وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أوّل الكتاب قال:
٢٠٥ - (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ المصْرِيُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سعدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أنس بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أنهُ قَالَ: "أيما دَاعٍ دَعَا إِلَى ضَلَالة فَاتُّبعَ، فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ أَوْزَارِ مَنْ اتَّبَعَهُ، وَلَا يَنْقُصُ مِن أَوْزَارِهِم شَيْئًا، وَأيما دَاعٍ دَعَا إِلَى هُدًى فَاتُّبعَ، فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عِيسَى بْنُ حَمَّاد المصرِيُّ) هو: عيسى بن حماد بن مسلم بن عبد الله التجيبيّ، أبو موسى، لقبه زُغْبَة -بضم الزاي، وسكون الغين المعجمة، بعدها موحّدة- وهو لقب أبيه أيضًا، ثقة [١٠].
رَوَى عن الليث بن سعد، وهو آخر من حَدّث عنه من الثقات، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ورِشْدين بن سعد، وابن وهب، وابن القاسم، وجماعة.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وعبد الرحمن بن عبد الله ابن عبد الحكم، وأبو حاتم، وعبدان الأهوازي، وأبو زرعة، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقة رَضِيّ، وقال أبو داود: لا بأس به. وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به. وقال الدارقطني: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن يونس: جاوز في سنه التسعين، تُوفي في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين ومائتين. وقال ابن حبان: مات سنة (٩). وقال أبو عَمرو الْكِنْديّ في "الموالي": زُغْبَة لقب أبيه حماد، وزعم الشيرازي أنه لقب عيسى، والصواب الأول، ويؤيده أن الطبراني لمّا رَوَى عن أخيه أحمد، قال: ثنا أحمد بن حماد زُغْبة، وقال ابن قانع: عيسى زُغبة، وفي "الزهرة": رَوَى عنه مسلم تسعة أحاديث انتهى.
وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٢ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعدٍ) أبو الحارث الفهميّ المصريّ الإمام الثبت الحجة [٧] ٢/ ١٥.
стр. 1892
٣ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) واسمه سُوَيد الأزدي مولاهم، وقيل: غير ذلك في ولائه، أبو رَجَاء المصريّ، ثقة فقيه، يُرسل [٥]. رَوَى عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبيدي، وأبي الطفيل، وأسلم بن يزيد أبي عمران، وإبراهيم بن عبد الله بن حُنين، وخَيْر بن نُعيم الحضرمي، وسويد بن قيس التجيبي، وعطاء بن أبي رباح، وعِراك بن مالك، وغيرهم. وروى عنه سليمان التيميّ، ومحمد بن إسحاق، وعمرو بن الحارث، وابنُ لَهيعة، والليث بن سعد، ويحيى بن أيوب، وآخرون.
قال أبو سعيد بن يونس: كان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان حليمًا عاقلًا، وكان أول من أظهر العلم بمصر، والكلام في الحلال والحرام، ومسائلَ. وقال الليث: يزيد ابن أبي حبيب سيدنا وعالمنا. وقال الآجري عن أبي داود: لم يَسمع من الزهريّ. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن يزيد بن أبي حبيب وموسى الجهنِيّ أيهما أحب إليك؟ فقال: يزيد، قال: وسئل أبو زرعة عن يزيد؟ فقال: مصريّ ثقة. وقال العجلي: مصري تابعي ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: يزيد بن أبي حبيب، عن عقبة بن عامر مرسل. وقال الليث: ثنا يزيد بن أبي حبيب وعبد الله بن أبي جعفر، وهما جَوْهرِيّا البلد. وقال ابن وهب: لو جُعلا في ميزان ما رَجَحَ أحدهما على الآخر. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وقال غيره: بَلَغَ زيادةً على خمس وسبعين سنة، وفيها أَرّخه ابن يونس، وقال رَوَى عنه الأكابر من أهل مصر، ثم رَوَى عن ابن لَهيعة أنه وُلد سنة ثلاث وخمسين. وقال البخاري: قال يحيى بن بكير: هو ابن قيس، ويقال: سُوَيد، وله أخ اسمه خَليفة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٣) حديثًا.
٤ - (سعدُ بْنُ سِنَانٍ) ويقال: سنان بن سعد الكنديّ، المصريّ، وصوّب الثاني البخاري، وابن يونس، صدوقٌ له أفراد [٥].
رَوَى عن أنس، وعنه يزيد بن أبي حبيب وحده، فالليث بن سعد يقول: عن
стр. 1893
يزيد، عن سعد بن سنان، وعمرو بن الحارث، وابن لهيعة يقولان: عن يزيد، عن سنان ابن سعد، ورَوَى ابن إسحاق عن يزيد عنه أحاديث، سَمّاه في بعضها سعد بن سنان، وفي بعضها سنان بن سعد، وفي بعضها سعيد بن سنان. وقال ابن حبان في "الثقات" حَدّث عنه المصريون، وأرجو أن يكون الصحيح سنان بن سعد، وقد اعتبرت حديثه، فرأيت ما رُوي عن سنان بن سعد يشبه أحاديث الثقات، وما رُوي عن سعد بن سنان، وسعيد بن سنان فيه المناكير، كأنهما، اثنان، وقال محمد بن علي الورّاق، عن أحمد بن حنبل: لم أكتب أحاديث سنان بن سعد؛ لأنهم اضطربوا فيها، فقال بعضهم: سعد بن سنان، وبعضهم سنان بن سعد. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: تركت حديثه، لأنه مضطربٌ غير محفوظ، قال: وسمعته مرة أخرى يقول: يُشبه حديثه حديث الحسن، لا يشبه حديث أنس.
وقال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن سعد بن سنان الذي رَوَى عنه يزيد بن أبي حبيب، فقال: ثقة. وقال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: سنان بن سعد سَمِع أنسًا؟ فغضب من إجلاله له. وقال الجُوزَجاني: سعد بن سنان أحاديثه واهية. وقال النسائي: منكر الحديث. وقال ابن سعد: سنان بن سعد، منكر الحديث. وقال البخاري: سنان بن سعد، وعنه أحمد ابن حنبل، وحكى البخاري الخلاف في اسمه، ثم قال: والصحيح عندي سنان بن سعد، وهو صالح، مقارب الحديث، وسعد بن سنان خطأ، إنما قاله الليث، ولذلك ذكره البخاريّ فيمن اسمه "سنان" من "تاريخه الكبير"، وكذا صوب ابن يونس كونه سنان بن سعد، وذكر أن محمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي رَوَى عنه أيضًا. وقال ابن معين: سمع عبدُ الله بن يزيد من سنان بن سعد بعدما اختلط. وقال أبو أحمد بن عديّ: وهذه الأحاديث يحمل بعضها بعضًا، وليست هذه الأحاديث مما يجب أن يُترك أصلًا.
وقال العجلي: مصريّ تابعيّ ثقة.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن قوله في "التقريب": صدوق له أفراد،
стр. 1894
مسلم، فما اعترض به الدكتور بشار فيما كتبه على هامش "تهذيب التهذيب" ١٠/ ٢٦٨ وفي "كتابه الآخر" تحرير التقريب ٢/ ١٦ من تضعيفه متعقّبًا على الحافظ ليس مقبولًا؛ لأنه وإن ضعفه بعضهم، كأحمد وغيره، فقد وثقه ابن معين، والعجليّ، وابن حبّان، وقواه البخاريّ، وقال: صالح، مقارب الحديث، وابن عديّ، فمثل هذا لا يُطلق عليه لفظ الضعيف، فأقلّ أحواله أن يكون حسن الحديث، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط برقم ٢٠٥ و ٢٧٣ و ١٥٩٦ و ١٨٠٨ و ٣٩٨٧ و٤٠٣١ و ٤٠٥٦ و ٤٢١٤.
٥ - (أنس بْنُ مَالك) الصحابي الشهير ﵁ ٣/ ٢٤. والله تعالى أعلم.
وشرح الحديث واضح يُعلم مما سبق، وكذا فوائده.
وقوله: "فاتّبع" بتشديد التاء المضمومة، مبنيّا للمفعول، افتعال، من تَبعَ، أي اقتُدي به في ذلك.
وقوله: "من اتّبعه" بتشديد التاء المفتوحة، مبنيّا للفاعل.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده سعد بن سنان، وقد اختُلف فيه؟
[قلت]: سعد بن سنان، سبق أن قلنا: إنه حسن الحديث، وحديثه هذا يشهد له حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بعده، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٦/ ٢٠٥) فقط، وهو من أفراده، فلم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره.
[تنبيه]: قال البوصيريّ ﵀: هذا إسناد ضعيف، لضعف سعد بن سنان،
стр. 1895
وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ رواه ابن ماجه، والترمذيّ، وقال: حديث حسنٌ صحيح. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت الكلام في سعد بن سنان فيما أسلفته آنفًا، فلا تغفل، وأشار بحديث أبي هريرة ﵁ الآتي بعد هذا، وقد أخرجه الترمذيّ من حديث أنس ﵁ أيضًا من طريق ليث بن أبي سُليم، عن بشر، عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من داع دعا إلى شيء إلا كان موقوفًا يوم القيامة، لازمًا به لا يفارقه، وإن دعا رجل رجلًا، ثم قرأ قول الله : ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٤ - ٢٥]، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. انتهى.
وليث متروك الحديث، وبشر لا يُعرف، كما قال الذهبيّ.
وأخرجه أحمد في مسنده من طريق عبيد الله بن موهب، عن مالك بن محمد بن حارثة الأنصاري، أن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من رجل يُنعِش لسانه حقًّا يُعمَل به بعده، إلا أجرى الله عليه أجره إلى يوم القيامة، ثم وفاه الله ثوابه يوم القيامة".
وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده عبيد الله قال الشافعيّ، وأحمد بن حنبل: لا يُعرف، وقال ابن القطان: مجهول الحال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٠٦ - (حَدَّثَنَا أبو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثمانَ الْعُثماني، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ دَعَا إِلى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أُجُورِهِم شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، فَعَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ اتَّبَعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهم شَيْئًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أبو مَرْوَانَ مُحَمدُ بْنُ عُثمانَ الْعُثْماني) الأمويّ المدنيّ، نزيل مكة، صدوقٌ
стр. 1896
يُخطىء [١٠] ٢/ ١٤.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِم) سلمة بن دينار المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ [٨]، ٣٥/ ١٩٧.
٣ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرحمَنِ) بن يعقوب الحُرَقي -بضم المهملة، وفتح الراء، بعدها قاف- أبو شِبْل -بكسر المعجمة، وسكون الموحّدة- المدنيّ، مولى الحُرَقة، من جهينة، صدوق ربما وَهِمَ [٥].
