← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، ونظائره في القرآن، وكلام العرب أكثر من أن يُحصَر، وعلى هذا يكون معناه: فقد يصير أمر كذبه إضلالًا. وعلى الجملة مذهبهم أَرَكّ من أن يُعتنَى بإيراده، وأبعد من أن يُهتَمَّ بإبعاده، وأفسدُ من أن يُحتاج إلى إفساده. قاله النوويّ رحمه الله تعالى (١). وقال العلّامة ابن عراق رحمه الله تعالى: أجمع المسلمون -كما قال النوويّ رحمه الله تعالى- الذين يُعتد بهم على تحريم تعمّد الكذب على رسول الله ﷺ ، وعلى أنه من الكبائر؛ لخبر: "من كذب عليّ، متعمّدًا، فليتبوّأ مقعده من النار"، بل بالغ الشيخ أبو محمد الجوينيّ، فكفّر به. ونقل الحافظ ابن كثير عن أبي الفضل الهمدانيّ، شيخ ابن عقيل من الحنابلة أنه وافق الجوينيّ على هذه المقالة. وقال الحافظ الذهبيّ في "كتاب الكبائر" له: ولا ريب أن تعمّد الكذب على الله تعالى، وعلى رسول الله ﷺ في تحريم حلال، أو تحليل حرام كفر محض، وإنما الشأن في الكذب عليهما فيما سوى ذلك. والله تعالى أعلم. وقد جَوّزت الكرّاميّة، وبعض المتصوّفة، كما قال الحافظ ابن حجر الكذب، قال الغزاليّ: وهذا من نزغات الشيطان، ففي الصدق مندوحة عن الكذب، وفيما ذكر الله تعالى، ورسوله ﷺ غُنية عن الاختراع في الوعظ. وقد أولوا حديث: "من كذب عليّ، متعمدًا الخ" بتأويلات باطلة: [أحدها]: أن ذلك إنما ورد في رجل معيّن، ذهب إلى قوم، وادّعى أنه رسول رسول الله ﷺ إليهم، يحكم في دمائهم، وأموالهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأمر بقتله، وقال: "من كذب عليّ ... " الحديث (٢).

стр. 422

[الثاني]: أنه في حقّ من كذب عليه يقصد به عيبه، أو شين الإسلام، وتعلّقوا في ذلك بما روي عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من كذب عليّ، متعمّدًا، فليتبوّأ مقعده بين عيني جهنم"، قال: فشقّ ذلك على أصحابه، حتى عرف في وجوههم، وقالوا: يا رسول الله، قلت هذا، ونحن نسمع منك الحديث، فنزيد، وننقص، ونقدّم، ونؤخّر، فقال: لم أعنِ ذلك، ولكن عنَيتُ من كذب عليّ، يريد عيبي، وشين الإسلام. [الثالث]: أنه إذا كان الكذب في الترغيب والترهيب، فإنه كذب للنبيّ ﷺ ، لا عليه. [الرابع]: أنه ورد في بعض طرق الحديث: "من كذب عليّ متعمّدًا؛ ليضلّ به الناس، فليتبوّأ مقعده من النار"، فتُحمل الروايات المطلقة عليه. [والجواب عن هذه الشُّبَه ما يلي]: أما شبهتهم الأولى، فجوابها أن السبب المذكور لم يثبت إسناده، وبتقدير ثبوته، فإن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. وأما الشبهة الثانية: فجوابها أن الحديث باطل، كما قاله الحاكم، ففي إسناده محمد ابن الفضل بن عطيّة، اتّفقوا على تكذيبه، وقال صالح جزرة: كان يضع الحديث. وأما الشبهة الثالثة: فجوابها أنه كذب عليه في وضع الأحكام، فإن المندوب قسم

стр. 423

منها، وفيه الإخبار عن الله في الوعد على ذلك العمل بذلك الثواب. وأما الشبهة الرابعة: فجوابها أن أئمة الحديث اتّفقوا على أن زيادة: "ليضلّ به الناس" ضعيفة، وبتقدير صحتها لا تعلّق لهم بها؛ لأن اللام في قوله: "ليضلّ" لام العاقبة، لا لام التعليل، أو هي للتأكيد، ولا مفهوم لها، وعلى هذين الوجهين خُرّج قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤] الآية؛ لأن افتراء الكذب على الله تعالى محرّم مطلقًا، سواء قُصد به الإضلال أم لا. انتهى كلام ابن عراق رحمه الله تعالى (١). وإلى هذا كلّه أشرت في منظومتي "تذكرة الطالبين"، فقلت: وَرَابِعُ الأَصْنَافِ قَوْمٌ نُسِبُوا ... للِزُّهْدِ جَاهِلِينَ ذَاكَ ارْتَكَبُوا قَدْ وَضَعُوا الحدِيثَ في التَّرغيبِ ... لِلنَّاسِ في الخيْرِ وَللتَّرْهِيبِ وَمَنْ يَرَى جَوَازَ ذَا فَإِنَّهُ ... قَدْ غَرَّهُ الشَّيْطَانُ مُرْدِيًا فَانْبِذَنَّهُ لأَنَّ في السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ ... غِنًى عَنِ اخْتِلاقِ ذَا الْكَذَّابِ وَخَالَفْوا إِجْمَاعَ أَهْلِ المْلَّةِ ... في حُرْمَةِ الْكِذْبِ عَلَى ذِي السُّنَّةِ وَأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ الَّتِي ... تُرْدِي بِأَهْلِهَا إِلَى الهاوِيَةِ وَبَالَغَ الشَّيخُ أَبُو مُحَمِّدِ ... مُكَفِّرًا بِهِ لِهَذَ المُعْتَدِي وَالهمَذَانِيُّ لَهُ مُوَافِقُ ... وَالذَّهَبِيُّ لهُمَا يُرَافِقُ إِنْ حَرَّمَ الحلَالَ أَوْ بِضِدِّهِ ... وَإِنَّمَا الشَّأْنُ يِجِي في غَيْرهِ وَمَنْ يَقُلْ مُؤِّلًا لـ "مَنْ كَذَبْ" ... في رَجُلٍ مُعَيَّنٍ فَقَدْ كَذَبْ أَوْ حَقِّ مَنْ قَدِ افتَرَى يَقْصِدُ بِهْ ... عَيبًا لَهُ أَوْ شَيْنَ الإسْلَامِ النَّبِهْ فَكُلُّ مَا قَالُوهُ فَهْوَ بَاطلُ ... وَلَوْ تُرَى صِحَّته يُؤَوَّلُ

стр. 424

والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في قبول توبة من كذب في حديث النبيّ ﷺ : (اعلم): أن من كذب على رسول الله ﷺ عمدا في حديث واحد فَسَقَ، ورُدّت رواياته كلها، وبطل الاحتجاج بجميعها، فلو تاب، وحسنت توبته، فقد قال جماعة من العلماء منهم: أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي، شيخ البخاري، وصاحب الشافعي، وأبو بكر الصيرفي من فقهاء الشافعية، وأصحاب الوجوه منهم، ومتقدميهم في الأصول والفروع: لا تؤثر توبته في ذلك، ولا تُقبل روايته أبدا، بل يُحتم جرحه دائما، وأطلق الصيرفي، وقال: كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر، ومن ضعفنا نقله لم نجعله قويا بعد ذلك، قال: وذلك مما افترقت فيه الرواية والشهادة. ولم أر دليلا لمذهب هؤلاء، ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظا، وزجرا بليغا عن الكذب عليه ﷺ ؛ لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة، ليست عامة. قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف، مخالف للقواعد الشرعية، والمختار القطع بصحته توبته في هذا، وقبول رواياته بعدها، إذا صحت توبته بشروطها المعروفة، وهي: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها، فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرا فأسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة، وأجمعوا على قبول شهادته، ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الكتاب. وقال في "التدريب شرح التقريب" ١/ ٣٣٠: تقبل رواية التائب من الفسق، ومن الكذب في غير الحديث النبوي، كشهادته؛ للآيات، والأحاديث الدالة على ذلك، إلا الكذب في أحاديث رسول الله ﷺ ، فلا تقبل رواية التائب منه أبدا، وإن حسنت

стр. 425

طريقته، كذا قاله أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري، وأبو بكر الصيرفي الشافعي، بل قال الصيرفي، زيادة على ذلك في "شرح الرسالة": كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه، لم نَعُد لقبوله بتوبة تظهر، ومن ضعفناه لم نُقَوِّهَ بعده، بخلاف الشهادة، قال النوويّ: ويجوز أن يُوَجَّهَ بأن ذلك جُعِل تغليظا عليه، وزجرا بليغا عن الكذب عليه ﷺ ؛ لِعِظَم مفسدته، فإنه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره، والشهادةِ، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة. وقال أبو المظفر السمعاني: مَنْ كَذَبَ في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه، قال ابن الصلاح: وهذا يضاهي من حيث المعنى ما ذكره الصيرفي، قال النوويّ: هذا كله مخالف لقاعدة مذهبنا، ومذهب غيرنا، ولا نُقَوِّى الفرقَ بينه وبين الشهادة، وكذا قال في شرح مسلم: المختار القطع بصحة توبته، وقبول روايته كشهادته، كالكافر إذا أسلم. قال السيوطيّ: وأنا أقول: إن كانت الإشارة في قوله: "هذا كله" لقول أحمد، والصيرفي، والسمعاني، فلا -والله- ما هو بمخالف، ولا بعيد، والحق ما قاله الإمام أحمد؛ تغليظا وزجرا، وإن كانت لقول الصيرفي بناءً على أن قوله: "بكذب" عامٌّ في الكذب في الحديث وغيره، فقد أجاب عنه العراقي بأن مراد الصيرفي ما قاله أحمد، أي في الحديث، لا مطلقا، بدليل قوله: "من أهل النقل"، وتقييده بالمحدِّث في قوله أيضا في "شرح الرسالة": وليس يُطعَن على المحدث، إلا أن يقول: تعمدت الكذب، فهو كاذب في الأول، ولا يقبل خبره بعد ذلك. انتهى. وقولُهُ: ومن ضعفناه، أي بالكذب، فانتظم مع قول أحمد. وقد وجدتُّ في الفقه فرعين يشهدان لما قاله الصيرفي والسمعاني، فذكروا في "باب اللعان" أن الزاني إذا تاب، وحسنت توبته لا يعود محصنا، ولا يُحَدُّ قاذفه بعد ذلك؛ لبقاء ثلمة عرضه، فهذا نظير أن الكاذب لا يقبل خبره أبدا، وذكروا أنه لو قُذِفَ، ثم زنى بعد القذف قبل أن يُحَدَّ القاذف لم يُحَدّ؛ لأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا يَفضَح أحدا من أول مرة، فالظاهر تقدُّمُ زناه قبل ذلك، فلم يحد له القاذف، وكذلك نقول

