فيقول: من يدعوني، فأستجيب له، من يسألني، فأعطيه من يستغفرني، فأغفر له"، فهذا قول وفعل في وقت معين، وقد اتفق السلف على أن النزول فعل يفعله الرب، كما قال ذلك الأوزاعيّ، وحماد بن زيد، والفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وغيرهم.
وأيضًا فقد قال: لله أشد أَذَنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته".
وفى الحديث الصحيح الآخر: ما أذن الله لشيء كأَذَنه لنبيّ حسن الصوت، يتغنى بالقرآن يجهر به أَذِنَ يَأْذَنُ أَذنًا: أي استمع يستمع استماعًا، ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢]، فأخبر أنه يستمع إلى هذا وهذا.
وفي "الصحيح": "لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل، حتى أُحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها"، فأخبر أنه لا يزال يتقرب بالنوافل بعد الفرائض.
في "الصحيحين" عنه ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى قال: "قال الله: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذ ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم"، وحرف "إن" حرف الشرط والجزاء يكون بعد الشرط، فهذا يبين أنه يذكر العبد إن ذكره في نفسه، كان ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير منهم، والمنازع يقول: ما زال يذكره أزلًا وأبدًا، ثم يقول: ذكره وذكر غيره، وسائر ما يتكلم الله به هو شيء واحد، لا يتبعض ولا يتعدد، فحقيقة قوله: إن الله لم يتكلم، ولا يتكلم، ولا يذكر أحدًا.
وفي "صحيح مسلم" في حديث تعليم الصلاة: "وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، يسمع الله لكم، فإن الله قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده"، فقوله: "سمع الله لمن حمده"؛ لأن الجزاء بعد الشرط، فقوله: "يسمع الله لكم" مجزوم، حُرِّك لالتقاء الساكنين، وهذا يقتضي أنه يسمع بعد أن تحمدوا.
(فصل): والمنازعون "النفاةُ" كذلك، منهم من ينفي الصفات مطلقًا، فهذا يكون
стр. 1857
الكلام معه في الصفات مطلقًا، لا يختص بالصفات الاختيارية، ومنهم من يُثبت الصفات، ويقول: لا يقوم بذاته شيء بمشيئته وقدرته، فيقول: إنه لا يتكلم بمشيئته واختياره، ويقول: لا يَرضى ويسخط، ويحب ويبغض، ويختار بمشيئته وقدرته، ويقول: إنه لا يفعل فعلًا هو الخلق، يخلق به المخلوق، ولا يقدر عنده على فعل يقوم بذاته، بل مقدوره لا يكون إلا منفصلا منه، وهذا موضع تَنَازَعَ فيه النفاة.
فقيل: لا يكون مقدوره إلا بائنًا عنه، كما يقوله الجهمية، والكلابية، والمعتزلة، وقيل: لا يكون مقدروه إلا ما يقوم بذاته، كما يقوله السالمية، والكرامية، والصحيح أن كليهما مقدور له، أما الفعل فمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] وقوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]، وقول الحواريين: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]، وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣]، إلى أمثال ذلك مما يبين أنه يقدر على الأفعال، كالإحياء، والبعث، ونحو ذلك.
وأما القدرة على الأعيان ففي "الصحيح" عن أبي مسعود ﵁ قال: كنت أضرب غلاما لي، فرآني النبي ﷺ ، فقال: اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك على هذا، فقوله: "لله أقدر عليك منك على هذا" دليل على أن القدرة تتعلق بالأعيان المنفصلة: قدرة الرب، وقدرة العبد، ومن الناس من يقول: كلاهما يتعلق بالفعل، كالكرامية، ومنهم من يقول: قدرة الرب تتعلق بالمنفصل، وأما قدرة العبد فلا تتعلق إلا بفعل في محلها، كالأشعرية.
والنصوص تدل على أن كلا القدرتين تتعلق بالمتصل والمنفصل، فإن الله تعالى أخبر أن العبد يقدر على أفعاله، كقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]،
стр. 1858
وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فدل على أن منا من يستطع ذلك، ومنا من لم يستطع، وقال النبي ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء"، أخرجاه في "الصحيحين"، وقوله: "إن استطعت أن تعمل بالرضا مع اليقين فافعل"، وقوله في الحديث الذي في "الصحيح": "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
وقد أخبر أنه قادر على عبده، وهؤلاء الذين يقولون: لا تقوم به الأمور الاختيارية، عمدتهم أنه لو قامت به الحوادث لم يخل منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث، وقد نازعهم الناس في كلا المقدمتين، وأصحابهم المتأخرون، كالرازيّ، والآمديّ، قَدَحُوا في المقدمة الأولى في نفس هذه المسألة، وقَدَح الرازي في المقدمة الثانية في غير موضع من كتبه، وقد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.
وقولهم: إنا عرفنا حدوث العالم بهذا الطريق وبه أثبتنا الصانع، يقال لهم: لا جرم ابتدعتم طريقًا، لا يوافق السمع، ولا العقل، فالعالمون بالشرع معترفون أنكم مبتدعون محُدِثون في الإسلام ما ليس منه، والذين يعقلون ما يقولون يعلمون أن العقل يناقض ما قلتم، وأن ما جعلتموه دليلًا على إثبات الصانع لا يدل على إثباته، بل هو استدلال على نفي الصانع، وإثباتُ الصانع حقٌّ، وهذا الحق يلزم من ثبوته إبطال استدلالكم، بأن ما لم يخل من الحوادث فهو حادث.
وأما كون طريقكم مبتدعة ما سلكها الأنبياء، ولا أتباعهم، ولا سلف الأمة، فلأن كل من يعرف ما جاء به الرسول، وان كانت معرفته متوسطة، لم يصل في ذلك إلى الغاية يعلم أن الرسول لم يَدَعِ الناس في معرفة الصانع وتوحيده، وصدق رسله إلى الاستدلال بثبوت الأعراض، وأنها حادثة، ولازمة للأجسام، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث؛ لامتناع حوادث لا أول لها، فعلم بالاضطرار أن هذه الطريق لم يتكلم بها الرسول، ولا دعا إليها، ولا أصحابه، ولا تكلموا بها، ولا دعوا بها الناس، وهذا
стр. 1859
يوجب العلم الضروريّ من دين الرسول، فإن عند الرسول والمؤمنين به أن الله يُعرَف، ويعرف توحيده، وصدق رسله بغير هذه الطريق، فدلّ الشرع دلالة ضروريةً على أنه لا حاجة إلى هذه الطريق، ودلّ ما فيها من مخالفة نصوص الكتاب والسنة على أنها طريق باطلةٌ، فدل الشرع على أنه لا حاجة إليها، وأنها باطلة.
وأما العقل فقد بَسَطَ القول في جميع ما قيل فيها في غير هذه المواضع، وبَيَّنَ أن أئمة أصحابها قد يَعترفون بفسادها من جهة العقل، كما يوجد في كلام أبي حامد، والرازيّ، وغيرهما بيانُ فسادها.
ولمّا ظهر فسادها للعقل تسلط الفلاسفة على سالكيها، وظنت الفلاسفة أنهم إذا قدحوا فيها، فقد قدحوا في دلالة الشرع، ظنّا منهم أن الشرع جاء بموجبها؛ إذ كانوا أجهل بالشرع والعقل من سالكيها، فسالكوها لا للإسلام نصروا، ولا لأعدائه كسروا، بل سلطوا الفلاسفة عليهم، وعلى الإسلام، وهذا كله مبسوط في مواضع.
وإنما المقصود هنا أن يُعرَف أن نفيهم للصفات الاختيارية التي يسمونها حلول الحوادث، ليس لهم دليل عقليّ عليه، وحُذّاقهم يعترفون بذلك، وأما السمع فلا ريب أنه مملوء بما يناقضه، والعقل أيضا يدل على نقيضه من وجوه نَبَّهنا على بعضها.
ولما لم يكن مع أصحابها حجة، لا عقلية، ولا سمعية، من الكتاب والسنة، احتال متأخروهم فسلكوا طريقًا سمعية، ظنّوا أنها تنفعهم، فقالوا: هذه الصفات إن كانت صفات نقص وجب تنزيه الرب عنها، وإن كانت صفات كمال، فقد كان فاقدًا لها قبل حدوثها، وعدم الكمال نقص، فيلزم أن يكون كان ناقصًا، وتنزيهه عن النقص واجب بالإجماع، وهذه الحجة من أفسد الحجج، وذلك من وجوه:
[أحدهما]: أن هؤلاء يقولون: نفي النقص عنه لم يُعلم بالعقل، وإنما عُلم بالإجماع، وعليه اعتمدوا في نفي النقص، فنعود إلى احتجاجهم بالإجماع، ومعلوم أن الإجماع لا يُحتج به في موارد النزاع، فإن المنازع لهم يقول: أنا لم أوافقكم على نفي هذا المعنى، كان وافقتكم على إطلاق القول بأن الله منزه عن النقص، فهذا المعنى عندي
стр. 1860
ليس بنقص، ولم يدخل فيما سلمته لكم، فإن بينتم بالعقل، أو بالسمع انتفاءه، وإلا فاحتجاجكم بقولي، مع أني لم أرد ذلك كذب عليّ، فإنكم تحتجون بالإجماع، والطائفة المثبتة من أهل الإجماع، وهم لم يسلموا هذا.
[الثاني]: أن عدم هذه الأمور قبل وجودها نقص، بل لو وُجدت قبل وجودها لكان نقصًا، مثال ذلك تكليم الله لموسى ﵇، ونداؤه له، فنداؤه حين ناداه صفة كمال، ولو ناداه قبل أن يجيء لكان ذلك نقصًا، فكل منها كمال حين وجوده، ليس بكمال قبل وجوده، بل وجوده قبل الوقت الذي تقتضي الحكمة وجوده فيه نقص.
[الثالث]: أن يقال: لا نسلم أن عدم ذلك نقص، فإن ما كان حادثا امتنع أن يكون قديمًا، وما كان ممتنعًا لم يكن عدمه نقصًا؛ لأن النقص فوات ما يمكن من صفات الكمال.
