← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

قال الجامع -عفا الله عنه-: الحديث ضعيف، فلا يصلح حجةً للمسألة، والله تعالى أعلم. قال: وقد تمسّك بهذا الحديث من يُجيز قراءة القرآن على لسان واحد، كما يُفعل عندنا بالمغرب، وقد كره بعض علمائنا ذلك، ورأوا أنها بدعة؛ إذ لم تكن كذلك قراءة السلف، وإنما الحديث محمول على أن كلّ واحد يدرس لنفسه، أو مع يُصلح عليه، ليستعين به. انتهى (١). قال الجامع -عفا الله عنه-: القول بالكراهة هو الصواب؛ لأن ذلك ليس من هدي السلف، بل هو مما أحدثه الناس في الأزمان المتأخّرة، والله تعالى المستعان. ١٠ - (ومنها): أن العبرة بالأعمال الصالحات، لا بالنسب الشريف، ولذا ترى أكثر العلماء من السلف والخلف لا أنساب لهم يتفاخرون بها، بل كثير منهم من الموالي، ومع ذلك هم سادات الأمة، وينابيع الحكمة، بينما كثير من ذوي الأنساب العليّة ليسوا كذلك بسبب جهلهم، ولذا قال ﷺ : "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين" (٢)، ويؤيّده قوله ﷺ : "يا فاطمة بنت محمد ﷺ سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا. . . ." الحديث متّفقٌ عليه. ولبعضهم [من الطويل]: عَلَيْكَ بتَقْوَى الله في كُلِّ حَالَةٍ ... وَلَا تَترُكِ التَّقوَى اتكالًا عَلَى النَّسَبْ

стр. 1997

فقد رَفعَ الإِسلامُ سلمان فارِسٍ ... وَقَدْ وَضَعَ الْكُفْرُ الشَّرِيف أبا لهَبْ ولآخر [من الكامل]: إِنَّا وإِنْ كَرُمت أَوائِلُنَا ... لسنَا عَلَى الأَحسَابِ نَتَّكِلُ نَبْنِي كَمَا كانَت أَوَائِلُنَا ... تَبْني وَنَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلُوا ولآخر: كُنِ ابنَ مَنْ شِئْتَ وَاكْتَسِب أَدَبًا ... يُغنيكَ مَحْمُودُهُ عَن النَّسَبِ إِنَّ الْفَتَى مَنْ يَقُولُ هَا أنا ذا ... لَيْسَ الفَتَى منْ يَقُولُ كَانَ أَبِي ولآخر [من البسيط]: مَا بَالُ نَفْسِكَ تَرضَى أَنْ تُدَنِّسَها ... وَثوبُ جِسمِكَ مَغْسُولٌ مِنَ الدَّنَسِ تَرجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسلُكْ مَسَالِكَهَا ... إِنَّ السَّفِينة لا تجرِي عَلَى الْيَبَسِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل التي الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٢٦ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يحيَى، حَدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأنا مَعمَرٌ، عَن عَاصِمِ بْنِ أَبِي النُّجُودِ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: أتيْتُ صَفوَانَ بنَ عَسَّالٍ المُرَادِيَّ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟ قُلْت: أُنْبِطُ الْعِلمَ، قالَ: فَإِنِّي سمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُول: "مَا مِن خَارج خَرَجَ مِنْ بَيتهِ في طَلَب الْعِلْمِ، إِلَّا وضَعَتْ لَهُ الملائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا؛ رِضًا بِمَا يَصنَعُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) الذهليّ النيسابوريّ الإمام الحافظ [١١] المذكور قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همام الصنعاني، ثقة حافظ، تغيّر في آخره، ويتشيّع [٩] ٢/ ١٦. ٣ - (مَعْمَرٌ) بن راشد، أبو عروة البصري، ثم اليمني، ثقة ثبت، من كبار [٧] ٢/ ١٦.

стр. 1998

٤ - (عَاصِمُ بْنُ أَبِي النجُودِ) هو ابن بَهْدلة الكوفيّ المقرىء، ثقة يَهِم [٦] ٢٠/ ١٣٨. ٥ - (زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ) الأسديّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقة جليل مخضرم [٢] ١٤/ ١١٤. ٦ - (صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ المرَادِيُّ) الجَمَليّ الصحابيّ المعروف، غزا مع النبي ﷺ ثنتي عشرة غزوة، ورَوَى عنه، وسَكَن الكوفة، ورَوَى عنه زِرّ بن حُبَيش، وعبد الله بن سَلَمَةَ المُرَاديّ، وحُذيفة بن أبي حذيفة، وأبو الْغَرِيف، عُبيد الله بن خَلِيفة، وغيرهم. أخرج له الترمذيّ، والنسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم ٢٢٦ و ٣٩١ و ٤٧٨ و ٢٨٥٧ و ٣٧٠٥ و ٤٠٧٠، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير الصحابي، وأما عاصم، فأخرج له الشيخان مقرونًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين. غير شيخه، فنيسابوريّ، وعبد الرزاق، فصنعانيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ زِرِّ) بكسر الزاي، وتشديد الراء (ابْنِ حُبَيْشٍ) بضم الحاء المهملة، مصغّرًا، أنه (قَالَ: أتيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ) بفتح العين، وتشديد السين المهملتين (المُرَادِيَّ) أي المنسوب إلى بطن من مَذْحِج، وهو يحابر بن مالك بن أُدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، ومالك بن أُدد هو مَذْحِج. قاله في "اللباب" ٣/ ١٨٨ (فَقَالَ) صفوان ﵁ (مَا) استفهاميّة، أي أيُّ شيء (جَاءَ بِكَ؟) من محلّك، قال زِرّ (قُلْتُ) جئتُ (أُنْبِطُ الْعِلْمَ) أي أستخرجه من صدور العلماء، قال في "القاموس":

стр. 1999

نضبَطَ الماءُ يَنْبطُ -يعني من بابي ضرب، ونصر-: نبَعَ، والْبِئْرَ: استخرجَ ماءَهَا. انتهى (١). فأفادت عبارته أن نَبَطَ يتعدّى ويلزم، وما هنا من المتعدي، والمراد أنه جاء يطلب العلم، ويستخرجه من صدور العلماء، ويجعله في قلبه، وقال السنديّ: وقال السيوطيّ تبعًا لصاحب "النهاية": أي أستنبطه، أي أُظهره، وأُفشيه في الناس. انتهى. وظاهره أنه خرج يُعلّم الناس، وهو لا يناسب اللفظ، ولا آخر الحديث، فليتأمّل. انتهى كلام السنديّ ﵀ (٢). قال الجامع -عفا الله عنه-: المعنى الأول هو الأوضح، لكن لما قاله السيوطيّ أيضًا وجه، وذلك أنه يُفشيه ويُظهره للناس بعد أن يتعلّمه، فيكون من باب الحثّ لصفوان ﵁ أن يَعْتَنِي بتعليمه؛ لأنه سيقوم في إفادة الناس، وتعليمهم بعد أن يتعلّم منه. والله تعالى أعلم. (قَالَ) صفوان ﵁ (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: مَا) نافيةٌ (مِنْ) زائدة للتأكيد، كما قال في "الخلاصة": وَزِيدَ في نَفِي وَشِبْهِهِ فَجَرْ ... نكرَةً كـ "مَا لِبَاغ مِنْ مَفَرْ" (خَارِجٍ) مبتدأ مرفوع بضمة مقدّر؛ لأجل حركة حرف الجرّ الزائد، وخبره جملة "إلا وضعت إلخ" (خَرَجَ مِنْ بَيْتهِ في طَلَبِ الْعِلْمِ) أي لأجله، فـ "في" تعليليّة، كما في قوله : ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]، وقوله: ﴿لَمَسَّكُمْ في مَا أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤]، وفي الحديث: "عُذِّبت امرأة في هرّة حبستها حتى ماتت جوعًا. . . ." متّفقٌ عليه، (إِلَّا وَضَعَتْ لَهُ الملائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا؛ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ) هذه الجملة تقدّم شرحها مستوفًى شرح حديث أبي الدرداء ﵁ برقم (٢٢٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 2000

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث صفوان بن عسّال ﵁ هذا صحيح. [تنبيه]: هذا الحديث روي مطوّلًا، ومختصرًا، وممن ساقه مطولًا الإمام أحمد ﵀، فقال في "مسنده": (١٧٤٠١) حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا عاصم، سمع زر بن حبيش، قال: أتيت صفوان بن عَسّال المرادي، فقال: ما جاء بك؟ فقلت: ابتغاء العلم، قال: فإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم؛ رضا بما يطلب، قلت: حَكّ في نفسي مسح على الخفين، وقال سفيان مرة: أو في صدري بعد الغائط والبول، وكنت امرأ من أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتيتك: أسألك، هل سمعت منه في ذلك شيئًا؟ قال: نعم كان يأمرنا إذا كنا سَفْرًا، أو مسافرين أن لا نَنْزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم، قال: قلت له هل سمعته يذكر الْهَوَى، قال: نعم بينما نحن معه في مسيرة، إذ ناداه أعرابي بصوت جَهْوَريّ، فقال: يا محمد، فقلنا ويحك، اغضض من صوتك، فإنك قد نُهيت عن ذلك، فقال: والله لا أغضض من صوتي، فقال رسول الله ﷺ : "هاء، وأجابه على نحو من مسألته، وقال سفيان مرة: وأجابه نحوا مما تكلم به، فقال: أرأيت رجلًا أَحَبَّ قومًا، ولمّا يلحق بهم؟ قال: "هو مع من أحب"، قال: ثم لم يزل يحدثنا حتى قال: "إن من قبل المغرب لبابًا مسيرة عرضه سبعون، أو أربعون عامًا، فتحه الله للتوبة، يوم خلق السموات والأرض، ولا يغلقه حتى تطلع الشمس منه. وفي رواية: وذلك قول الله : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا (٣٩/ ٢٢٦) بهذا السند، ويعيده بجزء مسح الخفين من طريق ابن عيينة، عن عاصم برقم (٤٧٨)، وأخرجه (الشافعيّ) ١/ ٣٣ و (عبد الرزاق)