رَوَى عن أبيه، وابن عمر، وأنس، وأبي السائب مولى هشام بن زهرة، ونعيم المجمر، وسعد بن كعب بن مالك، وعباس بن سهل لن سعد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه شِبْل، وابن جريج، وعبيد الله بن عمر، وابن إسحاق، ومالك، ومحمد بن عجلان، ورَوْح بن القاسم، وحفص بن ميسرة، والدّرَاوردي، وابن أبي حازم، وشعبة، والسفيانان، ومحمد وإسماعيل ابنا جعفر بن أبي كثير، وآخرون.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، لم أسمع أحدًا ذكره بسوء، قال: وسألت أبي عن العلاء وسهيل؟ فقال: العلاء فوق سهيل، وكذا قال حرب عن أحمد، وزاد: وفوق محمد بن عمرو. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس حديثه بحجة، وهو وسهيل قريب من السواء. وقال اين أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بذاك، لم يزل الناس يتوقون حديثه. وقال أبو زرعة: ليس هو بأقوى ما يكون. وقال أبو حاتم: صالحٌ، رَوَى عنه الثقات، ولكنه أُنكر من حديثه أشياء، وهو عندي أشبه من العلاء بن المسيب. وقال النسائي: ليس به بأس.
وقال ابن عدي: وللعلاء نُسَخٌ يرويها عنه الثقات، وما أَرى به بأسًا. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: صحيفة العلاء بالمدينة مشهورة، وكان ثقة، كثير الحديث، وتُوفي في أول خلافة أبي جعفر.
стр. 1897
وقال أبو داود: سُهيل أعلى عندنا من العلاء، أَنكروا على العلاء صيام شعبان -يعني حديث "إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا".
وقال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عن العلاء وابنه، كيف حديثهما؟ قال: ليس به بأس، قلت: هو أحب إليك، أو سعيد المقبري؟ قال: سعيد أوثق، والعلاء ضعيف -يعني بالنسبه إليه، يعني: كأنه لمّا قال: أوثق خَشِي أنه يَظُنّ أنه يشاركه في هذه الصفة، فقال: إنه ضعيف.
وقال البخاري: قال عليّ: مات سنة (٣٢)، وقال ابن الأثير: مات سنة (٣٩)، وقال الخليلي: مدني مختلف فيه؛ لأنه ينفرد بأحاديث، لا يُتابَع عليها، لحديثه: "إذا كان النصف من شعبان فلا تصوموا"، وقد أخرج له مسلم من حديث المشاهير دون الشواذّ، وقال الترمذي: هو ثقة عند أهل الحديث.
أخرج له البخاريّ، في "جزء القراءة"، والباقون، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا.
٤ - (أبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الجُهَنيّ، مولى الحُرَقَة، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وابن عمر، وهانئ مولى علي، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه العلاء، وسالم أبو النضر، ومحمد بن إبراهيم التيمي، ومحمد بن عجلان، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وعمر بن حفص بن ذكوان.
قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: هو أوثق، أو المسيب بن رافع؟ فقال: ما أقربهما. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن المديني مع الأعرج وغيره من أصحاب أبي هريرة. وقال العجلي: تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، والباقون"، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا.
٥ - (أبو هُرَيْرَةَ) ﵁ ١/ ١، وشرح الحديث وفوائده، تُعلم مما سبق، وفيه
стр. 1898
مسألتان تتعلّقان به:
(المسألة الأولى) في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثاني): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٦/ ٢٠٦) بهذا السند فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٩٧) و (الدارميّ) في "سننه" (٥١٩) و (مسلم) (٨/ ٦٢) و (أبو داود) (٤٦٠٩) و (الترمذيّ) (٢٦٧٤) و (ابن حبان) في "صحيحه" (١١٢) و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٠٧ - (حَدَثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحيَى، حَدَّثَنَا أبو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أبو إِسْرَائِيلَ، عَنْ الحكَمِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِها بَعدَهُ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ، وَمثْلُ أُجُورِهِم، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ سُنّة سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِها بَعدَهُ، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَمثْلُ أَوْزَارِهم، مِنْ غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوزَارِهِمْ شَيْئا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحمَّدُ بْنُ يَحيَى) الذهليّ الحافظ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (أبو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين، واسم أبيه عمرو بن حَمّاد بن زُهير بن درهم التيميّ مولى آل طلحة، الأحول الملائيّ -بضم الميم- مشهور بكنيته، ثقة ثبتٌ [٩].
رَوَى عن الأعمش، وأيمن بن نابل، وسلمة بن وَردان وسلصة بن نُبيط، ويونس ابن أبي إسحاق، وفطر بن خليفة، ومصعب بن سليم، وخلق كثير.
ورَوَى عنه البخاري فأكثر، وروى هو والباقون له بواسطة يوسف بن موسى القطان، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبي خيثية، وأبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وهارون بن عبد الله الحمال، وأحمد بن منيع، وخلق كثير.
стр. 1899
قال محمد بن سليمان الباغندي: سمعت أبا نعيم يقول: أنا الفضل بن عمرو بن حماد الطلحيّ، ودُكَين لَقَبٌ، وقيل: إن رجلا قال لأبي نعيم: كان اسم أبيك دُكَينًا؟ قال: كان اسم أبي عَمرًا ولكنه لَقّبه فَرْوة الجعفي دُكينا. وقال حنبل بن إسحاق: قال أبو نعيم: كتبت عن نيف ومائة شيخ، ممن كتب عنه سفيان. وقال الفضل بن زياد الجعفي عن أبي نعيم: شاركت الثوري في ثلاثة عشر ومائة شيخ. وقال أبو عوف البُزُوريّ عن أبي نعيم: قال لي سفيان مرة، وسألته عن شيء: أنت لا تبصر النجوم بالنهار، فقلت: وأنت لا تبصرها كلها بالليل، فضحك. وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: وكيع وعبد الرحمن بن مهدي ويزيد بن هارون، أين يقع أبو نعيم من هؤلاء؟ قال على النصف، إلا أنه كَيِّس يتحرى الصدق، قلت: فأبو نعيم أثبت أو وكيع؟ قال: أبو نعيم أقل خطأ، قلت: فأيما أحب إليك أبو نعيم أو ابن مهدي؟ قال: ما فيهما إلا ثَبْتٌ، إلا أن عبد الرحمن كان له فهم. وقال حنبل عن أحمد: أبو نعيم أعلم بالشيوخ وأنسابهم وبالرجال، ووكيع أفقه.
وقال يعقوب بن شيبة: أبو نعيم ثقة ثبت صدوق، سمعت أحمد بن حنبل يقول: أبو نعيم يُزاحَمُ به ابنُ عيينة، فقال له رجل: وأيُّ شيء عند أبي نعيم من الحديث؟ ووكيع أكثر رواية، فقال: هو على قلة روايته أثبت من وكيع. وعن أبي زرعة الدمشقي عن أحمد مثله. وقال الفضل بن زياد: قلت لأحمد: يجري عندك ابن فُضيل مجرى عبيد الله بن موسى؟ قال: لا، كان ابن فضيل أثبت، فقلت: وأبو نعيم يَجري مجراهما؟ قال: لا، أبو نعيم يقظان في الحديث، وقام في الأمر -يعني في الامتحان-. وقال المروذي عن أحمد: يحيى وعبد الرحمن، وأبو نعيم الحجة الثبت، كان أبو نعيم ثَبْتًا، وقال أيضًا عن أحمد: وإنما ورَفَعَ الله عفانَ وأبا نعيم بالصدق، حتى نُوِّه بذكرهما. وقال مُهنَّا: سألت أحمد عن عفان وأبي نعيم؟ فقال: هما الْعَقْدة، وفي رواية ذهبا مَحمُودَين. وقال زياد بن أيوب عن أحمد: أبو نعيم أقل خطأ من وكيع.
وقال عبد الصمد بن سليمان البلخي: سمعت أحمد يقول: ما رأيت أحفظ من
стр. 1900
وكيع، وكفاك بعبد الرحمن إتقانًا، وما رأيت أشد ثبتًا في الرجال من يحيى، وأبو نعيم أهل الأربعة خطأ، قلت: يا أبا عبد الله يُعطَى فيأخذ، فقال: أبو نعيم صدوق ثقة، موضعٌ للحجة في الحديث. وقال الميموني عن أحمد: ثقةٌ، كان يقظان في الحديث، عارفًا به، ثم قام في أمر الامتحان ما لم يقم غيره، عافاه الله، وأثنى عليه. وقال أحمد بن الحسن الترمذي: سمعت أحمد يقول: إذا مات أبو نعيم صار كتابه إمامًا، إذا اختلف الناس في شيء فَزِعُوا إليه. وقال أبو داود عن أحمد: كان يُعرَف في حديثه الصدق.
وقال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا عبدوس بن كامل قال: كنا عند أبي نعيم في ربيع الأول سنة سبع عشرة، فذكروا رؤيا رآها، فأوّلها أنه يعيش بعد ذلك يومين ونصفًا، أو شهرين ونصفًا، أو عامين ونصفًا، قال: فعاش بعد الرؤيا ثلاثين شهرًا، ومات لانسلاخ شعبان في سنة تسع عشرة، قال ابن سعد: وكان ثقةً مأمونًا، كثير الحديث حجةً.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٠) حديثًا.
٣ - (أبُو إِسرائيلَ) بن أبي إسحاق، هو إسماعيل بن خَلِيفة الْعَبسيّ -بالموحّدة- المُلائيّ الكوفيّ، معروف بكنيته، وقيل: اسمه عبد العزيز، صدوقٌ، سيّىء الحفظ، نُسِب إلى الْغُلُوّ في التشيّع [٧].
وَوَى عن الحكم بن عتيبة، وفُضيل بن عمرو الْفُقَيميّ، وإسماعيل السُّدّي، وعطية الْعَوْفي، وأبي عمر الْبَهْراني، وغيرهم.
ورَوَى عنه الثوري، وهو من أقرانه، وأبو أحمد الزُّبيري، ووكيع، وأبو نعيم، وإسماعيل بن صَبِيح اليشكري، وأبو الوليد الطيالسي، وغيرهم.
قال الأثرم عن أحمد: يكتب حديثه، وقد رَوَى حديثا منكرًا في القتل، وقال أحمد أيضًا، خالف الناس في أحاديث. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح الحديث، وقال في رواية معاوية بن صالح:، وقال في موضع آخر: أصحاب الحديث لا يكتبون حديثه. وقال ابن المثنى: ما سمعت عبد الرحمن حَدّث عنه شيئًا قط.
стр. 1901
وقال عمرو بن علي: ليس من أهل الكذب، قال: وسألت عبد الرحمن عن حديثه؟ فأبى أن يُحدّثني به، وقال: كان يشتم عثمان. وقال البخاري: تركه ابن مهدي، وقال أيضًا: يضعفه أبو الوليد.