стр. 426

فيمن تبين كذبه: الظاهر تكرر ذلك منه، حتى ظهر لنا، ولم يتعين لنا ذلك فيما رَوَى من حديثه، فوجب إسقاط الكل، وهذا واضح بلا شك، ولم أَرَ أحدا تنبّه لما حررته -ولله الحمد-. وإلى هذا أشار السيوطي رحمه الله تعالى في "ألفية الحديث" بقوله: وَمَنْ يَتُبْ عَنْ فِسْقِهِ فَلْيُقْبَلِ ... أَوْ كَذِبِ الحدِيثِ فَابْنُ حَنْبلِ وَالصَّيْرَفيُّ وَالحُمَيدِيُّ أَبوْا ... قَبُولَهُ مُؤَبَّدًا ثُمَّ نَأَوْا عنْ كُلِّ مَا مِن قَبْلِ ذَا رَوَاهُ ... وَالنَّوَوِيُّ كُلَّ ذَا أباهُ وَمَا رَآهُ الأَوَّلُونَ أَرْجَحُ ... دَلِيلُهُ في شَرْحِنَا مُوَضَّحُ انتهى كلام السيوطيّ رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قرره السيوطيّ رحمه الله تعالى من ترجيح قول ما ذهب إليه أحمد، والحميديّ، والصيرفيّ، والسمعانيّ من عدم قبول توبة الكاذب في حديث رسول الله ﷺ تغليظًا، وزجرًا هو الصواب عنديّ، لوضوح حجته، كما حققه هو رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في حكم رواية الحديث الموضوع: قال في "تدريب الراوي": ما حاصله: تحرم رواية الموضوع مع العلم بوضعه، وكذا مع الظنّ مطلقًا، في أي معنى كان، سواء الأحكام، والقِصص، والترغيب، وغيرها، إلا مقرونًا ببيان وضعه، لما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ عن رسول الله ﷺ ، قال: "من حدّث عنّي بحديث يُرى أنه كذبٌ، فهو أحد الكاذبين". وقوله: "يُرى" بضم الياء بمعنى يظنّ، وفي "الكاذبين" روايتان، فتح الموحدة، على إرادة التثنية، وكسرها على إرادة الجمع.

стр. 427

وقال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": يحرم رواية الحديث الموضوع على من عرف كونه موضوعا، أو غلب على ظنه وضعه، فمن رَوَى حديثا عَلِم، أو ظن وضعه، ولم يُبَيِّن حال روايته وضعه، فهو داخل في هذا الوعيد، مندرج في جملة الكاذبين على رسول الله ﷺ ، ويدل أيضا الحديث السابق: "من حدث عنى بحديث يُرَى أنه كذب فهو أحد الكاذبين". انتهى (١). وإلى هذا أشرت في منظومتي المذكورة، حيث قلت: وَالخبَرُ الموْضُوعُ يَحْرُمُ لِمَنْ ... يَعْلَمُ أَوْ يَظُنُّ أنَّهُ وهَنْ بِسَنَدٍ أَوْ لَا لأيِّ مَعْنَى ... إِلَّا إِذَا بَيَّنَهُ فَأَغْنَى والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في كيفيّة رواية الحديث: (اعلم): أنه ينبغي -كما قال العلماء رحمهم الله تعالى- لمن أراد رواية حديث، أو ذكره أن ينظر، فإن كان صحيحا أو حسنا، قال: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعله، أو نحو ذلك من صيغ الجزم، وإن كان ضعيفا، فلا يَقُل: قال، أو فعل، أو أمر، أو نهى، وشِبْهَ ذلك من صيغ الجزم، بل يقول: رُوي عنه كذا، أو جاء عنه كذا، أو يُروَى، أو يُذكَر، أو يُحكَى، أو يقال، أو بلغنا، وما أشبه ذلك. قاله النووي ﵀ تعالي في "شرحه" (٢). وإلى هذه القاعدة أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في "ألفيّة الحديث"، حيث، قال: ومَنْ رَوَى مَتْنًا صَحِيحًا يَجزِمُ ... أَوْ وَاهيًا أَوْ حَالُهُ لَا يُعْلمْ مِن غَيْرِ مَا إِسنَادِهِ يُمَرِّضُ ... وَتَرْكَهُ بَيَانَ ضُعْفٍ قدْ رَضُوا في الْوَعْظِ أَوْ فَضَائِلِ الأَعْمَالِ ... لَا الْعَقْدِ وَالحرَامِ والحلَالِ

стр. 428

وَلَا إِذَا يَشْتَدُّ ضُعْفٌ ثُمَّ مَنْ ... ضُعْفًا رَأَى في سَنَدٍ وَرَامَ أَنْ يَقُولَ في المتْنِ صَحِيحٌ قَيَّدَا ... بِسَنَدٍ خَوْفَ مَجِيءِ أَجْوَدَا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): فيما يلزم الحديثيّ من تعلّم علم النحو ونحوه: (اعلم): أنه ينبغي لقاريء الحديث أن يعرف من النحو، واللغة، وأسماء الرجال، ما يسلم به من قوله ما لم يُقَل، وإذا صح في الرواية ما يَعلَم أنه خطأ، فالصواب الذي علي الجماهير من السلف والخلف، أنه يرويه على الصواب، ولا يغيره في الكتاب، لكن يكتب في الحاشية، أنه وقع في الرواية كذا، وأن الصواب خلافه كذا، ويقول عند الرواية: كذا وقع في هذا الحديث، أو في روايتنا، والصواب كذا، فهذا أجمعُ للمصلحة، فقد يعتقده خطأ، ويكون له وجه يَعرِفه غيره، ولو فُتِح باب تغير الكتاب، لتجاسر علي غير أهله. قاله النوويّ رحمه الله تعالى. وقال في "التدريب": ينبغي للشيخ أن لا يروي حديثه بقراءة لحان أو مصحف، فقد قال الأصمعي: إن أخوف ما أخاف على طالب العلم، إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قوله ﷺ : "من كَذَب علي فليتبوأ مقعده من النار"؛ لأنه لم يكن يَلحَن، فمهما رَوَيتَ عنه، ولحنت فيه كذبت عليه. وشكا سيبويه حمادَ بنَ سلمة إلى الخليل، فقال له: سألته عن حديث هشام بن عروة، عن أبيه، في رجل رَعُف، فانتهرني، وقال أخطأت إنما هو رَعَف -بفتح العين- فقال الخليل: صدق، أتلقى بهذا الكلام أبا أسامة؟. وعلى طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يسلم به من اللحن والتصحيف، رَوَى الخطيب عن شعبة، قال: من طلب الحديث، ولم يبصر العربية، كمثل رجل عليه بُرْنُس، وليس له رأس. ورَوَى أيضا عن حماد بن سلمة قال: مثلُ الذي يطلب الحديث، ولا يعرف النحو مثل الحمار، عليه مِخْلاة ولا شعير فيها. ورَوَى الخليلي في "الإرشاد" عن العباس بن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: جاء عبد العزيز الدراوردي في جماعة إلى أبي ليَعْرِضُوا عليه كتابا، فقرأ لهم الدراورديُّ، وكان

стр. 429

رديء اللسان يَلْحَن، فقال أبي: ويحك يا دراوردي، أنت كنت إلى إصلاح لسانك قبل النظر في هذا الشأن أحوج منك إلى غير ذلك. وطريقه في السلامة من التصحيف الأخذُ من أفواه أهل المعرفة والتحقيق، والضبط عنهم، لا من بطون الكتب. وإذا وقع في روايته لحن أو تحريف، فقد قال ابن سيرين، وعبد الله بن سخبرة، وأبو معمر، وأبو عبيد القاسم بن سلام، فيما رواه البيهقي عنهما: يرويه على الخطأ كما سمعه، قال ابن الصلاح: وهذا غُلُوّ في اتباع اللفظ، والمنع من الرواية بالمعنى، والصواب، وهو قول الأكثرين، منهم ابن المبارك، والأوزاعي، والشعبي، والقاسم بن محمد، وعطاء، وهمّام، والنضر بن شُميل أنه يرويه على الصواب، لا سيما في اللحن الذي لا يختلف المعنى به، واختار ابن عبد السلام تركَ الخطأ والصواب أيضا، حكاه عنه ابن دقيق العيد، أما الصواب فإنه لم يسمع كذلك، وأما الخطأ فلأن النبي ﷺ لم يَقُلْه كذلك. وأما إصلاحه في الكتاب، وتغيير ما وقع فيه، فجوزه بعضهم أيضا، والصواب تقريره في الأصل على حاله، مع التضبيب عليه، وبيان الصواب في الحاشية، فإن ذلك أجمع للمصلحة، وأنفى للمفسدة، وقد يأتي من يَظهَرُ له وجه صحته، ولو فتح باب التغيير لجسر عليه من ليس بأهل، ثم الأولى عند السماع، أن يقرأه أوّلًا على الصواب، ثم يقول: وقع في روايتنا، أو عند شيخنا، أو من طريق فلان كذا، وله أن يقرأ ما في الأصل أوّلًا، ثم يذكر الصواب، وإنما كان الأوّلُ أَوْلَى، كيلا يتقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل، وأحسن الإصلاح أن يكون بما جاء في رواية أخرى، أو حديث آخر، فإن ذكره أمن من التقول المذكور. وإن كان الإصلاح بزيادة الساقط من الأصل، فإن لم يغاير معنى الأصل، فلا بأس بإلحاقه في الأصل من غير تنبيه على سقوطه، بأن يعلم أنه سقط في الكتابة، كلفظة "ابن" في النسب، وكحرف لا يختلف المعنى به، وقد سأل أبو داود أحمدَ بن حنبل،