стр. 2001

(٧٩٢ و ٧٩٣ و ٧٩٥) و (ابن أبي شيبة) ١/ ١٧٧ و ١٧٨ و (الحميديّ) في "مسنده" (٨٨١) و (أحمد) في "مسنده" ٤/ ٢٣٩ و ٢٤٠ و ٢٤١ و (الدارميّ) في "سننه" (٣٦٣) و (الترمذيّ) (٩٦ و ٢٣٨٧ و ٣٥٣٥ و ٣٥٣٦) و (النسائي) (١/ ٨٣ و ٩٨) وفي "الكبرى" (١٣١ و ١٤٣ و ١٤٤) و (ابن خزيمة) (١٧ و ١٩٣ و ١٩٦) و (ابن حبّان) (١١٠٠) و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" ١/ ٨٢ و (الطبراني) (٧٣٥٣) و (البيهقيّ) في "الكبرى" ١/ ٢٧٦ و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦١). (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان فضل العلماء، والحثّ على طلب العلم. ٢ - (ومنها): بيان الخروج في طلب العلم. ٣ - (ومنها): بيان محبّة الملائكة لطالب العلم، وبسط أجنحتها له؛ رضًا بصنيعه. ٤ - (ومنها): بيان شرف الآدميّ المطيع لربّه، حيث تخضع له الملائكة الكرام، وتحفّه بأجنحتها، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٢٧ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِي شَيْبةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ صَخْرٍ، عَنْ المقْبُرِيِّ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: "مَن جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا، لَمْ يَأْتِهِ إِلَّا لخيْرٍ يَتَعَلَّمُهُ، أَوْ يُعَلِّمُهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ المُجَاهِدِ في سبِيلِ اللَّه، وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْره"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أبو بَكْرِ بن أَبِي شَيبةَ) المذكور قريبًا. ٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسماعِيلَ) الحارثي، أبو إسماعيل المدني، كوفيّ الأصل، صدوقٌ،

стр. 2002

صحيح الكتاب [٨] ١٧/ ١٣٠. ٣ - (حُمَيْدُ بْنُ صَخْرٍ) هو: حُميد بن زياد، أبو صخر بن أبي المخارق الخْرّاط، صاحب الْعَبَاء، مدنيّ سكن مصر، ويقال: هو حميد بن صخر، أبو مودود الخرّاط، وقيل: هما اثنان، صدوقٌ يَهِمُ [٦]. رأى سهل بن سعد، وروى عن أبي صالح السمان، وأبي حازم سلمة بن دينار، ونافع مولى ابن عمر، وكريب، ومكحول، وأبي سعيد المقبريّ، ويزيد بن قسيط، وشريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، وسعيد المقبريّ، وغيرهم. ورَوَى عنه سعيد بن أبي أيوب، وحَيْوَة بن شُريح، وابن وهب، ويحيى القطان، وضمام بن إسماعيل، وحاتم بن إسماعيل، وغيرهم. قال أحمد: ليس به بأس. وقال عثمان الدارمي عن يحيى: ليس به بأس. وقال إسحاق بن منصور، وابن أبي مريم عن يحيى: ضعيف، وكذا قال النسائي. وقال ابن عدي -بعد أن روى له ثلاثة أحاديث-: وهو عندي صالح، وإنما أُنكِر عليه هذان الحديثان: "المؤمن يألف"، وفي القدرية، وسائر حديثه أرجو أن يكون مستقيمًا، ثم قال في موضع آخر: حميد بن صخر، وعنه حاتم بن إسماعيل، ضعفه النسائي، وأخرج له ابن عدي غير تلك الأحاديث، وقال: وله أحاديث، وبعضها لا يتابع عليه. وكذا فرق بينهما ابن حبان، وبَيَّن البغوي في "كتاب الصحابة" أن حاتم بن إسماعيل وَهِمَ في قوله: حميد بن صخر، وإنما هو حميد بن زياد، أبو صخر، وهو مدني صالح الحديث، وقال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو إسحاق الصريفيني: مات سنة (٨٩) وقيل: سنة (١٩٢)، قال الحافظ: رأيت ذلك بخط مغلطاي، وفيه نظر. انتهى (١).

стр. 2003

أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي في "مسند علي ﵁"، والمصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم ٢٢٧ و ١٤٨٩ و ٣٨٤٠ و ٤٠٦١. ٤ - (المقْبُرِيُّ) سعيد بن أبي سعيد كيسان المدنيّ الثقة المذكور في الباب الماضي. ٥ - (أبو هُرَيْرَةَ) ﵁، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: "مَنْ جَاءَ مَسْجدِي هَذَا) أراد المسجد النبويّ، وتخصيصه بالذكر إما لخصوص هذا الحكم به، أو لأنه كان محلا للكلام حينئذ، وحكم سائر المساجد كحكمه. قاله السنديّ (١). قال الجامع -عفا الله عنه-: يؤيّد الإطلاق حديث أبي أمامة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلّم خيرًا، أو يُعلّمه، كان له أجر معتمر تامّ العمرة، فمن راح إلى المسجد لا يريد إلا ليتعلّم خيرًا، أو يعلّمه، فله أجر حاجّ تامّ الحجة". رواه الحاكم، وصححه، ووافقه الذهبيّ. والله تعالى أعلم. (لم يَأْتِهِ إِلَّا لخيْرٍ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه غير آتٍ إلا لأجل خير (يَتَعَلَّمُهُ) من غيره (أَوْ يُعَلِّمُهُ) لغيره. قال السنديّ: والكلام فيمن لم يأت للصلاة، وإلا فالإتيان لها في الأصل هو المطلوب في المساجد انتهى (٢) (فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ المُجَاهِدِ في سَبِيلِ اللَّه) وجه مشابهة طلب العلم بالجهاد في سبيل الله أنه إحياء للدين، وإذلال للشيطان، وإتعابٌ للنفس، وكسر ذُرى اللذّة، كيف وقد أُبيحِ له التخلّف عن الجهاد، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ الآية [التوبة: ١٢٢] (وَمَن جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ) أي ممن لم

стр. 2004

يأت للصلاة كما تقدّم (فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غيره") أي بمنزلة من دخل السوق، لا يبيع ولا يشتري، بل ينظر إلى أمتعة الناس، فهل يحصل له بذلك فائدة؟ فكذلك هذا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا أعله الدارقطني، وصححه الشيخ الألباني، وقال البوصيريّ ﵀: هذا إسناد صحيح، احتجّ مسلم بجميع رواته، رواه الحاكم في "المستدرك" من طريق حميد بن صخر، وقال: هذا حديث صحيحٌ على شرط الشيخين، فقد احتجّا بجميع رواته، ثم لم يخرجاه، قال: ولا أعلم له علّة. قال البوصيريّ: قد أعله الدارقطنيّ في "علله" بأنه اختلف فيه على سعيد المقبريّ، فرواه حميد عنه هكذا، وخالفه عبيد الله بن عمر، فرواه عن المقبريّ، عن عمر ابن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن كعب الأحبار قولَه، ورواه ابن عجلان عن المقبري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن كعب قولَه، وقول عبيد الله بن عمر أشبه بالصواب. وقول الحاكم: إن الشيخين احتجّا بجميع رواته فيه نظرٌ، فلم يحتجّ البخاري بحميد، ولا أخرج له في "صحيحه"، وإنما روى له في "كتاب الأدب المفرد" حديثين، نعم أخرج له مسلم في "صحيحه". رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر في "مسنده" عن المقبريّ، عن حيوة، عن أبي صخر حميد بن صخر به، وأبو يعلى الموصليّ، ثثا أبو بكر بن أبي شيبة، فذكره. انتهى كلام البوصيريّ -رحمه الله تعالى- (١).

стр. 2005

قال الجامع -عفا الله عنه-: الحديث صحيح إن سَلِمَ مما أعله به الدارقطنيّ، فإنه إعلال قويّ. وقد أخرج له الحاكم شاهدًا من طريق ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي أُمامة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلّم خيرًا، أو يُعلّمه، كان له أجر معتمر تامّ العمرة، فمن راح إلى المسجد لا يريد إلا ليتعلّم خيرًا، أو يعلّمه، فله أجر حاجّ تامّ الحجة". قال: وقد احتجّ البخاريّ بثور بن يزيد في الأصول، وخرج له مسلم في الشواهد، ووافقه الذهبيّ على شرط البخاريّ، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا (٣٩/ ٢٢٧) بهذا السند، ولم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ٢٠٩) و (أحمد) في "مسنده" ٢/ ٣٥٠ و ٤١٨ و ٥٢٧ و (ابن حبان) في "صحيحه" (٨٧) و (الطبراني) (٥٩١١) و (الحاكم) في "مستدركه" ١/ ٩١، وأخرجه أيضًا من حديث أبي أمامة ﵁ ١/ ٩١، كما أسلفته آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ أول الكتاب قال: ٢٢٨ - (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّار، حَدثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدثَنَا عُثمانُ بْنُ أبِي عَاتِكَةَ، عَنْ عِليِّ بْنِ يَزِيدَ، عَن القَاسِمِ، عَن أَبِي أُمَامَةَ، قَال: قَالَ رسُولُ اللَّه ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَبضُهُ أنْ يُرْفَعَ -وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ الْوُسْطَى والتي تَلِي الإبْهَامَ- هَكَذا"، ثُمَّ قَال: "الْعَالم وَالمتعَلِّمُ شرِيكَانِ في الْأَجْر، وَلَا خَير في سَائِرِ النَّاسِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هِشام بن عمَّار) الدمشقي المذكور قريبًا. ٢ - (صَدَقَةَ بْنُ خَالِدٍ) الأمويّ، أبو العباس الدمشقي، ثقة [٨] ٣٥/ ١٩٩.