[الرابع]: أن هذا يَرِدُ في كل ما فعله الرب وخلقه، فيقال: خَلْقُ هذا إن كان نقصًا، فقد اتصف بالنقص، وإن كان كمالًا، فقد كان فاقدًا له، فإن قلتم: صفات الأفعال عندنا ليست بنقص ولا كمال، قيل: إذا قلتم ذلك أمكن المنازع أن يقول: هذه الحوادث ليست بنقص ولا كمال.
[الخامس]: أن يقال: إذا عُرِض على العقل الصريح ذاتٌ يمكنها أن تتكلم بقدرتها، وتفعل ما تشاء بنفسها، وذات لا يمكنها أن تتكلم بمشيئتها، ولا تتصرف بنفسها ألبتة، بل هي بمنزلة الزمن الذي لا يمكنه فعل يقوم به باختياره، قَضَى العقلُ الصريحُ بأن هذه الذات أكمل، وحينئذ فأنتم الذين وصفتم الرب بصفة النقص، والكمالُ في اتصافه بهذه الصفات، لا في نفي اتصافه بها.
[السادس]: أن يقال: الحوادث التي يمتنع أن يكون كل منها أزليا، ولا يمكن وجودها إلا شيئًا فشيئًا، إذا قيل: أيما أكمل أن يقدر على فعلها شيئًا فشيئًا، أو لا يقدر على ذلك، كان معلومًا بصريح العقل أن القادر على فعلها شيئًا فشيئا أكمل ممن لا يقدر على ذلك، وأنتم تقولون: إن الرحمن لا يقدر على شيء من هذه الأمور، وتقولون: إنه
стр. 1861
يقدر على أمور مباينة له، ومعلوم أن قدرة القادر على فعله المتصل به قبل قدرته على أمور مباينة له، فإذا قلتم: لا يقدر على فعل متصل به، لَزِم أن لا يقدر على المنفصل، فلزم على قولكم، أن لا يقدر على شيء، ولا أن يفعل شيئًا، فلزم أن لا يكون خالقًا لشيء، وهذا لازم للنفاة، لا مَحِيد لهم عنه.
ولهذا قيل: الطريق التي سلكوها حدوث العالم، وإثبات الصانع تناقض حدوث العالم، وإثبات الصانع، ولا يصح القول بحدوث العالم، وإثبات الصانع إلا بإبطالها، لا بإثباتها، فكان ما اعتمدوا عليه، وجعدوه أصولا للدين، ودليلًا عليه هو في نفسه باطلٌ شرعًا وعقلًا، وهو مناقض للدين، ومناف له.
ولهذا كان السلف والأئمة يَعِيبون كلامهم هذا، ويذمونه، ويقولون: مَن طَلَب العلم بالكلام تزندق، كما قال أبو يوسف، ويروى عن مالك، ويقول الشافعي: حكمي في أهل الكلام أن يُضرَبوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام، وقال الإمام أحمد به. حنبل: علماء الكلام زنادقة، وما ارتدى أحد بالكلام فأفلح.
وقد صدق الأئمة في ذلك، فإنهم يبنون أمرهم على كلام مُجْمَلٍ يروج على من لم يعرف حقيقته، فإذا اعتقد أنه حقّ، وتبين أنه مناقض للكتاب والسنة، بقي في قلبه مرض، ونفاق، وريب، وشك، بل طَعَن فيما جاء به الرسول ﷺ ، وهذه هي الزندقة، وهو كلام باطل من جهة العقل، كما قال بعض السلف: العلم بالكلام هو الجهل، فهم يظنون أن معهم عقليات، وإنما معهم جهليات، ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، هذا هو الجهل المركب؛ لأنهم كانوا في شك وحيرة، فهم في ظلمات، بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور، أين هؤلاء من نور القرآن والإيمان، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ في زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ
стр. 1862
دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥].
[فإن قيل]: أما كون الكلام والفعل يدخل في الصفات الاختيارية فظاهر، فإنه يكون بمشيئة الرب وقدرته، وأما الإرادة، والمحبة، والرضا، والغضب، ففيه نظر، فإن نفس الإرادة هي المشيئة، وهو إذا خلق من يحبه كالخليل، فإنه يُحبُّهُ، ويحب المؤمنين، ويحبونه، وكذلك إذا عمل الناس أعمالًا يراها، وهذا لازم لابد من ذلك، فكيف يدخل تحت الاختيار؟.
[قيل]: كل ما كان بعد عدمه، فإنما يكون بمشيئة الله وقدرته، وهو ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فما شاء وجب كونه، وهو تحت مشيئة الرب وقدرته، وما لم يشأ امتنع كونه مع قدرته عليه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكون الشيء واجب الوقوع؛ لكونه قد سبق به القضاء على أنه لابد من كونه لا يمتنع أن يكون واقعًا بمشيئته وقدرته وإرادته، كان كانت من لوازم ذاته، كحياته وعلمه، فإن إرادته للمستقبلات، هي مسبوقة بإرادته للماضى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وهو إنما أراد هذا الثاني بعد أن أراد قبله ما يقتضي إرادته، فكان حصول الإرادة اللاحقة بالإرادة السابقة.
والناس قد اضطربوا في مسألة إرادة الله على أقوال متعددة، ومنهم من نفاها، ورجح الرازيّ هذا في "مطالبه العالية"، لكن -ولله الحمد- نحن قررناها، وبينا فساد الشُّبَه المانعة منها، وأن ما جاء به الكتاب والسنة، هو الحق المحض الذي تدل عليه المعقولات الصريحة، وأن صريح المعقول موافق لصحيح المنقول، وكنا قد بينا أولا أنه يمتنع تعارض الأدلة القطعية، فلا يجوز أن يتعارض دليلان قطعيان، سواء كانا
стр. 1863
عقليين، أو سمعيين، أو كان أحدهما عقليا، والآخر سمعيا، ثم بينا على صحة السمع، والسمعُ يبين صحةَ العقل، وأن من سلك أحدهما أفضى به إلى الآخر، وأن الذين يستحقون العذاب هم الذين لا يسمعون ولا يعقلون، كما قال الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا في ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٨ - ١٠] وقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
فقد بين القرآن أن من كان يعقل، أو كان يسمع، فإنه يكون ناجيًا وسعيدًا، ويكون مؤمنًا بما جاءت به الرسل، وقد بسطت هذه الأمور في غير موضع، والله تعالى أعلم.
(فصل): وفحول النُّظّار، كأبي عبد الله الرازيّ، وأبي الحسن الآمديّ، وغيرهما، ذكروا حُجَج النفاة لحلول الحوادث، وبَيّنوا فسادها كلها، فذكروا لهم أربع حُجج:
[إحداهما]: الحجة المشهورة، وهي أنها لو قامت به، لم يخل منها، ومن أضدادها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث، ومنعوا المقدمة الأولى، والمقدمة الثانية، ذَكَر الرازيّ وغيره فسادها، وقد بُسط في غير هذا الموضع.
[الثانية]: أنه لو كان قابلًا لها في الأزل لكان القبول من لوازم ذاته، فكان القبول يستدعي إمكان المقبول، ووجود الحوادث في الأزل محال، وهذه أبطلوها هم بالمعارضة بالقدرة، بأنه قادر على إحداث الحوادث، والقدرة تستدعي إمكان المقدور، ووجود المقدور، وهو الحوادث في الأزل محال، وهذه الحجة باطلة من وجوه:
стр. 1864
[أحدها]: أن يقال: وجود الحوادث إما أن يكون ممتنعًا، وإما أن يكون ممكنًا، فإن كان ممكنًا أمكن قبولها، والقدرةُ عليها دائمًا، وحينئذ فلا يكون وجود جنسها في الأزل ممتنعًا، بل يمكن أن يكون جنسها مقدورًا مقبولًا، وإن كان ممتنعًا فقد امتنع وجود حوادث لا تتناهى، وحينئذ فلا تكون في الأزل ممكنةً، لا مقدورةً ولا مقبولةً، وحينئذ فلا يلزم امتناعها بعد ذلك، فإن الحوادث موجودةٌ، فلا يجوز أن يقال بدوام امتناعها، وهذا تقسيم حاصر يبين فساد هذه الحجة.
[الوجه الثاني]: أن يقال: لا ريب أن الرب تعالى قادر، فإما أن يقال: إنه لم يزل قادرًا، وهو الصواب، وإما أن يقال: بل صار قادرًا بعد أن لم يكن، فإن قيل: لم يزل قادرًا، فيقال: إذا كان لم يزل قادرًا، فإن كان المقدر لم يزل ممكنًا أمكن دوام وجود الممكنات، فأمكن دوام وجود الحوادث، وحينئذ فلا يمتنع كونه قابلًا لها في الأزل.
فإن قيل: بل كان الفعل ممتنعًا، ثم صار ممكنا، قيل: هذا جمع بين النقيضين، فإن القادر لا يكون قادرًا على ممتنع، فكيف يكون قادرًا على كون المقدور ممتنعًا، ثم يقال: بتقدير إمكان هذا، قيل: هو قادر في الأزل على ما يمكن فيما لا يزال، وكذلك في المقبول، يقال: هو قابل في الأزل لما يمكن فيما لا يزال.
[الوجه الثالث]: إذا قيل: هو قابل لما في الأزل، فإنما هو قابل لما هو قادر عليه، يمكن وجوده، فأما ما يكون ممتنعًا لا يدخل تحت القدرة، فهذا ليس بقابل له.
[الرابع]: أن يقال: هو قادرٌ على حدوث ما هو مباين له من المخلوقات، ومعلوم أن قدرة القادر على فعله القائم به أولى من قدرته على المباين له، وإذا كان الفعل لا مانع منه إلا ما يمنع مثله؛ لوجود المقدور المباين، ثم ثبت أن المقدور المباين هو ممكن، وهو قادر عليه، فالفعل أن يكون ممكنًا مقدورًا أولى.
[الحجة الثالثة لهم]: أنهم قالوا: لو قامت به الحوادث للزم تغيره، والتغير على الله محالٌ، وأبطلوا هم هذه الحجة، الرازيّ وغيره، بأن قالوا: ما تريدون بقولكم: لو قامت به تَغيَّر؟ أتريدون بالتغير نفس قيامها به، أم شيئًا آخر؟ فإن أردتم الأول، كان المقدم هو
стр. 1865
الثاني، والملزوم هو اللازم، وهذا لا فائدة فيه، فإنه يكون تقدير الكلام: لو قامت به الحوادث، لقامت به الحوادث، وهذا كلام لا يفيد، وإن أردتم بالتغير معنى غير ذلك، فهو ممنوع، فلا نُسَلِّم أنها لو قامت به لزم تغير غيرُ حلول الحوادث، فهذا جوابهم.
