← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

الصَّفَا، فيَصْعَقُون، فلا يزالون كذلك، حتّى يأتيهم جبريل، حتّى إذا جاءهم جبريل فُزِّعَ عن قلوبهم، قال: فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربك؟ فيقول: الحقَّ، فيقولون: الحق الحق". (الحقَّ) بالنصب، مفعولًا لفعل مقدّر يدلّ عليه السؤال، أي قال الحقّ، أي القول الحقّ، وجوّز بعضهم الرفع بتقدير قوله الحقُّ، والأول هو الظّاهر، قيل: القولُ يجوز أن يراد به كلمة "كن"، وأن يراد به الحقّ مقابل الباطل، والمراد ما يقضيه الله من الحوادث اليوميّة، بأن يغفر ذنبًا، ويفرّج كربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين، ويعزّ ذليلًا، ويذلّ جبّارًا، وهكذا (﴿وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾) [سبأ:١٢٣]) أي ذو العلّوّ والكبرياء (فَيَسْمَعُهَا) أي الكلمة الّتي تكلَّم بها الحقّ (مُسْتَرِقُو السَّمْعِ) أي الشّياطين الذين يسرقون الكلام من الملائكة، و"الاستراق" افتعال، من السّرقة، يقال: استرق السمع: إذا سمعه مستخفيًا، كما يفعل السارق (١)، ووقع في بعض الرِّواية: "مسترق السمع" بالإفراد، وهو فصيح أيضًا (بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونهم راكبي بعضهم فوق بعضٍ؛ لأجل أن يتمكّنوا من استراق السمع، وفي رواية البخاريّ: "فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع، هكذا بعضه فوق بعض، ووصف سفيان بكفّه، فحرّفها، وبَدَّد بين أصابعه". قال في "الفتح": قوله: "هكذا بعضه فوق بعض وصفه سفيان"، أي ابن عيينة بكفه فحَرَفَّها، وبَدَّد بين أصابعه، أي فَرَّق، وفي رواية عليّ: "ووصف سفيان بيده، ففرّج بين أصابع يده اليمني، نصبها بعضَها فوق بعض"، وفي حديث ابن عبّاس عند ابن مردويه: "كان لكل قبيل من الجن مَقْعَدٌ من السَّماء، يسمعون منه الوحي" -يعني يلقيها- زاد عليّ عن سفيان: "حتّى ينتهي إلى الأرض فيلقي ... ". (فَيَسْمَعُ الْمَلَائِكَةُ الْكَلِمَةَ) هكذا النسخ الهنديّة، وعليها فقوله: "يسمع" بالبناء

стр. 1787

للفاعل، والفاعل ضمير "مسترقو السمع"، وأفرده باعتبار الجنس، و"الملائكة" منصوب بنزع الخافض، أي من الملائكة، و"الكلمةَ" مفعول به، ووقع في النسخ المطبوعة "فيَسْمَعُ الكلمةَ"، بحذف لفظ "الملائكة"، وهو ظاهر، ووقع في بعضها "فتَسْمَعُ الملائكةُ، فتلقيها إلى من تحته"، والظاهر أما غير صحيحة، والله تعالى أعلم. (فَيُلْقِيهَا) أي يلقي الشيطان تلك الكلمة المسروقة (إِلَى مَنْ تَحْتَهُ") أي من مسترقي السمع (فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ) أي الشيطان الفوقانيّ (الشِّهَابُ) بالكسر: هو في الأصل شُعْلَةٌ من نار ساطعةٌ، جمعه شُهُبٌ، ككتاب وكُتُب، قال ابن الأثير: أراد بالشهاب الّذي ينقضّ في اللّيل شِبْه الكوكب، وهو في الأصل الشُّعْلَةُ من النّار. انتهى (١) (قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا إِلَى الَّذِي تَحْتَهُ") أي إلى الشيطان الّذي يليه. قال في "الفتح": هذا يقتضي أن الأمر في ذلك يقع على حدّ سواء، والحديث الآخر يقتصي أن الّذي يَسْلَم منهم قليل بالنسبة إلى من يُدركه الشهاب، ووقع في رواية سعيد بن منصور، عن سفيان في هذا الحديث: "فَيَرْمِي هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتّى يُلقى على فم ساحر أو كاهن". (فَيُلْقِيهَا) أي يلقي الشيطان الأخير الكلمة المسترقة (عَلَى لِسَانِ الْكَاهِنِ) اسم فاعل، من كَهَنَ يكهُن، من باب قتل كَهانَةً بالفتح، وإذا صارت الْكَهَانة طبيعةً وغريزةً قيل: كَهُن بالضمّ، والْكِهَانةُ بالكسر: الصناعة (٢). وقال ابن الأثير ﵀: "الكاهن": هو الّذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزّمان، ويدّعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كَهَنَة، كشِقٍّ وسَطِيح، وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعًا من الجنّ، ورَئِيّا يُلقِي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يَعرِف الأمور بمقدّمات أسباب يستدلّ بها على مواقعها من كلام من

стр. 1788

يسأله، أو فعله، أو حاله، وهذا يخصّونه باسم العرّاف، كالذي يدّعي معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالّة، ونحوهما، والحديث الّذي فيه "من أتى كاهنًا" قد يشتمل على إتيان الكاهن، والعرّاف، والمنجّم، وجمع الكاهن كَهَنَةٌ، وكُهّان. انتهى (١) (أَو) الظّاهر أما للتنويع، لا للشكّ من الراوي (السَّاحِرِ) اسم فاعل من سَحَر، من باب منع: إذا خَدَعَ، والسِّحْرُ: كلُّ ما لَطُفَ مأخذه ودَقَّ، قاله في "القاموس" (٢). (فَرُبَّمَا لَمْ يُدْرَكْ) بالبناء للمفعول، أي لم يدركه الشهاب (حَتَّى يُلْقِيَهَا) أن إلى الكاهن، أو الساحر (فَيَكْذِبُ) ذلك الكاهن، أو الساحر (مَعَهَا) أي مع الكلمة المسترقة الّتي ألقيت عليه (مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَتَصْدُقُ) بتخفيف الدال، مبنيّا للفاعل، أي تكون صدقًا (تِلْكَ الْكَلِمَةُ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ") ببناء الفعل للمفعول، قال في "الفتح": زاد عليّ ابن عبد الله -يعني ابن المدينيّ- عن سفيان -يعني ابن عيينة-: "فيقولون: ألم يُخْبِرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا، فوجدناه حقّا، الكلمةَ الّتي سُمِعت من السَّماء"، وفي حديث ابن عبّاس: "فيقول: يكون العام كذا وكذا، فيسمعه الجنُّ، فيخبرون به الكَهَنَةَ، فتخبر الكهنة الناسَ، فيجدونه". [تنبيه]: وقع في "صحيح البخاريّ" في تفسير "سورة الحجر" في آخر هذا الحديث عن عليّ بن عبد الله، قلت لسفيان: إن إنسانًا رَوَى عنك عن عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة ﵁ أنه قَرَأَ "فُرِّغَ" بضم الفاء، وبالراء المهملة الثقيلة، وبالغين المعجمة، فقال سفيان: هكذا قرأ عمرو -يعني ابن دينار- فلا أدري سمعه هكذا أم لا. وهذه القراءة رُويت أيضًا عن الحسن وقتادة ومجاهد، والقراءة المشهورة بالزاي، والعين المهملة، وقرأها ابنُ عامر مبنيا للفاعل، ومعناه بالزاي والمهملة: أُدهش الفزعُ عنهم، ومعنى الّتي بالراء والغين المعجمة ذَهَبَ عن قلوبهم ما حَلَّ فيها.

стр. 1789

فقال سفيان: هكذا قرأ عمرو، فلا أدري سمعه أم لا، قال سفيان: وهي قراءتنا، قال الكرماني: [فإن قيل]: كيف جازت القراءة إذا لم تكن مسموعة؟. [فالجواب]: لعلّ مذهبه جواز القراءة بدون السماع، إذا كان المعنى صحيحًا. قال الحافظ: هذا وإن كان محتملًا، لكن إذا وُجد احتمال غيره فهو أولى، وذلك محمل قول سفيان: لا أدري سمعه أم لا، على أن مراده سمعه من عكرمة الّذي حدثه بالحديث، لا أنه شَكّ في أنه هل سمعه مطلقًا، فالظن به أن لا يَكتَفِي في نقل القرآن بالأخذ من الصحف بغير سماع. وأما قول سفيان: وهي قراءتنا، فمعناه أما وافقت ما كان يَحْتار من القراءة به، فيجوز أن ينسب إليه كما نسب لغيره. قاله في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثّانية): في تخريجه: أخرجه (المصنِّف) هنا (٣٥/ ١٩٤) بهذا السند فقط، وأخرجه (الحميديّ) في "مسنده" (١١٥١) و (البخاريُّ) (٦/ ١٠٠ و ١٥٢ و ٩/ ١٧٢) وفي "خلق أفعال العباد" (٦٠)، وأخرجه أيضًا في "الصّحيح" أيضًا (٦١٠١ و ١٧٢) موقوفًا على أبي هريرة ﵁، و (أبو داود) (٣٩٨٩) و (التِّرمذيّ) (٣٢٢٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثّالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان ما أنكرته الجهميّة، من الصفات،

стр. 1790

وهو صفة الكلام؛ إذ قوله: "ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحقّ" صريح في أن الله يتكلّم بكلام مسموع لملائكته الكرام. ٢ - (ومنها): بيان تواضع الملائكة، وشدّة خوفهم من الله تعالى، بحيث إنهم يضربون أجنحتهم؛ لشدّة الفزع ممّا سمعوه من كلام الله تعالى. ٣ - (ومنها): إثبات صفة العلوّ والكبرياء لله . ٤ - (ومنها): بيان استراق الشّياطين السمع لما يقضي الله تعالى من أمره في شأن أهل الأرض، حتّى يُلقوها إلى أوليائهم الكهان، والسحرة، فيُغووا به النَّاس. ٥ - (ومنها): بيان ما عليه الكهّان والسحرة من إغواء النَّاس بالكذب والباطل؛ إذ صدق الكلمة الّتي سُمعت من السَّماء موّهت الكذبات الكثيرة، حيث إن العوام والغوغاء من النَّاس لا ينظرون إِلَّا صدق تلك الكلمة، فبذلك انتشر الباطل، وساد الضلال، وعمّ وطمّ، فلا حول ولا قوّة إِلَّا بالله العزيز الحكيم. ٦ - (ومنها): إثبات معجزة للنبي ﷺ حيث أُرسلت الشهب على الشّياطين لمبعثه ﷺ ، حتّى لا يفسدوا وحي السَّماء، ويُلبّسوا على النَّاس الحقّ بالباطل. قال الإمام ابن كثير ﵀ عند تفسير قوله : ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا﴾ [الجن: ٨] الآيات: ما نصّه: يُخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمد ﷺ ، وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له أن السَّماء مُلىت حرسًا شديدًا، وحُفظت من سائر أرجائها، وطُردت الشّياطين عن مقاعدها الّتي كانت تقعد فيها قبل ذلك؛ لئلا يسترقوا شيئا من القرآن، فيُلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الأمر، ويختلط، ولا يُدرَى مَنِ الصادق؟ وهذا من لُطف الله تعالى بخلقه، ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز، ولهذا قال الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٨، ٩]، أي مَنْ يروم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابًا مُرَصَّدًا له، لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يَمْحَقه