стр. 2006

٣ - (عُثمانُ بْنُ أَبِي عَاتِكَةَ) واسمه سليمان الأزديّ، أبو حفص الدمشقيّ القاصّ، ضعّفوه في روايته عن عليّ بن يزيد الألهانيّ [٧]. رَوَى عن خالد بن اللجلاج، وسليمان بن حبيب، وعلي بن يزيد الألهاني، وغيرهم. ورَوَى عنه الوليد بن مسلم، وصدقة بن خالد، ومحمد بن شعيب بن شابور، وغيرهم. قال الدُّوري عن ابن معين: ليس بالقوي، وقال في موضع آخر: ليس بشيء، وكذا قال الغلابي، وابن الجنيد، وعثمان الدارمي عن ابن معين، وزاد الغلابي عنه: أحاديثُهُ أصح من أحاديث عبيد الله بن زَحْر. وقال الجوزجاني: رأيت يحيى بن معين لا يحمل حديثه. وقال عثمان الدارمي: سمعت دُحيما يُثني عليه، وينسبه إلى الصدق. وقال ميمون بن الأصبغ عن أبي مسهر: كان قاصّا، فإن كان وَهَمٌ فمنه. وقال إسحاق بن سيار عن أبي مسهر: ضعيف الحديث. وقال إسحاق: وهو كما قال. وقال أبو حاتم عن دُحيم: لا بأس به، كان قاصَّ الجند، ولم ينكر حديثه عن غير علي بن يزيد، والأمر من علي بن يزيد. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا بأس به، بليّتُهُ من كثرة روايته عن علي بن يزيد، فأما روايته عن غير علي فهو مقاربٌ يُكتَب حديثه. وقال أبو زرعة الدمشقي: شيخان معناهما واحد: عثمان بن أبي العاتكة، ومُعَان بن رِفاعة، وأخبرني دُحيم أن معانا أرفعهما. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف الحديث. وقال أبو داود: صالح. وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال في موضع آخر: ضعيف. وقال ابن عدي: مع ضعفه يكتب حديثه. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال دُحَيم: مات سنة نيف وأربعين ومائتين. وقال أبو زرعة الدمشقي: حدثني محمد بن العلاء، شيخ قديم، قال: وُلِّينا الفضلَ بن صالح سنة (١٧٤) سبع سنين ومات عثمان بن أبي العاتكة، وهو علينا. وقال خليفة: مات سنة (١٥٥)، وكان ثقة كثير الحديث.

стр. 2007

وقال ابن عدي: ثنا جعفر بن أحمد بن عاصم، عن هشام بن عمار، عن صدقة بن خالد، عن عثمان، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة بثلاثين حديثًا، عامتها ليست مستقيمة، وفيها أَرَّخه ابن قانع، وابنُ سعد عن الواقدي، وقال: كان ثقة في الحديث. وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة ثنتين وخمسين. وقال العجلي: لا بأس به. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم ٢٢٨ و ٢٨٩ و ١٨٥٧ و ٣٦٦٢ و ٤٠٩٠. ٤ - (عَليُّ بْنُ يَزِيدَ) بن أبي هلال الألهانيّ، ويقال: الْهِلاليّ، أبو عبد الملك، ويقال: أبو الحسن الدمشقيّ، صاحب القاسم بن عبد الرحمن، ضعيف [٦]. رَوَى عن القاسم بن عبد الرحمن، صاحب أبي أمامة نسخة كبيرةً، وعن مكحول الشامي. ورَوَى عنه عبيد الله بن زَحْر، وعثمان بن أبي العاتكة، والوليد بن سليمان بن أبي السائب، ومُعان بن رِفاعة السلمي، وغيرهم. قال حرب عن أحمد: هو دمشقي، كأنه ضعفه، قال: وقال محمد بن عمر: قال يحيى بن معين: علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة ضعاف كلها. وقال يعقوب: علي بن يزيد واهي الحديث، كثير المنكرات. وقال الغلابيّ عن ابن معين: أحاديث عبيد الله بن زَحْر عن عليّ بن يزيد ضعيفة. وقال محمد بن يزيد المستملي عن أبي مسهر: ما أعلم إلا خيرًا. وقال الجوزجاني: رأيتُ غير واحد من الأئمة ينكر أحاديثه التي يرويها عنه عبيد الله بن زَحْر، وابن أبي العاتكة، ثم رأيت جعفر بن الزبير، وبشر بن نمير يرويان عن القاسم أحاديث تشبه تلك الأحاديث، وكان القاسم خيارًا فاضلًا، ممن أدرك أربعين من المهاجرين والأنصار، وأظنهما أُتيا من قِبَل علي بن يزيد، على أن بشر ابن نمير، وجعفر بن الزبير ليسا بحجة. وقال أبو زرعة الرازي: ليس بالقوي. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال. ضعيف الحديث، أحاديثه منكرة.

стр. 2008

وقال محمد بن إبراهيم الكناني الأصبهاني: قلتُ لأبي حاتم: ما تقول في أحاديث في ابن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة؟ قال: ليست بالقوية، هي ضعاف. وقال البخاري: منكر الحديث، ضعيف. وقال الترمذي، والحسن بن علي الطوسى: يُضَعَّف في الحديث، وفي موضع آخر: قد تكلم بعض أهل العلم في علي بن يزيد، وضعفه. وقال النسائي: ليس بثقة، وقال في موضع آخر: متروك الحديث. وقال ابن يونس: فيه نظر. وقال الأزدي، والدارقطني، والبرقيّ: متروك. وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث. وقال ابن عدي: ولعلي بن يزيد أحاديثُ ونُسَخٌ، ولعبيد الله بن زَحْر عنه أحاديث، وهو في نفسه صالح، إلا أن يَروي عنه ضعيف، فيؤتى من قِبَل ذلك الضعيف. وقال الساجي: اتفق أهل العلم على ضعفه. وقال أبو نعيم الأصبهاني: منكر الحديث. وذكره البخاري في "الأوسط" فيمن مات في العشر الثاني بعد المائة. تقرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم ٢٢٨ و ٢٤٥ و ٢٨٩ و ٢٩٩ و ١٨٥٧ و ٣٦٦٢ و ٣٩٥٤. ٥ - (الْقَاسِمُ) بن عبد الرحمن، أبو عبد الرحمن الدمشقيّ، مولى آل أبي سفيان بن حَرْب الأمويّ، صاحب أبي أُمامة، صدوق يرسل كثيرًا [٣]. روى عن علي، وابن مسعود، وتميم الداري، وعدي بن حاتم، وعقبة بن عامر، ومعاوية، وأبي أيوب، وأبي أمامة، وعمرو بن عبسة، وعنبسة بن أبي سفيان، وغير واحد، وقيل: لم يسمع من أحد من الصحابة إلا من أبي أمامة. ورَوَى عنه علي بن يزيد الألهاني، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، والوليد بن جَمِيل، ويحيى بن الحارث الذماري، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وغيرهم. قال ابن سعد: له حديث كثير، قال بعض الشاميين: إنه أدرك أربعين بدريّا، وقال الدوري عن ابن معين: ليس في الدنيا القاسم بن عبد الرحمن شاميّ غير هذا. وقال البخاري: سمع عليًّا، وابن مسعود، وأبا أمامة، روَى عنه العلاء بن الحارث،

стр. 2009

وابن جابر، وكثير بن الحارث، ويحيى بن الحارث، وسليمان بن عبد الرحمن أحاديث مقاربة، وأما من يُتكَلَّم فيه مثل جعفر بن الزبير، وبشر بن نمير، وعلي بن يزيد، وغيرهم، ففي حديثهم عنه مناكير واضطراب. وقال أبو حاتم: روايته عن علي، وابن مسعود، وعائشة مرسلة. وقال الأثرم: سمعت أحمد، وذُكر له حديثٌ عن القاسم الشاميّ، عن أبي أمامة، فأنكره، وحَمَل على القاسم، وقال يروي عنه علي بن يزيد أعاجيب، وتكلم فيها، وقال: ما أرى هذا إلا من قِبَل القاسم، قال أحمد: وإنما ذهبت رواية جعفر بن الزبير؛ لأنه إنما كانت روايته عن القاسم، قال أحمد: لمّا حَدّث بشر بن نمير عن القاسم، قال شعبة ألحقوه به. وقال جعفر بن محمد بن أبان الحراني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما أرى البلاء إلا من القاسم. وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: القاسم ثقة، والثقات يروون عنه هذه الأحاديث، ولا يرفعونها، ثم قال: يجيء من المشايخ الضعفاء ما يدل حديثهم على ضعفهم، وقال ابن معين في موضع آخر: إذا رَوى عنه الثقات أرسلوا ما رفع هؤلاء. وقال العجلي: ثقة يُكتب حديثه، وليس بالقوي. وقال يعقوب بن سفيان، والترمذي: ثقة. وقال الجوزجاني: كان خيارًا فاضلًا، أدرك أربعين رجلا من المهاجرين والأنصار. وقال أبو حاتم: حديث الثقات عنه مستقيم، لا بأس به، وإنما يُنكر عنه الضعفاء. وقال الغلابي: منكر الحديث. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، وقال في موضع آخر: قد اختلف الناس فيه. وقال البخاري: قال أبو مسهر: حدثني صدقة بن خالد، حدثثا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: ما رأيت أحدًا أفضل من القاسم، كنا بالقسطنطينية، فكان الناس يرزقون رغيفين رغيفين في كل يوم، فكان يتصدق برغيف، ويصوم، ويفطر على رغيف. وقال ابن حبان: كان يروي عن الصحابة المعضلات. وقال أبو إسحاق الحربي:

стр. 2010

كان من ثقات المسلمين. قال ابن سعد وغيره: مات سنة اثنتي عشرة ومائة، ويقال: سنة ثماني عشرة. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا. ٦ - (أبو أُمَامَةَ) صُديّ بن عجلان الباهليّ الصحابيّ المشهور ﵁ ٧/ ٤٨. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) صُدَيّ بن عَجْلان الباهليّ ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعِلْمِ) الإشارة إلى علم الدين، علم الكتاب والسنّة الذي بُعث به النبيّ الكريم ﷺ ، وقام بنشره، وأمر بتبليغه، فإنه العلم الذي له الفضل العظيم، والثواب الجسيم، وأما علم الدنيا، فإنه إن أراد به صاحبه وجه الله، فهو خير كسائر الخيرات، يؤجر عليه أجر أيّ خير، وليس له فضل العلم النبويّ، وقد سبق بيان هذا مستوفًى، فلا تغفل (قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ) أي يؤخذ من الناس، ثم فسّر قبضه بقوله: (وَقَبْضُهُ أَنْ يُرْفَعَ) بالبناء للمفعول، أي يرفع من بين الناس، بموت أهله، لا أنه يمسح من صدورهم، كما بين ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتخذ الناس رءوسًا جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا"، متّفق عليه. وفي رواية: "إن الله لا يَنْزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم. . . ." الحديث. قال في "الفتح": وكان تحديث النبيّ ﷺ بذلك في حجة الوداع، كما رواه أحمد، والطبرانيّ من حديث أبي أُمامة ﵁ قال: لمّا كان في حجة الوداع قال النبيّ ﷺ : "خُذُوا العلم قبل أَنْ يُقبض، أو يُرفع"، فقال أعرابيّ: كيف يُرفع؟ فقال: "ألا إن ذهاب العلم ذهاب حَمَلَته" ثلاث مرّات.