стр. 430

فقال: وجدت في كتابي حجاج "عن جريج" يجوز لي أن أصلحه ابن جريج؟ قال: أرجو أن يكون هذا لا بأس به. وقيل لمالك: أرأيت حديث النبي ﷺ يزاد فيه الواو والألف، والمعنى واحد؟ فقال: أرجو أن يكون خفيفا. وإن غاير الساقط معنى ما وقع في الأصل، تأكد الحكم بذكر الأصل، مقرونا بالبيان لما سقط، فإن علم أن بعض الرواة له أسقطه وحده، وأن من فوقه من الرواة أَتَى به فله أيضا أن يُلحقه في نفس الكتاب، مع كلمة "يعني" قبله، كما فعل الخطيب، إذ رَوَى عن أبي عمر بن مهدي، عن المحاملي بسنده إلى عروة، عن عمرة -يعنى عن عائشة- قالت: "كان رسول الله ﷺ يُدني إليّ رأسه، فأرجله "قال الخطيب: كان في أصل ابن مهدي "عن عمرة قالت: كان"، فألحقنا فيه ذكر عائشة، إذ لم يكن منه بُدّ، وعلمنا أن المحاملي كذلك رواه، وإنما سقط من كتاب شيخنا، وقلنا له ما فيه "يعني"؛ لأن ابن مهدي لم يقل لنا ذلك، قال: وهكذا رأيت غير واحد من شيوخنا يفعل في مثل هذا، ثم رَوَى عن وكيع، قال: أنا أستعين في الحديث بـ "يعني"، هذا إذا عُلم أن شيخه رواه له على الخطأ، فأما إن رواه في كتاب نفسه، وغلب على ظنه أن السقط من كتابه، لا من شيخه، فيتجه حينئذ إصلاحه في كتابه، وفي روايته عند تحديثه كما تقدم عن أبي داود. كما إذا دَرَسَ من كتابه بعضُ الإسناد، أو المتن، بتقطع، أو بَلَلٍ، ونحوه، فإنه يجوز له استدراكه من كتاب غيره، إذا عَرَفَ صحتَهُ، ووثِقَ به، بأن يكون أخذه عن شيخه، وهو ثقة، وسكَنَت نفسه إلى أن ذلك هو الساقط، كذا قال أهل التحقيق، وممن فعله نُعيم بن حماد، ومنعه بعضهم، وإن كان معروفا محفوظا، نقله الخطيب عن أبي محمد بن ماسي، وبيانه حال الرواية أولى، قاله الخطيب. وهكذا الحكم في استثبات الحافظ ما شك فيه، من كتاب غيره من الثقات، أو حفظه، كما رُوي عن أبي عوانة، وأحمد، وغيرهما، ويحسن أن يبين مرتبته، كما فعل يزيد ابن هارون وغيره، ففي "مسند أحمد": حدثنا يزيد بن هارون، أنا عاصم بالكوفة، فلم أكتبه، فسمعت شعبة يحدث به، فعرفته به، عن عاصم، عن عبد الله بن سَرْجِسَ، أن

стр. 431

رسول الله ﷺ ، كان إذا سافر قال: "اللهم إني أعوذ بك من وَعْثاء السفر"، وغير "المسند" عن يزيد: أنا عاصم، وثبتني فيه شعبة. فإن بَيّن أصل التثبت من دون من ثَبته فلا بأس، فَعَلَه أبو داود في "سننه" عقب حديث الحكم بن حزن، قال ثَبّتني في شيء منه بعض أصحابنا. وإن وَجَدَ في كتابه كلمةً من غريب العربية، غير مضبوطة، أَشكَلَت عليه، جاز أن يسأل عنها العلماء بها، ويرويها على ما يُخبرونه به، فَعَلَ ذلك أحمد، وإسحق، وغيرهما. ورَوَى الخطيب عن عفّان بن سلمة، أنه كان يجيء إلى الأخفش، وأصحاب النحو، يَعْرِض عليهم نحو الحديث، يُعْرِبه. انتهى ما في "التدريب" ببعض تصرّف. (١). وإلى ما تقدّم كلّه أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في "ألفية الحديث"، حيث قال: وَاحْذَرْ مِنَ اللَّحْنِ أَوِ التَّصْحِيفِ ... خَوْفًا مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ فَالنَّحْوُ وَاللُّغَاتُ حَقُّ مَنْ طَلَبْ ... وَخُذْ مِنَ الأَفوَاهِ لَا مِنَ الْكُتُبْ في خَطَإٍ وَلحنِ أَصْل يُرْوَى ... عَلَى الصَّوَابِ مُعْرَبًا في الأَقْوَى ثَالِثُها تَرْكُ كِلَيهَما وَلَا ... تَمْحُ مِنَ الأَصْلِ عَلَى مَا انْتُخِلَا تَقْرَأهُ قَدِّمْ مُصْلَحًا في الأَوْلَى ... وَالأَخْذُ مِنْ مَتْنٍ سِوَاهُ أَوْلَى وَإِنْ يَكُ السَّاقِطُ لَا يُغَيِّر ... كَابْنٍ وَحْرْفٍ زِدْ وَلَا تَعَسَّرُ كَذَاكَ مَا غَايَرَ حَيْثُ يُعْلَمُ ... إِتْيَانُهُ مِمَّنْ عَلَا وَأَلْزَمُوا "يَعْنِي" وَمَا يَدْرُسُ في الْكِتَابِ ... مِنْ غَير يُلْحَقُ في الصَّوَابِ كَمَا إِذَا يَشُكُّ وَاسْتَتَثْبَتَ مِنْ ... مُعْتَمَدٍ وَفِيهِمَا نَدْبًا أَبِنْ وَمْنْ عَلَيْهِ كَلَماتٌ تُشْكِلُ ... يَرْوِيَ عَلَى مَا أَوْضَحُوا إِذْ يَسْألُ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 432

(المسألة العاشرة): في بيان أدب من يروي الحديث بالمعنى، أو اشتبهت عليه لفظة في الحديث: (اعلم): أنه ينبغي للراوي بالمعنى أن يقول عقبه: "أو كما قال"، "أو نحوه"، "أو شبهه"، أو ما أشبه هذا من الألفاظ، وقد كان قوم من الصحابة يفعلون ذلك، وهم أعلم الناس بمعاني الكلام، خوفا من الزلل؛ لمعرفتهم بما في الرواية بالمعنى من الخطر، فقد روى أحمد، وابن ماجه، والحاكم عن ابن مسعود ﵁ أنه قال يوما: قال رسول الله ﷺ ، فاغر ورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، ثم قال: أو مثله، أو نحوه، أو شبيه به. وفي "مسند الدارمي"، و"الكفاية" للخطيب، عن أبي الدرداء ﵁ أنه كان إذا حدث عن رسول الله ﷺ قال: "أو نحوه"، "أو شبهه". وروى أحمد، وابن ماجه، عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان إذا حدث عن رسول الله ﷺ ، ففرغ قال: "أو كما قال رسول الله ﷺ ". وإذا اشتبهت على القارئ لفظةٌ، فحَسَنٌ أن يقول بعد قراءتها على الشك: "أو كما قال"؛ لتضمنه إجازة من الشيخ، وإذنا في رواية صوابها عنه إذا بان، وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى بقوله: وَقُلْ أَخِيرًا "أَوْ كَمَا قَالَ" وَمَا ... أَشْبَهَهُ كَالشَّكِّ فِيمَا أُبْهِمَا والله تعالى وليّ التوفيق، وهو الهادي لأقوم طريق. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال: ٣١ - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى قَالَا: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّ الْكَذِبَ عَلَيَّ يُولجُ النَّارَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (منصور) بن المعتمر بن عبد الله بن رُبَيِّعة، وقيل: المعتمر بن عَتّاب بن فرقد السُّلَميّ، أبو عَتَّاب الكوفيّ، ثقة ثبت، لا يُدلّس [٦]. رَوَى عن أبي وائل، وزيد بن وهب، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري،

стр. 433

وربعي بن حِرَاش، وتميم بن سلمة، وخلقٍ كثير. ورَوَى عنه أيوب، وحصين بن عبد الرحمن، والأعمش، وسليمان التيمي، وهم من أقرانه، والثوري، وشعبة، ومسعر، وشيبان، وزائدة، وشريك النخعيّ، وخلقٌ كثير. قال الآجري عن أبي داود: كان منصور لا يروي إلا عن ثقة. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين -وأبي حاضرٌ - يقول: إذا اجتمع منصور والأعمش، فقَدَّمْ منصورًا. وقال أيضا: سمعت يحيى يقول: منصور أثبت من الحكم، ومنصور من أثبت الناس. وقال أيضا: رأيت في كتاب علي بن المديني -وسئل أيُّ أصحاب إبراهيم أعجب إليك؟ - قال: إذا حدثك عن منصور ثقة، فقد ملأت يديك، ولا تريد غيره. وقال عبدان: سمعت أبا حمزة يقول: دخلت إلى بغداد، فرأيت جميع من بها يُثنِي على منصور. وقال وكيع عن سفيان: إذا جاءت المذاكرة جئنا بكل، وإذا جاء التحصيل جئنا بمنصور. وقال عبد الرزاق: حدث سفيان عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، فقال: هذا الشرف على الكرسي. وقال أبو زرعة عن إبراهيم بن موسى: أثبت أهل الكوفة منصور، ثم مسعر. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن منصور؟ فقال: ثقة. قال: وسئل أبي عن الأعمش ومنصور؟ فقال: الأعمش حافظ يخلط ويدلس، ومنصور أتقن لا يخلط ولا يدلس. وقال العجلي: كوفي ثقة ثبت في الحديث، كان أثبت أهل الكوفة، وكأن حديثه القَدَحُ، لا يَختَلِف فيه أحد، متعبدٌ، رجل صالح، أُكرِه على القضاء شهرين، وكان فيه تشيع قليل، ولم يكن بغال، وكان قد عَمِشَ من البكاء، وصام ستين سنة وقامها، وقالت فتاة لأبيها: يا أبت الأسطُوانة التي كانت في دار منصور ما فعلت؟ قال: يا بُنية ذاكِ منصور، يصلي باليل فمات. قال ابن سعد، وخليفة في آخرين: مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٦) حديثًا. ٢ - (رِبْعيّ -بكسر الراء، وسكون الموحّدة- ابن حِرَاش) -بكسر الحاء المهملة،

