← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ورسوله ﷺ فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء. قال: فهذا الحديث بمنطوقه يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع، فهو مردود، ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره، فهو غير مردود، والمراد بأمره ههنا دينه وشرعه، كالمراد بقوله في الرواية الأخرى: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد"، فالمعنى إذًا أنّ من كان عمله خارجا عن الشرع، ليس متقيدا بالشرع، فهو مردود. وقوله: "ليس عليه أمرنا" إشارةٌ إلى أن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة، فتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها، بأمرها ونهيها، فمن كان عمله جاريا تحت أحكام الشريعة، موافقا لها، فهو مقبول، ومن كان خارجا عن ذلك فهو مردود، فأما العبادات فما كان منها خارجا عن حكم الله تعالى ورسوله ﷺ بالكلية فهو مردود على عامله، وعاملُه يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾ [الشورى: ٢١]، فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله، فعمله باطل مردود عليه، وهو شبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية (١). وهذا كمن تقرب إلى الله تعالى بسماع الملاهي، أو بالرقص، أو بكشف الرأس في غير الإحرام، وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ورسوله التقرب بها بالكلية. وليس ما كان قربة في عبادة، يكون قربة في غيرها مطلقًا، فقد رأى النبي ﷺ رجلا قائما في الشمس، فسأل عنه، فقيل: إنه نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، وأن يصوم، فأمره النبي ﷺ أن يقعد، ويستظل، وأن يتم صومه (٢). فلم يجعل قيامه، وبروزه في الشمس قربة يوفي بنذرهما. وقد رُوي أن ذلك كان في يوم جمعة عند سماع خطبة النبي ﷺ ، وهو على المنبر، فنذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا

стр. 212

يستظل، ما دام النبي ﷺ يخطب؛ إعظاما لسماع خطبة النبي ﷺ (١)، ولم يجعل النبي ﷺ ذلك قربةً يُوفي بنذره، مع أن القيام عبادة في مواضع أُخَر، كالصلاة، والأذان، والدعاء بعرفة، والبروزُ للشمس قربةٌ للمحرم، فدل على أنه ليس كل ما كان قربة في موطن، يكون قربة في كل المواطن، وإنما يُتبع في ذلك كلِّه ما وردت به الشريعة في مواضعها. وكذلك من تقرب بعبادة، نُهي عنها بخصوصها، كمن صام يوم العيد، أو صلى وقت النهي. وأما من عَمِلَ عملا أصله مشروع وقربة، ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع، أو أَخَلّ فيه بمشروع، فهذا أيضا مخالف للشريعة، بقدر إخلاله بما أخل به، أو إدخاله ما أدخل فيه، وهل يكون عمله من أصله مردودا عليه أو لا؟ فهذا لا يُطلق القول فيه برد ولا قبول، بل ينظر فيه، فإن كان ما أخل به من أجزاء العمل، أو شروطه موجبا لبطلانه في الشريعة، كمن أخل بالطهارة مع القدرة عليها، أو كمن أخل بالركوع أو بالسجود، أو بالطمأنينة فيهما، فهذا عمل مردود عليه، وعليه إعادته إن كان فرضًا. وإن كان ما أخل به لا يوجب بطلان العمل، كمن أخل بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يوجبها، ولا يجعلها شرطًا، فهذا لا يقال: إن عمله مردود من أصله، بل هو ناقص. وإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع، فزيادته مردودة عليه، بمعنى أنها لا تكون قربة، ولا يثاب عليها، ولكن تارة يبطل بها العمل من أصله، فيكون مردودًا، كمن زاد ركعة عمدا في صلاته مثلًا، وتارة لا يبطله، ولا يرده من أصله، كمن توضأ أربعًا أربعًا، أو صام الليل مع النهار، وواصل في صيامه. وقد يبدل ما يؤمر به في العبادة بما هو منهي عنه، كمن ستر عورته في الصلاة بثوب محرم، أو توضأ للصلاة بماء مغصوب، أو صلى في بقعة غصب، فهذا قد اختلف العلماء فيه، هل عمله مردود من أصله، أو أنه غير مردود، وتبرأ به الذمة من عُهْدة الواجب، وأكثر الفقهاء

стр. 213

على أنه ليس بمردود من أصله، وقد حَكَى عبد الرحمن بن مهدي عن قوم من أصحاب الكلام، يقال لهم: الشمرية، أصحاب أبي شمر أنهم يقولون: إنه من صلى في ثوب كان في ثمنه درهم حرام أن عليه إعادة صلاته، وقال: ما سمعت قولا أخبث من قولهم، نسأل الله العافية. وعبد الرحمن بن مهدي من أكابر فقهاء أهل الحديث، المطلعين على مقالات السلف، وقد استنكر هذا القول، وجعله بدعة، فدل على أنه لم يعلم عن أحد من السلف القول بإعادة الصلاة في مثل هذا،، ويُشبه هذا الحجُّ بمال حرام، وقد ورد في حديث أنه مردود على صاحبه، ولكنه حديث لا يثبت (١). وقد اختلف العلماء هل يسقط به الفرض أم لا؟. وقريبٌ من ذلك الذبح بآلة محرمة، أو ذبح من لا يجوز له الذبح، كالسارق، فأكثر العلماء قالوا: إنه تباح الذبيحة بذلك. ومنهم من قال: هي محرمة. وكذا الخلاف في ذبح المحرم الصيد، لكن القول بالتحريم فيه أشهر وأظهر؛ لأنه منهي عنه بعينه، فلهذا فرق من فرق من العلماء بين أن يكون النهي لمعنى يختص بالعبادة فيبطلها، وبين أن لا يكون مختصا بها فلا يبطلها، فالصلاة بالنجاسة، أو بغير طهارة، أو بغير ستارة، أو إلى غير القبلة يبطلها؛ لاختصاص النهي بالصلاة، بخلاف الصلاة في الغضب، ويشهد لهذا أن الصيام لا يبطله إلا ارتكاب ما نُهي عنه فيه بخصوصه، وهو جنس الأكل والشرب والجماع، بخلاف ما نُهي عنه الصائم لا بخصوص الصيام، كالكذب والغيبة عند الجمهور. وكذلك الحج لا يبطله إلا ما نُهي عنه في الإحرام، وهو الجماع، ولا يبطله ما لا يختص بالإحرام من المحرمات، كالقتل، والسرقة، وشرب الخمر. وكذلك الاعتكاف إنما يبطل بما نُهي عنه فيه بخصوصه، وهو الجماع، وإنما يبطل بالسُّكْر عند

стр. 214

الأكثرين؛ لنهي السكران عن قربان المسجد، ودخوله على أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] أن المراد مواضع الصلاة، فصار كالحائض، ولا يبطل الاعتكاف بغيره من ارتكابه الكبائر عند كثير من العلماء. وقد خالف في ذلك طائفة من السلف منهم: عطاء، والزهري، والثوري، ومالك، وحكي عن غيرهم أيضا المعاملات. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه بعض السلف هو الظاهر. والله تعالى أعلم. وأما المعاملات، كالعقود، والفسوخ، ونحوهما، فما كان منها مغير الأوضاع الشرعية، كجعل حد الزنا عقوبة مالية، وما أشبه ذلك، فإنه مردود من أصله، لا ينتقل به الملك؛ لأن هذا غير معهود في أحكام الإسلام، ويدل على ذلك أن النبي ﷺ قال للذي سأله: إن ابني كان عسيفا (١) على فلان، فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، فقال النبي ﷺ "المائة الشاة والخادم رد عليك، وعلى ابنك مائة جلدة، وتغريب عام" (٢). وما كان منها عقدا منهيا عنه في الشرع، إما لكون المعقود عليه ليس محلا للعقد، أو لفوات شرط فيه، أو لظلم يحصل به للمعقود معه، أوعليه، أو لكون العقد يَشغَل عن ذكر الله الواجبِ عند تضايق وقته، أو غير ذلك، فهذا العقد هل هو مردود بالكلية، لا يَنتقِل به الملك أم لا؟ هذا الموضع قد اضطرب الناس فيه اضطرابا كثيرا، وذلك أنه ورد في بعض الصور أنه مردود لا يفيد الملك، وفي بعضها أنه يفيده، فحصل الاضطراب فيه بسبب ذلك. والأقرب -إن شاء الله تعالى- أنه إن كان النهي عنه لحق الله تعالى، لا يفيد الملك بالكلية، ومعنى أن يكون الحق لله أنه لا يسقط برضا المتعاقدين عليه، وإن كان النهي

стр. 215

عنه لحق آدمي معين، بحيث يسقط برضاه به، فإنه يقف على رضاه به، فإن رضي لزم العقد، واستمر الملك، وإن لم يرض به فله الفسخ، فإن كان الذي يلحقه الضرر لا يعتبر رضاه بالكلية، كالزوجة والعبد في الطلاق والعتاق، فلا عبرة برضاه ولا بسخطه، وإن كان النهي رفقا بالمنهي خاصة؛ لما يلحقه من المشقة، فخالف وارتكب المشقة، لم يبطل بذلك عمله. فأما الأول: فله صور كثيرة: (منها): نكاح من يحرم نكاحه، إما لعينه كالمحرمات على التأبيد بسبب أو نسب، أو للجمع، أو لفوات شرط لا يسقط بالتراضى باسقاطه، كنكاج المعتدة والمحرمة، والنكاح بغير ولي، ونحو ذلك. وقد رُوي أن النبي ﷺ فَرّق بين رجل وامرأة، تزوجها وهي حبلي، فردّ النكاح؛ لوقوعه في العدة (١). (ومنها): عقود الربا، فلا يفيد الملك، ويؤمر بردّها. وقد أمر النبي ﷺ من باع صاع تمر بصاعين أن يرده (٢). (ومنها): بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام، والكلب، وسائر ما نهي عن بيعه مما لا يجوز بيعه. وأما الثاني: فله صور عديدة: (منها): إنكاح الولي مالا يجوز له إنكاحها إلا بإذنها، لا بغير إذنها، وقد ردّ النبي ﷺ نكاح امرأة ثيب، زوّجها أبوها، وهي كارهة (٣). وروى عنه ﷺ أنه خير امرأة زُوِّجَت بغير إذنها (٤).

