تقرّر التكليف. انتهى (١).
(يُردْ الله بِهِ خَيرًا) التنكير للتكثير والتعظيم؛ لأن المقام يقتضيه، أي خيرًا كثيرًا عظيمًا (يُفَقِّهه) بتشديد القاف، وجزمه؛ لكونه جواب الشرط، كما أشرنا إليه آنفًا (في الدِّينِ) أي يجعله عالمًا بالأحكام الشرعية.
وقال الفيّوميّ: الفقه: فهم الشيء، قال ابن فارس: وكلُّ علمٍ لشيء فهو فقهٌ، والفقه على لسان حَمَلة الشرع علمٌ خاصّ، وفَقِهَ فقَهًا، من باب تَعب: إذا علم، وفَقُهَ بالضمّ مثله، وقيل: بالضمّ: إذا صار الفقه له سجيّةً (٢).
وقال الطيبيّ: الفقه في الأصل: الفهم، يقال: فَقِهَ الرجلُ بالكسر: إذا فَهِمَ، وفَقُهَ بالضمّ: إذا صار فقيهًا عالمًا، وجعله العرف خاصا بعلم الشريعة وتخصيصًا بعلم الفروع، وإنما خُصّ علم الشريعة بالفقه؛ لأنه علم مستنبط بالقوانين والأدلّة، والأقيسة، والنظر الدقيق، بخلاف اللغة، والنحو، والصرف. انتهى (٣).
والأولى هنا حملُهُ على المعنى اللغويّ؛ ليشمل فهم كلّ علم من علوم الدين، وليلائمَ تنكير "خيرًا" (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄ هذا صحيح، بل الجملة الأخيرة متفق عليها.
стр. 1962
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٩/ ٢٢١) بهذا السند فقط، قال البوصيريّ ﵀: رواه ابن حبّان في "صحيحه" من طريق هشام بن عمّار، فذكره بإسناده ومتنه سواء، والجملة الثانية في "الصحيح" من حديث معاوية ﵁ من طريق الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن عنه، وكذا رواه الدارمي في "مسنده" عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن حنظلة بن عطيّة، عن ابن مُحيريز، عن معاوية، ورواه صاحب "مسند الشهاب" القضاعيّ جميعه، فروى الجملة الأولى منه من طريق الوليد بن مسلم به، وروى الجملة الثانية من طريقين: أحدهما من طريق الربيع بن سليمان المراديّ، عن عبد الله بن وهب، عن محمد بن كعب، عن معاوية به، والطريق الثانية من حديث أبي هريرة ﵁، ورواه الطبراني، وأبو داود الطيالسيّ، ومسدّد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، وأبو يعلى الموصليّ، كما أوردته في "زوائد المسانيد العشرة". انتهى.
وأخرجه (ابن حبان) في "صحيحه" (٣١٠) و (الطبراني) في "الكبير" (١٩/ ٩٠٤) وفي "مسند الشاميين" له (٢٢١٥) و (ابن عديّ) في "الكامل" (٣/ ١٠٠٥) و (أبو الشيخ) في "الأمثال" (٢٠) و (أبو نعيم) في "الحلية" (٥/ ٢٥٢) وفي "تاريخ أصبهان" له (١/ ٣٤٥) و (القضاعيّ) في "مسند الشهاب" (٢٢).
وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٩٢ و ٩٣) و (الدارميّ) (٢٣٢) من طريق عبد الله بن محيريز، عن معاوية ﵁ مختصرًا على الجملة الأخيرة.
وأخرجه (أحمد) (٤/ ٩٦) و (عبد بن حُميد) (٤١٢) من طريق رجاء بن حَيْوة، عن معاوية ﵁ مختصرًا على الجملة الأخيرة أيضًا.
وأخرجه (أحمد) (٤/ ١٠١) و (الدارميّ) (٢٣٠) و (البخاريّ) (١/ ٢٧ و ٤/ ١٠٣ و ٩/ ١٢٥) و (مسلم) (٣/ ٩٥) و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١٦٨٣) و (ابن حبان) (٨٩) و (ابن عبد البرّ) (١/ ١٩ و ٨١) و (البغويّ) (١٣١) من طريق حُميد ابن عبد الرحمن، عن معاوية ﵁ وذكر فيه الجملة الأخيرة.
стр. 1963
وأخرجه (مالك) (٥٦١) و (أحمد) (٤/ ٩٢ و ٩٥ و ٩٨) و (عبد بن حميد) (٦٦٦) من طريق محمد بن كعب القرظيّ، عن معاوية ﵁، وذكر الجملة الأخيرة.
وأخرجه (أحمد) (٤/ ٩٣) و (عبد بن حميد) (٤١٧) من طريق زياد بن أبي زياد، عن معاوية ﵁.
و (أحمد) ٤/ ٩٣ و (مسلم) ٦/ ٥٣ من طريق يزيد الأصمّ، عن معاوية ﵁.
وأخرجه (أحمد) (٤/ ٩٢ و ٩٣ و ٩٨ و ٩٩) من طريق معبد الجهنيّ، عن معاوية ﵁.
وأخرجه (أحمد) (٤/ ٩٧ و ١٠٠) و (مسلم) (٣/ ٩٤) من طريق عبد الله بن عامر اليحصبيّ، عن معاوية ﵁، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان فضل العلماء، والحثّ على طلب العلم؛ لأنه قائد إلى تقوى الله تعالى.
٢ - (ومنها): بيان أن الخير سهل ميسّر؛ لأنه مما اعتادته الفطرة السليمة، والقلوب المستقيمة، وأما الشرّ، فإنما يكون من تسلّط النفس الأمارة بالسوء، والشيطان.
٣ - (ومنها): أن قوله: "في الدين" فيه إشارة إلى المراد بالفقه الذي أُريد الخير بمن أوتيه هو علم الكتاب والسنّة، وما يتعلّق بهما من الوسائل، كمعرفة اللغة، والنحو، وهو العلم الذي يورث الخشية في القلب، ويَظهَر أثره في الجوارح، ويترتّب عليه الإنذار، كما يشير إليه قوله : ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ الآية [التوبة: ١٢٢]، فليس لعلوم الدنيا هذا الفضل؛ لأن النبيّ ﷺ إنما جاء لبيان أحكام الدين، لا لبيان أمور الدنيا، بدليل قوله ﷺ : "أنتم أعلم بأمر دنياكم"، وذلك فيما أخرجه مسلم في "صحيحه" أن النبي ﷺ مَرّ بقوم يُلَقِّحون، فقال: "لو لم تفعلوا لصلح"، فخرج شِيصًا، فمَرّ بهم، فقال: "ما لنخلكم؟ "، قالوا: قلت: كذا وكذا، قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم".
стр. 1964
٤ - (ومنها): أن فيه مدح الفقيه البصير بدينه، والمقبل على آخرته؛ لأن هذا هو ثمرة التفقّه في الدين، وروى الدارميّ عن عمران قال: قلت للحسن يومًا في شيء: يا أبا سعيد ليس هكذا يقول الفقهاء، فقال: ويحك، هل رأيت فقيهًا قط؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه (١).
٥ - (ومنها): أن مفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين، أي يتعلّم قواعد الإسلام، وما يتّصل بها من الفروع، فقد حُرم الخير، وقد أخرج أبو يعلى حديث معاوية من وجه آخر ضعيف، وزاد في آخره: "ومن لم يتفقّه في الدين، لم يبال الله به"، والمعنى صحيح؛ لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا، ولا طالب فقه، فيصحّ أن يوصف بأنه ما أُريد به الخير (٢).
٦ - (ومنها): أن فيه بيانًا ظاهرًا لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقّه في الدين على سائر العلوم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٢٢ - (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حدثنا الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بنُ جَنَاحٍ، أبو سَعْدٍ، عنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلفِ عَابِدٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ) المذكور في السند الماضي.
٢ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) المذكور في السند الماضي أيضًا.
٣ - (رَوْحُ بْنُ جَنَاحٍ، أبُو سَعْدٍ) ويقال: أبو سعيد الأمويّ مولاهم، الدمشقيّ،
стр. 1965
ضعيفٌ، بل اتّهمه بعضهم، وهو أخو مروان المذكور في السند الماضي [٧].
رَوَى عن مجاهد، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وعطاء بن السائب، وغيرهم.
ورَوَى عنه الوليد بن مسلم، ومحمد بن شعيب بن شابور، وعبد المهيمن بن عبد الرحمن. قال عثمان الدارمي عن دُحَيم ثقة، إلا أن مروان -يعني أخاه- أوثق منه. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: وفي نسخة عن أبي زرعة: مروان أحب إليّ منه، يكتب حديثهما ولا يحتج بهما، ورَوْح ليس بقوي. وقال الجوزجاني ذَكَرَ عن الزهري حديثًا معضلًا، فيه ذكر البيت المعمور، فإن كان قال: سمعت الزهري أُرجىء، ونُظِر في أمره. وقال الحاكم أبو أحمد: لا يتابع في حديثه، حديثه ليس بالقائم، وذَكَر حديثه في البيت المعمور، ثم قال: هذا حديث منكر، لا نعلم له أصلًا، من حديث أبي هريرة، ولا من حديث سعيد ابن المسيب، ولا من حديث الزهري. وقال الْعُقيليّ: قصة البيت المعمور لا يتابع عليه. وقال النسائي: ليس بالقوي.
وقال أبو علي الحافظ: في أمره نَظرٌ. وقال أبو نعيم: يَروي عن مجاهد مناكير، لا شيء. وذَكَر له أبو أحمد بن عديّ أحاديث، ثم قال: ولِرَوْح بن جَناح غير ما ذكرتُ من الحديث قليلٌ، وربما أخطأ في الأسانيد، ويأتي بمتون لا يأتيها غيره، وهو ممن يكتب حديثه. روى له الترمذي وابن ماجه حديثًا واحدًا، متنه: "فقيهٌ واحدٌ أشدُّ على الشيطان من ألف عابد"، قال الساجي: وهو حديثٌ منكرٌ. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا، يَروِي عن الثقات ما إذا سمعه الإنسان شَهِد له بالوضع، رَوَى عن مجاهد، عن ابن عباس: "فقيهٌ واحدٌ. . . ." الحديث. وقال أبو سعيد النقاش: يروي عن مجاهد أحاديث موضوعة.
تفرّد به الترمذي، والمصنّف بهذا الحديث الواحد فقط.
٤ - (مُجَاهِدٌ) بن جَبْر الإمام الحجة الفقيه المفسّر المكيّ [٣] ٩/ ٧٤.
٥ - (ابْن عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر ﵄ ٣/ ٢٧.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث ضعيفٌ جدًّا، وحكم بعضهم بوضعه، وفيه
стр. 1966
نظرٌ لا يخفى؛ لأن رَوْحًا، وإن ضعفه الأكثرون، فقد وثقه دُحيم، فلا يصل إلى درجة أن يكون حديثه موضوعًا، فتنبّه.