стр. 434

والراء، آخره شين معجمة -ابن جَحْش -بفتح الجيم، وسكون الراء المهملة، آخره شين معجمة- ابن عمرو بن عبد الله بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بَغِيض ابن رَيث بن غطفان بن سعد بن قيس بن غيلان بن مضر الغطفانيّ العبسيّ -بالموحّدة- أبو مريم الكوفي الأعور العابد الورع، ثقة عابد مخضرم [٢]. قَدِمَ الشام، وسمع خطبة عمر بالجابية، وروى عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، وعمران بن حصين، وحذيفة بن اليمان، وغيرهم من الصحابة، والتابعين. ورَوَى عنه عبد الملك بن عمير وأبو مالك الأشجعي، والشعبي، ونعيم بن أبي هند، ومنصور المعتمر، وغيرهم. قال ابن المديني: بنو حِرَاش ثلاثة: ربعي، وربيع، ومسعود، ولم يُرْوَ عن مسعود شيء، سوى كلامه بعد الموت. يقال: لم يَكذِب كَذْبة قط، وكان له ابنان عاصيان على الحجاج، فقيل للحجاج: إن أباهما لم يكذب قطّ، لو أرسلتَ إليه فسألته عنهما، فأرسل إليه، فقال: هما في البيت، فقال: قد عفونا عنهما لصدقك. وحلف أن لا يضحك حتى يعرِف أين مصيره إلى الجنة أو إلى النار؟ فما ضَحِكَ إلا بعد موته. وله أخوان: مسعود، وهو الذي تكلّم بعد الموت، وربيع، وهو أيضًا حلف أن لا يضحك حتى يعرِف أفي الجنّة أم لا، فقال غاسله: إنه لم يزل مبتسمًا على سريره حتى فرغنا. وقال العجلي: تابعي ثقة، من خيار الناس، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من عباد أهل الكوفة. قال ابن سعد: تُوُفِّي بعد الجماجم في ولاية الحجاج بن يوسف، وليس له عَقِب. وقال أبو نعيم، وغير واحد: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. وقال أبو عبيد: مات سنة مائة. وقال ابن نمير: سنة ١٠١. وقال ابن معين وغيره: سنة ١٠٤. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا. ٣ - (عليّ) بن أبي طالب ﵁ تقدم في ٢/ ٢٠، والباقون تقدموا في السند الماضي. والله تعالى أعلم.

стр. 435

لطائف هذا الإسناد. ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن رجال الأربعة غير النسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ على قول من جعل منصورًا من التابعين. ٥ - (ومنها): أن ربعي بن حِرَاش، بالحاء المهملة لا يوجد في الأسماء بهذا الضبط غيره، وغير حِرَاش بن مالك، ومن عداهما، فإنه خِراش بالشين المعجمة، وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفية المصطلح" بقوله: حِرَاشٌ ابْنُ مَالِكٍ كَوَالِدِ ... رِبْعِيٍّ اهْمِلْهُ بِغَيْرِ زَائِدِ و"حراش بن مالك" هذا كان معاصرًا لشعبة، وليست له رواية في الكتب الستّة، وقد اختُلف في ضبطه، فقيل: بالمهملة، وقيل: بالمعجمة، وقيل: "خراش بن بمهملة، وتشديد راء، آخره سين مهملة. ومن اختلف في ضبطه أيضًا "خراش بن أمية" الكعبيّ الخزاعيّ الصحابيّ، فقيل: بالمهملة، وقيل: بالمعجمة. قاله ابن ناصر الدين في "توضيح المشتبه" (١). ٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنّة، وابن عمّ المصطفى ﷺ ، وزوج ابنته، وأبو السبطين، ولقّبه النبيّ ﷺ بأبي تراب ﵁ والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن عَلِيٍّ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُوُل الله ﷺ "لَا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله

стр. 436

(تَكْذِبُوا عَلَيَّ) قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: صدر هذا الحديث نهيٌ، وعجزه وعيد وشديدٌ. وقال في "الفتح": هو عام في كل كاذب، مطلق في كل نوع من الكذب، ومعناه لا تنسُبُوا الكذب إليّ، ولا مفهوم لقوله: "عليّ"؛ لأنه لا يُتَصَوَّر أن يُكذَب له؛ لنهيه عن مطلق الكذب. وقد اغتر قوم من الجهلة، فوَضعُوا أحاديث في الترغيب والترهيب، وقالوا: نحن لم نكذب عليه، بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته، وما دَرَوا أن تقويله ﷺ ما لم يقل يقتضي الكذب على الله تعالى؛ لأنه إثبات حكم من الأحكام الشرعية، سواء كان في الإيجاب أو الندب، وكذا مقابلهما، وهو الحرام والمكروه، ولا يُعْتَدُّ بمن يُخالَف ذلك من الكَرّامية، حيث جوزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب، في تثبيت ما ورد في القرآن والسنة، واحتجوا بأن كذب له لا عليه، وهو جهل باللغة العربية. وتمسك بعضهم بما ورد في بعض طرق الحديث من زيادة لم تثبت، وهي ما أخرجه البزار، من حديث ابن مسعود ﵁ بلفظ: "من كذب عليّ ليضل به الناس" الحديث، وقد اختُلِف في وصله وإرساله، ورجح الدارقطني والحاكم إرساله، أخرجه الدارمي من حديث يعلى بن مُرّة بسند ضعيف، وعلى تقدير ثبوته فليست اللام فيه للعلة، بل للصيرورة، كما فُسّر به قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٤]، والمعنى أن مآل أمره إلى الإضلال، أو هو من تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ الآية [آل عمران: ١٣٠]، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٥١]، فإن قتل الأولاد، ومضاعفة الربا، والإضلال، في هذه الآيات، إنما هو لتأكيد الأمر فيها، لا لاختصاص الحكم. انتهى (١). (فَإِنَّ) الفاء للتعليل، لأن (الْكَذِبَ عَلَيَّ يُولجُ النَّارَ) أي يدخل النارَ، برفع الفعل، والجملة خبر "إن"، وهو من وَلَجَ يَلِج وُلُوجًا وِلِجَةً من باب وعَدَ يَعِدُ: إذا دخل.

стр. 437

وانتصاب "النار" بتقدير "في"؛ لأن الفعل لازم، وهو من قبيل قولك: دخلتُ الدارَ، والتقدير: دخلت في الدار؛ لأن دخل لازم، واللازم لا يَنصب إلا بالصلة. (١). وفي رواية البخاريّ: "فإنه من كذَبَ عليّ فليج النار". قال في "الفتح": قوله: "فليلج النار" جَعَلَ الأمر بالولوج مسببا عن الكذب؛ لأن لازم الأمر الإلزامُ، والإلزامُ بولوج النار سببه الكذب عليه، أو هو بلفظ الأمر، ومعناه الخبر، ويؤيده رواية مسلم من طريق غندر عن شعبة، بلفظ: "من يكذب على يلج النار" انتهى (٢). قال النوويّ رحمه الله تعالى: معنى الحديث أن هذا جزاؤه، وقد يُجازَى به، وقد يعفو الله الكريم عنه، ولا يُقطَع عليه بدخول النار، وهكذا سبيل كل ما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكفر، فكلها يقال فيها: هذا جزاؤه، وقد يجازى، وقد يُعفَى عنه، ثم إن جوزى، وأدخل النار فلا يخلد فيها، بل لابد من خروجه منها بفضل الله تعالى ورحمته، ولا يخلد في النار أحد مات على التوحيد، وهذه قاعدة متفق عليها عند أهل السنة. انتهى (٣). وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا وعيدٌ شديدٌ عامٌّ في كلّ كاذب على رسول الله ﷺ ، ومطلق في أنواع الكذب، ولمّا كان كذلك هاب قوم من السلف الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، كعمر، والزبير بن العوّام، وأنس بن مالك، وابن هرمز رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فإن هؤلاء سمعوا كثيرًا، وحدّثوا قليلًا، كما صرّح الزبير ﵁ بذلك لمّا قال له ابنه عبد الله ﵁: إني لا أسمعك تُحدّث عن رسول الله ﷺ كما يحدّث فلان وفلان؟ فقال: أما إني لم أكن أفارقه، ولكنّي سمعته يقول: "من كذب عليّ، فليتبوّأ مقعده من النار" (٤). وقال أنس ﵁: "إنه ليمنعني أن أُحدّثكم حديثًا

стр. 438

كثيرًا أن رسول الله ﷺ قال: "من كذب عليّ "الحديث (١). ومنهم من سمع، وسكت، كعبد الملك بن إياس، وكأن هؤلاء تخوّفوا من إكثار الحديث الوقوعَ في الكذب والغلط، فقلّلوا، أو سكتوا، غير أن الجمهور خصّصوا عموم هذا الحديث، وقيّدوا مُطلقه بالأحاديث التي ذُكر فيها "متعمدًا"، فإنه يُفهم منها أن ذلك الوعيد الشديد إنما يتوجّه لمن تعمّد الكذب على رسول الله ﷺ ، وهذه الطريقة هي المرضيّة، فإنها تجمع بين مختلفات الأحاديث؛ إذ هي تخصيص العموم، وحملُ المطلق على المقيّد مع اتّحاد الموجَب والموجَب، كما قَرَّرناه في الأصول. هذا مع أن القاعدة الشرعيّة القطعيّة تقتضي أن المخطىء والناسي غير آثمين، ولا مؤاخذين، لا سيّما بعد التحرّز والحذر. انتهى كلام القرطبيّ (٢)، وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عليّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٤/ ٣١) عن عبد الله بن عامر بن زُرارة، وإسماعيل بن موسى، جميعًا عن شريك، عن منصور، عن ربعيّ بن حراش، عنه، و (البخاريّ) في (العلم) (١/ ٣٨ رقم ١٠٣) عن عليّ بن الجعد، عن شعبة، عن منصور به. و (مسلم) في "المقدمة" (١/ ٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر، عن شعبة ح وعن محمد بن المثنى وابن بشار كلاهما عن غندر، عن شعبة به. و (الترمذيّ) في "العلم" (٢٦٦٠) عن إسماعيل بن موسى الفزاريّ، عن شريك بن عبد الله، عن منصور به. و (٣٧١٥) عن