стр. 1791

ويهلكه، ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ في الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] أي ما ندري هذا الأمر الّذي قد حَدَث في السَّماء، لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدًا؟، وهذا من أدبهم في العبارة حيث أسندوا الشر إلى غير فاعل، والخير أضافوه إلى الله ، وقد ورد في "الصّحيح": "والشر ليس إليك". وقد كانت الكواكب يُرْمَى بها قبل ذلك، ولكن ليس بكثير، بل في الأحيان بعد الأحيان، كما في حديث العباس ﵁ -يعني الحديث المذكور قبل هذا الحديث-. قال: وهذا هو السبب الّذي حملهم على تطلب السبب في ذلك، فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فوجدوا رسول الله ﷺ يقرأ بأصحابه في الصّلاة، فعرفوا أن هذا هو الّذي حُفظت من أجله السَّماء، فآمن من آمن منهم، وتمرد في طغيانه من بقي. قال: ولا شك أنه لمّا حدث هذا الأمر، وهو كثرة الشهب في السَّماء، والرمي بها، هال ذلك الإنس والجن، وانزعجوا له، وارتاعوا لذلك، وظنوا أن ذلك لخراب العالم، كما قال السُّدّي: لم تكن السَّماء تُحرَس إِلَّا أن يكون في الأرض نبي، أو دِينٌ لله ظاهر، فكانت الشّياطين قبل محمدًا ﵁ قد اتخذت المقاعد في السَّماء الدنيا، يستمعون ما يحدث في السَّماء من أمر، فلما بَعَث الله محمدًا ﷺ نبيا ورسولًا رُجموا ليلة من الليالي، ففَزع لذلك أهل الطائف، فقالوا: هلك أهل السَّماء لمّا رأوا من شدة النّار في السَّماء، واختلاف الشهب، فجعلوا يُعتقون أَرِقّاءهم، ويُسَيِّبون مواشيهم، فقال لهم عبد ياليل بن عمرو ابن عمير: ويحكم يا معشر أهل الطائف أمسكوا عن مالكم، وانظروا إلى معالم النجوم، فإن رأيتموها مستقرة في أمكنتها، فلم يهلك أهل السَّماء، إنما هذا من أجل ابن أبي كبشة -يعني محمدا ﷺ وإن نظرتم فلم تروها فقد هلك أهل السَّماء، فنظروا فرأوها فكفوا عن أموالهم، وفزعت الشّياطين في تلك اللَّيلة، فأتوا إبليس فحدثوه بالذي كان من أمرهم، فقال: ائتوني من كلّ أرض بقبضة من تراب أشمها، فأتوه فشم، فقال: صاحبكم بمكة، فبعث سبعة نفر من جن نصيبين، فقَدِموا مكّة، فوجدوا نبي الله ﷺ قائمًا يصلّي في المسجد الحرام، يقرأ القرآن، فدنوا منه حرصًا على القرآن، حتّى كادت

стр. 1792

كَلاكِلهم تصيبه، ثمّ أسلموا، فأنزل الله تعالى أمرهم على رسوله ﷺ ، وقد ذكرنا هذا الفصل مُسْتَقْصىً في أول البعث من "كتاب السيرة" المطول، والله أعلم، ولله الحمد والمنة. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٩٥ - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَمْسِ كلِمَاتٍ، فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ، وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ الكوفيّ، ثقة عابدٌ [١٠] ٩/ ٥٧. عس ق ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمّد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، من كبار [٩] ١/ ٣. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكُوفيُّ الإمام الثقة الثبت [٥] ١/ ١. ٤ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الجَمَليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة عابد، كان لا يُدلّس، ورُمي بالإرجاء [٥] ٢/ ٢٠. ٥ - (أَبُو عُبَيْدَةَ) بن عبد الله بن مسعود الْهُذَليّ، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣]. رَوَى عن أبيه، ولم يسمع منه، وعن أبي موسى الأشعري، وعمرو بن الحارث بن المُصْطَلِق، وكعب بن عُجْرة، وعائشة، وأم زينب الثقفية، والبراء بن عازب، ومسروق. ورَوى عنه إبراهيم النخعي، وأبو إسحاق السبيعي، وسعد بن إبراهيم، وعمرو

стр. 1793

ابن مرّة، والمنهال بن عمرو، ونافع بن جبير بن مطعم، وغيرهم. قال شعبة عن عمرو بن مرّة: سألت أبا عبيدة، هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: لا. وقال المفضل الغلابي عن أحمد: كانوا يُفَضِّلون أبا عبيدة على عبد الرّحمن. وقال التّرمذيّ: لا يُعرَف اسمه، ولم يسمع من أبيه شيئًا. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: يسمع من أبيه شيئًا. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": قلت لأبي: هل سمع أبو عبيدة من أبيه؟ قال: يقال: إنّه لم يسمع، قلت: فإن عبد الواحد بن زياد يَروي عن أبي مالك الأشجعي، عن عبد الله بن أبي هند، عن أبي عبيدة، قال: خرجت مع أبي لصلاة الصُّبح، فقال أبي: ما أدري ما هذا؟ وما أدري عبدُ الله بن أبي هند من هو؟. وقال التّرمذيّ في "العلل الكبير": قلت لمحمد: أبو عبيدة ما اسمه؟ فلم يَعرِف اسمه، وقال: هو كثير الغلط. وقال الدارقطني أبو عبيدة أعلم بحديث أبيه من حُنَيف بن مالك ونظرائه. وقال صالح بن أحمد: ثنا ابن المديني، ثنا سَلْم بن قُتيبة، قال: قلت لشعبة: إن عثمان الْبُرّيّ حَدَّثَنَا عن أبي إسحاق، أنه سمع أبا عبيدة، أنه سمع ابن مسعود، فقال: أَوّهْ، كان أبو عبيدة ابن سبع سنين، وجَعَل يضرب جبهته. انتهى. قال الحافظ: هذا الاستدلال بكونه ابن سبع سنين على أنه لم يسمع من أبيه، ليس بقائم، ولكن راوي الحديث عثمان ضعيف. انتهى، وهو تعقّب جيّد. والله تعالى أعلم. وقال شعبة عن عمرو بن مرّة: فُقِد عبدُ الرّحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شدّاد، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود ليلة دُجَيل، وكانت سنة إحدى وثمانين، وقيل: سنة (٨٢). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. ٦ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار الأشعريّ الصحابيّ الشهير ﵁ ١٠/ ٨٨، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصّحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وروى له

стр. 1794

النَّسائيّ في "مسند عليّ ﵁"، وهو ثقة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا معاوية أحفظ من روى عن الأعمش. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عمرو، عن أبي عبيدة، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأن كليهما من الطبقة الخامسة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ ﵁، أنه (قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ الله ﷺ ) أي قام ﷺ خطيبًا في الصّحابة ﵃، حال كونه مذكّرًا لهم بخمس كلمات. وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "قام فينا إلخ" فيه ثلاثة أوجه من الإعراب: [أحدها]: أن يكون "فينا" و"بخمس" حالين مترادفين، أو متداخلين، وذلك أن يكون الثّاني حالًا من الضمير المستتر في الحال الأولى، أي قام خطيبًا فينا، مذكّرًا بخمس كلمات. [وثانيها]: أن يكون "فينا" متعلّقًا بـ "قام" بأن يُضَمَّنَ معنى "خَطَب"، و"بخمس" حالًا، أي خطب قائما مذكّرًا بخمس كلمات، و"قام" في الوجهين بمعنى القيام على ما ورد في حديث أوس بن حُذيفة الثقفيّ ﵁ "كان النبيّ ﷺ ينصرف إلينا بعد العشاء، فيُحدّثنا قائمًا على رجليه، حتّى يُراوح بين قدميه من طول القيام". [وثالثها]: أن يعلّق "بخمس" بـ "قام"، ويكون "فينا" بيانًا، كأنه لمّا قيل: "قام بخمس"، فقيل: في حقّ من؟، أجيب: في حقّنا، وجهتنا، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٩]، ذكر في "الكشّاف" في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، قيل: مع من؟ قيل: معه، وكذلك قدّر في قوله : ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فعلى هذا "قام" بمعنى قام بالأمر: أي تشَمَّرَ، وتجلَّد له، فالمعنى أنه قام بحفظ تلك الكلمات فينا؛ لأن القيام بالشيء هو المراعاة

стр. 1795

والحفظ له، قال الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النِّساء: ١٣٥]، وقال الله : ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣].انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (١). وقال السنديّ: وفي الوجه الثّالث لو جُعل "فينا" متعلّقًا بـ "قام" من غير اعتبار، أي قام بخمس كلمات في حقّنا، ولأجل انتفاعنا كان صحيحًا، والأقرب أن المعنى قام فيما بيننا بتبليغ خمس كلمات، أي بسببه، فالجارّان متعلّقان بالقيام، وهو على ظاهره، وذلك أن يُجعل القيام من قام بالأمر، ويُجعل "فينا" بيانًا متعلّقًا به أيضًا. انتهى (٢). (بِخَمْسِ كَلِماتٍ) أي بخمس فصول، فالمراد بالكلمة هنا الجملة المركبة المفيدة، وهو إطلاق لغويّ، كما يسمّون القصيدة كلمةً، وإليه أشار ابن مالك في "الخلاصة": وَكَلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمْ قال الله : ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ﴾ الآية، إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]. [تنبيه]: الكلمة الأولى هي قوله: "إن الله لا ينام"، والثّانية قوله: "ولا ينبغي له أن ينام"، والثالثة قوله: "يخفض القسط ويرفعه"، والرّابعة قوله: "يُرفع إليه عمل اللّيل قبل عمل النهار إلخ"، والخامسة قوله: "حجابه النور إلخ". (فَقَالَ: "إِنَّ الله لَا يَنَامُ) إذ النوم لاستراحة القوى والحواسّ، وهي على الله تعالى محالٌ، قال الله : ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ والسُّنَّة: النعاس، وهو نوم خفيف، أو مقدّمة النوم، قاله القاريّ، وقال النوويّ: معناه أنه ؛ لا ينام، وأنه يستحيل في حقه النوم؛ فإن النوم انغمارٌ وغلبةٌ على العقل، يَسْقُط به الإحساس، والله تعالى مُنَزَّه عن ذلك، وهو مستحيل في حقه (٣).