وأخرجه (المصنّف) هنا (٣٩/ ٢٢٢) بهذا السند فقط، وأخرجه (الترمذي) (٢٦٨١).
وقوله: "أشدّ على الشيطان إلخ" قيل: وجه ذلك أن غاية همة العابد أن يُخلّص نفسه من مكائد الشيطان، وقد لا يقدر عليه لجهله بذلك، فيُدركه الشيطان من حيث لا يدري، بخلاف الفقيه، فإنه يعلم بفقهه مكايد الشيطان ومداخله على العباد، ويقدر على التخلّص منه بعون من الله تعالى، بل قد يُخلّص الله تعالى على يديه العباد من مكايده.
والحاصل أن الشيطان كلما فتح بابًا على الناس من الهوى بيّن الفقيه العارف مكائده، فيسدّ ذلك الباب، ويردّه خاسئًا، وأما العابد فربما اشتغل بالعبادة، وهو في حبائل الشيطان، ولا يدري.
وهذا الحديث لو صحّ يكون المراد منه الفقيه الذي تبصّر في العلم، وعَمِل بعلمه، لا الفقيهُ الذي فُتِن بحبّ الدنيا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٢٣ - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عِليٍّ الجَهْضَمِيُّ، حَدثنا عَبْدُ الله بْنُ دَاوُدَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ جَمِيلٍ، عَنْ كَثيرِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاء، في مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَأتاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أبا الدرْدَاءِ أتيْتُكَ مِنْ المدِينة، مَدِينة رَسُولِ الله ﷺ لحِدِيثٍ بَلَغَني أنَّكَ تُحَدِّثُ بِهِ، عَنْ النَّبِي ﷺ ، قَالَ: فما جَاءَ بِكَ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَلَا جَاءَ بِكَ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُوُل: "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ الله له طَرِيقًا إِلَى الجنةِ، وإنَّ الملائكةَ لتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا؛ رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وإنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ في السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى الحيتَانِ في الماءِ، وَإِنَّ
стр. 1967
فَضْلَ الْعَالِم عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأنبِيَاءِ، إِنَّ الْأنبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنما وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافر").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلي الجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقة ثَبْتٌ، طُلِب للقضاء، فامتنع [١٠]، ١/ ١٣.
٢ - (عَبْدُ الله بْنُ دَاوُدَ) بن عامر بن الرَّبيع الْهَمدانيّ، ثم الشعبيّ، أبو عبد الرحمن المعروف بالخُرَيبيّ -بمعجمة، وموحّدة، مصغّرًا- كوفيّ الأصل، سكن الخُريْبَةَ، وهي مَحِلّةٌ بالبصرة، وقيل: كان ينزل عَبَّادان، ثقة عابدٌ [٩].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وسلمة بن نُبَيط، والأعمش، وهشام بن عروة، وابن جريج، والحسن بن صالح، وطلحة بن يحيى بن طلحة، والأوزاعي، وغيرهم.
ورَوَى عنه الحسن بن صالح بن حَيّ، وهو من شيوخه، وعارم، ومسدد، وعمرو بن علي الصيرفي، وعمرو بن محمد الناقد، وعباس بن عبد العظيم العنبري، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقةً عابدًا ناسكًا. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة صدوق مأمون. وقال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عنه، وعن أبي عاصم، فقال: ثقتان. قال الدارمي: الخُريبي أعلى. وقال أبو زرعة والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: كان يميل إلى الرأي، وكان صدوقا. وقال الدارقطني: ثقةٌ زاهدٌ. وقال ابن عيينة: ذاك أحد الأحدين، وقال مرةً: ذاك شيخنا القديم. وقال الْكُدَيميّ: سمعته يقول: ما كذبت قط إلا مرة واحدة، كان أبي قال لي: قرأتَ على المعلم؟ قلت: نعم، وما كنتُ قرأت عليه. وقال أبو نصر بن ماكولا: كان عَسِرًا في الرواية.
وقال محمد بن أبي مسلم الكجي عن أبيه: أتينا عبد الله بن داود ليحدثنا، فقال: قوموا اسْقُوا الْبُسْتان، فلم نسمع منه غير هذا. قال عباس العنبري: سمعته يقول: وُلدتُ سنة (١٢١)، قال ابن سعد: مات في شوال سنة ثلاث عشرة ومائتين، وفيها
стр. 1968
أَرّخه غير واحد. وقال أبو قدامة عنه: نحن بالكوفة شعبيون، وبالشام شعبانيون، وبمصر شعوبيون، وباليمن ذو شعبان. وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (١١)، وقيل: سنة ثلاث عشرة. وقال البخاري: مات قريبًا من أبي عاصم. وقال ابن قانع: كان ثقة. وقالت الخليلي: أمسك عن الرواية قبل موته، قال الذهبي: فلذلك لم يسمع منه البخاري.
أخرج له الجماعة، سوى مسلم، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم ٢٢٣ و ١٢٣٤ و ٢٠٢٩ و ٣٠٧٦ و ٤١٠٧.
٣ - (عَاصِمُ بْنُ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ) الْكِنديّ الْفِلَسْطينيّ، ويقال: الأُرْدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٨].
رَوَى عن أبيه، والقاسم بن عبد الرحمن، وداود بن جميل، وربيعة بن يزيد، وعروة بن رُويم، وأبي عمران الأنصاري، ومكحول الشامي، وقيس بن كثير، إن كان محفوظًا، وغيرهم.
ورَوَى عنه إسماعيل بن عياش، وعثمان بن فائد، وعبد الله بن داود الْخُريبي، ووكيع، ومحمد بن يزيد الواسطي، وأبو نعيم، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صويلح. وقال أبو زرعة: لا بأس به.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وتكلم فيه قتيبة.
أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم ٢٢٣ و ١٠٥٦.
٤ - (دَاوُدُ بْنُ جَمِيلٍ) ويقال: اسمه الوليد، ضعيفٌ [٧].
رَوَى عن كثير بن قيس، على خلف فيه، وعنه عاصم بن رجاء بن حيوة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وفي إسناد حديثه اختلاف، وقال الدارقطني: مجهول، وقال مرة: هو ومن فوقه إلى أبي الدرداء ضعفاء. وقال في "العلل": لا يصح داود، وقال الأزدي: ضعيف مجهول.
стр. 1969
أخرج له أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (كَثيرُ بْنُ قَيْسٍ) ويقال: قيس بن كثير، والأول أكثر الشاميّ، ضعيفٌ [٣].
رَوَى عن أبي الدرداء في فضل العلم، وعنه داود بن جميل، جاء في أكثر الروايات أنه كثير بن قيس على اختلاف في الإسناد إليه، وتفرد محمد بن يزيد الواسطي في إحدى الروايتين عنه بتسميته قيس بن كثير، وهو وَهَمٌ، ورَوَى أبو عاصم النبيل عن الوليد بن مرة، عن كثير بن قيس، عن ابن عمر حديثًا آخر. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سُمَيع: أمره ضعيف، لم يُثَبِّته أبو سعيد -يعني دُحيما-. وقال الدارقطني: ضعيف. ووقع لابن قانع وهَمٌ عجيب في "معجم الصحابة"، فإن الحديث وقع له بدون ذكر أبي الدرداء فيه، فذكر كثيرًا بسبب ذلك في الصحابة، فأخطأ.
أخرج له أبو داود، والترمذي، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦ - (أبو الدَّرْدَاءِ) عُويمر بن زيد بن قيس، وقيل: غيره ﵁ الصحابيّ الشهير ١/ ٥، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ) أنه (قَالَ: كنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ) ﵁ (في مَسْجِدِ دِمَشْقَ) بكسر الدال، وفتح الميم، وقد كسر: قاعدة الشام، سُمّيت باسم بانيها دِمْشَاق ابن كَنْعان. قاله في "القاموس" (١) (فَأتاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبا الدَّرْدَاءِ أتيْتُكَ مِنْ المدِينَةِ، مَدِينةِ رَسُولِ الله ﷺ ) بدل من "المدينة" (لحِدِيثٍ) أي لأجل سماع حديث (بَلَغَني أنكَ تُحَدِّثُ بِهِ) أي تحدّث بذلك الحديث، حال كونك ناقلًا (عَنْ النَّبِيّ ﷺ ) الظاهر أن الرجل سمع الحديث من غير أبي الدرداء، لكنه أراد أن يسمعه منه بلا واسطة، طلبًا لعلوّ الإسناد فإنه من الدين، أو لزيادة التفصيل والإيضاح، أو نحو ذلك (قَالَ) أبو الدرداء ﵁ (فما جَاءَ بِكَ) بتقدير أداة الاستفهام، أي أفما جاء (تِجَارَةٌ؟) أي إرادة بيعُ
стр. 1970
شيء وشرائه (قَالَ) الرجل (لَا) أي ليس الحامل لي على المجيء ذلك (قَالَ) أبو الدرداء أيضًا (وَلَا جَاءَ بِكَ غَيْرُهُ؟) أي من الأمور الدنيويّة (قَالَ) الرجل (لَا، قَالَ) أبو الدرداء ﵁ (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ ) قيل: يحتمل أن يكون هذا الحديث هو الحديثَ المطلوب للرجل بعينه، ويحتمل أن يكون غيرَه، وإنما ذكر هذا تبشيرًا له، وترغيبًا في مثل ما فعل، وأن سعيه مشكور عند الله، ومطلوبه من أسنى المطالب (يَقُولُ: مَنْ) يحتمل أن تكون موصولة مبتدأً خبرها جملة "سهّل الله إلخ"، ويحتمل أن تكون شرطيةً (سَلَكَ) أي دخل، أو مشى (طَرِيقًا) نكّره؛ ليشمل جميع أنواع طرق العلم، وأسباب تحصيله، من مفارقة الأوطان، والضرب في البلدان، والإنفاق في تحصيل هذا الشان، والمجاهدة في كلّ زمان ومكان، وبأي سبب كان، من التعلّم، والتعليم، والتصنيف، ونحو ذلك (يَلْتَمِسُ) أي يطلب، والجملة في محلّ نصب على الحال (فِيهِ) أي في ذلك الطريق، أو في ذلك السلوك (عِلْمًا) نكّره أيضًا ليشمل أي علم كان من علوم الدين، قليلًا كان أو كثيرًا، رفيعًا أو غير رفيع. أفاده الطيبيّ (١) (سَهَّلَ الله لَهُ) الضمير لـ"مَنْ" (طَرِيقًا إِلَى الجنَّةِ) أي أدخله الله تعالى الجنة بلا تعب في الآخرة، أو وفّقه الله تعالى في الدنيا للأعمال الصالحة، فيوصله إلى الجنّة، أو سهّل عليه ما يزيد به علمه؛ لأنه أيضًا من طرق الجنة، بل أقربها.