وقال أبو زرعة: صدوق إلا أن في رأيه غُلُوا. وقال أبو حاتم: حسن الحديث، جَيِّد اللقاء، وله أغاليط، لا يحتج بحديثه، ويكتب حديثه، وهو سيء الحفظ. وقال ابن المبارك: لقد مَنّ الله على المسلمين بسوء حفظ أبي إسرائيل. وقال الجوزجاني: مُفْتَرٍ زائغ. وقال النسائي: ليس بثقة، وقال مرّةً: ضعيف، وقال الْعُقيليّ: في حديثه وهم، واضطراب، وله مع ذلك مذهب سوء.
وقال ابن عدي: عامة ما يرويه يخالف الثقات، وهو في جملة من يُكتَب حديثه. وقال الترمذي: ليس بالقوي عند أصحاب الحديث. وقال ابن سعد: يقولون: إنه صدوق. وقال حسين الجعفي: كان طويل اللحية أحمق.
وقال أبو داود: لم يكن يكذب، حديثه ليس من حديث الشيعة، وليس فيه نَكَارة.
وقال أبو أحمد الحاكم: متروك الحديث.
وقال ابن حبان: في "الضعفاء". وُلد بعد الجماجم بسنة، وكانت الجماجم سنة (٨٣)، ومات وقد قارب الثمانين، رَوَى عنه أهل العراق، وكان رافضيًّا شتّامًا، وهو مع ذلك منكر الحديث، حَمَل عليه أبو الوليد الطيالسي حملًا شديدًا. وقال الْعُقيليّ: حديث: "وُجِد قتيل بين قريتين" ليس له أصل، وما جاء به غيره.
قال مطين: مات سنة (١٦٩).
تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذه (٢٠٧) وحديث (٧١٥) "أمرني رسول الله ﷺ أن أثوّب في "الفجر ... "، وحديث (٢٨٨٣) "من أراد الحجّ، فليتعجّل ... "، وحديث (٣٣٩٩) "ينبذ لرسول الله ﷺ ... ".
[تنبيه]: وقع في النسخ الموجودة لديّ في هذا السند غلط، وهو قوله: "حدّثنا
стр. 1902
إسرائيل"، والصواب "حدثنا أبو إسرائيل" (١)، والتصويب من "تحفة الأشراف" ٩/ ٩٧، وبسبب هذا الغلط ذكر أصحاب برنامج الحديث هذا الحديث في ترجمة "إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ"، وهو غلط فاحشٌ، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
٤ - (الحكَمُ) بن عُتيبة، أبو محمد الكنديّ الكوفيّ، ثقة ثبتٌ فقيه، ربما دلّس [٥] ٥/ ٣٨.
٥ - (أبو جُحَيْفة) وهب بن عبد الله السُّؤائيّ، مشهور بكنيته الصحابيّ المعروف بوهب الخير ﵁ ١١/ ١٠٠.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي جُحيفة ﵁ هذا، وإن كان في سنده أبو إسرائيل العبسيّ، وقد عرفت كلام الأئمة فيه، إلا أنه صحيح بشواهده، فقد تقدّم بمعناه حديث أنس، وأبي هريرة، وجرير بن عبد الله ﵁، وهو من أفراد المصنّف، وشرحه، وفوائده تقدّمت قريبًا، وقوله: "فعُمل بها" بالبناء للمفعول في الموضعين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٠٨ - (حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبةَ، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ بَشيِر بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا مِنْ دَاعٍ يَدعُو إِلَى شَيْءٍ، إِلَّا وُقِفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَازِمًا لِدَعوتهِ مَا دَعَا إِلَيْهِ، وَإِنْ دَعَاَ رَجُلٌ رَجُلًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أبو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبة) هو عبد الله بن محمد الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] ١/ ١.
٢ - (أبو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة حافظ، من كبار [٩] ١/ ٣.
٣ - (لَيْثٌ) بن أبي سُليم بن زُنيم -بالزاي والنون، مصغرًا- القرشيّ مولاهم،
стр. 1903
أبو بكر، ويقال: أبو بُكير الكوفيّ، واسم أبيه أيمن، ويقال: أنس، ويقال: زياد، ويقال: عيسى، صدوق، اختلط أخيرًا، ولم يتميّز حديثه، فتُرك [٦].
رَوَى عن طاوس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، ونافع، وأبي إسحاق السبيعي، وغيرهم.
ورَوَى عنه الثوري، والحسن بن صالح، وشعبة بن الحجاج، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الواحد بن زياد، وزائدة بن قدامة، وشريك، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: مضطرب الحديث، وقال أيضًا: ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأيًا منه في ليث بن أبي سليم، وابن إسحاق، وهمام، لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم. وقال عثمان بن أبي شيبة: سألت جريرًا عن ليث، ويزيد بن أبي زياد، وعطاء بن السائب، فقال: كان يزيد أحسنهم استقامةً، ثم عطاء، وكان ليث أكثر تخليطًا، قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن هذا، فقال: أقول كما قال. وقال أحمد بن سنان عن ابن مهدي: ليث أحسنهم حالًا عندي. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه قال: ليث أحب إلي من يزيد، كان أبرأ ساحةً، يُكتب حديثه، وكان ضعيف الحديث، قال: فذكرت له قول جرير، فقال: أقول كما قال. قال: قلت ليحيى بن معين: ليث أضعف من يزيد وعطاء؟ قال: نعم. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف، إلا أنه يُكتب حديثه.
وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري عن يحيى بن معين: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وكذا قال عمرو بن علي، وابن المثنى، وعلي بن المديني، وزاد عن يحيى: مجالدٌ أحب إلي من ليث، وحجاج بن أرطاة. وقال أبو معمر الْقَطِيعي: كان ابن عيينة يضعف ليث بن أبي سليم. وقال عبد الملك بن عبد الحميد الميموني عن ابن معين: كان ليث ضعيف الحديث عن طاوس، فإذا جمع إلى طاوس غيره، فالزيادة ضعيف. وقال علي بن محمد: سألت وكيعًا عن حديث من حديث ليث، فقال: ليث ليثٌ، كان سفيان لا يسمي ليثًا. وقال مؤمل بن الفضل: قلنا لعيسى بن يونس: لم لم تسمع من ليث؟ قال:
стр. 1904
قد رأيته، وكان قد اختلط، وكان يَصْعَدُ المنارة ارتفاع النهار فيؤذّن. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: ليث لا يُشتَغل به، هو مضطرب الحديث. قال: وقال أبو زرعة: ليث بن أبي سليم بين الحديث، لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث، قال: وسمعت أبي يقول: ليث عن طاوس أحب إليّ من سَلَمة بن وَهْرَام عن طاوس، قلت: أليس تكلموا في ليث؟ قال: ليث أشهر من سلمة، ولا نَعلم رَوَى عن سلمة إلا ابن عيينة وزمعة. وقال الآجري عن أبي داود، عن أحمد بن يونس، عن فضيل بن عياض: كان ليث أعلم أهل الكوفة بالمناسك.
قال أبو داود: وسألت يحيى عن ليث، فقال: لا بأس به، قال: وعامة شيوخه لا يعرفون. وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة، وقد رَوَى عنه شعبة والثوري، ومع الضعف الذي فيه يُكتَب حديثه. وقال الْبَرْقاني: سألت الدارقطني عنه، فقال: صاحب سنة يُخَرَّج حديثه، ثم قال: إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاووس ومجاهد حسب.
وقال ابن سعد؛ كان رجلًا صالحًا عابدًا، وكان ضعيفًا في الحديث، يقال: كان يَسأل عطاءً وطاووسًا ومجاهدًا عن الشيء، فيختلفون فيه، فيروي أنهم اتفقوا من غير تعمد.
وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره، فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم، تركه القطان، وابن مهدي، وابن معين، وأحمد، كذا قال. وقال الترمذي في "العلل الكبير": قال محمد: كان أحمد يقول: ليث لا يُفرَح بحديثه، قال محمد: وليث صدوق يَهِم.
وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال الحاكم أبو عبد الله: مجمع على سوء حفظه. وقال الجوزجاني: يُضَعَّف حديثه. وقال البزار: كان أحد العباد، إلا أنه أصابه اختلاط، فاضطرب حديثه، وإنما تكلم فيه أهل العلم بهذا، وإلا فلا نعلم أحدًا ترك حديثه. وقال يعقوب بن شيبة: هو صدوق، ضعيف الحديث. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: ليث صدوق، ولكن ليس بحجة. وقال الساجي: صدوق، فيه ضعف، كان سيء الحفظ، كثير الغلط، كان يحيى القطان بآخره لا يحدث
стр. 1905
عنه. وقال ابن معين: منكر الحديث، وكان صاحب سنة، روى عنه الناس ... إلى أن قال الساجي: وكان أبو داود لا يُدخِل حديثه في كتاب "السنن" الذي صنّفه.
قال الحافظ: كذا قال، وحديثه ثابت في "السنن"، لكنه قليل، والله أعلم.
قال الحضرمي: مات سنة (١٤٨)، وقال ابن منجويه: مات سنة (١٤٣)، وقال البخاري: قال عبد الله بن أبي الأسود: مات ليث بعد الأربعين، سنة إحدى أو اثنتين.
استشهد به البخاريّ في "الصحيح"، وأخرج له في "جزء رفع اليدين"، وروى له مسلم مقرونًا بأبي إسحاق الشيبانيّ، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (٢٥) حديثًا.
٤ - (بَشِير بْنُ نَهِيكٍ) -بفتح النون، وكسر الهاء، آخره كاف- السدوسيّ، ويقال: السَّلُوليّ، أبو الشعثاء البصريّ، ثقة [٣].
رَوَى عن بَشِير بن الخصاصية، وأبي هريرة، وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو مِجْلَز، وعبد الملك بن عبيد، وخالد بن سُمير، والنضر بن أنس بن مالك، وغيرهم.
قال العجلي، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه. وذكره خليفة بن خياط في الطبقة الثانية من قراء البصرة. ونقل صاحب "الكمال" عن أبي حاتم قال: تركه يحيى القطان، وهذا وَهمٌ وتصحيف، وإنما قال أبو حاتم: روى عنه النضر بن أنس، وأبو مِجْلَز وبركة، ويحيى بن سعيد، فقوله: وبَرَكَة -هو بالباء الموحدة- وهو أبو الوليد المجاشعي، وقال يحيى القطان عن عمران بن حُدير، عن أبي مِجْلز، عن بَشِير بن نَهِيك قال: أتيت أبا هريرة بكتابي الذي كتبت عنه، فقرأته عليه، فقلت: هذا سمعته منك؟، قال: نعم.
وقال ابن سعد: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، ونقل الترمذي في "العلل" عن البخاري أنه قال: لم يذكر سماعًا من أبي هريرة، وهو مودود بما تقدم. وقال الأثرم عن أحمد: ثقة، قلت له: روى عنه النضر بن أنس، وأبو مجلز، وبَرَكة؟ قال: نعم.