стр. 1796

(وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ) قال القاري: نفي للجواز تأكيدًا لنفي الوقوع على سبيل التتميم، أي لا يكون، ولا يصحّ، ولا يستقيم، ولا يمكن له النوم؛ لأنه أخو الموت (١). وقال السنديّ: الكلمة الأولى دالّةٌ على عدم صدور النوم، والثّانية للدلالة على استحالته عليه تعالى، ولا يلزم من عدم الصدور استحالته، فلذلك ذُكرت الكلمة الثّانية بعد الأولى. انتهى (٢). (يَخْفِضُ الْقِسْطَ، وَيَرْفَعُهُ) معنى القسط هنا الميزان، وسُمّي قِسطًا؛ لأن القسط العدل، وبالميزان يقع العدل في القسمة، قال: والمراد أن الله تعالى يَخِفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة إليه، ويوزن من أرزاقهم النازلة من عنده، كما يرفع الوزّان يده، ويَخفضها عند الوزن، وهذا تمثيل لما يُقَدِّر تَنْزِيله، فشبه بوزن الميزان، ويحتمل أن يكون إشارة إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] أي أنه يحكم بين خلقه بميزان العدل، فأمره كأمر الوزّان الّذي يزن، فيخفض يده ويرفعها، وهذا المعنى أنسب بما قبله، كأنه قيل: كيف يجوز عليه النوم، وهو الّذي يتصرّف أبدًا في ملكه بميزان العدل. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وهذا تمثيل إلخ"، غير صحيح؛ لأنه يدلّ على أن الميزان هنا ليس حقيقةً، بل هو مجاز، وهو معنى باطل، مناف لما ثبت في النصوص الصحيحة من إثباته، وكذا قوله: "فأمره كأمر الوزان" فيه نظر لا يخفى، فتنبّه لهذه الدقائق، فإنها من مزالّ الأقدام، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقيل: المراد بالقسط الرزق الذي هو قِسط كلّ مخلوق، أي نصيبه، يخفضه فيُقَتِّره، ويرفعه فيوسعه (٣).

стр. 1797

قال الطيبيّ: المعنى الأوّل للقسط هو الأولى، لما في حديث أبي هريرة ﵁: "يرفع الميزان ويخفضه". انتهى (١). (يُرْفَعُ) بالبناء للمفعول (إِلَيْهِ) أي للعرض عليه، فالرفع على ظاهره، وقيل: معنى الرفع إليه الرفع إلى خزائنه، كما يقال: حُمل المال إلى الملك، فيُضبط إلى يوم الجزاء، ويُعرض عليه، وإن كان هو أعلم به، ليأمر ملاتكته بإمضاء ما قضى لفاعله جزاءً له على فعله (عَمَلُ اللَّيْلِ) أي المعمول فيه (قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ) أي قبل أن يؤتى بعمل النهار، وهو بيان لمسارعة الكرام الكتبة إلى رفع الأعمال، وسرعة عروجهم إلى ما فوق السماوات، وعرضهم على الله تعالى، فإن الفاصل بين اللّيل والنهار آنٌ لا يتجزأ، وهو آخر اللّيل، وأول النهار، وقيل: قبل أن يُرفع إليه عمل النهار، والأول أبلغ، قاله التوربشتيّ، وقيل: الثّاني أبلغ؛ لأنه في بيان عظيم شأن الله تعالى، وقوّة عباده المكرمين، وحسن قيامهم بما أُمروا، ولأن لفظ العمل مصدر، فكأنه قال: يُرفع إليه عمل اللّيل، أي المعمول في اللّيل قبل عمل النهار، فلا حاجة إلى تقدير لفظ الشروع، كاحتياجه إلى إلى تقدير الرفع في المعنى الأوّل. (وَعَمَلُ النَّهَارِ) بالرفع عطفًا على "عملُ اللّيل" (قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ) وفي رواية لمسلم: "يُرفَع إليه عملُ النهار باللّيل، وعمل اللّيل بالنهار". فمعنى الأوّل - والله أعلم - يُرفَع إليه عمل اللّيل قبل عمل النهار الّذي بعده، وعمل النهار قبل عمل اللّيل الّذي بعده. ومعنى الرِّواية الثّانية: يُرفع إليه عمل النهار في أول اللّيل الّذي بعده، ويرفع إليه عمل اللّيل في أول النهار الّذي بعده، فإن الملائكة الحفظة يَصْعَدون بأعمال اللّيل بعد انقضائه في أول النهار، ويَصعَدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أول اللّيل. هكذا أفاده في شرح النووي على "صحيح مسلم".

стр. 1798

وذكر القاري ﵀ في "شرح المشكاة": ما معناه: وهو بيان لمسارعة الملائكة الموكّلين برفع أعمال النهار بعد العصر، واللّيل بعد الصُّبح، وأنهم يقطعون في هذا الزمن القليل تلك المسافة الطويلة الّتي تزيد على سبعة آلاف سنة على ما رُوي أن مسيرة ما بين الأرض والسماء الدنيا خمسمائة سنة، وما بين كلّ سماءين كذلك، وسَمْكُ كلّ سماء كذلك، وتقدير "رَفْع" في الأوّل، و"رَفْع" أو "فِعْل" في الثّاني هو الّذي دلّ عليه الحديث الآخر: إن أعمال النهار ترفع بعد صلاة العصر، وأعمال اللّيل تُرفع بعد صلاة الصُّبح، فلا يقع رفع عمل اللّيل إِلَّا بعد فعلٍ من عمل النهار، وأما رفع عمل النهار فيقع قبل فِعْلِ أو رَفعِ شيء من عمل اللّيل؛ لأن بين ابتداء رفعها وعمل اللّيل فاصلًا يسع ذلك بالنسبة إلى القدرة الباهرة. فالحاصل أن قوله: "قبل عمل النهار" يتعيّن فيه تقدير "رَفْع"، ولا يصحّ تقدير "فِعل" فيه، وقوله: قبل عمل اللّيل" يصحّ فيه كلٌّ منهما، وتقدير الفعل أبلغ؛ لأن الزمن أقصر، فتأمل ذلك لتعلم فساد ما أطلقه بعض الشارحين. انتهى (١). (حِجَابُهُ النُّورُ) قال النوويّ في "شرحه": أصل الحجاب في اللُّغة المنع والسَّتْرُ، وحقيقة الحجاب إنّما تكون للأجسام المحدودة، والله تعالى مُنَزَّه عن الجسم والحد، والمراد هنا المانع من رؤيته، وسُمِّي ذلك المانع نورًا أو نارًا؛ لأنهما يمنعان من الإدراك في العادة؛ لشعاعهما. انتهى (٢). وقال التوربشتيّ: أشار بذلك إلى أن حجابه خلاف الحُجُب المعهودة، فهو محتجبٌ عن الخلق بأنوار عزّه وجلاله، وأشعّة عظمته وكبريائه، وذلك هو الحجاب الّذي تُدهَش دونه العقول، وتذهب الأبصار، وتتحيّر البصائر، ولو كُشف ذلك الحجاب، فتجلّى لما وراءه من حقائق الصفات، وعظمة الذات لم يَبقَ مخلوق إِلَّا احترق، ولا مفطور إِلَّا اضمحلّ، وأصل الحجاب الستر الحائل بين الرائي والمرئيّ، وهو هنا

стр. 1799

راجع إلى منع الأبصار من الإصابة بالرؤية له بما ذكر، فقام ذلك المنع مقام الستر الحائل، فعبّر به عنه، ورُوي "حجابه النور، أو النّار". وقد تبيّن من أحاديث الرِّواية (١) وتوفيقات (٢) الكتاب على التجلّيات الإلهيّة أن الحالة المشار إليها في هذا الحديث هي الّتي نحن بصددها في هذه الدَّار المستعدّة المعدّة للفناء، دون الّذي وُعدنا بها في دار البقاء، والحجاب المذكور في هذا الحديث وغيره يرجع إلى الخلق؛ لأنهم المحجوبون عنه انتهى (٣). (لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ) "السُّبُحَاتُ" بضم السين والباء، ورفع التاء في آخره، وهي جمع سُبْحَةٍ، كغُرْفة وغُرُفات، قال صاحب "العين"، والْهَرَويّ، وجميعُ الشارحين للحديث، من اللغويين والمحدثين: معنى "سُبُحَات وجهه" نورُهُ، وجلاله، وبهاؤه، والمراد بالوجه الذات. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر النووي أن المراد بالوجه الذات، وهذا منه مصير إلى نفي صفة الوجه، وهو غير صحيح، بل الوجه صفة ثابتة لله تعالى، كما أثبتها لنفسه في كتابه، حيث قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وحيث أثبته هذا الحديث الصّحيح، وغيره من الأحاديث الصحيحة، ولا يلزم من إثباتنا له تشبيهه بخلقه، فأيّ فرق بين إثباتنا له الذات، وبين إثباتنا له الوجه، فإن كان يلزم من الوجه التشبيه لزم من الذات أيضًا، لكن نقول: له ذات لا تشبه الذوات، ووجه لا يشبه الوجوه، وبصرٌ لا يشبه الأبصار، ويدٌ لا تشبه الأيدي، وغير ذلك من صفات الكمال، وهذا هو مذهب السلف، وهو الصراط المستقيم، فعليك بلزومه إن أردت الهدى والعزّ المستديم، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 1800

وذكر في "الكاشف" عن بعضهم في معنى "سبحات وجهه" أما الأنوار الّتي إذا رآها الراءون من الملائكة سبّحو، وهلّلوا؛ لما يروعهم من جلال الله وعظمته، انتهى. (مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ) المراد جميعُ المخلوقات؛ لأن بصره بجميع الكائنات، ولفظة "من" لبيان الجنس، لا للتبعيض، والتقدير لو أزال المانع من رؤيته، وهو الحجاب المسمى نورًا أو نارًا وتَجَلَّى لخلقه لأحرق جلال وجهه جميع مخلوقاته. قال الطيبيّ: وذهب المظهر وغيره إلى أن الضمير في "بصره" إلى الخلق، و"ما" في "ما انتهى" بمعنى "من" و"من خلقه" بيان له، والأول هو الوجه يعني أن رجوع ضمير "بصره" إلى الله تعالى هو المعنى الصّحيح-. [فائدة]: ذكر الطيبيّ ﵀ هنا وجوهًا متعلّقة بلطائف المعاني، والمحسّنات البديعيّة، أحببت إيرادها مع التعقيب على ما يحتاج إليه: [أحدها]: أن قوله: "لا ينبغي له أن ينام" جملة معترضة، واردة على التتميم؛ صونًا للكلام عن المكروه، فإن قوله: "لا ينام" لا ينفي جواز النوم، كما قال الأشرف، فعقّب به لدفع ذلك التجويز، قال أبو الطيّب [من الطَّويل]: وَتَحْتَقِرُ الدُّنْيَا احْتِقَارَ مُجَرِّبٍ ... تَرَى كُلَّ مَا فِيهَا وَحَاشَاكَ فَانِيَا فإن "حاشاك" تتميم في غاية الحسن، ومعنى "لا ينبغي" لا يصحّ، ولا يستقيم النوم؛ لأنه مناف لحال ربّ العالمين. [وثانيها]: "يخفض، ويرفع، وعمل اللّيل، وعمل النهار" من باب التضادّ، والمطابقة، والخفض، والرفع في القرينتين مستعارتان للمعاني من الأعيان. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "مستعارتان إلخ" غير صحيح؛ لأن الاستعارة من المجاز، فهو يريد أن لا يثبت صفة الخفض والرفع لله تعالى على ظاهرها، وقد سبق أن نبهنا على مثل هذا، فالحق أنها ثابتة له، ولا حاجة إلى المجاز؛ لأنه لا يصار إليه إِلَّا عند تعذّر الحقيقة، وهنا لم يتعذّر، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بتقليد ذوي الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 1801