стр. 439

سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن شريك به. والنسائيّ في "الكبرى" في "العلم" (٤٤/ ٥٩١١) عن إسماعيل بن منصور، عن خالد الهجيميّ، عن شعبة -وعن محمد بن بشار، عن يحيى القطان، عن شعبة، قال: حدثني منصور، قال: سمعت ربعيّا، سمعت عليّا يقول .... و (أحمد) في "مسند العشرة" ١/ ٨٣ (٦٢٩) و١/ (١٠٠٠) عن يحيى القطان، عن شعبة و (١/ ٨٣) عن حسين، عن شعبة به. و (١/ ١٢٣) عن حجاج، عن شعبة و (١/ ١٢٣) و (١/ ١٥٠) عن محمد بن جعفر، عن شعبة به. وأخرجه عبد الله ابن أحمد في زياداته على "المسند" (١/ ١٣٠) عن أبي عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليّ ﵁، وسيأتي برقم (٣٨). وأما فوائده فقد تقدّمت في شرح حديث ابن مسعود ﵁، ولله الحمد والمنّة، ومنه التوفيق والعصمة، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المّتصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال: ٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ المِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَن كَذَبَ عَلَيَّ -حَسِبْتُهُ قَالَ-: مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبَوَّأْ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْن رُمْحٍ المِصْرِيُّ) التُّجِيبيّ موهم، ثقة ثبتٌ [١٠] تقدّم في ٢/ ١٥. ٢ - (الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ الإمام الحجة الثبت الفقيه [٧] تقدم في ٢/ ١٥. ٣ - (ابن شهاب) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الفقيه الحافظ الحجة المتّفق على جلالته، من رءوس [٤] تقدّم ٢/ ١٥. ٤ - (أنس بن مالك) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الخادم الشهير ﵁ تقدّم في ٣/ ٢٤. والله تعالى أعلم.

стр. 440

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد، أنه من رباعيّات المصنّف، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، بل من رجال الجماعة، غير شيخه، فقد تفرّد به هو ومسلم، وأن فيه مدنيّان، ومصريّان، وفيه أنس ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو من المعمّرين، وهو آخر من مات من الصحابة ﵁ بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣) وقد جاوز مائة سنة، والله تعالى أعلم. وأما شرح الحديث فقد تقدّم في أول الباب، وفيه: مسألتان تتعلّقان به: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (-٤/ ٣٢) بالسند المذكور، وأخرجه (أحمد) (٣/ ٢٢٣) و (الترمذيّ) رقم (٢٦٦١) و (ابن حبان) في "صحيحه" رقم (٣١) من هذا الوجه. وأخرجه (أحمد) ٣/ ٩٨ و (البخاريّ) ١/ ٣٨ و (مسلم) في "المقدّمة" ١/ ٧ و (النسائيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٥٧) رقم (٥٩١٣) من طريق عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس ﵁. وأخرجه (ابن أبي شيبة) ٨/ ٧٦٣ و (أحمد) ٣/ ١١٦ و ١٦٦ و (الدارميّ) رقم (٢٤٢) و (عبد الله بن أحمد) في زياداته على "المسند" ٣/ ٢٧٨ و (النسائيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٥٨) رقم (٥٩١٤) من طريق سليمان التيميّ، عن أنس ﵁. وأخرجه (أحمد) ٣/ ١٧٢ و ٢٠٣ و ٢٠٩ و (الدارميّ) رقم (٢٤١ و ٢٤٢) و (عبد الله بن أحمد) في زياداته ٣/ ٢٧٨ و ٢٧٩ من طريق حمّاد بن أبي سليمان، وعبد العزيز بن رُفيع، وعَتّاب مولى ابن أزهر، وسليمان التيميّ، وقتادة، خمستهم عن أنس ﵁. وأخرجه (أحمد) ٣/ ١١٣ من طريق عاصم الأحول، عن أنس ﵁. و (الدارميّ) (٢٤٤) من طريق محمد بن بشر (١) عن أنس ﵁. وأخرجه (أحمد) ٣/ ٢٨٠ من طريق

стр. 441

عيسى بن طهمان، عن أنس ﵁. والله تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٣٣ - حَدَّثَنَا أَبو خَيْثَمَةَ، زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" * رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبو خَيْثَمَةَ، زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد الحَرَشيّ (١) النسائيّ، نزيل بغداد، مولى بني الحَرِيش بن كعب، وكان اسم جده أشتال، فَعُرِّب شدادا، الحافظ الثقة الثبت. رَوَى عن عبد الله بن إدريس، وابن عيينة، وحفص بن غياث، وحميد بن عبد الرحمن الرُّؤَاسِيُّ، وجرير بن عبد الحميد، وابن علية، وعبد الله بن نمير، وعبد الرزاق، وعبدة بن سليمان، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، ورَوَى له النسائي بواسطة أحمد بن علي بن سعيد المروزي، وابنُهُ أبو بكر بن أبي خيثمة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وإبراهيم الحربي، وموسى بن هارون، وغيرهم. قال معاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة. وقال علي بن الجنيد عن ابن معين: يكفي قبيلةً. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال يعقوب بن شيبة: زهير أثبت من عبد الله ابن أبي شيبة، وكان في عبد الله تهاون بالحديث، لم يكن يفصل هذه الأشياء -يعني الألفاظ-. وقال جعفر الفريابي: قلت لابن نمير: أيهما أحب إليك؟ فقال: أبو خيثمة، وجعل يُطريه، ويَضَع من أبي بكر. وقال الآجري: قلت لأبي داود: كان أبو خيثمة حجة في الرجال؟ قال: ما كان أحسن علمه. وقال النسائي ثقة مأمون. وقال الحسين ابن فهم: ثقة ثبت. وقال أبو بكر الخطيب: كان ثقة، ثبتا، حافظا، متقنا. وقال أبو

стр. 442

القاسم البغوي: كتبت عنه. وقال ابن قانع: كان ثقة تبتا، وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": سُئل أبي عنه؟ فقال: ثقة صدوق. وقال ابن وضاح: ثقة من الثقات، لقيته ببغداد. وقال ابن حبان في "الثقات": كان متقنا، ضابطا، من أقران أحمد، ويحيى بن معين. قال محمد بن عبد الله الحضرمي وغيره: مات سنة (٢٣٤). وقال ابنه أبو بكر: وُلِد أبي سنة (١٦٠)، ومات ليلة الخميس لسبع خلون من شعبان، وهو ابن (٧٤) سنة. وحكى الخطيب عن أبي غالب علي بن أحمد بن النصر: أنه توفي سنة (٣٢) قال الخطيب: هذا وَهَمٌ، والصواب سنة (٤). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا، وحديث أنس ﵁ رقم (١٩٠٠): "شهدت للنبيّ ﷺ وليمة ما فيها لحم ولا خبز". ٢ - (هشيم) -بالتصغير- ابن بَشير -بالفتح بوزن عَظِيم- ابن القاسم بن دينار -السلميّ، أبو معاوية ابن أبي خازم -بمعجمتين- الواسطيّ، قيل: إنه بخاري الأصل الحافظ الثقة الثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧]. رَوَى عن أبيه، وخاله القاسم بن مِهْران، وعبد الملك بن عُمير، ويعلى بن عطاء، وعبد العزيز بن صهيب، وسليمان التيمي، وإسماعيل بن أبي خالد، وعمرو بن دينار، وأبي الزبير، وعاصم الأحول، والأعمش، وخلق كثير. ورَوَى عنه مالك بن أنس، وشعبة، والثوري، وهم أكبر منه، وابنه سعيد بن هشيم، وابن المبارك، ووكيع، ويزيد بن هارون، وعلي بن المديني، وابنا أبي شيبة، وأحمد ابن حنبل، وعمرو بن عوف، وزهير بن حرب، وآخرون. قال الفضل بن زياد: سألت أحمد أين كَتَبَ هشيم عن الزهري؟ قال: بمكة. وقال عمرو بن عون عن هشيم: سمعت من الزهري نحوًا من مائة حديث، فلم أكتبها. وقال الحسين بن محمد بن فهم: أخبرني الهروي، أن هشيما كَتَبَ عن الزهري صحيفة بمكة، فجاءت الريح، فحملت الصحيفة، فطرحتها؛ فلم يجدوها، وحفظ

стр. 443

هُشيم منها تسعة. وقال أبو القاسم البغوي عن يحيى بن، أيوب المقابري: سمعت أبا عبيدة الحداد يقول: قدم علينا، هشيم البصرة، فذكرنا لشعبة، فقال: إن حدثكم عن ابن عباس وابن عمر، فصدّقوه. وقال علي بن معبد الرَّقّيّ: جاء رجل من أهل العراق، فذاكر مالكا بحديث، فقال: وهل بالعراق أحد يُحسن الحديث إلا ذاك الواسطي -يعني هشيما-. وقال عمرو بن عوف: سمعت حماد بن زيد يقول: ما رأيت في المحدثين أنبل من هشيم، وقال محمد بن عيسى بن الطباع. قال عبد الرحمن بن مهدي: كان هشيم أحفظ للحديث من سفيان الثوري، قال: وسمعت وكيعا يقول: نَحُّوا عنّي هشيما، وهاتوا من شتم -يعني في المذاكرة-. وقال الحارث بن سُرَيج البقال: سمعت يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي يقولان: هشيم في حصين أثبت من سفيان وشعبة. وفي رواية عن ابن مهدي: هشيم أثبت منهما، إلا أن يجتمعا. وقال أبو داود: قال أحمد: ليس أحد أصح حديثا عن حصين من هشيم، وقال العجليّ: هُشيم واسطي ثقة، وكان يدلس. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن هشيم ويزيد بن هارون؟ فقال: هشيم أحفظهما، وقال: وسألت أبي هشيم؟ فقال: ثقة، وهو أحفظ من أبي عوانة، قال: وسئل أبو زرعة عن هشيم وجرير؟ فقال: هشيم أحفظ. وقال ابن سعد. كان ثقة كثير الحديث، ثبتا يدلس كثيرا، فما قال في حديثه: أنا فهو حجة، وما لم يَقُل فليس بشيء. وقال نصر بن حماد: سألت هشيما متى ولدت؟ قال: في سنة أربع ومائة. وقال ابن سعد: أخبرني إبنه سعيد أنه وُلد في سنة خمس، وقال ابن سعد: ومات في شعبان سنة ثلاث وثمانين ومائة، وفيها أرخه غير واحد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٧) حديثًا. ٣ - (أبو الزبير) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس -بفتح المثناة، وسكون الدال المهملة، وضمّ الراء- الأسدي مولاهم المكي، صدوق، إلا أنه يُدلّس [٤]. رَوَى عن العبادلة الأربعة، وعن عائشة، وجابر، وأبي الطفيل، وسعيد بن جبير،

