← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَدُ بْنُ بَشَّارٍ) المذكور قبل حديثين. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ المثنَّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٩/ ٦٦. ٣ - (يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان المذكور قبل حديثين. ٤ - (شُعبَةُ) بن الحجاج المذكور قبل حديثين. ٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبت، يدلّس [٤] ١/ ١٠. ٦ - (أَنسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ الشهير ﵁ ٣/ ٢٤. ٧ - (أبو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن قيس الصحابي الشهير ﵁ ١٠/ ٨٨، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين. ٤ - (ومنها): أن شيخيه من المشايخ التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. ٥ - (ومنها): أن فيه شعبة، وهو إذا روى عن مشايخه المدلسين، كقتادة لا يروي إلا ما صرّحوا بالسماع، فيؤمن عنعنة قتادة هنا من التدليس، وقلت في ذلك: شُعبةُ لَا يَرْوي عَنِ المُدَلِّسِ ... إِلَّا الَّذِي سَمِعَهُ فَاسْتَأْنِسِ لِذَا إِذَا رَوَى عَنِ الأَعمَشِ أَوْ ... قَتَادَةٍ أَوِ السَّبِيعِي مَا رَوَوَا مُعَنْعَنًا لَا تَخْشَ تَدلِيسًا فَقَد ... كفَاكَهُ هذَا الإِمَامُ المُعْتَمَدْ ٦ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، ووقع في رواية البخاريّ من طريق همّام، قال: حدّثنا

стр. 1927

قتادة، قال: حدّثنا أنس بن مالك، فصرّح قتادة بالتحديث (عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) ﵁ (عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) أي ويعمل به، كما وقع في رواية للبخاريّ بلفظ: "المؤمن الذي يقرآ القرآن، ويَعمَل به"، وهي زيادة مفسرة للمراد، وأن التمثيل وقع بالذي يقرأ القرآن، ولا يخالف ما اشتمل عليه، من أمر، ونهي، لا مطلق التلاوة. وعبّر بصيغة المضارع لإفادة تكريره لها، ومداومته عليها، حتى صارت دأبه وعادته، كفلان يَقري الضيف، ويحمي الحريم، ويُعطي اليتيم. قال الطيبيّ ﵀: إثبات القراءة في قوله: "يقرأ القرآن" على صيغة المضارع، ونفيها في قوله: "لا يقرأ القرآن" ليس المراد منها حصولها مرّة، ونفيها بالكلّية، بل المراد منها الاستمرار، والدوام عليها، فإن القراءة دأبه وعادته، أو ليس ذلك من هِجّيراه، كقولك: فلان يَقري الضيف، ويَحمِي الحريم. انتهى (١). (كَمَثَلِ الْأُترُجَّةِ) بضم الهمزة والراء، بينهما مثناة ساكنة، وآخره جيم ثقيلة، وقد تخفف، ويزاد قبلها نون ساكنة (٢)، ويقال: بحذف الألف مع الوجهين، فتلك أربع لغات، وتبلغ مع التخفيف إلى ثمانية (٣). قاله في "الفتح" (٤). وقال في "القّاموس": الأُتْرُجُّ، والأُتْرُجَّةُ، والتُّرُنْجُ، والتُّرُنْجَةُ: معروف. انتهى. (طَعمُها طَيِّبٌ، وَرِيحُها طَيِّبٌ) قيل: خَصّ صفة الإيمان بالطعم، وصفة التلاوة بالريح؛ لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن؛ إذ يمكن حصول الإيمان بدون القراءة، وكذلك الطعم ألزم للجوهر من الريح، فقد يذهب ريح الجوهر، ويبقى طعمه، ثم قيل: الحكمة في تخصيص الأترجة بالتمثيل دون غيرها من الفاكهة التي تَجْمَع طيب الطعم والربح كالتفاحة؛ لأنه يُتَدَاوى بقشرها، وهو مُفَرِّح بالخاصية، ويُسْتَخرج من

стр. 1928

حَبِّها دُهنٌ له منافع، وقيل: إن الجن لا تقرب البيت الذي فيه الأترج، فناسب أن يُمَثّل به القرآن الذي لا تَقْرَبه الشياطين، وغلاف حبه أَبيض، فيناسب قلب المؤمن، وفيها أيضًا من المزايا كُبْر جرمها، وحسن منظرها، وتفريح لونها، ولِين مَلْمَسها، وفي أكلها مع الالتذاذ طيب نَكْهة، ودِبَاغ مَعِدَة، وجَوْدة هضْم، ولها منافع أخرى مذكورة في المفردات. قاله في "الفتح" (١). وقال المظهر: المؤمن الذي يقرأ القرآن هكذا من حيث الإيمان في قلبه ثابتٌ، طيّب الباطن، ومن حيث إنه يقرأ القرآن، ويستريح الناس بصوته، ويُثابون بالاستماع إليه، ويتعلّمون منه مثلُ الأترجّة، يستريح الناس برائحتها. وقال التوربشتيّ: المثل عبارة عن المشابهة بغيره في معنى من المعاني؛ لإدناء المتوهّم عن المشاهد، وكان النبي ﷺ يخاطب بذلك العرب، ويُحاورهم، ولم يكن ليأتي في الأمثال بما لم تشاهده، فيجعلَ ما أورده للتبيان مزيدًا للإبهام، بل يأتيهم بما شاهدوه، وعرفوه؛ ليبلغ ما انتحاه من كشف الغطاء، ورفع الحجاب، ولم يوجد فيما أخرجته الأرض من بركات السماء، لا سيما من الثمار الشجريّة التي آنستها العرب في بلادهم أبلغ في هذا المعنى من الأترجّة، بل هي أفضل ما يوجد من الثمار في سائر البلدان الأخرى، وأجدى؛ لأسباب كثيرة جامعه للصفات المطلوبة منها، والخواصّ الموجودة فيها، فمن ذلك كبر جِرْمها، وحسن منطرها، وطيب مطعمها، ولين ملمسها، وذكَاء أرجها، تملأ الأكفّ بكبر جرمها، ويكسيها لينًا، وتُفعم الخياشيم طيبًا، وتأخذ بالأبصار صيغةً ولونًا، فاقعٌ لونها تسرّ الناظرين، تتوق إليها النفس قبل التناول، تفيد آكلها بعد الالتذاذ بذواقها طيب نكهة، ودباغ معدة، وقوّة هضم، اشتركت الحواسّ الأربع دون الاحتظاء بها: البصر، والذوق، والشمّ، واللمس، وهذه الغاية القصوى في انتهاء الثمرات إليها، وتُدْخَل في الأدوية الصالحة للأدواء المزمنة، والأوجاع المقلقة،

стр. 1929

والأسقام الخبيثة، والأمراض الرديّة، كالفالج، واللقوة، والبرص، واليرقان، واسترخاء العصب، والبواسير، إلى آخر ما قاله (١). ثم إنها في أجزائها تنقسم على طبائع، فقشرها حارّ يابس، ولحمها حارّ رطب، وحماضها بارد يابس، وبذرها حارّ مجفّف، وفيها من المنافع ما هو مذكور في الكتب الطبّيّة، وأيّةُ ثمرة تبلغ هذا المبلغ في كمال الخلقة، وشُمول المنفعة؟ ثم إنه ﷺ ضرب المثل بما تُنبته الأرض، ويُخرجه الشجر؛ للمشابهة بينها وبين الأعمال، فإنها من ثمرات النفوس، فخصّ ما يُخرجه الشجر من الأترجّة، والتمر بالمؤمن، وما تنبته الأرض من الحنظلة، والريحانة بالمنافق؛ تنبيهًا على علوّ شأن المؤمن، وارتفاع عمله، ودوام ذلك، وتوقيفًا على ضَعَة شأن المنافق، وإحباط عمله، وقلة جدواه. قال الطيبيّ ﵀: (اعلم): أن هذا التشبيه، والتمثيل في الحقيقة وصف لموصوف، اشتمل على معنى معقول صِرْفٍ، لا يُبرزه عن مكنونه إلا تصويره بالمحسوس المشاهد، ثم إن كلام الله المجيد له تأثير في باطن العبد وظاهره، وإن العباد متفاوتون في ذلك، فمنهم من له النصيب الأوفر من ذلك التأثير، وهو المؤمن القارىء، ومنهم من لا نصيب له البتة، وهو المنافق الحقيقي، ومن تأثّر ظاهره دون باطنه، وهو المرائي، أو بالعكس، وهو المؤمن الذي لم يقرأه، وإبراز هذه المعاني، وتصويرها في المحسوسات ما هو مذكور في الحديث، ولم يوجد ما يوافقها، ويلائمها أقرب، ولا أحسن، ولا أجمع من ذلك؛ لأن المشبهات، والمشبّه بها واردة على التقسيم الحاصر؛ لأن الناس إما مؤمن، أو غير مؤمن، والثاني إما منافق صرفٌ، أو ملحق به، والأول إما مواظب على القراءة، أو غير مواظب عليها، فعلى هذا قس الأثمار المشبّه جها، ووجه التشبيه في المذكورات مركّبٌ منتزع من أمرين محسوسين: طعم وريح، وليس بمفرّق، كما في قول امرىء

стр. 1930

القيس [من الطويل]: كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسَا ... لَدَى وَكْرِها الْعُنَّابُ وَالحشَفُ الْبَالِي انتهى (١). قال في "الفتح": [فإن قيل]: لو كان كذلك لَكَثُرَ التقسيم، كأن يقال: الذي يقرأ ويعمل، وعكسه، والذي يعمل ولا يقرأ، وعكسه، والأقسام الأربعة ممكنة في غير المنافق، وأما المنافق فليس له إلا قسمان فقط؛ لأنه لا اعتبار بعمله، إذا كان نفاقه نفاق كفر. وكأن الجواب عن ذلك أن الذي حُذِف من التمثيل قسمان: الذي يقرأ ولا يعمل، والذي لا يعمل ولا يقرأ، وهم شبيهان بحال المنافق، فيمكن تشبيه الأول بالريحانة، والثاني بالحنظلة، فاكتُفِي بذكر المنافق، والقسمان الآخران قد ذُكِرا انتهى (٢). (وَمَثَلُ المؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقرآنَ) أي ويعمل به، كما في الرواية الأخرى (كمَثَلِ التَّمرَةِ) بالتاء المثنّاة، وسكون الميم (طَعمُها طَيِّبٌ، وَلَا رِيحَ لها) وفي رواية للبخاريّ: "فيها" (وَمَثَلُ المُنافِقِ) وفي رواية للبخاريّ: "ومثل الفاجر" في الموضعين (الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرآنَ، كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ) هي كلّ نبت طيب الريح من أنوع المشموم (رِيحُها طَيِّبٌ، وَطَعمُها مُرٌّ، وَمَثَلُ المنافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقرآنَ، كَمَثَلِ الحنْظَلَةِ) هي كلّ نبات يمتدّ على الأرض كالبطيخ، وثمره يُشبه ثمر البطيخ، لكنه أصغر منه جدّا، ويُضرب المثل بمرارته (٣) (طَعمُها مُرٌّ، وَلَا رِيحَ لها) وفي رواية للبخاريّ: "وريحها مُرّ"، قال في "الفتح": واستُشكِلت هذه الرواية من جهة أن المرارة من أوصاف الطعوم، فكيف يوصف بها الريح. وأُجيب بأن ريحها لمّا كان كريهًا استُعير له وصف المرارة (٤)، والله