стр. 216

وفي إبطال هذا النكاح، أو وقوفه على الإجازة، روايتان عن أحمد. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن من تصرف لغيره في ماله بغير إذنه، لم يكن تصرفه باطلًا من أصله، بل يَقِفُ على إجازته، فإن أجازه جاز، وإن ردّه بطل. واستدلُّوا بحديث عروة بن الجعد في شرائه للنبي ﷺ شاتين، وإنما كان أمَرَهُ بأن يشتري شاة واحدة، ثم باع إحداهما، وقَبِلَ ذلك النبي ﷺ ، وخَصَّ ذلك الإمام أحمد في المشهور عنه بمن كان يتصرف لغيره في ماله بإذن، إذا خالف الإذن. (ومنها): تصرف المريض في ماله كله، هل يقع باطلًا من أصله، أم يوقف تصرفه في الثلث على إجازة الورثة، فيه اختلاف مشهور للفقهاء، والخلاف في مذهب أحمد وغيره. وقد صح أن النبي ﷺ رُفِع إليه أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لا مال له غيرهم، فدعا بهم، فجزّأهم ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأَرَقَّ أربعة، وقال له قولا شديدًا (١). ولعل الورثة لم يجيزوا إعتاق الجميع. والله أعلم. (ومنها): بيع المدلَّس ونحوه، كالمصراة، وبيع النجش، وتلقى الركبان، ونحو ذلك، وفي صحته كله اختلاف مشهور في مذهب الإمام أحمد. وذهب طائفة من أهل الحديث إلى بطلانه وردِّه، والصحيح أنه يصح، ويقف على إجازة من حصل له ظلم بذلك، فقد صح عن النبي ﷺ أنه جعل مشتري المصراة بالخيار، وأنه جعل للركبان الخيار، إذا هبطوا السوق (٢)، وهذا كله يدل على أنه غير مردود من أصله. وقد أُورد على بعض من قال بالبطلان حديث المصراة، فلم يذكر عنه جوابًا. وأما بيع الحاضر للبادي: فمن صححه جعله من هذا القبيل، ومن أبطله جعل الحق فيه لأهل البلد كلهم، وهم غير منحصرين، فلا يتصور إسقاط حقوقهم، فصار

стр. 217

كحق الله . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالبطلان هو الظاهر؛ لعدم ورود نصّ يدلّ على صحته، كما ورد في المصرّاة، ونحوه. والله تعالى أعلم. (ومنها): لو باع رقيقًا، يَحرُم التفريق بينهم، وفرق بينهم، كالأم وولدها، فهل يقع باطلا مردودا، أم يقف على رضاهم بذلك؟. وقد رُوي أن النبي ﷺ أمر برد هذا البيع (١). ونص أحمد على أنه لا يجوز التفريق بينهم، ولو رضوا بذلك. وذهبت طائفة إلى جواز التفريق بينهم برضاهم، منهم النخعي، وعبيد الله بن الحسن العَنْبَريّ، فعلى هذا يتوجه أن يصح، ويقف على الرضا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالبطلان هو الظاهر؛ للحديث المذكور. والله تعالى أعلم. (ومنها): لو خَصَّ بعض أولاده بالعطية دون بعض، فقد صح عن النبي ﷺ أنه أمر بشير بن سَعْد لمّا خص ولده النعمان بالعطية أن يرده إليه، ولم يدل ذلك على أنه لم ينتقل الملك بذلك إلى الولد، فإن هذه العطية تصح، وتقع مراعاةً، فإن ساوى بين الأولاد في العطية، أو استرد ما أعطي الولد جاز، وإن مات ولم يفعل شيئًا من ذلك، فقال مجاهد: هو ميراث. وحُكي عن أحمد نحوه، وأن العطية تبطل، والجمهور على أنها لا تبطل، وهل للورثة الرجوع فيها أم لا؟ فيه قولان مشهوران، وهما روايتان عن أحمد. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالبطلان هو الظاهر؛ لظاهر الحديث. والله تعالى أعلم. (ومنها): الطلاق المنهي عنه، كالطلاق في زمن الحيض، فإنه قد قيل: إنه قد نُهي عنه لحق الزوج، حيث كانُ يخشَى عليه أن يعقبه فيه الندم، ومن نُهي عن شيء رِفقًا به،

стр. 218

فلم يَنتَهِ عنه، بل فعله، وتجشم مشقته، فإنه لا يحكم ببطلان ما آلى به، كمن صام في المرض، أو السفر، أو واصل في الصيام، أو أخرج ماله، وجلس يتكفف الناس، أو صلى قائما مع تضرره بالقيام للمرض، أو اغتسل، وهو يخشى على نفسه الضرر والتلف، ولم يتيمم، أو صام الدهر ولم يفطر، أو قام الليل ولم ينم، وكذلك إذا جمع الطلاق الثلاث على القول بتحريمه. وقيل: إنما نُهي عن طلاق الحائض؛ لحق المرأة؛ لما فيه من الإضرار بها بتطويل العدة، ولو رضيت بذلك، بأن سألته الطلاق بعوض في الحيض، فهل يزول بذلك تحريمه، فيه قولان مشهوران للعلماء، والمشهور من مذهب الشافعية والحنبليّة أنه يزول التحريم بذلك. وإن قيل: إن التحريم فيه لحق الزوج خاصة، فإذا أقدم عليه، فقد أسقط حقه فسقط، وإن عُلِّل بأنه لحق المرأة لم يمنع نفوذه، ووقوعه أيضا، فإن رضا المرأة بالطلاق غير معتبر؛ لوقوعه عند جميع المسلمين، لم يخالف فيه سوى شِرْذِمة يسيرة من الروافض ونحوهم، كما أن رضا الرقيق بالعتق غير معتبر، ولو تضرر به، ولكن إذا تضررت المرأة بذلك، وكان قد بقي شيء من طلاقها أُمر الزوج بارتجاعها، كما أمر النبي ﷺ ابن عمر بارتجاع زوجته؛ تلافيا منه لضررها، وتلافيا منه لما وقع منه من الطلاق المحرم، حتى لا تصير بينونتها منه ناشئة عن طلاق محرم، وليتمكن من طلاقها على وجه مباح، فتحصل إبانتها على هذا الوجه. وقد رُوي عن أبي الزبير، عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ ردها عليه، ولم يرها شيئًا. وهذا مما تفرد به أبو الزبير عن أصحاب ابن عمر كلهم، مثل ابنه سالم، ومولاه نافع، وأنس، وابن سيرين، وطاوس، ويونس بن جبير، وعبد الله بن دينار، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران، وغيرهم. وقد أنكر أئمة العلماء هذه اللفظة على أبي الزبير، من المحدثين، والفقهاء، وقالوا: إنه تفرد بما خالف الثقات، فلا يقبل تفرده، فإن في رواية الجماعة عن ابن عمر ما يدل على أن النبي ﷺ حسب عليه الطلقة، من وجوه كثيرة، وكان ابن عمر يقول لمن

стр. 219

سأله عن طلاق المرأة في الحيض: إن كنت طلقت واحدة أو اثنتين، فإن رسول الله ﷺ أمرني بذلك، يعني بارتجاع المرأة، وإن كنت طلقتها ثلاثا، فقد عصيت ربك، وبانت منك امرأتك. وفي رواية أبي الزبير زيادة أخرى، لم يتايع عليها، وهو قوله: ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق:١]، ولم يذكر ذلك أحد من الرواة عن ابن عمر، وإنما رَوَى عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أنه كان يتلو هذه الآية عند روايته للحديث، وهذا هو الصحيح. وقد كان طوائف من الناس يعتقدون أن طلاق ابن عمر كان ثلاثًا، وأن النبي ﷺ إنما رَدّها عليه؛ لأنه لم يوقع الطلاق في الحيض، وقد روى ذلك عن أبي الزبير أيضا، من رواية معاوية بن عمار الدُّهْنِيّ عنه، فلعل أبا الزبير اعتقد هذا حقّا، فروى تلك اللفظة بالمعنى الذي فهمه. ورَوَى ابنُ لهيعة هذا الحديث عن أبي الزبير، فقال عن جابر: إن ابن عمر طلق امرأته، وهي حائض، فقال النبي ﷺ : "ليراجعها، فإنها امرأته"، وأخطأ في ذكر جابر في هذا الإسناد، وتفرد بقوله: "فإنها امرأته"، وهي لا تدُلُّ على عدم وقوع الطلاق، إلا على تقدير أن يكون ثلاثًا، فقد اختُلِفَ في هذا الحديث على أبي الزبير، وأصحابُ ابن عمر الثقاتُ الحفاظُ العارفون به الملازمون له لم يُختَلف عليهم فيه. فرَوَى أيوب عن ابن سيرين قال: مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهمهم أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثًا، وهي حائض، فأمره النبي ﷺ أن يراجعها، فجعلت لا أتهمهم، ولا أعرف الحديث، حتى لقيت أبا غلاب، يونسَ بنَ جبير، وكان ذا ثَبْتٍ، فحدثني أنه سأل ابن عمر، فحدثه أنه طلقها واحدة. أخرجه مسلم (١). وفي رواية قال ابن سيرين: فجعلت لا أعرف للحديث وجهًا، ولا أفهمه. وهذا يدل على أنه كان قد شاع بين الثقات، من غير أهل الفقه والعلم، أن طلاق

стр. 220

ابن عمر كان ثلاثًا، ولعل أبا الزبير من هذا القبيل، ولذلك كان نافع يُسأل كثيرًا عن طلاق ابن عمر، هل كان ثلاثًا أو واحدة؟، ولما قَدِمَ نافع مكة، أرسلوا إليه من مجلس عطاء، يسألونه عن ذلك؛ لهذه الشبهة. واستنكار ابن سيرين لرواية الثلاث يدل على أنه لم يَعرِف قائلا معتبرا، يقول: إن الطلاق المحرم غير واقع، وأن هذا القول لا وجه له. قال الإمام أحمد في رواية أبي الحارث، وسئل عمن قال: لا يقع الطلاق المحرم؛ لأنه يخالف ما أُمر به، فقال: هذا قول سوء رديء، ثم ذكر قصة ابن عمر، وأنه احتسب بطلاقه في الحيض. وقال أبو عبيدة: الوقوع هو الذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار، حجازهم، وتهامهم، ويمنهم، وشأمهم، وعراقهم، ومصرهم. وحكى ابن المنذر ذلك عن كل من يُحفَظ قوله، من أهل العلم، إلا ناسا من أهل البدع، لا يُعتَدُّ بهم. وأما ما حكاه ابن حزم عن ابن عمر، أنه لا يقع الطلاق في الحيض، مُستنِدًا إلى ما رواه من طريق محمد بن عبد السلام الْخُشَنِيّ الأندلسي، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، في الرجل يُطَلِّق امرأته، وهي حائض، قال: لا تعتد بها. وبإسناده عن خِلَاس نحوه، فإن هذا الأثر قد سقطت من آخره لفظةٌ، وهي قال: لا يعتد بتلك الحيضة، كذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة، في كتابه عن عبد الوهاب الثقفي، وكذا رواه يحيى بن معين، عن عبد الوهاب أيضا، قال: هو غريب لا يحدث به إلا عبد الوهاب. ومراد ابن عمر: أن الحيضة التي تُطلق فيها المرأة لا تَعْتَدُّ بها المرأة قُرْءًا، وهذا هو مراد خِلاس وغيره. وقد رُوي ذلك أيضا عن جماعة من السلف منهم: زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، فوهم جماعة من المفسرين وغيرهم، كما وهم ابن حزم، فحكوا عن بعض من سمينا أن الطلاق في الحيض لا يقع، وهذا سبب وهمهم. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ

стр. 221

ابن رجب رحمه الله تعالى (١)، وهو تحقيق نفيسٌ جدّا، وسنعود لتكميله في محلّه من كتاب الطلاق، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ المذكور أول الكتاب قال: ١٥ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الُمهَاجِرِ المصْرِيُّ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنصَارِ، خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ، في شِرَاجِ الحَّرَّةِ، الَّتِي يَسْقُونَ بها النَّخْلَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ الماءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاخْتَصَمَا عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُّمَّ أَرْسِلِ الماءَ إِلَى جَارِكَ"، فَغَضِبَ الْأَنصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "يَا زُبَيْرُ اسْقِ، ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتَّى يَرْجعَ إِلَى الجدْرِ"، قَالَ: فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَالله إِنِّي لَأَحْسِبُ هَذه الْآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن رُمْح بن المهاجر) بن المحرر بن سالم التُّجِيبيّ مولاهم، أبو عبد الله المصري الحافظ، ثقة ثبت [١٠]. رَوَى عن مسلمة بن علي الْخُشَنِيّ، وابن لَهيعة، والليث، ومفضل بن فضالة، ونعيم بن حماد، وجماعة. ورَوَى عنه مسلم، وابن ماجه، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، وبَقِيّ ابن مَخْلَد، وأبو الربيع سليمان بن داود المُهْري، وغيرهم. قال ابن الجنيد: كان أوثق من ابن زُغْبَة. وقال أبو داود: ثقة ولم أكتب عنه شيئًا.