[وثالثهما]: "لو كشفه" من الشرط والجزاء، استئنافيّة، مبيّنة للكلام السابق، كأنه لما قيل: إن حجابه النور، وعُرِّف الخبر المفيد للتخصيص اتّجه للسائل أن يقول: لم خصّ الحجاب بالنور؟ أجيب بأنه لو كان من غيره لاحترق. قال الجامع: هذه الفائدةُ غير واضحة، والله تعالى أعلم. [ورابعها]: الجملة الفعلية في النَّفْي والإثبات كلها واردة على صيغة المضارع؛ لإرادة الاستمرار، فالمنفيان فيها يدلُّان على الدوام من غير انقطاع، والأربع المثبتة على التجدد مع الاستمرار، وأما الجملة الأسميّة فدلالتها على سبيل الثبات والدوام في هذا العالم، والشرطيّة منبئة عن ذلك؛ لما دلّت على أنها مخالفة للنور المتعارف. قال: وفيه دليل على أن نبيّنا ﷺ رأى ربّه تعالى لقوله في الدُّعاء: "اللَّهُمَّ اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا". قال الجامع: مسألة رؤية النبيّ ﷺ ربه ليلة الإسراء مختلف فيها، وجمهور السلف على نفيها، للحديث الصّحيح: "نور أنى أراه"، وغيره، وسنحققها في محلّ مناسب لها -إن شاء الله تعالى- وأما استدلال الطيبيّ عليها بالحديث المذكور، ففيه نظر لا يخفى، فتأمل. والله تعالى أعلم. قال: وأما المؤمنون إذا صفت بشريّتهم عن الكدورات في دار الثّواب، فيُرزقون هذه المنحة السنيّة، والرتبة العلّيّة. [وخامسها]: أن معنى الحديث بأسره مسبوك من معنى آية الكرسيّ، فإن قوله : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] مشعر بصفة الإكرام، ومنه إلى الخاتمة مشير إلى صفة الجلال؛ لما فيه من المنع عن الشفاعة إِلَّا بإذنه، ومن ذكر الكرسيّ الّذي هو سرير الملك، وهو مناسب لحديث الحجاب، وكذلك الحديث إلى قوله: "حجابه النور" منبىء عن صفة الإكرام، ومنه إلى آخره عن صفة الجلال، فتكون صفة الجلال محتجبةً بصفة الإكرام، فلو كشف حجاب الإكرام لتلاشت الأشياء، وتفنى

стр. 1802

بتجلي صفات الجلال الكائنات، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]. ومن أسمائه الحسنى، وصفاته العظمى النور، قال الله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩]، وبيانه أن قوله: ﴿لَا تَأخُذُهُ سِنَةٌ﴾ مقرّر للكلام السابق، قال في "الكشّاف": وهو تأكيد لـ ﴿القَيُّوم﴾ لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيّومًا، وهو مثل قوله: "لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام"، وقوله: ﴿لَهُ مَا في السّماَواَتِ وَالأَرْضِ﴾ كالتعليل لمعنى القيوميّة، أي كيف ينام، وهو مالك ما في السماوات وما في الأرض، ومربيهم، ومدبّر أمور معاشهم ومعادهم؟ وإلى الأول الإشارة بقوله: "يخفض القسط ويرفعه"، وإلى الثاني بقوله: "يُرفَع إليه عمل الليل إلخ". [فإن قلت]: فأين معنى قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٥] في الحديث؟ [قلت]: تخصيص ذكر البصر الذي هو نوع من طريق العلم مُلَوّح إليه، فما أجمعه من كلمات! وما أفصحه من عبارات! ولعمر الله إن هذا الحديث سيّد الأحاديث، كما أن آية الكرسيّ سيدة الآيات، انتهى كلام الطيبيّ ﵀، وهو بحث جيّد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي موسى الأشعريّ ﷺ عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف ﵀ بهذا السند هنا (٣٥/ ١٩٥) وأعاده بعده (١٩٦) بالسند التالي، وأخرجه (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٩١) و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٩٥ و٤٠٠ و٤٠٥) و (مسلم) (١/ ١١١) و (ابن خزيمة) في "التوحيد" (١٩

стр. 1803

و ٢٠) و (ابن حبان) في "صحيحه" (٢٦٦) و (الآجريّ) في "الشريعة" (٣٠٤) و (ابن منده) في "الإيمان" (٧٧٥ و ٧٧٦ و ٧٧٧ و ٧٧٩) و (البيهقيّ) في "الأسماء والصفات" (٨٠) و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٩١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان ما أنكرته الجهميّة من الصفات، وهو الوجه، والبصر، ورفع القسط، وخفضه، فكلها صفات ثابتة لله على ما يليق بجلاله. ٢ - (ومنها): بيان استحالة النوم على الله ؛ لكونه من النقائص. ٣ - (ومنها): أن الله تعالى يُعزّ من يشاء ويهدي من يشاء من عباده، كما قال : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] الآية. ٤ - (ومنها): أن الأعمال ترفع إليه كل يوم وكلّ ليلة، وهذا معنى قوله : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. ٥ - (ومنها): إثبات الحجاب له بينه وبين خلقه، ولولاه لاحترقوا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٩٦ - (حَدَّثَنَا عِليُّ بْنُ مُحَمدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيع، حدثنا المسْعُودِيُ، عَنْ عَمرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدة، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله : "إِنَّ الله لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرفَعُهُ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدرَكَهُ بَصَرُهِ"، ثُمَّ قَرَأَ أبو عُبَيْدة ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ في النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٨]). رجال هذا الإسناد ستة أيضًا، وكلهم تقدّموا في السند السابق، سوى وكيع بن الجرّاح، فتقدّم قبل أربعة أحاديث، وسوى المسعوديّ، وهو:

стр. 1804

١ - (عبد الرحمن بن عبد الله) بن عُتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفيّ، صدوقٌ اختلط قبل موته ببغداد [٧]. رَوَى عن أبي إسحاق السبيعي، وأبي إسحاق الشيباني، والقاسم بن عبد الرحمن ابن مسعود، وعلي بن الأقمر، وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعمرو بن مرّة، وغيرهم. ورَوى عنه السفيانان، وشعبة، وهم من أقرانه، وجعفر بن عون، وأبو داود الطيالسي، وعبد الله بن يزيد المقرىء، ووكيع، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وغيرهم. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن أبي عُمَيس والمسعودي، قال: كلاهما ثقة، والمسعودي أكثرهما حديثًا، قلت هو أخوه؟ قال: نعم. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: سماع وكيع من المسعودي قديم، وأبو نعيم أيضًا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالكوفة والبصرة فسماعه جيد، وقال حنبل عن أحمد: سماع أبي النضر، وعاصم، وهؤلاء من المسعودي بعدما اختلط. وقال عثمان بن سعيد الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي مريم عن يحيى: من سمع منه في زمان أبي جعفر فهو صحيح السماع. وقال يعقوب بن شيبة عن يحيى: المسعودي ثقة، وقد كان يَغْلَط فيما يروي عن عاصم والأعمش والصغار، يخطئ في ذلك، ويُصَحَّحُ له ما رَوَى عن القاسم، ومَعنٍ، وشيوخه الكبار. وقال عباس الدُّوريّ عن ابن معين: أحاديثه عن الأعمش مقلوبة، وعن عبد الملك أيضًا، وأما عن أبي حَصِين، وعاصم فليس بشيء، إنما أحاديثه الصحاح عن القاسم، وعن عون، وقال عبد الله بن عليّ بن المدينيّ عن أبيه: المسعوديّ ثقة، وقد كان يَغْلَطُ فيما رَوَى عن عاصم، وسَلَمَة، ويُصَحَّح فيما روى عن القاسم، ومَعْن. وقال ابن نمير: كان ثقة، واختَلَطَ بآخره، سمع منه ابن مهدي، ويزيد بن هارون أحاديث مختلطة، وما رَوَى عنه الشيوخ فهو مستقيم. وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى يقول: رأيت المسعودي سنة رآه عبد الرحمن ابن مهدي، فلم أكلمه، وقال أيضًا: سمعت معاذ بن معاذ يقول: رأيت المسعودي سنة

стр. 1805

(٥٤) يطالع الكتاب -يعني أنه قد تغير حفظه- وقال يحيى بن سعيد: آخر ما لقيت المسعودي سنة سبع أو ثمان وأربعين، ثم لقيته بمكة سنة (٥٨)، وكان عبد الله بن عثمان ذلك العام معي، وعبد الرحمن بن مهدي، فلم نسأله عن شيء. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، إلا أنه اختلط في آخر عمره، ورواية المتقدمين عنه صحيحةٌ. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عيينة عن مِسْعَر: ما أعلم أحدًا أعلم بعلم ابن مسعود من المسعودي. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: تغير قبل موته بسنة، أو سنتين. وقال يعقوب بن شيبة: توفي سنة (٦٥)، وكان ثقة صدوقًا، إلا أنه تغير بآخره. وقال ابن عمّار: كان ثبتًا قبل أن يختلط، ومن سمع منه ببغداد فسماعه ضعيف. وقال العجلي: ثقة إلا أنه تغير بآخره. وقال ابن خِرَاش نحو ذلك. وقال ابن حبان: اختلط حديثه، فلم يتميز، فاستَحَقَّ الترك. وقال أبو النضر، هاشم بن القاسم: إني لأعرف اليومَ الذي اختَلَطَ فيه المسعودي، كنّا عنده، وهو يُعَزَّى في ابن له، إذ جاءه إنسان، فقال له: إن غلامك أخذ من مالك عشرة آلاف وهرب ففزع، وقام فدخل في منزله، ثم خرج إلينا وقد اختلط. وقال سليمان بن حرب، وأبو عبيد، وأحمد بن حنبل: مات سنة ستين ومائة. أخرج له الأربعة (١)، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث فقط برقم ١٩٦ و ٨٢٨ و ٩٠٦ و ٢١٣٠ و ٢٢٠٨ و ٢٢٤١ و ٣٠٣٠ و ٣٢٤٩ و ٤١٠٩ و ٤١٤٨. والحديث صحيح، ولا يضرّه الكلام في المسعوديّ؛ لأن وكيعًا ممن سمع منه قبل اختلاطه، كما سبق عن الإمام أحمد ﵀، وأيضًا تابعه الأعمش عند مسلم، والمصنّف، في السند الماضي، وشعبة عند أبي داود الطيالسيّ، في "مسنده" (٤٩١)، وشرح الحديث والمسائل المتعلّقة به قد سبقت في الذي قبله.