стр. 1931

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسانل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٨/ ٢١٤) بهذا السند فقط، وأخرجه (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٢٠٩٣٣) و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ٢٥٩ و٥٣٠) و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٩٧ و ٤٠٣ و ٤٠٤ و ٤٠٨) و (عبد بن حميد) في "مسنده" (٥٦٥) و (الدارميّ) في "سننه" (٣٣٦٦) و (البخاريّ) ٦/ ٢٣٤ و ٢٤٤ و ٩/ ١٩٨ و (مسلم) (٢/ ١٩٤) و (أبو داود) (٤٨٣٠) و (الترمذيّ) (٢٨٦٥) و (النسائيّ) في "فضائل القرآن" من "الكبرى" (١٠٦ و ١٠٧) و (ابن حبان) في "صحيحه" (٧٧٠) و (البغويّ) في "شرح السنة" (١١٧٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو واضح. ٢ - (ومنها): بيان فضيلة حاملي القرآن، وقارئيه. ٣ - (ومنها): ضرب المثل للتقريب للفهم، وأن المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دل عليه، لا مطلق التلاوة؛ لقوله في الزيادة السابقة: "ويعمل به". ٤ - (ومنها): ما قال التوربشتيّ رحمه الله تعالى: إن النبيّ ﷺ أشار في ضرب هذا المثل إلى معان لا يَهتدِي إليها إلا من أُيد بالتوفيق، فمنها أنه ضرب المثل بما تنبته الأرض، ويُخرجه الشجر للمشابهة التي بينها وبين الأعمال، فإنها من ثمرات النفوس، والمثل وإن ضُرب للمؤمن نفسِهِ، فإن العبرة فيه بالعمل الذي يصدر منه؛ لأن الأعمال هي الكاشفة عن حقيقة الحال، ومنها: أنه ضرب مثل المؤمن بالأترجّة والتمرة، وهما مما يُخرجه الشجر، وضرب مثل المنافق بما تنبته الأرض؛ تنبيهًا على علو شأن المؤمن،

стр. 1932

وارتفاع عمله، ودوام ذلك وبقائه ما لم تيبس الشجرة، وتوقيفًا على ضَعَة شأن المنافق، وإحباط عمله، وقلّة جدواه، وسقوط منزلته. ومنها: أن الأشجار المثمرة لا تخلو عمن يغرسها، فيسقيها، ويُصلح أودها، ويربيها، وكذلك المؤمن يقيّض له من يؤدّبه، ويُعلّمه، ويُهذّبه، ويلُمّ شَعثه، ويسوّيه، ولا كذلك الحنظلة المهملة المتروكة بالعراء، والمنافق الذي وُكل إلى شيطانه وطبعه وهواه (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢١٥ - (حَدَّثَنَا بَكْرُ بنُ خَلَفٍ أبو بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا عبدُ الرحمَنِ بْنُ بُدَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن أَنسِ بنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِن لله أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ"، قالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَنْ هُم؟ قَالَ: "هُم أَهْلُ الْقرآنِ، أَهْلُ الله وَخَاصَّتُهُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (بَكْرُ بْنْ خَلف أبو بِشْرٍ) البصريّ، ختن المقرىء، صدوقٌ [١٠] ٣٤/ ١٧٥. ٢ - (عَبْدُ الرحمَنِ بْنُ مَهْدِيً) بن حسّان العنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبتٌ حافظ، عارف بالرجال والحديث [٩] ٣/ ٢٥. ٣ - (عَبْدُ الرحمَنِ بن بُدَيْل) بن ميسرة الْعُقيليّ البصريّ، لا بأس به [٨]. رَوَى عن أبيه، وعَوْسَجة الْعُقَيليّ، ويحيى بن سعيد الأنصاري. ورَوَى عنه ابن مهدي، وأبو داود الطيالسي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، والأصمعي، وأبو عُبيدة الحداد، وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين، وأبو داود، والنسائي: ليس به بأس. وقال أبو داود الطيالسي: ثنا عبد الرحمن بن بُديل، وكان ثقةً صدوقا. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن أبي خيثمة أيضا عن ابن معين: ضعيف. وقال أبو الفتح الأزدي:

стр. 1933

فيه لين. تفرّد به النسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٤ - (أبوه) بُديل -مصغّرًا- ابن ميسرة العُقيلي البصريّ، ثقة [٥]. رَوَى عن أنس، وأبي الجوزاء، وعبد الله بن شَقيق، وعطاء، وعبد الله بن الصامت، وعبد الله بن عبيد بن عُمير، وأبي العالية، وغيرهم. ورَوَى عنه قتادة، ومات قبله، وشعبة، وحماد بن زيد، وإبراهيم بن طهمان، وحسين المعلم، وأبان العطار، وابناه عبد الله وعبد الرحمن ابنا بديل، وهشام الدستوائي، وهارون النحوي، وقرة بن خالد، وغيرهم. قال ابن سعد، وابن معين، والنسائي. ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال العجليّ: بصري ثقة. وقال البزار: لم يسمع من عبد الله بن الصامت، وإن كان قَدِيمًا. وذكره ابن حبان في "الثقات" كتاب الطبقة الثالثة. وحكى البغوي عن محمد بن سعد أنه قال: ميسرة والد بديل هذا، هو ميسرة الفجر، صاحب رسول الله ﷺ قال البغوي: وهو عندي وهمٌ. قال البخاري عن علي بن المديني: مات سنة (١٣). أخرج له الجماعة، سوى البخاري، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط برقم ٢١٤ و ٨١٢ و ٨٦٩ و ٨٩٣ و ٢٦٣٤ و ٢٧٣٨ و ٢٩٨٧ و ٣٢٦٤. ٥ - (أَنسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابي المذكور في الحديث الماضي ﵁، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنف. ٢ - (ومنها): أن رجاله موثّقون. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أنس ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، مات سنة (٣) أو (٩٢)، وقد جاوز مائة، والله تعالى أعلم.

стр. 1934

شرح الحديث: (عَنْ أَنسِ بْنِ مَالك) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ لله أَهْلِينَ) جمع أهل، يُرفع بالواو، ويجرّ ويُنصب بالياء؛ لكونه مُلحقًا بجمع الذكّر السالم، كما قال في "الخلاصة": وَارفَع بِوَاوٍ وَبَيَا اجْرُر وَانْصِبِ ... سَالِمَ جمع عَامِرٍ وَمُذْنِبِ وَشِبْهِ ذَيْنِ وَبِهِ عِشْرُونَا ... وَبَابُهُ أُلحقَ وَالأَهْلُونَا وإنما جمعه إشارةً إلى كثرتهم (مِنْ النَّاسِ) بيان لـ"أهلين" (قَالُوا) أي الصحابة السامعون لهذا الحديث (يَا رَسُولَ الله، مَنْ هم؟ قَالَ) ﷺ (هُم أَهْلُ الْقُرآنِ) أي حفظته، الذين يقرءونه آناء الليل وأطراف النهار، ويعملون به (أَهْلُ الله) خبر لمحذوف، أي هم أهل الله (وَخَاصَّتُهُ) أي الذين اختصّهم بمحبّته، والعناية بهم، كاختصاص الإنسان بأهل بيته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس بن مالك ﷺ هذا صحيح، قال البوصيريّ في "مصباح الزجاجة": وهذا إسناد صحيح، رجاله موثّقون. انتهى، وهو من أفراد المصنّف أخرجه هنا ٣٨/ ٢١٥ بهذا السند فقط، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٢٧ و ٢٤٢) و (الدارميّ) في "سننه" (٣٣٢٩) و (النسائيّ) في "فضائل القرآن" من "الكبرى" (٥٦)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الحديث صحيح، كما مرّ آنفا، وهذا مما يُفنّد قول من زعم أن كلّ حديث انفرد به ابن ماجه عن بقية الأصول، فهو ضعيف، فإن هذا قول صدر من غير تأمّل، وقد مرّ تفنيده غير مرّة، فلا تنس، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو واضح.

стр. 1935

٢ - (ومنها): بيان فضل القرآن، وأن قراءته أفضل العبادة؛ لأنه كلام الله تعالى. ٣ - (ومنها): أن الله تعالى يخصّ بعض عباده، فيلهمهم العمل بأفضل الأعمال، حتى يرفع درجاتهم فوق كثير من الناس، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]، ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢١٦ - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الحمصِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَدُ ابْنُ حَربٍ، عَنْ أَبِي عُمَرَ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمرَةَ، عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ قَرَأَ الْقرآنَ، وَحَفِظَهُ أَدخَلَهُ الله الجنّةَ، وَشَفَّعَهُ في عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتهِ، كُلُّهُم قَدْ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الحمصيُّ) أبو حفص القرشيّ مولاهم، صدوق [١٠]. رَوَى عن أبيه، ومحمد بن حرب الخولاني، والوليد بن مسلم، ومروان بن معاوية، ومروان بن محمد، وإسماعيل بن عياش، وبقية، وسفيان بن عيينة، وغيرهم. ورَوى عنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ورَوَى النسائي في "اليوم والليلة" عن زكريا السجزي عنه، وأبو زوعة، وأبو حاتم، والذهلي، وبقي بن مخلد، وغيرهم. قال أبو زرعة: كان أحفظ من أبي مُصَفَّى، وأحب إليّ منه. وقال أبو حاتم: صدوق. ووثقه النسائيّ في "أسماء شيوخه"، وكذا أبو داود، ومَسْلَمة وثّقاه. وقال عبد الله، ومحمد بن سنان عن موسى بن سهل -هو الجَوْني-: عمرُو بنُ عثمان أحب إليّ من محمد بن مُصَفَّى. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٢٥٠). وله في هذا الكتاب (١٥) حديثا.

