أُختِ معاوية، وقيل: أختِ عمر بن عبد العزيز، ثقة [٨].
رَوَى عن أبيه، وزيد بن واقد، والأوزاعيّ، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وعُتبة بن أبي حكيم، وعثمان بن أبي العاتكة، وهشام بن الغاز، وجماعة.
ورَوَى عنه يحيى بن حمزة الحضرمي، والوليد بن مسلم، هو من أقرانه، وأبو مسهر، وقرأ عليه القرآن، ومحمد بن المبارك الصُّوريّ، وهشام بن عمار، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، ليس به بأس، أثبت من الوليد بن مسلم، صالح الحديث. وقال ابن معين، ودُحَيم، وابن نمير، والعجلي، ومحمد بن سعد، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، زاد بن نمير: وهو أوثق من صدقة بن عبد الله، وصدقة بن يزيد، وقال ابن معين: كان صدقةُ أحب إلى أبي مسهر من الوليد، وكان يحيى بن حمزة قَدَرِيّا، وصدقة أحب إلي منه. وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا مسهر يقول: صدقة صحيح الأخذ، صحيح الإعطاء.
وقال الآجري عن أبي داود: من الثقات، هو أثبت من الوليد بن مسلم، رَوى الوليدُ عن مالك عشرة أحاديث، ليس لها أصل، منها عن نافع أربعة. وذكره ابن حبان، وقال: وهو مولى أم البنين أخت معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. وقال النسائي: في "الكنى"، وابن عمار: ثقة.
قال دُحيم وغيره: مولده سنة ثماني عشرة ومائة. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة، توفي سنة سبعين أو إحدى وسبعين ومائة، وقال هشام بن عمار وغيره: مات سنة ثمانين، وقال دُحيم: مات سنة أربع وثمانين، وكان كاتبا لشعيب.
أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، والمصنّف، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٣ - (ابْنُ جَابرٍ) هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزديّ، أبو عُتبة الشاميّ الدَّارَاني، ثقة [٧].
رَوَى عن مكحول، والزهري، وعطية بن قيس، وعمير بن هانئ، وسليم بن
стр. 1822
عامر، وبسر بن عبيد الله الحضرمي، وزيد بن أسلم، وسعيد المقبريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد الله، وصدقة بن خالد، وصدقة بن المبارك، وعمر بن عبد الواحد، وبشر بن بكر، وحسين بن علي الجعفي، وغيرهم.
قال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن معين، والعجليّ، وابن سعد، والنسائيّ، وغير واحد: ثقة. وقال ابن المديني: يُعَدّ في الطبقة الثانية من فقهاء أهل الشام، بعد الصحابة ﵁ وقال يعقوب بن سفيان: عبد الرحمن ويزيد ابنا جابر ثقتان، كانا نزلا البصرة، ثم تحولا إلى دمشق. وقال أبو داود: هو من ثقات الناس. وقال ابنه أبو بكر بن أبي داود: ثقة مأمون. وقال موسى بن هارون: رَوَى أبو أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وكان ذلك وَهمًا منه، هو لم يَلْقَ ابنَ جابر، وإنما لَقِي ابنَ تميم، فظَنّ أنه ابن جابر، وابن جابر ثقة، وابن تميم ضعيف. وقال الفلاس: ضعيف الحديث، وهو عندهم من أهل الصدق، رَوَى عنه أهل الكوفة أحاديث مناكير، قال الخطيب: كأنه اشتبه على الفلاس بابن تميم. وقال ابن مهديّ: إذا رأيت الشامي يَذكر الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن يزيد، فاطمَئِنّ إليه. وقال دُحيم: هو بعد زيد بن واقد في مكحول.
وقال أبو حاتم: صدوق، لا بأس به، ثقة.
قال خليفة وغيره: مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، زاد ابن سعد: وهو ابن بضع وثمانين. وقال صفوان بن صالح: سمعت الوليد وغير واحد من أصحابنا يقولون: مات سنة (٥٤)، وقال عبد الله بن يزيد القاري: مات سنة (٥٥)، وقال ابن معين: مات سنة (٥٦)، وكذا حكاه البخاري، ويعقوب بن شيبة، وجزم ابن حبان في "الثقات" بالقول الأول.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
٤ - (بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ الله) الحضرميّ الشاميّ، ثقة حافظ [٤].
رَوَى عن واثلة، وعمرو بن عَبَسَة، ورُويفع بن ثابت، وعبد الله بن مُحَيريز، وأبي إدريس الخولاني، وغيرهم.
стр. 1823
ورَوى عنه عبد الله بن العلاء بن زَبْر، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وزيد بن واقد، وغيرهم.
قال العجلي، والنسائي: ثقة. قال أبو مسهر: هو أحفظ أصحاب أبي إدريس.
وقال مروان بن محمد: من كبار أهل المسجد، ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث برقم (١٩٩) وحديث (٥٤١) "نعم أصلي فيه ... " وحديث (٣٩٧٩) "يكون دُعاة على أبواب جهنم ... " وحديث (٤٠٤٢) "احفظ خلالا ستا ... " وحديث (٤٠٩٥) "تكون بينكم وبين بني الأصفر ... "، وحديث (٤١١٥) "ألا أخبرك عن ملوك الجنة ... ".
٥ - (أبو إِدرِيسَ الخوْلَاني) عائذ الله بن عبد الله بن عمرو، ويقال: عَيِّذُ الله بن إدريس بن عائذ بن عبد الله بن عُتبة بن غَيْلان بن مكين الْعَوْذيّ، ويقال: الْعَيْذيّ أيضًا، ثقة ثبت، من كبار التابعين، من علماء أهل الشام، وعُبّادهم، وقُرّائهم [٢].
رَوَى عن عمر بن الخطاب، وأبي الدرداء، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر، وبلال، وثوبان، وحذيفة، وعبادة بن الصامت، وعوف بن مالك، والمغيرة، ومعاوية، والنواس ابن سمعان، وأبي ثعلبة الخشني، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وغيرهم.
ورَوَى عنه الزهريّ، وربيعة بن يزيد، وبسر بن عبيد الله، وعبد الله بن ربيعة بن يزيد، والقاسم بن محمد، والوليد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، ومكحول، وغيرهم.
قال مكحول: ما رأيت أعلم منه. وقال الزهريّ: كان قاصّ أهل الشام وقاضيهم في خلافة عبد الملك. وقال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو إدريس عالم الشام بعد أبي الدرداء. وقال أبو زرعة الدمشقي: أحسن أهل الشام لُقِيّا لأجلة أصحاب رسول الله ﷺ جُبير بن نُفير، وأبو إدريس، وقد قلت لدحيم: مَن المقدم منهم؟ قال: أبو "إدريس. قال أبو زرعة: وأبو إدريس أروى عن التابعين من جُبير بن نُفير فأما معاذ بن جبل، فلم يصح له سماع، وإذا حدث أبو إدريس عن معاذ أسند ذلك إلى يزيد بن
стр. 1824
عَمِيرة. قال أبو زرعة: قال محمد بن أبي عُمر عن ابن عُيينة، عن الزهريّ، عن أبي إدريس أنه أدرك عُبادة بن الصامت، وأبا الدرداء، وشداد بن أوس، وفاته معاذ بن جبل، قال أبو زرعة: وقد حدثنا محمد بن المبارك، ثنا الوليد بن مسلم، عن يزيد بن أبي مريم، عن أبي إدريس، قال: جلست خلف معاذ بن جبل، وهو يصلي، فلما انصرف من الصلاة، قلت: إني لأحبك لله، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المتحابّون في الله في ظلّ عرشه، يوم لا ظلّ إلا ظلّه" (١).
قال أبو زرعة: وقال هشام عن صدقة، عن ابن جابر، عن عطاء الخراساني، سمعت أبا إدريس نحوه، قال: وحدثني سليمان، عن خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبي إدريس، قال أبو زرعة: أبو إدريس يَروي عن أبي مسلم الخولاني، وعبد الرحمن بن غَنْم، وكلاهما يحدثان بهذا الحديث، عن معاذ، والزهريّ يحفظ عن أبي إدريس أنه لم يسمع من معاذ، والحديث حديثهما.
وقال أبو عمر بن عبد البر: سماع أبي إدريس من معاذ عندنا صحيح، من رواية أبي حازم وغيره، فلعل رواية الزهري عنه أنه فاتني معاذ بن جبل في معنى من المعاني، وأما لقاؤه وسماعه منه فصحيحٌ غير مدفوع، وقد سُئل الوليد بن مسلم، وكان عالما يأيام أهل الشام، هل لقي أبو إدريس معاذ بن جبل؟ قال: نعم أدرك معاذ بن جبل، وأبا عبيدة، وهو ابن عشر سنين، وُلد يوم حُنين، سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول ذلك.
قال ابن معين وغيره: مات سنة ثمانين.
قال الحافظ: إذا كان وُلد في غزوة حُنين، وهي في أواخر سنة ثمان، ومات معاذ سنة ثمان عشرة، فيكون سنه حين مات معاذ تسع سنين ونصفًا أو نحو ذلك، فيبعد في العادة أن يُجاري معاذًا في المسجد هذه المجاراة، أو يخاطبه هذه المخاطبة على ما اشتهر من عادتهم، أنه لا يطلبون العلم إلا بعد البلوغ، والجمعُ الذي جمع به ابن عبد البر، قد
стр. 1825
سبقه إليه الطحاوي في "مشكله"، وساقه من طُرُق كثيرة إلى أبي إدريس، أنه سمع معاذًا، وعبادة بالقصة المذكورة.
وقال العجلي: دمشقي تابعي ثقة. وقال أبو حاتم، والنسائي، وابن سعد: ثقة.
وقال أبو مسهر: لم نجد له ذكرًا بعد عبد الملك. وقال الهيثم بن عدي: تُوفي زمن عبد الملك. وذكره الطبري في طبقات الفقهاء في نفر من أهل الشام، أهلِ فقه في الدين، وعلم بالأحكام والحلال والحرام. ورَوَى هالك عن أبي حازم، عن أبي إدريس، قال: دخلت مسجد دمشق، فإذا أنا بفتي بَرّاق الثنايا، فسألت عنه، فقالوا: معاذ، فلما كان الغد هجّرت، فوجدته يصلي، فلما انصرف سلمت عليه، فقلت: والله أني لأحبّك ... الحديث، وهو الذي أشار إليه ابن عبد البر. وقال البخاري: لم يسمع من عمر. وقال ابن حبان في "الثقات": ولاه عبد الملك القضاء بعد عزل بلال بن أبي الدرداء، وكان من عباد أهل الشام وقرائهم، ولم يسمع من معاذ.
وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: أسمع أبو إدريس من معاذ؟ فقال: يختلفون فيه، فأما الذي عندي فلم يسمع منه.
قال الجامع عفا الله عفه: قول من قال: لم يسمع من معاذ هو الأرجح عندي؛ لأن أبا زرعة الدمشقيّ أعلم الناس بأحوال أهل الشام، وتواريخهم، وقد نفاها، فيكون هو الأرجح، والله تعالى أعلم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
٦ - (النَّوَّاسُ بْنُ سمعَانَ الْكِلَابِي) ويقال له: الأنصاريُّ قال بعضهم: هو ابن سمعان بن خالد بن عبد الله بن عمرو بن قُرْط بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، له ولأبيه صحبة (١)، روى عن النبي ﷺ ، وعنه أبو إدريس
стр. 1826
الخولانيّ، وجُبير بنُ نُفَير الحضرميّ، قال ابن عبد البر: يقال: إن أباه وَفَد على النبي ﷺ ، فدعا له رسول الله ﷺ ، وأعطاه نعليه، فقبلهما رسول الله ﷺ ، وتزوج أخته، فلما دخلت على النبي ﷺ تعوّذت منه فتركها، وهي الكلابية، وقد اختُلف في اسمها على أقوال، ليس هذا محل حكايتها، وقال أبو حاتم الرازيّ، وأبو أحمد العسكريّ: إن النوّاس سكن الشام (١).
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث برقم (١٩٩) وحديث (٤٠٧٥) "ما شأنكم، فقلنا .. ، وحديث (٤٠٧٦) "سيوقد المسلمون من قَسِيّ يأجوج ومأجوج .. "، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الشاميين.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث والسماع من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: بسر عن أبي إدريس.
٦ - (ومنها): أن صحابية من المقلين في الرواية، ليس له في الكتب الستة إلا خمسة أحاديث فقط، راجع ترجمته في "تحفة الأشراف" (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 1827
شرح الحديث:
عن أبي إدريس الخولاني، أنه قال: (حَدَّثَني النَّوَّاسُ بْنُ سِمعَانَ) الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ (الْكِلَابِيُّ) بكسر الكاف: نسبة إلى كلاب أحد أجداده، وهو كلاب بن ربيعة، بن عامر بن صعصعة، كما سبق في نسبه، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَا) نافية (مِنْ) زائدة بعد النفي، كما قال في "الخلاصة":
وَزِيدَ فِي نَفْي وَشِبْهِهِ فَجَر ... نَكِرَةً كـ "مَا لِبَاغ مِنْ مَفَر"
(قَلْبٍ) مبتدأ خبره قوله: (إِلَّا بَيْنَ إِصبَعَيْنِ) بكسر الهمزة، وفتح الوحّدة، أفصح لغاتها، وهي عشرة، تثليثُ الهمزة، مع تثليث الموحّدة، والعاشرة أُصبُوع، بوزن أُسْبُوع.
وفي حديث ابن عمر ﵄ عند مسلم: "إن قلوب بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفه كيف يشاء ... " الحديث.
(مِنْ أَصَابعِ الرَّحْمَنِ) قال المأولون: إطلاق الأصبع عليه تعالى مجاز، أي تقليب القلوب في قدرته يسير إلى آخر ما قالوه، قلت: الحقّ كما تقدّم في الأحاديث السابقة عدم التعرّض للتأويل، بل نثبت الأصابع ونحوها لله تعالى كما أثبته النصّ الصريح الصحيح على ما يليق بجلاله .
والحاصل أن هذا الحديث من أحاديث الصفات التي نؤمن بها، ونعتقد أنها حقّ من غير تعرّض للتأويل، ولا لمعرفة الكيفيّة؛ لأن الإيمان بها فرضٌ، والامتناع عن الخوض في معرفة حقاقها واجب، فالمهتدي من سلك فيها سبيل التسليم، والخائض في إدراك كيفيّتها زائغ، والمنكر لها معطّلٌ، والمكيّف مشبّه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
ونقل الطيبيّ في "شرحه" عن شيخه أبي حفص السُّهْرورديّ ﵀ أنه قال في "كتاب العقائد" له:
أخبر الله أنه استوى على العرش، فقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وأخبر رسوله ﷺ بالنزول، وغير ذلك مما جاء من اليد، والقدم،
стр. 1828
والتعجب، والتردّد، وكلّ ما ورد من هذا القبيل، فلا يُتصرّف فيها بتشبيه، ولا تعطيل، فلولا إخبار الله تعالى، وإخبار رسوله ﷺ . ما تجاسر عقل أن يحوم حول ذلك الحمى، وتلاشىى دون ذلك عقل العقلاء، ولُب الألبّاء. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي نقله الطيبي عن شيخه هو التحقيق الحقيق بالقبول، فيا ليت الطيبيّ مشى على طريقة شيخه، ولكنه حاد، ومال عن الصراط المستقيم، فترى في شرحه يختار مذهب المؤوّلين، ويقوّيه، ويطوّل نفسه في تقريره، فلا حول ولا قوّة إلا بالله، اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدنا لما اختُلف فيه من الحقّ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
(إِنْ شَاءَ) الله تعالى إقامته (أَقَامَهُ) أي أثبته على الحقّ (وَإِنْ شَاءَ) إزاغته (أَزَاغَهُ) أي أماله عن الحقّ، فيقلبها تارة من فجورها إلى تقواها، بأن يجعلها تقيّةً بعد أن كانت فاجرةً، ويعدلها أخرى عن تقواها إلى فجورها، بأن يجعلها فاجرة بعد أن كانت تقيّةً، كما قال الله : ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨].
قال بعضهم: نسب تقليب القلب إلى الله تعالى إشعارًا بأن الله تعالى إنما تولّى بنفسه أمر قلوبهم، ولم يَكِله إلى أحد من ملائكته، وخصّ الرحمن بالذكر إيذانًا بأن ذلك التولّي لم يكن إلا بمحض رحمته، وفضل نعمته؛ كيلا يطَّلع أحد غيره على سرائرهم، ولا يكتب عليهم ما في ضمائرهم. انتهى (٢).
(وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقولُ: يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ) وفي رواية أحمد: "يا مقلّب القلوب" أي مصرّفها تارة إلى الطاعة، وتارة إلى المعصية، وتارة إلى اليقظة، وتارة إلى الغفلة (ثَبِّتْ قلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ) أي اجعله ثابتًا على دينك القويم، غير مائل عن
стр. 1829
صراطك المستقيم (قَالَ) ﷺ (وَالميزَان بِيَدِ الرحمَنِ، يَرفَع) بالبناء للفاعل، أي يرفع الله بذلك الميزان (أَقْوَامًا) وفي نسخة "قومًا"، أي يرفعهم إلى الدرجات العلى بسبب أعمالهم الصالحات (وَيَخْفِضُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب (آخَرِينَ) أي يخفض أقوامًا آخرين إلى الدركات السفلي بسبب ارتكابهم المعاصي الموبقات (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) تنازعاه الفعلان قبله، أو متعفق بخبر مبتدإ مقدر، أي ذلك كائن إلى يوم القيامة، وهو إشارة إلى استمرار هذا الرفع والخفض إلى آخر الدهر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث النّوّاس بن سمعان ﵄ هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ١٩٩) بهذا السند فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٨٢) و (ابن أبي عاصم) في "السنة" (٢١٩) و (النسائيّ) في "النعوت" من "الكبرى" (١) و (ابن حبان) في "صحيحه" (٩٤٣) و (الآجري) في "الشريعة" (٣١٧) و (الحاكم) في "مستدركه" (١/ ٥٢٥ و ٢/ ٢٨٩) وصححه، ووافقه الذهبيّ، و (البغويّ) في "شرح السنة" (٨٩).
وفي الباب عن عبد الله عمرو عند مسلم رقم (٢٦٥٤) وابن حبان (٩٠٢) وأنس عند الترمذيّ في "القدر" (٢١٤٠) وحسّنه، وعند ابن ماجه (٢٨٣٤) وابن أبي عاصم (٢٢٥) والآجريّ ص ٣١٧ وعائشة عند أحمد (٦/ ٩١ و٢٥١) وابن أبي عاصم (٢٢٤) والآجريّ (ص ٣١٧) وأم سلمة عند أحمد (٦/ ٢٩٤ و ٣٠٢) وابن أبي عاصم (٢٢٣) والآجريّ (ص ٣١٦) وسبرة بن الفاكه عند ابن أبي عاصم (٢٢٠) وعن أبي
стр. 1830
هريرة عنده أيضًا (٢٢٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان ما أنكرته الجهميّة من صفات الله تعالى، وهو صفة الأصابع، واليد، فإنهم ينكرون ذلك، وأما أهل السنة فيثبتون ذلك كما أثبتته النصوص، على مراد الله تعالى.
٢ - (ومنها): ما قاله البغويّ ﵀: فيه بيان أن العبد ليس إليه شيء من أمر سعادته أو شقاوته، بل إن اهتدى فبهداية الله إياه، كان ثبت على الإيمان فبتثبيته، وإن ضلّ فبصرفه عن الهدى، قال الله : ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧]، وقال إخبارًا عن حمد أهل الجنة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
٣ - (ومنها): شدّة خوف النبيّ ﷺ من ربّه، حيث يدعو أن يثبّت الله قلبه على دينه، وشدّة حرصه ﷺ على تنبيه أمته أن لا يصيبها ذهول وغفلة عن مراقبة الخواتم، فإن الأمر بالخواتم، وفي حديث أنس ﵁ عند الترمذيّ في "جامعه" كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: "يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك"، قالوا: يا رسول الله آمنّا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلّبها كيف يشاء".
٤ - (ومنها): أن الميزان بيد الرحمن، يتصرّف فيه بالرفع والخفض كيف يشاء، فالمرفوع من رفع الله تعالى وزنه، والمخفوض الخاسر من خفض الله تعالى وزنه، اللهم ثقل موازين حسناتنا بفضل وجودك، إنك أنت أرحم الراحمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 1831
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٠٠ - (حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حدثنا عَبْدُ الله بْنُ إِسماعِيلَ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الله لَيَضْحَكُ إِلَى ثَلَاثَةٍ: لِلصَّفِّ في الصَّلَاةِ، وَللرَّجُلِ يُصَلِّي في جَوْفِ اللَّيْلِ، وَللرَّجُلِ يُقَاتِلُ -أُرَاهُ قَالَ-: خَلْفَ الْكَتِيبةِ") *
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أبو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] ٨/ ٥٢.