стр. 1906
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (٢٠٨) وحديث (١٢٧١) "استَسْقَى حتى رأيت ... "، وحديث (١٥٦٨) "فمر على مقابر المسلمين ... "، وحديث (١٩٦٩) "من كانت له امرأتان ... "، وحديث (٢٥٢٧) "من أعتَقَ نصيبًا له في مملوك ... ".
٥ - (أبو هُرَيْرَةَ) ﵁ ١/ ١، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : مَا) نافية (مِنْ) زائدة (دَاعٍ) مبتدأ خبره قوله: "إلا وُقف إلخ"، وجملة (يَدعُو إِلَى شَيْءٍ) صفة لـ "داع" (إِلَّا وُقِفَ) بالبناء للمفعول، لأنه من وقَفَ المتعدي، ومنه قوله : ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَازِمًا لِدَعوتهِ) حال من ضمير الداعي، أي حال كونه لازمًا لدعوته التي كان يدعوا إليها، غير مفارق لها، أو هو صفة لمصدر مقدّر، أي وقفًا لازمًا لأجل دعوته (مَا دَعَا إِلَيْهِ) "ما" مصدريّة ظرفيّة، أي مدة دعوته، قلّت أو كثرت، كما يشير إليه قوله (وَإِنْ دَعَا رَجُلٌ رَجُلًا) أي واحدًا. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي هريرة هذا من أفراد المصنّف ﵀، وهو ضعيف، لضعف ليث بن أبي سُليم، كما سبق في ترجمه، وقال البوصيريّ ﵀ في "مصباح الزجاجة": هذا إسناد ضعيف، ليث بن أبي سُليم ضعّفه الجمهور، انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 1907
٣٧ - (بابُ من أحيا سُنّةً قد أُميتت)
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٠٩ - (حَدَثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُبَابِ، حَدَثَنَا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عَمرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيُّ، حَدَّثَني أَبِي، عَنْ جَدِّي، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ أَحيَا سُنّة مِنْ سُنَّتِي، فَعَمِلَ بِها النَّاسُ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِها، لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهم شَيْئًا، وَمَنْ ابْتَدَع بِدْعَةً، فَعُمِلَ بِها كَانَ عَلَيْهِ أَوْزَارُ مَنْ عَمِلَ بِها، لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِ مَنْ عَمِلَ بِها شَيْئًا".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبةَ) المذكور في السند السابق.
٢ - (زَيْدُ بْنُ الحباب) أبو الحسين الْعُكْلي الكوفيّ، خراسانيّ الأصل، صدوق يُخطىء في حديث الثوريّ [٩] ٢/ ١٢.
٣ - (كثِيرُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عَمرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيُّ) المدنيّ، ضعيف [٧] ٣٢/ ١٦٥.
٤ - (أبوه) عبد الله بن عمرو بن عوف المزنيّ المدنيّ، مقبول [٣] ٣٢/ ١٦٥.
٥ - (جَدُّهُ) عمرو بن عوف بن زيد بن مِلْحَةَ، أبو عبد الله المزنيّ الصحابيّ ﵁، مات في خلافة معاوية ﵁ ٣٢/ ١٦٥، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن عمرو بن عوف المزنيّ ﵁ (أن رَسُولَ الله ﵁ قَالَ: مَنْ أَحيَا سُنَّةً) قيل: المراد بالسنّة هنا ما وضعه رسول الله ﵁ من الأحكام، وهي قد تكون فرضا، كزكاة الفطر، وغير فرض، كصلاة العيد، ونحو ذلك (مِنْ سُنَّتِي) مفرد مضاف، فيعمّ كلّ سنته، فما قيل: كان النظر يقتضي أن يقول: "من سنني" بصيغة الجمع، فمما لا يُلتفت إليه (فَعَمِلَ) بالبناء للفاعل (بِها) أي بتلك السنة (الناسُ) مرفوع على الفاعليّة (كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِها) ببناء الفعل للفاعل أيضًا (لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئًا، وَمَنْ ابْتَدَع بدعَةً) هي ما لا يوافق أصول الشرع، كما سبق التنبيه عليه (فَعُمِلَ بِها) ببناء الفعل للمفعول، أي
стр. 1908
عمل الناس بتلك البدعة، وقال السنديّ: ولم يقل: فعَمِل بها الناس، كما قال في السنّة؛ إشارةً إلى أنه ليس من شأن الناس العمل بالبدع، وإنما من شأنهم العمل بالسنن، فالعامل بالبدعة لا يُعَدّ من الناس، ويحتمل على بُعْد أن يكون "عَمِلَ" على بناء الفاعل، وفيه ضمير "الناس"، وأفرده لإفراد الناس لفظًا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله السنديّ نظر، لا يخفى، أما قوله: "ولم يقل: فعمل بها الناس" فإنه يردّه قوله في الحديث التالي: "فإن عليه إثم من عمِلَ بها من الناس"، وأما قوله: "ويحتمل إلخ"، ففيه تعسّفٌ ظاهر، والله تعالى أعلم.
(كَانَ عَلَيْهِ أَوزَارُ مَنْ عَمِلَ بِها، لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِ مَنْ عَمِلَ بِها شَيْئًا) قد تقدّم الكلام مستوفى على هذا فيما مضى، فراجعه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
هذا الحديث إسناده ضعيف جدًّا؛ لأن كثير بن عبد الله ضعفه الجمهور، بل نسبه الشافعيّ، وأبو داود إلى الكذب، وقال ابن عديّ: عامّة ما يرويه لا يُتابع عليه، وقال ابن حبّان: روى عن أبيه، عن جدّه نسخةً موضوعةً لا يحلّ ذكرها في الكتب، ولا الرواية عنه إلا على وجه التعجّب، وأبوه عبد الله بن عمرو لم يرو عنه غير ابنه كثير هذا، فهو مجهول عين، ولذا قال في "التقريب": مقبول، أي حيث يُتابع، وإلا فهو ليّن الحديث.
وأما متن الحديث، فإنه صحيح؛ لأن له شواهد كثرة، وقد سبق بعضها في الباب الماضي، ولذا حسّنه الترمذيّ ﵀. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجة (المصنّف) هنا (٣٣٧/ ٢٠٩) بهذا السند، وأعاده بعده (٣٧/ ٢١٠) بالسند الآتي، وأخرجه (عبد بن حميد) (٢٨٩) و (الترمذيّ) (٢٦٧٧)، والله تعالى أعلم
стр. 1909
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢١٠ - (حَدَّثَنَا مُحمَدُ بْنُ يَحيَى، حَدَّثَنَا إِسماعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَني كثِيرُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَحيَا سُنّة مِنْ سُنَّتِي، قَدْ أُمِيَتَتْ بَعدِي، فَإِنَّ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بها مِنْ النَّاسِ، لَا يَنْقُصْ أجُورِ النَّاسِ شَيْئًا، وَمَنْ ابْتَدَعَ بِدعَةً، لَا يرضَاها الله وَرَسُوَله فَإِنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ إِثْمِ مَنْ عَمِلَ بِها مِنْ النَّاسِ، لَا يَنْقُصُ مِنْ آثَامِ النَّاسِ شَيْئًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم تقدّموا، غير:
١ - (محمد بن يحيى) الذهليّ الإمام الحافظ [١١] تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسماعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) هو: إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أُويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ؛ أبو عبد الله بن أبي أويس، ابنُ أخت مالك، ونَسِيبه المدنيّ، لا يُحتجّ بحديثه، بل يُعتبر به (١) [١٠].
رَوَى عن أبيه، وأخيه أبي بكر، وخاله فأكثر، وعن سلمة بن وَرْدان، وابن أبي الزناد، وعبد العزيز الماجشون، وسليمان بن بلال، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاري، ومسلم، وهما والباقون بواسطة إبراهيم بن سعيد الجوهري، وأحمد بن صالح المصري، وأبي خيثمة، والدارمي، وأحمل بن يوسف السلمي، وجعفر بن مسافر، وعبد الله بن محمد بن يزيد بن خُنيس، والذهلي، ويعقوب ابن حميد، ويعقوب بن سفيان، ورَوَى عنه أيضًا إسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو
стр. 1910
حاتم، وقتيبة، ونصر بن علي الجهضمي، والحارث بن أبي أسامة، وخلق.
قال أبو طالب عن أحمد: لا بأس به، وكذا قال عثمان الدارمي عن ابن معين، وقال ابن أبي خيثمة عنه: صدوق، ضعيف العقل، ليس بذاك -يعني أنه لا يحسن الحديث، ولا يعرف أن يؤديه، أو يقرأ من غير كتابه. وقال معاوية بن صالح عنه: هو وأبوه ضعيفان. وقال عبد الوهاب بن أبي عِصمة، عن أحمد بن أبي يحيى، عن ابن معين: ابنُ أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث. وقال إبراهيم بن الجنيد عن يحيى: مخَلِّط يَكْذِب ليس بشيء. وقال أبو حاتم: محله الصدق، وكان مُغَفَّلًا. وقال النسائي: ضعيف. وقال في موضع آخر: غير ثقة. وقال اللالكائيّ: بالغ النسائي في الكلام عليه إلى أن يؤدي إلى تركه، ولعله بأن له ما لم يَبِنْ لغيره؛ لأن كلام هؤلاء كلهم يؤول إلى أنه ضعيف. وقال ابن عديّ: رَوَى عن خاله أحاديث غرائب، لا يتابعه عليها أحدٌ. وعن سليمان بن بلال وغيرهما من شيوخه، وقد حَدَّث عنه الناس، وأثنى عليه ابن معين، وأحمد، والبخاري يحدث عنه الكثير، وهو خير من أبي أويس. وقال الدُّولابي في "الضعفاء": سمعت النضر بن سلمة المروَزيّ يقول: ابن أبي أويس كذّاب، كان يحدِّث عن مالك بمسائل ابن وهب.
وقال الدارقطني: لا أختاره في الصحيح. ونقل الخليلي في "الإرشاد" أن أبا حاتم قال: كان ثَبْتًا في حاله. وفي "الكمال" أن أبا حاتم قال: كان من الثقات. وحكى ابن أبي خيثمة، عن عبد الله بن عبيد الله العباسيّ، صاحب اليمن، أن إسماعيل ارتشى من تاجر عشرين دينارًا حتى باع له على الأمير ثوبًا يساوي خمسين بمائة. وذكره الإسماعيلي في "المدخل" فقال كان ينسب في الخِفّة والطَّيْش إلى ما أكره ذكره. قال: وقال بعضهم: جانبناه للسُّنّة.