وفي رواية الترمذيّ: "سلك الله به طريقًا"، قال الطيبيّ: الضمير المجرور عائد إلى "من"، والباء للتعدية، أي جعله سالكًا، ووفّقه أن يسلُك طريق الجنّة، وقيل: عائد إلى العلم، والباء للسببية، و"سلك" بمعنى سَهَّل، والعائد إلى "من" محذوفٌ، والمعنى سهّل الله له بسبب العلم طريقًا، فعلى الأول "سلك"، من السلوك، وعلى الثاني من السلك، والمفعول محذوف، كقوله تعالى: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧] (وإنَّ الملائِكَةَ) جملة معطوفة على جملة "من سلك إلخ"، وكذا الجمل الآتية المصدّرة بـ"إن"، واللام
стр. 1971
للجنس، أو للعهد، أي ملائكة الرحمة، ويحتمل أن يكون المراد الملائكة كلهم، وهو أنسب بالمعنى المجازيّ في قوله: (لتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا) جمع جَنَاح بالفتح، وهو محمول على الحقيقة، وإن لم يُشاهَد ذلك الوضع، أي تفرشها؛ لتكون وِطاءً له إذا مشى، أو تكفّها عن الطيران، وتَنْزِل عند مجالس العلم؛ لسماعه، كما في الحديث الصحيح الآتي: "إلا حفّتهم الملائكة، نزلت عليهم السكينة"، أو المعنى تبسطها له لتحمله عليها، وتبلّغه حيث يريد من البلاد، والمراد أنها تعينه، وتساعده في طلب العلم، وتحصيله، ويحتمل أن يكون مجازًا عن التواضع، كقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]، أي تضع أجنحتها تعظيمًا لعلمه، وتوقيرا لحقّه، ومحبّةً لعلمه (١). وقوله: (رِضًا) حال، أو مفعول لأجله، على معنى إرادة رضا؛ ليكون فعلًا لفاعل الفعل المعلّل به (لِطَالِبِ الْعِلْمِ) متعلق بـ"رضا"، وقيل: التقدير: لأجل الرضا الواصل منها إليه، أو لأجل إرضائها لطالب العلم بما يصنع من حيازة الوراثة العظمى، وسلوك السنن الأسنى (وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ) ووقع عند أبي داود، والترمذيّ بلفظ: "وإن العالم ليستغفر له. . . ."، وسيأتي بهذا اللفظ عند المصنّف مختصرًا في ٤٢/ ٢٣٩ (يَسْتَغْفِرُ لَهُ) أي يطلبون من الله تعالى أن يغفر له؛ أداءً لحقّه، ومجازاة على حسن صنيعه بإلهام من الله تعالى إياهم ذلك، وذلك لعموم نفع العلم، فإن مصالح كلّ شيء ومنافعه منوطة به، والاستغفار محمول على حقيقته، وقال الطيبيّ: هو مجاز من إرادة استقامة حال المستغفر له. انتهى.
قال الجامع -عفا الله عنه-: الصواب الأول؛ لأنه لا داعي إلى المجاز، واستغفار ما لا يعقل ليس بعيدًا، فقد أخبرنا الله تعالى أن جميع المخلوقات تسبح الله ، فقال : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ الآية [الإسراء: ٤٤]، وقد ثبت في الحديث الصحيح تسبيح الطعام بين يدي النبيّ ﷺ ، وأصحابه،
стр. 1972
وهو يؤكل، وثبت أيضًا حنين الجذع، والصحابة يسمعونه، وصحّ سماعه ﷺ تسليم حجر عليه.
والحاصل أن الاستغفار المذكور على حقيقته. والله تعالى أعلم.
(مَنْ في السَّمَاءِ) وفي بعض النسخ: "من السماوات"، أي لأنهم عُرِفوا بتعريف العلماء، وعُظِّموا بقولهم (وَالْأَرضِ) أي لأن بقاءهم، وصلاحهم مربوط برأي العلماء وفتواهم، ولذلك قيل: ما من شيء من الموجودات حيّها وميتها، إلا وله مصلحة متعلّقة بالعلم (حَتَّى الحيتَانِ) بالكسر جمع حوت (في الماء) وفي رواية أبي داود "في جوف الماء"، وخص الحيتان بالذكر لدفع إيهام أن "من في الأرض" لا يشمل من في البحر، أو تعميم بعد تعميم، بأن يراد بالحيتان جميع دواب البحر، وهي أكثر من عوالم البرّ، على ما قيل، وقيل: غير ذلك في وجه التخصيص، مما فيه نظر.
وقال بعضهم: إنما خصّ الحيان بالذكر؛ لكونها لا لسان لها، وما لا لسان له ربما يُتوهّم عدم الاستغفار لطالب العلم، بخلاف غيره من الحيوان، فإنه وإن صَغُر فله لسان. انتهى.
قال الجامع -عفا الله عنه-: كون الحيتان لا لسان لها يحتاج إلى ثبوته، فيتأمّل، والله تعالى أعلم.
(وَإِنَّ) بكسر الهمزة؛ لكونه معطوفًا على جملة، كما سبق بيانه (فَضلَ العَالمِ) أي الغالب عليه العلم، وهو الذي يقوم بنشر العلم بعد أدائه ما توجه إليه من الفرائض، والسنن المؤكّدة (عَلَى الْعَابِدِ) أي الغالب عليه العبادة، وهو الذي يصرف أوقاته بنوافل العبادات، مع كونه عالمًا بما تصحّ به عبادته (كَفَضْيلِ الْقَمَرِ) زاد في رواية أبي داود: "ليلة البدر"، أي ليلة الرابع عشر (عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ).
قيل: شبّه العالم بالقمر، والعابد بالكوكب؛ لأن كمال العبادة ونورها لا يتعدى من العابد، ونور العلم يتعدّى على غير العالم، فيستضيء بنوره المتلقّى من النبيّ ﷺ ، كالقمر يتلقى نوره من نور الشمس (إِنَّ العُلماءَ) وفي رواية أبي داود: "وإن العلماء"
стр. 1973
بالواو (همْ وَرَثَةُ الأنبِيَاءِ) إنما سُمّي العلماء ورثة الأنبياء أخذًا من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]، ومعلوم أنه لا رتبة فوق رتبة النبوّة، ولا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة.
قيل: إنما لم يقل: "ورثة الرسل"؛ ليكون أشمل؛ إذ من العلماء من كان مبلّغًا للأمة نافعًا بنشر علمه بينها، فهم كالرسل، ومنهم من يستطيع لا ذلك؛ لسبب من الأسباب، فهو عاملٌ بعلمه، فهؤلاء كالأنبياء، والله تعالى أعلم (إِن الأَنبِيَاءَ) وفي رواية أبي داود: "وإن الأنبياء" بالواو أيضًا (لَمْ يُوَرِّثوا) بتشديد الراء من التوريث (دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا) أي شيئًا من الدنيا، وخصهما بالذكر؛ لأنهما أغلب أنواعها (إِنَّما وَرَّثُوا الْعِلْمَ) وفي رواية أحمد: "وإنما ورّثوا" بالواو، وهو بتشديد الراء أيضًا، أي بقي علمهم بين الأمة بعدهم تنتفع به الأمة في إظهار الإسلام، ونشر الأحكام، وإصلاح أحوالهم الظاهرة والباطنة، على تباين أجناسهم واختلاف أنواعهم (فَمَنْ أَخَذَهُ) أي العلم الموروث عن الأنبياء (أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) أي حصل له نصيبٌ عظيم تام لا نقص به في الدنيا والآخرة.
وقال القاري في "شرح المشكاة": قوله: "أخذ بحظّ وافر" أي أخذ حظّا وافرًا، يعني نصيبًا تامًّا، أي لا حظ أوفر منه، والباء زائدة للتأكيد، أو المراد أخذه متلبسًا بحظّ وافر من ميراث النبوّة، ويجوز أن يكون "أخذ" خبرًا بمعنى الأمر، أي فمن أراد أَخْذَهُ، فليأخذ بحظّ وافر، ولا يقتنع بقليل. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي الدرداء ﵁ هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يكون صحيحًا، وإسناده ضعيف؛ لأن داود بن جميل، وشيخه
стр. 1974
كثير بن قيس ضعيفان.
[قلت]: إنما صحّ للمتابعات والشواهد، فقد أخرجه أبو داود في "سننه" (٣٦٤٢)، فقال -بعد أن أخرجه عن مسدّد، عن عبد الله بن داود الخُريبيّ بسند المصنّف، ومتنه-: حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد، قال: لقيت شبيب ابن شيبة، فحدثني به، عن عثمان بن أبي سودة، عن أبي الدرداء -يعني عن النبي ﷺ بمعناه.
قال في "تهذيب التهذيب" في ترجمة "شبيب بن شيبة": روى عن عثمان بن أبي سودة، عن أبي الدرداء في فضل العلم، قاله محمد بن الوزير الدمشقيّ، عن الوليد، عن شبيب، وقال عمرو بن عثمان، عن الوليد، عن شعيب بن رزيق، عن عثمان، وهو أشبه بالصواب. انتهى (١).
وهذا إسناد رجاله ثقات، فإن شعيب بن رزيق، وثقه الدارقطنيّ وابن حبان، وقال دحيم: لا بأس به، ولا عبرة بتضعيف ابن حزم، وعثمان بن أبي سودة روى عن جماعة، ووثقه جماعة، ولا عبرة بقول القطان: لا يعرف، والوليد بن مسلم وإن كان مدلسًا، لكنه صرّح بالتحديث، فالإسناد صحيح.
وللحديث إسناد آخر فيه انقطاع، أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" ١/ ٣٩٨ من طريق محمد بن حمزة المروزيّ، قال: أنبأنا علي بن الحسن بن شقيق، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا يونس بن يزيد، عن عطاء الخراسانيّ، قال: قال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سلك طريقًا. . . ." فذكره.
وهذا إسناد رجاله ثقات، لكنه منقطع؛ إذ لم يسمع عطاء الخراسانيّ من أبي الدرداء.
وأما الشواهد، فكثيرة، فمنها حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بعد حديث، وقد
стр. 1975
أخرجه مسلم، وحديث صفوان بن عسّال ﵁ الآتي بعد حديثين، وهو حديث صحيح، وحديث أنس الآتي بعد هذا، وهو حسنٌ، وغير ذلك.