стр. 222

وقال النسائي: ما أخطأ في حديث واحد، ولو كان كتب عن مالك لأثبته في الطبقة الأولي من أصحابه. وقال ابن ماكولا: كان ثقة مأمونا. وقال ابن يونس: ثقة ثبت في الحديث، وكان أعلم الناس بأخبار البلد ووقفه، وكان إذا شهد في دار عَلِمَ أهلُ البلد أنها طيبة الأصل. وذكر ابن السمعاني في "الأنساب" أن البخاري روى عنه. وقال محمد بن وَضّاح: لقيته بمصر، وكان نِعْمَ الشيخُ. وقال مسلمة: أنا عنه غير واحد، وهو ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وكذا أرّخه ابن أبي عاصم. وقال البخاري وابن قُدَيد: مات في شوال سنة (٤٢). تفرّد به مسلم، والمصنّف، وفي "الزهرة": روى عنه مسلم مائة حديث، وإحدى وستين حديثا. انتهى. وله عند المصنّف في هذا الكتاب (١٠١) حديثًا. ٢ - (الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث الإمام المصريّ، ثقة ثبتٌ، فقيهٌ إمام مشهور [٧]. قال يحيى بن بكير: سَعْدٌ أبو الليث مولى قريش، وإنما افترضوا في فهم، فنسب إليهم، وأصلهم من أصبهان، وأهل بيته يقولون: نحن من الفرس من أصبهان، قال ابن يونس: وليس لما قالوه من ذلك عندنا صحة، وُلد بِقَرْقَشَنْدَةَ على نحو أربعة فراسخ من الفسطاط. ورَوَى عن نافع، وابن أبي ملكية، ويزيد بن أبي حبيب، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأخيه عبد ربه بن سعيد، وابن عجلان، والزهري، وهشام بن عرورة، وعطاء بن أبي رباح، وبكير بن الأشج، والحارث بن يعقوب، وجماعة من أقرانه، ومن هو أصغر منه. ورَوَى عنه شعيب، ومحمد بن عجلان، وهشام بن سعد، وهما من شيوخه، وابن لهيعة، وهشيم بن بشير، وقيس بن الربيع، وعطاف بن خالد، وهم من أقرانه، وابن المبارك، وابن وهب، ومروان بن محمد، ومحمد بن المهاجر، وغيرهم، وعيسى بن حماد ابن زُغبَة، وهو آخر من حدث عنه من الثقات، وآخرون.

стр. 223

قال ابن سعد: كان قد اشتغل بالفتوى في زمانه، وكان ثقة كثير الحديث صحيحه، وكان سَرِيّا من الرجال، نبيلًا سخيّا. وقال أحمد بن سعد الزهري عن أحمد: الليث ثقة ثبت. وقال حنبل عن أحمد: الليث أحب إلي منهم فيما يروي عن المقبري. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: أصح الناس حديثا عن المقبري الليث، كان يُفَصّل ما روى عن أبي هريرة، وما روى عن أبيه عن أبي هريرة، وقال ابن المديني: الليث ثقة ثبت. وقال العجلي: مصري ثقة. وقال النسائي: ثقة. وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: ما فاتني أحد، فأَسِفتُ عليه ما أسفت على الليث وابن أبي ذئب. وقال ابن أخي ابن وهب: سمعت الشافعي يقول: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به. وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: الليث أتبع للأثر من مالك. وقال أبو زرعة: سمعت ابن بكير يقول: الليث أفقه من مالك، ولكن كانت الْحُظْوَة لمالك. وقال محمد بن صالح الأشج، عن قتيبة بن سعيد: قدم منصور بن عمار على الليث، فوصله بألف دينار، واحترق بيت ابن لهيعة، فوصله بألف دينار، ووصل مالك ابن أنس بألف دينار، وكساني قميص سُنْدُس فهو عندي. وقال أبو العباس السراج عن قتيبة: قَفَلْنا مع الليث من الإسكندرية، وكان معه ثلاث سفائن، فسفينة فيها مطبخه، وسفينة فيها عياله، وسفينة فيها أضيافه. وقال محمد بن رمح: وقال ابن وهب: كتب مالك إلى الليث إني أريد أن أُدخل ابنتي على زوجها، فأُحب أن تبعث إلي بشيء من عصفر، فبعث إليه ثلاثين حِمْلًا من عصفر، فصبغ لأهله، ثم باع منه بخمسمائة دينار، وبقي عنده. وكان دخل الليث كل سنة ثمانين ألف دينار، ما أوجب الله عليه زكاة. وقال إسماعيل سَمّويه: ثنا عبد الله بن صالح قال: صحبت الليث عشرين سنة، لا يتغدى ولا يتعشى إلا مع الناس. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من سادات أهل زمانه فقهًا وورعًا وعلمًا وفضلًا وسخاءً. وقال ابن أبي مريم: ما رأيت أحدا من خلق الله أفضل من ليث، وما

стр. 224

كانت خصلة يُتقرَّب بها إلى الله إلا كانت تلك الخصلة في الليث. وقال أبو يعلى الخليلي: كان إمام وقته بلا مدافعة. وقال يعقوب بن سفيان عن بن بكير: وُلد الليث سنة (٩٤) ومات في يوم الجمعة نصف شعبان سنة خمس وسبعين ومائة، وكذا قال ابن أبي مريم وغير واحد في تاريخ وفاته. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢٢). ٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله ابن الحارث بن زُهْرة بن كِلاب بن مُرّة القُرَشيّ الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الفقيه الحافظ، أحد الأئمة الاعلام، وعالم الحجاز والشام، الثقة الثبت المتّفقٌ على جلالته وإتقانه، من رءوس الطبقة [٤]. رَوَى عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن جعفر، وربيعة بن عباد، والمسور بن مَخْرمة، وعبد الرحمن بن أزهر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وسهل بن سعد، وأنس، وجابر، وأبي الطفيل، والسائب بن يزيد، وخلق كثير. ورَوى عنه عطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير المكي، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو ابن دينار، وصالح بن كيسان، وأبان بن صالح، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وإبراهيم ابن أبي عَبْلَة، وأيوب السختياني، وهشيم، وسفيان بن عيينة، وخلق كثير. قال ابن سعد: وكان الزهري ثقة، كثير الحديث والعلم والرواية فقيها جامعًا. وقال أبو الزناد: كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كلما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس، وقال ابن مهدي: سمعت مالكا يقول: قال الزهري: ما استفهمت عالما قط، ولا رددت على عالم شيئا قط. وقال عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري: ما استعدت حديثا قط، وقال الليث عن جعفر بن ربيعة: قلت لعراك بن مالك: مَن أفقه أهل المدينة، فذكر سعيد بن المسيب، وعروة، وعُبيد الله بن عبد الله، قال عراك: وأعلمهم عندي جميعا ابن شهاب؛ لأنه جمع علمهم إلى علمه،

стр. 225

وقال أبو صالح عن الليث: ما رأيت عالما أجمع من ابن شهاب، ولا أكثر علما منه، لو سمعته يحدث في الترغيب، لقلت لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن الأنساب لقلت لا يعرف إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة، كان حديثه نوعا جامعًا. وقال إبراهيم بن سعد بن إبراهيم: قلت لأبي بم فاقكم ابن شهاب؟ قال: كان يأتي المجالس من صدورها، ولا يلقى في المجلس كهلا إلا ساءله، ولا شابا إلا ساءله، ثم يأتي الدار من دور الأنصار، فلا يلقى شابا إلا ساءله، ولا كهلا ولا عجوزا ولا كهلة إلَّا ساءلها حتى يحاول ربات الْحِجَال. وقال سعيد بن عبد العزيز: سأل هشام بن عبد الملك الزهري أن يُملي على بعض ولده، فدعا بكاتب، فأملى عليه أربعمائة حديث، ثم إن هشاما قال له: إن ذلك الكتاب قد ضاع، فدعا الكاتب، فأملاها عليه، ثم قابله هشام بالكتاب الأول، فما غادر حرفا. قال أبو داود، عن أحمد بن صالح: يقولون: إن مولده سنة خمسين، وقال خليفة: وُلد سنة إحدى وخمسين. وقال يحيى بن بكير سنة ست. وقال الواقدي: سنة ثمان. وكان وفاته سنة ثلاث وعشرين، قاله ضمرة بن ربيعة. وقال القطان وغير واحد: مات سنة ثلاث أو أربع. وقال أبو عبيدة، وابن المديني، وعمرو بن علي في آخر سنة أربع، زاد الزبير بن بكار: في رمضان، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وقال ابن يونس وغيره: مات في رمضان سنة خمس وعشرين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٩٦) حديثًا. ٤ - (عروة بن الزبير) بن العوّام بن خُوَيلد بن أسد بن عبد العزي بن قصي الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة فقيهٌ مشهور [٣]. رَوَى عن أبيه، وأخيه عبد الله، وأمه أسماء بنت أبي بكر، وخالته عائشة، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأسامة بن زيد، وأبي أيوب، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة والتابعين.