وقال ابن حزم في "المحلَّي": قال أبو الفتح الأزدي: حدثني سيف بن محمد أن ابن أبي أويس كان يَضَعُ الحديث. وقرأت على عبد الله بن عمر، عن أبي بكر بن محمد، أن عبد الرحمن بن مكي أخبرهم كتابة، أنا الحافظ أبو طاهر السِّلَفي، أنا أبو غالب محمد
стр. 1911
ابن الحسن بن أحمد الباقلاني، أنا الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الْبَرْقاني، ثنا أبو الحسن الدارقطني، قال: ذكر محمد بن موسى الهاشمي، وهو أحد الأئمة، وكان النسائي يخصه بما لم يَخُصّ به ولده، فذكر عن أبي عبد الرحمن قال: حَكَى لي سَلَمة بن شبيب، قال: بم تَوَقَّف أبو عبد الرحمن؟ قال: فما زِلْتُ بعد ذلك أداريه أن يحكي في الحكاية، حتى قال: قال لي سلمة بن شبيب: سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول: ربما كنت أَضَعُ الحديث لأهل المدينة، إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم، قال البرقاني: قلت للدارقطني: من حَكَى لك هذا عن محمد بن موسى؟ قال: الوزير، كتبتها من كتابه، وقرأتها عليه -يعني بالوزير الحافظ الجليل جعفر بن خِنْزابة.
قال الحافظ: وهذا هو الذي بأن للنسائي منه، حتى تجنب حديثه، وأطلق القول فيه بأنه ليس بثقة، ولعل هذا كان من إسماعيل في شبيبته، ثم انصلح، وأما الشيخان فلا يُظَنّ بهما إنهما أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه، الذي شارك فيه الثقات، وقد أوضحت ذلك في مقدمة شرحي على البخاري. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ملخّص ما ذكره الحافظ في "المقدّمة" أنه لا يُحتجّ بشيء من حديثه غير ما في "الصحيح"، من أجل ما قدح فيه النسائيّ وغيره، إلا إن شاركه فيه عيره، فيعتبر به. انتهى (٢).
قال ابن عساكر: مات سنة ست، ويقال: سنة سبع وعشرين ومائتين في رجب، وجزم ابن حبان في "الثقات" أنه مات سنة (٦).
وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا الحديث (٢١٠) وحديث (١٠٣٢) "صلى في بني عبد الأشهل ... "، وحديث (٣٦٤٦) "لبس خاتم فضة ... "، وحديث (٣٧٢٤) "إنما هذه ضجعة أهل النار".
стр. 1912
والحديث سبق الكلام فيه في الذي قبله.
وقوله: "لا يرضاها الله إلخ" هذا تقبيح للبدعة؛ لأن كلّ بدعة ضلالة، فليس شيء منها مرضيّا لله تعالى ولا لرسوله ﷺ ، وأما قول بعضهم: إنه إشارة إلى أن من البدع ما يرضاه الله إلى آخر كلامه، فليس بصحيح، فإن البدعة الشرعية لا تنقسم إلى حسن وقبيح، وما نُقل عن بعض السلف أنه قسمها إلى القسمين، فمراده البدعة اللغويّة، وهي التي استُحدثت بعد النبيّ ﷺ ، سواء خالف الأصول، أم لا، فتقبل هذا التقسيم، وأما البدعة الشرعية، وهي التي استُحدثت بعد كمال الدين، مما لا يشهد له الكتاب والسنة، فإنها كلها ضلالة، وقبيحة، فتنبّه، ولا تغترّ بمن خلط بين النوعين، فبلس الحقّ بالباطل، والصدق بالميْن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 1913
٣٨ - (بابُ فضل من تعلَّم القرآن وعَلَّمَهُ)
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢١١ - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدثَنَا يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَثَنا شُعبةُ، وَسُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدة، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثمانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ شُعبةُ: "خَيْرُكُم"، وَقَالَ سُفْيَانُ: "أَفْضَلُكُم مَنْ تَعَلَّمَ القُرآنَ، وَعَلَّمَهُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ١/ ٦.
٢ - (يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) أبو سعيد البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٢/ ١٩.
٣ - (شُعبَة) بن الحجّاج البصريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ١/ ٦.
٤ - (سُفيَانُ) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٥/ ٤١.
٥ - (عَلْقَمَةُ بْنُ مرْثَدٍ) -بفتح الميم، وسكون الراء، بعدها مثلّثة، بوزن جعفر، ومنهم من ضبطه بكسر الثلثة (١) - الحَضْرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقة [٦].
رَوَى عن سعد بن عبيدة، وزِرّ بن حبيش، وطارق بن شهاب، والمستورد بن الأحنف، وسليمان بن بُريدة، وحفص بن عبيد الله بن أنس، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، والثوري، ومسعر، والمسعودي، وإدريس بن يزيد الأودي، والحكم بن ظُهير وأبو سِنان سعيد بن سِنان الشيباني، وأبو سنان ضرار بن مرة، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثَبْت في الحديث. وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
стр. 1914
وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". ووثقه يعقوب بن سفيان. وقال خليفة بن خياط: تُوفي في آخر ولاية خالد الْقَسْريّ على العراق.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣).
٦ - (سعدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السلميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقة [٣] ١٠/ ٧٨.
٧ - (أبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ) عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعة الكوفيّ المقرىء، مشهور بكنيته، ولأبيه صحبة، ثقة ثبتٌ [٢] ٢/ ٢٠.
٨ - (عُثْمانُ بْنُ عَفَّانَ) بن أبي العاص بن أميّة الخليفة الراشد ﵁ ١٣/ ١٠٩، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
٣ - (ومنها): أن فيه محمد بن بشّار أحد المشايخ التسعة الذين اتفق الجماعة في الرواية عنهم بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه يُقدّر قبل قوله: "عن علقمة" لفظة "كلاهما"، أي كلا شعبة، وسفيان.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: سعد بن عُبيدة عن أبي عبد الرحمن.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد الخلفاء الأربعة الراشدين ﵃، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدة) هكذا في رواية المصنّف هذه، والترمذيّ، والنسائيّ، جمع يحيى القطّان بين شعبة والثوريّ في إدخال سعد بن عُبيدة بين علقمة وبين أبي عبد الرحمن، وقال الحفّاظ: هذا وهمٌ من يحيى القطان، فإن الثوريّ لا يدخل الواسطة، كما سيأتي للمصنّف في الرواية التالية من رواية وكيع عنه، وإنما يُدخله شعبة، ودونك ما كتبه الحافظ في "الفتح": قال ﵀ بعد أن أورد رواية البخاريّ من طريق شعبة، عن
стр. 1915
علقمة، عن سعد إلخ: ما نصّه:
قوله: "عن سعد بن عُبيدة" كذا يقول شعبة، يُدخل بين علقمة بن مَرْثد، وأبي عبد الرحمن سعد بن عبيدة، وخالفه سفيان الثوري، فقال: "عن علقمة، عن أبي عبد الرحمن، ولم يذكر سعد بن عبيدة، -يعني كرواية وكيع عنه الآتية بعد هذا للمصنّف- قال: وقد أطنب الحافظ أبو العلاء العطار في كتابه "الهادي في القرآن" في تخريج طرقه، فذكر ممن تابع شعبة، ومن تابع سفيان جمعًا كثيرًا، وأخرجه أبو بكر بن أبي داود في أول "الشريعة" له، وأكثر من تخريج طرقه أيضًا، ورجح الحفّاظ رواية الثوري، وعَدُّوا رواية شعبة من المزيد في متصل الأسانيد، وقال الترمذي: كأن رواية سفيان أصح من رواية شعبة، وأما البخاري فأخرج الطريقين، فكأنه ترجح عنده أنهما جميعًا محفوظان، فيُحمَل على أن علمقة سمعه أوّلًا من سعد، ثم لَقِي أبا عبد الرحمن، فحّدثه به، أو سمعه مع سعد من أبي عبد الرحمن، فثَبَّته فيه سعد، ويؤيد ذلك ما في رواية سعد بن عبيدة من الزيادة الموقوفة، وهي قول أبي عبد الرحمن: "فذلك الذي أقعدني هذا المقعد"، كما سيأتي البحث فيه.
وقد شذت رواية عن الثوري بذكر سعد بن عُبيدة فيه، قال الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى القطان، حدثنا سفيان، وشعبة، عن علقمة، عن سعد بن عبيدة به، وقال النسائي: أنبأنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا يحيى، عن شعبة وسفيان، أن علقمة حدثهما، عن سعد.
قال الترمذي: قال محمد بن بشار: أصحاب سفيان لا يذكرون فيه سعد بن عبيدة، وهو الصحيح انتهى.
وهكذا حكم علي بن المديني على يحيى القطان فيه بالوهم، وقال ابن عدي: جمع يحيى القطان بين شعبة وسفيان، فالثوري لا يذكر في إسناده سعد بن عبيدة، وهذا مما عُدّ في خطأ يحيى القطان على الثوري، وقال في موضع آخر: حَمَلَ يحيى القطان رواية الثوري على رواية شعبة، فساق الحديث عنهما، وحَمَل إحدى الروايتين على الأخرى،
стр. 1916
فساقه على لفظ شعبة، وإلى ذلك أشار الدارقطني.
وتُعُقِّب بأنه فَصَل بين لفظيهما في رواية النسائي وابن ماجه، فقال: قال شعبة: "خيركم"، وقال سفيان: "أفضلكم".
قال الحافظ: وهو تعقب واهٍ، إذْ لا يلزم من تفصيله للفظهما في المتن أن يكون فصل لفظهما في الإسناد، قال ابن عدي: يقال: إن يحيى القطان لم يُخطىء قط إلا في هذا الحديث.
وذكر الدارقطفي أن خالد بن يحيى تابع يحيى القطان عن الثوري، على زيادة سعد بن عبيدة، وهي رواية شاذة، وأخرج ابن عدي من طريق يحيى بن آدم، عن الثوريّ، وقيس بن الربيع، وفي رواية عن يحيى بن آدم، عن شعبة، وقيس بن الربيع جميعًا عن علقمة، عن سعد بن عبيدة، قال: وكذا رواه سعيد بن سالم القَدّاح عن الثوري، ومحمد بن أبان، كلاهما عن علقمة، بزيادة سعد، وزاد في إسناده رجلًا آخر، كما سيأتي بيانه قريبًا، وكل هذه الروايات وَهمٌ، والصواب عن الثوري بدون ذكر سعد، وعن شعبة بإثباته. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١).
(عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحمَن السُّلَمِيِّ) -بضم السين المهملة، وفتح اللام- (عَن عُثمانَ بْنِ عَفَّانَ) ﵁، وفي رواية شَرِيك، عن عاصم بن بَهْدَلة، عن أبي عبد الرحمن السلَميّ، عن ابن مسعود، أخرجه ابن أبي داود بلفظ: "خيركم من قرأ القرآن، وأقرأه"، وذكره الدارقطني، وقال: الصحيح عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان، وفي رواية خلاد بن يحيى، عن الثوري، بسنده قال: "عن أبي عبد الرحمن، عن أبان بن عثمان، عن عثمان".