٢ - (عَبْدُ الله بْنُ إِسماعِيلَ) بن أبي خالد، مجهول [٨].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وسعيد بن أبي عروبة، وليث بن أبي سليم، ومجالد بن سعيد، وأبي إسحاق الشيباني.
ورَوى عنه أبو كريب محمد بن العلاء، قال أبو حاتم: مجهول. وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال الحافظ المزيّ ﵀: وجدته في نسخة من الترمذي مكتوبة عن المصنف، في حديث أبي المليح بن أُبي أسامة، عن أبيه، في جلود السباع: عبد الله بن إسماعيل بن أبي خالد.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: قلت: جزم المؤلف -يعني المزّي- في "الأطراف" بذلك فقال: قال الترمذيّ فيه: عن محمد بن بشار، عن يحيى به، وعن أبي كريب، عن ابن المبارك، ومحمد بن بشر، وعبد الله بن إسماعيل، هو ابن أبي خالد، ثلاثتهم عن سعيد ابن أبي عروبة. انتهى (١).
أخرج له الترمذيّ، والمصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط.
٣ - (مُجَالِدٌ) بن سعيد الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ضعيف، من صغار [٦] ١/ ١١.
стр. 1832
٤ - (أبو الوَدّاكِ) -بفتح الواو، وتشديد الدال، آخره كاف- جَبِر بن نَوْف -بفتح النون، وسكون الواو، آخره فاء- الْبِكَاليّ الكوفي، صدوقٌ يَهِم [٤].
رَوى عن أبي سعيد الخدري، وشريح القاضي، وعنه مجالد، وقيس بن وهب، وأبو إسحاق، ويونس بن أبي إسحاق، وعلي بن أبي طلحة، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو التياح.
قال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: صالح. وقال البخاري في "تاريخه": قال يحيى القطان: هو أحب إلي من عطية. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال ابن أبي خيثمة: قيل لابن معين: عطية مثل أبي الوَدّاك؟ قال: لا، قيل: فمثل أبي هارون؟ قال: أبو الوداك ثقة، ما له ولأبي هارون؟. وقال أبو حاتم: وأبو الوَدّاك أحب إليّ من شهر ابن حوشب، وبشر بن حرب، وأبي هارون. وقال النسائي في "الجرح والتعديل": ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٢٠٠) وحديث (٣١٩٩) "كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه".
٥ - (أبو سَعِيدٍ الخدرِي) سعد مالك ﵄ ٤/ ٣٧.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِي) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابي ﵄، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله ليَضْحك) سبق أن الحقّ أن الضحك من الصفات الثابتة لله تعالى على ما يَليق بجلاله، فلا تغفُل، وقال السنديّ في "شرحه": تعدية الضحك بـ "إلى" لتضمينه معنى الإقبال، وذكر اللام في التفصيل للتنبيه على أنه يضحك تشريفًا لهم. انتهى (١) (إِلَى ثَلَاثةٍ: لِلصَّفِّ في الصَّلَاة) أي لأهله الذين يبادرونه،
стр. 1833
ويتسابقون إليه؛ مبادرة للطاعة (وَللرَّجُلِ يُصَلِّي في جَوفِ اللَّيْلِ) أي لإيثاره مناجاة ربّه، تاركًا لذة النوم مع زوجته وأحب الناس إليه على فراش وطيء ممهّد (وَللرَّجُلِ يُقَاتِلُ - أُرَاهُ) يحتمل أن يكون هذا من أبي سعيد ﵁، أو ممن دونه، أي أظنّ النبيّ ﷺ (قَالَ-: خَلْفَ الْكَتِيبةِ) ظرف لـ"يقاتل"، و"الكتيبة": الطائفة من الجيش مجتمعةً، والجمع كتائب، قاله في "المصباح"، والمراد أنه يقاتل بعد أن انصرفوا، لا بمعنى أنه يقوم خلفهم ويقاتل".
والحاصل أنه إذا رأى رجلٌ فرار الكتيبة من القتال، وخاف أن يتغلّب العدوّ على المسلمين، فبرز بنفسه للقتال، فقاتل، حتى انتصر، أو استُشهد، فقد قام بعمل صعب، وشاقّ؛ فاستحقّ هذا الفضل العظيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا ضعيف؛ لأن مجالدًا، كان أخرج له مسلم مقرونًا بغيره، ضعيف عند الجمهور، وقال ابن عديّ: عامة ما يرويه غير محفوظ، وعبد الله بن إسماعيل، قال أبو حاتم: مجهول، وكذا قال الذهبيّ في "الكاشف"، فالحديث من رواية مجهول عن ضعيف. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا (٣٥/ ٢٠٠) بهذا السند فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" ٣ (/ ٨٠) و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (٩١١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 1834
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٠١ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عُثمانَ -يَعني ابْنَ المغِيرَةِ الثَّقَفِي- عَنْ سَالم بْنِ أَبِي الجعدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يعرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ في الموْسِمِ، فَيَقُولُ: "أَلا رَجُل يَحمِلُنيَ إِلَى قَوْمِهِ، فَإِنَّ قُرَيْشًاَ قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أبلِّغَ كلَامَ رَبِّي") *
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحيَى) الذهليّ الإمام الحافظ الحجة [١١] تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الله بْنُ رَجَاءٍ) بن عُمَر، ويقال: المثنى، أبو عُمَر، ويقال: أبو عَمرو الْغُدَانيّ البصريّ، صَدوقٌ يَهِمُ قليلًا [٩].
رَوَى عن عكرمة بن عمار، وإسرائيل، وحرب بن شداد، وشعبة، والمسعودي، وعمران القطان، وأبي عوانة، وهشام الدستوائي، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاري، وروى له أيضا في "الصحيح"، وفي "الأدب المفرد"، وأبو داود في "الناسخ والمنسوخ"، والنسائي، وابن ماجه بواسطة أحمد بن محمد بن شبويه، وخليفة بن خياط، وأبو حاتم السجستاني، وعبد الله بن الصبّاح العطار، وعبد الله بن إسحاق الجوهري، وعمرو بن منصور النسائي، والذهليّ، وغيرهم.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: كان شيخًا صدوقًا لا بأس به. وقال هاشم بن مرثَد عن ابن معين: كثير التصحيف، وليس به بأس. وقال عمرو بن علي: صدوق كثير الغلط والتصحيف، ليس بحجة. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه، فجعل يُثني عليه، وقال حسن الحديث عن إسرائيل. وقال أبو حاتم: كان ثقةً رِضًا. وقال ابن المديني: اجتمع أهل البصرة على عدالة رجلين: أبي عمر الحوضي، وعبد الله بن رجاء. وقال النسائي: عبد الله بن رجاء المكي والبصري ليس بهما بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس من أصحاب الحديث.
стр. 1835
وقال أبو القاسم اللالكائي: مات سنة تسع عشرة ومائتين، وقال الحضرمي: مات سنة (٢)، وقال أبو موسى محمد بن المثنى: مات في آخر ذي الحجة سنة (١٩)، وحكاه الكلاباذي أيضًا عن غيره. وفي "الزهرة": رَوَى عنه البخاري خمسة عشر حديثًا.
وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (٢٠١) وحديث (٣٤٢) "لا يتناجى اثنان على غائطهما ... "، وحديث (٢١٣٠) "أَوْفِ بنذرك".
٣ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقة، تُكُلّم فيه بلا حجة [٧] ١٩/ ١٣٦.
٤ - (عُثْمانُ بْنُ المغِيرة الثَّقَفِيَّ) مولاهم، أبو المغيرة الكوفيّ، ثقة [٦].
رَوَى عن زيد بن وهب، وسالم بن أبي الجعد، وعلي بن ربيعة الوالبي، ومهاجر الشامي، ومجاهد بن جبر، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، وإسرائيل، والثوري، وشريك، ومِسْعَر، وقيس بن الربيع، وأبو عوانة، وآخرون.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: عثمان بن المغيرة هو عثمان بن أبي زرعة، وهو عثمان الأعشى، وهو عثمان الثقفي، كوفي ثقة، ليس أحد أروى عنه من شريك. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: عثمان بن المغيرة، هو عثمان بن أبي زرعة الثقفي، وهو ثقة. وقال أبو حاتم، والنسائي، وعبد الغني بن سعيد: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". ووثقه العجليّ، وابن نُمير.
أخرج له الجماعة سوى مسلم، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم ٢٠١ و١٣١٠و١٣٩٥ و١٨٠١ و ٣٦٠٦ و ٣٦٠٧.
٥ - (سَالمُ بْنُ أَبِي الجعْدِ) رافع الغطفانيّ الكوفيّ، ثقة يرسل كثيرًا [٣] ١٠/ ٨٩.
٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله) بن عمرو بن حَرَام ﵄، والله تعالى أعلم.
стр. 1836
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من إسرائيل، غير جابر ﵁، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه جابر بن عبد الله الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله) ﵄ أنه (قالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَعرَضُ نَفْسَهُ علَى النَّاسِ) "يَعرِضُ" بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب، يقَال: عَرَضَ عليه الشيءَ: إذا أراه إياه، وعَرَضَ له الشيءَ: إذا أظهره له، يعني أنه ﷺ كان يُظهِرُ نفسه للناس (في الموْسِمِ) بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر السين المهملة، جمعه مَوَاسم، وهو الوقت الذي يجتمع فيه الحجاج كلَّ سنة، وكان العرب يحجون كلّ سنة في الجاهليّة، قال ابن الأثير: كأنه وُسِمَ بذلك الوَسْمِ، وهو مَفعِلٌ من الْوَسْم، اسم للزمان؛ لأنه معلمٌ لهم، يقال: وَسَمَهُ يَسِمُهُ سِمَةً وَوَسْمًا: إذا أثَّرَ فيه بكيّ. انتهى (١) (فَيَقُولُ) ﷺ (أَلا رَجُلٌ يحمِلُني إِلَى قوْمِهِ) الظاهر أن "ألا" هنا للتمنّي، وهي تعمل عمل "لا" النافية للجنس، فيكون "رَجُلَ" اسمها، مبنيّا على الفتح، وهي لا خبر لها؛ لأنها بمعنى أتمنّى، كما في قول الشاعر [من الطويل]:
أَلَا عُمْرَ ولَّى مُسْتَطَاعٌ رُجُوعُهُ ... فيرأَبَ مَا أثأَتْ يَدُ الْغَفَلَاتِ (٢)
وجملة "يحملني إلخ" في محلّ نصب صفة لـ "رجلَ" (٣)، ويحتمل أن تكون "ألا"
стр. 1837
للعرض و"رجلٌ" بالرفع نائب فاعل لفعل مقدّر، أي ألا يوجد رجلٌ ألخ (فَإِن قُريشًا) الفاء للتعليل، أي لأن هذه القبيلة (قَدْ مَنَعُوني أَن أُبلِّغ) من التبليغ، أو من الإبلاغ، أي إلى الناس (كَلَامَ ربِّي) يعني القرآن الكريم، والله تعلى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ٢٠١) بهذا السند فقط، وأخرحه (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٩٠) و (الدارميّ) في "سننه" (٣٣٥٧) و (البخاريّ) في "خلق أفعال العباد" (١٣ و ٢٨) و (أبو داود) (٤٧٣٤) و (الترمذيّ) (٢٩٢٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنف، وهو بيان ما أنكرته الجهميّة من الصفات، وهو هنا صفة الكلام، فقد أثبته هذا الحديث الصحيح، حيث قال ﷺ : "كلام ربي"، وهو القرآن، وهو كقوله : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، فالقرآن كلام الله تعالى، تكلام به حقيقةً، وأنزله على رسوله ﷺ بواسطة جبريل ﵇، وهو غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
٢ - (ومنها): ما كان عليه النبي ﷺ من شدّة حرصه على الدعوة إلى الله تعالى، بحيث إنه لا يترك مجمعًا من مجامع الناس، إلا وأتاه، فعرض عليهم الإسلام، ودعاهم إلى الله تعالى.