стр. 1806

وقوله: "ثم قرأ أبو عبيدة إلخ" أي إشارةً إلى أن النار التي راها موسى ﵇ في تلك الشجرة هي من نور الله تعالى التي من جملة حجابه، وليس نارًا حقيقةً، قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في "تفسيره" عند شرح هذه الآيات: يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ مُذَكِّرًا ما كان من أَمر موسى ﵇ كيف اصطفاه الله، وكلمه وناجاه وأعطاه من الآيات العظيمة الباهرة، والأدلة القاهرة، وابتعثه إلى فرعون وملئه، فجحدوا بها، وكفروا واستكبروا عن اتباعه والانقياد له، فقال تعالى: ﴿إِذ قَالَ مُوسَى لِأَهلِهِ﴾ أي اذكر حين سار موسى بأهله، فأضل الطريق، وذلك في ليل وظلام، فآنس من جانب الطور نارًا، أي رأى نارًا تَتَأَجَّجَ وتضطرم، فقال ﴿لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ أي عن الطريق ﴿أَوْ آتِيكُمْ﴾ منها ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أي تستدفئون به، وكان كما قال، فإنه رجع منها بخبر عظيم، واقتبس منها نورًا عظيمًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ في النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي فلما أتاها ورأى منظرًا هائلًا عظيمًا، حيث انتهى إليها والنار تضطرم في شجرة خضراء، لا تزداد النار إلا تَوَقُّدًا، ولا تزداد الشجرة إلا خُضرَةً ونَضْرةً، ثم رفع رأسه، فإذا نورها متصل بعَنَان السماء، قال ابن عباس وغيره: لم تكن نارًا، وإنما كانت نورًا يتوهج، وفي رواية عن ابن عباس: نور رب العالمين، فوقف موسى متعجبًا مما رأى، فـ ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ في النَّار﴾ قال ابن عباس: قُدِّسَ ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي من الملائكة، قاله ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود -هو الطيالسي- حدثنا شعبة، والمسعودي، عن عمرو بن مرة، سمع أبا عبيدة، يحدث عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخْفِض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل"، زاد المسعودي: "وحجابه النور، أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره"، ثم قرأ أبو

стр. 1807

عبيدة ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ في النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: ٨]، وأصل الحديث مخرج في "صحيح مسلم" ١٧٩ من حديث عمرو بن مرة. وقوله تعالى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي الذي يفعل ما يشاء، لا يشبهه شيء من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء من مصنوعاته، وهو العلي العظيم، المباين لجميع المخلوقات، ولا يكتنفه الأرض والسموات، بل هو الأحد الصمد، المنزه عن مماثلة المحدثات. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٩٧ - (حَدَثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ، أَنْبَأنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "يَمِينُ الله مَلْأَى، لَا يَغِيضُها شَيْءٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنهارَ، وَبِيدهِ الْأُخْرَى الميزَانُ، يَرفَعُ الْقِسْطَ وَيَخْفِضُ، قَالَ: أَرَأَيْتَ مَا أنفَقَ، مُنْذُ خَلَقَ الله السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُض مِمَّا في يَدَيْهِ شَيْئًا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَزِيدُ بْنُ هارُونَ) أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقن عابدٌ [٩] ١٦/ ١٢٧. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ) أبو بكر المطلبيّ المدني نزيل العراق، إمام المغازي، صدوقٌ يدلّس، ورُمي بالتشيّع والقدر، من صغار [٥] ٤/ ٣٥، والباقون تقدّموا قبل خمسة أحاديث، وكذا لطائف الإسناد. [تنبيه]: لم ينفرد ابن إسحاق بهذا الإسناد، فقد تابعه شعيب بن أبي حمزة عند البخاريّ، وسفيان بن عيينة عند مسلم، والثوريّ عند أحمد، ومالك عند البخاريّ، فكلهم رووه عن أبي الزناد، فلا تضرّ عنعنته، وإن كان مدلّسًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

стр. 1808

شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه قال: ("يَمِينُ الله) هذه الرواية يُتعقّب بها على من فسّر الرواية الأخرى عند البخاريّ وغيره بلفظ: "يد الله ملآى" بالنعمة، وأبعد منه من فسّرها بالخزائن، وقال أطلق اليد على الخزائن لتصرّفها فيها، قاله في "الفتح" (١). (ملآى) بفتح الميم، وسكون اللام، وهمزة، مع القصر: تأنيث ملآن، وإنما أنثها لأن "اليمين" يجوز تأنيثها، ووقع في رواية لمسلم بلفظ "يد الله ملآن" فقيل: هي غَلَطٌ؛ لأن اليد مؤنّثة، ووجهها بعضهم بإرادة "اليمين" فإنها تذكّر وتؤنّث، كما ذكرناه آنفًا، وكذلك الكفّ. قال في "الفتح": والمراد من قوله: "ملآى" أو "ملآن" لازمه، وهو أنه في غاية الغنى، وعنده من الرزق ما لا نهاية له في علم الخلائق. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن التفسير باللازم غير صحيح، فالحقّ تفسيره بالملزوم واللازم معًا، فافهم هداني الله وإياك سبيل الرشاد. (لَا يَغِيضُها) بفتح أوله، وبالمعجمتين: أي لا ينقصها، يقال: غاض الماء يَغيض كباع يبيع: إذا نقص، أي لا يَنقُصها (شَيْءٌ) أي من الإنفاق (سَحَّاءُ) بفتح المهملتين، مثقّلا ممدودًا: أي دائمة الصبّ، يقال: سَحّ بفتح أوله مثقّلًا يَسِحّ، بكسر السين في المضارع، وضمّها، من بابي ضرب، ونصر، وهو مرفوع على أنه خبر لمحذوف، أي هي سَحّاء، ووقع في رواية لمسلم: "سَحًّا" بلفظ المصدر (اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) بالنصب على الظرفيّة، والمراد عدم الانقطاع لمادّة عطائه تعالى، أي هي دائمة الانصباب في الليل والنهار، قال في "الفتح": ويجوز الرفع، ووقع في رواية لمسلم "سَحّ الليل والنهار"

стр. 1809

بالإضافة، وفتح الحاء، ويجوز ضمهما. انتهى (١). وقال السنديّ ﵀: قيل: ما أتمّ البلاغة، وأحسن هذه الاستعارة، فلقد نبّه رسول الله ﷺ بهذا اللفظ على معان دقيقة: منها: وَصْفُ يده تعالى في الإعطاء بالتفوّق والاستعلاء، فإن السح إنما يكون من عُلْوٍ. ومنها: أنها المعطية عن ظهر غنًى؛ لأن الماء إذا انصبّ من فوقُ انصبّ بسهولة. ومنها: جزالة عطاياه ، فإن السحّ يُستعمل فيما ارتفع عن حدّ التقاطر إلى حدّ السيلان. ومنها: أنه لا مانع لها؛ لأن الماء إذا أخذ في الانصباب من فوقُ لم يستطع أحدٌ أن يردّه. انتهى، وهو توجيه وجيه، والله تعالى أعلم. (وَبِيَد الْأُخْرَى الميزَانُ) قال السنديّ ﵀: هذا اللفظ معناه كما ذكروا في "اليمين" من الجاز، فليُتأمل، والوجه مذهب السلف، فالواجب فيه وفي أمثاله الإيمان بما جاء في الحديث والتسليم، وترك التصرّف فيه بالعقل. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد السنديّ ﵀ في آخر كلامه، فإن مذهب السلف هو الأسلم، والأعلم، والأحكم، فيا ليته التزم هذا المذهب في كلّ كتابه، ولكنه ما التزمه، فسبحان من يهدي من يشاء إلى سواء السبيل. (يَرْفَعُ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الله تعالى، وقوله: (الْقِسْطَ) منصوب على المفعوليّة (وَيَخْفضُ) بالبناء للفاعل أيضًا، قال السنديّ: قيل: هو إشارة إلى إنزال العدل إلى الأرض مرّة، ورفعه أخرى. انتهى (قَالَ) ﷺ (أَرَأَيْتَ) بضمير المخاطب الواحد، وفي "الصحيح": "أرأيتم" بالجمع، وهو تنبيه على وضوح ذلك لمن له بصيرة (مَا أنفَقَ) أي قدر ما أنفق الله تعالى (مُنْذُ خَلَقَ الله السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضَ، فَإِنَّهُ) أي إنفاقه، وسقط

стр. 1810

من بعض النسخ لفظة "فإنه" (لَمْ يَنْقُض) وفي رواية "الصحيح": "فإنه لم يَغِضْ"، بالغين والضاد المعجمتين، وهو بمعنى ينقص (مِمَّا في يَدَيْهِ) وفي بعض النسخ "يده" بالإفراد، وفي رواية للبخاريّ: "لم ينقص ما في يمينه" (شَيْئًا) بالنصب على المفعوليّة لـ "ينقص"، وفي بعض النسخ: "شيء" بالرفع، وهو أيضًا صحيح، فيكون مرفوعًا على الفاعليّة؛ لأن "نَقَصَ" يتعدّى ويلزم، قال في "المصباح": نَقَصَ نَقْصًا، من باب قَتَلَ، ونُقْصَانًا، وانتقص: ذَهبَ منه شيءٌ بعد تمامه، ونَقَضتُهُ يتعدَّى ولا يتعدَّى، هذه هي اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أطْرَافِهَا﴾، وقوله: ﴿غير مَنقُوصٍ﴾، وفي لغة ضعيفة يتعدَّى بالهمزة، والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، ويتعدّى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نقصتُ زيدًا حقَّهُ، وانتقصتُهُ مثلُهُ. انتهى (١). [تنبيه]: قال الطيبيّ ﵀: يجوز أن تكون "ملآى"، و"لا يغيضها"، و"سحّاء"، و"أرأيت" على تأويل مقول فيه أخبارًا مترادفةً لـ "يمين الله"، ويجوز أن تكون الثلاثة الأخيرة أوصافًا لـ "ملآى"، ويجوز أن يكون "أرأيت" استئنافًا وفيه معنى الترقّي، كأنه لمّا قيل: "ملآى" أوهم جواز النقصان، فأزاله بقوله: "لا يغيضها شيء"، وربما يمتلىء الشيءُ، ولا يغيض، فقيل: سَحَاءُ، ليؤذن بالغيضان، وقرنها بما يدلّ على الاستمرار، من ذكر الليل والنهار، ثم أتبعها بما يدلّ على أن ذلك ظاهر غير خاف على ذي بصر وبصيرة بعد أن انتقل من ذكر الليل والنهار إلى المدّة المتطاولة بقوله: "أرأيتم" مستأنفًا؛ لأنه خطاب عامّ، والهمزة فيه للتقرير، قال: وهذا الكلام إذا أخذته بجملته من غير نظر إلى مفرداته أبان زيادة الغنى، وكمال السعة، والنهاية في الجود، وبسط اليد في العطاء. انتهى كلامه ببعض تصرّف (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 1811