وإيضاح ذلك أن لفظ التغير لفظ مجملٌ، فالتغير في اللغة المعروفة لا يراد به مجرد كون المحل قامت به الحوادث، فإن الناس لا يقولون للشمس والقمر والكواكب إذا تحركت: إنها قد تغيرت، ولا يقولون للإنسان إذا تكلم ومشى، أنه تغير، ولا يقولون إذا طاف، وصلى، وأمر ونهى، وركب: إنه تغير إذا كان ذلك عادته، بل إنما يقولون: تغير لمن استحال من صفة إلى صفة، كالشمس إذا زال نورها ظاهرًا، لا يقال: إنها تغيرت، فإذا اصفرّت قيل تغيرت، وكذلك الإنسان إذا مرض، أو تغير جسمه بجوع أو تعب، قيل: قد تغير، وكذلك إذا تغير خلقه ودينه، مثل أن يكون فاجرًا، فينقلب، ويصير بَرًّا، أو يكون بَرًّا، فينقلب فاجرًا، فإنه يقال: قد تغير، وفي الحديث: رأيت وجه رسول الله ﷺ مُتغيرًا، لما رأى منه أثر الجوع، ولم يزل يراه يوكع ويسجد، فلم يسَمِّ حركته تغيرًا، وكذلك يقال: فلان قد تغير على فلان إذا صار يبغضه بعد المحبة، فإذا كان ثابتًا على مودته، لم يُسَمَّ هشته إليه، وخطابه له تغيرًا، وإذا جرى على عادته في أقواله، وأفعاله، فلا يقال: إنه قد تغير، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، ومعلوم أنهم إذا كانوا على عادتهم الموجودة، يقولون ويفعلون ما هو خير، لم يكونوا قد غيروا ما بأنفسهم، فإذا انتقلوا عن ذلك، فاستبدلوا بقصد الخير قصد الشر، وباعتقاد الحق اعتقاد الباطل، قيل: قد غيروا ما بأنفسهم، مثل من كان يحب الله ورسوله والدار الآخرة، فتغير قلبه، وصار لا يحب الله ورسوله والدار الآخرة، فهذا قد غير ما في نفسه، وإذا كان هذا معنى التغير، فالرب تعالى لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال، منعوتًا بنعوت الجلال والإكرام، وكماله من لوازم ذاته، فيمتنع أن يزول عنه شيء من صفات كماله، ويمتنع أن يصير ناقصًا بعد كماله.
стр. 1866
وهذا الأصل عليه قول السلف، وأهل السنة أنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولم يزل قادرًا، ولم يزل موصوفًا بصفات الكمال، ولا يزال كذلك، فلا يكون متغيرًا، وهذا معنى قول من يقول: يا من يُغَيِّر ولا يَتَغَيَّر، فإنه يُحيل صفات المخلوقات، ويسلبها ما كانت متصفة به إذا شاء، ويعطيها من صفة الكمال ما لم يكن لها، وكماله من لوازم ذاته، لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال، قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]، ولكن هؤلاء النفاة هم الذين يلزمهم أن يكون قد تَغَيَّر، فإنهم يقولون: كان في الأزل لا يمكنه أن يقول شيئًا، ولا يتكلم بمشيئته وقدرته، وكان ذلك ممتنعًا عليه لا يتمكن منه، ثم صار الفعل ممكنًا يمكنه أن يفعل، ولهم في الكلام قولان: من يثبت الكلام المعروف، وقال: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته، قال: إنه صار الكلام ممكنًا له بعد أن كان ممتنعًا عليه، ومن لم يصفه بالكلام المعروف، بل قال: إنه يتكلم بلا مشيئة وقدرة، كما تقوله الكلابية، فهؤلاء أثبتوا كلامًا لا يُعقَل، ولم يسبقهم إليه أحد من المسلمين، بل كان المسلمون قبلهم على قولين:
فالسلف، وأهل السنة يقولون: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه غير مخلوق، والجهمية يقولون: إنه مخلوق بقدرته ومشيئته، فقال هؤلاء: بل يتكلم بلا مشيئته وقدرته، وكلامه شيء واحد، لازم لذاته، وهو حروف، أو حروف وأصوات أزلية، لازمة لذاته، كما قد بُسط في غير هذا الموضع.
والمقصود أن هؤلاء كلهم الذين يمنعون أن الرب لم يزل يمكنه أن يفعل ما شاء، ويقولون: ذلك يستلزم وجود حوادث لا تتناهى، وذلك محال، فهؤلاء يقولون: صار الفعل ممكنًا له بعد أن كان ممتنعًا عليه، وحقيقة قولهم أنه صار قادرًا بعد أن لم يكن قادرًا، وهذا حقيقة التغير، مع أنه لم يحدث سبب يوجب كونه قادرًا.
وإذا قالوا: هو في الأزل كان قادرًا على ما لا يزال، قيل: هذا جمع بين النفي والإثبات، فهو في الأزل كان قادرًا، أفكان القول ممكنًا له، أو ممتنعًا عليه، إن قلتم:
стр. 1867
ممكن له فقد جَوَّزتم دوام كونه فاعلًا، وأنه قادر على حوادث لا نهاية لها، وإن قلتم: بل كان ممتنعًا، قيل: القدرة على الممتنع مع كون الفعل ممتنعًا غير ممكن، لا يكون مقدورًا للقادر، إنما المقدور هو المكن، لا الممتنع، فإذا قلتم: أمكنه بعد ذلك فقد قلتم: إنه أمكنه أن يفعل بعد أن كان لا يمكنه أن يفعل، وهذا صريح في أنه صار قادرًا بعد أن لم يكن، وهو صريح في التغير، فهؤلاء النفاة الذين قالوا: إن المثبتة يلزمهم القول بأنه تغير، قد بان بطلان قولهم، وأنهم هم الذين قالوا بما يوجب تغيره.
[الحجة الرابعة]: قالوا: حلول الحوادث به أفول، والخليل قد قال: ﴿لا أحب الآفلين﴾، والآفل: هو المتحرك الذي تقوم به الحوادث، فيكون الخليل قد نفى المحبة عمن تقوم به الحوادث، فلا يكون إلهًا، وإذا قال المنازع: أنا أريد بكونه تغير، أنه تكلم بمشيئته وقدرته، وأنه يحب منا الطاعة، ويفرح بتوبة التائب، ويأتي يوم القيامة، قيل: فهب أنك سميت هذا تغيرا، فَلِمَ قلت: إن هذا ممتنع، فهذا محل النزاع كما قال الرازيّ: فالمقدم هو الثاني.
فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الله يوصف بالغيرة، وهي مشتقة من التغير، فقال ﷺ في الحديث الصحيح: "لا أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته"، وقال أيضًا: "لا أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الرسل، وأنزل الكتب، ولا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حَرَّم الفواحش، ما ظهر منها، وما بطن"، وقال: "أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغير منه، والله أغير مني".
والجواب: أن قصة الخليل ﵇ حجة عليهم، لا لهم، وهم المخالفون لإبراهيم، ولنبينا ولغيرهما من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وذلك أن الله تعالى قال: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا
стр. 1868
أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٦، ٧٩].
فقد أخبر الله في كتابه أنه من حين بَزَغ الكوكب والقمر والشمس، وإلى حين أفولها لم يقل الخليل: لا أحب البازغين، ولا المتحركين، ولا المتحولين، ولا أحب من تقوم به الحركات، ولا الحوادث، ولا قال شيئًا مما يقوله النفاة حين أفل الكوكب والشمس والقمر.
والأفول باتفاق أهل اللغة والتفسير هو الغيب، والاحتجاب، بل هذا معلوم بالاضطرار من لغة العرب التي نزل بها القرآن، وهو المراد باتفاق العلماء، فلم يقل إبراهيم: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ إلا حين أَفَلَ وغاب عن الأبصار، فلم يبق مرئيا، ولا مشهودًا، فحينئذ قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، وهذا يقتضي أن كونه متحركًا منتقلًا تقوم به الحوادث، بل كونه جسمًا متحيزًا تقوم به الحوادث، لم يكن دليلًا عند إبراهيم على نفي محبته، فإن كان إبراهيم إنما استدل بالأفول على أنه ليس رب العالمين -كما زعموا- لزم من ذلك أن يكون ما يقوم به الأفول من كونه متحركًا منتقلًا تحله الحوادث، بل ومن كونه جسمًا متحيزًا لم يكن دليلًا عند إبراهيم على أنه ليس برب العالمين، وحينئذ فيلزم أن تكون لا على تعيين مطلوبهم، وهكذا أهل البدع، لا يكادون يحتجون بحجة سمعية، ولا عقلية، إلا وهي عند التأمل حجة عليهم لا لهم، ولكن إبراهيم ﵇ لم يقصد بقوله: ﴿هذَا ربي﴾ أنه رب العالمين، ولا كان أحدٌ من قومه يقولون: إنه رب العالمين، من تجويز ذلك عليهم، بل كانوا مشركين، مقرين بالصانع، وكانوا يتخذون الكواكب والشمس والقمر أربابًا، يدعونها من دون الله، ويبنون لها الهياكل، وقد صُنفت في مثل مذهبهم كتب، مثل "كتاب السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم"، وغيره من الكتب، ولهذا قال الخليل: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧] وقال تعالى ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ
стр. 1869
مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، ولهذا قال الخليل في تمام الكلام: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٨، ٧٩] بَيّن أنه إنما يعبد الله وحده، فله يوجه وجهه إذا توجه قصده إليه، يتبع قصده وجهه، فالوجه توجه حيث توجه القلب، فصار قلبه وقصده ووجهه متوجهًا إلى الله تعالى، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ لم يذكر أنه أقر بوجود الصانع، فإن هذا كان معلومًا عند قومه، لم يكونوا ينازعونه في وجود فاطر السموات والأرض، وإنما كان النزاع في عبادة غير الله، واتخاذه ربّا، فكانوا يعبدون الكواكب السماوية، ويتخذون لها أصناما أرضية، وهذا النوع الثاني من الشرك، فإن الشرك في قوم كان أصله من عبادة الصالحين، أهل القبور، ثم صوروا تماثيلهم، فكان شركهم بأهل الأرض، إذ كان الشيطان إنما يضل الناس بحسب الإمكان، فكان ترتيبه أوّلا الشرك بالصالحين أيسر عليه، ثم قوم إبراهيم انتقلوا إلى الشرك بالسماويات بالكواكب، وصنعوا لها الأصنام بحسب ما رأوه من طبائعها، يصنعون لكل كوكب طعامًا وخاتمًا وبخورًا، وأموالًا تناسبه، وهذا كان قد اشتهر على عهد إبراهيم ﵇ إمام الحنفاء، ولهذا قال الخليل: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٥ - ٨٧]، وقال لهم: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥، ٩٦]، وقصة إبراهيم قد ذُكرت في غير موضع من القرآن مع قومه، إنما فيها نهيهم عن الشرك، خلاف قصة موسى مع فرعون، فإنها ظاهرة في أن فرعون كان مظهرًا الإنكار للخالق، وجحوده.