стр. 226

ورَوَى عنه أولاده: عبد الله، وعثمان، وهشام، ومحمد، ويحيى، وابن ابنه عمر بن عبد الله بن عروة، وابن أخيه محمد بن جعفر بن الزبير، وأبو الأسود، وخلق كثير. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان ثقة كثير الحديث فقيهًا عالمًا ثبتًا مأمونًا. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وكان رجلا صالحًا، لم يدخل في شيء من الفتن، وقال هشام عن أبيه: لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حِجَحٍ، أو خمس حجج، وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما نَدِمتُ على حديث عندها إلا وقد وعيته، وقال قبيصة ابن ذؤيب: كان عروة يغلبنا بدخوله على عائشة، وكانت عائشة أعلم الناس. وعَدَّهُ أبو الزناد في فقهاء المدينة السبعة، مع مشيخة سواهم، من أهل فقه وفضل. وقال ضمرة عن ابن شوْذَب: وقعت في رجله الآكلة، فنشرت، وكان يقرأ ربع القرآن نظرًا في المصحف، ثم يقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله. وقال ابن عيينة عن هشام: خرج عروة إلى الوليد، فخرجت برجله آكلةٌ، فقطعها، وسقط ابن له عن ظهر بيت له، فوقع تحت أرجل الدواب فوطئته، فقال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، اللهم إن كنت أخذت لقد أعطيت، وإن كنت ابتليت قد عافيت، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من أفاضل أهل المدينة وعقلائهم. قال خليفة: في آخر خلافة عمر سنة (٢٣) يقال: وُلِد عروة بن الزبير. قال ابن المديني: مات عروة سنة إحدى أو اثنتين وتسعين، وعنه سنة اثنتين، وعنه سنة (٣) وفيها أرخه أبو نعيم، وابن يونس، وغيرهما. وذكره ابن زَبْر فيمن مات في سنة (٢) ثم في سنة (٤) وقال: هذا أثبت من الأول، وكذا أرخه ابن سعد، وعمرو بن علي، وغير واحد. وقال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين في تسمية تابعي أهل المدينة، ومحدثيهم: أبو بكر بن عبد الرحمن مات سنة (٩٤) وعروة بن الزبير، وسعيد، وعلي بن الحسين، وكان يقال لها: سنة الفقهاء. وقال ابن أبي خيثمة: كان يوم الجمل ابن ثلاث عشرة سنة، فاستصغر، ومات سنة أربع، أو خمس وتسعين، وقال يحيى بن بكير: مات سنة (٥). وقال هارون بن محمد: مات سنة (٩٩) أو مائة، أو إحدى ومائة. وقال

стр. 227

مصعب، والزبير بن بكار: مات وهو ابن (٦٧) سنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦٥) حديثًا. ٥ - (عبد الله بن الزبير) بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزي القرشي الأسدي، أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وُلد عام الهجرة، وحَفِظ عن النبي ﷺ ، وهو صغير، وحدّث عنه بجملة من الحديث، وعن أبيه، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وخالته عائشة، وسفيان بن أبي زهير، وغيرهم، وهو أحد العبادلة، وأحد الشجعان من الصحابة، وأحد من ولي الخلافة منهم، يكنى أبا بكر، ثم قيل له: أبو حُبيب بولده، وبويع بالخلافة سنه أربع وستين، عقب موت يزيد بن معاوية، ولم يتخلف عنه إلا بعض أهل الشام، وهو أول مولود وُلد للمهاجرين بعد الهجرة، وحنكه النبي ﷺ ، وسماه باسم جده، وكناه بكنيته، وزعم الواقدي أنه وُلد في السنة الثانية، والأصح الأول. وقُتل ﵁ بعد محاصرة الحجّاج له في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، وهذا قول الجمهور، وهو الأصح، وله من الأحاديث (٣٣) حديثًا، اتّفَقَ الشيخان على حديث، وانفرد البخاريّ بستة، ومسلم بحديثين، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، بل من رجال الجماعة، إلا شيخ المصنّف، فانفرد به هو ومسلم. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، والليث، فمصريّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه، أول مولود في الإسلام بعد الهجرة، وقد أذهب الله به مزاعم اليهود، حيث قالوا: نحن سحرناهم، فلا يولد لهم ولد، فأبطل الله تعالى ذلك،

стр. 228

وفرح المسلمون به فرحًا شديدًا، وأن أول ما ولج بطنه ريق رسول الله ﷺ ، حيث حنّكه، وأنه شرب دمه ﷺ ، فكان من أقوى الناس، وأشجعهم ﵁. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) وفي رواة للبخاريّ من طريق ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عروة أنه حدّثه (أَنَّ) أخاه (عَبْدَ الله بْنَ الزُّبَيْرِ) ﵄ (حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ) قال الحافظ رحمه الله تعالى: هذا هو المشهور من رواية الليث بن سعد، عن ابن شهاب، وقد رواه ابن وهب، عن الليث ويونس جميعًا، عن ابن شهاب، أن عروة حدثه، عن أخيه عبد الله بن الزبير، عن الزبير بن العوام. أخرجه النسائي، وابن الجارود، والإسماعيلي. وكأن ابن وهب حَمَل رواية الليث، على رواية يونس، وإلا فرواية الليث ليس فيها ذكر الزبير. والله أعلم. وأخرجه البخاريّ في "الصلح" من طريق شعيب، عن ابن شهاب، عن عروة ابن الزبير، عن الزبير بغير ذكر عبد الله. وقد أخرجه البخاريّ في الباب الذي يليه من طريق معمر، عن ابن شهاب، عن عروة مرسلًا، وأعاده في "التفسير" من وجه آخر عن معمر، وكذا أخرجه الطبري، من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا ابن شهاب، وأخرجه البخاريّ من رواية ابن جريج كذلك بالإرسال، لكن أخرجه الإسماعيلي، من وجه آخر عن ابن جريج كرواية شعيب التي ليس فيها "عن عبد الله". وذكر الدارقطني في "العلل" أن ابن أبي عَتِيق، وعُمر بن سَعْد وافقا شعيبا وابن جريج، على قولهما: "عروة عن الزبير"، قال: وكذلك قال أحمد بن صالح، وحرملة، عن ابن وهب، قال: وكذلك قال شبيب بن سعيد، عن يونس، قال وهو المحفوظ. قال الحافظ: وإنما صححه البخاري مع هذا الاختلاف؛ اعتمادا على صحة سماع عروة من أبيه، وعلى صحة سماع عبد الله بن الزبير، من النبي ﷺ ، فكيفما دار فهو على ثقة، ثم الحديث ورد في شيء يتعلق بالزبير، فداعية ولده متوفرة على ضبطه، وقد وافقه مسلم على تصحيح طريق الليث، التي ليس فيها ذكر الزبير.

стр. 229

وزعم الحميدي في "جمعه" أن الشيخين أخرجاه من طريق عروة، عن أخيه عبد الله، عن أبيه، وليس كما قال، فإنه بهذا السياق في رواية يونس المذكورة، ولم يخرجها من أصحاب الكتب الستة إلا النسائي، وأشار إليها الترمذي خاصة. وقد جاءت هذه القصة من وجه آخر، أخرجها الطبري، والطبراني، من حديث أم سلمة، وهي عند الزهري أيضا، من مرسل سعيد بن المسيب، كما سيأتي بيانه. انتهى (١). (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ) زاد في رواية شعيب: "قد شهد بدرًا"، وفي رواية عبد الرحمن ابن إسحاق، عن الزهري، عند الطبري، في هذا الحديث: أنه من بني أمية بن زيد، وهم بطن من الأوس. ووقع في رواية يزيد بن خالد، عن الليث، عن الزهري، عند ابن المقري في "معجمه" في هذا الحديث: أن اسمه حميد. قال أبو موسى المديني في "ذيل الصحابة": لهذا الحديث طُرُقٌ، لا أعلم في شيء منها ذكر حميد، إلا في هذا الطريق. انتهى. وليس في البدريين من الأنصار من اسمه حميد. وحَكَى ابن بشكوال في "مبهماته" عن شيخه أبي الحسن بن مُغِيث، أنه ثابت بن قيس بن شَمّاس، قال: ولم يأت على ذلك بشاهد. قال الحافظ: وليس ثابت بدريّا. وحَكَى الواحدي أنه ثعلبة بن حاطب الأنصاري، الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥]، ولم يذكر مستنده، وليس بدريا أيضا، نعم ذكر ابن إسحاق في البدريين ثعلبة بن حاطب، وهو من بني أمية بن زيد، وهو عندي غير الذي قبله؛ لأن هذا ذكر ابن الكلبي أنه استُشهِد بأُحُد، وذاك عاش إلى خلافة عثمان. وحَكَى الواحدي أيضًا، وشيخه الثعلبي، والمهدوي: أنه حاطب بن أبي بلتعة. وتُعُقّب بأن حاطبا، وإن كان بدريا، لكنه من المهاجرين، لكن مستند ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم، من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى

стр. 230

يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥] قال: نزلت في الزبير بن العوام، وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في ماء ... الحديث، وإسناده قوي مع إرساله، فإن كان سعيد بن المسيب سمعه من الزبير، فيكون موصولًا، وعلى هذا فيُؤَوّل قوله: "من الأنصار" على إرادة المعنى الأعم، كما وقع ذلك في حق غير واحد، كعبد الله بن حُذَافة. وأما قول الكرماني بأن حاطبا كان حليفا للأنصار، ففيه نظر. وأما قوله: "من بني أمية بن زيد"، فلعله كان مسكنه هناك، كعمر بن الخطاب ﵁. وذكر الثعلبي بغير سند: أن الزبير وحاطبا لمّا خرجا مَرّا بالمقداد، قال. لمن كان القضاء؟ فقال حاطب: قَضَى لابن عمته، ولوى شِدْقه، فَفَطَنَ له يهودي، فقال: قاتل الله هؤلاء، يشهدون أنه رسول الله، ويتهمونه. وفي صحة هذ انظر. ويترشح بأن حاطبا كان حليفا لآل الزبير بن العوام، من بني أسد، وكأنه كان مجاورا للزبير. والله أعلم. وأما قول الداودي، وأبي إسحاق الزجاج، وغيرهما: إن خصم الزبير كان منافقا، فقد وجهه القرطبي بأن قول من قال: إنه كان من الأنصار، يعني نسبًا، لا دينًا، قال: وهذا هو الظاهر من حاله. ويحتمل أنه لم يكن منافقًا، ولكن أصدر ذلك منه بادرةُ نفس، وزلّة شيطان، كما قد اتّفق لحاطب بن أبي بَلْتعة، ولحسّان، ومِسْطَح، وحَمْنَة في قضيّة الإفك، وغيرهم ممن بدرت منهم بوادر شيطانيّة، وأهواء نفسانيّة، لكن لُطِف بهم حتى رجعوا عن الزلّة، وصحّت لهم التوبة، ولم يؤاخذوا بالْحَوْبة (١). وقَوَّى هذا شارح المصابيح التوربشتيُّ، وَوَهَّى ما عداه، وقال: لم تجر عادة السلف بوصف المنافقين بصفة النصرة التي هي المدح، ولو شاركهم في النسب، قال: بل هي زلة من الشيطان، تمكن به منها عند الغضب، وليس ذلك بمستنكر من غير المعصوم في تلك الحالة. انتهى. وقد قال الداودي بعد جزمه بأنه كان منافقًا: وقيل: كان بدريّا، فإن صح فقد

стр. 231

وقع ذلك قبل شهودها؛ لانتفاء النفاق عمن شهدها. انتهى. وقد عرفتَ أنه لا ملازمة بين صدور هذه القضية منه، وبين النفاق. وقال ابن التين: إن كان بدريا، فمعنى قوله: ﴿لَا يُؤمِنُونَ﴾ لا يستكملون الإيمان. انتهى (١). (خَاصَمَ الزُّبَيْرَ) وفي رواية معمر عند البخارىّ: "خاصم الزبيرُ رجلًا". والمخاصمة: مفاعلة من الجانبين، فكل منهما مخاصم للآخر. (عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ -في شِرَاجِ الحرَّةِ) "الشِّرَاج" -بكسر المعجمة، وبالجيم-: جمع شَرْج -بفتح أوله، وسكون الراء- مثل بَحْر وبِحَار ويجمع على شُرُوج أيضا. وحكى ابن دُريد شَرَج -بفتح الراء-. وحكى القرطبي شَرَجَة. والمراد بها هنا: مَسِيلُ الماء، وإنما أضيفت إلى الحرة؛ لكونها فيها. و"الحرّة": موضع معروف بالمدينة، وهي في خمسة مواضع، المشهور منها اثنتان: حَرّة واقم، وحَرّةُ ليلى. وقال الداوديّ: هو نهر عند الحرة بالمدينة، فأغرب، وليس بالمدينة نهر. قال أبو عبيد: كان بالمدينة واديان يسيلان بماء المطر، فيتنافس الناس فيه، فقضى رسول الله ﷺ للأعلى فالأعلى. (الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ) وفي رواية شعيب عند البخاريّ: "كانا يسقيان بها كلاهما". (فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ) أي للزبير (سَرِّحِ الماءَ) فعل أمر من التسريح: أي أطلقه. وقوله: (يَمُرُّ) جملة في محلّ نصب على الحال من "الماء"، أي حال كونه مارّا. وإنما قال له ذلك؛ لأن الماء كان يمرّ بأرض الزبير، قبل أرض الأنصاري، فيحبسه؛ لإكمال سقي أرضه، ثم يرسله إلى أرض جاره، فالتمس منه الأنصاري تعجيل ذلك (فَأبَى عَلَيْهِ) أي فامتنع الزبير من التسريح قبل إكمال سقي أرضه (فَاخْتَصَمَا عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ ) مشيرًا إلى الصلح، قبل القضاء (اسْقِ يَا زُبَيْرُ) بوصل الهمزة، وقطعها، يقال: سقاه، وأسقاه، قال الله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]،