стр. 2011

قال ابن المنيّر: محو العلم من الصدور جائز في القدرة، إلا أن هذا الحديث دلّ على عدم وقوعه. انتهى (١). (وَجَمَعَ) النبي ﷺ إشارةً إلى قرب أوان القبض؛ لما بينهما من الاتصال، أو جمع يشير بهما إلى كيفيّة الرفع إلى السماء بأن أشار بهما إلى جهة العلو. قاله السنديّ (٢) (بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ) بكسر الهمزة، مع فتح الموحّدة، أفصح لغاتها العشر، وقد تقدّمت (الْوُسْطَى) بضم، فسكون: تأنيث الأوسط (وَالتِي تَلي الْإِبْهَامَ هَكَذَا) أشار به الراوي إلى كيفية الجمع (ثُمَّ قَالَ) ﷺ (الْعَالمُ وَالمتعَلِّمُ شَرِيكَانِ في الْأَجْرِ) لكون كلّ منهما ممن أراد الله به خيرًا، حيث يسّر له العلم، هذا بنشره بين الناس، وهذا بطلبه حتى يهتدي به، ويهدي به الناس (وَلَا خَيْرَ في سَائِرِ الناسِ) أي الذين لا يشتغلون بالعلم، نشرًا أو طلبًا، والمراد بالخير خير خاصٌّ، وهو الذي سبق أنه يناله العلماء بسبب العلم، وأما مطلق الخير الذي يناله أَيُّ مؤمن بإيمانه، وعمله الصالح فلا يراد هنا، فتنبّه. قال السنديّ ﵀: هو مثل قوله ﷺ : "من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدين"، فأشار إلى أن طالب الفقه كالفقيه، ومن لا فقه له، ولا طلب فلا خير له؛ لتنزيل الحرمان عن خير الفقه منزلة الحرمان عن مطلق الخير. انتهى (٣). وقال بعضهم: قوله: "ولا خير" أي كامل "في سائر الناس"، أي في باقي الناس بعد العالم والمتعلّم، وذلك لأن الخير كله في العلم وأهله، فمن لم يحصّله مع قدرته على تحصيله فلا خير فيه، بل لا يُعدّ من الناس، ولأن الخاصيّة التي يتميّز بها الإنسان عن سائر البهائم هو العلم والعمل، فالإنسان إنسان بما هو شريف لأجله، وليس ذلك الشرف بقوّة شخصه، فإن الجمل الذي ضُرب به المثل في عجيب خلقه أقوى منه، ولا

стр. 2012

بكبر جثّته، فإن الفيل أعظم منه جثة، ولا بشجاعته وقوّته، فإن الأسد أشجع منه وأقوى، ولا لأكله كثيرًا، فإن الجمل أوسع منه بطنًا، وأكثر أكلا، ولا ليجامع النساء، فإن أخس العصافير أقوى على السفاد منه، بل لم يُخلق إلا للعلم والعمل، قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فبهذه الخاصيّة الخاصّة يتميّز عن غيره من البهائم، فإذا عَدم العلم بقي معه القدر المشترك بينه وبين سائر البهائم، وهي الحيوانيّة المحضة، فلا يبقى فيه فضل عليهم، بل قد يبقى شرًّا منهم، كما قال تعالى في هذا الصنف من الناس: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقال ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]، فهؤلاء هم الجهال الذين لم يحصل لهم حقيقة الإنسانيّة التي يتميّز بها صاحبها عن سائر الحيوانات، قال بعضهم: ليت شعري أي خير أدرك من فاته العلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع -عفا الله عنه-: حديث أبي أُمامة ﵁ هذا تفرّد به المصنّف، وهو حديث ضعيف؛ لضعف علي بن يزيد الألهانيّ، فالجمهور على تضعيفه، بل قال بعضهم: منكر الحديث، وقال بعضهم: متروك الحديث، كما سبق في ترجمته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٢٩ - (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَال الصَّوَّافُ، حَدَّثنَا دَاوُد بن الزِّبْرِقَان، عَنْ بَكْرِ بْنِ خُنَيسٍ، عن عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَاد، عَن عَبْدِ الله بْنِ يَزيد، عَنْ عَبد الله بنِ عَمْرو، قَالَ: خَرجَ رسُولُ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، مِنْ بَعْض حُجَرِهِ، فَدَخَلَ المسْجِدَ، فإِذَا هُوَ بِحَلقَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ، وَيَدْعُونَ الله، وَالْأُخْرَى يَتعَلَّمون وَيُعَلَّمُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "كلٌّ عَلَى خَيرٍ، هَؤُلَاءِ يَقرَءون الْقرْآنَ، وَيَدعُونَ الله، فَإِن شَاءَ أَعْطَاهُمْ، وَإِنْ شاءَ

стр. 2013

منعهُم، وَهَؤُلَاءِ يَتَعَلَّمونَ، وإنما بُعِثت مُعَلِّما، فجلَسَ مَعَهم"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (بِشْر بن هلَالٍ الصوَّافُ) أبو محمد النُّمَيريِّ -بضم النون، مصغّرا- ثقة [١٠]. رَوَىَ عن جعفر بن سليمان، وعبد الوارث بن سعيد، ويزيد بن زريع، ويحيى القطان، وغيرهم. ورَوَى عنه الجماعة، إلا البخاري، وإسحاق الكَوسج، وبقِي بن مخلد، وحرب الكرماني، وابن خزيمة، وأبو حاتم، وقال: محله الصدق، وكان أيقظ من بشر بن معاذ. وقال ابن حبان في "الثقات": يُغْرِب. ووثقه النسائي في "أسماء شيوخه"، وأبو علي الجياني في "أسماء شيوخ أبو داود". وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (٢٤٧). وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا. ٢ - (دَاوُد بْنُ الزِّبْرقَانِ) الرقاشي، أبو عمرو، وقيل: أبو عمر البصري، نزيل بغداد، متروك، [٨]. رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وأَيوب، وإسماعيل بن مسلم، وبكر بن خنيس، وداود بن أبي هند، وغيرهم. ورَوى عنه سعيد بن أبي عروبة، وشعبة بن الحجاج، وبقية بن الوليد، وأبو صالح المصري، وبشر بن هلال الصواف، وعلي بن حجر المروزي وغيرهم. قال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن المديني: كتبت عنه شيئًا يسيرًا، ورميت به، وضعفه جدّا. وقال الجوزجاني: كذاب. وقال يعقوب بن شيبة، وأبو زرعة: متروك. وقال البخاري: مقارب الحديث. وقال أبو داود: ضعيف، وقال مرة: ليس بشيء، وقال أيضًا: تُرِك حديثه. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه عن كل من رَوَى عنه مما لا يُتابعه عليه أحد، وهو في جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم. وقال ابن خِرَاش، ويعقوب بن سفيان، والساجي، والعجلي: ضعيف الحديث. وقال

стр. 2014

الأزديّ: متروك. وقال ابن حبان: كان نَخّاسا بالبصرة، اختَلَف فيه الشيخان: أما أحمد فحسن القول فيه، ويحيى وَهّاه، قال: وكان داود صالحًا يحفظ، ويذاكر، ولكنه كان يَهِمُ في المذاكرة، ويَغْلَط في الرواية إذا حدّث من حفظه، ويأتي عن الثقات بما ليس من أحاديثهم، إلى أن قال: وداود عندي صدوق فيما وافق الثقات، إلا أنه لا يُحتج به إذا انفرد. وقال البزار: منكر الحديث جدّا، قال الحافظ: قرأت بخط الذهبي: مات سنة نيف وثمانين ومائة. تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٣ - (بَكْرُ بْنُ خُنَيْسٍ) -بالخاء المعجمة، والنون، آخره سين مهملةٌ، مصغّرًا- الكوفيّ العابد، نزيل بغداد، صدوق، له أغلاط [٧]. رَوَى عن ثابت، وليث بن أبي سُليم، وعبد الرحمن بن زياد، ومحمد بن سعيد الشامي، وإسماعيل بن أبي خالد، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو النضر، ووكيع، وإبراهيم بن طهمان، وداود بن الزِّبْرِقان، وآدم بن أبي إياس، وحجاج الأعور، وعلي بن الجعد، وغيرهم. قال ابن أبي مريم عن يحيى بن معين: صالح لا بأس به، إلا أنه يَروي عن ضعفاء، ويُكتب من حديثه الرِّقاق، وقال عبّاس وغيره عنه: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: سألت ابن المديني عنه، فقال للحديث رجال. وقال ابن عمار الموصلي: ليس بمتروك، وهو شيخ، صاحب غزو. وقال أحمد بن صالح المصري، وابن خراش، والدارقطني: متروك. وقال عمرو بن علي، ويعقوب بن شيبة، والنسائي: ضعيف، زاد يعقوب: وكان يوصف بالزهد والعبادة. وقال النسائي أيضًا: ليس بالقوي. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كان رجلًا صالحًا غَزّاءً، وليس بقوي في الحديث، قلت: هو متروك الحديث؟ قال: لا يبلغ الترك. وقال أبو داود: ليس بشيء. وذكره يعقوب بن سفيان في "بابُ من يُرْغَبُ عن الرواية عنهم".