قال الدارقطني: هذا وَهمٌ، فإن كان محفوظًا، احتَمَل أن يكون السُّلَمي أَخذه عن أبان بن عثمان، عن عثمان، ثم لقي عثمان، فأخذه عنه.
وتُعُقِّب بأن أبا عبد الرحمن أكبر من أبان، وأبان اختُلف في سماعه من أبيه أشَدّ مما
стр. 1917
اختُلِف في سماع أبي عبد الرحمن من عثمان، فَبَعُدَ هذا الاحتمالُ.
وجاء من وجه آخر كذلك، أخرجه ابن أبي داود من طريق سعيد بن سلام، عن محمد بن أبان، سمعت علقمة يحدث عن أبي عبد الرحمن، عن أبان بن عثمان، عن عثمان فذكره، وقال: تفرد به سعيد بن سلام، يعني عن محمد بن أبان.
قال الحافظ: وسعيد ضعيف، وقد قال أحمد: حدثنا حجاج بن محمد، عن شعبة قال: لم يَسمَع أبو عبد الرحمن السلمي من عثمان، وكذا نقله أبو عوانة في "صحيحه" عن شعبة، ثم قال: اختَلَف أهل التمييز في سماع أبي عبد الرحمن من عثمان، ونَقَل ابن أبي داود، عن يحيى بن معين مثل ما قال شعبة، وذكر الحافظ أبو العلاء أنّ مسلمًا سكت عن إخراج هذا الحديث في "صحيحه".
قال الحافظ: قد وقع في بعض الطرق التصريح بتحديث عثمان لأبي عبد الرحمن، وذلك فيما أخرجه ابن عديّ في ترجمة عبد الله بن محمد بن أبي مريم، من طريق ابن جريج، عن عبد الكريم، عن أبي عبد الرحمن: حدثني عثمان، وفي إسناده مقال، لكن ظهر لي أن البخاري اعتَمَد في وصله، وفي ترجيح لقاء أبي عبد الرحمن لعثمان على ما وقع في رواية شعبة، عن سعد بن عبيدة من الزيادة، وهي: أن أبا عبد الرحمن أقرأ من زمن عثمان إلى زمنّ الحجاج، وأن الذي حمله على ذلك هو الحديث المذكور فدل على أنّه سمعه في ذلك الزمان، وإذا سمعه في ذلك الزمان، ولم يوصف ذلك سماعه ممن عنعنه عنه، وهو عثمان ﵁، ولا سميا مع ما اشتهر بين القراء، أنه قرأَ القرآن على عثمان، وأسندوا ذلك عنه، من رواية عاصم بن أبي النجود وغيره، فكان هذا أولى من قول من قال: إنه لم يسمع منه. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو توجيه وجيه. والله تعالى أعلم.
(قَالَ: قَالَ رَسولُ الله ﷺ قَالَ شعبةُ) أي في روايته ("خَيركم"، وَقَالَ سفيَان) الثوريّ في روايته ("أَفْضَلُكَم مَن تَعَلَّمَ الْقرْآنَ، وَعَلَّمَهُ") قال السنديّ ﵀: يراد
стр. 1918
بمثله أنه من جملة الأخيار، لا أنه أفضل من الكلّ، وبه يندفع التدافع بين الأحاديث الواردة بهذا العنوان، ثم المقصود في مثله بيان أن وصف تعلّم القرآن وتعليمه من جملة خيار الأوصاف، فالموصوف به يكون خيرًا من هذه الجملة، أو يكون خيرًا إن لم يُعارض هذا الوصف معارضٌ، فلا يَرِد أنه كثيرًا ما يكون المرء متعلّمًا، أو معلّمًا للقرآن، ويأتي بالمنكرات، فكيف يكون خيرًا؟ وقد يقال: المراد من تعلّم القرآن، وعلّمه مع مراعاته عملًا، وإلا فغير المراعي يُعدّ جاهلًا. انتهى (١).
وقال في "الفتح": قوله: "وعلّمه" كذا للأكثر، يعني بالواو، وللسرخسي: "أو علمه "بـ "أو"، وهي للتنويع، لا للشكّ، وكذا لأحمد عن غندر، عن شعبة، وزاد في أوله: "إِنَّ"، وأكثر الرواة عن شعبة يقولونه بالواو (٢).
وكذا وقع عند أحمد عن بهز، وعند أبي داود، عن حفص بن عمر، كلاهما عن شعبة، وكذا أخرجه الترمذي، من حديث عليّ ﵁، وهي أظهر من حيث المعنى؛ لأن التي بـ "أو" تقضي إثبات الخيرية المذكورة لمن فعل أحد الأمرين، فيلزم أنّ مَن تعلم القرآن، ولو لم يعلمه غيرَه أن يكون خيرًا ممن عَمِلَ بما فيه مثلًا، وإن لم يتعلمه.
ولا يقال: يلزم على رواية الواو أيضًا أنّ من تعلمه وعلمه غيره أن يكون أفضل ممن عَمِل بما فيه من غير أن يتعلمه، ولم يعلمه غيره؛ لأنا نقول: يحتمل أن يكون المراد بالخيرية من جهة حصول التعليم بعد العلم، والذي يُعَلِّم غيره يحصل له النفع المتعدي، بخلاف من يَعْمَل فقط، بل مِنْ أشرف العمل تعليمُ الغير، فمعلِّمُ غيره يستلزم أن يكون تعمله، وتعليمه لغيره عَمَلٌ وتحصيلُ نفعٍ مُتَعَدٍّ، ولا يقال: لو كان المعنى حصول النفع المتعدي لاشترك كل من عَلَّم غيره علمًا ما في ذلك؛ لأنا نقول: القرآن أشرف
стр. 1919
العلوم، فيكون مَن تعلمه، وعلمه لغيره أشرف ممن تعلّم غير القرآن، كان عَلَّمَه، فيثبت المُدَّعَى، ولا شكّ أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه، مُكَمِّل لنفسه ولغيره، جامع بين النفع القاصر، والنفع المتعدي، ولهذا كان أفضل، وهو من جملة مَنْ عَنَى بقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]، والدعاء إلى الله يقع بأمور شَتَّى من جملتها تعليم القرآن، وهو أشرف الجميع، وعكسه الكافر المانع لغيره من الإسلام، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ [الأنعام: ١٥٧].
[فإن قيل]: فيلزم على هذا أن يكون المقرئ أفضل من الفقيه.
[قلنا]: لا؛ لأن المخاطبين بذلك كانوا فقهاء النفوس، لأنهم كانوا أهل اللسان، فكانوا يدرون معاني القرآن بالسليقة، أكثر مما يدريها مَنْ بَعدَهم بالاكتساب، فكان الفقه لهم سَجِيّةً، فمن كان في مثل شأنهم شاركهم في ذلك، لا من كان قارئًا، أو مقرئًا مَحْضًا لا يفهم شيئًا من معاني ما يقرؤه أو يقرئه.
[فإن قيل]: فيلزم أن يكون المقرئ أفضل ممن هو أعظم غَنَاءً في الإسلام بالمجاهدة، والرباط، والأمر بالعروف، والنهي عن المنكر مثلًا.
[قلنا]: حرف المسألة يدور على النفع المعتدّي، فمن كان حصوله عنده أكثر كان أفضل، فَلَعَلَّ "مِنْ" مضمرةٌ في الخبر، ولا بُدّ مع ذلك من مراعاة الإخلاص في كل صنفٍ منهم. ويحتمل أن تكون الخيرية، كان أطلقت لكنها مقيدة بناس مخصوصين، خوطبوا بذلك، كان اللائق بحالهم ذلك، أو المراد خير المتعلمين مَنْ يعلم غيره، لا من يقتصر على نفسه، أو المراد مراعاة الحيثية؛ لأن القرآن خير الكلام، فمتعلمه خير من متعلم غيره بالنسبة إلى خيرية القرآن، وكيفما كان فهو مخصوص بمن عَلِمَ وتَعَلَّمَ، بحيث يكون قد عَلِمَ ما يجب عليه عَيْنًا (١).
стр. 1920
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر هذا الحديث: ما نصّه: "قال: وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان، حتى كان الحجاج".
قال في "الفتح": أي حتى وَلِيَ الحجاح على العراق، قال الحافظ: بين أول خلافة عثمان ﵁، وآخر ولاية الحجاج اثنتان وسبعون سنة إلا ثلاثة أشهر، وبين آخر خلافة عثمان وأول ولاية الحجاج العراق ثمان وثلاثون سنة، ولم أقف على تعيين ابتداء إقراء أبي عبد الرحمن وآخره، فالله أعلم بمقدار ذلك، ويُعرَف من الذي ذكرته أقصى المدة وأدناها، والقائل: "وأقرأ الخ" هو سعد بن عُبيدة، فإنني لم أَرَ هذه الزيادة إلا من رواية شعبة عن علقمة، وقائل: "وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا" هو أبو عبد الرحمن، وحَكَى الكرماني أنه وقع في بعض نسخ البخاري: "قال سعد بن عبيدة: وأقرأني أبو عبد الرحمن"، قال: وهي أنسب لقوله: "وذاك الذي أقعدني الخ"، أي أن إقراءه إياي هو الذي حملني على أن قعدت هذا المقعد الجليل. انتهى.
قال الحافظ: والذي في معظم النسخ: "وأقرأ"، بحذف المفعول، وهو الصواب، وكأن الكرماني ظَنّ أن قائل: "وذاك الذي أقعدني" هو سعد بن عبيدة، وليس كذلك، بل قائله أبو عبد الرحمن، ولو كان كما ظَنَّ للزم أن تكون المدة الطويلة سِيقت لبيان زمان إقراء أبي عبد الرحمن لسعد بن عبيدة، وليس كذلك، بل إنما سِيقت لبيان طول مدته لإقراء الناس القرآن، وأيضًا فكان يلزم أن يكون سعد بن عبيدة قرأ على أبي عبد الرحمن من زمن عثمان، وسعد لم يدرك زمان عثمان، فإن أكبر شيخ له المغيرة بن شعبة، وقد عاش بعد عثمان خمس عشرة سنةً، وكان يلزم أيضًا أن تكون الإشارة بقوله: "وذلك" إلى صنيع أبي عبد الرحمن، وليس كذلك، بل الإشارة بقوله: "ذلك" إلى الحديث المرفوع، أي إن الحديث الذي حَدَّث به عثمان ﵁ في أفضلية مَن تعلم القرآن وعلمه، حَمَلَ أبا عبد الرحمن أن قَعَدَ يعلم الناس القرآن؛ لتحصيل تلك الفضيلة، وقد وقع الذي حَمَلْنا كلامه عليه صريحًا في رواية أحمد، عن محمد بن جعفر، وحجاج ابن محمد جميعًا عن شعبة، عن علقمة بن مَرْثَد، عن سعد بن عبيدة قال: "قال أبو عبد
стр. 1921
الرحمن: فذاك الذي أقعدني هذا المقعد"، وكذا أخرجه الترمذيّ من رواية أبي داود الطيالسي، عن شعبة، وقال فيه: "مقعدي هذا"، قال: وعَلَّم أبو عبد الرحمن القرآن في زمن عثمان، حتى بلغ الحجاج، وعند أبي عوانة، من طريق بِشْر بن أبي عمرو، وأبي غياث، وأبي الوليد ثلاثتهم عن شعبة، بلفظ: "قال أبو عبد الرحمن: فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا"، وكان يُعَلِّم القرآن، والإشارة بذلك إلى الحديث، كما قررته، وإسناده إِليه إسناد مجازي.