стр. 232

وقال تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]. وزاد في رواية البخاريّ: "فأمره بالمعروف"، وهي جملة معترضة من كلام الراوي، وقد أوضحه شعيب في روايته، حيث قال في آخره: "وكان قد أشار على الزبير برأي، فيه سعة له وللأنصاري"، وضبطه الكرماني: "فأَمِرَّهُ" -بكسر الميم، وتشديد الراء- على أنه فعل أمر من الإمرار، وهو محتمل. (ثُمَّ أَرْسِلِ الماءَ إِلَى جَارِكَ، فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ) -بفتح همزة "أَنْ"- وهي للتعليل، كأنه قال: حكمت له بالتقديم؛ لأجل أنه ابن عمتك، أي لأن أم الزبير: هي صفية بنت عبد المطلب، عمّة النبيّ ﷺ . وقال البيضاوي: يُحذف حرف الجر من "أَنْ" كثيرًا" تخفيفًا، والتقدير: لأن كان، أو بأن كان، ونحوهُ: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤]: أي لا تطعه لأجل ذلك. وحكى القرطبي تبعا لعياض أن همزة "أن" ممدودة، قال: لأنه استفهام على جهة إنكار. قال الحافظ: ولم يقع لنا في الرواية مَدٌّ، لكن يجوز حذف همزة الاستفهام. وحكى الكرماني: "إِنْ كان" -بكسر الهمزة- على أنها شرطية، والجواب محذوف. قال الحافظ: ولا أعرف هذه الرواية، نعم وقع في رواية عبد الرحمن بن إسحاق: فقال: "اعدِل يا رسول الله، وإن كان ابن عمتك"، والظاهر "أَنْ" هذه بالكسر، و"ابْنَ" بالنصب على الخبرية، ووقع في رواية معمر عند البخاريّ: "أنه ابن عمتك". قال ابن مالك: يجوز في "أنه" -بفتح الهمزة، وكسرها-؛ لأنها وقعت بعد كلام تام، معلل بمضمون ما صُدِّر بها، فإذا كُسرت قدر ما قبلها الفاءُ، وإذا فتحت قُدّر ما قبلها اللامُ، وبعضهم يقدر بعد الكلام المصدر بالمكسورة، مثل ما قبلها مقرونا بالفاء، فيقول في قوله مثلا: اضربه إنه مسيِء: اضربه إنه مسيء، فاضربه، ومن شواهده: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢] ولم يُقرأ هنا إلا بالكسر، وإن جاز الفتح في العربية، وقد ثبت الوجهان في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] قرأ نافع، والكسائي: ﴿إِنَّهُ﴾ بالفتح، والباقون بالكسر. انتهى.

стр. 233

(فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ الله ﷺ ) أي تغير، وهو كناية عن الغضب، زاد عبد الرحمن بن إسحاق في روايته: "حتى عرفنا أن قد ساءه ما قال". والمعني أن وجهه ﷺ تغيّر من شدّة الغضب؛ لانتهاك حرمات النبوة، وقبح كلام هذا الإنسان. (ثُمَّ قَالَ) ﷺ (يَا زُبَيْرُ اسْقِ) بالضبطين المتقدّمين (ثُمَّ احْبِسِ الماءَ) بكسر الباء الموحّدة: أمر من الحبس: أي أمسكه (حَتَّى يَرْجعَ إِلَى الجدْر) أي يصير إليه. قال النوويّ رحمه الله تعالى: أما الجدر فبفتح الجيم وكسرها، وبالدال المهملة، وهو: الجدار، وجمع الجدار جُدُر ككتاب وكتب، وجمع الْجَدْر جُدُور، كفلس وفلوس. ومعنى يرجع التي الجدر: أي يصير اليه، والمراد بالجدر أصل الحائط. وقيل أصول الشجر، والصحيح الأول. وقدره العلماء أن يرتفع الماء في الأرض كلها حتى يبتل كعب رِجْلِ الإنسان، فلصاحب الأرض الأولى التي تلي الماء أن يحبس الماء في الأرض إلى هذا الحد، ثم يرسله إلى جاره الذي وراءه، وكان الزبير صاحب الأرض الأولى، فَأَدَلّ عليه رسول الله ﷺ ، وقال: "اسق، ثم أرسل الماء إلى جارك": أي اسق شيئا يسيرًا، دون قدر حقك، ثم أرسله إلى جارك؛ إدلالًا على الزبير، ولعلمه بأنه يرضى بذلك، ويؤثر الإحسان إلى جاره، فلما قال الجار ما قال، أمره أن يأخذ جميع حقه. انتهى (١). وقال في "الفتح": "الجدر" -بفتح الجيم، وسكون الدال المهملة- هو المُسَنّاة، وهو: ما وضع بين شَرَبَات النخل، كالجدار. وقيل: المراد الحواجز التي تَحْبِس الماء، وجزم به السهيلي. ويُروَى "الْجُدُر" بضم الدال، حكاه أبو موسى، وهو جمع جِدار. وقال ابن التين: ضُبِط في أكثر الروايات بفتح الدال، وفي بعضها بالسكون، وهو الذي في اللغة، وهو أصل الحائط. وقال القرطبي: لم يقع في الرواية إلا بالسكون، والمعنى أن يصل الماء إلى أصول النخل. قال: ويُروَى -بكسر الجيم-: وهو الجدار، والمراد به جُدران الشَّرَبَات التي في أصول النخل، فإنها تُرفَعُ، حتى تصير تشبه الجدار.

стр. 234

و"الشَّرَبَات"-بمعجمة، وفتحات: هي الْحُفَرُ التي تُحفَر في أصول النخل. وحكى الخطابي "الجذر" بسكون الذال المعجمة، وهو جذر الحساب، والمعنى حتى يبلغ تمام الشرب. قال الكرماني: المراد بقوله: "أمسك" أي أمسك نفسك عن السقي، ولو كان المراد أمسك الماء، لقال بعد ذلك: أرسل الماء إلى جارك. وتُعُقّب بأنه ثبت التصريح به في هذه الرواية، حيث قال: "احبس الماء"، وفي رواية معمر عند البخاريّ في "التفسير" قال: "ثم أرسل الماء إلى جارك". والحاصل أن أمره بإرسال الماء كان قبل اعتراض الأنصاري، وأمره بحبسه كان بعد ذلك. وقال في "المفهم": والمخاصمة: إنما كانت في السقي بالماء الذي يَسيل فيها، وكان الزبير يتقدّم شَرْبُهُ على شَرْب الأنصاريّ، فكان الزبير يُمسك الماء لحاجته، فطلب الأنصاريّ أن يُسرّحه له قبل استيفاء حاجته، فلما ترافعا إلى النبيّ ﷺ سلك النبيّ ﷺ معهما مسلك الصلح، فقال له: "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك: أي تساهل في سقيك، وعَجِّلْ في إرسال الماء إلى جارك، يَحُضُّه على المسامحة والتيسير، فلما سمع الأنصاريّ بهذا لم يَرْضَ بذلك، وغَضِبَ لأنه كان يُريد أن لا يُمسك الماء أصلًا، وعند ذلك نطق بالكلمة الجائرة المهلِكة الفاقرة، فقال: آن كان ابن عمّتك؟ بمدّ همزة "أن" المفتوحة، لأنه استفهام على جهة الإنكار: أي أتحكم له عليّ؛ لأجل أنه من قرابتك؟ وعند ذلك تلوّن وجه رسول الله ﷺ غضبًا، وتألمًا من كلمته، ثم إنه بعد ذلك حكم للزبير باستيفاء حقّه، فقال: "اسق يا زبير، ثم أمسك الماء حتى يرجع إلى الجدر". وفي غير هذه الرواية (١): "فاستوعى للزبير حقّه". انتهى (٢).

стр. 235

[تنبيه]: ذكر البخاريّ رحمه الله تعالى في "صحيحه" بعد سوقه الحديث من طريق ابن جريج، عن الزهريّ: ما نصّه: فقال لي ابن شهاب: فقدّرت الأنصار والناس قول النبيّ ﷺ : "اسق، ثم احبس حتى يرجع إلى الجدر، وكان ذلك إلى الكعبين". انتهى. قال في "الفتح": قوله: فقال لي ابن شهاب "القائل هو ابن جريج، راوي الحديث. وقوله: "وكان ذلك إلى الكعبين" يعني أنهم لمّا رأوا أن الجدر يختلف بالطول والقصر، قاسوا ما وقعت فيه القصّة، فوجدوه يبلغ الكعبين، فجعلوا ذلك معيارًا لاستحقاق الأول، فالأول. والمراد بالأول هنا من يكون مبدأ الماء من ناحيته. وقال بعض المتأخرين من الشافعيّة: المراد من لم يتقدمه أحد في الغِرَاس بطريق الإحياء، والذي يليه من أحيا بعده، وهَلُمِّ جّرّا. قال: وظاهر الخبر أن الأول من يكون أقرب إلى مجرى الماء، وليس هو المرادَ. وقال ابن التين: الجمهور على أن الحكم أن يُمْسك إلى الكعبين، وخصه ابن كنانة بالنخل والشجر، قال: وأما الزروع فإلى الشِّرَاك. وقال الطبري: الأراضي مختلفة، فيمسك لكل أرض ما يكفيها؛ لأن الذي في قصة الزبير واقعة عين. واختلف أصحاب مالك، هل يرسل الأول بعد استيفائه جميع الماء، أو يرسل منه ما زاد على الكعبين، والأول أظهر. ومحله إذا لم يبق له به حاجة. والله أعلم. وقد وقع في مرسل عبد الله بن أبي بكر في "الموطإ": "أن رسول الله ﷺ قضى في مسيل مَهْزور، ومُّذَينب أن يمسك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل". و"مهزور" -بفتح أوله، وسكون الهاء، وضم الزاي، وسكون الواو، بعدها راء. و"مُذينب" -بذال معجمة، ونون بالتصغير-: واديان معروفان بالمدينة وله إسناد موصول في غرائب مالك للدارقطني، من حديث عائشة، وصححه الحاكم، وأخرجه أبو داود، وابن ماجه والطبري من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وإسناد كل منهما حسن. وأخرج عبد، الرزاق هذا الحديث المرسل، بإسناد آخر