وقد ذكر الله عن إبراهيم أنه حاجّ الذي حاجه في ربه، في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ في رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ
стр. 1870
الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فهذا قد يقال: إنه كان جاحدًا للصانع، ومع هذا فالقصة ليست صريحةً في ذلك، بل يدعو الإنسان إلى عبادة نفسه، وإن كان لا يصرح بإنكار الخالق، مثل إنكار فرعون.
وبكل حال فقصة إبراهيم إلى أن تكون حجة عليهم أقرب منها إلى أن تكون حجة لهم، وهذا بَيِّنٌ ولله الحمد، بل ما ذكره الله عن إبراهيم يدل على أنه كان يُثبت ما ينفونه عن الله، فإن إبراهيم قال: ﴿إِنَّ ربِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاَءِ﴾، والمراد به أنه يستجيب الدعاء، كما يقول المصلي: سمع الله لمن حمده، وإنما يسمع الدعاء، ويستجيبه بعد وجوده، لا قبل وجوده، كما قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١] فهي تجادل، وتشتكي حال سَمْعِ الله تحاورهما، وهذا يدل على أن سمعه كرؤيته المذكورة في قوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون﴾ [التوبة: ١٠٥]، وقال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ في الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]، فهذه رؤية مستقلة، ونظر مستقل، وقد تقدم أن المعدوم لا يُرَى ولا يُسمَع منفصلًا عن الرائي السامع باتفاق العقلاء، فإذا وُجدت الأقوال والأعمال سمعها ورآها، والرؤية، والسمع أمر وجودي، لا بد له من موصوف يتصف به، فإذا كان هو الذي رآها وسمعها، امتنع أن يكون غيره هو المتصف بهذا السمع، وهذه الرؤية، وأن تكون قائمة بغيره، فتعين قيام هذا السمع، وهذه الرؤية به بعد أن خُلقت الأعمال والأقوال، وهذا مطعن لا حيلة فيه.
وقد بُسط الكلام على هذه المسألة، وما قال فيها عامة الطوائف في غير هذا الموضع، وحَكيت ألفاظ الناس، بحيث يتيقن الإنسان أن النافي ليس معه حجة، لا سمعية، ولا عقلية، وأن الأدلة العقلية الصريحة، موافقة لمذهب السلف، وأهل الحديث، وعلى ذلك يدل الكتاب والسنة، مع الكتب المتقدمة: التوراة، والإنجيل، والزبور، فقد اتفق عليها نصوص الأنبياء، وأقوال السلف، وأئمة العلماء، ودلت عليها
стр. 1871
صرائح المعقولات، فالمخالف فيها كالمخالف في أمثالها، ممن ليس معه حجة، لا سمعية، ولا عقلية، بل هو شبيه بالذين قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السَّعِير﴾ [الملك: ١٠]، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، ولكن هذه المسألة، ومسألة الزيارة، وغيرهما حَدَث للمتأخرين فيها شُبَهٌ، وأنا وغيري كنا على مذهب الآباء في ذلك، نقول في الأصلين يقول أهل البدع، فلما تَبَيَّن لنا ما جاء به الرسول ﷺ دار الأمر بين أن نتبع ما أنزل الله، أو نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فكان الواجب هو اتباع الرسول ﷺ ، وأن لا نكون ممن قيل فيه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان: ٢١]، وقد قال تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٨]، ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا في الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥]، فالواجب اتباع الكتاب المنزل، والنبي المرسل، وسبيل من أناب إلى الله، فاتبعنا الكتاب والسنة، كالمهاجرين والأنصار، دون ما خالف ذلك من دين الآباء، وغير الآباء، والله يهدينا، وسائر إخواننا إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، والله أنزل القرآن، وهدى به الخلق، وأخرجهم به من الظلمات إلى النور، وأم القرآن هي فاتحة الكتاب، قال النبيّ ﷺ في الحديث الصحيح: "يقول الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجدني عبدي، فإذا
стр. 1872
قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال الله: هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: هؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل".
فهذه السورة فيها لله الحمد، فله الحمد في الدنيا والآخرة، وفيها للعبد السؤال، وفيها العبادة لله وحده، وللعبد الاستعانة، فحق الرب حمده وعبادته وحده، وهذان: حمد الرب وتوحيده يدور عليهما جميع الدين.
ومسألة الصفات الاختيارية، هي من تمام حمده، فمن لم يُقِرَّ بها لم يمكنه الإقرار بأن الله محمود البتة، ولا أنه رب العالمين، فإن الحمد ضد الذمّ، والحمد هو الإخبار بمحاسن المحمود، مع المحبة له، والذمّ هو الإخبار بمساوي المذموم، مع البغض له، وجماع المساوي فعل الشر، كما أن جماع المحاسن فعل الخير، فإذا كان يفعل الخير بمشيئته وقدرته استحق الحمد، فمن لم يكن له فعل اختياري يقوم به، بل ولا يقدر على ذلك، لا يكون خالقًا، ولا ربّا للعالمين.
وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام:١]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف:١]، ونحو ذلك، فإذا لم يكن له فعل يقوم به باختياره، امتنع ذلك كله، فإنه من المعلوم بصريح العاقل أنه إذا خلق السموات والأرض، فلابد من فعل يصير به خالقًا، وإلا فلو استمر الآمر على حال واحدة، لم يحدث فعل لكان الأمر على ما كان قبل أن يخلق، وحينئذ فلم يكن المخلوق موجودًا، فكذلك يجب أن لا يكون المخلوق موجودًا، إن كان الحال في المستقبل، مثل ما كان في الماضي لم يحدث من الرب فعلٌ، هو خلق السموات والأرض، وقد قال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، ومعلوم أنهم قد شَهِدوا نفس المخلوق، فَدَلّ على أن الخلق لم يشهدوه، وهو تكوينه لها وإحداثه لها غير المخلوق الباقي.
وأيضا فإنه قال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]،
стр. 1873
فالخلق لها كان في ستة أيام، وهي موجودة بعد المشيئة، فالذي اختص بالمشيئة غير الموجود بعد المشيئة.
وكذلك: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فإن الرحمن الرحيم، هو الذي يرحم العباد بمشيئته وقدرته، فإن لم يكن له رحمة إلا نفس إرادة قديمة، أو صفة أخرى قديمة، لم يكن موصوفًا بأنه يرحم من يشاء، ويعذب من يشاء، قال الخليل: ﴿قُلْ سِيرُوا في الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٠، ٢١]، فالرحمة ضد التعذيب، والتعذيب فعله، وهو يكون بمشيئته، كذلك الرحمة تكون بمشيئته، كما قال: ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١]، والإرادة القديمة اللازمة لذاته، أو صفة أخرى لذاته ليست بمشيئته، فلا تكون الرحمة بمشيئته.
وإن قيل: ليس بمشيئته إلا المخلوقات المباينة، لزم أن لا تكون صفة للرب، بل تكون مخلوقة له، وهو إنما يتصف بما يقوم به، لا يتصف بالمخلوقات، فلا يكون هو الرحمن الرحيم، وقد ثبت في "الصحيحين" عن النبي ﷺ أنه قال: "لمّا قضى الله الخلق كتب في كتاب، فهو موضوع عنده، فوق العرش، إن رحمتي تغلب غضبي"، وفي رواية "تسبق غضبي"، وما كان سابقًا لما يكون بعده، لم يكن إلا بمشيئة الرب وقدرته، ومن قال: ما ثَمّ رحمة إلا إرادة قديمة، أو ما يشبهها، امتنع أن يكون له غضب مسبوق بها، فإن الغضب إن فُسِّر بالإرادة، فالإرادة لم تسبق نفسها، وكذلك إن فسر بصفة قديمة العين، فالقديم لا يسبق بعضه بعضًا، وإن فسر بالمخلوقات، لم يتصف برحمة ولا غضب، وهو قد فرق بين غضبه وعقابه بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، وقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦]، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد، عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "أعوذ
стр. 1874
بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه، ومن شر عباد ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون"، ويدل على ذلك قوله: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤]، فعلق الرحمة بالمشيئة، كما علق التعذيب وما تعلق بالمشيئة مما يتصف به الرب، فهو من الصفات الاختيارية.
وكذلك كونه مالكًا ليوم الدين، يوم يدين العباد بأعمالهم، إن خيرًا فخيرٌ، كان شرّا فشرّ، ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٨، ١٩]، فإن الملك هو الذي يتصرف بأمر فيطاع، ولهذا إنما يقال: ملك للحي المطاع الأمر، لا يقال في الجمادات لصاحبها ملك، إنما يقال له: مالك، ويقال ليعسوب النحل: ملك النحل، لأنه يأمر فيطاع، والمالك القادر على التصريف في المملوك، وإذا كان الملك هو الآمر الناهي المطاع، فإن كان يأمر وينهى بمشيئته، كان أمره ونهيه من الصفات الاختيارية، وبهذا أخبر القرآن، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]، وإن كان لا يأمر وينهى بمشيئته، بل أمره لازم له، حاصل بغير مشيئته ولا قدرته، لم يكن هذا مالكًا أيضا، بل هذا أولى أن يكون مملوكًا، فإن الله تعالى خلق الإنسان، وجعل له صفات تلزمه، كاللون، والطول، والعرض، والحياء، ونحو ذلك، مما يحصل لذاته بغير اختياره، فكان باعتبار ذلك مملوكًا مخلوقًا للرب فقط، وإنما يكون ملكًا إذا كان يأمر وينهى باختياره فيطاع، وإن كان الله خالقًا لفعله، ولكل شيء.