стр. 1936

٢ - (مُحَمَدُ بْنُ حَرب) الْخَولانيّ الحمص المعروف بالأبرش -بالمعجمة- كاتب محمد بن الوليد الزبيدي، ثقة [١٠]. رَوَى عن الأوزاعي، وابن جريج، ومحمد بن زياد الألهاني، وعمر بن رؤبة التغلبي، وسعيد بن سنان، وعبيد الله بن عمر العمري، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو مسهر، وخالد بن خَليّ، وحيوة بن شريح، ومحمد بن وهب بن عطية، وإبراهيم بن موسى الرازي، وهارون الحمال، وحاجب بن الوليد، وعمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، وآخرون. قال ابن سعد: ولي قضاء دمشق. وقال المُرّوذي عن أحمد: ليس به بأس، وقدّمه على بقية. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: فبقية كيف حديثه؟ قال: ثقة، قلت: هو أحب إليك أو محمد بن حرب؟ قال ثقة ثقة. قال عثمان: وهو الأبرش الحمصي ثقة. وقال العجلي، ومحمد بن عوف، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال خُشنام بن الصديق. ثنا محمد بن حرب الخولاني، وكان من خيار الناس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٩٢)، وقال يزيد بن عبد ربه، وعمرو بن عثمان: مات سنة أربع وتسعين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم ٢١٦ و١٦٦٥ و ٢٧٤٢ و ٣٢٤١ و ٣٣٤٩ و ٤٠٥٤. ٣ - (أبو عُمَرَ) حفص بن سليمان الأسديّ، أبو عُمَر البزّاز الكوفيّ القارىء، ويقال له: الْغَاضريّ -بمعجمتين- ويُعرف بحُفيص، وقيل: اسم جدّه المغيرة، وهو حفص بن أبي داود قرأ على عاصم بن أبي النَّجُود، وكان ابن امرأته، متروك الحديث، مع إمامته في القراءة [٨]. رَوى عن عاصم بن بهدلة، وعاصم الأحول، وعبد الملك بن عمير، وليث بن أبي سليم، وأبي إسحاق السبيعي، وكثير بن زاذان، وجماعة. ورَوى عنه أبو شعيب صالح بن محمد القَوّاس، وقرأ عليه، وحفص بن غياث،

стр. 1937

وعلي بن عياش، وآدم بن أبي إياس، وعلي بن حجر، وهشام بن عمار، ومحمد بن حرب الخولاني، وعلي بن يزيد الصدائي، ولُوَين، وغيرهم. قال محمد بن سعد الْعَوفي عن أبيه: حدثنا حفص بن سليمان، لو رأيته لقرّت عيناك فهمًا وعِلْمًا. وقال أبو علي بن الصواف، عن عبد الله بن أحمد عن أبيه: صالح. وقال ابن أبي حاتم عن عبد الله، عن أبيه: متروك الحديث، وكذا قال حنبل بن إسحاق عن أحمد. وقال حنبل عن أحمد مرة أخرى: ما به بأس. وقال يحيى بن معين: زعم أيوب ابن المتوكل -وكان بصريا من القراء- قال: أبو عمر أصح قراءةً من أبي بكر بن عياش، وأبو بكر أوثق منه. وقال عثمان الدارمي وغيره عن ابن معين: ليس بثقة. وقال ابن المديني: ضعيف الحديث، وتركته على عمد. وقال الجوزجاني: قد فُرغ منه من دهر. وقال البخاري: تركوه. وقال مسلم: متروك. وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه، وقال في موضع آخر: متروك الحديث. وقال صالح بن محمد: لا يكتب حديثه، وأحاديثه كلها مناكير. وقال الساجي: يُحدّث عن سماك وغيره أحاديث بواطيل. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: لا يكتب حديثه، هو ضعيف الحديث، لا يَصدُق، متروك الحديث، قلت: ما حاله في الحروف؟ قال أبو بكر ابن عياش أثبت منه. وقال ابن خِرَاش: كذّاب، متروك، يَضَعُ الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث. وقال يحيى بن سعيد عن شعبة: أخذ مني حفص بن سليمان كتابًا، فلم يردّه، وكان يأخذ كتب الناس فينسخها. وقال الساجي عن أحمد بن محمد البغدادي عن ابن معين: كان حفص، وأبو بكر من أعلم الناس بقراءة عاصم، وكان حفص أقرأ من أبي بكر، وكان كذّابا، وكان أبو بكر صدوقًا. وقال ابن عديّ: عامة حديثه عمن رَوَى محفوظ. قيل: إنه مات سنة (١٨٠)، وله تسعون سنة، وقيل: قريبًا من سنة تسعين، قاله

стр. 1938

أبو عمرو الداني. وقال: قال وكيع: كان ثقة. وقال ابن حبان: كان يَقْلِب الأسانيد، ويَرفَع المراسيل. وحكى ابن الجوزي في "الوضوعات" عن عبد الرحمن بن مهدي قال: والله ما تَحِلّ الرواية عنه. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال الساجي: حفص ممن ذهب حديثه، عنده مناكير. وذكره البخاري في "الأوسط" في "فصل من مات من ثمانين إلى تسعين ومائة"، وأورد له البخاري في "الضعفاء" حديثه عن ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن ابن عمر في الزيارة. أخرج له الترمذيّ، والنسائي في "مسند علي" متابعةً، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٢١٦) وحديث (٢٢٤). ٤ - (كثِيرُ بْنُ زَاذَانَ) النخعيّ الكوفيّ، مجهول [٧]. رَوَى عن سلمان أبي حازم الأشجعي، وعاصم بن ضمرة، وعبد الرحمن بن أبي نُعْم. ورَوى عنه حفص بن سليمان الغاضريّ، وحماد بن واقد، وعنبسة بن عبد الرحمن قاضي الرّيّ. قال عثمان بن سعيد عن ابن معين: لا أعرفه. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه، وأبي زرعة: شيخ مجهول. وقال الأزديّ: فيه نظر. وأفاد الخطيب أنه كثير مُؤَذِّن النَّخَع، الذي رَوَى عنه سفيان. تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف بهذا الحديث فقط، قال الترمذيّ: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ليس له إسناد صحيح. ٥ - (عَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ) السَّلُوليّ الكوفيّ، صدوق [٣]. رَوَى عن علي، وحكى عن سعيد بن جبير. ورَوَى عنه أبو إسحاق السبيعي، ومنذر بن يعلى الثوري، والحكم بن عتيبة، وكثير بن زاذان، وحبيب بن أبي ثابت، وغيرهم. قال يحيى بن سعيد عن الثوري: كنا نَعرِف فضل حديث عاصم على حديث الحارث. وقال حرب عن أحمد: عاصم أعلى من الحارث. وقال عباس عن يحيى: قُدِّمَ عاصمٌ على الحارث. وقال ابن عمار: عاصم أثبت من الحارث. وقال علي بن المديني،

стр. 1939

والعجلي: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال البزار: هو صالح الحديث، وأما حبيب بن أبي ثابت، فرَوَى عنه مناكير، وأحسب أن حبيبًا لم يَسمع منه، ولا نعلمه رَوَى عن علي إلا حديثًا أخطأ فيه مسكينُ بن بكير، فرواه عن الحجاج، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن ابن أبي بَصِير، عن أُبَيّ بن كعب، وهذا مما لا يُشَكّ في خطئه، يعني أن الحديث معروف لأبي إسحاق، عن ابن أبي بصير ليس بينهما عاصم، مع أن مسكينًا لم ينفرد بهذا، فقد رواه مَعْمر بن سليمان الرَّقّيّ، عن الحجاج كذلك، والوهم فيه من حجاج بن أرطاة. وقال أبو إسحاق الجوزجاني: هو عندي قريب من الحارث. ورَوى عنه أبو إسحاق حديثًا في تطوع النبي ﷺ ست عشرة ركعة، فيا لعباد الله، أما كان ينبغي لأحد من الصحابة، وأزواج النبي ﷺ يَحكِي هذه الركعات؟ إلى أن قال: وخالف عاصم الأمة واتفاقها، فرَوَى أن في خمس وعشرين من الإبل خمسًا من الغنم. قال الحافظ: تَعَصُّبُ الجوزجاني على أصحاب عليّ ﵁ معروف، ولا إنكار على عاصم فيما رَوَى هذه عائشة أَخَصّ أزواج النبي ﷺ تقول لسائلها عن شيء، من أحوال النبيّ ﷺ : سل عليّا، فليس بعجب أن يروي الصحابي شيئًا، يرويه غيره من الصحابة بخلافه، ولا سيما في التطوع، وأما حديث الغنم فلعل الآفة فيه ممن بعد عاصم (١). وقد تبع الجوزجاني في تضعيفه ابن عديّ، فقال: وحدث عن علي بأحاديث باطلة، لا يتابعه الثقات عليها، والبلاء منه. وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ، فاحش الخطأ، على أنه أحسن حالًا من الحارث. وقال خليفة بن خياط: مات في ولاية بشر بن مروان سنة أربع وسبعين ومائة، وكذا أَرّخه ابن سعد، وقال كان ثقة، وله أحاديث. أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم ٢١٦ و١١٦١ و ١١٦٩ و ١١٨٦ و١٤٦٠ و ١٤٦٢.