ويحتمل أن تكون الإشارة به إلى عثمان ﵁، وقد وقع في رواية أبي عوانة أيضًا عن يوسف بن مسلم، عن حجاج بن محمد، بلفظ: "قال أبو عبد الرحمن: وهو الذي أجلسني هذا المجلس"، وهو محتمل أيضًا، انتهى (١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسانل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عثمان بن عفّان ﵁ هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية):في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٨/ ٢١١) بهذا الإسناد، وأعاده بعده (٣٨/ ٢١٢) بالسند التالي، وأخرجه (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٥٩٩٥) و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٥٧ و ٥٨ و ٦٩) و (الدارميّ) في "سننه" (٣٣٤١) و (البخاريّ) ٦/ ٢٣٦ و (أبو داود) (١٤٥٢) و (الترمذيّ) (٢٩٠٧) و (النسائيّ) في "فضائل القرآن" "من" "الكبرى" (٦١ و ٦٢ و ٦٣) و (ابن حبان) في "صحيحه" (١١٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو واضح.
стр. 1922
٢ - (ومنها): الحث على تعليم القرآن، وقد سئل الثوري عن الجهاد وإقراء القرآن، فرَجّح الثاني، واحتج بهذا الحديث، أخرجه ابن أبي داود، وأخرج عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي أنه كان يُقرىء القرآن خمس آيات خمس آيات، وأسند من وجه آخر عن أبي العالية مثل ذلك، وذكر أن جبريل ﵇ كان ينزل به كذلك، وهو مرسل، ويشهد له ما في "الصحيحين" أن أول ما نزل به جبريل ﵇ على النبيّ ﷺ أول سورة العلق، إلى ﴿مَا لَم يعلم﴾، وهي خمس آيات (١).
٣ - (ومنها): أن فيه بَيَانَ فَضْلِ العمل المتعدّي على العمل الغير المتعدّي، ولهذا كان المؤمن القويّ أفضل من المؤمن الضعيف، وإن كان فيه خير أيضًا، فقد أخرج مسلم، والمصنّف من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير ... " الحديث، وتقدّم للمصنف ١٠/ ٧٩ ويأتي أيضًا في "الزهد" برقم (٤١٦٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ أول الكتاب قال:
٢١٢ - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ محمد، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرثَد، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي، عَنْ عُثمانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَفْضَلُكُم مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرآنَ، وَعَلَّمَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة، وهم المذكورون في السند الماضي، إلا شيخه، وشيخ شيخه، وقد سبقا قبل باب، والحديث هو المذكور قبله، أتى به لبيان الاختلاف على سفيان، حيث كان في رواية يحيى القطان السابقة أدخل بين علقمة وبين أبي عبد الرحمن سعدَ بنَ عبيدة، وخالفه وكيع، فلم يُدخِله، وقد سبق أن رواية القطان شاذّة، مما وَهِم فيه على سفيان، بل قال ابن عديّ: إنه لم يُخطىء القطان إلا في هذا الحديث، والله تعالى
стр. 1923
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢١٣ - (حَدَّثَنَا أَزهرُ بْنُ مَروَانَ، حَدَّثَنَا الحارِثُ بْنُ نَبهانَ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ، عَنْ مُصعَبِ بْنِ سعد، عَنْ أَبيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "خِيَارُكُم مَنْ تَعَلَّمَ الْقرآنَ، وَعَلَّمَهُ"، قَالَ: وَأَخَذَ بِيَدِي، فَأقْعَدَنِي مَقْعَدِي هذَا أُقْرِئُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَزْهرُ بْنُ مَرْوَانَ) الرَّقَاشيّ -بتخفيف القاف، والشين المعجمة- النَوَّاء -بنونين، وواو مثقّلة-مولى بني هاشم، لقبه فُرَيخ -بالخاء المعجمة- صدوق [١٠].
رَوَى عن حماد بن زيد، وعبد الوارث بن سعيد، ومحمد بن سَوَاء، وعبد الأعلى، والحارث بن نَبْهان، وغيرهم.
ورَوَى عنه الترمذي، وابن ماجه، وموسى بن هارون الحمال، وابن أبي عاصم، وإبراهيم الحربي، وابن أبي الدنيا، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وغيرهم.
قال أبو حاتم بن حبان: مستقيم الحديث. وقال مسلمة الأندلسي: ثقة. وأخرج له الحاكم في "المستدرك". وسماه صاحب "الكمال" إبراهيم، وقال: حديثه عند الترمذي. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (٢٤٣).
وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
٢ - (الحارِثُ بْنُ نَبهانَ) الجَرْميّ -بفتح الجيم- أبو محمد البصريّ، متروك [٨].
رَوَى عن أبي إسحاق، وعاصم بن أبي النَّجُود، والأعمش، وعتبة بن يقظان، وأيوب، ومعمر، وأبي حنيفة، وغيرهم.
ورَوَى عنه جعفر بن سليمان الضُّبَعي، وابن وهب، ومسلم بن إبراهيم، وعبد الواحد بن غِيَاث، وطالوت بن عَبّاد، وغيرهم.
قال أحمد: رجل صالح، لم يكن يَعرِف الحديث، ولا يحفظ، منكر الحديث. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس بشيء. وقال في موضع آخر: لا يكتب حديثه. وقال أبو
стр. 1924
زرعة: ضعيف الحديث، في حديثه وَهْنٌ. وقال أبو حاتم: متروك الحديث، ضعيف الحديث، منكر الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث، وقال في موضع آخر: ليس بثقة. وقال ابن عديّ: وهو ممن يكتب حديثه. وقال ابن المديني: كان ضعيفًا ضعيفًا. وقال الحربي: غيره أوثق منه. وقال الترمذي في "العلل الكبير" عن البخاري: منكر الحديث، لا يبالي ما حدّث، وضعفه جدّا. وقال العجلي، ويعقوب بن شيبة: ضعيف الحديث.
وقال العقيليّ: وروى حديث "خيركم من تعلم القرآن"، وحديث "قراءة تنزيل السجدة"، وحديث النهي عن الانتعال قائمًا، لا يتابع على أسانيدها، والمتون معروفة.
وذكره أبو العرب في "الضعفاء"، وذكر في "تاريخ القيروان" أنه قَدِمَ عليهم. وقال الساجي: عنده مناكير. وقال الآجري عن أبي داود: ليس بشيء. وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالمستقيم. وقال يعقوب بن سفيان: بصري منكر الحديث. وقال الدارقطني: ليس بالقوي.
وقال ابن حبان: كان من الصالحين الذين غَلَب عليهم الوهم، حتى فحش خطؤه، وخرج عن حدّ الاحتجاج به. وذكره البخاري في "التاريخ الأوسط" في "فصل من مات ما بين الخمسين إلى الستين ومائة".
تفرّد به الترمذيّ، له عنده حديث "نَهى أن ينتعل الرجل، وهو قائم"، فقط والمصنّف، وله عنده أربعة أحاديث فقط، هذا الحديث (٢١٣) وحديث (٧٥٠) "جنّبوا مساجدكم صبيانكم ... "، وحديث (٨٢٢) "يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ألم تنزيل ... "، وحديث (١٥٢٥) "صلّوا على كل ميت ... ".
٣ - (عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، أبو بكر المقرىء، ثقة يَهِمُ، حجة في القراءة [٦] ٢٠/ ١٣٨.
٤ - (مُصْعَبُ بْنُ سَعدٍ) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو زُرارة المدنيّ، ثقة [٣].
روى عن أبيه، وعلي، وطلحة، وابن عمر وغيرهم.
стр. 1925
وَرَوَى عنه مجاهد، وعاصم بن بهدلة، والحكم بن عتيبة، وعمرو بن مرة، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان ثقة كثير الحديث، وقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال عمرو بن علي وغيره: مات سنة (١٠٣).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم ٢١٣ و ٢٧٢ و ٨٢٢ و ٨٧٣ و ٢٠٩٧ و٤٠٢٣.
٥ - (أبُوهُ) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن رهرة بن كلاب، الصحابي الشهير، أحد العشرة ﵁ ٣/ ١٩.
والحديث بهذا السند ضعيف جدًّا؛ لأن الحارث بن نبهان مجمع على تضعيفه، بل صرّح كثير بأنه متروك، كما سبق في ترجمته، قال البوصيري ﵀: هذا إسناد ضعيف؛ لضعف الحارث بن نبهان، ورواه الدارميّ، عن المعلّى بن راشد، عن الحارث ابن نبهان، والجملة الأولى في "الصحيح" من حديث عثمان ﵁ انتهى.
وقوله: "وأخذ بيدي إلخ" لعل القائل هو عاصم ﵀؛ لأنه المشهور بإقراء القرآن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢١٤ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بشارٍ، وَمُحَمَّدُ بن المثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحيَى بن سعِيدٍ، عَنْ شُعبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ المؤْمِن الَذِي يَقْرَأُ الْقرآنَ، كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ، طَعمُها طَيِّبٌ، وَرِيحُها طَيِّبٌ، وَمَثَلُ المؤْمِن الَّذِي لَا يَقْرَأ القُرانَ، كمَثَلِ التّمرَةِ، طَعمُها طَيِّبٌ، وَلَا رِيحَ لها، وَمَثَلُ المنافِقِ الَذِي يَقْرَأ الْقُرآنَ، كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُها طَيِّب، وَطَعمُها مرٌّ، وَمَثَلُ المنافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ القرآنَ، كَمَثَلِ الحنْظَلَة، طَعمُها مُرٌّ، وَلَا رِيحَ لها").
стр. 1926
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَدُ بْنُ بَشَّارٍ) المذكور قبل حديثين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ المثنَّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٩/ ٦٦.
٣ - (يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان المذكور قبل حديثين.
٤ - (شُعبَةُ) بن الحجاج المذكور قبل حديثين.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبت، يدلّس [٤] ١/ ١٠.
٦ - (أَنسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ الشهير ﵁ ٣/ ٢٤.
٧ - (أبو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن قيس الصحابي الشهير ﵁ ١٠/ ٨٨، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين.
٤ - (ومنها): أن شيخيه من المشايخ التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة.