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﷺ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ١٩٧) بهذا السند فقط (١)، وأخرجه (الحميديّ) في "مسنده" (١٠٦٧) و (أحمد) في "مسنده" ٢/ ٢٤٢ و ٤٦٤ و ٥٠٠ و (البخاريّ) (٦/ ٩٢ و ٧/ ٨٠ و ٩/ ١٧٥) و (مسلم) (٣/ ٧٧) و (الترمذيّ) (٣٠٤٥) و (البيهقيّ) في "الأسماء والصفات" (٣٩٥ و ٣٩٦) و (البغويّ) في "شرح السنة" (١٦٥٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان ما أنكرته الجهميّة من الصفات الثابتة في النصوص الصحيحة، وهي اليد، واليمين، وأنه تعالى يرفع القسط، ويخفضه، وكلها صفات لائقة بجلاله، ثابتة له كما أثبتها هذا النصّ الصريح الصحيح، فلا نعطّل، ولا نشبّه، ولا نؤوّل، قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى في "جامعه" بعد أن أخرج هذا الحديث: ما نصّه: قال أبو عيسى: هذا حديث قد رَوَته الأئمةُ، نؤمن به كما جاء، من غير أن يُفَسَّر، أو يُتَوَهَّم، هكذا قال غيرُ واحد من الأئمة، منهم سفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، وابن عيينة، وابن المبارك، أنه تُرْوَى هذه الأشياء، ويُؤمَنُ بها، ولا يقال: كيف؟. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: مراد الترمذيّ ﵀ بقوله: "من غير أن يُفَسَّر"، تفسير

стр. 1812

الكيفيّة، كما أوضحه آخر كلامه، فتنبّه، فإن بعض الناس يحمل تفويض السلف على أنهم يفوّضون المعنى، وهذا غلطٌ عليهم، فإنهم يعلمون معنى الصفات على ظاهرها، ويُثبتونها كذلك، وإنما يجهلون، ويفوّضون معنى كيفيّتها، فتفطّن لذلك، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٢ - (ومنها): كثرة جود الله ، وأنه ينفق كيف يشاء. ٣ - (ومنها): سعة رزقه تعالى، بحيث لا ينقصه الإنفاق. ٤ - (ومنها): أنه يرفع الميزان بأفعال العباد، وأرزاقهم، ويخفضه، كيف يشاء، ﴿لِلَّهِ الْأَمرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعدُ﴾، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُم يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ١٩٨ - (حَدَّثَنا هِشَامُ بنُ عَمَّارٍ، وَمُحَمدُ بْنُ الصَبَّاحِ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِم، حَدَّثَني أَبِي، عَن عُبَيْدِ الله بْنِ مِقْسَم، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، أنهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، وَهُوَ عَلَى المنْبَرِ، يَقُولُ. "يَأْخُذُ الجبَّارُ سَمَاوَاتِهِ وأرضهُ بِيَدهِ"، وَقَبَضَ بِيدهِ، فَجَعَلَ يَقْبِضُها وَيَبْسُطُهَا، "ثُم يَقُولُ: أنَّا الجبارُ، أَيْنَ الجبَّارُونَ؟، أَيْنَ المتكبِّرُونَ؟ " قَالَ: وَيَتَمَيَّلُ رَسُولُ الله ﷺ عَنْ يَمِينهِ وَعَن يَسَاره، حَتَى نَظَرتُ إِلَى المنبَرِ يَتَحَرَّكُ مِن أَسفَلِ شيْءٍ مِنْهُ، حَتَى إِنِّي أَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ الله ﷺ ") * رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هِشَامُ بْنُ عمَّارٍ) السّلميّ الدمشقيّ الخطيب، صدوق مقرىء، كَبِرَ فصار يتلقّن، فحديثه القديم أصحّ، من كبار [١٠] ١/ ٥. ٢ - (مُحَمَّدُ بن الصَّبَّاحِ) بن سفيان الجرْجَرَائيّ، أبو جعفر التاجر، صدوقٌ [١٠] ١/ ٢. من أفراد المصنّف. ٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِم) سلمة بن دينار المخزوميّ مولاهم، أبو تَمّام المدني، صدوق فقيه [٨].

стр. 1813

رَوَى عن أبيه، وسُهيل بن أبي صالح، وهشام بن عروة، وموسى بن عقبة، ويزيد بن الهاد، والعلاء بن عبد الرحمن، وكثير بن زيد بن أسلم، وغيرهم. ورَوَى عنه عبد الرحمن بن مهدي، وابن وهب، والقعنبي، وإبراهيم بن حمزة الزبيري، وعلي ابن المديني، وإسماعيل بن أبي أويس، وسعيد بن أبي مريم، وهشام بن عمار، ومحمد بن الصبّاح الجرجرائيّ، وغيرهم. قال أحمد: لم يكن يُعرَف بطلب الحديث، إلا كتب أبيه، فإنهم يقولون: إنه سمعها، وكان يتفقه، لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه، ويقال: إن كتب سليمان بن بلال وقعت إليه ولم يسمعها، وقد رَوَى عن أقوام لم يكن يُعرف أنه سمع منهم. وقال ابن معين: ثقة صدوق، ليس به بأس. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عبد العزيز بن أبي حازم، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: متقاربون، قيل له: فعبد العزيز؟ قال: صالح الحديث، وقال هو، وأبو زرعة: عبد العزيز أفقه من الدَّرَاوردي، وأوسع حديثًا منه. وقال النسائي: ثقة، وقال مرة: ليس به بأس. وذكره ابن عبد البر فيمن كان مدار الفتوى عليه في آخر زمان مالك وبعده. وقال أحمد بن عليّ الأَبار: ثنا أبو إبراهيم التَّرْجُمانيّ قال: قال مالك: قوم يكون فيهم ابن أبي حازم لا يُصيبهم العذاب. قال أبو إبراهيم: مات وهو ساجد. وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (٤)، وله ثنتان وثمانون سنة. وقال ابن سعد: كان أكثر الحديث، دون الدَّرَاوردي. وقال مصعب الزبيري: كان فقيهًا، وقد سمع مع سليمان بن بلال، فلما مات سليمان أوصى له بكتبه. وقال العجلي، وابن نمير: ثقة. وقال ابن سعد: وُلد سنة (١٠٧)، وقال عبد الرحمن بن شيبة: مات سنة أربع وثمانين ومائة، وهو ساجد، وكذا أَرّخه مُطيَّن وزاد: ويقال: سنة (٨٢). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٤) حديثًا.

стр. 1814

٤ - (أبُوهُ) سلمة بن دينار الأعرج الأَفْزر (١) التمار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سفيان، ويقال: مولى بني شِجْع من بني ليث، ومن قال: أشجع فقد وَهِمَ، ثقة عابدٌ [٥]. رَوَى عن سهل بن سعد الساعدي، وأبي أمامة بن سهل بن حُنيف، وسعيد بن المسيب، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، ولم يسمع منهما، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن أبي قتادة، وعبيد الله بن مقسم، وغيرهم. ورَوَى عنه الزهريّ، وعبيد الله بن عمر، وابن إسحاق، وابن عجلان، وابن أبي ذئب، ومالك، والحمادان، والسفيانان، وسليمان بن بلال، وسعيد بن أبي هلال، وابناه عبد الجبار وعبد العزيز، وخلق، آخرهم أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي. قال أحمد وأبو حاتم والعجلي والنسائي: ثقة. وقال ابن خزيمة: ثقة لم يكن في زمانه مثله. وقال ابنه ليحيى بن صالح: مَنْ حَدّثك أن أبي سمع من أحد من الصحابة، غير سهل بن سعد، فقد كَذَب. وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: أصله فارسيّ، وكان أشقر، أحول، أفزر. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: كان قاصّ أهل المدينة، ومن عبادهم، وزُهّادهم، بَعَث إليه سليمان بن عبد الملك بالزهري في أن يأتيه، فقال للزهري: إن كان له حاجة فليأت، وأما أنا فمالي إليه حاجة، مات سنة (٣٥)، وقد قيل: سنة (٤). وقال ابن سعد: كان يقصّ بعد الفجر في مسجد المدينة، ومات في خلافة أبي جعفر، بعد سنة أربعين ومائة، وكان ثقة، كثير الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: مات بعد الثلاثين إلى الأربعين، وقال عمرو بن علي: مات سنة (٣٣). وقال خليفة: سنة (٣٥)، وقال ابن معين: مات سنة أربع وأربعين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثًا.