стр. 2015

وقال الجوزجاني: كان يَروِي كل منكر، وكان لا بأس به في نفسه. وقال ابن عدي: وهو ممن يُكتب حديثه، ويحدث بأحاديث مناكير عن قوم لا بأس بهم، وهو في نفسه رجل صالح، إلا أن الصالحين يُشَبَّه عليهم الحديث، وربما حدثوا بالتوهم، وحديثه في جملة الضعفاء، وليس ممن يُحتج بحديثه. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال عبد الله بن علي بن المديني: سألت أبي عنه؟ فضعفه. وقال أبو زرعة: ذاهب الحديث. وقال العقيليّ: ضعيف. وقال البزار: ليس بقوي. وقال ابن حبان: رَوَى عن البصريين والكوفيين أشياء موضوعة، يسبق إلى القلب أنه المُتَعَمِّدُ لها. وقال ابن أبي شيبة: ضعيف الحديث، وهو موصوف بالرواية والزهد. وأَرَّخه الذهبي في حدود السبعين ومائة. تفرد به الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيادٍ) بن أنعُم الإفريقيّ، قاضيها، ضعيف في حفظه [٧] ٨/ ٥٤. ٥ - (عَبْدُ اللَّه بْنُ يَزِيدَ) المعافريّ، أبو عبد الرحمن الحُبُليّ -بضم المهملة، والموحّدة- المصريّ، ثقة [٣]. رَوَى عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعقبة بن عامر، وأبي ذر، وفَضالة بن عبيد، وعُمارة بن شَبيب، وأبي أيوب الأنصاري، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو هانئ حميد بن هانئ، وشُرَحبيل بن شَريك، وعقبة بن مسلم، وعبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم، وربيعة بن سيف، ويزيد بن عَمْرو المُعَافري، وغيرهم. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال ابن يونس: يقال: تُوُفّي بإفريقية سنة مائة، وكان صالِحًا فاضلًا. وقال ابن سعد، والعجلي: ثقة، وقال ابن خلفون: يقال: إنه تُوُفّي بقرطبة. وقال أبو بكر المالكي في "تاريخ القيروان": بعثه عمر بن عبد العزيز إلى إفريقية؛ لِيُفَقِّههم، فَبَثَّ فيها علمًا كثيرًا، ومات بها، ودُفِن بباب تونس. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب تسعة

стр. 2016

أحاديث، برقم ٢٢٩ و ٤٢٥ و ٤٤٦ و ١٦١٤ و ١٨٥٥ و ١٨٥٩ و ٢٧٨٥ و ٤١٣٨ و ٤٣٠٠. ٦ - (عَبْدُ الله بن عَمْرٍو) بن العاص ﵄ ٨/ ٥٢. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الله بن عَمرٍو) بن العاص ﵄ أنه (قَالَ: خَرجَ رسول الله ﷺ ذَاتَ يَومٍ) أي يومًا من الأيام (مِن بَعْضِ حُجَرِهِ) بضم، ففتح: جمع حُجرة، بضم، فسكون: البيت، ويجمع أيضًا على حُجُراتٍ، مثلُ غرفة وغُرَف وغُرُفَات (فَدَخَلَ المسجِدَ) النبويّ (فَإِذَا هُوَ بِحَلْقَتَيْنِ) أي بجماعتين مجتمعتين مستديرتين، فـ "إذا" هي الفُجائيّة، أي ففاجأه وجود حلقتين، تثنية حَلْقة بفتح، فسكون، على المشهور. قال الفيّوميّ: حَلْقَةُ الباب بالسكون من حديد وغيره، وحَلقَةُ القوم الذين يجتمعون مُستديرين، والحَلْقَةُ السلاح كلّه، والجمع حَلَقٌ بفتحتين على غير قياس، وقال الأصمعيّ: والجمعُ حِلَقٌ بالكسر، مثلُ قَصْعَةٍ وقِصَعٍ، وبَدْرَةٍ وبِدَرٍ، وحَكى يونس عن أبي عمرو بن العلاء أن الحَلَقَةَ بالفتح لغة في السكون، وعلى هذا فالجمع بحذف الهاء قياس، مثلُ قَصَبَةٍ وقَصَبٍ. انتهى (١). (إِحدَاهُمَا) أي إحدى الحلقتين (يَقْرَءُون القرْآنَ، وَيَدعون اللَّه) أي يطلبون منه تعالى أن يقضي حوائجهم (وَالْأُخْرى) أي الحلقة الثانية (يَتعَلَّمونَ) أمور دينهم (وَيُعَلِّمُونَ) الناس، أي بعضهم طلاب العلم، وبعضهم علماء يفيدون الناس (فَقَالَ النبِيُّ ﷺ : كُلٌّ) بتنوين العوض، أي كل الحلقتين (عَلَى خيْرٍ) التنوين للتعظيم، أي على خير عظيم (هَؤُلَاءِ) مشيرًا إلى إحدى الحلقتين (يَقْرَءُونَ الْقُرآن، وَيَدْعُونَ اللَّه) تعالى (فَإِنْ شَاءَ أَعطَاهُمْ) أي مطلوبهم؛ إذ لا وجوب عليه تعالى، لكن في ترك هذا فيما بعدُ تنبيهٌ على أن إعطاء أولئك مطلوبهم كالمتعيّن المتحقّق، ففيه إشارة إلى بَوْنٍ بعيدٍ بينهما،

стр. 2017

وقد حَمَل بعضهم حديث "من يرد الله به خيرًا" على هذا المعنى، فقال: لا يدري أحد أنه أريد له الخير في الدنيا إلا الفقهاء، وكأنه مبنيّ على أن من يريد له الخير يفقهه لا غيره؛ بناءً على اعتبار مفهوم الشرط، لكن هذا المعنى بعيد، وهذا الإطلاق لا ينبغي شرعًا، فليُتأمل. قاله السنديّ (١) (وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ) مشيرًا إلى الحلقة الثانية (يَتَعَلَّمُونَ، وَإِنَّما بُعِثْتُ مُعَلِّمًا) فيه إشعار بأنهم منه، وهو منهم، ولذا جلس معهم، كما قال (فَجَلَسَ مَعَهُمْ) تفضيلًا لهم، فدلّ على أن طلب العلم، ونشره، وتعليمه للناس أفضل من قراءة القرآن، والذكر، والدعاء، وذلك لأنه وظيفة الأنبياء، ومهمة الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع -عفا الله عنه-: حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا ضعيف جدًّا؛ لأن في سنده داود بن الزِّبْرقان، متروك، بل كذبه الجوزجانيّ (٢)، وبكر بن خُنيس أيضًا ضعفه بعضهم، وعبد الرحمن بن زياد الإفريقيّ ضعيف أيضًا. والحديث أخرجه (المصنّف) هنا (٣٩/ ٢٢٩) بهذا السند، ولم يُخرجه من أصحاب الأصول أحد غيره، وأخرجه (الدارميّ) في "سننه" (٣٥٥)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الشيخ الألبانيّ في "سلسلة الأحاديث الضعيفة": وقد اشتهر الاحتجاج بهذا الحديث على مشروعيّة الذكر على الصورة التي يفعلها بعض أهل الطرق من التحلّق، والصياح في الذكر، والتمايل يمنة ويسرةً وأماما وخلفًا مما هو غير مشروع باتفاق الفقهاء المتقدّمين، ومع أن الحديث لا يصحّ كما علمت، فليس فيه هذا الذي زعموه، بل غاية ما فيه الاجتماع على ذكر الله تعالى، وهذا فيه أحاديث صحيحة في "صحيح مسلم"، وغيره، تغني عن هذا الحديث، وهي لا تفيد أيضًا إلا مطلق

стр. 2018

الاجتماع، أما ما يضاف إليه من التحلّق، وما قُرن معه من الرقص، فكله بدعٌ وضلالاتٌ، يتنزه الشرع عنها. انتهى كلامه -رحمه الله تعالى- (١)، وهو بحثٌ نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 2019

٤٠ - (بابُ من بلَّغ علمًا) وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٣٠ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ، أَبِي هُبَيْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ"، زَادَ فِيهِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، "ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنُّصْحُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظٌ فاضلٌ [١٠] ١/ ٤. ٢ - (عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ الكوفيّ المذكور قبل باب. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غَزْوَان الكوفيّ، صدوقٌ، رُمي بالتشيّع [٩] ٢/ ٢١. ٤ - (لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْم) زُنيم الكوفيّ، متروك [٦] ٣٦/ ٢٠٨. ٥ - (يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، أَبوُ هُبَيْرَةَ الأنصَارِيِّ) هو: يحيى بن عَبّاد بن شَيْبَان بن مالك الأنصاري السَّلَمِيُّ، أبو هُبيرة الكوفي، يقال: إنه ابن بنت البراء بن عازب، ويقال: ابن بنت خَبّاب بن الأَرَتّ، ثقة [٤]. رَوَى عن أبيه، وجده أبي يحيى شيبان، وله صحبة، وأنس، وجابر، وأم الدرداء، وسعيد بن جبير، وأرسل عن خباب بن الأرتّ، وأبي هريرة. ورَوَى عنه سليمان التيمي، وحُريث بن أبي مَطَر، وليث بن أبي سُليم، ومجُالد بن سعيد، وعبد المجيد بن سهيل، وإسماعيل السُّدّيّ، ومسعر، وغيرهم. قال النسائي: ثقة. وقال يوسف بن سفيان: كوفي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في ولاية يوسف بن عمرو على العراق. وقال ليث، عن مجاهد: أحب أهل الكوفة إليّ أربعة، فذكره فيهم.

стр. 2020

أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في "الصحيح" حديث عن أنس في النهي عن اتخاذ الخمر خَلًّا، وفي هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم ٢٣٠ وحديث (٤٧٦) "كان نومه ذلك، وهو جالس، يعني النبيّ ﷺ "، وحديث (٢٧٧٧) "غزوة في البحر مثل عشر غزوات في البرّ. . . .". ٦ - (أَبُوهُ) عباد بن شيبان الأنصاريّ السَّلَميّ -بفتح السين- والد أبي هبيرة يحيى ابن عبّاد، له ولأبيه صحبة، رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن زيد بن ثابت، ورَوَى عنه ابناه إبراهيم، وأبو هبيرة يحيى، روى له ابن ماجه حديثًا واحدًا من روايته عن زيد بن ثابت. هكذا قال في "تهذيب الكمال". وتعقّبه في "تهذيب التهذيب" بأن الذي رَوَى عنه إبراهيم هذا صحابي، له عن النبي ﷺ حديث آخر، رُوي عنه من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عباد، عن أبيه، عن جدّه، وهو سُلَمِيّ -بضم السين- من حُلفاء بني هاشم، وقد بينتُ ذلك في كتابي في "الصحابة". انتهى (١). قال الجامع -عفا الله عنه-: فتحصّل من هذا أن الصواب أن عباد بن شيبان والد إبراهيم صحابي آخر له قصّة في خِطبته من النبيّ ﷺ أُمامة بنت ربيعة، فأنكحه، أخرج حديثه ابن منده، وابن قانع، وابن السّكَن، راجع ترجمته في "الإصابة" ٣/ ٤٩٩ - ٥٠٠. وأما عباد بن شيبان هذا، والد أبي هُبيرة، فقد تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم. ٧ - (زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) بن الضّحّاك الأنصاري النجّاريّ الصحابي الشهير ﵁ ١٠/ ٧٧. شرح الحديث: (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) ﵁ أنه (قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : نَضَّرَ الله) قال ابن الأثير