ولكن المقصود أنه لا يكون ملكًا إلا من يأمر وينهى بمشيئته وقدرته، بل من قال: إنه لازم له بغير مشيئته، أو قال: إنه مخلوق له، فكلاهما يلزمه أنه لا يكون ملكًا، وإذا لم يمكنه أن يتصرف بمشيئته لم يكن مالكًا أيضًا، فمن قال: إنه لا يقوم به فعل اختياريّ لم يكن عنده في الحقيقة مالكًا لشيء، وإذا اعتبرتَ سائر القرآن، وجدت أنه من لم يُقِرَّ بالصفات الاختيارية لم يَقُم بحقيقة الإيمان، ولا القرآن، فهذا يُبَيِّن أن الفاتحة
стр. 1875
وغيرها يدل على الصفات الاختيارية.
وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيه إخلاص العبادة لله، والاستعانة به، وأن المؤمنين لا يعبدون إلا الله، ولا يستعينون إلا بالله، فمن دَعَى غير الله من المخلوقين، أو استعان بهم من أهل القبور وغيرهم، لم يحقق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ولا يحقق ذلك إلا من فرق بين الزيارة الشرعية والزيارة البدعية، فإن الزيارة الشرعية عبادة لله، وطاعة لرسوله ﷺ ، وتوحيد لله، وإحسان إلى عباده، وعَمَلٌ صالحٌ من الزائر، يثاب عليه، والزيارة البدعية شرك بالخالق، وظلم للمخلوق، وظلم للنفس، فصاحب الزيارة الشرعية، هو الذي يحقق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ألا ترى أن اثنين لو شهدا جنازة، فقام أحدهما يدعو للميت، ويقول: اللهم اغفر له، وارحمه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الذنوب والخطايا، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وأعذه من عذاب النار، وعذاب القبر، وافسح له في قبره، ونَوِّر له فيه، ونحو ذلك من الدعاء له، وقام الآخر، فقال: يا سيدي أشكو لك ديوني، وأعدائي، وذنوبي، أنا مستغيث بك، مستجير بك، أغثني، ونحو ذلك، لكان الأول عابدا لله، ومُحسنًا إلى خلقه، محسنًا إلى نفسه بعبادة الله، ونفعه عباده، وهذا الثاني مشركًا مؤذيًا ظالمًا معتديًا على الميت، ظالمًا لنفسه.
فهذا بعض ما بين البدعية والشرعية من الفروق.
والمقصود أن صاحب الزيارة الشرعية إذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كان صادقًا؛ لأنه لم يعبد إلا الله، ولم يستعن إلا به، وأما صاحب الزيارة البدعية، فإنه عَبَدَ غير الله، واستعان بغيره.
فهذا بعض ما يبين أن "الفاتحة" أم القرآن، اشتملت على بيان المسألتين المتنازع فيهما، مسألة الصفات الاختيارية، ومسألة الفرق بين الزيارة الشرعية والزيارة البدعية، والله تعالى هو المسؤول أن يهدينا، وسائر إخواننا إلى صراطه المستقيم، صراط الذين
стр. 1876
أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
ومما يوضح ذلك أن النبي ﷺ قال: "إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجدني عبدي، فذكر الحمد والثناء والمجد بعد ذلك، يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إلى آخرها، هذا في أول القراءة في قيام الصلاة، ثم في آخر القيام بعد الركوع يقول: ربنا ولك الحمد، ملء السماء وملء الارض، إلى قوله: أهل الثناء والمجد أحقّ ما قال العبد -وكلنا لك عبد-: لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وقوله: أحق ما قال العبد، خبر مبتدإ محذوف، أي هذا الكلام أحق ما قال العبد، فتبَيَّن أن حمد الله والثناء عليه أحقّ ما قاله العبد، وفي ضمنه توحيده له، إذا قال: ولك الحمد، أي لك لا لغيرك، وقال في آخره: لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، وهذا يقتضي انفراده بالعطاء والمنع، فلا يستعان إلا به، ولا يطلب إلا منه، ثم قال: ولا ينفع ذا الجد منك الجد، فبين أن الإنسان، وإن أُعطي الملك، والغنى، والرئاسة، فهذا لا ينجيه منك، إنما ينجيه الإيمان والتقوى، وهذا تحقيق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فكان هذا الذكر في آخر القيام؛ لأنه ذكر أول القيام، وقوله: أحقُّ ما قال العبد يقتضي أن يكون حمد الله أحق الأقوال بأن يقوله العبد، وما كان أحق الأقوال، كان أفضلها، وأوجبها على الإنسان، ولهذا افترض الله على عباده في كل صلاة أن يفتتحوها بقولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وأمرهم أيضًا أن يفتتحوا كل خطبة بالحمد لله، فأمرهم أن يكون مقدمًا على كل كلام، سواء كان خطابًا للخالق، أو خطابًا للمخلوق، ولهذا يقدم النبي ﷺ الحمدَ أمام الشفاعة يوم القيامة، ولهذا أُمِرنا بتقديم الثناء على الله في التشهد قبل الدعاء، وقال النبي ﷺ : "كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بالحمد لله، فهو أجذم" (١)، وأول من يُدعَى
стр. 1877
إلى الجنة الحمادون، الذين يَحمدون الله على السراء والضراء.
وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ جعله ثناء، وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ جعله تمجيدًا، وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ حمد مطلق، فإن الحمد اسم جنس، والجنس له كمية وكيفية، فالثناء كميته، وتكبيره وتعظيمه كيفيته، والمجد هو السعة والعلو، فهو يعظم كيفيته وقدره، وكميتَهُ المتصلة، وذلك أن هذا وصف له بالملك، والملك يتضمن القدرة، وفعل ما يشاء، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وصف بالرحمة المتضمنة لإحسانه إلى العباد بمشيئته وقدرته أيضًا، والخير يحصل بالقدرة والإرادة التي تتضمن الرحمة، فإذا كان قديرًا مريدًا للإحسان حصل كل خير، وإنما يقع النقص لعدم القدرة، أو لعدم إرادة الخير، فالرحمن الرحيم الملك قد اتصف بغاية إرادة الإحسان، وغاية القدرة، وذلك يحصل به خير الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ مع أنه ملك الدنيا؛ لأن يوم الدين لا يَدَّعِي أحد فيه منازعة، وهو اليوم الأعظم، فما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع، والدين عاقبة أفعال العباد، وقد يدل بطريق التنبيه، وبطريق العموم عند بعضهم على ملك الدنيا، فيكون له الملك، وله الحمد كما قال تعالى: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١]، وذلك يقتضي أنه قادر على أن يَرْحَم، ورحمته وإحسانه وصف له يحصل بمشيئته، وهو من الصفات الاختيارية.
وفي "الصحيح" أن النبي ﷺ كان يُعَلِّم أصحابه الاستخارة الأمور كلها، كما يُعَلِّمهم السورة من القرآن، يقول: "إذا همَّ أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر، ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسميه باسمه- حيرًا لي في ديني ودنياي، ومعاشي، وعاقبة أمري، فاقدره لي، ويَسِّره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شَرٌّ لي
стр. 1878
في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان".
فسأله بعلمه وقدرته، ومن فضله، وفضلُهُ يحصل برحمته، وهذه الصفات هي جماع صفات الكمال، لكن العلم له عموم التعلُّق يتعلق بالخالق والمخلوق، والموجود والمعدوم، وأما القدرة، فإنما تتعلق بالمخلوق، وكذلك الملك إنما يكون ملكًا على المخلوقات.
فالفاتحة اشتملت على الكمال في الإرادة، وهو الرحمة، وعلى الكمال في القدرة، وهو ملك يوم الدين، وهذا إنما يتم بالصفات الاختيارية، كما تقدم والله أعلم.
انتهت الرسالة الميمونة المباركة لشيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀، وهي كافية شافية في هذه المسائل المهمة المسألة التي عقد لها الإمام ابن ماجه ﵀ بابًا لبيان ما أنكرت الجهميّة من الصفات، فاقرأها بتأمل، وتدبّر تَرَ فيها العجب العُجاب، مما يُستلذّ ويُستطاب، والله تعالى الهادي إلى المنهج القويم، وسبيل الصواب.
اللهم اهدينا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت، الله أرنا الحقّ حقّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، إنك سميعٌ قريب مجيب الدعوات.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 1879
٣٦ - (بابُ من سنّ سُنَّةً حسنةً، أو سيئةً)
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٠٣ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الملِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا أبو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ المُلِكِ بْنُ عُمَيْر، عَنْ المنْذِرِ بْنِ جَرِبر، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِها، كَانَ لَهُ أَجْرُها، وَمثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِها، لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِها، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرها، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِها مِنْ بَعدهِ، لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِم شَيْئًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَدُ بْنُ عَبْدِ الملِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ) واسمه محمد بن عبد الله البصريّ، صدوقٌ، من كبار [١٠] ٣٥/ ١٨٤.
٢ - (أبو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، مولى يزيد بن عطاء، كان من سَبْي جُرْجَان، مشهور بكنيته، ثقة ثبتٌ [٧].
رَأَى الحسن، وابن سيرين، وسمع من معاوية بن قرة حديثا واحدًا، وروى عن أشعث بن أبي الشعثاء، والأسود بن قيس، وقتادة، وأبي بشر، وحُصين بن عبد الرحمن، وبيان بن بشر، وإسماعيل السدي، وإبراهيم بن محمد بن المنتشر، وخلق كثير.
ورَوَى عنه شعبة، ومات قبله، وابن علية، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، والفضل بن مُساور صهره، وعبد الرحمن بن مهدي، وعَفّان، ويحيى بن حماد، وحجاج ابن منهال، وأحمد بن إسحاق الحضرمي، ومسدد، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب وخلق كثير.