стр. 1815

٥ - (عُبَيْدُ الله بْنُ مِقْسَمٍ) القرشيُّ، مولى ابن أبي نَمِر، المدنيّ، ثقة مشهور [٤]. رَوَى عن جابر، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي صالح السمان، والقاسم بن محمد، وعطاء بن يسار. ورَوَى عنه إسحاق بن عبيد الله بن أبي طلحة، وأبو حازم بن دينار، وسهيل بن أبي صالح، ومحمد بن عجلان، ويحيى بن أبي كثير، وداود بن قيس الفراء، وإسحاق بن حازم المدني، وبُكير بن عبد الله الأشجّ. قال أبو داود، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". ووثقه يعقوب بن سفيان. أخرج له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث برقم (١٩٨) وأعاده بهذا السند أيضا في "كتاب الزهد" برقم (٤٢٧٥) وحديث (٣٨٨) "هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته"، وحديث (٢٨٠٤) "ما تقولون في الشهيد فيكم؟ ". ٦ - (عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄ ١/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه محمد بن الصبّاح، فإنه من أفراده، وهو ثقة، وهشام روى عنه البخاريّ في "صحيحه" أربعة أحاديث. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخيه، فالأول دمشقيّ، والثاني جرجرائيّ، نسبة إلى جرْجَرَايا، بلدة بين بغداد وواسط (١). ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ﵄ أحد المكثرين السبعة، روى

стр. 1816

(٢٦٣٠) حديثًا، وهو أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين من الفتوى من الصحابة ﵃ والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ) ﵄ (أنهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، وَهُوَ عَلَى المنْبر) جملة في محل نصب على الحال من المفعول، أي حال كونه قائمًا على المنبر، وفي رواية مسلم يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم، عن عبيد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر يحكي رسول الله ﷺ ، قال: يأخذ الله سماواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا الله، ويقبض أصابعه ويبسطها ... "، وفي رواية له من طريق سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون". (يَقُولُ) ﷺ (يَأخُذُ الجبَّارُ) (سَمَاوَاتِهِ وَأَرضَهُ) بالإفراد، وفي الرواية الآتية في "كتاب الزهد" "وأرضيه" بصيغة الجمع، وهو الذي في "صحيح مسلمٍ" (بِيَده) وعند مسلم "بيديه" بالتثنية (وَقَبَضَ بِيَده) أي قبض رسول الله ﷺ بيده حكاية عن ربّه تعالى (فَجَعَلَ) أي النبيّ ﷺ (يَقْبِضُها، وَيَبْسُطُها) أي يقبض يده، ويبسطها؛ لما ذكرناه ("ثُمَّ يَقُولُ، أي الله ، فهو معطوف على "يأخذ، والجملة التي قبله من مقولة الراوي معترضة (أنَّا الجبَّارُ) زاد في "الزهد": "أنا الملك"، قال ابن الأثير ﵀: "الجبّارّ" معناه الذي يَقهر العباد على ما أراد من أمر ونهي، يقال: جبر الخلق، وأجبرهم، وأجبر أكثرُ، وقيل: هو العالي فوق خلقه، وفَعّالٌ من أبنية المبالغة، ومنه قولهم: نَخْلَةٌ جَبَّارَةٌ، وهي العظيمة التي تفوت يد المتناول. انتهى (١). وقال الفيّوميّ ﵀: وأجبرته على كذا بالألف: حَمَلته عليه قهرًا وغلبةً، فهو

стр. 1817

مُجْبرٌ، هذه لغة عامّة العرب، وفي لغة لبني تميم، وكثير من أهل الحجاز يَتكلَّم بها جَبرتُهُ جَبرًا، من باب قتل، وجُبُورًا، حكاه ابن زهريّ، ولفظه: وهي لغة معروفة، ولفظ ابن القَطّاع: وجبرتك لغة بني تميم، وحكاها جماعة أيضًا، ثم قال الأزهري: فجبرته وأجبرته لغتان جيّدتان، وقال ابن دُريد في باب ما اتَّفَقَ عليه أبو زيد وأبو عبيدة، مما تكلّمت به العرب، من فَعَلْتُ وأفعلتُ: جبرتُ الرجلَ على الشيء، وأجبرته، وقال الخطابّي: الجبّار الذي جبر خلقه على ما أراد من أمره ونهيه، يقال: جبره السلطان، وأجبره، بمعنًى، ورأيت في بعض التفاسير عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أن الثلاثي لغة حكاها الفرّاءُ وغيره، واستشهد لصحّتها بما معناه أنه لا يُبنى فَعّالٌ إلا من فِعل ثلاثيّ، نحو الفتاح، والعلّام، ولم يجئء من أفعل بالألف إلا دَرّاكٌ، فإن حُمل وجَبّارٌ على هذا المعنى، فهو وجه، قال الفرّاء: وقد سمعتُ العرب تقول: جبرته على الأمر، وأجبرته، وإذا ثبت ذلك فلا يُعَوَّل عَلى قول من ضعفها. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن "الجبّار" لغة فصيحة؛ لصحّة ثلاثيّها، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟) أي الذين كانوا يتسلّطون على العباد، ويتجبّرون عليهم في الدنيا ظلمًا وعدوانًا (أَيْنَ المتكَبِّرُونَ؟ "، قَالَ) ابن عمر ﵄ (وَيَتَمَيَّلُ) وفي رواية "الزهد": "ويتمايل" (رَسُولُ الله ﷺ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَاره) وفي "الزهد": "وعن شماله"، أي من شدة هيبته، وعظمته (حَتَى نَظَرت إِلَى المنْبَرِ يَتَحرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ) أي من أسفله إلى أعلاه؛ لأن بحركة الأسفل يتحرك الأعلى، ويحتمل أنّ تحركه بحركة النبيّ ﷺ بهذه الإشارة، قاله النووي، وقال القاضي عياض: ويحتمل أن يكون بنفسه هيبة لسمعه، كما حَنّ الجذع، ثم قال: والله أعلم بمراد نبيه ﷺ فيما ورد في هذه

стр. 1818

الأحاديث من مشكل، ونحن نؤمن بالله تعالى وصفاته، ولا نُشَبِّه شيئًا به، ولا نشبهه بشيء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وما قاله رسول الله ﷺ ، وثبت عنه فهو حقّ وصدقٌ، فما أدركنا علمه فبفضل الله تعالى، وما خَفِي علينا آمنّا به، ووَكَلْنا علمه إليه ، وحملنا لفظه على ما احتمل في لسان العرب الذي خوطبنا به، ولم نقطع على أحد معنييه بعد تنزيهه عن ظاهره الذي لا يليق به ، وبالله التوفيق. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال القاضي عياض ﵀، وأحسن القول، خلاف عادته في أحاديث الصفات، وقد نقل هذا الكلام منه النوويّ، وأقرّه عليه، وهو أيضًا خلف عادته، فإنه وإن ذكر مذهب السلف، إلا أنه يختار مذهب الخلف المأولين، ويؤيّده، ومن الغريب أنه نقل قبل هذا عن المازريّ في شرح هذا الحديث، أن هذا الكلام استعارة، فقال: وأما إطلاق اليدين لله تعالى، فمتأول على القدرة إلى آخر كلامه، وارتضى هذا التأويل السخيف، فهذا تناقضٌ عجيب. والحقّ كما بينا غير مرّة أن مذهب السلف هو الأعلم، والأحكم، والأسلم، فلا ينبغي العدول عنه. ولقد أجاد السنديّ ﵀ في "شرحه" لهذا الكتاب، حيث قال: والحقّ في هذا الحديث، وكذا فيما قبله وبعده ما ذكره المحقّقون، قال البغويّ ﵀ في "شرح السنّة": كلُّ ما جاء في الكتاب والسنّة من هذا القبيل في صفاته تعالى، كالنفس، والوجه، والعين، والإصبع، واليد، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء، والاستواء على العرش، والضحك، والفرح، فهذه ونظائرها صفاتٌ لله ورد بها السمع، فيجب الإيمان بها، وإمرارُها على ظاهرها، مُعرضًا فيها عن التأويل، مجُتنبًا عن التشبيه، مُعتقدًا أن الباري لا يشبه شيءٌ من صفاته صفاتِ الخلق، كما لا تشبه ذاتُهُ ذواتِ الخلق، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾

стр. 1819

[الشورى: ١١]. وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماءُ السنة، تلقّوها جميعًا بالإيمان والقبول، وتجنّبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله تعالى، كما أخبر عن الراسخين في العلم، فقال : ﴿وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]. قال سفيان بن عيينة: كلُّ ما وصف الله به نفسه في كتابه، فتفسيره قراءته، والسكوت عليه، ليس لأحد أن يفسّره إلا الله ورُسله. وسأل رجلٌ مالك بن أنس عن قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالّا، وأمر به أن يُخرَج من المجلس. وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعيّ، وسفيان بن عيينة، ومالكًا عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية، فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف. وقال الزهريّ: على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. وقال بعض السلف: قَدَمَ الإسلام لا يَثبُت إلا على قنطرة التسليم. انتهى. وبنحو هذا صرّح كثير من المحقّقين، فعليك به والله الموفّق. انتهى كلام السنديّ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيس، وبحث أنيس. والله تعالى أعلم بالصواب. (حَتَّى إِنِّي أَقُولُ) وفي "الزهد": "لأقول" (أَساقِطٌ) بهمزة الاستفهام (هُوَ) أي المنبر (بِرَسُولِ الله ﷺ ) هذا الاستفهام من ابن عمر ﵄ جرى بينه وبين نفسه، والله تعالى أَعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا متّفق عليه.

стр. 1820

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ١٩٨) بهذا السند، وأعاده في "كتاب الزهد" برقم (٤٢٧٥) بالسند نفسه، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٧٢ و ٧٨) و (عبد بن حميد) في "مسنده" (٧٤٢) و (البخاريّ) (٩/ ١٥٠) من طريق نافع، عن ابن عمر، و (مسلم) (٨/ ١٢٦ و ١٢٧) و (أبو داود) (٤٧٣٢) و (الطبري) في "تفسيره" (٢٤/ ٢٧) و (ابن خزيمة) في "التوحيد" (٧٣) و (ابن حبان) في "صحيحه" (٧٣٢٤) و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٣٣٢٧) و (البيهقيّ) في "الأسماء والصفات" (٣٣٩ و٣٤٠) و (ابن أبي عاصم) في "السنة" (٥٤٧) و (أبو الشيخ) في "العظمة" (١٣٩) و (البغويّ) "التفسير" (٤/ ٨٧) مع اختلاف في الألفاظ، والله تعالى أعلم. وأما مطابقته للباب، فواضحة، حيث بيّن صفة اليد، والقبض والبسط، والكلام، وكلها مما أنكرها الجهميّة الضُّلّال، وبقية الفوائد تقدّمت في الأحاديث السابقة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ أول الكتاب قال: ١٩٩ - (حَدَّثنا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حدثنا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابرٍ، قَالَ: سمعت بُسْرَ بْنَ عُبَيْدِ الله يَقُولُ: سَمعتُ أبا إِدرِيسَ الخوْلَانِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَني النوَّاسُ بْنُ سمعَانَ الْكِلَابِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ قَلبٍ إِلَّا بَيْنَ إِصبَعَيْنِ مِنْ أصَابعِ الرَّحْمَنِ، إِن شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أزَاغَهُ"، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ: "يَا مُثبتَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ"، قَالَ: "وَالميزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ، يَرفَعُ أَقوَامًا، وَيَخْفِضُ آخَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هِشَامُ بنُ عَمّارٍ) المذكور في السند السابق. ٢ - (صدَقةُ بْنُ خَالِدٍ) الأُمويّ مولاهم، أبو العباس الدمشقيّ، مولى أُمِّ البنين