стр. 2021

-﵀: نَضَرَه، ونَضَّرَه، وأنضره، أي نَعَّمه، ويُروى بالتخفيف، والتشديد، من النَّضَارة، وهي في الأصل: حُسنُ الوجه، والْبَرِيقُ، وإنما أراد حَسن خُلُقَه وَقَدرَهُ. انتهى (١). وقال التوربشتيّ: النضرة: الحسن، والرَّونق، يتعدى ولا يتعدّى، ورُوي مخففًا، ومثقّلًا. انتهى. وقال النوويّ: التشديد أكثر، وقال الأبهري: رَوى أبو عبيدة بالتخفيف، وقال: هو لازمٌ ومتعدّ، ورواه الأصمعيّ بالتشديد، وقال: المخفف لازم، والتشديد للتعدية، وعن الأول للتكثير والمبالغة. انتهى. والمعنى خصّه الله تعالى بالبهجة والسرور بعلمه، ومعرفته من القدر والمنزلة بين الناس في الدنيا، ونَعَّمه في الآخرة، حتى يُرى عليه رونق الرخاء والنعمة، ثم قيل: إنه إخبارٌ -يعني جعله ذا نَضْرَة، وقيل: دعاء له بالنضرة، وهي البهجة والبهاء في الوجه من أثر النعمة، وقيل: المراد هاهنا النضرة من حيث الجاهُ والقدرُ؛ لأنه جدّد بحفظه، ونقله طراوة الدين، فجازاه في دعائه بما يناسب عمله. قال القاريّ ﵀: لا مانع من الجميع، والإخبار أولى من الدعاء -والله أعلم-، قيل: وقد استجاب الله تعالى دعاءه، فلذلك تجد أهل الحديث أحسن الناس وجهًا، وأجملهم هيئةً، ورُوي عن سفيان بن عيينة ﵀ أنه قال: ما من أحد يطلب الحديث إلا وفي وجهه نَضْرة لهذا الحديث، أي بهجة صوريّة، أو معنوية. انتهى (٢). وقال القاضي أبو الطيّب الطبريّ ﵀: رأيت النبيّ ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله أنت قلت: "نضر الله امرءًا"، وتلوتُ عليه الحديث جميعه، ووجهه يتهلّل، فقال لي: نعم أنا قلته (٣).

стр. 2022

(امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي) أي حديثي (فَبَلَّغَهَا) بالتشديد، من التبليغ، أي أوصل المقالة المسموعة إلى الناس، وعلّمهم إياها (فَرُبَّ) قال الطيبيّ: "رُبّ" وُضعت للتقليل، فاستعيرت في الحديث للتكثير، انتهى، وقيل: هي فيه حقيقة أيضًا (حَامِلِ فِقْهٍ) أي عِلْم. قال السنديّ: هو بمنزلة التعليل لما يُفهم من الحديث أن التبليغ مطلوب، والمراد بحامل الفقه حافظ الأدلّة التي يُستنبط منها الفقه (غيرِ فَقِيهٍ) بالجرّ صفة لـ "حامل"، وقيل: بالرفع، فتقديره هو غيرُ فقيه، يعني أنه غير قادر على استنباط الفقه من تلك الأدلّة، لكن يحصل له الثواب بتبليغه؛ لنفعه بذلك (وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ) أي هو فقيه أيضًا، لكنه يحمل الفقه إلى أفقهَ منه، بأن كان الذي يسمع منه أفقه منه، وأقدر على الاستنباط، فيستنبط منه ما لا يفهمه الحامل، ففيه إشارة إلى فائدة النقل، والداعي إليه. وقال الطيبيّ: قوله: "إلى من هو أفقه منه" صفة لمدخول "ربّ" استُغني بها عن جوابها، أي رب حامل فقه أدّاه إلى من هو أفقه منه لا يفقه ما يفقهه المحمول إليه. انتهى (١). (زَادَ فِيهِ) أي في الحديث (عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ الشيخ الثاني للمصنّف في هذا السند، وقوله: (ثَلَاثٌ إلخ) جملة محكيّة؛ لقصد لفظها، مفعول به لـ"زاد"، قال السنديّ: قوله: "ثلاث" أي خصالٌ ثلاثٌ، أو ثلاثُ خصالٍ، فالنكرةُ مخصوصةٌ بالإضافة، أو التوصيف، فصحّ وقوعها مبتدأٌ عند الكلّ. انتهى. وقال القاضي البيضاويّ -رحمه الله تعالى-: قوله: "ثلاثٌ" استئناف تأكيد لما قبله، فإنه ﷺ لمّا حَرّضَ على تعليم السنن ونشرها، قَفّاه بردّ ما عَسَى أن يعرِضَ مانعًا، وهو الغِلّ، من ثلاثة أوجه: [أحدها]: أن تعلّم الشرائع ونقلها ينبغي أن يكون خالصًا لوجه الله تعالى، مبرأً

стр. 2023

عن شوائب المطامع، والأغراض الدنيويّة، وما كان كذلك لا يتأثّر عن الحقد والحَسَد. [وثانيها]: أن أداء السنن إلى المسلمين نصيحةٌ لهم، وهي من وظائف الأنبياء ﵈، فمن تعرّض لذلك، وقام به كان خليفةً لمن يبلَّغُ عنه، وكما لا يليق بالأنبياء ﵈ أن يُهملوا أعاديهم، ولا ينصحوهم، لا يَحْسُنُ من حامل الأخبار، وناقل السنن أن يَمنحها صديقه، ويمنعها عدوّه. [وثالثها]: أن التناقل، ونشر الأحاديث إنما يكون غالبًا بين الجماعات، فَحَثَّ على لزومها، ومَنَعَ عن التأبّي عنها؛ لحقد وضَغِينةٍ يكون بينه وبين حاضريها ببيان ما فيها من الفائدة العُظمَى، وهي إحاطة دعائهم من ورائهم، فيَحْرُسُهم عن مكائد الشيطان وتسويله. انتهى. قال الطيبيّ -رحمه الله تعالى-بعد نقله لكلام البيضاويّ المذكور-: وأقول: يمكن أن يقال -والله أعلم-: إن قوله: "ثلاث" استئناف، وهي المقالة التي استوصى في حقّها أن يبلغ عنه، والكلام السابق كالتوطئة، والتمهيد لها؛ اعتناءً بشأنها، والْعَضِّ عليها بالنواجذ، كأنّ قائلًا لمّا سَمِع تلك التوصية البليغة اتّجّهَ له أن يقول: ما تلك المقالة التي استوجبت ذلك الدعاء المرغِّب في أداء ما سمع؟. فأُجيب "هنّ ثلاثٌ"، وإنما استوجبت هذه التوصيةَ البليغةَ؛ لأنها جمعت بين التعظيم لأمر الله تعالى، فإن إخلاص العمل هي مقدّمة مطلوبة في كلّ أعمال صالحة، وبين الشفقة على خلق الله تعالى، من النصيحة لهم، إن كان فوقهم، ومن التبرّك بدعائهم، والانخراط في سلكهم، وأداء حقوقهم إن كان دونهم، ولعلّ رواية "يُغِلُّ" -بالضمّ من الإغلال يقال: غَلّ شيئًا من المغنم غُلُولًا، وأغلّ إغلالًا: إذا أخذه في خفية- أرجح؛ لأن الخيانة في إخلاص العمل هي رؤية الغير، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وفي حقّ المسلمين ترك نصيحتهم، وإرادة الخير لهم، فإن النصيحة حقّ لهم عليه، فإذا تركها خانهم، وفي حقّ نفسه أن يَحرِمها من تركه دعاء المؤمنين، وإخراجه من زمرتهم، فيكون كالغنم القاصية عن القطيع،

стр. 2024

متعرضًا لمكائد الشيطان، وتسويله. انتهى كلام الطيبيّ (١). قال الجامع -عفا الله تعالى عنه-: ما قاله الطيبيّ حسنٌ، إلا أن حمل البيضاويِّ على الإطلاق أحسن منه، ومما يؤيد ذلك أن هذه الجملة -أعني "ثلاث لا يغل إلخ" ليست مذكورةً إلا عند بعض الرواة، كما نبه عليه المصنف هنا، ولو كان المعنى على ما قاله الطيبي من الحمل على هذه الجملة، لما سقطت عن بعض الرواة، بل كان يلزم ذكرها في كل الروايات، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب. (لَا يُغِلُّ) بفتح الياء، وضمها، وكسر الغين على الصيغتين، فالأول من الغِلّ، وهو الحقد، والثاني من الإغلال: وهو الخيانة (عَلَيهِنَّ) أي على تلك الخصال (قلبُ امْرِئ مُسلِمٍ) وفي رواية "مؤمن"، أي كامل الإيمان، والمعنى: المؤمن لا يخون في هذه الأشياء الثلاثة، أو لا يدخله ضِغنٌ يُزيله عن الحقّ حين يفعل شيئًا من ذلك. قاله التوربشتي، وقال الزمخشريّ في "الفائق": إن هذه الخلال تستَصْلَح بها القلوب، فمن تمسك بها طهر قلبه من الدَّغَل، والفساد، و"عليهن" في موضع الحال، أي لا يغلّ قلب مسلم، حال كونه كائنًا عليهن، وإنما جاز مجيء الحال عن النكرة؛ لتقدّمه، كما قال في "الخلاصة": ولم يُنكَّر غَالِبًا ذو الحالِ إنْ ... لم يَتَأَخَّرْ أوْ يخصص أَوْ يَبِن مِن بَعد نَفي أَو مُضَاهيهِ كـ "لا ... يَبغ امْرُؤٌ عَلى امرِيءٍ مُسْتَسْهِلَا" وقيل: النفي بمعنى النهي، يعني أنه لا يتركها، بل يأتي بها، وقيل: أي ثلاثٌ لا يُغلّ قلبُ مسلم، حال كونه ثابتًا عليهنّ، يعني أن من تمسّك بهن طهر الله قلبه من الحقد، والخيانة. ويُروَى أيضًا "يَغِل" بفتح الياء، وكسر الغين، وتخفيف اللام، من الوُغُول، وهو الدخول في الشيء.