٣ - (ومنها): بيان ما كان النبيّ ﷺ يلقاه من أذى قريش، ومضايقتهم له، وصدّهم عن الدعوى غاية الصدّ، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢].
стр. 1838
٤ - (ومنها): أن فيه بيان فضل الأنصار ﵃، حيث سبقوا العرب كلهم في قبول ذلك العرض، فبايعوا النبيّ ﷺ ليلة العقبة في منى، على أن يأووه إليهم، وينصروه، ويحمونه مما يحمون عنه أنفسهم وأولادهم، فهاجر إليهم، فتحقّق له النصر، وتمت الدعوة، وعمّ الفتح كل بقاع الأرض، بفضل الله تعالى، فله الحمد والمنّة.
٥ - (ومنها): أن من الدروس المستفادة من هذه الدعوة أن على الداعي أن لا ييأس بسبب تمرّد الناس، وشدّة ردّهم لدعوته، بل يواصل دعوته، وينتقل من مكان إلى مكان، حتى يمكّنه الله بقبول دعوته، وإقبال الناس عليه، أسوة برسول الله ﷺ ، فلا ينبغي له اليأس، ولا يتبرّم ولا يتضجّر، عليه دائمًا أن يتذكّر أحوال رسول الله ﷺ ، فَيَتَسَلَّى به، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٠٢ - (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَزِيرُ بْنُ صَبِيحٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَلْبَسٍ، عَنْ أُمّ الدَّردَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّردَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] قَالَ: "مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، وَيُفَرِّجَ كربًا، وَيَرفَعَ قَوْمًا، وَيَخْفِضَ آخَرِينَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ) الدمشقيّ المذكور قبل حديثين.
٢ - (الْوَزِيرُ بْنُ صَبِيحٍ) -بفتح الصاد، وكسر الموحّدة- أبو رَوْح الشاميّ، مقبول عابد [٨].
روى عن يونس بن مَيْسَرة بن حَلْبَس، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ﴾، وروى عنه صفوان بن صالح، ونعيم بن حماد، والربيع ابن رَوْح، وهشام بن عمار، وسليمان بن أحمد الواسطي، وإبراهيم بن أيوب الحَوْراني،
стр. 1839
وأبو همام الوليد بن شجاع، قال عثمان الدارمي عن دُحيم: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال أبو نعيم الأصبهاني: كان يُعَدُّ من الأبدال. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ.
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (يُونُسُ بْنُ حَلْبَسٍ) هو يونس بن مَيْسَرة بن حَلْبَس -بمهملتين في طرفيه، وموحّدة، بوزن جَعْفَر- نُسِب لجدّه، ويقال: أبو عُبيد الدمشقي الأعمى، ثقة عابدٌ، مُعَمّر [٣].
رَوَى عن واثلة بن الأسقع، وعبد الله بن بسر، وابن عمر، وابن عمرو، وأبي إدريس الخولاني، وأبي عبد الله الصُّنابحي، وأم الدرداء، وجماعة.
ورَوَى عنه عمرو بن واقد، وسعيد بن عبد العزيز، وسليمان بن عُتبة، وعبد الله ابن العلاء بن زَبْر، ومعاوية بن يحيى الصَّدَفي، والأوزاعي، والوزير بن صَبِيح، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: أدرك معاوية.
وقال العجلي: شامي تابعي ثقة. وقال ابن عمار، وأبو داود، والدارقطني: ثقة. وقال أبو حاتم: كان من خيار الناس، وكان يُقرئ في مسجد دمشق. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال هشام بن عمار عن الهيثم بن عمران: كنت جالسًا عند يونس بن حَلْبس، وكان عند غياب الشمس يدعو بدعوات فيها: اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك، فكنت أقول في نفسي: من أين يُرزق هذا الشهادة، وهو أعمى، فلما دَخَلت المسَوِّدة دمشق قُتِل، فبلغني أن الذين قتلاه بكيا عليه لما أُخبرا من صلاحه. قال دُحيم، وأبو زرعة، وطائفة: قُتل سنة اثنتين وثلاثين ومائة، زاد أبو عبيد، وأبو حسان الزيادي، وهو ابن عشرين ومائة سنة. وقال البزار: ثقة، من عُبّاد أهل الشام.
أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم ٢٠٢ و٢٢١ و ٨٤٢ و ١٤٢٤ و ١٤٩٩ و ٣١٢٩ و ٣٣٧٦ و٤١٠٠.
٤ - (أُمُّ الدرداء) الصُّغْرَى، هُجيمة، ويقال: جُهيمة بنت حُيَيّ الأوصابية
стр. 1840
الدمشقيّة، ثقة فقيهة [٣].
رَوَت عن زوجها، وسلمان الفارسي، وفَضَالة بن عُبيد، وأبي هريرة، وكعب بن عاصم، وعائشة.
وروَى عنها جُبير بن نُفير، وهو أكبر منها، وابن أخيها مهدي بن عبد الرحمن، ومولاها أبو عمران الأنصاري، وسالم بن أبي الجعد، وزيد بن أسلم، وشهر بن حَوْشب، وصفوان بن عبد الله، ويونس بن مَيْسرة، ومرزوق التيمي، ومكحول الشامي، وغيرهم.
ذكرها ابن سُمَيع في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام. وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا مسهر يقول: أم الدرداء الصغرى هجيمة بنت حُيي الوصابية، وأم الدرداء الكبرى خَيْرة بنت أبي حدرد. وقال أبو أحمد العَسّال: أم الدرداء الصغرى هي التي يُروَى عنها الحديث الكثير، وكانت أم الدرداء الكبرى صحابية. وقال الوليد ابن مسلم عن عثمان بن أبي العاتكة، وابن جابر: كانت أُمّ الدرداء يتيمة في حَجْر أبي الدرداء، تختلف مع أبي الدرداء في بُرْنُس تصلي في صفوف الرجال، وتَجلس في حلق القراء، حتى قال لها أبو الدرداء: الحَقِي بصفوف النساء. وقال أبو الزاهرية عن جُبير بن نُفير عن أم الدرداء أنها قالت لأبي الدرداء: إنك خطبتني إلى أبوي في الدنيا، فأنكحوني، وإني أخطبك إلى نفسك في الآخرة، قال: فلا تَنْكِحي بعدي، فخطبها معاوية فأخبرته بالذي كان، فقال: عليك بالصيام. وقال رُدَيح بن عطية المقدسي، عن إبراهيم بن أبي عَبْلة، عن أم الدرداء أن رجلًا أتاها، فقال: إن رجلًا قال منك عند عبد الملك، فقالت: إن نُؤَبَّنْ بما ليس فينا، فطال ما زُكّينا بما ليس فينا. وقال عبد ربه بن سليمان بن زيتون: حجت أم الدرداء سنة إحدى وثمانين. وقال ابن حبان في "الثقات": كانت تُقِيم ستة أشهر ببيت المقدس، وستة أشهر بدمشق، وماتت بعد سنة إحدى وثمانين، وكانت من العابدات، ووقع عند البيهقي اسمها حَمَامَة، فيُنْطرُ.
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب عشرة أحاديث، برقم ٢٠٢ و١٠٥٥
стр. 1841
و ١٠٥٦ و ١٦٦٣ و ١٦٦٤ و ٢٧٧٧ و٢٨٩٥ و٣٣٧١ و ٣٧٩٢ و ٤٠٣٤.
٥ - (أبو الدَّردَاءِ) عُوَيمر بن زيد بن قيس الأنصاريّ الصحابيّ الشهير ﵁، مشهور بكنيته، وقيل: اسمه عامر، وعويمر لقبه ١/ ٥، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعية عن زوجها، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الدردَاءِ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه قال: (في قَولهِ تعَالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] قَالَ) ﷺ (مِن شَأنِه أَنْ يَغْفِرَ ذَنبًا، وَيُفَرِّجَ) بتشديد الراء، من التفريج، ويجوز تخفيفها، يقال: فَرّج الله الْغَمَّ بالشديد: كشفه، والاسم الْفَرَجُ -بفتحتين- وفَرَجَهُ فَرجًا، من باب ضرب لغة، وقد جمع الشاعر اللغتين في قوله [من البسيط]:
يَا فَارِجَ الْكَرْبِ مَسْدُولًا عَسَاكِره ... كمَا يُفرِّجُ غَمَّ الظُّلْمَةِ الْفَلَقُ
قاله في "المصباح" (١).
(كَربًا) بفتح، فسكون، قال الجوهري: الْكُربة بالضم: الغم الذي يأخذ بالنَّفْسِ، وكذلك الْكَرْبُ على مثال الضَّرْب، تقول أنَّه: كَرَبَهُ الغَمُّ: إذا اشتدّ عليه. انتهى (٢) (وَيرفَعَ) بالبناء للفاعل، أي يرفع الله تعال (قوْمًا) إلى الدرجات العلى بأعمالهم الصالحات، أو يرفعهم بحظوظ الدنيا من الرزق وغيره (وَيَخْفِضَ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، مبنيّا للفاعل أيضًا (آخَرِينَ) إلى الدركات السفلى بسوء أعمالهم، أو بتقليل
стр. 1842
أرزاقهم، ومعاشهم، حتى يكونوا أذلاء بين أبناء جنسهم.