٥ - (ومنها): أن فيه شعبة، وهو إذا روى عن مشايخه المدلسين، كقتادة لا يروي إلا ما صرّحوا بالسماع، فيؤمن عنعنة قتادة هنا من التدليس، وقلت في ذلك:
شُعبةُ لَا يَرْوي عَنِ المُدَلِّسِ ... إِلَّا الَّذِي سَمِعَهُ فَاسْتَأْنِسِ
لِذَا إِذَا رَوَى عَنِ الأَعمَشِ أَوْ ... قَتَادَةٍ أَوِ السَّبِيعِي مَا رَوَوَا
مُعَنْعَنًا لَا تَخْشَ تَدلِيسًا فَقَد ... كفَاكَهُ هذَا الإِمَامُ المُعْتَمَدْ
٦ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، ووقع في رواية البخاريّ من طريق همّام، قال: حدّثنا
стр. 1927
قتادة، قال: حدّثنا أنس بن مالك، فصرّح قتادة بالتحديث (عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) ﵁ (عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) أي ويعمل به، كما وقع في رواية للبخاريّ بلفظ: "المؤمن الذي يقرآ القرآن، ويَعمَل به"، وهي زيادة مفسرة للمراد، وأن التمثيل وقع بالذي يقرأ القرآن، ولا يخالف ما اشتمل عليه، من أمر، ونهي، لا مطلق التلاوة. وعبّر بصيغة المضارع لإفادة تكريره لها، ومداومته عليها، حتى صارت دأبه وعادته، كفلان يَقري الضيف، ويحمي الحريم، ويُعطي اليتيم.
قال الطيبيّ ﵀: إثبات القراءة في قوله: "يقرأ القرآن" على صيغة المضارع، ونفيها في قوله: "لا يقرأ القرآن" ليس المراد منها حصولها مرّة، ونفيها بالكلّية، بل المراد منها الاستمرار، والدوام عليها، فإن القراءة دأبه وعادته، أو ليس ذلك من هِجّيراه، كقولك: فلان يَقري الضيف، ويَحمِي الحريم. انتهى (١).
(كَمَثَلِ الْأُترُجَّةِ) بضم الهمزة والراء، بينهما مثناة ساكنة، وآخره جيم ثقيلة، وقد تخفف، ويزاد قبلها نون ساكنة (٢)، ويقال: بحذف الألف مع الوجهين، فتلك أربع لغات، وتبلغ مع التخفيف إلى ثمانية (٣). قاله في "الفتح" (٤).
وقال في "القّاموس": الأُتْرُجُّ، والأُتْرُجَّةُ، والتُّرُنْجُ، والتُّرُنْجَةُ: معروف. انتهى.
(طَعمُها طَيِّبٌ، وَرِيحُها طَيِّبٌ) قيل: خَصّ صفة الإيمان بالطعم، وصفة التلاوة بالريح؛ لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن؛ إذ يمكن حصول الإيمان بدون القراءة، وكذلك الطعم ألزم للجوهر من الريح، فقد يذهب ريح الجوهر، ويبقى طعمه، ثم قيل: الحكمة في تخصيص الأترجة بالتمثيل دون غيرها من الفاكهة التي تَجْمَع طيب الطعم والربح كالتفاحة؛ لأنه يُتَدَاوى بقشرها، وهو مُفَرِّح بالخاصية، ويُسْتَخرج من
стр. 1928
حَبِّها دُهنٌ له منافع، وقيل: إن الجن لا تقرب البيت الذي فيه الأترج، فناسب أن يُمَثّل به القرآن الذي لا تَقْرَبه الشياطين، وغلاف حبه أَبيض، فيناسب قلب المؤمن، وفيها أيضًا من المزايا كُبْر جرمها، وحسن منظرها، وتفريح لونها، ولِين مَلْمَسها، وفي أكلها مع الالتذاذ طيب نَكْهة، ودِبَاغ مَعِدَة، وجَوْدة هضْم، ولها منافع أخرى مذكورة في المفردات. قاله في "الفتح" (١).
وقال المظهر: المؤمن الذي يقرأ القرآن هكذا من حيث الإيمان في قلبه ثابتٌ، طيّب الباطن، ومن حيث إنه يقرأ القرآن، ويستريح الناس بصوته، ويُثابون بالاستماع إليه، ويتعلّمون منه مثلُ الأترجّة، يستريح الناس برائحتها.
وقال التوربشتيّ: المثل عبارة عن المشابهة بغيره في معنى من المعاني؛ لإدناء المتوهّم عن المشاهد، وكان النبي ﷺ يخاطب بذلك العرب، ويُحاورهم، ولم يكن ليأتي في الأمثال بما لم تشاهده، فيجعلَ ما أورده للتبيان مزيدًا للإبهام، بل يأتيهم بما شاهدوه، وعرفوه؛ ليبلغ ما انتحاه من كشف الغطاء، ورفع الحجاب، ولم يوجد فيما أخرجته الأرض من بركات السماء، لا سيما من الثمار الشجريّة التي آنستها العرب في بلادهم أبلغ في هذا المعنى من الأترجّة، بل هي أفضل ما يوجد من الثمار في سائر البلدان الأخرى، وأجدى؛ لأسباب كثيرة جامعه للصفات المطلوبة منها، والخواصّ الموجودة فيها، فمن ذلك كبر جِرْمها، وحسن منطرها، وطيب مطعمها، ولين ملمسها، وذكَاء أرجها، تملأ الأكفّ بكبر جرمها، ويكسيها لينًا، وتُفعم الخياشيم طيبًا، وتأخذ بالأبصار صيغةً ولونًا، فاقعٌ لونها تسرّ الناظرين، تتوق إليها النفس قبل التناول، تفيد آكلها بعد الالتذاذ بذواقها طيب نكهة، ودباغ معدة، وقوّة هضم، اشتركت الحواسّ الأربع دون الاحتظاء بها: البصر، والذوق، والشمّ، واللمس، وهذه الغاية القصوى في انتهاء الثمرات إليها، وتُدْخَل في الأدوية الصالحة للأدواء المزمنة، والأوجاع المقلقة،
стр. 1929
والأسقام الخبيثة، والأمراض الرديّة، كالفالج، واللقوة، والبرص، واليرقان، واسترخاء العصب، والبواسير، إلى آخر ما قاله (١).
ثم إنها في أجزائها تنقسم على طبائع، فقشرها حارّ يابس، ولحمها حارّ رطب، وحماضها بارد يابس، وبذرها حارّ مجفّف، وفيها من المنافع ما هو مذكور في الكتب الطبّيّة، وأيّةُ ثمرة تبلغ هذا المبلغ في كمال الخلقة، وشُمول المنفعة؟ ثم إنه ﷺ ضرب المثل بما تُنبته الأرض، ويُخرجه الشجر؛ للمشابهة بينها وبين الأعمال، فإنها من ثمرات النفوس، فخصّ ما يُخرجه الشجر من الأترجّة، والتمر بالمؤمن، وما تنبته الأرض من الحنظلة، والريحانة بالمنافق؛ تنبيهًا على علوّ شأن المؤمن، وارتفاع عمله، ودوام ذلك، وتوقيفًا على ضَعَة شأن المنافق، وإحباط عمله، وقلة جدواه.
قال الطيبيّ ﵀:
(اعلم): أن هذا التشبيه، والتمثيل في الحقيقة وصف لموصوف، اشتمل على معنى معقول صِرْفٍ، لا يُبرزه عن مكنونه إلا تصويره بالمحسوس المشاهد، ثم إن كلام الله المجيد له تأثير في باطن العبد وظاهره، وإن العباد متفاوتون في ذلك، فمنهم من له النصيب الأوفر من ذلك التأثير، وهو المؤمن القارىء، ومنهم من لا نصيب له البتة، وهو المنافق الحقيقي، ومن تأثّر ظاهره دون باطنه، وهو المرائي، أو بالعكس، وهو المؤمن الذي لم يقرأه، وإبراز هذه المعاني، وتصويرها في المحسوسات ما هو مذكور في الحديث، ولم يوجد ما يوافقها، ويلائمها أقرب، ولا أحسن، ولا أجمع من ذلك؛ لأن المشبهات، والمشبّه بها واردة على التقسيم الحاصر؛ لأن الناس إما مؤمن، أو غير مؤمن، والثاني إما منافق صرفٌ، أو ملحق به، والأول إما مواظب على القراءة، أو غير مواظب عليها، فعلى هذا قس الأثمار المشبّه جها، ووجه التشبيه في المذكورات مركّبٌ منتزع من أمرين محسوسين: طعم وريح، وليس بمفرّق، كما في قول امرىء
стр. 1930
القيس [من الطويل]:
كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسَا ... لَدَى وَكْرِها الْعُنَّابُ وَالحشَفُ الْبَالِي
انتهى (١).
قال في "الفتح": [فإن قيل]: لو كان كذلك لَكَثُرَ التقسيم، كأن يقال: الذي يقرأ ويعمل، وعكسه، والذي يعمل ولا يقرأ، وعكسه، والأقسام الأربعة ممكنة في غير المنافق، وأما المنافق فليس له إلا قسمان فقط؛ لأنه لا اعتبار بعمله، إذا كان نفاقه نفاق كفر.
وكأن الجواب عن ذلك أن الذي حُذِف من التمثيل قسمان: الذي يقرأ ولا يعمل، والذي لا يعمل ولا يقرأ، وهم شبيهان بحال المنافق، فيمكن تشبيه الأول بالريحانة، والثاني بالحنظلة، فاكتُفِي بذكر المنافق، والقسمان الآخران قد ذُكِرا انتهى (٢).
(وَمَثَلُ المؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقرآنَ) أي ويعمل به، كما في الرواية الأخرى (كمَثَلِ التَّمرَةِ) بالتاء المثنّاة، وسكون الميم (طَعمُها طَيِّبٌ، وَلَا رِيحَ لها) وفي رواية للبخاريّ: "فيها" (وَمَثَلُ المُنافِقِ) وفي رواية للبخاريّ: "ومثل الفاجر" في الموضعين (الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرآنَ، كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ) هي كلّ نبت طيب الريح من أنوع المشموم (رِيحُها طَيِّبٌ، وَطَعمُها مُرٌّ، وَمَثَلُ المنافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقرآنَ، كَمَثَلِ الحنْظَلَةِ) هي كلّ نبات يمتدّ على الأرض كالبطيخ، وثمره يُشبه ثمر البطيخ، لكنه أصغر منه جدّا، ويُضرب المثل بمرارته (٣) (طَعمُها مُرٌّ، وَلَا رِيحَ لها) وفي رواية للبخاريّ: "وريحها مُرّ"، قال في "الفتح": واستُشكِلت هذه الرواية من جهة أن المرارة من أوصاف الطعوم، فكيف يوصف بها الريح. وأُجيب بأن ريحها لمّا كان كريهًا استُعير له وصف المرارة (٤)، والله