стр. 1940

٦ - (عَليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ ٢،٢٠. شرح الحديث: (عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (مَنْ قَرَأَ الْقُرآنَ) أي بالنظر (وحَفِظَهُ) أي غيّبه في قلبه، وقال السنديّ: أي حفظه بمراعاة العمل به، والقيام بموجبه، أو المراد بالحفظ قراءته غيبًا، والواو لا تفيد الترتيب، فيحتمل أن المعنى من حفظ القرآن، وداوم على قراءته بعد ذلك، ولا يتركه، ويحتمل أن المعنى من داوم على قراءته حتى حفظه، وعلى الوجهين ينبغي أن يُعتبر مع ذلك العمل به أيضًا، إذ غير العامل يعدّ جاهلًا، ورواية الترمذيّ صريحة في اعتبار أنه يقرأ بالغيب، وإثباته، ولفظه: "من قرأ القرآن، واستظهره، فأحل حلاله، وحرّم حرامه، أدخله الله به الجنة، وشفعه في عشرة من أهل بيته، كلهم قد وجبت له النار". (أَدخَلَهُ اللهُ الجَنّةَ) أي ابتداء، وإلا فكلّ مؤمن يدخلها (وَشَفَّعَهُ) بتشديد الفاء: أي قَبِل شفاعته (في عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتهِ، كلُّهُم قَدْ اسْتَوْجَبُوا النارَ) أي استحقّوا دخولها بسبب ذنوبهم، لا بالكفر، نعوذ بالله منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ هذا ضعيف، أبو عمر حفص بن سليمان متروك الحديث، كما سبق في ترجمته، وشيخه كثير مجهول، قال أبو عيسى الترمذي ﵀ بعد إخراجه: هذا حديث غريب، لا تعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بصحيح، وحفص بن سليمان يُضَعَّف في الحديث. انتهى، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٨/ ٢١٦) بهذا السند فقط، وأخرجه (عبد الله بن أحمد) في "زيادات المسند" (١/ ١٤٨ و ١٤٩) و (الترمذي) (٢٩٠٥)، والله تعالى أعلم

стр. 1941

بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢١٧ - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبدِ الله الْأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا أبو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الحمِيدِ بْنِ جَعفَرٍ، عَنْ المقْبُرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، مَوْلَى أَبِي أحمَدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "تَعَلَّمُوا الْقرآنَ، وَاقْرَءُوهُ، وَارقُدُوا، فإِنَّ مَثَلَ القُرْآنِ، وَمَنْ تَعَلَّمَهُ، فَقَامَ بِهِ، كمَثَلِ جِرَابٍ مَحشُوٍّ مِسْكًا، يَفُوحُ رِيحُهُ كلَّ مَكَانٍ، وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ فَرَقَدَ، وَهُوَ في جَوْفِهِ، كمَثَلِ جِرَابٍ أُوكِيَ عَلَى مِسْكٍ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الله الْأَوْدِيُّ) الكوفيّ، ثقة [١٠] ١١/ ٩٦ من أفراد المصنّف. ٢ - (أبو أُسَامَةَ) حماد بن أُسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت ربما دلّس، من كبار [٩] ١٢/ ١٠٢. ٣ - (عَبْدُ الحمِيدِ بْنُ جَعفَرٍ) بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاريّ الأوسيّ، أبو الفضل، ويقال: أبو حفص المدنيّ، ويقال: إن رافع بن سنان جده لأمه صدوقٌ، رُمي بالقدر، وربّما وَهِمَ [٦]. رَوَى عن أبيه، وعن عم أبيه عمر بن الحكم، ووهب بن كيسان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأسود بن العلاء بن جارية، وسعيد المقبريّ، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن المبارك، وخالد بن الحارث، وأبو خالد الأحمر، وعبد الله بن حمران، وهشيم، ووكيع، ويحيى القطان، وأبو أسامة، وغيرهم. قال أحمد: ثقة ليس به بأس، سمعت يحيى بن سعيد يقول: كان سفيان يضعفه من أجل القدر. وقال الدُّوري عن ابن معين: ثقة ليس به بأس، كان يحيى بن سعيد يضعفه، قلت ليحيى فقد رَوَى عنه، قال: قد رَوَى عنه، وكان يضعفه، وكان يرى القدر. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد يوثقه، وكان الثوري يضعفه، قلت: ما تقول أنت فيه؟ قال: ليس بحديثه بأس، وهو صالح. وقال عثمان

стр. 1942

الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال ابن المديني، عن يحيى بن سعيد: كان سفيان يَحمِل عليه، ما أدري ما كان شأنه وشأنه؟. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به، وهو ممن يُكتَب حديثه. وقال الفضل بن موسى: كان ممن خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن. وقال الساجي: ثقة، صدوق، ضعفه الثوري. ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير. وقال النسائي في "كتاب الضعفاء": ليس بقوي. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات بالمدينة سنة ثلاث وخمسين ومائة، وهو ابن سبعين سنة. أخرج له مسلم، والأربعة، وعلّق له البخاريّ، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. ٤ - (المقْبُرِيُّ) سعيد بن أبي سعيد كيسان، أبو سَعد المدنيّ، وكان أبوه مكاتبًا لامرأة من بني ليث، والمقبري نسبة إلى مقبرة بالمدينة، كان مجاورًا لها، ثقة تغيّر قبل موته بأربع سنين [٣]. رَوَى عن سعد، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وعائشة، وأم سلمة، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي شُريح، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، وعن أبيه أبي سعيد، وخلق كثير. ورَوَى عنه مالك، وابن إسحاق، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن عجلان، وابن أبي ذئب، وعبد الحميد بن جعفر، وعبيد الله بن عمر، وخلق كثير. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: سعيد أوثق -يعني من العلاء بن عبد الرحمن-. وقال ابن المديني، وابن سعد، والعجلي، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال ابن خِرَاش: ثقة جليل أثبت الناس فيه الليث بن سعد. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال يعقوب بن شيبة: قد كان تغير، وكبر، واختلط قبل موته، يقال: بأربع سنين، وحسان شعبة يقول: ثنا سعيد المقبري بعد ما كبر. وقال الواقدي: اختلط قبل موته بأربع سنين. وقال ابن عدي: إنما ذكرته لقول شعبة

стр. 1943

هذا، وأرجو أن يكون من أهل الصدق، وما تكلم فيه أحد إلا بخير. وقال البخاري رَوَى عنه يحيى بن أبي كثير، فقال: عن أبي سعد، عن أبي شُريح. وقال ابن حبان في "الثقات": اختلط قبل موته بأربع سنين. وقال الساجي: قال ابن معين: أثبت الناس في سعيدٍ ابنُ أبي ذئب. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي هل سمع المقبري من عائشة؟ فقال: لا. وذكر عبد الحق الإشبيلي أنه لم يسمع من أم سلمة أيضًا. وقال ابن عساكر: قَدِم الشام مرابطًا، وحَدّث بساحل بيروت. قال: وقد فَرّق الخطيب بين سعيد بن أبي سعيد الذي حدث ببيروت، وبين المقبري، ووَهِمَ في ذلك (١). قال البخاري: مات بعد نافع، وقال نوح بن حبيب: مات سنة (١١٧)، وقال يعقوب بن شيبة وغيره: مات في أول خلافة هشام. وقال ابن سعد، وابن أبي خيثمة: مات في آخر خلافة هشام سنة (١٢٣)، وقال أبو عبيد: مات سنة (٢٥)، وقال خليفة سنة (٢٦). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٩) حديثًا.

стр. 1944

٥ - (عَطَاءٌ، مَوْلَى أَبِي أَحمَدَ) أو ابن أبي أحمد بن جَحْش الحجازي، مجهول (١) [٣]. رَوَى عن أبي هريرة هذا الحديث، وعنه سعيد القبريّ، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قال الحافظ: قرأت بخط الذهبي: لا يُعرَف. أخرج له أبو داود، والنسائي، والمصنف هذا الحديث الواحد، وحسنه الترمذي. ٦ - (أبو هرَيْرَةَ) ﵁ ١/ ١. شرح الحديث: (عَن أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (تَعَلَّمُوا الْقرآنَ) سبب قوله ﷺ : تعلّموا إلخ هو ما أخرجه الترمذيّ مطوّلًا، ولفظه: قال: حدثنا الحسن بن علي الحلواني، حدثنا أبو أسامة، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، عن عطاء مولى أبي أحمد، عن أبي هريرة، قال: بعث رسول الله ﷺ بَعْثًا، وهم ذُو عدد، فاستقرأهم، فاستقرأ كلَّ رجل منهم ما معه من القرآن، فأتى على رجل منهم، مِن أحدثهم سِنًّا فقال: "ما معك يا فلان؟ " قال: معي كذا وكذا، وسورة البقرة، قال: "أمعك سورة البقرة؟ " فقال: نعم، قال: "فاذهب، فأنت أميرهم"، فقال رجل من أشرافهم: والله يا رسول الله ما منعني أن أتعلم سورة البقرة، إلا خشية ألّا أقوله بها، فقال رسول الله ﷺ : "تعلموا القرآن، واقرءوه، فإن مَثَلَ القرآن لمن تعلمه فقرأه، وقام به، كمَثَل جراب مَحْشُوّ مسكًا يفوح ريحه في كل مكان، ومثل من تعلمه فيرقد، وهو في جوفه كمثل جراب، وُكِئ على مسك". (وَاقْرَءُوهُ) أي داوموا على قراءته، مع العمل به (وَارقُدُوا) قال السنديّ ﵀: ذكره للتنبيه على أن قارىء القرآن لا يُمنع من النوم، ولا يُعاقب عليه، إذا كان مع

стр. 1945

أداء حقّ القرآن، وإنما يعاقب عليه إذا فَوّت عليه أداء حقّ القرآن. انتهى (فَإِنَّ مَثَلَ القرآن، وَمَنْ تَعَلَّمَهُ، فَقَامَ بِهِ) أي تشمّر لأداء حقّه قراءةً وعملًا (كمَثَلِ جِرَابٍ) بكسر الجيم وعاءٌ معروف، وفي "الصحاح": والعامّة تفتحها، وفي "المصباح": الجِرَابُ معروفٌ، والجمع جُرُبٌ، مثلُ كتابٍ وكُتُبٍ، وسُمِع أَجْرِبةٌ أيضًا، ولا يقال جَرَابٌ بالفتح، قاله ابن السّكّيت، وغيره. انتهى (١). وفي "القاموس": ولا يُفتح، أو هي لُغيّة فيما حكاه النوويّ، وعياض قبله: المِزوَد، أو الْوِعَاءُ. انتهى (٢) (مَحْشُوٍّ) بتشديد الواو، كمَدعُوّ: أي مملوء (مِسْكًا) بكسر الميم، وسكون السين المهملة، قال في "المصباح": المسكُ طيب معروف، وهو معَرَّبٌ، والعرب تسمّيه المشموم، وهو عندهم أفضل الطيب، ولهذا ورد "لخلُوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك"، ترغيبًا في إبقاء أثر الصوم، قال الفرّاء: المِسْكُ مذكّرٌ، وقال غيره: يُذكَّر ويؤنَّثُ، فيقال: هو المسكُ، وهي المسكُ، وأنشد أبو عُبيدة على التأنيث قولَ الشاعر [من الرجز]: وَالمِسْكُ وَالْعَنْبَرُ خَيْرُ طِيبِ ... أُخِذَتَا بِالثَّمَنِ الرَّغِيب وقال السجستانيّ: من أنّثَ المسك جعله جمعًا، فيكون تأنيثه بمنزلة تأنيث الذهب والعَسَلِ، قال: وواحدته مِسْكَةٌ، مثلُ ذهب وذَهبة (٣). (يَفُوحُ رِيحُهُ) أي ينتشر، يقال: فاح المسك يفوح فَوْحًا، ويفيح فَيْحًا أيضًا: إذا انتشر ريحه، قالوا: ولا يقال: فاح إلا في الريح الطيّبة خاصّةً، ولا يقال في الخبيثة والمنتنة: فاح، بل يقال: هبَّتْ ريحها. قاله الفيّوميّ (٤) (كلَّ مَكَان) منصوب على الظرفيّة،