قال أبو حاتم: سمعت هشام بن عبيد الله الرازي يقول: سألت ابن المبارك مَن أروى الناس، أو أحسن الناس حديثًا عن مغيرة؟ فقال: أبو عوانة. وقال أحمد بن سنان: سمعت ابن مهدي يقول: كتاب أبي عوانة أئبت من حفظ هُشيم. وقال مسدد: سمعت يحيى القطان يقول: ما أشبه حديثه بحديثهما -يعني أبا عوانة، وشعبة وسفيان-
стр. 1880
وقال عفان: كان أبو عوانة صحيح الكتاب، كثيرَ الْعَجْم والنَّقْط، وكان ثَبْتًا، وأبو عوانة في جميع حاله أصح حديثًا عندنا من شعبة (١). وقال أبو طالب عن أحمد: إذا حَدّث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإذا حَدّث من غير كتابه ربما وهم. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: أبو عوانة جائز الحديث، وحديث يزيد بن عطاء ضعيف، ثَبَتَ حديثُ أبي عوانة، وسَقَطَ مولاه يزيد بن عطاء. وقال أبو زرعة: ثقة إذا حدث من كتابه. وقال أبو حاتم: كتبه صحيحة، وإذا حدث من حفظه غَلِطَ كثيرًا، وهو صدوق ثقة، وهو أحب إليّ من أبي الأحوص، ومن جرير، وهو أحفظ من حماد بن سلمة. وقال ابن سعد: كان ثقةً صدوقًا، ووُهيب أحفظ منه. وقال موسى بن إسماعيل: قال أبو عوانة: كل شيء قد حدثتك فقد سمعته.
وقال العجلي: أبو عوانة بصري ثقة. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال شعبة: إن حدثكم أبو عوانة عن أبي هريرة فصدقوه. وقال أبو قُدَامة: قال ابن مهديّ: أبو عوانة وهشيم، كهَمّام وسعيد، إذا كان الكتاب فكتاب أبي عوانة وهمام، وإذا كان الحفظ فحفظ هُشيم وسعيد. وقال تمتام عن ابن معين: كان أبو عوانة يَقرأ ولا يَكتب. وقال الدُّوريّ: سمعت ابن معين وذكر أبا عوانة وزهير بن معاوية، فقدَّم أبا عوانة. وقال ابن المديني: كان أبو عوانة في قتادة ضعيفًا؛ لأنه كان قد ذهب كتابه، وكان أحفظ من سعيد، وقد أغرب في أحاديث. وقال: قال يعقوب بن شيبة. ثَبْتٌ صالحُ الحفظ، صحيح الكتاب. وقال ابن خِرَاش: صدوق في الحديث.
وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت حجة فيما حَدَّث من كتابه، وقال: إذا حَدّث من حفظه ربّما غَلِطَ.
стр. 1881
وقال محمد بن محبوب: مات في ربيع الأول سنة ست وسبعين ومائة، وفيها أَرّخه يعقوب بن سفيان، وقال ابن المدينيّ: مات سنة خمس وسبعين، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢١) حديثًا.
٣ - (عَبْدُ الملِكِ بْنُ عُمَيْر) بن سُويد اللَّخميّ الكوفيّ الْفرسيّ، ثقة فقيه تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] ١١/ ٩٧.
٤ - (المُنْذِرُ بنُ جَرِيرٍ) بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، ثقة (١) [٣].
رَوَى عن أبيه، وعنه عبد الملك بن عُمَير، وعون بن أبي جُحَيفة، وأبو إسحاق السبيعي، والضحاك بن المنذر، وأبو حيان التيمي، على خلاف فيه، ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الذهبي: ثقة (٢).
أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا (٢٠٣) وحديث (٢٥٠٣) "لا يؤوي الضالّة إلا ضالّ".
٥ - (أبوه) جرير بن عبد الله البجليّ الصحابيّ الشهير ﵁ ٢٨/ ١٥٩، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فبصريّ، وأبي عوانة، فواسطيّ.
стр. 1882
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبد الملك عن المنذر، بل هو من رواية الأقران؛ لأن كليهما من الطبقة الثالثة، وفيه رواية الابن عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ المُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ) جرير بن عبد الله البجليّ ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ) شرطيّة (سَنَّ سُنَّة حَسَنَةً) أي سار فيها، يقال: سنّ الطريقة: إذا سار فيها، كاستنّها (١) والسنّة الحسنة: هي الطريقة المرضيّة التي يُقتَدَى فيها، قال ابن الأثير: والأصل فيها الطريقة والسيرة، وإذا أُطلقت في الشرع فإنما يُراد بها ما أمر به النبيّ ﷺ ، ونَهى عنه، ونَدَبَ إليه قولًا وفعلًا، مما لم ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال في أدلّة الشرع الكتاب والسنّة، أي القرآن والحديث. انتهى (٢).
والمراد هنا الإطلاق الأول، لا الثاني، والتمييز بين الحسنة والسيّئة بموافقة الكتاب والسنّة، وعدم موافقتهما.
وقال الطيبيّ: السنّة ما وضعه رسول الله ﷺ من أحكام الدين، وهي قد تكون فرضًا، كزكاة الفطر، وغير فرض، كصلاة العيد، وصلاة الجماعة (٣)، وقراءة القرآن في غير الصلاة، وتحصيل العلم، وما أشبه ذلك. انتهى (٤).
وهذا الحديث له قصّةٌ توضّح سبب قوله ﷺ : "منّ سنة حسنةً إلخ"، وقد ساقه الإمام مسلم ﵀ في "صحيحه" بطوله، ودونك نصّه:
قال: حدثني محمد بن المثنى العنزي، أخبرنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عون بن أبي جُحيفة، عن المنذر بن جرير، عن أبيه، قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر
стр. 1883
النهار، قال: فجاءه قوم حُفَاةٌ عُرَاةٌ، مُجتابي (١) النَّمَار أو العَبَاء، مُتَقَلِّدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتَمَعَّر (٢) وجه رسول الله ﷺ لِمَا رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا، فأذن وأقام فصلى (٣)، ثم خطب، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء:١] إلى آخر الآية، ﴿إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ والآية التي في الحشَر ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٨]، تَصَدَّقَ رجل (٤) من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرّه، من صاع تمره -حتى قال: ولو بشِقّ تمرة، قال: فجاء رجل من الأنصار بِصُرّة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كَوْمَين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل (٥) كأنه مُذْهَبَةٌ (٦) فقال رسول الله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".
(فَعُمِلَ) بالبناء للمفعول، والفاء تفصيليّة وتفسيريّة، كما في قوله : ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ﴾ الآية [هود: ٤٥]، أي فعَمِل الناس (بِها) أي بتلك السنّة (كَانَ لَهُ أَجْرُها) أي أجر عملها، والإضافة لأدنى ملابسة، فإن السنّة الحسنة لمّا كانت سببًا في ثبوت أجر عاملها أُضيف الأجر إليها بهذه المناسبة، كذا قال الطيبيّ، فقال
стр. 1884
التوربشتيّ: والصواب "أجره"؛ لعود الضمير إلى صاحب الطريقة، أي أجر عمله، هو غير لازم، ولا وجه لتغليط الرواة إذا احتمل الكلام التصحيح بوجهٍ ما، فكيف والتصحيح هاهنا واضح. قاله السنديّ (١) (وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِها) ببناء الفعل للفاعل (لَا يَنْقُصُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب نصر، مبنيًّا للفاعل، وضميره لإعطاء مثل العاملين لمن سَنَّ (مِنْ أُجُورهِمْ) أي من أجور العاملين لمن سنّها، وإنما أفرد الضمير في قوله: "عمِلَ بها" رعاية للفظ "مَنْ"، وجمعه هنا رعاية لمعناها (شيْئًا) مفعول به لـ "ينقُص"؛ لأنه هنا متعدّ، وقد سبق أن يتعدّى ويلزم، فمن المتعدّي قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، وقوله: ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود:١٠٩].
ويحتمل أن يكون لازمًا، فعليه يكون "شيئًا" مفعولأ مطلقًا، أي نقصًا ما.
وإنما لم ينقُص من أجورهم شيئًا لأنه حصل له الأجر باعتبار أنه سنّ العمل، وابتدأه، ودلّ وحثّ الناس عليه، والعاملون حصل لهم باعتبار عملهم، فلم يتواردوا على محلّ واحد حتى يُتوهّم أن حصول أحدهما ينقص الآخر، والأصل الأساسي في ذلك فضل الله ، وسعة كرمه، وكثرة رأفته بعباده ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
(وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً) هي التي تخالف الكتاب والسنة، كما أسلفناه (فَعُمِلَ بِها، كَانَ عَلَيْهِ) أي على الذي ابتدأها (وِزْرُها) أي إثم عمله بها (وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِها مِنْ بَعدهِ) أي بعد عمله، أو بعد موته (لَا ينْقُصُ) إعطاؤه ذلك (مِن أَوزَارِهِم شَيْئًا) سبق آنفًا أنه يحتمل أن يكون مفعولًا به، أو مفعولًا مطلقًا، وقد استوفيت شرح هذا الحديث بسياقه المطوّل الذي سبق في "شرح النسائي"، فراجعه تستفد (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 1885
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جرير بن عبد الله ﵁ هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٦/ ٢٠٣) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٦٧٠) و (عليّ بن الجعد) (٥٣١) و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (٣/ ١٠٩ - ١١٠) و (الحميديّ) في "مسنده" (٨٠٥) و (الدارميّ) في "سننه" (٥٢٠) و (مسلم) ٣١/ ٨٦ و ٨٧ و ٨/ ٦٢ و (الترمذيّ) (٢٦٧٥) و (النسائيّ) ٥/ ٧٥ و (ابن خزيمة) (٢٤٧٧) و (ابن حبان) (٣٣٠٨) و (الطبراني) (٣٧٢ و ٣٧٤ و٣٧٥) و (البيهقي) ٤/ ١٧٥ و ١٧٦ و (البغوي) (١٦٦١) و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٥٧ و ٣٥٨ و ٣٥٩ و٣٦٠ و ٣٦١ و ٣٦٢) والروايات مطوّلة، ومختصرة، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو واضح.
٢ - (ومنها): الحثّ والتحريض على الابتداء بالخيرات، وسَن السنن الحسنات.