وبالجملة فالحديث صحيح بهذه المتابعات، والشواهد، ولقد أجاد في البحث محقق "جامع بيان العلم وفضله" للحافظ ابن عبد البرّ -رحمه الله تعالى-، فانظر ما كتبه ١/ ١٦٣ - ١٦٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٩/ ٢٢٣) بهذا السند، وسيأتي بسند آخر مختصرًا في (٤٢/ ٢٣٩)، وأخرجه (أحمد) (٥/ ١٩٦) و (الدارميّ) (٣٤٩) و (أبو داود) (٣٦٤١) و (الترمذيّ) (٢٦٨٢) و (ابن عبد البرّ) في "جامع بيان العلم" (٣٧ و ٣٨ و ٣٩ و ٤٠ و ٤١) و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٩٨٢) و (ابن حبان) في "صحيحه" (٨٨) و (البغوي) في "شرح السنة" (١٢٩).
وأخرجه "أبو داود" أيضًا (٣٦٤٢) من طريق عثمان بن أبي سودة، عن أبي الدرداء بإسناد حسن، كما سبق بيانه.
وأورد البخاريّ في "صحيحه" "وأن العلماء هم ورثة الأنبياء، ورّثوا العلم، من أخذه أخذ بحظّ وافر"، ومن سلك طريقًا يطلب به علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة عقب قوله: "باب العلم قبل القول والعمل"، من غير أن ينسبه إلى النبيّ ﷺ ، فقال الحافظ في "الفتح": طرف من حديث أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وابن حبان، والحاكم مصحّحًا من حديث أبي الدرداء، وحسّنه حمزة الكنانيّ، وضُعْفُهُ عندهم باضطراب في سنده، لكن له شواهد يتقوّى بها، ولم يُفصح البخاريّ بكونه حديثًا، فلهذا لا يُعدّ في تعاليقه، لكن إيراده له في الترجمة يُشعر بأن له أصلًا، وشاهده قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]. انتهى (١)،
стр. 1976
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل العلماء، والحثّ على طلب العلم.
٢ - (ومنها): ما قاله الطيبي ﵀: لا تظنّنّ أن العالم المفضّل عاطلٌ عن العمل، ولا العابد عن العلم، بل إنّ علمَ ذلك غالبٌ على عمله، وعمل هذا غالبٌ على علمه، ولذلك جُعل العلماء ورثة الأنبياء الذين فازوا بالحسنيين: العلم والعمل، وحازوا الفضيلتين: الكمال والتكميل، وهذا طريق العارفين بالله تعالى، وسبيل السائرين إلى الله تعالى. انتهى (١).
٣ - (ومنها): أن العالم لمّا كان ساعيًا في حصول العلم الذي به نجاة النفوس من أنواع الهلكات، وكان سعيه مقصورًا على هذا، وكانت نجاة العباد على يديه جوزي من جنس عمله، وجُعل من في السماوات والأرض ساعيًا في نجاته من أسباب الهلكات باستغفارهم له.
٤ - (ومنها): أن هذا الاستغفار غير استغفار حملة العرش، ومن حوله لعموم المؤمنين الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [غافر: ٧]، فإن ذاك خاص بحملة العرش ومن حوله، عامّ لجميع المؤمنين، وهذا عامّ من جميع من في السماوات ومن في الأرض، خاص بطالب العلم؛ زيادةً على الاستغفار الأول؛ لزيادة فضل العلم، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن فيه إيماء إلى أن طريق الجنة محصورة في طرق العلم؛ لأن الجنة جزاء العمل الصالح وهو لا يُتصوّر ولا يتحقق بدون العلم.
стр. 1977
٦ - (ومنها): تعظيم الملائكة، واحترامهم، وبسط أجنحتهم لطالب العلم، ونقل ابن القيّم عن أحمد بن شعيب، قال: كنا عند بعض المحدّثين بالبصرة، فحدّثنا بهذا الحديث، وفي المجلس شخصٌ من المعتزلة، فجعل يستهزىء بالحديث، فقال: والله لأطرقنّ غدًا نعلي، وأطأ بها أجنحة الملائكة، ففعل، ومشى في النعلين، فحفت رجلاه، ووقعت فيهما الأكلة.
وقال الطبرانيّ: سمعت ابن يحيى الساجيّ يقول: كنا نمشي في أزقّة البصرة إلى باب بعض المحدّثين، فأسرعنا المشي، وكان معنا رجل ماجنٌ متّهم في دينه، فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة، لا تكسروها، كالمستهزىء بالحديث، فما زال عن موضعه حتى حفَت رجلاه، وسقط إلى الأرض. انتهى.
نقلت هاتين الحكايتين من "المرقاة شرح المشكاة" لعلي القاري (١)، ولا أدري صحتهما. والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): بيان فضل العالم على العابد؛ لأن العلم متعدّ، بخلاف العبادة، قال القرطبيّ ﵀: هذه المفاضلة بين العالم والعابد لا تصحّ حتى يكون كلّ واحد منهما قائمًا بما وجب عليه من العلم والعمل، فإن العابد لو ترك شيئًا من الواجبات، أو عملها على جهل لم يستحقّ اسم العابد ولا تصحّ له عبادة، والعالم لو ترك شيئًا من الواجبات لكان مذمومًا، ولم يستحقّ اسم العالم، فإذًا محلّ التفضيل إنما هو في النوافل، فالعابد يستعمل أزمانه في النوافل من الصلاة، والصوم، والذكر، وغير ذلك، والعالم يستعمل أزمانه في طلب العلم وحفظه، وتقييده، وتعليمه، فهذا هو الذي شبّهه بالبدر؛ لأنه قد كمُل في نفسه، واستضاء به كلّ شيء في العالم، من حيث إن علمه تعدّى لغيره، وليس كذلك العابد، فإن غايته أن ينتفع في نفسه، ولذلك شبهه بالكوكب الذي غايته أن يُظهر
стр. 1978
نفسه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ. والله تعالى أعلم.
٨ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ﵀: أيضا: إنما خصّ العلماء بالوراثة، وإن كان العبّاد أيضًا قد ورِثُوا العلم بما صاروا به عُبّادًا؛ لأن العلماء هم الذين نابوا عن النبيّ ﷺ في حملهم العلمَ عنه، وتبليغهم إياه لأمته، وإرشادهم لهم، وهدايتهم، وبالجملة هم العاملون بمصالح الأمة بعده الذّابّون عن سنّته، الحافظون لشريعته، فهؤلاء الأحقّ بالوراثة، والأولَى بالنيابة والخلافة، وأما الْعُبّاد فلم يُطلق عليهم اسم الورثة؛ لقصور نفعهم، ويسير حظّهم. انتهى (٢).
٩ - (ومنها): أن فيه إشارة إلى حقارة الدنيا، وأن الأنبياء لم يأخذوا منها إلا بقدر ضرورتهم، فلم يورّثوا شيئًا منها؛ لئلا يُتوهّم أنهم كانوا يطلبون الدنيا لتورث عنهم، وفيه إيماء إلى كمال توكلهم على الله تعالى في أنفسهم وأولادهم، وإشعار بأن طالب الدنيا ليس من العلماء الوارثين لهم، ولذا قال الغزاليّ ﵀: أقلّ العلم، بل أقلّ الإيمان أن يعرف أن الدنيا فانيةٌ، وأن الآخرة باقية، ونتيجة هذا العلم أن يُعرض عن الفاني، ويُقبل على الباقي.
[فإن قلت]: يُعارض هذا ما ثبت أنه كان للنبيّ ﷺ كان له صفايا بني النضير، وفدك، وخيبر إلى أن مات وخلفها، وكان لشعيب ﵇ أغنام كثيرة، وكان أيوب وإبراهيم ﵉ ذَوَي ثروة ونعمة كثيرة.
[أُجيب]: بأن المراد أنه ما ورِثَ أولادهم، وأزواجهم شيئًا من ذلك، بل بقي بعدهم مُعَدّا لنوائب المسلمين.
وأخرج الطبرانيّ في "الأوسط" بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ أنه مرّ بسوق المدينة، فوقف عليها، فقال: يا أهل السوق ما أعجزكم؟ قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟
стр. 1979
قال: ذاك ميراث رسول الله ﷺ يُقسم، وأنتم هاهنا، ألا تذهبون، فتأخذون نصيبكم منه؟ قالوا: وأين هو؟ قال: في المسجد فخرجوا سراعًا، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟، فقالوا: يا أبا هريرة قد أتينا المسجد، فدخلنا فيه، فلم نَرَ فيه شيئًا يُقسَم، فقال لهم أبو هريرة: وما رأيتم في المسجد أحدًا؟ قالوا: بلى، رأينا قومًا يصلّون، وقومًا يقرؤون القرآن، وقومًا يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة: ويحكم، فذاك ميراث محمد ﷺ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٢٤ - (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عمَّارٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ سُلَيمانَ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ، كَمُقَلِّدِ الخنَازِيرِ الجوْهَرَ وَاللؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ").
رجال هذا الإسناد خمسة، كلهم تقدّموا في الباب الماضي (٢)، غير:
١ - (كثير بن شِنظير) -بكسر المعجمتين، وسكون النون- المازنيّ، ويقال: الأزديّ، أبو قرّة البصريّ، صدوقٌ يُخطىء [٦].
رَوَى عن عطاء، ومجاهد، والحسن، ومحمد، وأنس، ابني سيرين، ويوسف بن أبي الحكم، وغيرهم.
ورَوَى عنه سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن زيد، وعبد الوارث بن سعيد، وأبان ابن يزيد العطار، وحفص بن سليمان الغاضري، وأبو عامر الخزاز، وعباد بن عباد، وبشر بن المفضل، وجماعة.
стр. 1980
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، فقال: صالح، ثم قال: قد روى عنه الناس، واحتملوه، وقال مرة: صالح الحديث. وقال إسحاق بن منصور ابن معين: صالح. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس بشيء. وقال عمرو بن علي: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وكان ابن مهدي يحدث عنه. وقال أبو زرعة: لين. وقال النسائيّ: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: أرجو أن تكون أحاديثه مستقيمة، وقال أيضًا: ليس في حديثه شيء من المنكر. وقال ابن سعد: كان ثقة -إن شاء الله-.
وقال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن كثير بن شِنظِير، هو صحيح الحديث: أو قيل: ثبت الحديث؟ قال: لا، ثم قال كلاما، معناه: يكتب حديثه. وقال الساجي: صدوق، وفيه بعض الضعف، ليس بذاك، ويحتمل لصدقه. وقال الحاكم: قول ابن معين فيه: ليس بشيء، هذا يقوله ابن معين، إذا ذُكِر له الشيخ من الرواة يَقِلّ حديثه، ربما قال فيه: ليس بشيء -يعني لم يُسنِد من الحديث ما يُشتَغل به. وقال البزار: ليس به بأس. وقال ابن حزم: ضعيف جِدّا.