стр. 444

وعكرمة، وطاووس، وخلق كثير. ورَوَى عنه عطاء، وهو من شيوخه، والزهري، وأيوب، وأيمن بن نابل، وابن عون، والأعمش، وسلمة بن كهيل، وهُشيم، وخلق كثير. قال ابن عيينة عن أبي الزبير: كان عطاء يُقَدِّمني إلى جابر أحفظ لهم الحديث. ويُروَى عن يعلى بن عطاء قال: حدثني أبو الزبير، وكان أكمل الناس عقلا وأحفظهم. وقال حرب بن إسماعيل: سُئل أحمد عن أبي الزبير، فقال: قد احتمله الناس، وأبو الزبير أحب إلي من سفيان؛ لأنه أعلم بالحديث منه، وأبو الزبير ليس به بأس. وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: كان أيوب يقول: حدثنا أبو الزبير، وأبو الزبير أبو الزبير، قلت لأبي: يضعفه؟ قال: نعم. وقال نعيم بن حماد: سمعت ابن عيينة يقول: حدثنا أبو الزبير، وهو أبو الزبير، أي كأنه يضعفه. وقال هشام بن عمار عن سويد بن عبد العزيز: قال لي شعبة: تأخذ عن أبي الزبير، وهو لا يحسن أن يصلي. وقال نعيم بن حماد: سمعت هشيما يقول: سمعت من أبي الزبير، فأخذ شعبة كتابي فمزقه. وقال محمود بن غيلان عن أبي داود: قال شعبة: ما كان أحد أحب إلي أن ألقاه بمكة من أبي الزبير، حتى لقيته، ثم سكت. وقال محمد بن جعفر المدائني عن ورقاء: قلت لشعبة: ما لك تركت حديث أبي الزبير؟ قال: رأيته يَزِن ويسترجح في الميزان، وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: أبو الزبير يحتاج إلى دعامة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح الحديث. وقال مرة: ثقة. وقال الدُّوري عن ابن معين: أبو الزبير أحب إلي من سفيان. وقال أيضا عن يحيى: لم يسمع من ابن عمر ولم يره. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، وإلى الضعف ما هو؟ وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي الزبير، فقال: يُكتَب حديثه، ولا يحتج به، وهو أحب إلي من سفيان. قال: وسألت أبا زرعة عن أبي الزبير، فقال: رَوَى عنه الناس، قلت: يُحتَجّ بحديثه؟ قال: إنما يُحتَجّ بحديث الثقات. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن عدى: رَوَى مالك عن أبي الزبير أحاديث، وكفى بأبي الزبير صدقا أن يحدث عنه مالك، فإن مالكا

стр. 445

لا يروي إلا عن ثقة. وقال لا أعلم أحدا من الثقات تخلف عن أبي الزبير، إلا وقد كتب عنه، وهو نفسه ثقة، إلا إِنْ رَوَى عنه بعضُ الضعفاء، فيكون ذلك من جهة الضعيف. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: لم يُنصِف من قَدَح فيه؛ لأن من استرجح في الوزن لنفسه لم يَستَحِقَّ الترك لأجله. وقال ابن أبي مريم عن الليث: قدمت مكة، فجئت أبا الزبير، فدفع إلي كتابين، فانقلبت بهما، ثم قلت في نفسي: لو عاودته فسألته هل سمع هذا كله من جابر؟ فقال: منه ما سمعت، ومنه ما حُدِّثت عنه، فقلت له: أَعْلِم لي على ما سمعت، فأَعْلِم لي على هذا الذي عندي. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سألت ابن المديني عنه، فقال: ثقة ثبت. وقال هشيم عن حجاج، وابن أبي ليلى، عن عطاء: كنا نكون عند جابر، فإذا خرجنا من عنده تذاكرنا حديثه، فكان أبو الزبير أحفظنا. وقال ابن عون: ثنا أبو الزبير وما كان بدون عطاء (١). وقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى: فأبو الزبير؟ قال: ثقة، قلت: محمد بن المنكدر أحب إليك أو أبو الزبير، قال: كلاهما ثقتان. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، إلا أن شعبة تركه لشيء زعم أنه رآه فعله في معاملة. وقال الساجي: صدوق حجة في الأحكام، قد روى عنه أهل النقل وقبلوه واحتجوا به، قال: وبلغني عن يحيى ابن معين أنه قال: استحلف ليث أبا الزبير بين الركن والمقام أنك سمعت هذه الأحاديث من جابر؟ فقال: والله إني سمعتها من جابر، يقول ثلاثا. وقال ابن عيينة: كان أبو الزبير عندنا بمنزلة خبز الشعير، إذا لم نجد عمرو بن دينار ذهبنا إليه. قال البخاري عن علي بن المديني: مات قبل عمرو بن دينار. وقال عمرو بن علي، والترمذي: مات سنة ست وعشرين ومائة. أخرج له الجماعة، وحديثه عند البخاري مقرون بغيره، وله في هذا الكتاب (٩٥) حديثًا.

стр. 446

٤ - (جابر) تقدّم في ١/ ١١. والله تعالى أعلم. وشرح الحديث يُعلم مما سبق، وفيه مسألتان تتعلّقان به: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر ﵁ هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه عنعنة هُشيم، وأبي الزبير، وهما مدلّسان؟. [قلت: إنما يصحّ بشواهده، فإن أحاديث الباب تشهد له، وهي صحاح، بل متواترة، كما سبق بيان ذلك مستوفىً. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٤/ ٣٣) بهذا السند، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٠٣) و (الدارميّ) في "مسنده" رقم (٢٣٧). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٣٤ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: قَالَ رَسول الله ﷺ : "مَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ مَا أَقُلْ، فَلْيَتبَّوأْ مَقعَدهُ مِنَ النَّارِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفي واسطيّ الأصل، ثقة حافظ، صاحب تصانيف [١٠] ١/ ١. ٢ - (مُحَّمدُ بْنُ بِشرٍ) بن الفَرَافِصَة بن المختار الحافظ العَبْدي، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبتٌ [٩]. رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر العمري، ويزيد بن زياد بن أبي الجعد، والأعمش، وزكريا بن أبي زائدة، والثوري، وشعبة، وغيرهم.

стр. 447

ورَوَى عنه علي بن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو كريب، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وموسى بن حزام الترمذي، وغيرهم. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: هو أحفظ من كان بالكوفة. وقال الكديمي عن أبي نعيم: لما خرجنا في جنازة مسعر جعلت أتطاول، فقلت يجيئوني، فيسألوني عن حديت مسعر، فذاكرني محمد بن بشر العبدي بحديث مسعر، فأغرب علي سبعين حديثا لم يكن عندي منها إلا حديث واحد. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وفي "المراسيل": قال ابن معين: والله ما سمع محمد ابن بشر من مجاهد بن رومي شيئًا، ولكنه مرسل. وقال النسائي وابن قانع: ثقة. وقال ابن الجنيد عن ابن معين: لم يكن به بأس، وقيل له: هو أحب إليك أو أبو أسامة؟ فقال: إبو أسامة، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: محمد بن بشر ثقة ثبت، إذا حدث من كتابه. ووثقه ابن سعد، ويعقوب بن شيبة، وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال البخاري وابن حبان: مات سنة ثلاث ومائتين، وفيها أرخه يعقوب بن شيبة، ومحمد بن سعد، وزاد في جمادى الأولى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٦) حديثًا. ٣ - (محمد بن عمرو) بن علقمة ٢/ ٢٢. ٤ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف [٣] ٢/ ٢٢. ٥ - (أبو هريرة) ﵁ تقدّم في١/ ١، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، بل من رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه ليس في الكتب الستة من اسمه محمد بن بشر غير هذا، إلا محمد ابن بشر بن بشير الأسلميّ الكوفيّ عند النسائيّ أخرج له حديثًا واحدًا خولف فيه،

стр. 448

حديث عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ إذا أخذ شيئًا أخذه بيمينه ... " الحديث. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ" أي افترى عليّ، يقال: تقوّل الرجل على زيد ما لم يَقُل ادّعىَ عليه ما لا حقيقة له. قاله في "المصباح" (١). وفي حديث سلمة بن الأكوع ﵁ عند البخاريّ: "من يقُل"، وأصله: "يقول" وإنما جزم بالشرط (مَا لَمْ أَقُلْ) "ما" اسم موصولٌ مفعول "تقوّل": أي شيئا لم أقله، فحذف العائد، وهو جائز، كما أشار إليه في "الخلاصة": ........................... ... وَالحذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي في عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ ... بِفْعْلٍ أوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهَبْ وإنما ذكر القول؛ لأنه الأكثر، وإلا فحكم الفعل كذلك؛ لاشتراكهما في علة الامتناع، وقد دخل الفعل في عموم حديث "من كذب عليّ"، فلا فرق في ذلك بين أن يقول: قال رسول الله ﷺ كذا، وفعل كذا، إذا لم يكن قاله أو فعله. وقد تمسك بظاهر هذا اللفظ من منع الرواية بالمعنى، وأجاب المجيزون عنه بأن المراد النهي عن الإتيان بلفظ يوجب تغيير الحكم، مع أن الإتيان باللفظ لا شك في أولويته. أفاده في "الفتح" (٢). (فَلْيَتبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) قال في "عمدة القاري": "فليتبوّأ" -بكسر اللام-: هو