стр. 1946

متعلّق بـ "يفوح" (وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ فَرَقَدَ) أي غفل ونام (وَهُوَ في جَوْفِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال (كَمَثَلِ جِرَابٍ أُوكِيَ) بضم أوله، مبنيّا للمفعول، من أوكيتُ السقاء: إذا ربطتَ فمه بالوكاء، بالكسر: خيطٌ تُشدّ به الأوعية. والمعنى أنه ملأه مسكًا، وربط فمه (عَلَى مِسْكٍ) أي لأجله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا ضعيف؛ لجهالة عطاء مولى أبي أحمد؛ إذ لم يرو عنه إلا المقبريّ، ولا يُعرف إلا بهذا الحديث، فتحسين الترمذيّ له غير مقبول، قال الترمذيّ: وقد رواه الليث بن سعد، عن سعيد المقبريّ، عن عطاء، مولى أبي أحمد، عن النبيّ ﷺ مرسلًا، ولم يذكر فيه "عن أبي هريرة"، حدثنا قتيبة، عن الليث، فذكره. انتهى كلام الترمذيّ ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٨/ ٢١٧) بهذا السند فقط، وأخرجه (الترمذيّ) (٢٨٧٦) و (النسائيّ) في "الكبرى" (١) و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٠٩) و (٢٥٤٠) والمزيّ في "تهذيب الكمال" من طريق الطبرانيّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1947

وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢١٨ - (حَدَّثَنَا أبو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمانَ الْعُثْمانِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهاب، عَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَبِي الطُّفَيْلِ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الحارِثِ، لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الخطَّابِ بِعُسْفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ اسْتَعمَلَهُ عَلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: عُمَرُ مَنْ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ قَالَ: اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِم ابْنَ أبزَى، قَالَ: وَمَنْ ابْنُ أبزَى؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ مَوَالِينَا، قَالَ عُمَرُ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِم مَوْلًى؟ قَالَ: إِنهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ الله تَعَالَى، عَالمٌ بِالْفَرَائِضِ، قَاضٍ، قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُم ﷺ قَالَ: "إِنَّ الله يَرفَعُ بِهذَا الْكِتَابِ أَقوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أبو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمانَ الْعُثْمانِيُّ) المدنيّ، نزيل مكة المذكور قبل باب. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سعدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة، تُكُلِّم فيه بلا قادح [٨] ٢/ ١٤. ٣ - (ابْنُ شِهابٍ) محمد بن مسلم بن الزهريّ الإمام الحجة الثبت [٤] ٢/ ١٥. ٤ - (عامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ، أبو الطُّفَيْلِ) هو: عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جَحْش، ويقال: خميس بن جري بن سَعْد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن علي بن كنانة، أبو الطفيل الليثيّ، ويقال: اسمه عَمرو، والأول أصح، وُلد عام أُحُد. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وعلي، ومعاذ بن جبل، وحذيفة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي سَرِيحة، ونافع بن عبد الحارث، وزيد بن أرقم، وغيرهم. ورَوَى عنه الزهريّ، وأبو الزبير، وقتادة، وعبد العزيز بن رُفيع، وسعيد بن إياس الجُريري، وعبد الملك بن سعيد بن أبجر، وخلق كثير. قال مسلم: مات أبو الطفيل سنة مائة، وهو آخر من مات من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال خليفة: مات بعد سنة مائة، ويقال. مات سنة سبع. وقال وهب بن جرير ابن حازم عن أبيه: كنت بمكة سنة عشر ومائة، فرأيت جنازة، فسألت عنها، فقالوا: هذا أبو الطفيل. وقال ابن الْبَرْقي: مات سنة ١٠٢. وقال موسى بن إسماعيل: ثنا

стр. 1948

مبارك بن فَضَالة، ثنا كثير بن أعين، سمعت أبا الطفيل بمكة سنة سبع ومائة يقول: ضَحِكَ رسولُ الله ﷺ ، فذكر قصة، وقال ابن السكن: رُوِي عنه رؤيته لرسول الله ﷺ من وجوه ثابتة، ولم يُرو عنه من وجه ثابت سماعه من رسول الله ﷺ . وقال ابن سعد: حدثنا عمرو بن عاصم، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي الطفيل، قال: كنت أطلب النبي ﷺ فيمن يطلبه ليلة الغار، قال: فقمت على باب الغار، ولا أرى فيه أحدًا، ثم قال ابن سعد: وهذا الحديث غَلَطٌ، أبو الطفيل لم يولد تلك الليلة، وينبغي أن يكون حَدَّث بهذا الحديث عن غيره، فأوهم الذي حَمَل عنه، وكان أبو الطفيل ثقة في الحديث، وكان مُتَشَيِّعا. وذكر البخاري في "التاريخ الصغير" هذا الحديث عن عمرو بن عاصم، وقال: الأول أصح -يعني قوله: أدركت ثمان سنين من حياة النبي ﷺ . وقال يعقوب بن سفيان في "تاريخه": حدثنا عقبة بن مكرم، ثنا يعقوب بن إسحاق، ثنا مهدي بن عمران الحنفي، قال: سمعت أبا الطفيل يقول: كنت يوم بدر غلامًا، قد شددت علي الإزار، وأنقل اللحم من السهل إلى الجبل. وقوله: "يوم بدر" -كما قال الحافظ- وَهمٌ، والصواب "يوم حنين"، والله أعلم، قال: فقد رَوَيناه هكذا من طريق أخرى، عن أبي الطفيل. وقال ابن عديّ له صحبةٌ، قد رَوَى عن النبي ﷺ قريبًا من عشرين حديثًا، وكانت الخوارج يرمونه باتصاله بعليّ، وقولِهِ بفضله وفضل أهل بيته، وليس في رواياته بأس. وقال ابن المديني: قلت لجرير: أكان مغيرة يَكره الرواية عن أبي الطفيل؟ قال: نعم. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: أبو الطفيل مكي ثقة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط، برقم ٢١٨ و١٠٧٠ و ١٥٣٦ و ١٥٣٧ و ٢٩٤٩ و ٢٩٥٣ و ٣١١٩ و٤٠٤١ و٤٠٥٥. ٥ - (عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ ٣/ ٢٨، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف.

стр. 1949

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابي. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين، والعشرة البشرين بالجنّة ﵃، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن عَامِرِ بنِ وَاثِلَةَ، أَبِي الطُّفَيلِ) ﵁ (أَنَّ نَافِعَ بنَ عَبْدِ الحارِثِ) بن خالد بن عُمير بن الحارث الخزاعيّ، روى عن النبي ﷺ ، ورَوَى عنه أبو الطفيل، وجَمِيل بن عبد الرحمن، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن فَرُّوخ، مولى عمر ﵁، قال ابن عبد البر: كان من كبار الصحابة وفضلائهم، وقيل: إنه أسلم يوم الفتح، وأقام بمكة، ولم يهاجر، قال: وأنكر الواقدي أن تكون له صحبة، وذكره ابن سعد في طبقة الفَتْحِيين، وذكره ابن حبان، والعسكريّ، وجماعة في الصحابة. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون، سوى الترمذيّ. (لَقِيَ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ) ﵁ (بِعُسفَانَ) بصم العين، وسكون السين المهملتين، موضع بين مكة والمدينة، وبينه وبين مكة نحو ثلاث مراحل، ونونه زائدة، وهو يُذكّر ويؤنّث (١) (وَكَان عُمَرُ) ﵁ (اسْتعمَلَهُ عَلَى مَكَّةَ) أي جعله أميرًا عليها (فقالَ: عمر) ﵁ (مَنْ اسْتَخلَفْت على أَهْلِ الوَادِي؟) أي على أهل مكة (قَالَ) نافع ﵁ (استَخلَفتُ ابنَ أبزَى) بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة، بعدها زاي، مقصورًا، وهو: عبد الرحمن بن أبزى الخزاعيّ، مولى نافع بن عبد الحارث، مختلف في صحبته، استخلفه نافع بن عبد الحارث على أهل مكة أيام عمر، وقال لعمر: إنه قارىء لكتاب الله، عالم بالفرائض، ثم سكن الكوفة، رَوَى عن النبي ﷺ وعن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وعمار، وأُبي بن كعب، وغيرهم، وعنه ابنه سعيد، وعبد الله بن أبي المجالد، والشعبي، وأبو مالك غَزْوان

стр. 1950

الغِفَاريّ، وأبو إسحاق السبيعي، وغيرهم، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال ابن أبي داود: لم يحدِّث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من التابعين، إلا ابن أبزي، وقال البخاريّ: له صحبة، وذكره غير واحد في الصحابة. وقال أبو حاتم: أدرك النبي ﷺ ، وصَلَّى خلفه، وقال ابن عبد البر: استعمله عليّ على خراسان، وذكره ابن سعد فيمن مات رسول الله ﷺ ، وهم أحداث الأسنان، وممن جزم بأن له صحبةً خليفةُ بن خياط، والترمذي، ويعقوب بن سفيان، وأبو عروبة، والدارقطني، والْبَرْقيّ، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وغيرهم، وفي "صحيح البخاري" من حديث ابن أبي المُجالد أنه سأل عبد الرحمن ابن أبزي، وابن أبي أوفى عن السلف، فقالا: كنا نُصيب المغانم مع النبي ﷺ ... الحديث، وقال ابن سعد: أخبرنا أبو عاصم، أنا شعبة، عن الحسن بن عمران، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي، عن أبيه، أنه صلَّى مع النبيّ ﷺ ، فكان إذا خفض لا يكبر. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم ٥٦٩ و١١٧١ و ١١٨٢ و ٢٢٨٢. (قَالَ) ﵁ (وَمَنْ ابْنُ أبزَى؟، قَالَ) نافع ﵁ (رَجُل مِنْ مَوَالِينَا) بفتح الميم، جمع مولًى، يُطلق على المُعْتِق، بكسر التاء، والمُعْتَق، بفتحها، وهو المراد هنا (قَالَ عُمَرُ) ﵁، (فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِم مَوْلًى؟) بتقدير همزة الاستفهام، أي أفاستخلفت إلخ، والاستفهام للإنكار، وليس إنكار عمر ﵁ توليته عليهم؛ استخفافًا به، واحتقارًا له، وإنما أنكر فوات غرض التولية، وذلك أن المقصود من التولية ضبط أمور الناس، وسياستهم، وهذا يحتاج أن يكون الموَلَّى عليهم رجلًا مُهابًا، له عظمةٌ وشرفٌ في قلوب العامّة، وإلا استخفّوا به، ولم يُطيعوه، فيفوت بذلك غرض الولاية، والله تعالى أعلم (قَالَ) نافع ﵁ مبيّنًا سبب توليته عليهم، وأنَّ له مؤهّلًا لذلك (إِنَّهُ قَارِئ لِكِتَابِ الله تَعَالَى) أي عالم بالقرآن، وعاملٌ به (عَالم بِالْفَرَائِضِ) أي بقسمة المواريث على كتاب الله (قَاضٍ) أي عالم بالقضاء بين الناس بالعدل.