قال الإمام ابن كثير ﵀ في "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ﴾: ما نصّه: وهذا إخبار عن غناه عما سواه، وافتقار الخلائق إليه في جميع الآنات، وأنهم يسألونه بلسان حالهم وقالهم، وأنه كل يوم هو في شأن، قال الأعمش، عن مجاهد، عن عُبيد بن عُمير: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ﴾ قال: من شأنه أن يجيب داعيًا، أو يُعطي سائلًا، أو يَفُكّ عانيًا، أو يَشفي سقيمًا. وقال ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قال: كلَّ يوم هو يجيب داعيًا، ويَكشف كربًا، ويجيب مُضْطَرًّا، ويغفر ذنبًا. وقال قتادة: لا يَستغني عنه أهل السماوات والأرض، يُحي حَيّا، ويُميت ميتًا، ويُرَبّي صغيرًا، ويَفُكّ أسيرًا، وهو منتهى حاجات الصالحين وصريخهم، ومنتهى شكواهم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان الحمصي، حدثنا حَرِيز بن عثمان، عن سُوَيد بن جَبَلَة -هو الفزاري- قال: إن ربكم هو كل يوم في شأن، فيُعتق رِقابًا، ويُعطي رِغَابًا، ويُقْحِمُ عِقَابًا.
وقال الإمام ابن جرير الطبريّ ﵀: وحدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي حمزة الثُّمَاليّ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "إن الله خلق لَوْحًا محفوظًا من دُرّة بيضاء، دَفَّتَاه ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، وعرضه ما بين السماء والأرض، يَنظُر فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرةً، يخلُقُ في كل نظرة، ويُحيي ويُميت، ويُعِزّ ويُذِلّ، ويفعل ما يشاء" (١).
قال الجامع عفا الله عنه: أثر موقوف، في سنده أبو حمزة الثمالي، واسمه ثابت بن أبي صفيّة ضعيف، رافضيّ، بل قال الدارقطنيّ: متروك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 1843
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي الدرداء ﵁ هذا حسنٌ.
قال البوصيريّ ﵀: وهذا إسناد حسنٌ، لتقاصر الوزير عن درجة الحفظ والإتقان.
قال الجامع عفا الله عنه: الوزير بن صَبِيح روى عنه جماعة، وقال عنه أبو حاتم الرازيّ: صالح، فمثله يكون حسن الحديث. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: أورده البخاري في "صحيحه" موقوفًا معلّقًا بصيغة الجزم، فجعله من كلام أبي الدرداء.
وقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي، حدثني إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، حدثني عمرو بن بكر السكسكي، حدثنا الحارث بن عبدة ابن رباح الغساني، عن أبيه، عن منيب بن عبد الله بن منيب الأزدي، عن أبيه، قال تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ﴾ فقلنا: يا رسول الله، وما ذاك الشأن؟، قال: "أن يغفر ذنبا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين".
وفي سنده عمرو بن بكر السكسكيّ متروك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، وسليمان بن أحمد الواسطي، قالا: حدثنا الوزير بن صَبِيح الثقفي، أبو روح الدمشقي، والسياق لهشام، قال: سمعت يونس بن ميسرة بن حَلْبَس يحدِّث عن أم الدرداء، فأورده بسياق ابن ماجه.
وقد رواه ابن عساكر من طرُق متعددة عن هشام بن عمار به، ثم ساقه من حديث أبي همام، الوليد بن شجاع، عن الوزير بن صَبيح قال: ودلنا عليه الوليد بن مسلم، عن مُطَرِّف، عن الشعبي، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ ، فذكره، قال: والصحيح الأول -يعني إسناده الأول-.
وقال البزار (٢٢٦٨) حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن الحارث، حدثنا
стр. 1844
محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ﴾ قال يغفر ذنبًا، ويَكشِف كَرْبًا. وفي سنده محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني ضعيفٌ جدّا.
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الروايات لا تصلح شواهد، بل الاعتماد على سند المصنّف ﵀ نفسه، فإنه حسنٌ كما أسلفته، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٥/ ٢٠٢) بهذا السند فقط، وهو من أفراده، فلم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (ابن أبي عاصم) في "السنة" (٣٠١) و (ابن حبان) في (صحيحه) (٦٨٩).
[تنبيه]: مطابقة الحديث للباب من حيث إن هذا الحديث مشتمل على صفة الغفران، وتفريج الكرب، والرفع، والخفض، والجهميّة تنكر الصفات التي وصف بها الربّ ﵎ نفسه في كتابه، أو صحّ في أحاديث النبيّ ﷺ ، كأحاديث هذا الباب، وهم ضالّون مضلّون في ذلك، والحقّ هو الذي عليه أهل السنّة والجماعة من ثبوتها لله تعالى على الوجه اللائق به ، على ما يأتي بيان ذلك مفصّلًا في الخاتمة التالية -إن شاء الله تعالى-. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[خاتمة]: نختم بها هذا الباب العظيم، "باب ما أنكرت الجهميّة"، وذلك بذكر رسالة نفيسة جامعة لمسائل الصفات التي وقع فيها النزاع بين أهل السنة، والمبتدعة من الجهميّة وغيرهم، لشيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى، ونصّها:
وقال شيخ الإسلام أبو العباس تقيّ الدين ابن تيمية -طيب الله ثراه-:
[فصل في الصفات الاختيارية]: وهي الأمور التي يتصف بها الرب ، فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته: مثلُ كلامه، وسمعه، وبصره، وإرادته، ومحبته، ورضاه، ورحمته، وغضبه، وسخطه، ومثل خلقه، وإحسانه، وعدله، ومثل استوائه، ومجيئه، وإتيانه، ونزوله، ونحو ذلك من الصفات التي نطق بها الكتاب العزيز، والسنة.
стр. 1845
فالجهمية، ومن وافقهم من المعتزلة، وغيرهم يقولون: لا يقوم بذاته شيء من هذه الصفات ولا غيرها.
والكلابية، ومن وافقهم من السالمية، وغيرهم يقولون: تقوم صفات بغير مشيئته وقدرته، فأما ما يكون بمشيئته وقدرته، فلا يكون إلا مخلوقًا منفصلًا عنه.
وأما السلف وأئمة السنة والحديث، فيقولون: إنه متصف بذلك، كما نطق به الكتاب والسنة، وهو قول كثير من أهل الكلام والفلسفة، أو أكثرهم، كما ذكرنا أقوالهم بألفاظها في غير هذا الموضع.
ومثل هذا الكلام فإن السلف وأئمة السنة والحديث، يقولون: يتكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه ليس بمخلوق، بل كلامه صفة له قائمة بذاته.
وممن ذَكَر أن ذلك قول أئمة السنة أبو عبد الله ابن منده، وأبو عبد الله بن حامد، وأبو بكر عبد العزيز، وأبو إسماعيل الأنصاريّ وغيرهم، وكذلك ذكر أبو عمر بن عبد البر نظير هذا في الاستواء.
وأئمة السنة، كعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، والبخاريّ، وعثمان بن سعيد الدارميّ، ومن لا يحصى من الأئمة -وذكره حرب بن إسماعيل الكرمانيّ عن سعيد بن منصور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، وسائر أهل السنة والحديث- متفقون على أنه متكلم بمشيئته، وأنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، وكيف شاء.
وقد سمى الله القرآن العزيز حديثًا، فقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، وقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، وقال النبيّ ﷺ : "إن الله يُحدِث من أمره ما يشاء"، وهذا مما احتج به البخاريّ في "صحيحه"، وفى غير "صحيحه"، واحتج به غير البخاري، كنعيم بن حماد، وحماد بن زيد.
ومن المشهور عن السلف أن القرآن العزيز كلامُ الله، غيرُ مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود.
стр. 1846
وأما الجهمية، والمعتزلة فيقولون: ليس له كلامٌ قائمٌ بذاته، بل كلامه مخلوقٌ منفصل عنه، والمعتزلة يطلقون القول بأنه يتكلم بمشيئته، ولكن مرادهم بذلك أنه يخلق كلامًا منفصلًا عنه.
والكلابية والسالمية يقولون: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، بل كلامه قائم بذاته، بدون قدرته ومشيئته، مثل حياته، وهم يقولون: الكلام صفة ذات، لا صفة فعل، يتعلق بمشيئته وقدرته، وأولئك يقولون: هو صفة فعل، لكن الفعل عندهم هو المفعول المخلوق بمشيئته وقدرته.
وأما السلف، وأئمة السنة، وكثير من أهل الكلام، كالهشامية، والكرّامية، وأصحاب أبي معاذ التَّوْمنيّ، وزهير الياميّ، وطوائف غير هؤلاء يقولون: إنه صفة ذات وفعل، هو يتكلّم بمشيئته وقدرته، كلامًا قائمًا بذاته، وهذا هو المعقول من صفة الكلام، لكل متكلم، فكلُّ مَن وُصف بالكلام، كالملائكة، والبشر، والجن، وغيرهم، فكلامهم لا بد أن يقوم بأنفسهم، وهم يتكلمون بمشيئتهم وقدرتهم.
والكلام صفة كمال، لا صفة نقص، ومن تكلم بمشيئته أكمل ممن لا يتكلم بمشيئته، فكيف يتصف الخلوق بصفات الكمال، دون الخالق.
ولكن الجهمية والمعتزلة، بَنَوا على أصلهم أن الرب لا يقوم به صفة؛ لأن ذلك بزعمهم يستلزم التجسيم والتشبيه الممتنع؛ إذ الصفة عَرَضٌ، والعرض لا يقوم إلا بجسم.
والكلابية يقولون: هو متصف بالصفات التي ليس له عليها قدرة، ولا تكون بمشيئته، فأما ما يكون بمشيئته، فإنه حادث، والرب تعالى لا تقوم به الحوادث، ويترجمون الصفات الاختيارية بمسألة حلول الحوادث، فإنه إذا كَلّم موسى بن عمران بمشيئته وقدرته، وناداه حين أتاه بقدرته ومشيئته، كان ذلك النداء والكلام حادثًا.