стр. 449

الأصل، وبالسكون هو المشهور، وهو أمر من التبوّء، وهو اتّخاذ المبَاءة: أي المنزل، يقال: تبوّأ الرجل المكان: إذا اتّخذه موضعًا لمقامِهِ، وقال الجوهريّ: تبوّأتُ منزلًا: أي نزلته. وقال الخطّابيّ: تبوّأت بالمكان أصله من مباءة الإبل، وهي أعطانها. وقال الخطابيّ أيضًا: ظاهره أمر، ومعناه خبرٌ، يريد أن الله تعالى يبوّئه مقعده من النار. وقال الطيبيّ: الأمر بالتبوّؤ تهكّم وتغليظٌ، إذ لو قيل: كان مقعده في النار لم يكن كذلك، وأيضًا فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه: أي كما أنه قصد في الكذب التعمّد فليقصد في جزائه التبوّء. وقال الكرمانيّ: يجوز أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى: من كذب فليأمر نفسه بالتبوّء. وقال العينيّ: الأولى أن يكون أمر تهديد، أو يكون دعاء على معنى بوّأه الله. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه، بلفظ (٢): "من كذب عليّ متعمّدًا، فليتبوّأ مقعده من النار". والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا -٤/ ٣٤ بهذا الإسناد، وأخرجه (أحمد) (٢/ ٥٠١) و (ابن حبّان) رقم (٢٨) من هذا الوجه. و (أحمد) ٢/ ٤١٣ و (الدارميّ) رقم (٥٩٩) من طريق عاصم بن كُليب، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁. و (أحمد) ١/ ٤٠٠ و ٢/ ٤١٠ و٤٦٣ و ٤٦٩ و ٥١٩ و (البخاريّ) ١/ ٣٨ و ٨/ ٥٤ و (مسلم) في "المقدّمة" ١/ ٧

стр. 450

و (الترمذيّ) في "الشمائل" (٤٠٧) و (النسائيّ) في "الكبرى" ٣/ ٤٥٨ رقم (٥٩١٥) من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه (ابن أبي شيبة) ٨/ ٧٦٢ و (أحمد) ٢/ ٣٢١ و٣٦٥ و (أبو داود) رقم (٣٦٥٧) و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٢٥٩) و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" رقم (٤١١) من طريق مسلم بن يسار، عن أبي هريرة ﵁. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى التَّيْمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسحَقَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: -عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ- "إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الحدِيثِ عَنِّي، فَمَنْ قَالَ عَلَيَّ، فَلْيَقُلْ حَقًّا "أَوْ" صِدْقًا، وَمَنْ تَقَوَّلَ عَلَيّ مَا لَمْ أَقُلْ، فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد المذكور في السند الماضي. ٢ - (يَحْيَى بْنُ يَعْلَى) بن حرملة التيميّ أبو المُحَيّاة -بضم الميم، وفتح المهملة، وتشديد التحتانيّة، آخره هاء- الكوفي [٨]. رَوَى عن أبيه، وعبد الملك بن عمير، وسلمة بن كهيل، ومنصور، وهشام بن حسان، ومحمد بن إسحاق، وليث بن أبي سُليم، وغيرهم. ورَوَى عنه أسود بن عامر شاذان، وإبراهيم بن موسى الفراء، ومنصور بن أبي مزاحم، وعلي بن سعيد بن مسروق، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وأبو بكر بن أبي شيبة، وهناد بن السري، ومحمد ابن حسان التيمي، وعباد بن يعقوب، وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وذكره بن حبان في "الثقات". قال مطين: مات سنة ثمانين ومائة، وهو ابن ست وتسعين سنة فيما أُخْبِرتُ. وهو قول ابن سعد في الطبقات، أخرج له مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب (٤)

стр. 451

أحاديث فقط برقم ٣٥ و٢٢٣٩ و١٧١١ و٣٧٢٤. ٣ - (محمد بن إسحاق) بن يسار بن خيار ويقال: كومان المدني أبو بكر، ويقال: أبو عبد الله المطلبي مولاهم، نزيل العراق، إمام المغازي، صدوقٌ يُدلّس، ورُمي بالتشيّع والقدر، من صغار [٥]. رأى أنسًا، وابن المسيب، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، ورَوَى عن أبيه، وعميه عبد الرحمن، وموسى، والأعرج، وعبيد الله بن عبد الله بن عمر، وغيرهم. ورَوَى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن أبي حبيب، وهما من شيوخه، وجرير بن حازم، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وابن عون، وإبراهيم بن سعيد، والحمادان، وشعبة، والسفيانان، وغيرهم. قال سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق: رأيت أنس بن مالك عليه عمامه سوداء. وقال المفضل الغلابي: سألت ابن معين عنه، فقال: كان ثقة، وكان حسن الحديث: فقلت: إنهم يزعمون أنه رأى ابن المسيب، فقال: إنه لقديم. وقال الدُّوري عن ابن معين: قد سمع محمد بن إسحاق من أبان بن عثمان، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وعطاء، وقال علي بن المديني: مدار حديث رسول الله ﷺ على ستة فذكرهم، ثم قال: فصار عِلمُ الستة عند اثني عشر، فذكر ابن إسحاق فيهم. وقال ابن عيينة: رأيت الزهري قال لمحمد بن إسحاق. أين كنت؟ فقال: هل يَصِلُ إليك أحد، قال: فدعا حاجبه، وقال: لا تحجبه إذا جاء. وقال ابن المديني: سمعت سفيان قال: قال ابن شهاب -وسئل عن مفاريده-: فقال: هذا أعلم الناس بها. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: قال عاصم بن عمر بن قتادة: لا يزال في الناس علم ما بقي ابن إسحاق. وقال ابن أبي خيثمة عن هارون بن معروف: سمعت أبا معاوية يقول: كان ابن إسحاق من أحفظ الناس، فكان إذا كان عند الرجل خمسة أحاديث أو أكثر جاء، فاستودعها ابن إسحاق. وقال النفيلي عن عبد الله بن فائد: كنا إذا جلسنا إلى ابن إسحاق، فأخذ في فن من العلم قضي مجلسه في ذلك الفن. وقال الميموني: ثنا أبو عبد الله بحديث استحسنته

стр. 452

عن ابن إسحاق، فقلت له: يا أبا عبد الله ما أحسن هذه القصص التي يجيء بها ابن إسحاق، فتبسم إليّ متعجبا. وقال صالح بن أحمد عن علي بن المديني عن ابن عيينة قال: جالست ابن إسحاق منذ بضع وسبعين سنة، وما يتهمه أحد من أهل المدينة، ولا يقول فيه شيئا، قلت لسفيان: كان ابن إسحاق جالس فاطمة بنت المنذر، فقال أخبرني: ابن إسحاق أنها حدثته، وأنه دخل عليها. وقال عبد الله ابن أحمد: ثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، سمعت يحيى بن سعيد يقول: سمعت هشام بن عروة يقول: يحدث ابن إسحاق عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، والله إن رآها قط، قال عبد الله: فحدثنا أبي بذلك، فقال: ولِمَ يُنكِرُ هشام؟ لعله جاء فاستاذن عليها، فأذنت له أحسبه قال: ولم يعلم. وذكر في "الميزان" عن أبي قلابة الرقاشيّ، حدثني أبو داود سليمان بن داود، قال: قال يحيى القطّان: أشهد أن محمد بن إسحاق كذّاب، قلت: وما يُدريك؟ قال: قال لي وُهيب، فقلت لوهيب: وما يُدريك؟ قال: قال لي مالك بن أنس، فقلت لمالك: وما يُدريك؟ قال: قال لي هشام بن عروة، قال: قلت لهشام بن عروة: وما يدريك؟ قال: حدّث عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، وأُدخلت عليّ وهي بنت تسع، وما رآها رجلٌ حتى لقيت الله تعالى. قال الحافظ الذهبيّ: قد أجبنا عن هذا، والرجل فما قال: إنه رآها، أفبمثل هذا يُعتمد على تكذيب رجل من أهل العلم، هذا مردود، ثم قد روى عنها محمد بن سُوقة، ولها رواية عن أم سلمة، وجدّتها أسماء، ثم ما قيل من أنها أُدخلت عليه وهي بنت تسع غلطٌ بَيِّنٌ، ما أدري ممن وقع من رواة الحكاية، فإنها أكبر من هشام بثلاث عشرة سنة، ولعلها ما زُفّت إليه إلا وقد قاربت بضعًا وعشرين سنة، وأخذ عنها ابن إسحاق، وهي بنت بضع وخمسين سنة، أو أكثر. انتهى (١).