قال الجامع -عفا الله عنه-: قد تبيّن بما ذُكِرَ من هذه الأقوال على أَنَّ الأكثرين على توثيق كثير بن شِنظير، فقول ابن حزم هذا مجازف فيه، فأيّ ضعف بعد توثيق هؤلاء الأئمة له؟ والله تعالى المستعان.
أخرج له الجماعة، سوى النسائيّ، وله في البخاري حديثان فقط، أخرج مسلم أحدهما، هو حديث جابر في السلام على المصلى، وأبو داود، والترمذي الآخر، وهو حديث جابر: "خمروا الآنية"، وابن ماجه حديث أنس: "طلب العلم فريضة"، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عن أنسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسول الله ﷺ : طَلَب الْعِلْمِ) أي الشرعي (فريضة) قال البيهقيّ ﵀ في "المدخل": أرد -والله تعالى أعلم- العلم الذي لا
стр. 1981
يسع البالغ العاقل جهله، أو علم ما يطرأ له، أو أراد أنه فريضة على كلّ مسلم حتى يقوم به من فيه كفاية، قال: وقد سئل ابن المبارك عن تفسير هذا الحديث، فقال: ليس هو الذي يظنون، إنما هو أن يقع الرجل في شيء من أمور دينه، فيسأل عنه حتى يعلمه.
وقال البيضاويّ: المراد من العلم ما لا مندوحة للعبد منه، كمعرفة الصانع، والعلم بوحدانيته، ونبوة رسوله ﷺ ، وكيفيّة الصلاة، فإن تعلّمه فرض عين.
(عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) أي مكلّف، فيخرج غير المكلّف، من الصبيّ والمجنون، وموضوعه الشخص، فيشمل الذكر والأنثى، وقد ألحق بعض المصنّفين بآخر هذا الحديث لفظة "ومسلمة"، قال الحافظ السخاويّ في "المقاصد الحسنة": وليس لها ذكر في شيء من طرقه، وإن كانت صحيحة المعنى.
(وَوَاضِعُ العِلْمِ عِندَ غيْرِ أَهْلِهِ) كمن لا يُصغي، ولا يفهم، أو من يريد به غرضًا دنيويًّا، أو من لا يتعلّمه لله تعالى (كَمُقَلِّدِ الخنَازِير الجوْهَر وَاللُّؤْلؤ وَالذَّهَبَ") هذا يُشعر بأن كلّ علم يختصّ باستعداد، وله أهل، فإذا وضعه: في غير موضعه، فقد ظلم، فمثّل معنى الظلم بتقليد أخسّ الحيوانات بأنفس الجواهر؛ تهجينًا لذلك الوضع، وتنفيرًا عنه، وما قيل [من الطويل]:
وَمَن مَنَحَ الجُهَّالَ علْمًا أَضَاعَهُ ... وَمَنْ مَنَعَ المُستَوجِبِينَ فَقَد ظلم
وتعقيبُ هذا التمثيل بقوله: "طلب العلم فريضة" إعلام بأنه ينبغي لكل أحد طلب ما يليق باستعداده، ويوافق منزلته بعد حصول ما هو واجب من الفرائض العامّة، وعلى العالم أن يخصّ كلَّ طالب بما هو مستعد له.
وقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن عليّ ﵁ أنه قال: "حدّثوا الناس بما يَعرفون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله؟ ".
قال في "الفتح" في شرح هذا الأثر: المراد بقوله: "بما يعرفون"، أي يفهمون، وزاد آدم بن أبي إياس في "كتاب العلم" له في آخره: "ودَعُوا ما ينكرون"، أي يشتبه عليهم
стр. 1982
فهمه، وكذا رواه أبو نعيم في "المستخرج".
وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يُذكَر عند العامة، ومثلُهُ قول ابن مسعود ﵁: "ما أنت محدثًا قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة"، رواه مسلم.
وممن كَرِهَ التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج علي السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومِن قبلهم أبو هريرة ﵁، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: حَفِظتُ من رسول الله ﷺ وِعَاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطِع هذا الْبُلْعُوم.
والمراد ما يقع من الفتن، ونحوُهُ عن حذيفة ﵁، وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس ﵁ للحجاج بن يوسف الأمير المبير بقصة العرنيين؛ لأنه اتخذها وسيلةً إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي.
وضابط ذلك أن يكون ظاهرُ الحديث يُقَوّي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يُخْشَى عليه الأخذ بظاهره مطلوب. والله تعالى أعلم.
انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس بن مالك ﵁ هذا من أفراد المصنّف، وهو ضعيف الإسناد جدًّا؛ لأن فيه حفص بن سليمان المقرىء الغاضريّ، وقد تقدّم (٣٨/ ٢١٦) أنه متروك.
لكن قوله: "طلب العلم فريضة على كلّ مسلم"، قد رُويت من طرق متعدّدة عن أنس ﵁ يعضد بعضها بعضًا، فهو حسن.
стр. 1983
قال الحافظ السخاويّ ﵀ في "المقاصد": وفي الباب عن أُبيّ، وجابر، وحذيفة، والحسين بن علي، وسلمان، وسمرة، وابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وعليّ، ومعاوية بن حيدة، ونُبيط بن شَرِيط، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وأم المؤمنين عائشة، وعائشة بنت قُدامة، وأم هانىء، وآخرين، وبسط الكلام في "تخريجه الكبير للإحياء"، ومع هذا كلّه قال البيهقيّ: متنه مشهور، وإسناده ضعيف، وقد روي من أوجه كلها ضعيفة، وسبقه الإمام أحمد فيما حكاه ابن الجوزيّ في "العلل المتناهية" عنه، فقال: لم يثبت عندنا في هذا الباب شيء، وكذا قال إسحاق ابن راهويه: إنه لم يصحّ، أما معناه فصحيح، في الوضوء، والصلاة، والزكاة، إن كان له مال، وكذا الحجّ وغيره، وتبعه ابن عبد البرّ بزيادة إيضاح وبيان، فقال ﵀: هذا حديث يُروى عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ من وجوه كثيرة، كلها معلولة، لا حجة في شيء منها عند أهل العلم بالحديث من جهة الإسناد (١).
وقال أبو عليّ النيسابوريّ الحافظ: إنه لم يصحّ عن النبيّ ﷺ فيه إسناد، ومثّل به ابن الصلاح للمشهور الذي ليس بصحيح، وتبع في ذلك أيضًا الحاكم، ولكن قال العراقيّ: قد صحّح بعض الأئمة بعض طرقه، كما بينته في "تخريج الإحياء".
وقال المزّيّ: إن طرقه تبلغ به رتبة الحسن، وقال غيره: أجودها طريق قتادة، وثابت كلاهما عن أنس، وطريق مجاهد عن ابن عمر، وقال ابن القطان، صاحب ابن ماجه في "كتاب العلل" عقب إيراده له من جهة سلام الطويل عن أبيه: إنه غريب حسن الإسناد (٢).
وقال السيوطيّ: سئل الشيخ محيي الدين النووي -رحمه الله تعالى- عن هذا الحديث، فقال: إنه ضعيفٌ -أي سندًا- وإن صحيحًا -أي معنى، وقال تلميذه جمال
стр. 1984
الدين المِزّيّ: هذا الحديث رُوي من طرق تبلغ رتبة الحسن،، وهو كما قال: فإني رأيت له نحو خمسين طريقًا، وقد جمعتها في جزء. انتهى كلام السيوطيّ.
والحاصل أن الحديث حسنٌ بكثرة طرقه، وقد أجاد الكلام الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ في "جامع بيان العلم وفضله" ١/ ٢٣ - ٦٢ واستوفى محقق الكتاب الكلام، فأجاد وأفاد، وكذا الحافظ السخاويّ في "المقاصد الحسنة" ص (٢٧٥ - ٢٧٧). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): أخرج الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ بسنده عن إسحاق بن راهويه، قال: طلب العلم واجب، ولم يصحّ فيه الخبر، إلا أن معناه أن يلزمه طلب علم ما يحتاج إليه من وضوئه، وصلاته، وزكاته إن كان له ماله، وكذلك الحجّ وغيره، قال: وما وجب عليه من ذلك لم يستأذن أبويه في الخروج إليه، ومن كان منه فضيلةً لم يخرج إلى طلبه حتى يستأذن أبويه.
قال أبو عمر: يريد إسحاق -والله أعلم- أن الحديث في وجوب طلب العلم في أسانيده مقالٌ لأهل العلم بالنقل، ولكن معناه صحيح عندهم، وإن كانوا قد اختلفوا فيه اختلافًا متقاربًا على ما نذكره هاهنا إن شاء الله.
ثم أخرج عن ابن وهب، قال: سئل مالك عن طلب العلم أهو فريضة على الناس؟ فقال: لا والله، ولكن يطلب منه المرء ما ينتفع به في دينه.
قال: وروينا عن الحسن بن الربيع، قال: سألت ابن المبارك عن قول النبيّ ﷺ : "طلب العلم فريضة على كلّ مسلم" قال: ليس هو الذي يطلبونه، ولكن فريضة على من وقع في شيء من أمر دينه أن يسأل عنه حتى يعلمه. وسئل ابن المبارك أيضًا ما الذي لا يسع المؤمن من تعليم العلم إلا أن يطلبه؟ وما الذي يجب عليه أن يتعلّمه؟ قال: لا يسعه أن يُقْدِم على شيء إلا بعلم، ولا يسعه حتى يسأل.
وأخرج عن ابن عيينة قال: طلب العلم والجهادُ فريضة على جماعتهم، ويجزىء فيه بعضهم عن بعض، وقرأ هذه الآية: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ
стр. 1985
لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ الآية [التوبة: ١٢٢].
قال أبو عمر: قد أجمع العلماء على أن من العلم ما هو فرض متعيّن على كل امرىء في خاصّة نفسه، ومنه ما هو فرض على الكفاية إذا قام به قائم سقط فرضه عن أهل ذلك الموضع، واختلفوا في تلخيص ذلك، والذي يلزم الجميع فرضه من ذلك ما لا يسع الإنسان جهله من جملة الفرائض المفترضة عليه، نحو الشهادة باللسان، والإقرار بالقلب بأن الله تعالى وحده لا شريك له، ولا شبه له، ولا مثل له، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، خالق كل شيء، وإليه يرجع كل شيء، المحيي المميت الحي الذي لا يموت، عالم الغيب والشهادة، هما عنده سواء، لا يعزُبُ عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء، هو الأول والآخر والظاهر والباطن.
والذي عليه جماعة أهل السنة والجماعة أنه لم يزل بصفاته وأسمائه، ليس لأوليته ابتداء، ولا لآخريته انقضاء، وهو على العرش استوى.