قالوا: فلو اتصف الرب به لقامت به الحوادث، قالوا: ولو قامت به الحوادث لم يخل منها، كما لم يَخْلُ من الحوادث فهو حادث، قالوا: ولأن كونه قابلًا لتلك الصفة، إن
стр. 1847
كانت من لوازم ذاته كان قابلًا لها في الأزل، فيلزم جواز وجودها في الأزل، والحوادث لا تكون في الأزل، فإن ذلك يقتضي وجود حوادث لا أول لها، وذلك محال؛ لوجوه، قد ذُكِرت في غير هذا الموضع.
قالوا: وبذلك استدللنا على حدوث الأجسام، وبه عَرَفنا حدوث العالم، وبذلك أثبتنا وجود الصانع، وصدق رسله، فلو قَدَحنا في تلك لزم القدح في أصول الإيمان، والتوحيد.
وإن لم يكن من لوازم ذاته صار قابلًا لها بعد أن لم يكن قابلًا فيكون قابلًا لتلك الصفة، فيلزم التسلسل الممتنع، وقد بسطنا القول على عامة ما ذكروه في هذا الباب، وبَيّنّا فساده، وتناقضه على وجه لا تبقى فيه شبهة لمن فَهِمَ هذا الباب.
وفضلاؤهم، وهم المتأخرون، كالرازيّ، والآمديّ، والطوسيّ، والحليّ، وغيرهم، معترفون بأنه ليس لهم حجة عقلية على نفي ذلك، بل ذكر الرازيّ وأتباعه أن هذا القول يلزم جميع الطوائف، ونصره في آخر كتبه، كـ "المطالب العالية"، وهو من أكبر كتبه الكلامية الذي سماه "نهايةَ العقول في دراية الأصول" لمّا عَرَف فسادَ قول النَّفَاة لم يعتمد على ذلك في مسألة القرآن، فإن عُمدتهم في مسألة القرآن، إذا قالوا: لم يتكلم بمشيئته وقدرته، قالوا: لأن ذلك يستلزم حلول الحوادث، فلما عَرَف فساد هذا الأصل لم يعتمد على ذلك في مسألة القرآن، فإن عُمدتهم عليه، بل استدل بإجماع مُرَكَّبٍ، وهو دليل ضعيف إلى الغاية؛ لأنه لم يكن عنده في نصر قول الكلابية غيره، وهذا مما يُبَيِّن أنه وأمثاله تَبَيَّن له فساد قول الكلابية.
وكذلك الآمديّ ذكر في "أبكار الأفكار" ما يُبطل قولهم، وذكر أنه لا جواب عنه، وقد كشفت هذه الأمور في مواضع، وهذا معروف عند عامة العلماء، حتى الحليّ ابن المطهر ذكر في كتبه أن القول بنفي حلول الحوادث، لا دليل عليه، فالمنازع جاهل بالعقل والشرع.
وكذلك مَن قبل هؤلاء، كأبي المعالي وذويه إنما عمدتهم أن الكرامية قالوا ذلك،
стр. 1848
وتناقضوا، فيبينون تناقض الكرامية، ويظنون أنهم إذا بَيَّنُوا تناقض الكرامية، وهم منازعوهم، فقد فَلَجُوا، ولم يعلموا أن السلف، وأئمة السنة والحديث، بل مَن قبل الكرامية من الطوائف، لم تكن تلتفت إلى الكرامية وأمثالهم، بل تكلموا بذلك قبل أن تُخلق الكرامية، فإن ابن كرام كان متأخرًا بعد أحمد بن حنبل، في زمن مسلم بن الحجاج وطبقته، وأئمة السنة، والمتكلمون تكلموا بهذه قبل هؤلاء، وما زال السلف يقولون بموجب ذلك.
لكن لما ظهرت الجهمية النفاة في أوائل المائة الثانية بَيَّن علماء المسلمين ضلالهم وخطأهم، ثم ظهر رعنة الجهمية في أوائل المائة الثالثة، وامتُحِن العلماء، الإمام أحمد وغيره، فجَرَّدُوا الردَّ على الجهمية، وكشف ضلالهم، حتى جَرَّد الإمام أحمد الآيات التي من القرآن تدل على بطلان قولهم، وهي كثيرةٌ جدّا.
بل الآيات التي تدل على الصفات الاختيارية التي يسمونها حلول الحوادث كثيرةٌ جدّا، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [الأعراف: ١١]، فهذا بَيِّنٌ في أنه إنما أمر الملائكة بالسجود بعد خلق آدم، لم يأمرهم في الأزل، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، فإنما قال له بعد أن خلقه من تراب، لا في الأزل، وكذلك قوله في قصة موسى ﵇: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ في النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: ٨] وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ في النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٨]، فهذا بَيّنٌ في أنه إنما ناداه حين جاء، لم يكن النداء في الأزل، كما يقوله الكلابية، يقولون: إن النداء قائم بذات الله في الأزل، وهو لازم لذاته، لم يزل ولا يزال مناديا له، لكنه لما أتى خلق فيه إدراكًا لِمَا كان موجودًا في الأزل.
ثم من قال منهم: إن الكلام معنى واحد، منهم من قال: سمع ذلك المعنى بأذنه، كما يقول الأشعري، ومنهم من يقول: بل أفهم منه ما أفهم، كما يقوله القاضي أبو بكر
стр. 1849
وغيره، فقيل لهم: عندكم هو معنى واحد، لا يتبعض، ولا يتعدد، فموسى فَهِمَ المعنى كله أو بعضه؟ إن قلتم: كُلَّه فقد عَلِمَ علم الله كلّه، كان قلتم: بعضه، فقد تبعض، وعندكم لا يتبعض.
ومن قال من أتباع الكلابية بأن النداء وغيره من الكلام القديم حروف، أو حروف وأصوات لازمة لذات الرب، كما تقوله السالمية، ومن وافقهم يقولون: إنه يخلق له إدراكًا لتلك الحروف والأصوات، والقرآن والسنة، وكلام السلف قاطبةً يقتضي أنه إنما ناداه وناجاه حين أتى، لم يكن النداء موجودًا قبل ذلك، فضلًا عن أن يكون قديمًا أزليا.
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢]، وهذا يدل على أنه لما أكلا منها ناداهما، لم ينادهما قبل ذلك، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢]، فجعل النداء في يوم معين، وذلك اليوم حادث، كائن بعد أن لم يكن، وهو حينئذ يناديهم، لم ينادهم قبل ذلك.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]، فبَيَّن أنه يحكم، فيُحَلِّل ما يريد، ويحرِّمُ ما يريد، ويأمر بما يريد، فجعل التحليل والتحريم والأمر والنهي متعلقًا بإرادته، وينهى بإرادته، ويحلل بإرادته، ويحرم بإرادته، والكلابية يقولون: ليس شيء من ذلك بإرادته، بل قديم لازم لذاته، غير مراد له، ولا مقدور، والمعتزلة مع الجهمية يقولون: كل ذلك مخلوق، منفصل عنه، ليس له كلام قائم به، ولا بإرادته، ولا بغير إرادته، ومثل هذا كثير في القرآن العزيز.
(فصل): وكذلك في الإرادة، والمحبة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا
стр. 1850
أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] وقوله: (﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣]، وقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وقوله: ﴿إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ [الإسراء: ١٦]، وقوله: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١١]، وقوله: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، وأمثال ذلك في القرآن العزيز.
فإن جوازم الفعل المضارع، ونواصبه تُخَلِّصه للاستقبال، مثل "إن"، و"أن"، وكذلك "إذا" ظرف للمستقبل من الزمان، فقوله: ﴿وَإِذَا أرَادَ﴾، و ﴿إِن شَاَءَ اللَّهُ﴾، ونحو ذلك يقتضي حصول إرادة مستقبلة، ومشيئة مستقبلة، وكذلك في المحبة والرضا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ﴾ [آل عمران: ٣١]، فإن هذا يدل على أنهم إذا اتبعوه أحبهم الله، فإنه جَزَم قوله: ﴿يُحبِبكُمُ﴾ هو به، فجزمه جوابا للأمر، وهو في معنى الشرط، فتقديره: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ﴾، ومعلوم أن جواب الشرط والأمر إنما يكون بعده لا قبله، فمحبة الله لهم إنما تكون بعد اتباعهم للرسول، والمنازعون منهم من يقول: ما ثَمَّ محبة، بل المراد ثوابًا مخلوقًا، ومنهم من يقول: بل ثَمّ محبة قديمة أزلية، إما الإرادة، وإما غيرها، والقران يدل على قول السلف، وأئمة السنة المخالفين للقولين، وكذلك قوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: ٢٨]، فإنه يَدُلُّ على أن أعمالهم أسخطته، فهي سبب لسخطه، وسخطه عليهم بعد الأعمال لا قبلها، وكذلك قوله ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، وكذلك قوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] عَلَّق الرضا بشكرهم، وجعله مجزومًا جزاءً له، وجزاءُ الشرط لا يكون إلا بعده، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، و ﴿يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾، و ﴿يحُبُّ المُقسِطِينَ﴾، و ﴿يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، ونحو ذلك، فإنه يدل
стр. 1851
على أن المحبة بسبب هذه الأعمال، وهي جزاء لها، والجزاء إنما يكون بعد العمل، والمسبب.
(فصل) وكذلك السمع، والبصر، والنظر، قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥]، هذا في حق المنافقين، وقال في حق التائبين: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، وقوله: ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ﴾ دليل على أنه يراها بعد نزول هذه الآية الكريمة، والمنازع إما أن ينفي الرؤية، وإما أن يثبت رؤية قديمة أزلية، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ في الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]، ولام "كي" تقتضي أن ما بعدها متأخر عن المعلول، فنظره كيف يعملون هو بعد جعلهم خلائف، وكذلك: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] أخبر أنه يسمع تحاورهما حين كانت تجادل وتشتكي إلى الله، وقال النبي ﷺ : إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، يسمع الله لكم، فجعل سمعه لنا جزاءً وجوابًا للحمد، فيكون ذلك بعد الحمد، والسمع يتضمن مع سمع القول قبوله وإجابته، ومنه قول الخليل ﵇: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، وكذلك قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقوله لموسى ﵇: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، والمعقول الصريح يدل على ذلك، فإن المعدوم لا يُرَى ولا يُسمَع بصريح العقل، واتفاق العقلاء، لكن قال من قال من السالمية: إنه يسمع ويرى موجودًا في علمه، لا موجودًا بائنًا عنه، ولم يقل: إنه يسمع ويرى بائنًا عن الرب، فإذا خلق العباد وعملوا وقالوا، فإما أن نقول: إنه يسمع أقوالهم، ويرى أعمالهم، وإما لا يرى ولا يسمع، فإن نُفِي ذلك فهو تعطيل لهاتين الصفتين، وتكذيب للقرآن، وهما صفتا كمال، لا نَقْصَ فيه، فمن يسمع ويبصر أكمل ممن لا يسمع ولا يبصر، والمخلوق يَتَّصِفُ بأنه يسمع ويبصر، فيمتنع اتصاف المخلوق بصفات الكمال، دون الخالق ﵇، وقد عاب الله
стр. 1852
تعالى من يَعبُد من لا يسمع ولا يبصر، في غير موضع، ولأنه حي، والحيّ إذا لم يتصف بالسمع والبصر، اتصف بضد ذلك، وهو العمى والصمم، وذلك ممتنع، وبسط هذا له موضع آخر.