٣ - (ومنها): التحذير من البدع والخرافات التي لا يؤيِّدها دليلٌ شرعيّ، نجل يردّها ويُبطلها، قال النووي ﵀: هذا الحديث صريح في الحثّ على استحباب سن الأمور الحسنة، وتحريم سَنّ الأمور السيّئة. انتهى (١).
٤ - (ومنها): أن بعض الأعمال لا ينقطع ثوابها، وكذا أوزارها، وهي التي تكون سببًا للاقتداء بفاعلها، فيجب على العاقل أن يكون مفتاحًا للخير، لا مفتاحًا للشر، وسيأتي للمصنّف من حديث سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن هذا الخير خزائن، ولتلك الخزائن مفاتيح، فطوبى لعبد جعله الله مفتاحًا للخير، مِغْلاقًا للشر،
стр. 1886
وويل لعبد جعله الله مفتاحًا للشرّ، مِغلاقًا للخير" (١).
٥ - (ومنها): أن ظاهر هذا الحديث يدلّ على أنه يحصل هذا الأجر للبادىء، ولو لم ينو أن يتبعه أحد فيها، ففيه ثبوت الأجر مع عدم النيّة، فيكون مخصّصًا للحديث المتّفق عليه: "إنما الأعمال بالنيات"، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٠٤ - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَني أَبِي، قَالَ: حَدَّثَني أَبِي، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَحَثَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: عِنْدِي كَذَا وَكَذَا، قَالَ: كما بَقِيَ في المجْلِسِ رَجُلٌ إِلَّا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ، بِمَا قَلَّ أَوْ كثُرَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ اسْتَنَّ خَيْرًا، فَاسْتُنَّ بِهِ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ كامِلًا، وَمِنْ أُجُورِ مَنْ اسْتَنَّ بِهِ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئًا، وَمَنْ اسْتَنَّ سُنّة سَيِّئَةً، فَاسْتُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ كَامِلًا، وَمنْ أَوْزَارِ الَّذِي اسْتَنَّ بِهِ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهم شَيْئًا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ) أبو عُبيدة الْعَنْبريّ البصريّ، صدوق [١١].
رَوَى عن أبيه، وأبي خالد الأحمر، وأبي عاصم النبيل، وأبي معمر المقعد البصري.
ورَوَى عنه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو حاتم، وابن أبي عاصم، وابن خزيمة، ومحمد بن إسحاق السراج، وآخرون.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال السراج: مات في رمضان سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
стр. 1887
وفي "الزهرة" إن مسلمًا رَوَى عنه سبعة عشر حديثًا. انتهى.
وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط: هذا (٢٠٣) وحديث (١٩٤٢) "لا يحرِّم إلا عشر رضعات ... "، وحديث (٢٣١٩) "من ادّعى ما ليس له فليس منا ... ".
٢ - (أبوهُ) عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد التّميميّ العنبريّ مولاهم التَّنّوريّ -بفتح المثناة، وتشديد النون- أبو سَهْل البصريّ، صدوق ثَبْت في شعبة [٩].
رَوَى عن أبيه، وعكرمة بن عمار، وحرب بن شداد، وسليمان بن المغيرة، وشعبة، وحماد بن سلمة، وأبان العطار، وهشام الدستوائي، وهمام بن يحيى، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد الوارث، وأحمد، وإسحاق، وأبو خيثمة، وإسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وحجاج بن الشاعر، وعبدة الصَّفّار، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوقٌ، صالح الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة -إن شاء الله-.
وقال: الحاكم: ثقة مأمون. وقال ابن قانع: ثقة يخطىء. ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير. وقال علي بن المديني: عبد الصمد ثَبْتٌ في شعبة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ست أو سبع ومائتين، وقال ابنه عبد الوارث وغيره: مات سنة سبع، وقال البلاذريّ: مات آخر سنة ست وأول سنة سبع.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا.
[تنبيه]: سقط من النسخ التي بين يديّ قوله: "عن أبيه"، وهو غلط فاحش (١)، فليُتنبّه، والتصويب من "تحفة الأشراف" ١٠/ ٣٣٧، فراجعه، والله تعالى أعلم.
٣ - (أبوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العبريّ مولاهم، أبو عبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، أحد الأعلام، ثقة ثبت، رُمي بالقدر، ويقال: لم يثبُت عنه [٨].
رَوَى عن عبد العزيز بن صُهيب، وشعيب بن الحبحاب، وأبي التياح، ويحيى بن إسحاق الحضرمي، وأيوب السختياني، وأيوب بن موسى، وداود بن أبي هند، وخالد
стр. 1888
الحذاء، وحسين المعلم، وسعيد الجريري، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم.
ورَوَى عنه الثوري، وهو أكبر منه، وابنه عبد الصمد، وعَفّان بن مسلم، ومُعَلَّى ابن منصور، ومسدد، وعارم، وأبو معمر المُقْعَد، وحَبّان بن هلال، وحميد بن مسعدة، وأبو عاصم النبيل، وقتيبة، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وغيرهم.
قال معاذ بن معاذ: سألت أنا يحيى بن سعيد شعبة رَوَى عن شيء من حديث أبي التَّياح، فقال: ما يمنعكم من ذاك الشابّ؟ -يعني عبد الوارث- فما رأيت أحدًا أحفظ لحديث أبي التياح منه. وقال القواريري: كان يحيى بن سعيد يُثَبِّته، فإذا خالفه أحد من أصحابه، قال: ما قال عبد الوارث. وقال أحمد: كان عبد الوارث أصح حديثًا من حسين المعلم، وكان صالحًا في الحديث. وقال معاوية بن صالح: قلت ليحيى بن معين: مَن أثبت شيوخ البصريين؟ فقال: عبد الوارث، مع جماعة سماهم وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: هو مثل حماد بن زيد في أيوب، قلت: فالثقفي أحب إليك أو عبد الوارث؟ قال: عبد الوارث، قلت: فابنُ علية أحب إليك في أيوب أو عبد الوارث؟ قال: عبد الوارث. وقال أبو عمر الجزميّ: ما رأيت فقيهًا أفصح منه، إلا حماد بن سلمة. وقال أبو علي المُوْصِلي: قَلّمَا جلسنا إلى حماد بن زيد، إلا نهانا عن عبد الوارث، وجعفر بن سليمان. وقال البخاري: قال عبد الصمد: إنه لمكذوب على أبي، وما سمعتُ منه يقول قط في القدر، وكلام عمرو بن عبيد. وقال أبو زُرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوقٌ، ممن يُعَدُّ مع ابن علية، ووهيب، وبشر بن المفضل، يُعَدّ من الثقات، هو أثبت من حماد بن سلمة. وقال النسائي: ثقةٌ ثَبْتٌ. وقال ابن سعد: كان ثقةً حجةً، تُوُفّي بالبصرة في المحرم سنة ثمانين ومائة. وقال ابن حبّان في "الثقات": بلغ الثمانين وسبعين سنة وشهرًا، قال: وكان قَدَريّا متقنًا في الحديث.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا.
٤ - (أيوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبتٌ حجة، من كبار الفقهاء العبّاد [٥] ٢/ ١٧.
стр. 1889
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثَبْتٌ عابدٌ، كبير القدر [٣] ٣/ ٢٤.
٦ - (أبو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ﵁ ١/ ١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين.
٤ - (ومنها): أَنَّ فيه رواية الابن عن أبيه، عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أيوب عن ابن سيرين.
٦ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة ﷺ إذا روى عن أيوب حمادُ ابن زيد، على ما نُقل عن عليّ بن المدينيّ، فإنه قال: أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁ حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عنه.
٧ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) أي رجلٌ ذو فاقة، وفقر، وحاجة إلى التصدّق عليه، والظاهر أن هذه الواقعة غير الواقعة المذكورة في الحديث السابق؛ لأن سياق القصّتين مختلف (فحَثَّ عَلَيْهِ) أي حرّض على التصدّق على ذلك الرجل، يقال: حَثَثْتُ الإنسان على الشيء حَثًّا، من باب نمر: إذا حرّضته عليه (فَقَالَ رَجُلٌ) أي من الصحابة الحاضرين (عِنْدِي كَذَا وَكَذَا) أي من المال، وأنا أجعله صدقةً لله تعالى عليه، ثم جاء به قبل مجيىء الناس بمالهم، فتبعه الناس عليه، فلذلك قال ﷺ : "من استنّ خيرًا ... " (قَالَ) أبو هريرة ﵁ (فَمَا بَقِيَ في المجْلِسِ رَجُلٌ إِلا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ) أي على الرجل المسكين (بِمَا قَلَّ أَوْ كثُرَ) أي بقليل من مال، أو كثير، فـ "ما" موصوفة،
стр. 1890
وجعلها موصولةً لا يساعده المقام، قاله السنديّ (١) (فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ ) عند رؤيته ذلك، مستبشرًا بزوال حاجة الرجل، وبمبادرة أصحابه إلى تنفيذ أمره، وإيثارهم بمالهم على أنفسهم، كما قاله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] (مَنْ اسْتَنَّ خَيْرًا) ببناء الفعل للفاعل، أي فَعَل فعلًا جميلًا (فَاسْتُن بهِ) بالبناء للمفعول، أي اقتُدي به في ذلك (كَانَ لَهُ أَجْر) أي أجر عمله (كَامِلًا، وَ) له أَجرٌ أيضًا (مِنْ أُجُورِ مَنْ اسْتَنَّ بِهِ) بالبناء للفاعل، أي اقتدى بفعله، والظاهر أن "من" ابتدائيّة، وليست تبعيضيّة، أو هي بيانيّة، والله تعالى أعلم (وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أجُورِهِم شَيْئًا) تقدّم وجه نصبه في الحديث الماضي فلا تغفل (وَمَنْ اسْتَنَّ) بالبناء للفاعل (سُنَّة سَيِّئَةً) أي فَعَلَ فعلًا قبيحًا (فَاسْتُنَّ بِهِ) بالبناء للمفعول (فَعَلَيْهِ وِزْره) أي إثم عمله (كَامِلًا، وَمنْ أَوْزَارِ الَّذِي اسْتَنَّ بِهِ) بالبناء للفاعل (وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِم شَيْئًا) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٦/ ٢٠٤) بهذا السند فقط، وهو من أفراده، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٥٢٠)، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 1891
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أوّل الكتاب قال:
٢٠٥ - (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ المصْرِيُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سعدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أنس بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أنهُ قَالَ: "أيما دَاعٍ دَعَا إِلَى ضَلَالة فَاتُّبعَ، فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ أَوْزَارِ مَنْ اتَّبَعَهُ، وَلَا يَنْقُصُ مِن أَوْزَارِهِم شَيْئًا، وَأيما دَاعٍ دَعَا إِلَى هُدًى فَاتُّبعَ، فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عِيسَى بْنُ حَمَّاد المصرِيُّ) هو: عيسى بن حماد بن مسلم بن عبد الله التجيبيّ، أبو موسى، لقبه زُغْبَة -بضم الزاي، وسكون الغين المعجمة، بعدها موحّدة- وهو لقب أبيه أيضًا، ثقة [١٠].