стр. 1951

والمعنى أن هذا الأمير رفعه الله تعالى عليهم بهذه الأمور، وهم يعرفون منه ذلك، فيحترمونه، ويُعظّمونه، ويطيعون أمره، فتستقيم أمورهم، وتستقرّ أحوالهم (قَالَ عُمَرُ) ﵁ عند ذلك، مستحسنًا فعل نافع، وأنه قد ولّى عليهم من يستحقّ الولاية (أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، كـ "ألا" (إِنَّ نَبِيَّكُم) بكسر همزة "إن"؛ لوقوعها في الابتداء ﷺ (قَالَ: إِنَّ الله يَرْفَعُ) أي يشرّف، ويكرم في الدنيا والآخرة، بأن يحييهم حياةً طيّبةً في الدنيا، ويجعلهم ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] في الآخرة (بِهذَا الْكِتَابِ) أي القرآن الكريم البالغ في الشرف، وظهور البرهان مبلغًا لم يبلغه غيره من الكتب المنزّلة على الرسل المتقدّمة. قال الطيبيّ: أطلق الكتاب على القرآن ليثبت الكمال؛ لأن اسم الجنس إذا أُطلق على فرد من أفراده يكون محمولًا على كماله، وبلوغه إلى حدّ هو الجنس كلّه، كأن غيره ليس منه انتهى (١) (أَقْوَامًا) أي يرفع درجة أقوام بسبب الإيمان به، وتعظيم شأنه، والعمل بما فيه (وَيَضَعُ بِهِ) أي يُحقّرهم، ويُصغّر قدرهم في الدنيا والآخرة، بسبب إعراضهم عنه، وعدم عنايتهم به، وتضييعهم حدوده، وجهلهم بها فيه (آخَرِينَ) وهم الذين لم يؤمنوا به، أو آمنوا، ولم يعملوا به، كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر بن الخطّاب ﵁ هذا أخرجه مسلم.

стр. 1952

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٨/ ٢١٨) بهذا السند فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٥) و (الدارميّ) في "سننه" (٣٣٦٨) و (مسلم) (٢/ ٢٠١) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٧٢) و (البغويّ) في "شرح السنة" (١١٨٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل من تعلم القرآن وعلمه، وهو واضح. ٢ - (ومنها): بيان أن من قرأ كتاب الله، وعمل بمقتضاه، مخلصًا رفعه الله تعالى فوق كثير من عباده المؤمنين، ومن قرأه مرائيًا، غير عامل به، وضعه الله أسفل السافلين. ٣ - (ومنها): ما كان عليه عمر ﵁ من متابعة أمرائه في سياستهم لرعيتهم؛ لئلا يضيعوا حقوقهم، فيكون هو المسئول عن ذلك؛ لأنه الراعي الأول، وقد قال ﷺ : "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، متّفقٌ عليه. ٤ - (ومنها): أن من كان عالِمًا بكتاب الله، وبالفرائض، وعرف أحكام القضاء هو الذي يستحقّ أن يتولّى أمور المسلمين، وإن كان دنيء النسب، وأن من كان جاهلًا بهذه الأمور لا يستحقّ ذلك، وإن كان شريف النسب. ٥ - (ومنها): فضل علم الفرائض، وشرفه، فإنه العلم الذي أعلى الله تعالى قدره، حيث تولّى بنفسه قسمته في كتابه العزيز، ولم يكله إلى أحد. ٦ - (ومنها): فضل معرفة أحكام القضاء؛ لأن به تنحلّ المشكلات بين الناس، وتصلح أحوالهم، وتستقيم معاشهم، ويحسن معادهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1953

وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢١٩ - (حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الله الْوَاسِطِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ غَالِبٍ الْعَبَّادَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ زِيَادٍ الْبَحْرَانِيِّ، عَنْ عَليِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّه ﷺ : "يَا أبا ذَرٍّ لَأَنْ تَغْدُوَ، فَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كتَابِ اللَّه خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِائَةَ رَكْعَةٍ، وَلَأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ بَابًا مِنْ الْعِلْمِ، عُمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُعْمَل، خيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْوَاسِطِيُّ) هو: العباس بن عبد الله بن أبي عيسى الواسطيّ البَاكِسَائِيّ، أبو محمد، ويقال: أبو الفضل التَّرْقُفِيّ بفتح المثناة، وسكون الراء، وضم القاف، بعدها فاء -نزيل بغداد، ثقة عابدٌ [١١]. روى عن أبي عبد الرحمن المقرىء، وأبي مسهر، وعبد الله بن غالب العباداني، ورَوّاد بن الجراح، وأبي عاصم، ومحمد بن يوسف الفريابي، وأبي حذيفة، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن ماجه حديثًا واحدًا، وأبو عوانة الإسفرائيني، وأبو العباس بن شُريح الفقيه، وأبو بكر بن مجاهد المقرئ، وموسى بن هارون الحمال، وغيرهم. قال محمد بن إسحاق السَّرّاج: حدثني العباس بن عبد الله التَّرْقُفِيّ، صدوق ثقة. وقال الدارقطني: ثقة. وذكر ابن حبان في "الثقات". وقال محمد بن مخلد: ما رأيته ضَحِكَ، ولا تبسم. وقال الخطيب: كان ثقةً دَيِّنًا صالحًا عابدًا. وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقةً، حدثنا عنه أبو سعيد بن الأعرابيّ، وقال أبو سعد بن السمعاني: كان ثقةً صدوقًا حافظًا، رَحَلَ إلى الشام في الحديث. وقال ابن المنادي: مات سنة سبع وستين ومائتين، وكذا قال ابن كامل قال: وكان ثقةً، وقال ابن قانع: مات سنة (٧)، وقيل في المحرم: سنة (٦٨)، وقال أبو القاسم البغويّ: مات سنة (٥٧)، قال الخطيب: وهو خطأ لا شُبْهَة فيه، والصحيح الأول. وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.

стр. 1954

[تنبيه]: العباس بن عبد الله هذا من الشيوخ الذين تفرّد بهم المصنّف، وهو مجمع على ثقته، وجلالته، وهذا مما يُفنّد زعم من زعم أن كلّ من تفرّد بهم ابن ماجه ضعفاء، فإن هذا كلام مجازف فيه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بالاعتساف، والله تعالى وليّ التوفيق. ٢ - (عَبْدُ اللَّه بْنُ غَالِبٍ الْعَبَّادَانِيُّ) مستور [٩]. رَوَى عن عبد الله بن زياد البحراني، والربيع بن صَبِيح، وعامر بن يساف، وهشام بن عبد الرحمن الكوفي، وإسماعيل بن زياد العمي. ورَوَى عنه العباس بن عبد الله التَّرْقُفِيّ، ومحمد بن عَبْدَك الْقَزّاز، ويحيى بن عبد الأعظم الْقَزْويني، وأحمد بن نصر الفراء النيسابوري، وسهل بن عاصم، وأبو بدر عباد ابن الوليد الْغُبَريّ، وأبو يوسف يعقوب بن إسحاق الْعَلَوِيّ، ويونس بن سابق. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٣ - (عَبْدُ اللَّه بْنُ زِيَاد الْبَحْرَانِيِّ) البصريّ، مستور [٦]. رَوَى عن عَليّ بن زيد بن جُدْعان، ورَوَى عنه عبد الله بن غالب الْعَبّاداني، وأبو المهلب هُرَيم بن عثمان. قال الحافظ: ما أستبعد أن يكون عبد الله بن زياد اليماني السُّحَيميّ، فإن له روايةً عن علي بن زيد بن جُدعان وطبقته. تفرّد به المصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث، وحديث (١٦١٧) "كسر عظم الميت ككسر عظم الحيّ. . . .". ٤ - (عَليُّ بْنُ زَيْدٍ) بن عبد الله بن زُهير بن عبد الله بن جُدْعان التيميّ البصريّ، ضعيف [٤] ١٤/ ١١٦. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ المسَيَّبِ) بن حزن المدنيّ الفقيه الحجة الثبت، من كبار [٣] ١٢/ ١٠٤. ٦ - (أبو ذَرٍّ) الغِفَاريّ الصحابيّ جُنْدَب بن جُنادة، وقيل: غيره ﵁ ١٢/ ١٠٨.

