّمَا لَمْ يُدْرَكْ) بالبناء للمفعول، أي لم يدركه الشهاب (حَتَّى يُلْقِيَهَا) أن إلى الكاهن، أو الساحر (فَيَكْذِبُ) ذلك الكاهن، أو الساحر (مَعَهَا) أي مع الكلمة المسترقة الّتي ألقيت عليه (مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَتَصْدُقُ) بتخفيف الدال، مبنيّا للفاعل، أي تكون صدقًا (تِلْكَ الْكَلِمَةُ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ") ببناء الفعل للمفعول، قال في "الفتح": زاد عليّ ابن عبد الله -يعني ابن المدينيّ- عن سفيان -يعني ابن عيينة-: "فيقولون: ألم يُخْبِرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا، فوجدناه حقّا، الكلمةَ الّتي سُمِعت من السَّماء"، وفي حديث ابن عبّاس: "فيقول: يكون العام كذا وكذا، فيسمعه الجنُّ، فيخبرون به الكَهَنَةَ، فتخبر الكهنة الناسَ، فيجدونه".
[تنبيه]: وقع في "صحيح البخاريّ" في تفسير "سورة الحجر" في آخر هذا الحديث عن عليّ بن عبد الله، قلت لسفيان: إن إنسانًا رَوَى عنك عن عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة ﵁ أنه قَرَأَ "فُرِّغَ" بضم الفاء، وبالراء المهملة الثقيلة، وبالغين المعجمة، فقال سفيان: هكذا قرأ عمرو -يعني ابن دينار- فلا أدري سمعه هكذا أم لا.
وهذه القراءة رُويت أيضًا عن الحسن وقتادة ومجاهد، والقراءة المشهورة بالزاي، والعين المهملة، وقرأها ابنُ عامر مبنيا للفاعل، ومعناه بالزاي والمهملة: أُدهش الفزعُ عنهم، ومعنى الّتي بالراء والغين المعجمة ذَهَبَ عن قلوبهم ما حَلَّ فيها.
стр. 1789
فقال سفيان: هكذا قرأ عمرو، فلا أدري سمعه أم لا، قال سفيان: وهي قراءتنا، قال الكرماني:
[فإن قيل]: كيف جازت القراءة إذا لم تكن مسموعة؟.
[فالجواب]: لعلّ مذهبه جواز القراءة بدون السماع، إذا كان المعنى صحيحًا.
قال الحافظ: هذا وإن كان محتملًا، لكن إذا وُجد احتمال غيره فهو أولى، وذلك محمل قول سفيان: لا أدري سمعه أم لا، على أن مراده سمعه من عكرمة الّذي حدثه بالحديث، لا أنه شَكّ في أنه هل سمعه مطلقًا، فالظن به أن لا يَكتَفِي في نقل القرآن بالأخذ من الصحف بغير سماع.
وأما قول سفيان: وهي قراءتنا، فمعناه أما وافقت ما كان يَحْتار من القراءة به،
فيجوز أن ينسب إليه كما نسب لغيره. قاله في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنِّف) هنا (٣٥/ ١٩٤) بهذا السند فقط، وأخرجه (الحميديّ) في "مسنده" (١١٥١) و (البخاريُّ) (٦/ ١٠٠ و ١٥٢ و ٩/ ١٧٢) وفي "خلق أفعال العباد" (٦٠)، وأخرجه أيضًا في "الصّحيح" أيضًا (٦١٠١ و ١٧٢) موقوفًا على أبي هريرة ﵁، و (أبو داود) (٣٩٨٩) و (التِّرمذيّ) (٣٢٢٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان ما أنكرته الجهميّة، من الصفات،
стр. 1790
وهو صفة الكلام؛ إذ قوله: "ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحقّ" صريح في أن الله يتكلّم بكلام مسموع لملائكته الكرام.
٢ - (ومنها): بيان تواضع الملائكة، وشدّة خوفهم من الله تعالى، بحيث إنهم يضربون أجنحتهم؛ لشدّة الفزع ممّا سمعوه من كلام الله تعالى.
٣ - (ومنها): إثبات صفة العلوّ والكبرياء لله .
٤ - (ومنها): بيان استراق الشّياطين السمع لما يقضي الله تعالى من أمره في شأن أهل الأرض، حتّى يُلقوها إلى أوليائهم الكهان، والسحرة، فيُغووا به النَّاس.
٥ - (ومنها): بيان ما عليه الكهّان والسحرة من إغواء النَّاس بالكذب والباطل؛ إذ صدق الكلمة الّتي سُمعت من السَّماء موّهت الكذبات الكثيرة، حيث إن العوام والغوغاء من النَّاس لا ينظرون إِلَّا صدق تلك الكلمة، فبذلك انتشر الباطل، وساد الضلال، وعمّ وطمّ، فلا حول ولا قوّة إِلَّا بالله العزيز الحكيم.
٦ - (ومنها): إثبات معجزة للنبي ﷺ حيث أُرسلت الشهب على الشّياطين لمبعثه ﷺ ، حتّى لا يفسدوا وحي السَّماء، ويُلبّسوا على النَّاس الحقّ بالباطل.
قال الإمام ابن كثير ﵀ عند تفسير قوله : ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا﴾ [الجن: ٨] الآيات: ما نصّه:
يُخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمد ﷺ ، وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له أن السَّماء مُلىت حرسًا شديدًا، وحُفظت من سائر أرجائها، وطُردت الشّياطين عن مقاعدها الّتي كانت تقعد فيها قبل ذلك؛ لئلا يسترقوا شيئا من القرآن، فيُلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الأمر، ويختلط، ولا يُدرَى مَنِ الصادق؟ وهذا من لُطف الله تعالى بخلقه، ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز، ولهذا قال الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٨، ٩]، أي مَنْ يروم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابًا مُرَصَّدًا له، لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يَمْحَقه