стр. 236

موصول، ثم رَوَى عن معمر، عن الزهري قال: نظرنا في قوله: "احبس الماء حتى يبلغ الجدر"، فكان ذلك إلى الكعبين. انتهى. وقد رَوَى البيهقي من رواية ابن المبارك، عن معمر قال: سمعت غير الزهري يقول: نظروا في قوله: "حتى يرجع إلى الجدر"، فكان ذلك إلى الكعبين، وكأن معمرا سمع ذلك من ابن جريج، فأرسله في رواية عبد الرزاق، وقد بين ابن جريج أنه سمعه من الزهري. ووقع في راوية عبد الرحمن بن إسحاق: احبس الماء إلى الجدر، أو إلى الكعبين"، وهو شك منه، والصواب ما رواه ابن جريج. وذكر الشاشي من الشافعية أن معنى قوله: "إلى الجدر": أي إلى الكعبين، وكأنه أشار إلى هذا التقدير، وإلا فليس الجدر مرادفا للكعب. انتهى (١). (قَالَ) عبد الله بن الزبير ﵄ (فَقَالَ الزُّبَيْرُ) رضي الله تعالى عنه (وَاللهِ إِنِّي لَأَحْسِبُ هَذهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ) قال في "الفتح": ووقع في رواية ابن جريج: "فقال الزبير: والله إن هذه الآية أنزلت في ذلك"، وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق: "ونزلت: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ الآية [النساء: ٦٥]. والراجح رواية الأكثر، وأن الزبير كان لا يجزم بذلك لكن. وقع في رواية أم سلمة عند الطبري، والطبراني، الجزم بذلك، وأنها نزلت في قصة الزبير وخصمه، وكذا في مرسل سعيد بن المسيب، الذي تقدمت الإشارة إليه. وجزم مجاهد، والشعبي بأن الآية إنما نزلت فيمن نزلت فيه الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ الآية [النساء: ٦٠]. فرَوَى إسحاق ابن راهويه في "تفسيره" بإسناد صحيح، عن الشعبي قال: كان بين رجل من اليهود، ورجل من المنافقين خصومة، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي ﷺ لأنه على علم أنه لا يقبل الرشوة، ودعا المنافق اليهودي إلى حُكّامهم؛ لأنه علم أنهم يأخذونها، فأنزل الله هذه الآيات، إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا

стр. 237

تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد نحوه. وروى الطبري بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن حاكم اليهود يومئذ كان أبا برزة الأسلميّ قبل أن يُسْلِم، ويَصْحَبَ. ورَوَى بإسناد آخر صحيح إلى مجاهد: أنه كعب بن الأشرف. وقد رَوَى الكلبي في "تفسيره" عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية، في رجل من المنافقين، كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف، فذكر القصة، وفيه: أن عمر قتل المنافق، وأن ذلك سبب نزول هذه الآيات، وتَسميةِ عمر الفاروقَ، وهذا الإسناد، وإن كان ضعيفا، لكن تقوى بطريق مجاهد، ولا يضره الاختلاف، لإمكان التعدد. وأفاد الواحدي بإسناد صحيح، عن سعيد، عن قتادة، أن اسم الأنصاري المذكور قيس. ورجح الطبري في "تفسيره" وعزاه إلى أهل التأويل في "تهذيبه" أن سبب نزولها هذه القصة؛ ليتسق نظام الآيات كلها في سبب واحد، قال: ولم يَعرِض بينها ما يقتضي خلاف ذلك، ثم قال: ولا مانع أن تكون قصة الزبير وخصمه وقعت في أثناء ذلك، فيتناولها عموم الآية (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الطبريّ رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا؛ جمعًا بين الآثار المذكورة، وإلا فما في "الصحيح" أصحّ. والله تعالى أعلم. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في "تفسيره": يُقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدّسة أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكِّمَ الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به، فهو الحقّ الذي يجب الإنقياد له باطنًا وظاهرًا، ولهذا قال ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] أي إذا حكّموك يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حَرَجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيُسلّمون لذلك تسليمًا كليًّا من غير

стр. 238

ممانعة، ولا مدافعة، ولا منازعة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا بهذا السند فقط، و (البخاريّ) في "الشِّرْب" عن عبد الله ابن يوسف، عن الليث، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، أن عبد الله بن الزبير حدّثه الخ. و (مسلم) في "فضائل النبي ﷺ عن قتيبة، ومحمد بن رُمح، كلاهما عن الليث به. و (أبو داود) في "القضايا" عن أبي الوليد الطيالسيّ، عن الليث به. و (الترمذيّ) في "الأحكام"، و"التفسير"عن قتيبة"، عن الليث به، و (النسائيّ) في "القضاء" و"التفسير" عن قتيبة به، و (أحمد) (٤/ ٤) عن هاشم بن القاسم، عن الليث به و (عبد ابن حميد) (٥١٩) عن أبي الوليد، عن الليث به. و "الطبريّ" في "تفسيره" ٩٩١٢ و ٩٩١٣. و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٤) و (الحاكم) ٣/ ٣٦٤. و (البيهقيّ) (٦/ ١٥٣ و ١٠/ ١٠٦) و"البغويّ) في "شرح السنّة" (٢١٩٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو تعظيم حديث رسول الله ﷺ ، والتغليظ على من عارضه. ٢ - (ومنها): أن للحاكم أن يشير بالصلح بين الخصمين، ويأمر به، ويرشد إليه، ولا يُلزِمه به إلا إذا رضي، وأن الحاكم يستوفي لصاحب الحق حقه، إذا لم يتراضيا، وأن يحكم بالحق لمن توجه له، ولو لم يسأله صاحب الحق.

стр. 239

٣ - (ومنها): أن الأولى بالماء الجاري هو الأول، فالأول حتى يستوفي حاجته. قال القرطبيّ: وهذا ما لم يكن أصله ملكًا للأسفل، مختصّا به، فليس للأعلى أن يشرب منه شيئًا، وإن كان يمرّ عليه. ٤ - (ومنها): أن من سبق إلى شيء من مياه الأودية والسيول التي لا تُملَك، فهو أحق به، لكن ليس له إذا استغنى أن يَحبِس الماء عن الذي يليه. ٥ - (ومنها): الصفح والعفو عن جفاء الخصوم، ما لم يؤدّ إلى هتك حرمة الشرع، والاستهانة بأحكامه، فإن أدّى إلى ذلك أُدّب المرتكب، وهذا هو الذي صدر من خصم الزبير، فقد آذى النبيّ ﷺ ، ولكنه لم يقتله؛ لعظيم حلمه، وكريم صفحه؛ امتثالًا لأمر الله له بقوله: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]، وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، ولئلا يكون قتله منفّرًا لغيره عن الدخول في دين الإسلام. قال القرطبي رحمه الله تعالى في "المفهم": فلو صدر اليوم مثل هذا من أحد في حقّ النبيّ ﷺ لقُتل قِتْلَةَ زنديق. انتهى (١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرح مسلم": قال العلماء: فلو صدر مثل هذا الكلام الذي تكلم به الأنصاري اليوم من إنسان، من نسبته ﷺ إلى هوى، كان كفرًا، وجرت على قائله أحكام المرتدين، فيجب قتله بشرطه، قالوا: وإنما تركه النبي ﷺ ، لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس، ويَدْفَع بالتي هي أحسن، ويصبر على أذى المنافقين، ومن في قلبه مرض، ويقول: يَسِّرُوا ولا تُعَسِّروا، وبَشِّروا ولا تنفروا"، ويقول: "لا يتحدث الناس أن محمدا ﷺ يقتل أصحابه"، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣]. انتهى (٢).

стр. 240

٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ: أن فيه الاكتفاء من الخصوم بما يُفهم عنه مقصودهم، وأن لا يكلّفوا النصّ على الدعاوي، ولا تحديد المدّعى فيه، ولا حصره بجميع صفاته، كما قد تنطّع في ذلك قُضاة الشافعيّة. انتهى (١). ٧ - (ومنها): أن القدر الذي يستحقّ الأعلى من الماء كفايته، وغاية ذلك أن يبلُغ الماء إلى الجدر، وقد سبق أن العلماء قدّروه بأن يرتفع الماء في الأرض كلّها، حتى يبتلّ كعب الإنسان. ٨ - (ومنها): ما حكاه الخطابي أن فيه دليلا على جواز فسخ الحاكم حكمه، قال: لأنه كان له في الأصل أن يحكم بأي الأمرين شاء، فقدم الأسهل إيثارًا لحسن الجوار، فلما جَهِلَ الخصم موضع حقه، رجع عن حكمه الأول، وحكم بالثاني؛ ليكون ذلك أبلغ في زجره. وتُعُقّب بأنه لم يثبت الحكم أوّلا كما تقدم بيانه. قال: وقيل: بل الحكم كان ما أَمَرَ به أوّلا، فلما لم يقبل الخصم ذلك عاقبه بما حَكَم عليه به ثانيًا على ما بدر منه، وكان ذلك لما كانت العقوبة بالأموال انتهى. وقد وافق ابن الصباغ من الشافعية على هذا الأخير. وفيه نظر، وسياق طُرُق الحديث يأبى ذلك، كما ترى لا سيما قوله: "واستَوْعَى للزبير حقه، في صريح الحكم"، فمجموع الطُّرُق دال على أنه أَمَرَ الزبير أوّلا أن يترك بعض حقه، وثانيا أن يستوفي جميع حقه. قاله في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ المذكور أول الكتاب قال: ١٦ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ الله، أَنْ يُصَلِّينَ

стр. 241

في المُسْجِدِ"، فَقَالَ ابْن لَهُ: إِنَّا لنَمْنَعُهُنَّ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، تَقُولُ: إِنَّا لنَمْنَعُهُنَّ". رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد يحيى) بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذُّهْليّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقة حافظٌ جليلٌ إمام [١١]. رَوَى عن عبد الرحمن بن مهدي، وبشر بن عمر الزهراني، ومحمد بن بكر البرساني، ووهب بن جرير بن حازم، وأزهر بن سعد السمان، وعبد الرزاق، وخلق كثير. ورَوَى عنه الجماعة، سوى مسلم، ولم يصرح البخاري به، بل يقول تارة: ثنا محمد، وتارة: ثنا محمد بن عبد الله، وتارة: محمد بن خالد، ولم يقل في موضع: ثنا محمد ابن يحيى، وابنه يحيى بن محمد بن يحيى، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، وخلق كثير. قال محمد بن سهل بن عسكر: كنا عند أحمد بن حنبل، فدخل الذهلي، فقام إليه أحمد، فتعجب الناس منه، ثم قال لبنيه وأصحابه: اذهبوا إلى أبي عبد الله، واكتبوا عنه، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: محمد بن يحيى إمام زمانه، قال: وكتب عنه أبي بالري، وهو ثقة صدوق، إمام من أئمة المسلمين، سئل أبي عنه؟ فقال: ثقة. وقال النسائي: ثقة مأمون. وقال ابن أبي داود: حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري، وكان أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن عقدة، عن ابن خِراش: كان محمد بن يحيى من أئمة العلم. وقال الخطيب: كان أحد الأئمة العارفين، والحفاظ المتقنين، والثقات المأمونين، صنَّفَ حديث الزهري، وجَوَّده، وقال النسائي في "مشيخته": ثقة ثبت أحد الأئمة في الحديث. وقال ابن خزيمة: ثنا محمد بن يحيى الذهلي، إمام أهل عصره بلا مدافعة، وقال الذهلي: قال لي علي بن المديني: أنت وارث الزهري. وقال ابن قانع: مات سنة اثنتين، وقيل: سنة ست وخمسين ومائتين. وقال أبو بكر بن زياد: مات سنة سبع. وقال أبو حامد بن الشرقي، وأبو عبد الله بن الأخرم، وغير واحد: مات سنة ثمان وخمسين ومائتين. قال الخطيب: وهو الصواب، وبلغني أن