стр. 1821

أُختِ معاوية، وقيل: أختِ عمر بن عبد العزيز، ثقة [٨]. رَوَى عن أبيه، وزيد بن واقد، والأوزاعيّ، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وعُتبة بن أبي حكيم، وعثمان بن أبي العاتكة، وهشام بن الغاز، وجماعة. ورَوَى عنه يحيى بن حمزة الحضرمي، والوليد بن مسلم، هو من أقرانه، وأبو مسهر، وقرأ عليه القرآن، ومحمد بن المبارك الصُّوريّ، وهشام بن عمار، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، ليس به بأس، أثبت من الوليد بن مسلم، صالح الحديث. وقال ابن معين، ودُحَيم، وابن نمير، والعجلي، ومحمد بن سعد، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، زاد بن نمير: وهو أوثق من صدقة بن عبد الله، وصدقة بن يزيد، وقال ابن معين: كان صدقةُ أحب إلى أبي مسهر من الوليد، وكان يحيى بن حمزة قَدَرِيّا، وصدقة أحب إلي منه. وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا مسهر يقول: صدقة صحيح الأخذ، صحيح الإعطاء. وقال الآجري عن أبي داود: من الثقات، هو أثبت من الوليد بن مسلم، رَوى الوليدُ عن مالك عشرة أحاديث، ليس لها أصل، منها عن نافع أربعة. وذكره ابن حبان، وقال: وهو مولى أم البنين أخت معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. وقال النسائي: في "الكنى"، وابن عمار: ثقة. قال دُحيم وغيره: مولده سنة ثماني عشرة ومائة. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة، توفي سنة سبعين أو إحدى وسبعين ومائة، وقال هشام بن عمار وغيره: مات سنة ثمانين، وقال دُحيم: مات سنة أربع وثمانين، وكان كاتبا لشعيب. أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، والمصنّف، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٣ - (ابْنُ جَابرٍ) هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزديّ، أبو عُتبة الشاميّ الدَّارَاني، ثقة [٧]. رَوَى عن مكحول، والزهري، وعطية بن قيس، وعمير بن هانئ، وسليم بن

стр. 1822

عامر، وبسر بن عبيد الله الحضرمي، وزيد بن أسلم، وسعيد المقبريّ، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه عبد الله، وصدقة بن خالد، وصدقة بن المبارك، وعمر بن عبد الواحد، وبشر بن بكر، وحسين بن علي الجعفي، وغيرهم. قال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن معين، والعجليّ، وابن سعد، والنسائيّ، وغير واحد: ثقة. وقال ابن المديني: يُعَدّ في الطبقة الثانية من فقهاء أهل الشام، بعد الصحابة ﵁ وقال يعقوب بن سفيان: عبد الرحمن ويزيد ابنا جابر ثقتان، كانا نزلا البصرة، ثم تحولا إلى دمشق. وقال أبو داود: هو من ثقات الناس. وقال ابنه أبو بكر بن أبي داود: ثقة مأمون. وقال موسى بن هارون: رَوَى أبو أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وكان ذلك وَهمًا منه، هو لم يَلْقَ ابنَ جابر، وإنما لَقِي ابنَ تميم، فظَنّ أنه ابن جابر، وابن جابر ثقة، وابن تميم ضعيف. وقال الفلاس: ضعيف الحديث، وهو عندهم من أهل الصدق، رَوَى عنه أهل الكوفة أحاديث مناكير، قال الخطيب: كأنه اشتبه على الفلاس بابن تميم. وقال ابن مهديّ: إذا رأيت الشامي يَذكر الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن يزيد، فاطمَئِنّ إليه. وقال دُحيم: هو بعد زيد بن واقد في مكحول. وقال أبو حاتم: صدوق، لا بأس به، ثقة. قال خليفة وغيره: مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، زاد ابن سعد: وهو ابن بضع وثمانين. وقال صفوان بن صالح: سمعت الوليد وغير واحد من أصحابنا يقولون: مات سنة (٥٤)، وقال عبد الله بن يزيد القاري: مات سنة (٥٥)، وقال ابن معين: مات سنة (٥٦)، وكذا حكاه البخاري، ويعقوب بن شيبة، وجزم ابن حبان في "الثقات" بالقول الأول. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. ٤ - (بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ الله) الحضرميّ الشاميّ، ثقة حافظ [٤]. رَوَى عن واثلة، وعمرو بن عَبَسَة، ورُويفع بن ثابت، وعبد الله بن مُحَيريز، وأبي إدريس الخولاني، وغيرهم.

стр. 1823

ورَوى عنه عبد الله بن العلاء بن زَبْر، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وزيد بن واقد، وغيرهم. قال العجلي، والنسائي: ثقة. قال أبو مسهر: هو أحفظ أصحاب أبي إدريس. وقال مروان بن محمد: من كبار أهل المسجد، ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث برقم (١٩٩) وحديث (٥٤١) "نعم أصلي فيه ... " وحديث (٣٩٧٩) "يكون دُعاة على أبواب جهنم ... " وحديث (٤٠٤٢) "احفظ خلالا ستا ... " وحديث (٤٠٩٥) "تكون بينكم وبين بني الأصفر ... "، وحديث (٤١١٥) "ألا أخبرك عن ملوك الجنة ... ". ٥ - (أبو إِدرِيسَ الخوْلَاني) عائذ الله بن عبد الله بن عمرو، ويقال: عَيِّذُ الله بن إدريس بن عائذ بن عبد الله بن عُتبة بن غَيْلان بن مكين الْعَوْذيّ، ويقال: الْعَيْذيّ أيضًا، ثقة ثبت، من كبار التابعين، من علماء أهل الشام، وعُبّادهم، وقُرّائهم [٢]. رَوَى عن عمر بن الخطاب، وأبي الدرداء، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر، وبلال، وثوبان، وحذيفة، وعبادة بن الصامت، وعوف بن مالك، والمغيرة، ومعاوية، والنواس ابن سمعان، وأبي ثعلبة الخشني، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وغيرهم. ورَوَى عنه الزهريّ، وربيعة بن يزيد، وبسر بن عبيد الله، وعبد الله بن ربيعة بن يزيد، والقاسم بن محمد، والوليد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، ومكحول، وغيرهم. قال مكحول: ما رأيت أعلم منه. وقال الزهريّ: كان قاصّ أهل الشام وقاضيهم في خلافة عبد الملك. وقال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو إدريس عالم الشام بعد أبي الدرداء. وقال أبو زرعة الدمشقي: أحسن أهل الشام لُقِيّا لأجلة أصحاب رسول الله ﷺ جُبير بن نُفير، وأبو إدريس، وقد قلت لدحيم: مَن المقدم منهم؟ قال: أبو "إدريس. قال أبو زرعة: وأبو إدريس أروى عن التابعين من جُبير بن نُفير فأما معاذ بن جبل، فلم يصح له سماع، وإذا حدث أبو إدريس عن معاذ أسند ذلك إلى يزيد بن

стр. 1824

عَمِيرة. قال أبو زرعة: قال محمد بن أبي عُمر عن ابن عُيينة، عن الزهريّ، عن أبي إدريس أنه أدرك عُبادة بن الصامت، وأبا الدرداء، وشداد بن أوس، وفاته معاذ بن جبل، قال أبو زرعة: وقد حدثنا محمد بن المبارك، ثنا الوليد بن مسلم، عن يزيد بن أبي مريم، عن أبي إدريس، قال: جلست خلف معاذ بن جبل، وهو يصلي، فلما انصرف من الصلاة، قلت: إني لأحبك لله، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المتحابّون في الله في ظلّ عرشه، يوم لا ظلّ إلا ظلّه" (١). قال أبو زرعة: وقال هشام عن صدقة، عن ابن جابر، عن عطاء الخراساني، سمعت أبا إدريس نحوه، قال: وحدثني سليمان، عن خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبي إدريس، قال أبو زرعة: أبو إدريس يَروي عن أبي مسلم الخولاني، وعبد الرحمن بن غَنْم، وكلاهما يحدثان بهذا الحديث، عن معاذ، والزهريّ يحفظ عن أبي إدريس أنه لم يسمع من معاذ، والحديث حديثهما. وقال أبو عمر بن عبد البر: سماع أبي إدريس من معاذ عندنا صحيح، من رواية أبي حازم وغيره، فلعل رواية الزهري عنه أنه فاتني معاذ بن جبل في معنى من المعاني، وأما لقاؤه وسماعه منه فصحيحٌ غير مدفوع، وقد سُئل الوليد بن مسلم، وكان عالما يأيام أهل الشام، هل لقي أبو إدريس معاذ بن جبل؟ قال: نعم أدرك معاذ بن جبل، وأبا عبيدة، وهو ابن عشر سنين، وُلد يوم حُنين، سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول ذلك. قال ابن معين وغيره: مات سنة ثمانين. قال الحافظ: إذا كان وُلد في غزوة حُنين، وهي في أواخر سنة ثمان، ومات معاذ سنة ثمان عشرة، فيكون سنه حين مات معاذ تسع سنين ونصفًا أو نحو ذلك، فيبعد في العادة أن يُجاري معاذًا في المسجد هذه المجاراة، أو يخاطبه هذه المخاطبة على ما اشتهر من عادتهم، أنه لا يطلبون العلم إلا بعد البلوغ، والجمعُ الذي جمع به ابن عبد البر، قد

стр. 1825

سبقه إليه الطحاوي في "مشكله"، وساقه من طُرُق كثيرة إلى أبي إدريس، أنه سمع معاذًا، وعبادة بالقصة المذكورة. وقال العجلي: دمشقي تابعي ثقة. وقال أبو حاتم، والنسائي، وابن سعد: ثقة. وقال أبو مسهر: لم نجد له ذكرًا بعد عبد الملك. وقال الهيثم بن عدي: تُوفي زمن عبد الملك. وذكره الطبري في طبقات الفقهاء في نفر من أهل الشام، أهلِ فقه في الدين، وعلم بالأحكام والحلال والحرام. ورَوَى هالك عن أبي حازم، عن أبي إدريس، قال: دخلت مسجد دمشق، فإذا أنا بفتي بَرّاق الثنايا، فسألت عنه، فقالوا: معاذ، فلما كان الغد هجّرت، فوجدته يصلي، فلما انصرف سلمت عليه، فقلت: والله أني لأحبّك ... الحديث، وهو الذي أشار إليه ابن عبد البر. وقال البخاري: لم يسمع من عمر. وقال ابن حبان في "الثقات": ولاه عبد الملك القضاء بعد عزل بلال بن أبي الدرداء، وكان من عباد أهل الشام وقرائهم، ولم يسمع من معاذ. وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: أسمع أبو إدريس من معاذ؟ فقال: يختلفون فيه، فأما الذي عندي فلم يسمع منه. قال الجامع عفا الله عفه: قول من قال: لم يسمع من معاذ هو الأرجح عندي؛ لأن أبا زرعة الدمشقيّ أعلم الناس بأحوال أهل الشام، وتواريخهم، وقد نفاها، فيكون هو الأرجح، والله تعالى أعلم. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. ٦ - (النَّوَّاسُ بْنُ سمعَانَ الْكِلَابِي) ويقال له: الأنصاريُّ قال بعضهم: هو ابن سمعان بن خالد بن عبد الله بن عمرو بن قُرْط بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، له ولأبيه صحبة (١)، روى عن النبي ﷺ ، وعنه أبو إدريس
следующие страницы →