رَوَى عن الليث بن سعد، وهو آخر من حَدّث عنه من الثقات، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ورِشْدين بن سعد، وابن وهب، وابن القاسم، وجماعة.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وعبد الرحمن بن عبد الله ابن عبد الحكم، وأبو حاتم، وعبدان الأهوازي، وأبو زرعة، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقة رَضِيّ، وقال أبو داود: لا بأس به. وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به. وقال الدارقطني: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن يونس: جاوز في سنه التسعين، تُوفي في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين ومائتين. وقال ابن حبان: مات سنة (٩). وقال أبو عَمرو الْكِنْديّ في "الموالي": زُغْبَة لقب أبيه حماد، وزعم الشيرازي أنه لقب عيسى، والصواب الأول، ويؤيده أن الطبراني لمّا رَوَى عن أخيه أحمد، قال: ثنا أحمد بن حماد زُغْبة، وقال ابن قانع: عيسى زُغبة، وفي "الزهرة": رَوَى عنه مسلم تسعة أحاديث انتهى.
وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٢ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعدٍ) أبو الحارث الفهميّ المصريّ الإمام الثبت الحجة [٧] ٢/ ١٥.
стр. 1892
٣ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) واسمه سُوَيد الأزدي مولاهم، وقيل: غير ذلك في ولائه، أبو رَجَاء المصريّ، ثقة فقيه، يُرسل [٥]. رَوَى عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبيدي، وأبي الطفيل، وأسلم بن يزيد أبي عمران، وإبراهيم بن عبد الله بن حُنين، وخَيْر بن نُعيم الحضرمي، وسويد بن قيس التجيبي، وعطاء بن أبي رباح، وعِراك بن مالك، وغيرهم. وروى عنه سليمان التيميّ، ومحمد بن إسحاق، وعمرو بن الحارث، وابنُ لَهيعة، والليث بن سعد، ويحيى بن أيوب، وآخرون.
قال أبو سعيد بن يونس: كان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان حليمًا عاقلًا، وكان أول من أظهر العلم بمصر، والكلام في الحلال والحرام، ومسائلَ. وقال الليث: يزيد ابن أبي حبيب سيدنا وعالمنا. وقال الآجري عن أبي داود: لم يَسمع من الزهريّ. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن يزيد بن أبي حبيب وموسى الجهنِيّ أيهما أحب إليك؟ فقال: يزيد، قال: وسئل أبو زرعة عن يزيد؟ فقال: مصريّ ثقة. وقال العجلي: مصري تابعي ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: يزيد بن أبي حبيب، عن عقبة بن عامر مرسل. وقال الليث: ثنا يزيد بن أبي حبيب وعبد الله بن أبي جعفر، وهما جَوْهرِيّا البلد. وقال ابن وهب: لو جُعلا في ميزان ما رَجَحَ أحدهما على الآخر. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وقال غيره: بَلَغَ زيادةً على خمس وسبعين سنة، وفيها أَرّخه ابن يونس، وقال رَوَى عنه الأكابر من أهل مصر، ثم رَوَى عن ابن لَهيعة أنه وُلد سنة ثلاث وخمسين. وقال البخاري: قال يحيى بن بكير: هو ابن قيس، ويقال: سُوَيد، وله أخ اسمه خَليفة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٣) حديثًا.
٤ - (سعدُ بْنُ سِنَانٍ) ويقال: سنان بن سعد الكنديّ، المصريّ، وصوّب الثاني البخاري، وابن يونس، صدوقٌ له أفراد [٥].
رَوَى عن أنس، وعنه يزيد بن أبي حبيب وحده، فالليث بن سعد يقول: عن
стр. 1893
يزيد، عن سعد بن سنان، وعمرو بن الحارث، وابن لهيعة يقولان: عن يزيد، عن سنان ابن سعد، ورَوَى ابن إسحاق عن يزيد عنه أحاديث، سَمّاه في بعضها سعد بن سنان، وفي بعضها سنان بن سعد، وفي بعضها سعيد بن سنان. وقال ابن حبان في "الثقات" حَدّث عنه المصريون، وأرجو أن يكون الصحيح سنان بن سعد، وقد اعتبرت حديثه، فرأيت ما رُوي عن سنان بن سعد يشبه أحاديث الثقات، وما رُوي عن سعد بن سنان، وسعيد بن سنان فيه المناكير، كأنهما، اثنان، وقال محمد بن علي الورّاق، عن أحمد بن حنبل: لم أكتب أحاديث سنان بن سعد؛ لأنهم اضطربوا فيها، فقال بعضهم: سعد بن سنان، وبعضهم سنان بن سعد. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: تركت حديثه، لأنه مضطربٌ غير محفوظ، قال: وسمعته مرة أخرى يقول: يُشبه حديثه حديث الحسن، لا يشبه حديث أنس.
وقال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن سعد بن سنان الذي رَوَى عنه يزيد بن أبي حبيب، فقال: ثقة. وقال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: سنان بن سعد سَمِع أنسًا؟ فغضب من إجلاله له. وقال الجُوزَجاني: سعد بن سنان أحاديثه واهية. وقال النسائي: منكر الحديث. وقال ابن سعد: سنان بن سعد، منكر الحديث. وقال البخاري: سنان بن سعد، وعنه أحمد ابن حنبل، وحكى البخاري الخلاف في اسمه، ثم قال: والصحيح عندي سنان بن سعد، وهو صالح، مقارب الحديث، وسعد بن سنان خطأ، إنما قاله الليث، ولذلك ذكره البخاريّ فيمن اسمه "سنان" من "تاريخه الكبير"، وكذا صوب ابن يونس كونه سنان بن سعد، وذكر أن محمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي رَوَى عنه أيضًا. وقال ابن معين: سمع عبدُ الله بن يزيد من سنان بن سعد بعدما اختلط. وقال أبو أحمد بن عديّ: وهذه الأحاديث يحمل بعضها بعضًا، وليست هذه الأحاديث مما يجب أن يُترك أصلًا.
وقال العجلي: مصريّ تابعيّ ثقة.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن قوله في "التقريب": صدوق له أفراد،
стр. 1894
مسلم، فما اعترض به الدكتور بشار فيما كتبه على هامش "تهذيب التهذيب" ١٠/ ٢٦٨ وفي "كتابه الآخر" تحرير التقريب ٢/ ١٦ من تضعيفه متعقّبًا على الحافظ ليس مقبولًا؛ لأنه وإن ضعفه بعضهم، كأحمد وغيره، فقد وثقه ابن معين، والعجليّ، وابن حبّان، وقواه البخاريّ، وقال: صالح، مقارب الحديث، وابن عديّ، فمثل هذا لا يُطلق عليه لفظ الضعيف، فأقلّ أحواله أن يكون حسن الحديث، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط برقم ٢٠٥ و ٢٧٣ و ١٥٩٦ و ١٨٠٨ و ٣٩٨٧ و٤٠٣١ و ٤٠٥٦ و ٤٢١٤.
٥ - (أنس بْنُ مَالك) الصحابي الشهير ﵁ ٣/ ٢٤. والله تعالى أعلم.
وشرح الحديث واضح يُعلم مما سبق، وكذا فوائده.
وقوله: "فاتّبع" بتشديد التاء المضمومة، مبنيّا للمفعول، افتعال، من تَبعَ، أي اقتُدي به في ذلك.
وقوله: "من اتّبعه" بتشديد التاء المفتوحة، مبنيّا للفاعل.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده سعد بن سنان، وقد اختُلف فيه؟
[قلت]: سعد بن سنان، سبق أن قلنا: إنه حسن الحديث، وحديثه هذا يشهد له حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بعده، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٦/ ٢٠٥) فقط، وهو من أفراده، فلم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره.
[تنبيه]: قال البوصيريّ ﵀: هذا إسناد ضعيف، لضعف سعد بن سنان،
стр. 1895
وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ رواه ابن ماجه، والترمذيّ، وقال: حديث حسنٌ صحيح. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت الكلام في سعد بن سنان فيما أسلفته آنفًا، فلا تغفل، وأشار بحديث أبي هريرة ﵁ الآتي بعد هذا، وقد أخرجه الترمذيّ من حديث أنس ﵁ أيضًا من طريق ليث بن أبي سُليم، عن بشر، عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من داع دعا إلى شيء إلا كان موقوفًا يوم القيامة، لازمًا به لا يفارقه، وإن دعا رجل رجلًا، ثم قرأ قول الله : ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٤ - ٢٥]، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. انتهى.
وليث متروك الحديث، وبشر لا يُعرف، كما قال الذهبيّ.
وأخرجه أحمد في مسنده من طريق عبيد الله بن موهب، عن مالك بن محمد بن حارثة الأنصاري، أن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من رجل يُنعِش لسانه حقًّا يُعمَل به بعده، إلا أجرى الله عليه أجره إلى يوم القيامة، ثم وفاه الله ثوابه يوم القيامة".
وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده عبيد الله قال الشافعيّ، وأحمد بن حنبل: لا يُعرف، وقال ابن القطان: مجهول الحال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٠٦ - (حَدَّثَنَا أبو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثمانَ الْعُثماني، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ دَعَا إِلى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أُجُورِهِم شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، فَعَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ اتَّبَعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهم شَيْئًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أبو مَرْوَانَ مُحَمدُ بْنُ عُثمانَ الْعُثْماني) الأمويّ المدنيّ، نزيل مكة، صدوقٌ