стр. 242

وفاته في أحد الربيعين منها، وبلغ ستا وثمانين سنة. روى عنه الجماعة، سوى مسلم، وله في هذا الكتاب (٢١٨) حديثًا. ٢ - (عبد الرزّاق) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظٌ مصنّف شهير، عَمِي في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩]. رَوَى عن أبيه، وعمه وهب، ومعمر، وعبيد الله بن عمر العمري، وأخيه عبد الله ابن عمر العمري، وأيمن بن نابل، وعكرمة بن عمار، وابن جريج، والأوزاعي، ومالك، والسفيانين، وخلق كثير. ورَوَى عنه ابن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وهما من شيوخه، ووكيع، وأبو أسامة، وهما من أقرانه، وأحمد، وإسحاق، وعلي، ويحيى، وأبو خيثمة، وأحمد بن صالح، وإبراهيم بن موسى، وعبد الله بن محمد المسندي، وخلق كثير. قال الأثرم: سمعت أحمد يُسأل عن حديث: "النارُ جُبَارٌ"، فقالا: ومن يحدث به عن عبد الرزاق؟ قلت: حدثني أحمد بن شبويه، قال: هؤلاء سمعوا بعدما عَمِيَ، كان يُلَقِّن، فَلُقِّنَهُ، وليس هو في كتبه، كان يلقنها بعد ما عَمِي. وقال حنبل بن إسحاق عن أحمد: نحو ذلك، وزاد من سمع من الكتب فهو أصح. وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأحمد: من أثبت في ابن جريج، عبد الرزاق أو البرساني؟ قال: عبد الرزاق. وقال أيضا: أخبرني أحمد، أنا عبد الرزاق قبل المائتين، وهو صحيح البصر، ومن سمع منه بعدما ذهب بصره، فهو ضعيف السماع. وقال عباس الدُّوري عن ابن معين: كان عبد الرزاق أثبت في حديث معمر، من هشام بن يوسف، وكان هشام في ابن جريج، أقرأ للكتب. وقال يعقوب بن شيبة عن علي بن المديني: قال لي هشام بن يوسف: وكان محمد الرزاق أعلمنا وأحفظنا. "قال يعقوب: وكلاهما ثقة ثبت. وقال الحسن بن جرير الصوري، عن علي بن هاشم، عن عبد الرزاق: كتبت عن ثلاثة، لا أبالي أن لا أكتب عن غيرهم، كتبت عن ابن الشاذكوني، وهو من أحفظ الناس، وكتبت عن يحيى بن معين، وهو من أعرف الناس بالرجال، وكتبت عن أحمد بن حنبل، وهو من أثبت الناس. وقال جعفر

стр. 243

الطيالسي: سمعت ابن معين، قال: سمعت من عبد الرزاق كلاما، استدللت به على ما ذُكر عنه من المذهب، فقلت له: إن أستأذيك الذين أخذت عنهم ثقات، كلهم أصحاب سنة: معمر، ومالك، وابن جريج، والثوري، والأوزاعي، فعمن أخذت هذا المذهب؟ قال: قدم علينا جعفر بن سليمان، فرأيته فاضلًا، حسن الهدي، فأخذت هذا عنه. وقال محمد بن أبي بكر المُقَدَّميّ: وجدت عبد الرزاق ما أفسد جعفرا غيره، يعني في التشيع. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين، وقيل له: قال أحمد إن عبيد الله بن موسى يُرَدّ حديثه للتشيع، فقال: كان عبد الرزاق -والله الذي لا إله إلا هو- أغلى في ذلك منه مائة ضعف، ولقاء سمعت من عبد الرزاق إضعاف ما سمعت من عبيد الله. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي، هل كان عبد الرزاق يتشيع ويُفرط في التشيع؟ فقال: أما أنا فلم أسمع منه في هذا شيئا. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت سلمة بن شبيب يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: والله ما انشرح صدري قط أن أفضل عليا على أبي بكر وعمر، رحم الله أبا بكر وعمر وعثمان، من لم يحبهم فما هو مؤمن، وقال: أوثق أعمالي حبي إياهم. وقال أبو الأزهر: سمعت عبد الرزاق يقول: أفضل الشيخين بتفضيل علي إياهما على نفسه، ولو لم يفضلهما ما فضلتهما، كَفَى بي ازدراءً أن أحب عليا، ثم أخالف قوله. وقال النسائي: فيه نظر لمن كتب عنه بآخره، كتب عنه أحاديث مناكير. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يُحتج به. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ممن يخطىء إذا حدث من حفظه، على تشيع فيه، وكان ممن جَمَع، وصَنّف، وحفظ، وذاكر. وقال الآجري عن أبي داود: الفريابي أحب إلينا منه، وعبد الرزاق ثقة. وقال أبو داود: سمعت الحسن بن علي الحلواني يقول: سمعت عبد الرزاق، وسئل أتزعم عليا كان على الهدى في حروبه؟ قال: لا ها الله، إذًا يزعم على أنها فتنة، وأتقلدها له هذا. قال أبو داود: وكان عبد الرزاق يُعَرِّض بمعاوية. وقال محمد بن إسماعيل الفزاري: بلغني ونحن بصنعاء، أن أحمد ويحيى تركا حديث عبد الرزاق، فدخلنا غَمٌّ شديدٌ، فوافيت ابن معين في الموسم، فذكرت له، فقال: يا أبا صالح لو ارتد عبد الرزاق ما تركنا

стр. 244

حديثه. ورُوي عن عبد الرزاق أنه قال: حججت فمكثت ثلاثة أيام، لا يجيئني أصحاب الحديث، فتعلقت بالكعبة، وقلت: يا رب مالي، أكذاب أنا، أمدلس أنا؟ فرجعت إلى البيت، فجاؤوني. وقال العجلي: ثقة يتشيع، وكذا قال البزار. وقال الذهلي: كان عبد الرزاق أيقظهم في الحديث، وكان يحفظ. وقال إبراهيم بن عباد الدَّبَريّ: كان عبد الرزاق يحفظ نحوا من سبع عشرة ألف حديث. وقال ابن عدي: ولعبد الرزاق أصنافٌ وحديث كثير، وقد رحل إليه ثقات المسلمين وأئمتهم، وكتبوا عنه، إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وقد روى أحاديث في الفضائل، لم يتابع عليها، فهذا أعظم ما ذَمُّوه من روايته لهذه الأحاديث، ولما رواه في مثالب غيرهم، وأما في باب الصدق، فأرجو أنه لا بأس به. قال أحمد وغيره: مولده سنة ست وعشرين ومائة. وقال البخاري وغير واحد: مات سنة إحدى عشرة ومائتين، زاد ابن سعد في شوال. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٦) حديثًا. ٣ - (معمر) بن راشد الأزديّ الحُدّانيّ مولاهم، أبو عُروة بن أبي عمرو البصريّ، نزيل اليمن، شَهِدَ جنازة الحسن البصري، ثقة ثبت فاضل، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدّث به بالبصرة، من كبار [٧]. رَوَى عن ثابت البناني، وقتادة، والزهري، وعاصم الأحول، وأيوب، والجعد أبي عثمان، وزيد بن أسلم، وصالح بن كيسان، وعبد الله بن طاوس، وجعفر بن بُرْقان، والحكم بن أبان، وخلق كثير. ورَوَى عنه شيخه يحيى بن أبي كثير، وأبو إسحاق السبيعي، وأيوب، وعمرو بن دينار، وهم من شيوخه، وسعيد بن أبي عروبة، وأبان العطار، وابن جريج، وعمران القطان، وهشام الدستوائي، وعبد الرزّاق، وخلق كثير. قال عبد الرزاق عن معمر: طلبت العلم سنة مات الحسن، وعنه قال: جلست إلي قتادة، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فما سمعت منه حديثا إلا كأنه يُنقش في صدري،

стр. 245

وعَدّه علي بن المديني، وأبو حاتم فيمن دار الإسناد عليهم. وقال الميموني عن أحمد: ما نَضُمّ أحدا إلى معمر إلا وجدت معمرا يتقدمه في الطلب، كان من أطلب أهل زمانه للعلم، وكذا قال أبو طالب، والفضل بن زياد عن أحمد نحوه. وقال الدُّوري عن ابن معين: أثبت الناس في الزهري مالك، ومعمر، ثم عَدَّ جماعة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: معمر أثبت في الزهري من ابن عيينة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: معمر أحب إليك في الزهري أو ابن عيينة، أو صالح بن كيسان، أو يونس؟ فقال: في كل ذلك معمر. وقال الغلابي: سمعت ابن معين يُقَدِّم مالك بن أنس على أصحاب الزهري، ثم معمرا، قال: ومعمر عن ثابت ضعيف. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة. وقال عمرو بن علي: كان من أصدق الناس. وقال العجلي: بصري سكن اليمن ثقة، رجل صالح. قال: ولما دخل صنعاء كرهوا أن يخرج من بين أظهرهم، فقال لهم رجل: قيدوه، فزوجوه. وقال أبو حاتم: ما حدث معمر بالبصرة فيه أغاليط، وهو صالح الحديث. وقال يعقوب بن شيبة: معمر ثقة، وصالح ثبتٌ عن الزهري. وقال النسائي: ثقة مأمون. وقال أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق، عن ابن جريج: عليكم بهذا الرجل، فإنه لم يبق أحد من أهل زمانه أعلم منه، يعني معمرا. وقال ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل اليمن: كان معمر رجلا له قَدْرٌ ونُبْلٌ في نفسه، ولمّا خرج إلى اليمن شيعه أيوب حدثنا عبد الرحمن بن يونس، سمعت ابن عيينة يَسأل عبد الرزاق، فقال: أخبرني عما يقول الناس في معمر: إنه فُقِد، ما عندكم فيه؟ فقال: مات معمر عندنا، وحضرنا موته، وخلف على امرأته قاضينا مُطَرِّف بن مازن. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: إذا حدثك معمر عن العراقيين، فخالفه إلا عن الزهري، وابن طاوس، فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة، وأهل البصرة فلا، وما عمل في حديث الأعمش شيئًا، قال يحيى: وحديث معمر عن ثابت، وعاصم بن أبي النجود، وهشام بن عروة، وهذا الضرب مضطرب، كثير الأوهام. وقال الخليليّ: أثنى عليه الشافعي، ورَوَى ابن المبارك في "الرقاق" عن معمر، عن سعيد المقبري حديثًا، فقال