وإنما المقصود هنا أنه إذا كان يسمع ويبصر الأقوال والأعمال بعد أن وُجِدت، فإما أن يقال: إنه تجدد، وكان لا يسمعها ولا يبصرها، فهو بعد أن خلقها لا يسمعها ولا يبصرها، وإن تجدد شيء، فإما أن يكون وجودًا أو عدمًا، فإن كان عدمًا فلم يتجدد شيء، وإن كان وجودًا، فإما أن يكون قائمًا بذات الله، أو قائمًا بذات غيره، والثاني يستلزم أن يكون ذلك الغير هو الذي يسمع ويرى، فيتعين أن ذلك السمع والرؤية الموجودين قائم بذات الله، وهذا لا حيلة فيه.
والكلابية يقولون: في جميع هذا الباب المتجدد هو تعلق بين الأمر والمأمور، وبين الإرادة والمراد، وبين السمع والبصر، والمسموع والمرئيّ، فيقال لهم: هذا التعلق إما أن يكون وجودًا، وإما أن يكون عدمًا، فلإن كان عدمًا، فلم يتجدد شيء، فإن العلم لا شيء، وإن كان وجودًا بطل قولهم.
وأيضًا فحدوث "تعلق" هو نسبة، وإضافة من غير حدوث ما يوجب ذلك ممتنع، فلا يحدث نسبة وإضافة إلا بحدوث أمر وجوديّ يقتضي ذلك، وطائفة منهم ابنُ عقيل، يسمون هذه النسبة أحوالًا، والطوائف متفقون على حدوث نسب، وإضافات، وتعلقات، لكن حدوث النسب بدون ما يوجبها ممتنع، فلا يكون نسبة، وإضافة إلا تابعة لصفة ثبوتية، كالأبوة، والبنوة، والفوقية، والتحتية، والتيامن، والتياسر، فإنها لابد أن تستلزم أمورًا ثبوتية، وكذلك كونه خالقًا، ورازقًا، ومحسنًا، وعادلًا، فإن هذه أفعال فعلها بمشيئته وقدرته، إذ كان يخلق بمشيئته، ويرزق بمشيئته، ويَعدِل بمشيئته، ويحسن بمشيئته، والذي عليه جماهير المسلمين من السلف والخلف، أن الخلق غير المخلوق، فالخلق فعل الخالق، والمخلوق مفعوله، ولهذا كان النبي ﷺ يستعيذ بأفعال الرب وصفاته، كما في قوله ﷺ : "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك،
стр. 1853
وبك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"، فاستعاذ بمعافاته كما استعاذ برضاه.
وقد استدل أئمة السنة، كأحمد وغيره على أن كلام الله غير مخلوق بأنه استعاذ به، فقال: "من نَزَل منزلًا، فقال: أعوذ بكلمات الله التامة، من شرّ ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل منه"، فكذلك معافاته ووضاه، غير مخلوقة؛ لأنه استعاذ بهما، والعافية القائمة ببدن العبد مخلوقة، فإنها نتيجة معافاته، وإذا كان الخلق فعله، والمخلوق مفعوله، وقد خلق الخلق بمشيئته، دل على أن الخلق فعل يحصل بمشيئته، ويمتنع قيامه بغيره، فدل على أن أفعاله قائمة بذاته، مع كونها حاصلة بمشيئته وقدرته، وقد حَكَى البخاريّ إجماع العلماء على الفرق بين الخلق والمخلوق، وعلى هذا يدل صريح المعقول، فإنه قد ثبت بالأدلة العقلية، والسمعية أن كل ما سوى الله تعالى مخلوق محدث، كائن بعد أن لم يكن، وأن الله انفرد بالقدم والأزلية، وقد قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]، فهو حين خلق السموات ابتداءا، إما أن يحصل منه فعل يكون هو خلقًا للسموات والأرض، وإما أن لا يحصل منه فعل، بل وُجدت المخلوقات بلا فعل، ومعلوم أنه إذا كان الخالق قبل خلقها، ومع خلقها سواءً وبعده سواءً، لم يجز تخصيص خلقها بوقت دون وقت، بلا سبب يوجب التخصيص.
وأيضًا فحدوث المخلوق بلا سبب حادث ممتنع في بداهة العقل، وإذا قيل: الإرادة والقدرة خَصَّصَت، قيل: نسبة الإرادة القديمة إلى جميع الأوقات سواء، وأيضًا فلا تُعقل إرادة تخصيص أحد المتماثلين إلا بسبب يوجب التخصيص، وأيضًا فلابد عند وجود المراد من سبب يقتضي حدوثه، وإلا فلو كان مجردُ ما تقدم من الإرادة والقدرة كافيًا للزم وجوده قبل ذلك؛ لأنه مع الإرادة التامة، والقدرة التامة يجب وجود المقدور.
وقد احتج من قال: الخلق هو المخلوق، كأبي الحسن ومن اتبعه، مثل ابن عقيل، بأن قالوا: لو كان غيره لكان إما قديمًا، وإما حادثًا، فإن كان قديمًا لزم قدم المخلوق؛ لأنهما متضايفان، وإن كان حادثًا لزم أن تقوم به الحوادث، ثم ذلك الخلق يفتقر إلى
стр. 1854
خلق آخر، ويلزم التسلسل.
فأجابهم الجمهور -وكل طائفة على أصلها- فطائفة قالت: الخلق قديم، كان كان المخلوق حادثًا، كما يقول ذلك كثير من أهل المذاهب الأربعة، وعليه أكثر الحنفية، قال: هؤلاء أنتم تُسَلِّمون لنا أن الإرادة قديمة أزلية، والمراد مُحدَثٌ، فنحن نقول في الخلق ما قلتم في الإرادة.
وقالت طائفة: بل الخلق حادثٌ في ذاته، ولا يفتقر إلى خلق آخر، بل يحدث بقدرته، وأنتم تقولون: إن المخلوق يحصل بقدرته بعدَ أن لم تكن، فإن كان المنفصل يحصل بمجرد القدرة، فالمتصل به أولى، وهذا جواب كثير من الكرّامية، والهشامية، وغيرهم.
وطائفة يقولون: هَبْ أنه يفتقر إلى فعل قبله، فلم قلتم: إن ذلك ممتنع، وقولكم: هذا تسلسلٌ، فيقال: ليس هذا تسلسلًا في الفاعلين، والعلل الفاعلة، فإن هذا ممتنع باتفاق العقلاء، بل هو تسلسل في الآثار والأفعال، وهو حصول شيء بعد شيء، وهذا محل النزاع.
فالسلف يقولون: لم يزل متكلمًا إذا شاء، وقد قال تعالى: ﴿قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا﴾، فكلمات الله لا نهاية لها، وهذا تسلسل جائز، كالتسلسل في المستقبل، فإن نعيم الجنة دائم، لا نفاد له، فما من شيء إلا وبعده شيء لا نهاية له.
(فصل): والأفعال نوعان: متعدّ، ولازم، فالمتعدي مثل الخلق، والإعطاء، ونحو ذلك، واللازم مثل الاستواء، والنزول، والمجيء، والإتيان، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤]، فذكر الفعلين: المتعدي واللازم، وكلاهما حاصل بمشيئته وقدرته، وهو متصف به، وقد بُسط هذا في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن القرآن يدل على هذا الأصل في أكثر من مائة موضع.
стр. 1855
وأما الأحاديث الصحيحة، فلا يمكن ضبطها في هذا الباب، كما في "الصحيحين" عن زيد بن خالد الجهنيّ ﵁ أن النبيّ ﷺ صَلَّى بأصحابه صلاة الصبح بالحديبية، على إثر سماء كانت من الليل، ثم قال: "أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مُطِرنا بنوء كذا، ونوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكواكب".
وفى الصحاح حديث الشفاعة: فيقول: كل من الرسل إذا أتوا إليه إن ربي قد غَضِب اليوم غضبًا لم يَغضَب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وهذا بيان أن الغضب حصل في ذلك اليوم لا قبله.
وفي "الصحيح": "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات، كجَرِّ السلسلة على الصفوان"، فقوله: "إذا تكلم الله بالوحي سمع" يدل على أنه يتكلم به حين يسمعونه، وذلك ينفي كونه أزليًّا، وأيضًا فما يكون كجر السلسلة على الصفا، يكون شيئًا بعد شيء، والمسبوق بغيره لا يكون أزليا.
وكذلك في "الصحيح": "يقول الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين:
نصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجدني عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال الله: هذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ١ - ٧] قال الله: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل، فقد أخبر أن العبد إذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ قال الله: حمدني، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى عليّ عبدي الحديث.
وفي الصحاح: حديث النزول: "ينزل ربنا كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر،
стр. 1856
فيقول: من يدعوني، فأستجيب له، من يسألني، فأعطيه من يستغفرني، فأغفر له"، فهذا قول وفعل في وقت معين، وقد اتفق السلف على أن النزول فعل يفعله الرب، كما قال ذلك الأوزاعيّ، وحماد بن زيد، والفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وغيرهم.
وأيضًا فقد قال: لله أشد أَذَنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته".
وفى الحديث الصحيح الآخر: ما أذن الله لشيء كأَذَنه لنبيّ حسن الصوت، يتغنى بالقرآن يجهر به أَذِنَ يَأْذَنُ أَذنًا: أي استمع يستمع استماعًا، ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢]، فأخبر أنه يستمع إلى هذا وهذا.
وفي "الصحيح": "لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل، حتى أُحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها"، فأخبر أنه لا يزال يتقرب بالنوافل بعد الفرائض.