стр. 1955

شرح الحديث: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جُنادة ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : يَا أَبَا ذَرٍّ لَأَنْ) اللام لام الابتداء، و"أَن" بفتح الهمزة، وسكون النون مصدريّة (تَغْدُوَ) صلة "أن" والمصدر المؤوّل مبتدأ خبره قوله: "خير". وهو كقوله : ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، و"غدا يغدو" من باب قعد: ذهب غُدْوة، وهي ما بين صلاة الصبح، وطلوع الشمس، وجمعه غُدًى، مثلُ مُدية ومُدى، هذا أصله، ثم كثُر حتى استُعمل في الذهاب، والانطلاق أيَّ وقتٍ كان، ومنه قوله ﷺ : "واغدُ يا أُنيس"، أي وانطلق (١). والمعنى هنا خروجك من بيتك غُدْوَةً، أي صباحًا (فَتَعَلَّمَ) يحتمل أن يكون بفتح التاء، وسكون العين، وفتح اللام، من العلم ثلاثيّا، ويحتمل أن يكون من التعلّم، فيكون من باب حذف إحدى التاءين، وأصله، فتتعلّم، كما قال في "الخلاصة": وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ ... فِيهِ عَلَى تَا كَتبَيَّنُ الْعِبَرْ والاحتمال الثاني أظهر معنى (آيَةً) منصوب على المفعوليّة (مِنْ كتَابِ اللهِ) أي القرآن العظيم (خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِائَةَ رَكعَةٍ) أي نافلةً؛ لأن تعلّم الآية فرض، ولو على سبيل الكفاية، بخلاف الصلاة النافلة (وَلَأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ) بالضبطين المذكورين (بَابًا) أي نوعًا (مِنْ الْعِلْمِ) الشرعيّ، سواء كان الأصل، وهو كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، أو فرعًا، وهي الوسائل، كمعرفة القواعد العربيّة، من النحو والصرف، والاشتقاق، والبلاغة، وغيرها (عُمِلَ بِهِ) ببناء الفعل للمفعول، أي سواء عَمِلَ به الناس في الحال؛ لأنه سيُعمل به في المآل (أَوْ لَمْ يُعْمَلْ) بالناء للمفعول أيضًا، أي أو لم يَعْمَل به أحدٌ في الحال أيضًا، وقال السنديّ، أي سواء كان علمًا متعلّقًا بكيفيّة العمل، كالفقه، أو لا بأن يكون متعلّقا بالاعتقاد مثلًا، وليس المراد أن يكون علمًا لا يُنتفع به.

стр. 1956

انتهى (١) والمعنى الأول أقرب؛ لأن الاعتقاد عمل قلبيّ أيضًا، فليس ما يتعلق به خارجًا عن العمل، فتأمل. والله تعالى أعلم. (خَيرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ) إنما زاد فضل تعلّم العلم؛ لأن به تصحيح العبادة، فلا يتمكنّ عامة الناس من معرفة صحة الصلاة، وبطلانها، ونحو ذلك إلا عن طريق الفقه، بخلاف تعلّم القرآن، فإن معرفتهم عنه، وأخذهم أحكام ذلك عنه مباشرة صعبٌ إلا على أهل العلم المجتهدين. والله تعالى أعلم بالصواب. قال الجامع -عفا الله عنه-: حديث أبي ذرّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف، وهو حديث ضعيف؛ لضعف عليّ بن زيد بن جُدْعان، وعبد الله بن غالب، وعبد الله بن زياد من مجهولي الحال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 1957

٣٩ - (باب فضل العلماء، والحث على طلب العلم) وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٢٠ - (حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بِشرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عنْ الزُّهْرِيِّ، عنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عن أَبِي هُرَيرَةَ، قالَ: قَالَ رَسول اللَّه ﷺ : "مَنْ يُرِدْ الله بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي، أبو محمد البصريّ، ثقة [٨] ١٢/ ١٠٨. ٢ - (معمر) بن راشد، أبو عروة البصري، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت فاضل [٧] ٢/ ١٦١. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: شرح هذا الحديث يأتي في الحديث التالي، وهو مضطرب الإسناد، والصحيح أنه من حديث معاوية ﵁ الآتي بعد هذا، ومن حديثه أخرجه الشيخان في "صحيحيهما"، وقد أخرجه النسائي ﵀ في "الكبرى" من حديث شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، ثم قال: وخالفه يونس عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن معاوية ﵁، انتهى، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" ٢/ ٢٣٤، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٢١ - (حَدَّثَنَا هِشَامُ بنُ عمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَليدُ بنُ مسلِمٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ جَنَاحٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ، أنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفيَانَ، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ أنَّهُ قَالَ: "الخيْرُ عَادَةٌ، وَالشَّرُّ لجَاجَةٌ، وَمَنْ يُرِد الله بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هِشَامُ بْنُ عمَّارٍ) الدمشقيّ الخطيب، صدوقٌ مقرىء، كبر فصار يتلقّن،

стр. 1958

فحديثه القديم أصحّ، من كبار [١٠] ١/ ٥. ٢ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة، كثير التدليس والتسوية [٨] ٦/ ٤٢. ٣ - (مَرْوَانُ بْنُ جَنَاحٍ) الأمويّ مولاهم الدمشقيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ [٦]. رَوَى عن أبيه، والأعمش، ويونس بن مَيْسرة بن حَلْبَس، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وهشام بن عروة، وغيرهم. ورَوَى عنه الوليد بن سليمان بن أبي السائب، وهو من أقرانه، وصدقة بن خالد، ومحمد بن شعيب بن شابور، والوليد بن مسلم، وجماعة. قال الوليد بن مسلم: هو أثبت من أبي بكر بن أبي مريم. وقال دُحَيم، وأبو داود: ثقة. وقال أبو حاتم: هو أحب إلي من أخيه رَوْح، وهما شيخان يُكتب حديثهما، ولا يحتج بهما. وقال الدارقطني: لا بأس به، شاميّ، أصله كوفي. وقال أبو علي النيسابوري: مروان ثقة، ورَوح في أمره نظر. وذكره ابن حبان في "الثقات". تفرّد به أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم ٢٢١ وحديث (١٤٩٩) "اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك ... "، وحديث (٢٦١٩) "لزوال الدنيا أهون على الله. . . .". ٤ - (يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ) الدمشقيّ الأعمى، ثقة عابد معمّر [٣] ٣٥/ ٢٠٢. ٥ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حَرب الصحابيّ ابن الصحابيّ الخليفة ﵄ ١/ ٩، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم موثّقون. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالدمشقيين، والله تعالى أعلم.

стр. 1959

شرح الحديث: (عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ) بفتح الحاء المهملة، وسكون اللام، وفتح الموحّدة، آخره سين مهملة، بوزن جعفر (أنهُ حَدَّثَهُ) أي يونس حدّث مروان، فالضمير الأول ليونس، والثاني لمروان (قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) ﵄، حال كونه (يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ أنَّهُ) ﷺ (قَالَ: الخيْرُ عَادَةٌ) المراد منه -والله أعلم- أن الإنسان مجبول على حبّ الخير، كما قال الله : ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]، وقال النبيّ ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه. . . ." الحديث، متّفق عليه. (وَالشَّرُّ لجَاجَةٌ) بالفتح، أي خصومة، أي لا ينشرح له الصدر، ولا تنبسط له الروح إلا بواسطة لجاجة النفس الأمارة بالسوء والشيطان. قال السنديّ ﵀: قوله: "الخير عادة إلخ" أي المؤمن الثابت على مقتضى الإيمان والتقوى ينشرح صدره للخير، فيصير له عادة، وأما الشرّ، فلا ينشرح له صدره، فلا يدخل في قلبه إلا بلجاجة الشيطان، والنفس الأمارة، وهذا هو الموافق لحديث: "دع ما يريبك إلا ما لا يريبك، والإثم ما حاك في الصدر، وإن أفتاك المفتون"، والمراد أن الخير موافقٌ للعقل السليم، فهو لا يَقبَل إلا إياه، ولا يَميل إلا إليه، بخلاف الشرّ، فإن العقل السليم يَنفِر عنه، ويقبّحه، وهذا ربّما يميل إلى القول بالحسن والقبح العقليين في الأحكام، فليتأمل. قال الجامع -عفا الله عنه-: قوله: "ربما يميل إلخ" إن أراد به هذه المسألة ففيه إفراط وتفريط، والحقّ بينهما، وذلك أن المعتزلة لا يرون التحسين والتقبيح الشرعيّ، بل يجعلونه للعقل فقط، والأشاعرة ينفون العقليّ، ويجعلونه كله شرعيًّا، وكلا الطرفين إفراط وتفريط، والحق مذهب السلف، وهو أن العقل له تحسين وتقبيح، ولكن ذلك لا بدّ أن يستند إلى الشرع، فهو لا يستقلّ به، فالحقّ إثبات التحسين والتقبيح الشرعيّ

стр. 1960

والعقلي معًا، فلا استقلال للعقل وحده، وقد استوفيت هذا البحث في كتابي المسمّى "التحفة المرضية في القواعد الأصوليّة، على مذهب أهل السنة السنيّة" مع شرحه "المنحة الرضيّة"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. قال: ويحتمل أن المراد بالخير والشر الحق والباطل، فللحقّ نور في القلب يتبيّن به أنه الحقّ، وللباطل ظلمة يتضايق بها القلب عن قبوله، فلا يدخل فيه إلا بعد تردّد، وانقباض للقلب عن قبوله، وهذا هو الموافق للمثل المشهور: "الحقّ أبلج، والباطل لجلج"، أي يتردد من غير أن ينفذ. ويحتمل أن يكون هذا بيان ما ينبغي أن يكون المؤمن عليه، أي اللائق بحاله أن يكون الخير عادته، والشرّ مكروهًا لا يدخل عليه إن دخل إلا بلجاجة. انتهى (١). (وَمَن) شرطيّة، ولذا جُزم الفعلان بعده، على أنهما شرط وجواب لها. قال السنديّ: قيل: إن لم نقل بعموم "من" فالأمر واضحٌ؛ إذ هو في قوّة بعض من أريد به الخير، وإن قلنا: بعمومها يصير المعنى كلُّ من يرد به الخير، وهو مشكلٌ بمن مات قبل البلوغ مؤمنًا ونحوه، فإنه قد أريد به الخير، وليس بفقيه. ويجاب بأنه عامّ مخصوص، كما هو أكثر العمومات، والمراد من يرد الله به خيرًا خاصّا على حذف الصفة. انتهى. قال السنديّ: الوجه حمل "خيرا" على أن التنكير للتعظيم، فلا إشكال، على أنه يمكن حمل الخير على الإطلاق، واعتبار تنزيل غير الفقه في الدين منزلة العدم بالنسبة إلى الفقه في الدين، فيكون الكلام مبنيًّا على المبالغة، كأن من لم يُعط الفقه في الدين ما أريد به الخير، وما ذكروه من الوجوه لا يناسب المقصود. ويمكن حملُ "من" على المكلّفين؛ لأن كلام الشارع غالبًا يتعلّق ببيان أحوالهم، فلا يرد من مات قبل البلوغ، أو أسلم، ومات قبل مجيء وقت الصلاة مثلًا، أي قبل

стр. 1961

تقرّر التكليف. انتهى (١). (يُردْ الله بِهِ خَيرًا) التنكير للتكثير والتعظيم؛ لأن المقام يقتضيه، أي خيرًا كثيرًا عظيمًا (يُفَقِّهه) بتشديد القاف، وجزمه؛ لكونه جواب الشرط، كما أشرنا إليه آنفًا (في الدِّينِ) أي يجعله عالمًا بالأحكام الشرعية. وقال الفيّوميّ: الفقه: فهم الشيء، قال ابن فارس: وكلُّ علمٍ لشيء فهو فقهٌ، والفقه على لسان حَمَلة الشرع علمٌ خاصّ، وفَقِهَ فقَهًا، من باب تَعب: إذا علم، وفَقُهَ بالضمّ مثله، وقيل: بالضمّ: إذا صار الفقه له سجيّةً (٢). وقال الطيبيّ: الفقه في الأصل: الفهم، يقال: فَقِهَ الرجلُ بالكسر: إذا فَهِمَ، وفَقُهَ بالضمّ: إذا صار فقيهًا عالمًا، وجعله العرف خاصا بعلم الشريعة وتخصيصًا بعلم الفروع، وإنما خُصّ علم الشريعة بالفقه؛ لأنه علم مستنبط بالقوانين والأدلّة، والأقيسة، والنظر الدقيق، بخلاف اللغة، والنحو، والصرف. انتهى (٣). والأولى هنا حملُهُ على المعنى اللغويّ؛ ليشمل فهم كلّ علم من علوم الدين، وليلائمَ تنكير "خيرًا" (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄ هذا صحيح، بل الجملة الأخيرة متفق عليها.