стр. 2025

وجوز بعضهم كونه بفتح الياء، وضمّ الغين، وتشديد اللام، من غَلّ من المغنم شيئًا غلولًا: إذا أخذه في خُفْية، فهو يرجع إلى الخيانة أيضًا. وقال التوربشتي ﵀: وجه المناسبة بين قوله: "نضر الله امرأً" وبين قوله: "ثلاثٌ لا يغلّ" هو أن نقول: إن النبيّ ﷺ لمّا حَث مَن سَمِع مقالته على أدائها علمهم أن قلب المسلم لا يغل على هذه الأشياء؛ خشية أن يَضِنُّوا بها على ذوي الإِحَن، والحقْدِ؛ لما يقع بينهم من التحاسد والتباغض، وبَيَّنَ أن أداء مقالته إلى من يسمعها من باب إخلاص العمل لله تعالى، والنصيحة للمسلمين، ومن الحقوق الواجبة المتعلّقة بأحكامه لزوم جماعة المسلمين، فلا يحلّ له أن يتهاون به؛ لأنه يخلّ بالخلال الثلاث. انتهى (١). (إِخلاصُ العملِ لله) خبر لمحذوف، أي أحدها، أو مبتدأ حذف خبره، أي منها، أو بدل تفصيل من "ثلاث"، والإخلاص أن يَقصِد بالعمل وجهه، ورضاه فقط، دون غرضٍ آخر دنيويّ، وقال السنديّ: أي جعل العمل خالصًا لله تعالى، لا لغيره من محبّةٍ، أو عداوة (٢). [تنبيه] وقع في شرح القاريّ قوله: "دون غرض آخر دنيويّ أو أخرويّ، كنعيم الجنة ولذاتها، أو لا يكون له غرض دنيوي من سمعة ورياء، والأول إخلاص الخاصّة، والثاني إخلاص العامة إلخ". وهذا من أخطر ما يرى في كلام المتصوّفة المتأخرين؛ لأنه مصادم لنصوص الكتاب والسنة، فإنها مملوءة بالترغيب في طلب نعيم الجنة، وثواب الآخرة، وإنما تحذّر من طلب الأغراض الدنيوية، فقط، قال الله : ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]، وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٩]، وقال: ﴿لِمَنْ

стр. 2026

كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ الآية [الأحزاب: ٢١]، وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [الصف: ١٠ - ١١]، وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] إلى غير ذلك من الآيات التي تحثّ على ابتغاء ثواب الآخرة بدخول الجنة، والنجاة من النار. وكذلك أحاديث النبيّ ﷺ طافحة بالحثّ على ذلك، ففي "الصحيحين من حديث أبي أيوب ﵁ أن رجلا قال للنبي ﷺ : أخبرني بعمل يدخلني الجنة. . . ." الحديث، ولفظ مسلم: دُلني على عمل أعمله يدنيني من الجنة، ويباعدني من النار، قال: "تعبد الله، لا تشرك به شيئًا. . . ." الحديث. وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة الكثيرة. وبالجملة: إن هذه العبارة فشت في المتأخرين من المتصوفة، وأتباعهم، بل رأيتها في كلام النوويّ في "شرح أربعينه"، بل يقول بعضهم الإخلاص أن لا تعبده خوفًا من النار، ولا طمعًا في الجنة، وهذا منابذة للنصوص الصريحة، فينبغي لك أيها المسلم الحريص على دينه أن لا تتفوّه بهذا الكلام البذيّ الوقح، وعليك أن تُنزّه لسانك من مثله، من الألفاظ البشعة التي تنافي الكتاب والسنة، ألهمني الله وإياك الرشد والصواب، وجنينا من الزيغ والارتياب، إنه سميع قريب مجيب الدعوات، وقابل التوب والحسنات. (وَالنُّصْحُ) قال ابن الأثير ﵀: النصيحة: كلمة يُعبّر بها عن جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يُمكن أن يُعبّر هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناه غيرِها، وأصل النصح في اللغة: الْخُلُوص، يقال: نَصَحته، ونصحتُ له، ومعنى نصية الله صحّةُ الاعتقاد في وحدانيته، وإخلاص النيّة في عبادته، والنصيحة لكتاب الله هو التصديق به، والعمل بما فيه، ونصيحة رسوله ﷺ هو التصديق بنبوته ورسالته، والانقياد لما أَمَر

стр. 2027

به، ونَهَى عنه، ونصحية الأئمة أن يُطيعهم في الحقّ، ولا يَرى الخروج عليهم إذا جاروا، ونصيحة عامّة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم. انتهى (١) (لِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ) أي طاعتهم في الحقّ، وعدم الخروج عليهم (وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ) أي موافقتهم في الاعتقاد، والعمل الصالح، من صلاة الجمعة، والجماعة، وغير ذلك. زاد في رواية أحمد والترمذيّ: "فإن دعوتهم تحيط من ورائهم". والمعنى أن دعوة المسلمين محيطةٌ بهم، فتحرسهم عن كيد الشياطين، وعن الضلالة، وفيه تنبيه على أن من خرج من جماعتهم لم يَنَل بركتهم، وبركة دعائهم؛ لأنه خارج عما أحاطت بهم من ورائهم، وفيه إيماء إلى تفضيل الْخُلْطة على العزلة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث زيد بن ثابت ﵁ هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده ليث بن أبي سُليم، وهو متروك؟. [قلت]: إنما صحّ؛ لأنه جاء بسند صحيح، فقد أخرجه الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" مطوّلًا، فقال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا شعبة، حدثنا عمر بن سليمان، من ولد عمر بن الخطاب ﵁، عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان، عن أبيه، أن زيد بن ثابت، خرج من عند مروان نحوًا من نصف النهار، فقلنا: ما بَعَثَ إليه الساعةَ إلا لشيءٍ سأله عنه، فقمت إليه، فسألته، فقال: أَجَلْ سَأَلنا عن أشياء، سمعتها من رسول الله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نضر الله امرأً، سمع مِنّا حديثًا، فَحَفِظَهُ، حتى يبلغه غيره، فإنه رُبَّ حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث خصال: لا يغلّ

стр. 2028

عليهن قلبُ مسلم أبدًا: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم"، وقال: "من كان همه الآخرةَ جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا، وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا، فَرَّقَ الله عليه ضَيْعَته، وجَعَل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له"، وسألنا عن الصلاة الوسطى، وهي الظهر. والجزء الأخير منه (من كان همه الآخرةَ) سيأتي للمصنف في "كتاب الزهد" برقم (٤١٠٥). وهذا إسناد صحيح، فيحيى هو القطان، وعمر بن سليمان بن عاصم بن عمر بن الخطاب متّفقٌ على ثقته، وعبد الرحمن بن أبان ثقة عابد قليل الرواية، وأبوه مجمع على ثقته. والحاصل أن الحديث صحيح، بهذا السند وله شواهد ستأتي بعده -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٤٠/ ٢٣٠) بهذا السند فقط، ولم يُخرجه من حديث زيد ابن ثابت ﵁ من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٢٠٦٠٨) والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان فضل من بلّغ علمًا، وهو واضح. ٢ - (ومنها): أن فيه الإخبار بأن رواة الأحاديث في وجوههم نضرة بسبب دعوة النبيّ ﷺ لهم بذلك. ٣ - (ومنها): أن الشرط في رواية الحديث كونه حافظًا له، لا كونه فقيهًا، عالمًا بمعناه. ٤ - (ومنها): بيان تفاوت العلماء في الأفهام، فإنه ربما يكون الشيخ أقلّ علمًا وفهمًا

стр. 2029

من تلميذه. ٥ - (ومنها): بيان فائدة تبليغ الحديث، وذلك أن السامع ربما لا يستطيع أن يستنبط منه العلوم، فإذا بلغه من هو أفهم له منه استنبط منه فوائد كثيرة، تنتفع بها الأمة. (ومنها): الحثّ على هذه الأشياء المذكورة في الحديث، وأنه ينبغي للمسلم أن يتحلّى بها، فمنها: إخلاص العمل، وهو الركن الأساسيّ لقبوله، فإنه إذا لم يوجد كان العمل هباء منثورًا، ومنها: مناصحة ولاة الأمور، فإن فيه مصالح عظيمة؛ إذ يستلزم ذلك مناصحة كل الأمة؛ لكونهم القادة، فإذ لم ينصلح لهم فقد أساء إليهم وإلى الرعيّة جميعًا، ويؤخذ من هذا أن الرئيس الأعلى للأمة هو النبي ﷺ ، فنصيحته مطلوبة بالدرجة الأولى؛ إذ نصيحته تتضمن نصيحة أمته جميعًا، فمن نصيحته نشر سنته بين الأمة، والذبّ عنها، وقمع البدعة، ومقاطعة أهلها. ٦ - (ومنها): أن فيه بيان فضل لزوم الجماعة؛ إذ فيه الانتظام في سلكهم، ونيل بركتهم؛ إذ دعواتهم تحيط بهم، فمن خرج عنهم خرج عن السُّورِ المحيط بهم، وصار عُرْضة للشيطان؛ لأنه ذئب الإنسان، فيحبّ المنفرد عن الجماعة، كما يحب الذئب الشاة القاصية من الغنم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٣١ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى، فَقَالَ: "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ". رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّد بْنُ عبدِ اللَّه بْنِ نُمَيرٍ) المذكور في السند الماضي. ٢ - (أبوه) عبد الله بن نمير، أبو هشام الكوفي، ثقة ثبت، من كبار [٩] ٨/ ٥٢.