والشهادة بأن محمدًا عبده ورسوله، وخاتم أنبيائه حقٌّ، وأن البعث بعد الموت للمجازاة بالأعمال، والخلود في الآخرة لأهل السعادة بالإيمان والطاعة في الجنة، ولأهل الشقاوة بالكفر والجحود في السعير حقٌّ، وأن القرآن كلام الله، وما فيه حقّ من عند الله، يلزم الإيمان بجميعه، واستعمال مُحكمه، وأن الصلوات الخمس فريضة، ويلزمه من علمها علم ما لا تتمّ إلا به، من طهارتها، وسائر أحكامها، وأن صوم رمضان فرضٌ، ويلزمه علم ما يفسد صومه، وما لا يتمّ إلا به، وإن كان ذا مال وقدرة على الحج لزمه فرضًا أن يعرف ما تجب فيه الزكاة، ومتى تجب، وفي كم تجب، ولزمه أن يعلم بأن الحج عليه فرض مرّة واحدة في دهره إن استطاع السبيل إليه، إلى أشياء يلزمه معرفة جُمَلها، ولا يُعذر بجهلها، نحو تحريم الزنا، وتحريم الخمر، وأكل الخنزير، وأكل الميتة، والأنجاس كلها، والسرقة والربا والغصب والرشوة في الحكم، والشهادة بالزور، وأكل أموال الناس بالباطل، وبغير طيب من أنفسهم إلا إذا كان شيئًا لا يتشاحّ فيه، ولا يُرغب في مثله، وتحريم الظلم كله، وهو كل ما منع الله منه، ورسوله ﷺ ،
стр. 1986
وتحريم نكاح الأمهات، والبنات، والأخوات، ومن ذُكر معهنّ، وتحريم قتل النفس المؤمنة بغير حقّ، وما كان مثل هذا كلّه مما قد نطق به الكتاب، وأجمعت الأمة عليه.
ثم سائر العلم، وطلبه والتفقّه فيه، وتعليم الناس إياه، وفتواهم به في مصالح دينهم ودنياهم، والحكم به بينهم فرض على الكفاية، يلزم الجميع فرضه، فإذا قام به قائم سقط فرضه عن الباقين بموضعه، لا خلاف بين العلماء في ذلك، وحجتهم فيه قول الله : ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٢]، فألزم النفير في ذلك البعض دون الكلّ، ثم ينصرفون، فيُعلّمون غيرهم، والطائفة في لسان العرب الواحد فما فوقه.
قال: وروى يونس بن عبد الأعلى، وابن المقرىء، وابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: وجدنا علم الناس كله في أربع: أولها أن تعرف ربّك، والثاني: أن تعرف ما صنع بك، والثالث أن تعرف ما أراد منك، والرابع أن تعرف ما يُخرجك من دينك. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ ملخّصًا، وهو بحث نفيس جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب.
وقال الإمام ابن القيّم -رحمه الله تعالى-: في كتابه "مفتاح دار السعادة": العلم الذي هو فرض عين لا يسع مسلمًا جهله أنواعٌ:
[النوع الأول]: علم أصول الإيمان الخمسة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فإن لم يؤمن بهذه الخمسة لم يدخل في باب الإيمان، ولا يستحقّ اسم المؤمن، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]، ولمَّا سأل جبريل رسول الله ﷺ عن الإيمان قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر"، قال: صدقت، فالإيمان بهذه الأصول فرع معرفتها، والعلم بها.
[والنوع الثاني]: علم شرائع الإسلام، واللازم منها ما يخُصّ العبد من فعلها،
стр. 1987
كفعل الوضوء، والصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، وتوابعها، وشروطها، ومبطلاتها.
[والنوع الثالث]: علم المحرّمات الخمس التي اتّفقت عليها الشرائع، والرسل، والكتب الإلهيّة، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، فهذه محرمات على كل أحد في كل حال على لسان كلّ رسول، لا تباح قطّ، ولهذا أتى فيها بـ"إنما" المفيدة للحصر مطلقًا، وغيرها محرّمٌ في وقت، مباح في غيره، كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، ونحوه، فهذه ليست محرّمة على الإطلاق والدوام، فلم تدخل في التحريم المحصور المطلق.
[والنوع الرابع]: علم أحكام المعاشرة، والمعاملة التي تحصل بينه وبين الناس، خصوصًا وعمومًا، والواجب في هذا النوع يختلف باختلاف أحوال الناس، ومنازلهم، فليس الواجب على الإمام مع رعيّته، كالواجب على الرجل مع أهله وجيرانه، وليس الواجب على من نَصَبَ نفسه لأنواع التجارات من تعلّم أحكام البياعات، كالواجب على من لا يبيع ولا يشتري إلا ما تدعوا الحاجة إليه.
وتفصيل هذه الجملة لا ينضبط بحدّ؛ لاختلاف الناس في أسباب العلم بالواجب، وذلك يرجع إلى ثلاثة أصول: اعتقاد، وفعل، وترك، فالواجب في الاعتقاد مطابقته للحقّ في نفسه، والواجب في العمل معرفة موافقة حركات العبد الظاهرة والباطنة الاختياريّة للشرع أمرا وإباحة، والواجب في الترك معرفة موافقة الكفّ والسكون لمرضاة الله تعالى، وأن المطلوب منه إبقاء هذا الفعل على عدمه المستعمل، فلا يتحرّك في طلبه، أو كفّ النفس عن فعله على الطريقتين، وقد دخل في هذه الجملة عَلِمُ حركات القلوب والأبدان. انتهى كلام ابن القيّم -رحمه الله تعالى-، وهو بحثٌ نفيس جدّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 1988
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٢٥ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شيبةَ، وَعَلي بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قالَ رَسُول الله ﷺ : "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كرْبَةً، مِنْ كرَبِ الدنْيَا، نَفَّسَ الله عَنْهُ كرْبَةً، مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتر مُسْلمًا، سَتَرَهُ الله في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَن يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ الله عَلَيْهِ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالله في عوْنِ الْعَبْدِ، مَا كَانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَن سلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلمًا، سَهَّلَ الله لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الجنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الله، يَتْلُونَ كتَابَ الله، وَيَتَدَارسونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلا حَفَّتْهُم الملائِكَةُ، وَنَزَلَتْ عَليْهِم السكِينة، وَغشِيَتْهُم الرحْمَةُ، وَذَكرَهُمْ الله فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ أبطَأَ بِهِ عَمَلهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] ١/ ١.
٢ - (علي بْنُ مُحَمدٍ) الطنافسيّ الكوفي، صدوق عابد [١٠] ٩/ ٥٧.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقة، من كبار [٩] ١/ ٣.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكوفي الحافظ الحجة الثبت [٥] ١/ ١.
٥ - (أبو صَالِحٍ) ذكوان السمان الزيات المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ١/ ١.
٦ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنف.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه الثاني، فأخرج له النسائيّ في "مسند" علي ﵁.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين إلى أبي صالح.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا معاوية أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في
стр. 1989
حديث غيره.
٥ - (ومنها): أن الأعمش ممن أكثر الرواية عن أبي صالح، يقال: إنه سمع منه ألف حديث.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الأعمش عن أبي صالح.
٧ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ الْأَعْمَشِ) وفي رواية لمسلم من طريق أبي أسامة عن الأعمش قال: حدّثنا أبو صالح، فصرح الأعمش بالتحديث، فزالت تهمة التدليس، كما زعمه بعضهم (عَن أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السمّان (عن أَبِي هُرَيرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسول الله ﷺ : (مَنْ نَفَّس) بتشديد الفاء، أي فرّج.
قال الطيبيّ ﵀: يقال: نَفّستُ عنه كُرْبةً تنفيسًا. إذا رفعتها، وفرجتها عنه، مأخوذ من قولهم: أنت في نَفَس، أي سَعَة، كأن من كان في كُرْبة وضِيق سُدّ عنه مداخل الأنفاس، فإذا فُرِج عنه فُتحت المداخل انتهى (١)، أي من أزال، وأذهب (عَنْ مُسْلِمٍ) ولفظ مسلم "عن مؤمن"، أي ولو كان فاسقًا؛ مراعاة لإيمانه (كُربَةً) بضم، فسكون، أي غمّا وشِدّةً، نكّرها تقليلًا، أي أيّ كربة كانت، شديدةً أو حقيرةً، وميزها بعد الإبهام، وبيّنها بقوله (مِنْ) تبعيضيّة، أو ابتدائية (كربِ الدُّنْيَا) الفانية والمنقضية؛ للإيذان بتعظيم شأن التنفيس، يعني أن أقلّه المختصّ بالدنيا يفيد هذه الفائدة، فكيف بالكثير المختصّ بالعقبى؟.
فلذلك لم يقيّد هذه القرينة بما قيّده في القرينتين الأخيرتين من ذكر الدنيا والآخرة معًا، ولأنهما تخصيص بعد تعميم؛ اهتمامًا بشأنهما. قاله الطيبيّ (٢) (نَفَّسَ الله عَنْهُ كُربَةً) أي عظيمةً (مِنْ كُربِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي الباقية غير المتناهية، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا
стр. 1990
الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، ولا يرد على هذا أنه تعالى قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فإنه أعمّ من أن يكون في الكميّة، أو الكيفيّة (١) (وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا) أي في قبيح يفعله، أو كساه ثوبًا لعُرْيه، وقال الطيبيّ: يجوز أن يراد به الظاهر، وأن يراد به ستر من ارتكب ذنبًا، فلا يفضحه (سَتَرَهُ الله) أي ستر عيوبه، أو عورته (في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) وفي "شرح مسلم": أي ستر بدنه بالإلباس، أو عيوبه بعدم الغيبة له، والذبّ عن معايبه، وهذا الستر إنما يندب على ذوي الهيئات ممن ليس معروفًا بالأذى والفساد، وأما المعروف به، أو المتلبّس بالمعصية، فيجب إنكارها عليه، ورفع أمره إلى ولاة الأمور إن لم يقدر على منعه، ولم يترتّب عليه مفسدة، وأما جرح الرواة والشهود، وأمناء الصدقات، فواجب (٢).
(وَمَنْ يَسَّرَ) أي سهّل (عَلَى مُعْسِرٍ) أي الفقير الذي ركبه الدين، وتعسّر عليه قضاؤه، وهو يشمل المؤمن والكافر المعاهد، أي من كان له دينٌ على فقير، فسهّل عليه بترك كلّه، أو بعضه، بإمهاله (يَسَّرَ الله عَلَيْهِ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أي في أمورهما؛ جزاء تيسيره على عبده ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] (وَالله في عَوْنِ الْعَبْدِ) الواو للاستئناف، وهو تذييل للكلام السابق.