في "الصحيحين" عنه ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى قال: "قال الله: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذ ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم"، وحرف "إن" حرف الشرط والجزاء يكون بعد الشرط، فهذا يبين أنه يذكر العبد إن ذكره في نفسه، كان ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير منهم، والمنازع يقول: ما زال يذكره أزلًا وأبدًا، ثم يقول: ذكره وذكر غيره، وسائر ما يتكلم الله به هو شيء واحد، لا يتبعض ولا يتعدد، فحقيقة قوله: إن الله لم يتكلم، ولا يتكلم، ولا يذكر أحدًا.
وفي "صحيح مسلم" في حديث تعليم الصلاة: "وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، يسمع الله لكم، فإن الله قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده"، فقوله: "سمع الله لمن حمده"؛ لأن الجزاء بعد الشرط، فقوله: "يسمع الله لكم" مجزوم، حُرِّك لالتقاء الساكنين، وهذا يقتضي أنه يسمع بعد أن تحمدوا.
(فصل): والمنازعون "النفاةُ" كذلك، منهم من ينفي الصفات مطلقًا، فهذا يكون
стр. 1857
الكلام معه في الصفات مطلقًا، لا يختص بالصفات الاختيارية، ومنهم من يُثبت الصفات، ويقول: لا يقوم بذاته شيء بمشيئته وقدرته، فيقول: إنه لا يتكلم بمشيئته واختياره، ويقول: لا يَرضى ويسخط، ويحب ويبغض، ويختار بمشيئته وقدرته، ويقول: إنه لا يفعل فعلًا هو الخلق، يخلق به المخلوق، ولا يقدر عنده على فعل يقوم بذاته، بل مقدوره لا يكون إلا منفصلا منه، وهذا موضع تَنَازَعَ فيه النفاة.
فقيل: لا يكون مقدوره إلا بائنًا عنه، كما يقوله الجهمية، والكلابية، والمعتزلة، وقيل: لا يكون مقدروه إلا ما يقوم بذاته، كما يقوله السالمية، والكرامية، والصحيح أن كليهما مقدور له، أما الفعل فمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] وقوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]، وقول الحواريين: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]، وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣]، إلى أمثال ذلك مما يبين أنه يقدر على الأفعال، كالإحياء، والبعث، ونحو ذلك.
وأما القدرة على الأعيان ففي "الصحيح" عن أبي مسعود ﵁ قال: كنت أضرب غلاما لي، فرآني النبي ﷺ ، فقال: اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك على هذا، فقوله: "لله أقدر عليك منك على هذا" دليل على أن القدرة تتعلق بالأعيان المنفصلة: قدرة الرب، وقدرة العبد، ومن الناس من يقول: كلاهما يتعلق بالفعل، كالكرامية، ومنهم من يقول: قدرة الرب تتعلق بالمنفصل، وأما قدرة العبد فلا تتعلق إلا بفعل في محلها، كالأشعرية.
والنصوص تدل على أن كلا القدرتين تتعلق بالمتصل والمنفصل، فإن الله تعالى أخبر أن العبد يقدر على أفعاله، كقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]،
стр. 1858
وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فدل على أن منا من يستطع ذلك، ومنا من لم يستطع، وقال النبي ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء"، أخرجاه في "الصحيحين"، وقوله: "إن استطعت أن تعمل بالرضا مع اليقين فافعل"، وقوله في الحديث الذي في "الصحيح": "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
وقد أخبر أنه قادر على عبده، وهؤلاء الذين يقولون: لا تقوم به الأمور الاختيارية، عمدتهم أنه لو قامت به الحوادث لم يخل منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث، وقد نازعهم الناس في كلا المقدمتين، وأصحابهم المتأخرون، كالرازيّ، والآمديّ، قَدَحُوا في المقدمة الأولى في نفس هذه المسألة، وقَدَح الرازي في المقدمة الثانية في غير موضع من كتبه، وقد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.
وقولهم: إنا عرفنا حدوث العالم بهذا الطريق وبه أثبتنا الصانع، يقال لهم: لا جرم ابتدعتم طريقًا، لا يوافق السمع، ولا العقل، فالعالمون بالشرع معترفون أنكم مبتدعون محُدِثون في الإسلام ما ليس منه، والذين يعقلون ما يقولون يعلمون أن العقل يناقض ما قلتم، وأن ما جعلتموه دليلًا على إثبات الصانع لا يدل على إثباته، بل هو استدلال على نفي الصانع، وإثباتُ الصانع حقٌّ، وهذا الحق يلزم من ثبوته إبطال استدلالكم، بأن ما لم يخل من الحوادث فهو حادث.
وأما كون طريقكم مبتدعة ما سلكها الأنبياء، ولا أتباعهم، ولا سلف الأمة، فلأن كل من يعرف ما جاء به الرسول، وان كانت معرفته متوسطة، لم يصل في ذلك إلى الغاية يعلم أن الرسول لم يَدَعِ الناس في معرفة الصانع وتوحيده، وصدق رسله إلى الاستدلال بثبوت الأعراض، وأنها حادثة، ولازمة للأجسام، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث؛ لامتناع حوادث لا أول لها، فعلم بالاضطرار أن هذه الطريق لم يتكلم بها الرسول، ولا دعا إليها، ولا أصحابه، ولا تكلموا بها، ولا دعوا بها الناس، وهذا
стр. 1859
يوجب العلم الضروريّ من دين الرسول، فإن عند الرسول والمؤمنين به أن الله يُعرَف، ويعرف توحيده، وصدق رسله بغير هذه الطريق، فدلّ الشرع دلالة ضروريةً على أنه لا حاجة إلى هذه الطريق، ودلّ ما فيها من مخالفة نصوص الكتاب والسنة على أنها طريق باطلةٌ، فدل الشرع على أنه لا حاجة إليها، وأنها باطلة.
وأما العقل فقد بَسَطَ القول في جميع ما قيل فيها في غير هذه المواضع، وبَيَّنَ أن أئمة أصحابها قد يَعترفون بفسادها من جهة العقل، كما يوجد في كلام أبي حامد، والرازيّ، وغيرهما بيانُ فسادها.
ولمّا ظهر فسادها للعقل تسلط الفلاسفة على سالكيها، وظنت الفلاسفة أنهم إذا قدحوا فيها، فقد قدحوا في دلالة الشرع، ظنّا منهم أن الشرع جاء بموجبها؛ إذ كانوا أجهل بالشرع والعقل من سالكيها، فسالكوها لا للإسلام نصروا، ولا لأعدائه كسروا، بل سلطوا الفلاسفة عليهم، وعلى الإسلام، وهذا كله مبسوط في مواضع.
وإنما المقصود هنا أن يُعرَف أن نفيهم للصفات الاختيارية التي يسمونها حلول الحوادث، ليس لهم دليل عقليّ عليه، وحُذّاقهم يعترفون بذلك، وأما السمع فلا ريب أنه مملوء بما يناقضه، والعقل أيضا يدل على نقيضه من وجوه نَبَّهنا على بعضها.
ولما لم يكن مع أصحابها حجة، لا عقلية، ولا سمعية، من الكتاب والسنة، احتال متأخروهم فسلكوا طريقًا سمعية، ظنّوا أنها تنفعهم، فقالوا: هذه الصفات إن كانت صفات نقص وجب تنزيه الرب عنها، وإن كانت صفات كمال، فقد كان فاقدًا لها قبل حدوثها، وعدم الكمال نقص، فيلزم أن يكون كان ناقصًا، وتنزيهه عن النقص واجب بالإجماع، وهذه الحجة من أفسد الحجج، وذلك من وجوه:
[أحدهما]: أن هؤلاء يقولون: نفي النقص عنه لم يُعلم بالعقل، وإنما عُلم بالإجماع، وعليه اعتمدوا في نفي النقص، فنعود إلى احتجاجهم بالإجماع، ومعلوم أن الإجماع لا يُحتج به في موارد النزاع، فإن المنازع لهم يقول: أنا لم أوافقكم على نفي هذا المعنى، كان وافقتكم على إطلاق القول بأن الله منزه عن النقص، فهذا المعنى عندي
стр. 1860
ليس بنقص، ولم يدخل فيما سلمته لكم، فإن بينتم بالعقل، أو بالسمع انتفاءه، وإلا فاحتجاجكم بقولي، مع أني لم أرد ذلك كذب عليّ، فإنكم تحتجون بالإجماع، والطائفة المثبتة من أهل الإجماع، وهم لم يسلموا هذا.
[الثاني]: أن عدم هذه الأمور قبل وجودها نقص، بل لو وُجدت قبل وجودها لكان نقصًا، مثال ذلك تكليم الله لموسى ﵇، ونداؤه له، فنداؤه حين ناداه صفة كمال، ولو ناداه قبل أن يجيء لكان ذلك نقصًا، فكل منها كمال حين وجوده، ليس بكمال قبل وجوده، بل وجوده قبل الوقت الذي تقتضي الحكمة وجوده فيه نقص.
[الثالث]: أن يقال: لا نسلم أن عدم ذلك نقص، فإن ما كان حادثا امتنع أن يكون قديمًا، وما كان ممتنعًا لم يكن عدمه نقصًا؛ لأن النقص فوات ما يمكن من صفات الكمال.
[الرابع]: أن هذا يَرِدُ في كل ما فعله الرب وخلقه، فيقال: خَلْقُ هذا إن كان نقصًا، فقد اتصف بالنقص، وإن كان كمالًا، فقد كان فاقدًا له، فإن قلتم: صفات الأفعال عندنا ليست بنقص ولا كمال، قيل: إذا قلتم ذلك أمكن المنازع أن يقول: هذه الحوادث ليست بنقص ولا كمال.
[الخامس]: أن يقال: إذا عُرِض على العقل الصريح ذاتٌ يمكنها أن تتكلم بقدرتها، وتفعل ما تشاء بنفسها، وذات لا يمكنها أن تتكلم بمشيئتها، ولا تتصرف بنفسها ألبتة، بل هي بمنزلة الزمن الذي لا يمكنه فعل يقوم به باختياره، قَضَى العقلُ الصريحُ بأن هذه الذات أكمل، وحينئذ فأنتم الذين وصفتم الرب بصفة النقص، والكمالُ في اتصافه بهذه الصفات، لا في نفي اتصافه بها.
[السادس]: أن يقال: الحوادث التي يمتنع أن يكون كل منها أزليا، ولا يمكن وجودها إلا شيئًا فشيئًا، إذا قيل: أيما أكمل أن يقدر على فعلها شيئًا فشيئًا، أو لا يقدر على ذلك، كان معلومًا بصريح العقل أن القادر على فعلها شيئًا فشيئا أكمل ممن لا يقدر على ذلك، وأنتم تقولون: إن الرحمن لا يقدر على شيء من هذه الأمور، وتقولون: إنه