стр. 1962

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٩/ ٢٢١) بهذا السند فقط، قال البوصيريّ ﵀: رواه ابن حبّان في "صحيحه" من طريق هشام بن عمّار، فذكره بإسناده ومتنه سواء، والجملة الثانية في "الصحيح" من حديث معاوية ﵁ من طريق الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن عنه، وكذا رواه الدارمي في "مسنده" عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن حنظلة بن عطيّة، عن ابن مُحيريز، عن معاوية، ورواه صاحب "مسند الشهاب" القضاعيّ جميعه، فروى الجملة الأولى منه من طريق الوليد بن مسلم به، وروى الجملة الثانية من طريقين: أحدهما من طريق الربيع بن سليمان المراديّ، عن عبد الله بن وهب، عن محمد بن كعب، عن معاوية به، والطريق الثانية من حديث أبي هريرة ﵁، ورواه الطبراني، وأبو داود الطيالسيّ، ومسدّد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، وأبو يعلى الموصليّ، كما أوردته في "زوائد المسانيد العشرة". انتهى. وأخرجه (ابن حبان) في "صحيحه" (٣١٠) و (الطبراني) في "الكبير" (١٩/ ٩٠٤) وفي "مسند الشاميين" له (٢٢١٥) و (ابن عديّ) في "الكامل" (٣/ ١٠٠٥) و (أبو الشيخ) في "الأمثال" (٢٠) و (أبو نعيم) في "الحلية" (٥/ ٢٥٢) وفي "تاريخ أصبهان" له (١/ ٣٤٥) و (القضاعيّ) في "مسند الشهاب" (٢٢). وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٩٢ و ٩٣) و (الدارميّ) (٢٣٢) من طريق عبد الله بن محيريز، عن معاوية ﵁ مختصرًا على الجملة الأخيرة. وأخرجه (أحمد) (٤/ ٩٦) و (عبد بن حُميد) (٤١٢) من طريق رجاء بن حَيْوة، عن معاوية ﵁ مختصرًا على الجملة الأخيرة أيضًا. وأخرجه (أحمد) (٤/ ١٠١) و (الدارميّ) (٢٣٠) و (البخاريّ) (١/ ٢٧ و ٤/ ١٠٣ و ٩/ ١٢٥) و (مسلم) (٣/ ٩٥) و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١٦٨٣) و (ابن حبان) (٨٩) و (ابن عبد البرّ) (١/ ١٩ و ٨١) و (البغويّ) (١٣١) من طريق حُميد ابن عبد الرحمن، عن معاوية ﵁ وذكر فيه الجملة الأخيرة.

стр. 1963

وأخرجه (مالك) (٥٦١) و (أحمد) (٤/ ٩٢ و ٩٥ و ٩٨) و (عبد بن حميد) (٦٦٦) من طريق محمد بن كعب القرظيّ، عن معاوية ﵁، وذكر الجملة الأخيرة. وأخرجه (أحمد) (٤/ ٩٣) و (عبد بن حميد) (٤١٧) من طريق زياد بن أبي زياد، عن معاوية ﵁. و (أحمد) ٤/ ٩٣ و (مسلم) ٦/ ٥٣ من طريق يزيد الأصمّ، عن معاوية ﵁. وأخرجه (أحمد) (٤/ ٩٢ و ٩٣ و ٩٨ و ٩٩) من طريق معبد الجهنيّ، عن معاوية ﵁. وأخرجه (أحمد) (٤/ ٩٧ و ١٠٠) و (مسلم) (٣/ ٩٤) من طريق عبد الله بن عامر اليحصبيّ، عن معاوية ﵁، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان فضل العلماء، والحثّ على طلب العلم؛ لأنه قائد إلى تقوى الله تعالى. ٢ - (ومنها): بيان أن الخير سهل ميسّر؛ لأنه مما اعتادته الفطرة السليمة، والقلوب المستقيمة، وأما الشرّ، فإنما يكون من تسلّط النفس الأمارة بالسوء، والشيطان. ٣ - (ومنها): أن قوله: "في الدين" فيه إشارة إلى المراد بالفقه الذي أُريد الخير بمن أوتيه هو علم الكتاب والسنّة، وما يتعلّق بهما من الوسائل، كمعرفة اللغة، والنحو، وهو العلم الذي يورث الخشية في القلب، ويَظهَر أثره في الجوارح، ويترتّب عليه الإنذار، كما يشير إليه قوله : ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ الآية [التوبة: ١٢٢]، فليس لعلوم الدنيا هذا الفضل؛ لأن النبيّ ﷺ إنما جاء لبيان أحكام الدين، لا لبيان أمور الدنيا، بدليل قوله ﷺ : "أنتم أعلم بأمر دنياكم"، وذلك فيما أخرجه مسلم في "صحيحه" أن النبي ﷺ مَرّ بقوم يُلَقِّحون، فقال: "لو لم تفعلوا لصلح"، فخرج شِيصًا، فمَرّ بهم، فقال: "ما لنخلكم؟ "، قالوا: قلت: كذا وكذا، قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم".

стр. 1964

٤ - (ومنها): أن فيه مدح الفقيه البصير بدينه، والمقبل على آخرته؛ لأن هذا هو ثمرة التفقّه في الدين، وروى الدارميّ عن عمران قال: قلت للحسن يومًا في شيء: يا أبا سعيد ليس هكذا يقول الفقهاء، فقال: ويحك، هل رأيت فقيهًا قط؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه (١). ٥ - (ومنها): أن مفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين، أي يتعلّم قواعد الإسلام، وما يتّصل بها من الفروع، فقد حُرم الخير، وقد أخرج أبو يعلى حديث معاوية من وجه آخر ضعيف، وزاد في آخره: "ومن لم يتفقّه في الدين، لم يبال الله به"، والمعنى صحيح؛ لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا، ولا طالب فقه، فيصحّ أن يوصف بأنه ما أُريد به الخير (٢). ٦ - (ومنها): أن فيه بيانًا ظاهرًا لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقّه في الدين على سائر العلوم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٢٢ - (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حدثنا الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بنُ جَنَاحٍ، أبو سَعْدٍ، عنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلفِ عَابِدٍ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ) المذكور في السند الماضي. ٢ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) المذكور في السند الماضي أيضًا. ٣ - (رَوْحُ بْنُ جَنَاحٍ، أبُو سَعْدٍ) ويقال: أبو سعيد الأمويّ مولاهم، الدمشقيّ،

стр. 1965

ضعيفٌ، بل اتّهمه بعضهم، وهو أخو مروان المذكور في السند الماضي [٧]. رَوَى عن مجاهد، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وعطاء بن السائب، وغيرهم. ورَوَى عنه الوليد بن مسلم، ومحمد بن شعيب بن شابور، وعبد المهيمن بن عبد الرحمن. قال عثمان الدارمي عن دُحَيم ثقة، إلا أن مروان -يعني أخاه- أوثق منه. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: وفي نسخة عن أبي زرعة: مروان أحب إليّ منه، يكتب حديثهما ولا يحتج بهما، ورَوْح ليس بقوي. وقال الجوزجاني ذَكَرَ عن الزهري حديثًا معضلًا، فيه ذكر البيت المعمور، فإن كان قال: سمعت الزهري أُرجىء، ونُظِر في أمره. وقال الحاكم أبو أحمد: لا يتابع في حديثه، حديثه ليس بالقائم، وذَكَر حديثه في البيت المعمور، ثم قال: هذا حديث منكر، لا نعلم له أصلًا، من حديث أبي هريرة، ولا من حديث سعيد ابن المسيب، ولا من حديث الزهري. وقال الْعُقيليّ: قصة البيت المعمور لا يتابع عليه. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو علي الحافظ: في أمره نَظرٌ. وقال أبو نعيم: يَروي عن مجاهد مناكير، لا شيء. وذَكَر له أبو أحمد بن عديّ أحاديث، ثم قال: ولِرَوْح بن جَناح غير ما ذكرتُ من الحديث قليلٌ، وربما أخطأ في الأسانيد، ويأتي بمتون لا يأتيها غيره، وهو ممن يكتب حديثه. روى له الترمذي وابن ماجه حديثًا واحدًا، متنه: "فقيهٌ واحدٌ أشدُّ على الشيطان من ألف عابد"، قال الساجي: وهو حديثٌ منكرٌ. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا، يَروِي عن الثقات ما إذا سمعه الإنسان شَهِد له بالوضع، رَوَى عن مجاهد، عن ابن عباس: "فقيهٌ واحدٌ. . . ." الحديث. وقال أبو سعيد النقاش: يروي عن مجاهد أحاديث موضوعة. تفرّد به الترمذي، والمصنّف بهذا الحديث الواحد فقط. ٤ - (مُجَاهِدٌ) بن جَبْر الإمام الحجة الفقيه المفسّر المكيّ [٣] ٩/ ٧٤. ٥ - (ابْن عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر ﵄ ٣/ ٢٧. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث ضعيفٌ جدًّا، وحكم بعضهم بوضعه، وفيه
следующие страницы →