قال الطيبيّ: تذييل للسابق، لا سيّما على دفع المضرّة عن أخيه المسلم، وعلى جلب النفع له، ولذلك أخرجه من سياق الشرطية، وبنى الخبر على المبتدأ؛ ليقوى به الحكم، وخصّ العبد بالذكر؛ تشريفًا له بنسبة العبدية له، كما شرّف رسول الله ﷺ في قول تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ الآية [الإسراء: ١]، وكرّره، وقال: "في عون العبد"، ولم يقل: والله يُعينه في كذا، كما قال: ﴿وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، أي إن الله تعالى يوقع العون في العبد، ويجعله مكانًا له؛ مبالغة في
стр. 1991
الإعانة. انتهى (١) (مَا كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ) "ما" مصدريّة ظرفيّة، أي مدّةَ كون العبد مشغولًا في عون أخيه بأي وجهٍ كان، من جلب نفع، ودفع ضرّ.
ولمّا فرغ من الحثّ على الشفقة لخلق الله تعالى أتبعه بما يُنبىء عن التعظيم لأمر الله، وهو العلم؛ لأن العلم وسيلة إلى العمل، ومقدمة له، ومن ثَمّ ختمه بقوله: "ومن بطّأ به عمله إلخ"، فقال:
(وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا) نكّره ليشمل الأسباب والطرق كلها، أي من تسبّب في تحصيل العلم أَيَّ سبب كان، من مفارقة الأوطان، والضرب في البلدان، والإنفاق فيه، والتعلّم والتعليم، والتصنيف، والْكَدْح فيه، مما لا يُحصى كثرةً، وقال في "المرعاة": "ومن سلك طريقًا" حقيقيّا حسيّا، وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلماء، أو معنويّا، مثل حفظ العلم، ومدارسته، ومذاكرته، ومطالعته، وكتابته، والتفهّم له، ونحو ذلك من الطرق المعنويّة التي يُتوصّل بها إلى العلم. انتهى (يَلْتَمِسُ) أي يطلب، وهو حال، أو صفة (فِيهِ عِلْمًا) نكّره ليشمل كل نوع من أنواع علوم الدين، قليله، أو كثيره، إذا كان بنيّة القربة، والانتفاع، والنفع (سَهَّلَ الله لَهُ بِهِ) أي بذلك السلوك، أو الطريق، أو الالتماس، أو العلم، والباء سببيّة (طَرِيقًا) أي موصلًا، ومُنْهِيًا (إِلَى الجنَّةِ) أي يسهّل الله له العلم الذي طلبه، وسلك طريقه، وييسره عليه، فإن العلم طريق يوصل إلى الجنة، أو ييسر الله له إذا قصد بطلبه وجه الله تعالى الانتفاع به، والعمل بمقتضاه، فيكون سببًا لهدايته، ولدخول الجنّة بذلك، وقد يُيسّر الله لطالب العلم علومًا أخرى ينتفع بها، وتكون موصلة إلى الجنة، أو يسهّل الله له طريق الجنة الحسيّ يوم القيامة، وهو الصراط، وما قبله، وما بعده من الأهوال، فييسّر ذلك على طالب العلم للانتفاع به.
(وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيتٍ مِن بُيُوتِ اللَّه) عدل عن التعبير بالمساجد ليشمل جميع ما يُبنى لله تقرّبًا إليه، من المساجد، والمدارسَ، والرُّبُط، وقال القرطبيّ: بيوت الله هي
стр. 1992
المساجد، كما قال الله تعالى: ﴿في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ﴾ [النور: ٣٦] انتهى، والأول أقرب، والله تعالى أعلم.
(يتلُونَ كِتَابَ اللَّه) أي القرآن، والجملة حاليّة من "قوم"؛ لتخصيصه (وَيَتَدَارسونَهُ بَينَهُمْ) قيل: التدارس قراءة بعضهم على بعض؛ تصحيحًا لألفاظه، أو كشفًا لمعانيه، وقيل: المراد المدارسة المتعارفة، بأن يقرأ بعضهم عشرا مثلًا، وبعضهم عشرًا آخر، وهكذا، فيكون أخص من التلاوة، والأظهر أنه شامل لجميع ما يتعلّق بالقرآن من التعلم، والتعليم، والتفسير، والتحقيق في مبانيه، والاستكشاف عن دقائق معانيه (١) (إِلَّا حَفَّتْهُم الملائِكَةُ) أي ملائكة الرحمة والبركة، أحدقوا، وأحاطوا بهم؛ تعظيمًا لصنيعهم، أو طافوا بهم، وداروا حولهم إلى السماء الدنيا، يستمعون قراءتهم ودراستهم، ويحفظونهم من الآفات، ويزورونهم، ويُصافحونهم، ويؤمّنون على دعائهم (وَنَزَلَت عَلَيْهِم السَّكِينَةُ) قيل: المراد بالسكينة هنا الرحمة، وهو الذي اختاره القاضي عياض.
قال النووي: وهو ضعيف؛ لعطف الرحمة عليه، وقيل: الطمأنينة، والوقار، وهو أحسن، انتهى (٢)، وقيل: إنها شيء من مخلوقات الله تعالى، فيه طمأنينة، ورحمة، ومعه الملائكة.
وقال القرطبيّ: هي إما السكون، والوقار، والخشوع، وإما الملائكة الذين يستمعون القرآن، سُمُّوا بذلك؛ لما هم عليه من السكون والخشوع. انتهى (٣) (وَغشَيتهُم) أي عَلَتهم، وغطّتهم، وسترتهم (الرَّحْمَةُ) أي تكفير خطيئاتهم، ورفع درجاتهم، وإيصالهم إلى جنته وكرمته. قاله القرطبيّ (وَذَكَرَهُمْ الله فِيمَنْ عِنْدَهُ) أي الملإ الأعلى،
стр. 1993
والطبقة الأولى من الملائكة، وذكره لهم عندهم للمباهاة بهم، يقول: انظروا إلى عبادي هؤلاء يذكروني، ويتدارسون كتابي، ونحو ذلك، وقال القرطبيّ: يعني في الملإ الكريم من الملائكة المقرّبين، كما قال: "إن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم"، متّفق عليه (وَمَنْ أبْطَأَ) من الإبطاء، وفي رواية مسلم: "ومن بطّأ" بتشديد الطاء، من التبطة، ضدّ التعجيل.
قال الطيبيّ: هذا أيضًا تذييل بمعنى التعظيم لأمر الله، فالواو فيه، وفي قوله: "والله في عون العبد" استئنافيّة، وبقية الواوات عاطفة (بِهِ) الباء للتعدية، أي من أخّره عن بلوغ درجة السعادة في الآخرة (عَمَلُهُ) السيء، أو تفريطه في العمل الصالح في الدنيا (لم يُسرِعْ) بضم أوله، من الإسراع، أي لم يقدّمه (بِهِ نَسَبُهُ) أي لم ينفعه في الآخرة شرف نسبه، فإن العمل الصالح هو الذي يرفع العبد إلى الدرجات العلى في الآخرة، فمن لم ترفعه أعماله إليها، لم تنفعه أنسابه، فتُبْلِغَه إليها؛ لأن الله تعالى رتّب الجزاء على الأعمال، لا على الأنساب، قال : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وقال القرطبيّ: يعني أن الآخرة لا ينفع فيها إلا تقوى الله تعالى، والعمل الصالح، لا الفخر الراجح، ولا النسب الواضح (١).
وقال النووي: معناه: من كان عمله ناقصًا لم يُلحقه نسبه بمرتبة أصحاب الأعمال، فينبغي أن لا يتكل على شرف النسب، وفضيلة الآباء، ويقصر في العمل. انتهى (٢).
[فإن قلت]: هذا ينافي قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآية [الطور: ٢١]، فإنه يدل على أن النسب ينفع.
стр. 1994
[قلت]: هذه الآية فيمن تبع في الإيمان، ولكنه مقصّر في بعض الأعمال، فيُلحق بهم تكريمًا لهم، وأما الحديث فهو محمول على من اتبع هواه، فضلّ السبيل، فإنه لا ينفعه نسبه، ولا يُلحقه بآبائه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٩/ ٢٢٥) بهذا السند فقط، وأخرجه (ابن أبي شيبة) (٩/ ٨٥ - ٨٦) و (أحمد) (٢/ ٢٥٢ و ٢٧٤ و ٣٢٥ و ٤٠٦ و ٥٠٠ و ٥١٤ و ٥٢٢) و (الدارميّ) (٣٥١) و (مسلم) (٨/ ٧١ و ٧٢) و (أبو داود) (٣٦٤٣) و (٤٩٤٦) و (الترمذيّ) (١٤٢٥) و (٢٦٤٦) و (٢٩٤٥) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٣٤ و ٥٠٤٥) و (أبو نعيم) في "الحلية" ٨/ ١١٩ و (القُضاعيّ) (٤٥٨) و (البغويّ) (١٢٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان فضل العلماء، والحثّ على العلم.
٢ - (ومنها): أن هذا الحديث حديث عظيم، جامع لأنواع من العلوم والقواعد، والآداب.
٣ - (ومنها): بيان فضل تنفيس الكربة عن المسلم.
٤ - (ومنها): بيان فضل إنظار المعسر، والتخفيف عنه.
٥ - (ومنها): بيان فضل ستر المسلم، والستر عليه.
٦ - (ومنها): فضل قيام العبد بعون أخيه المسلم، وقضاء حوائجه، ونفعه بما تيسّر، من علم، أو مال، أو معاونة، أو إشارة بمصلحة، أو نصيحة، أو غير ذلك.
٧ - (ومنها): فضل المشي في طلب العلم، والمراد به العلم الشرعيّ، علم الكتاب
стр. 1995
والسنة، كما سبق بيانه في الحديث الأول، ومن شروطه أن يقصد به وجه الله تعالى، وهو وإن كان شرطًا في كل عبادة، لكن عادة العلماء يقيّدون هذه المسألة به؛ لكونه قد يَتساهل فيه بعض الناس، ويغفُل عنه بعض المبتدئين ونحوهم.
٨ - (ومنها): بيان استحباب الرحلة في طلب العلم، وقد ذهب موسى ﵇ في طلب الخضر ﵇ لذلك، فقال له: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، ورحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس ﵁ مسيرة شهر في حديث واحد، كما علّقه البخاريّ ﵀ في "صحيحه" في "باب الخروج في طلب العلم"، وأخرج قصة موسى والخضر ﵉ في ذلك الباب. (ومنها): بيان فضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد.
قال النوويّ ﵀: وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقال مالك: يكره، وتأوله بعض أصحابه، ويُلحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة الاجتماع في مدرسة، ورباط، ونحوهما -إن شاء الله تعالى-، ويدلّ عليه إطلاقه في رواية لمسلم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدريّ ﵄، بلفظ: "لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفهم الملائكة. . . ." الحديث، فإنه مطلق يتناول جميع المواضع، ويكون التقييد في الحديث الأول خرج مخرج الغالب، لاسيما في ذلك الزمان، فلا يكون له مفهوم يُعمل به. انتهى كلام النووي (١).
٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ: فيه ما يدلّ على جواز تعليم القرآن في المساجد، أما للكبار الذين يتحفّظون بالمسجد فلا إشكال فيه، ولا يُختلف فيه، وأما الصغار الذين لا يتحفّظون بالمساجد، فلا يجوز؛ لأنه تعريض للمسجد للقذر والعبث، وقد قال ﷺ : "جنّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم" (٢).
стр. 1996
قال الجامع -عفا الله عنه-: الحديث ضعيف، فلا يصلح حجةً للمسألة، والله تعالى أعلم.
قال: وقد تمسّك بهذا الحديث من يُجيز قراءة القرآن على لسان واحد، كما يُفعل عندنا بالمغرب، وقد كره بعض علمائنا ذلك، ورأوا أنها بدعة؛ إذ لم تكن كذلك قراءة السلف، وإنما الحديث محمول على أن كلّ واحد يدرس لنفسه، أو مع يُصلح عليه، ليستعين به. انتهى (١).
قال الجامع -عفا الله عنه-: القول بالكراهة هو الصواب؛ لأن ذلك ليس من هدي السلف، بل هو مما أحدثه الناس في الأزمان المتأخّرة، والله تعالى المستعان.
١٠ - (ومنها): أن العبرة بالأعمال الصالحات، لا بالنسب الشريف، ولذا ترى أكثر العلماء من السلف والخلف لا أنساب لهم يتفاخرون بها، بل كثير منهم من الموالي، ومع ذلك هم سادات الأمة، وينابيع الحكمة، بينما كثير من ذوي الأنساب العليّة ليسوا كذلك بسبب جهلهم، ولذا قال ﷺ : "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين" (٢)، ويؤيّده قوله ﷺ : "يا فاطمة بنت محمد ﷺ سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا. . . ." الحديث متّفقٌ عليه.
ولبعضهم [من الطويل]:
عَلَيْكَ بتَقْوَى الله في كُلِّ حَالَةٍ ... وَلَا تَترُكِ التَّقوَى اتكالًا عَلَى النَّسَبْ
стр. 1997
فقد رَفعَ الإِسلامُ سلمان فارِسٍ ... وَقَدْ وَضَعَ الْكُفْرُ الشَّرِيف أبا لهَبْ
ولآخر [من الكامل]:
إِنَّا وإِنْ كَرُمت أَوائِلُنَا ... لسنَا عَلَى الأَحسَابِ نَتَّكِلُ
نَبْنِي كَمَا كانَت أَوَائِلُنَا ... تَبْني وَنَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلُوا
ولآخر:
كُنِ ابنَ مَنْ شِئْتَ وَاكْتَسِب أَدَبًا ... يُغنيكَ مَحْمُودُهُ عَن النَّسَبِ
إِنَّ الْفَتَى مَنْ يَقُولُ هَا أنا ذا ... لَيْسَ الفَتَى منْ يَقُولُ كَانَ أَبِي
ولآخر [من البسيط]:
مَا بَالُ نَفْسِكَ تَرضَى أَنْ تُدَنِّسَها ... وَثوبُ جِسمِكَ مَغْسُولٌ مِنَ الدَّنَسِ
تَرجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسلُكْ مَسَالِكَهَا ... إِنَّ السَّفِينة لا تجرِي عَلَى الْيَبَسِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل التي الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٢٦ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يحيَى، حَدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأنا مَعمَرٌ، عَن عَاصِمِ بْنِ أَبِي النُّجُودِ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: أتيْتُ صَفوَانَ بنَ عَسَّالٍ المُرَادِيَّ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟ قُلْت: أُنْبِطُ الْعِلمَ، قالَ: فَإِنِّي سمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُول: "مَا مِن خَارج خَرَجَ مِنْ بَيتهِ في طَلَب الْعِلْمِ، إِلَّا وضَعَتْ لَهُ الملائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا؛ رِضًا بِمَا يَصنَعُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) الذهليّ النيسابوريّ الإمام الحافظ [١١] المذكور قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همام الصنعاني، ثقة حافظ، تغيّر في آخره، ويتشيّع [٩] ٢/ ١٦.
٣ - (مَعْمَرٌ) بن راشد، أبو عروة البصري، ثم اليمني، ثقة ثبت، من كبار [٧] ٢/ ١٦.
стр. 1998
٤ - (عَاصِمُ بْنُ أَبِي النجُودِ) هو ابن بَهْدلة الكوفيّ المقرىء، ثقة يَهِم [٦] ٢٠/ ١٣٨.
٥ - (زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ) الأسديّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقة جليل مخضرم [٢] ١٤/ ١١٤.
٦ - (صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ المرَادِيُّ) الجَمَليّ الصحابيّ المعروف، غزا مع النبي ﷺ ثنتي عشرة غزوة، ورَوَى عنه، وسَكَن الكوفة، ورَوَى عنه زِرّ بن حُبَيش، وعبد الله بن سَلَمَةَ المُرَاديّ، وحُذيفة بن أبي حذيفة، وأبو الْغَرِيف، عُبيد الله بن خَلِيفة، وغيرهم.
أخرج له الترمذيّ، والنسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم ٢٢٦ و ٣٩١ و ٤٧٨ و ٢٨٥٧ و ٣٧٠٥ و ٤٠٧٠، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير الصحابي، وأما عاصم، فأخرج له الشيخان مقرونًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين.
غير شيخه، فنيسابوريّ، وعبد الرزاق، فصنعانيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زِرِّ) بكسر الزاي، وتشديد الراء (ابْنِ حُبَيْشٍ) بضم الحاء المهملة، مصغّرًا، أنه (قَالَ: أتيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ) بفتح العين، وتشديد السين المهملتين (المُرَادِيَّ) أي المنسوب إلى بطن من مَذْحِج، وهو يحابر بن مالك بن أُدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، ومالك بن أُدد هو مَذْحِج. قاله في "اللباب" ٣/ ١٨٨ (فَقَالَ) صفوان ﵁ (مَا) استفهاميّة، أي أيُّ شيء (جَاءَ بِكَ؟) من محلّك، قال زِرّ (قُلْتُ) جئتُ (أُنْبِطُ الْعِلْمَ) أي أستخرجه من صدور العلماء، قال في "القاموس":
стр. 1999
نضبَطَ الماءُ يَنْبطُ -يعني من بابي ضرب، ونصر-: نبَعَ، والْبِئْرَ: استخرجَ ماءَهَا. انتهى (١).
فأفادت عبارته أن نَبَطَ يتعدّى ويلزم، وما هنا من المتعدي، والمراد أنه جاء يطلب العلم، ويستخرجه من صدور العلماء، ويجعله في قلبه، وقال السنديّ: وقال السيوطيّ تبعًا لصاحب "النهاية": أي أستنبطه، أي أُظهره، وأُفشيه في الناس. انتهى. وظاهره أنه خرج يُعلّم الناس، وهو لا يناسب اللفظ، ولا آخر الحديث، فليتأمّل. انتهى كلام السنديّ ﵀ (٢).
قال الجامع -عفا الله عنه-: المعنى الأول هو الأوضح، لكن لما قاله السيوطيّ أيضًا وجه، وذلك أنه يُفشيه ويُظهره للناس بعد أن يتعلّمه، فيكون من باب الحثّ لصفوان ﵁ أن يَعْتَنِي بتعليمه؛ لأنه سيقوم في إفادة الناس، وتعليمهم بعد أن يتعلّم منه. والله تعالى أعلم.
(قَالَ) صفوان ﵁ (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: مَا) نافيةٌ (مِنْ) زائدة للتأكيد، كما قال في "الخلاصة":
وَزِيدَ في نَفِي وَشِبْهِهِ فَجَرْ ... نكرَةً كـ "مَا لِبَاغ مِنْ مَفَرْ"
(خَارِجٍ) مبتدأ مرفوع بضمة مقدّر؛ لأجل حركة حرف الجرّ الزائد، وخبره جملة "إلا وضعت إلخ" (خَرَجَ مِنْ بَيْتهِ في طَلَبِ الْعِلْمِ) أي لأجله، فـ "في" تعليليّة، كما في قوله : ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]، وقوله: ﴿لَمَسَّكُمْ في مَا أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤]، وفي الحديث: "عُذِّبت امرأة في هرّة حبستها حتى ماتت جوعًا. . . ." متّفقٌ عليه، (إِلَّا وَضَعَتْ لَهُ الملائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا؛ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ) هذه الجملة تقدّم شرحها مستوفًى شرح حديث أبي الدرداء ﵁ برقم (٢٢٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 2000
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث صفوان بن عسّال ﵁ هذا صحيح.
[تنبيه]: هذا الحديث روي مطوّلًا، ومختصرًا، وممن ساقه مطولًا الإمام أحمد ﵀، فقال في "مسنده":
(١٧٤٠١) حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا عاصم، سمع زر بن حبيش، قال: أتيت صفوان بن عَسّال المرادي، فقال: ما جاء بك؟ فقلت: ابتغاء العلم، قال: فإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم؛ رضا بما يطلب، قلت: حَكّ في نفسي مسح على الخفين، وقال سفيان مرة: أو في صدري بعد الغائط والبول، وكنت امرأ من أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتيتك: أسألك، هل سمعت منه في ذلك شيئًا؟ قال: نعم كان يأمرنا إذا كنا سَفْرًا، أو مسافرين أن لا نَنْزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم، قال: قلت له هل سمعته يذكر الْهَوَى، قال: نعم بينما نحن معه في مسيرة، إذ ناداه أعرابي بصوت جَهْوَريّ، فقال: يا محمد، فقلنا ويحك، اغضض من صوتك، فإنك قد نُهيت عن ذلك، فقال: والله لا أغضض من صوتي، فقال رسول الله ﷺ : "هاء، وأجابه على نحو من مسألته، وقال سفيان مرة: وأجابه نحوا مما تكلم به، فقال: أرأيت رجلًا أَحَبَّ قومًا، ولمّا يلحق بهم؟ قال: "هو مع من أحب"، قال: ثم لم يزل يحدثنا حتى قال: "إن من قبل المغرب لبابًا مسيرة عرضه سبعون، أو أربعون عامًا، فتحه الله للتوبة، يوم خلق السموات والأرض، ولا يغلقه حتى تطلع الشمس منه.
وفي رواية: وذلك قول الله : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨].
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا (٣٩/ ٢٢٦) بهذا السند، ويعيده بجزء مسح الخفين من طريق ابن عيينة، عن عاصم برقم (٤٧٨)، وأخرجه (الشافعيّ) ١/ ٣٣ و (عبد الرزاق)