стр. 2030

٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن يسار المطّلبيّ مولاهم، أبو بكر المدنيّ، ثم البغداديّ، إمام المغازي، صدوق يدلّس، ورمي بالتشيّع والقدر، من صغار [٥] ٤/ ٣٥. ٤ - (عَبْدُ السَّلَامِ) بن أبي الجَنُوب -بفتح الجيم، وتخفيف النون المضمومة، آخره موحّدة- المدنيّ، ضعيف [٨]. رَوَى عن الحسن البصري، والزهري، وعمرو بن عُبيد. ورَوَى عنه ابن إسحاق، وأبو معشر، والدَّراوردي، وأبو حمزة، وعيسى بن يونس، وغيرهم. قال ابن المديني: منكر الحديث. وقال أبو زرعة: ضعيف. وقال أبو حاتم: شيخ متروك. وقال ابن أبي حاتم: لم يقرأ علينا أبو زرعة حديثه. وقال أبو بكر البزار: لين الحديث. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما لا يُشبه حديث الأثبات، ثم غَفَل فذكره في "الثقات"، ولم ينسبه، وقال: عبد السلام يَروي عن الزهري، وعنه ابن إسحاق، وهو هذا بلا ريب. وقال الدارقطني: منكر الحديث. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم ٢٣١ و ٢٦٨٤ و ٣٠٥٦. ٥ - (الزُهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المشهور [٤] ٢/ ١٥. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) النوفليّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقة عارف بالنسب [٣]. رَوَى عن أبيه، وعمر، وابن عباس، ومعاوية، وعبد الله بن عَدي بن الحمراء. ورَوَى عنه أولاده: عمر، وجَبْر، وسعيد، وإبراهيم، وسعد بن إبراهيم، والزهري، وعمرو بن دينار، وغيرهم. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة. وقال قال محمد بن عمر: تُوُفي في خلافة سليمان بن عبد الملك، وكان ثقة، قليل الحديث. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال ابن خِرَاش: ثقة. وقال البخاري: نسبه لي ابنُ أبي أويس، عن ابن إسحاق، قال: وكان أعلم قريش بأحاديثها، وقد كان أبوه من أنسب قريش لقريش،

стр. 2031

وللعرب قاطبةً. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال خليفة بن خياط وغيره: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وذكر ابن سعد أنّ أبا مالك الحِمْيري قال: رأيت نافع بن جبير يوم مات أخوه قد أَلْقَى رداءه وهو يمشي، وهذا يدل على أن محمدًا لم يبق إلى خلافة عمر بن عبد العزيز، فإن نافعًا بقي بعده، ولم يدركها. ولا يصح سماعه من عمر بن الخطاب، فإن الدارقطني نَصَّ على أن حديثه عن عثمان مرسل. وقال له عبد الملك بن مروان: إني لأعرفك بالصدق. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم ٢٣١ و ٨٣٢ و ٣٠٥٦. ٧ - (أبوهُ) جبير بن مطعِم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ النوفليّ الصحابيّ، قَدِمَ على النبي ﷺ في فداء أُسارى بدر، ثم أسلم بعد ذلك عام خيبر، وقيل: يوم الفتح، رَوَى عن النبي ﷺ ، وعنه سليمان بن صُرَد، وأبو سِرْوَعَة، وابناه محمد ونافع ابنا جبير، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن باباه، وغيرهم. قال الزبير: كان يؤخذ عنه النسب، وكان أخذ النسب عن أبي بكر، وسَلَّحَ عمرُ ابن الخطاب جُبيرًا سيفَ النعمان بن المنذر. وقال ابن الْبَرْقيّ وخليفة: تُوفي سنة (٥٩) بالمدينة، وقال المدائني سنة (٥٨). وحَكَى ابنُ عبد البر أنه أوّلُ من لَبِسَ الطيلسان بالمدينة. وقال العسكري: كان جبير بن معطم أحدَ من يُتحاكم إليه، وقد تَحاكم إليه عثمان وطلحة في قضية، ومات سنة (٥٦). أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (٦٠) حديثًا، اتفق الشيخان على ستة، وانفرد البخاريّ بحديث واحد، ومسلم بحديث آخر، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث برقم ٢٣١ و ٥٧٥ و ٨٠٧ و ٨٣٢ و ١٢٥٤ و ٢٨٨١ و ٣٠٥٦. وقوله: "بالخيف من منى" "الْخيف" بفتح الخاء المعجمة، وسكون الياء التحتانيّة:

стр. 2032

الموضع المرتفع عن مجرى السيل المنحدر عن غِلظِ الجبل، ومسجدُ منًى يُسمّى مسجد الخيف؛ لأنه في سفح جبلها (١)، وتمام شرح الحديث، وفوائده تقدّمت قريبًا. قال الجامع -عفا الله عنه-: هذا الإسناد ضعيف؛ لضعف عبد السلام بن أبي الجنوب، ولكن الحديث صحيح بالسند التالي، وصحّ أيضًا فيما سبق من حديث زيد بن ثابت ﵁. أخرجه (المصنّف) هنا (٤٠/ ٢٣١) بهذا السند، والسند التالي، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٨٠ و ٨٢) و (الدارمي) في "سننه" (٢٣٣) و (الطبرانيّ) (١٥٤١) و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٨٧) و (الطحاوي) في (١٦٠١) و (ابن عبد البر) في "جامع العلم" (١/ ٤١) و (الخطيب) في "شرف أصحاب الحديث" (٢٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٣١ - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا خَالِي يَعْلَى (ح) وَحَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ. رجال هذا الإسناد هم المذكورون في السند الماضي، غير: ١ - (عليّ بن محمد) الطنافسيّ المذكور قبل حديث. ٢ - (هشام بن عمّار) المذكور في الباب الماضي. ٣ - (خاله يعلى) بن عبيد بن أبي أمية الطنافسيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقة إلا في حديثه عن الثوري، ففيه لين، من كبار [٩] ١٠/ ٨٩. ٤ - (سعيد بن يحيى) بن صالح اللَّخْمي، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل دِمَشق، لقبه سَعْدان، صدوق وَسَط [٩].

стр. 2033

روى عن أبيه، وإسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، والأعمش، وموسى ابن عُبيدة الرَّبَذيّ، وإسرائيل، وزكرياء بن أبي زائدة، وجعفر بن بُرْقان، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو النضر الفراديسي، وسليمان بن عبد الرحمن، وعلي بن حجر، وهشام بن عمار، وغيرهم. وقال عثمان الدارمي عن دُحيم: ما هو عندي ممن يُتَّهَم بالكذب. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال ابن حبان: ثقة مأمون مستقيم الأمر في الحديث. وقال الدارقطني: ليس بذاك. أخرج له البخاريّ حديثًا واحدًا في غزوة الفتح، والنسائيّ، المصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم ٢٣١ و ١٧٤٧ و ٢٥٩٧ و ٣٩٠٤. قال الجامع -عفا الله عنه-: قد سبق شرح الحديث، وهذا الإسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح، غير شيخه عليّ، وهو ثقة، وبه يصح الحديث الماضي. وقوله: "بنحوه" أي بنحو الحديث الماضي، والفرق بين قولهم: "بنحوه"، وقولهم: "بمثله" أن "نحوه" يكون بالمعنى، بخلاف "مثله" فإنه يكون باللفظ، وقد سبق تمام البحث في ذلك. وأخرج الإمام أحمد في "مسنده" لفظ حديث يعلى، فقال: حدثنا يعلى بن عبيد، قال: حدثنا محمد -يعني ابن إسحاق- عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: قام رسول الله ﷺ بالخيف من مِنَى، فقال: "نضر الله امرأ سمع مقالتي، فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلّ عليهم قلب المؤمن: إخلاص العمل، والنصيحة لولي الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تكون من ورائهم"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 2034

وبالسند المتّصل إلي الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٣٢ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَحْفَظُ مِنْ سَامِعٍ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بندار البصريّ، ثقة حافظ تقدّم قبل باب. ٢ - (مُحَمدُ بْنُ الْوَليدِ) بن عبد الحميد القرشيّ الْبُسريّ -بضمّ الموحّدة، وسكون المهملة- من ولد بُسْر من أرطاة العامريّ، يُلَقّب حَمْدان، البصريّ، قَدِمَ بغداد، يُكنى أبا عبد الله، ثقة [١٠]. رَوَى عن مروان بن معاوية، وغندر، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعبد الوهاب الثقفي، وابن مهدي، والقطان، ووكيع، وأبي زُكَير المدني، وغيرهم. ورَوى عنه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي عاصم، وزكرياء الساجي، وابن خزيمة، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: سَمِع منه أبي بالبصرة في الرحلة الثالثة، وسئل عنه، فقال: صدوق. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". قيل: إنه مات بعد سنة خمسين ومائتين. وفي "الزهرة": روى عنه البخاريّ سبعة أحاديث، ومسلم خمسة أحاديث. وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. ٣ - (مُحَمدُ بْنُ جَعْفَر) غندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب [٩] ١/ ٦. ٤ - (شُعْبةُ) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت المشهور [٧] ١/ ٦. ٥ - (سِمَاكٌ) بن حرب، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق وروايته عن عكرمة خاصّةً مضطربةٌ، وتغير بآخره، وربما تلقّن [٤] ٤/ ٣٠.

стр. 2035

٦ - (عَبْدُ الرحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّه) بن مسعود الْهُذليّ الكوفيّ، ثقة، وقد سمع من أبيه شيئًا يسيرًا، من صغار [٢] ٤/ ٣٠. ٧ - (أبوهُ) عبد الله بن مسعود الصحابيّ الشهير ﵁ ٢/ ١٩. وقوله: "سمع منا حديثًا" أي سمع بلا واسطة، أو بواسطة، وهو معنى قوله: "سمع مقالتي"، ولا يتقيّد بالسماع من فيه ﷺ ، وعلى هذا العلماء، قاله السنديّ (١). ووقع في رواية: "سمع منا شيئًا"، فقال الطيبيّ: يعم الأقوال، والأفعال الصادرة من النبيّ ﷺ وأصحابه ﵃، يدلّ عليه صيغة الجمع في "مِنّا". وتُعُقّب قوله: "يعم الأقوال والأفعال" بأنه غفلة عن كونه معمولا لـ"سمع" الذي لا يكون إلا في القول. وأجاب القاري بأنه لما قيل بعموم "منّا" وقد يسمع من الصحابي أنه ﷺ كان يفعل كذا صحّ أن يتعلّق السمع بالفعل بهذا المعنى، وهو وجيه (٢). وقوله: أحفظ من "سامع"، أي أفطن، وأفهم، أو أكثر مراعاةً لمعناه، وعملًا بمقتضاه، وليس المراد الحفظ اللسانيّ. وتمام شرح الحديث، وفوائده تقدمت قريبا. قال الجامع -عفا الله عنه-: هذا الإسناد ذكروا له علّتين: [إحداهما]: الكلام في سماك بن حرب، كما سبق قريبًا. [وثانيهما]: عبد الرحمن لم يسمع من أبيه إلا يسيرًا، وهذا ليس منه، ففيه انقطاع. [وأجيب]: بأن الحديث له طرق، فقد أخرجه أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" ٢/ ٩٠ من طريق محمد بن طلحة بن مصرّف الياميّ، عن زبيد الياميّ، عن مرّة بن شَراحيل، عن ابن مسعود ﵁، وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين. وأخرجه ابن عبد البرّ في "جامع بيان العلم" ١/ ١٨١ رقم (١٩٠) من طريق
следующие страницы →