стр. 246

الحاكم: صحيح إن كان معمر سمع من سعيد. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان، فقيها حافظا متقنا ورعا، مات في رمضان سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين ومائة. قال الواقدي وجماعة: مات سنة ثلاث. وقال أحمد، ويحيى، وعلي، مات سنة أربع، زاد أحمد: وهو ابن ثمان وخمسين. وقال الطبراني: كان معه بن راشد، وسَلْمَ بن أبي الذَّيّال فُقِدا، فلم يُرَ لهما أثر. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧١) حديثًا. ٤ - (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحافط الثبت الحجة، رأس الطبقة [٤] تقدّم ٢/ ٤. ٥ - (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، ثقة ثبت عابد فاضلٌ، كان يُشبّه بأبيه في الهدي والسَّمْت، من كبار [٣]. رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، وأبي رافع، وأبي أيوب، وعن زيد بن الخطاب (١)، وأبي لبابة على خلاف فيه، وغيرهم. وروى عنه أبنه أبو بكر، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، والزهري، وصالح بن كيسان، وحنظلة بن أبي سفيان، وعبيد الله بن عمر بن حفص، وغيرهم. قال ابن المسيب: كَان عبد الله أشبه ولد عمر به، وكان سالم أشبه ولد عبد الله به. وقال مالك: لم يكن أحد في زمان سالم بن عبد الله أشبه من مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش منه. وقال الأصمعي عن ابن أبي الزناد كان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد، حتى نشأ فيهم القراء السادة: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، ففاقوا أهل المدينة علمًا وتُقًى وعبادة وورعًا، فَرَغِبَ الناس حينئذ في السراري. وقال علي بن الحسن العسقلاني عن ابن

стр. 247

المبارك: كان فقهاء أهل المدينة سبعة، فذكره فيهم، قال: وكانوا إذا جاءتهم المسألة دخلوا فيها جميعًا، فنظروا فيها، ولا يقضي القاضي حتى يرفع إليهم، فينظرون فيها، فيَصْدُرون. وقال مالك: كان ابن عمر يخرج إلى السوق فيشتري، وكان سالم دهره يشتري في الأسواق، وكان من أفضل زمانه. وقال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، أصح الأسانيد: الزهري، عن سالم، عن أبيه. وقال الدُّوري عن ابن معين: سالم، والقاسم، حديثهما قريب من السواء، وسعيد بن المسيب قريب منهما، وإبراهيم أعجب إلي مرسلًا منهم. وقال البخاري: لم يسمع من عائشة. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، عاليا من الرجال. وقال ابن حبان في "الثقات": كان يشبه أباه في السَّمْت والْهَدْي. وقال البخاري في "التاريخ الصغير": لا أدري سالم عن أبي رافع صحيح أم لا؟. وقال غيره: لمّا قَدِمَ سبي فارس على عمر، كان فيه بنات يَزدَجْردَ، فقُوِّمن، فأخذهن علي، فأعطى واحدة لابن عمر، فولدت له سالمًا، وأعطى أختها لولده الحسين، فولدت له عليًّا، وأعطى أختها لمحمد ابن أبي بكر، فولدت له القاسم. وقال أبو نعيم وجماعة: مات سنة ست ومائة، في ذي القعدة، أو ذي الحجة. وقال خليفة: سنة (٧)، وقال الهيثم بن عدي: سنة (٨)، وقال الأصمعي: سنة (٥)، والأول أصح أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٤) حديثًا. ٦ - (ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، تقدّم ١/ ٤ والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها). أن رجاله كلهم رجال الجماعة إلا شيخه، فما أخرج له مسلم. ٣ - (ومنها). أنه مسلسل بالمدنيين من ابن شهاب، وشيخه نيسابوريّ، والباقيان يمنيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ.

стр. 248

٥ - (ومنها): أن فيه سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ٦ - (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، وهو من المشهورين بالفتوى. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا) ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها (تَمْنَعُوا إِمَاءَ الله) بكسر الهمزة: جمع أمة. قال في "المصباح": "الأمة": محذوفة اللام، وهي واو، والأصل: أَمَوَةٌ، ولهذا تردّ في التصغير، فيقال: أُميّةٌ، والأصل أُمَيْوَةٌ، وبالمصغّر سُمّي الرجل، والتثنية أَمَتَان على لغة المفرد، والجمعُ: آمٍ وِزَانُ قاضٍ، وإِمَاءٌ وِزَان كِتَابٍ، وإمْوَانٌ وِزانُ إِسْلام. وقد تُجمع على أَمَوَاتٍ، مثلُ سَنَوَاتٍ. انتهى (١). والتعبير بإماء الله أوقع في النفس من التعبير بالنساء، إذ فيه مناسبة تقتضي الإباحة، حيث عُلّق الحكم على الوصف المناسب، كأنه قيل: لا تمنعوا هؤلاء المملوكات عن بيوت مالكهنّ. أفاده بعض المحقّقين (٢). (أَنْ يُصَلِّينَ في المسْجِدِ) "أن" بفتح الهمزة، وتخفيف النون مصدريّة، والفعل في تأويل المصدر مفعول ثان لمنع؛ لأنه يتعدّى بنفسه إلى مفعولين، يقال: منعته الأمرَ، ويتعدّى أيضًا إلى الثاني بـ "من"، فيقال: منعته من الأمر. قال في "المصباح": منعه الأمرَ، ومن الأمر مَنْعًا، فهو ممنوع منه: محروم. انتهى (فَقَالَ ابْنٌ لَهُ) أي لابن عمر رضي الله تعالى عنهما، واختَلفت الروايات في تسمية ابنه هذا، ففي رواية لمسلم تسميته بلالا، فقد أخرجه من طريق كعب بن علقمة، عن بلال بن عبد الله بن عمر، عن أبيه بلفظ: "لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد، إذا استأذنّكم، فقال بلال. والله لنمنعهن ... " الحديث. وللطبراني من طريق عبد الله بن هُبيرة، عن بلال بن عبد الله نحوه، وفيه:

стр. 249

"فقلت: أما أنا فسأمنع أهلي، فمن شاء فلْيُسَرِّح أهله". وفي رواية يونس، عن ابن شهاب الزهري، عن سالم، في هذا الحديث قال: فقال بلال بن عبد الله: "والله لنمنعهن"، ومثله في رواية عُقَيل عند أحمد، وعنده في رواية شعبة، عن الأعمش فقال سالم، أو بعض بنيه: "والله لا ندعهن يتخذنه دَغَلًا ... " الحديث. وفي رواية لمسلم من طريق عمرو بن دينار، عن مجاهد: فقال له ابن له، يقال له: واقد: إذًا يَتَّخِذنه دَغَلًا، قال: فضرب في صدره، وقال أحدثك عن رسول الله ﷺ ، وتقول: لا. قال الحافظ رحمه الله تعالى: والراجح من هذا أن صاحب القصة بلال؛ لورود ذلك من روايته نفسه، ومن رواية أخيه سالم، ولم يُختلف عليهما في ذلك، وأما هذه الرواية الأخيرة فمرجوحة؛ لوقوع الشك فيها، ولم أره مع ذلك في شيء من الروايات عن الأعمش مسمى، ولا عن شيخه مجاهد، فقد أخرجه أحمد من رواية إبراهيم بن مهاجر، وابن أبي نجيح، وليث بن أبي سُليم، كلهم عن مجاهد، ولم يسمه أحد منهم، فإن كانت رواية عمرو بن دينار، عن مجاهد محفوظة في تسميته واقدًا، فيحتمل أن يكون كل من بلال وواقد وقع منه ذلك، إما في مجلس، أو في مجلسين، وأجاب ابن عمر كلا منهما بجواب يليق به. ويقويه اختلاف النَّقَلَة في جواب ابن عمر، ففي رواية بلال عند مسلم: "فأقبل عليه عبد الله، فسبه سبا سيئا، ما سمعته يسبه مثله قط"، وفسر عبد الله ابن هُبيرة في رواية الطبراني السب المذكور باللعن ثلاث مرات. وفي رواية زائدة، عن الأعمش: "فانتهره، وقال: أُفّ لك"، وله عن ابن نمير، عن الأعمش: "فعل الله بك، وفعل"، ومثله للترمذي من رواية عيسى بن يونس. ولمسلم من رواية أبي معاوية: "فزبره". ولأبي داود من رواية جرير: "فسبّه، وغضب". فيحتمل أن يكون بلال البادئ، فلذلك أجابه بالسب المفسر باللعن، وأن يكون واقد بدأه فلذلك أجابه بالسب المفسر بالتأفيف، مع الدفع في صدره، وكأن السر في ذلك أن بلالا عارض الخبر برأيه، ولم يذكر علة الخالفة، ووافقه واقد، لكن ذكرها بقوله: "يتخذنه دَغَلًا"، وهو -بفتح المهملة، ثم المعجمة- وأصله الشجر الملْتَفّ، ثم

стр. 250

استعمل في المخادعة؛ لكون المخادع يَلُفّ في ضميره أمرا، ويظهر غيره، وكأنه قال ذلك لا رأى من فساد بعض النساء في ذلك الوقت، وحملته على ذلك الغيرة، وإنما أنكر عليه ابن عمر لتصريحه بمخالفة الحديث، هالا فلو قال مثلا: إن الزمان قد تغير، وإن بعضهن ربما ظهر منه قصد المسجد وإضمار غيره، لكان يظهر أن لا ينكر عليه. (إِنَّا لنَمْنَعُهُنِّ) أي نمنع النساء حضور المساجد (فَغَضِبَ) ابن عمر رضي الله تعالى عنهما على ابنه هذا (غَضَبًا شَدِيدًا) لمعارضته السنّة، كما بيّنه بقوله (وَقَالَ) أي اين عمر (أُحَدِّثُكَ عَن رَسُولِ الله ﷺ ، وتَقُولُ: إِنَّا لنَمْنَعُهُنَّ) معارضًا للنصّ، وفي رواية لأحمد بن طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "فما كلّمه عبد الله حتى مات" .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا من طريق سالم، عنه، و (الشافعي) (١/ ١٢٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّقه" (٥١٠٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٦١٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" ٢/ ٣٨٣، و (أحمد) في "مسنده" ٢/ ٧ و ٩ و ٥٧ و١٤٠ و ١٤٣ و١٥١ و ١٥٦ و (الدارمي) في "سننه" (٤٤٨)، و (البخاريّ) ١/ ٢١٩ و ٢٢٠ و ٧/ ٤٩ و (مسلم) ٢/ ٣٢ و (النسائي) ٢/ ٤٢ و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٧٧) و (أبو عوانة) ٢/ ٥٦ و ٥٧ و (البيهقيّ) في "الكبرى"٣/ ١٣٢ و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٦٢). وأخرجه من طريق نافع، عنه (أحمد) ٢/ ١٦/ و ٣٦ و٤٥ و١٥١، و (البخاريّ) ٢/ ٧ و (مسلم) ٢/ ٣٣ و (أبو داود) (٥٦٨)، و (ابن خزيمة) (١٦٧٨) و (أبو عوانة) ٢/ ٥٩، و (ابن حبان) (٢٢٠٨) و (٢٢٠٩). وأخرجه من طريق مجاهد، عنه (عبد الرزاق) (٥١٠٨) و (الطيالسيّ) (١٨٩٢)،
следующие страницы →