стр. 453

وقال في "سير أعلام النبلاء" بعد ذكره الحكاية: ما نصّه: قلت: معاذ الله أن يكون يحيى وهؤلاء بَدَا منهم هذا بناءً على أصل فاسد واهٍ، ولكنّ هذه الخرافة من صَنْعَة سليمان، وهو الشاذكونيّ -لا صبّحه الله بخير- فإنه مع تقدّمه في الحفظ متّهمٌ بالكذب، وانظر كيف قد سلسل الحكاية، ويُبيّن لك بطلانها أن فاطمة بنت المنذر لما كانت بنت تسع سنين لم يكن زوجها هشام خُلِق بعدُ، فهي أكبر منه ببضع عشرة سنة، وأسنده منه، فإنها روت كما ذكرنا عن أسماء بنت أبي بكر، وصحّ أن ابن إسحاق سمع منها، وما عرف بذلك هشام، أفبمثل هذا القول الواهي يُكذّب الصادق؟ كلا والله، نعوذ بالله من الهوى والمكابرة، ولكن صَدَق القاضي أبو يوسف إذ يقول: من تتبّع غريب الحديث كُذِّب، وهذا من أكبر ذنوب ابن إسحاق، فإنه كان يكتب عن كلّ أحد، ولا يتورّع سامحه الله. انتهى كلام الذهبيّ (١). وقال الأثرم عن أحمد: هو حسن الحديث. وقال مالك: دجال من الدجاجلة. وقال البخاري: رأيت علي بن عبد الله يحتج بحديث ابن إسحاق، قال: وقال علي: ما رأيت أحدا يَتَّهِم ابن إسحاق، قال: وقال لي إبراهيم بن المنذر: ثنا عمر بن عثمان أن الزهري كان يتلقف المغازي من ابن إسحاق فيما يحدثه عن عاصم بن عمر بن قتادة، والذي يُذكَر عن مالك في ابن إسحاق لا يكاد يَتبَيَّنُ، وكان إسماعيل بن أبي أويس من أتبع من رأينا لمالك، أخرج إليّ كتب ابن إسحاق عن أبيه في المغازي وغيرها، فانتخبت منها كثيرًا، قال: وقال لي إبراهيم بن حمزة: كان عند إبراهيم بن سعد، عن بن إسحاق نحو من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام سوى المغازي، وإبراهيم بن سعد من أكثر أهل المدينة حديثا في زمانه، قال: ولو صح عن مالك تناوله من ابن إسحاق، فلربما تكلم الإنسان، فيرمي صاحبه بشيء، ولا يتهمه في الأمور كلها، قال: وقال إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح: نهاني مالك عن شيخين من قريش، وقد أكثر عنهما في

стр. 454

"الموطإ"، وهما ممن يحتج بهما، قال: ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم، نحو ما يذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي، وكلام الشعبي في عكرمة، ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة، ولم تَسقُط عدالتهم إلا ببرهان وحجة، قال: وقال عبيد بن يعيش: ثنا يونس بن بكير، سمعت شعبة يقول: ابن إسحاق أمير المؤمنين لحفظه، قال: وقال لي علي بن عبد الله: نظرت في كتب ابن إسحاق، فما وجدت عليه إلا في حديثين، ويمكن أن يكونا صحيحين، قال: وقال لي بعض أهل المدينة: إن الذي يُذكَر عن هشام بن عروة قال: كيف يدخل ابن إسحاق على امرأتي، لو صح عن هشام جائز أن تكتب إليه، فإن أهل المدينة يَرَون الكتاب جائزًا، وجائز أن يكون سمع منها وبينهما حجاب، إلى هنا عن البخاري. وقال البخاري أيضًا: محمد بن إسحاق ينبغي أن يكون له ألف حديث ينفرد بها. وقال إبراهيم الحربي: حدثني مصعب قال: كانوا يطعنون عليه بشيء من غير جنس الحديث. وقال أبو زرعة الدمشقي: وابن إسحاق رجلٌ قد أجمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ عنه، وقد اختبره أهل الحديث، فرأوا صدقًا وخيرًا مَع مِدْحَة ابن شهاب له، وقد ذاكرت دُحيما قولَ مالك فيه، فرأى أن ذلك ليس للحديث، إنما هو لأنه اتّهمه بالقدر. وقال الزبيري عن الدراوردي: وجُلِد ابن إسحاق -يعني في القدر-. وقال الجوزجاني: الناس يشتهون حديثه، وكان يُرمَى بغير نوع من البدع. وقال موسى بن هارون: سمعت محمد بن عبد الله بن نمير يقول: كان محمد بن إسحاق يُرمَى بالقدر، وكان أبعد الناس منه. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت ابن نمير يقول: إذا حدث عن من سمع منه من المعروفين، فهو حسن الحديث صدوق، وإنما أُتِي من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة. قال يعقوب: وسألت ابن المديني كيف حديث ابن إسحاق عندك؟ فقال: صحيح، قلت له: فكلام مالك فيه؟ قال: مالك لم يجالسه، ثم قال عليّ: أَيَّ شيء حدث بالمدينة، قلت له: وهشام بن عروة قد تكلم فيه، قال عليّ: الذي قال هشام ليس بحجة، لعله دخل على امرأته وهو غلام فسمع منها، قال: وسمعت عليا يقول: إن حديث ابن إسحاق لَيَتبَيَّنُ فيه الصدق،

стр. 455

يروي مرة حدثني أبو الزناد، ومرة ذكر أبو الزناد، وهو من أروى الناس عن سالم أبي النضر، ورَوَى عن رجل عنه، وهو من أروى الناس عن عمرو بن شعيب، وروى عن رجل عن أيوب عنه. وقال يعقوب بن سفيان: قال علي: لم أجد لابن إسحاق إلا حديثين منكرين: نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "إذا نَعَس أحدكم يوم الجمعة"، والزهري عن عروة عن زيد بن خالد: "إذا مسّ أحدكم فرجه"، والباقي يعني المناكير في حديثه يقول: ذَكَرَ فلان، ولكن هذا فيه حَدَّثنا، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سألت عليا عنه، فقال: صالح وسط. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال العجلي: مدني ثقة. وقال ابن يونس: قدم الإسكندرية سنة (١٩٩) ورَوَى عن جماعة من أهل مصر أحاديث لم يروها عنهم غيره فيما علمت. وقال ابن عيينة: سمعت شعبة يقول: محمد ابن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث، وفي رواية عن شعبة فقيل له: لِمَ؟ قال: لحفظه. وفي رواية عنه: لو سُوِّد أحدٌ في الحديث لسُوِّد محمد بن إسحاق. وقال ابن سعد: كان ثقة، ومن الناس من يتكلم فيه، وكان خرج من المدينة قديما، فأتى الكوفة، والجزيرة، والري، وبغداد، فأقام بها حتى مات بها سنة (٥١)، وقال في موضع آخر: ورواته من أهل البلدان أكثر من رواته من أهل المدينة، لم يرو عنه منهم غير إبراهيم بن سعد. وقال ابن عدي: ولمحمد بن إسحاق حديث كثير، وقد رَوَى عنه أئمة الناس، ولو لم يكن له من الفضل إلا أنه صرف الملوك عن الاشتغال بكُتُب لا يحصل منها شيء إلى الاشتغال بمغازي رسول الله ﷺ ، ومبعثه، ومبدأ الخلق لكانت هذه فضيلةً سَبَق إليها، وقد صنفها بعده قوم، فلم يبلغوا مبلغه، وقد فَتَّشْتُ أحاديثَهُ الكثير فلم أجد فيها ما يتهيأُ أن يُقطع عليه بالضعف، وربما أخطأ أو يهم في الشيء بعد الشيء كما يخطىء غيره، وهو لا بأس به. وذكره النسائي في الطبقة الخامسة من أصحاب الزهري. وقال ابن المديني: ثقة لم يضعه عندي إلا روايته عن أهل الكتاب. قال الحافظ: وكذبه سليمان التيمي، ويحيى القطان، ووهيب بن خالد، فأما وهيب والقطان فقلدا فيه هشام بن عروة ومالكا، وأما سليمان التيمي فلم يتبين لي لأي

стр. 456

شيء تكلم فيه، والظاهر أنه لأمر غير الحديث؛ لأن سليمان ليس من أهل الجرح والتعديل. قال ابن حبان في "الثقات" تكلم فيه رجلان: هشام ومالك، فأما قول هشام فليس مما يجرح به الإنسان، وذلك أن التابعين سمعوا من عائشة من غير أن ينظروا إليها، وكذلك ابن إسحاق كان سمع من فاطمة، والستر بينهما مُسْبَل، وأما مالك فإن ذلك كان منه مرة واحدة، ثم عادله إلى ما يُحبّ، ولم يكن يقدح فيه من أجل الحديث، إنما كان ينكر تتبعه غزوات النبي ﷺ من أولاد اليهود الذين أسلموا، وحفظوا قصة خيبر وغيرها، وكان ابن إسحاق يتتبع هذا منهم من غير أن يحتج بهم، وكان مالك لا يرى الرواية إلا عن متقن. ولما سئل ابن المبارك قال: إنا وجدناه صدوقا ثلاث مرات. قال ابن حبان: ولم يكُن أحدٌ بالمدينة يقارب ابن إسحاق في علمه، ولا يوازيه في جمعه، وهو من أحسن الناس سياقا للأخبار إلى أن قال: وكان يكتب عمن فوقه ومثله ودونه، فلو كان ممن يستحل الكذب لم يحتج إلى النزول، فهذا يدلك على صدقه، سمعت محمد ابن نصر الفراء يقول: سمعت يحيى بن يحيى، وذُكِرَ عنده محمد بن إسحاق فوثقه. وقال الدارقطني: اختلف الأئمة فيه، وليس بحجة إنما يُعتَبر به. وقال أبو يعلى الخليلي: محمد ابن إسحاق عالم كبير، وإنما لم يخرجه البخاري من أجل روايته المطولات، وقد استشهد به، وأكثر عنه فيما يَحكِي في أيام النبي ﷺ وفي أحواله وفي التواريخ، وهو عالم واسع الرواية والعلم ثقة. وقال ابن الْبَرْقِيّ: لم أر أهل الحديث يختلفون في ثقته وحسن حديثه وروايته، وفي حديثه عن نافع بعض الشيء. وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال الحاكم: قال محمد بن يحيى: هو حسن الحديث، عنده غرائب. ورَوَى عن الزهري، فأحسن الرواية. قال الحاكم: وذُكِر عن البوشنجي أنه قال: هو عندنا ثقة ثقة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الوسط في ابن إسحاق، هو ما قاله الإمام الذهبيّ رحمه الله تعالى في "الميزان" -بعد ما ساق أقوال المعدّلين والجارحين له-:

стр. 457

فالذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال، صدوقٌ، وما انفرد به ففيه نكارة؛ فإن في حفظه شيئًا، وقد احتجّ به أئمة، فالله تعالى أعلم انتهى (١). قال الجامع: ويزاد على قوله: "حسن الحديث": "إن صرّح بالتحديث؛ لكونه مدلّسًا"، والله تعالى أعلم. قال عمرو بن علي: مات سنة خمسين. وقال الهيثم بن عدي: مات سنة إحدى. وقال ابن معين وابن المديني: مات سنة اثنتين. وقال خليفه بن خياط: مات سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين ومائة. روى له مسلم سبعة أحاديث في المتابعات (٢) وعلق له البخاري، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (٨٠) حديثًا. ٤ - (مَعبَد بن كعب) بن مالك الأنصاري السلمي المدني، كان أصغر الإخوة، السَّلَميّ، صدوق (٣) [٣]. رَوَى عن أبي قتادة، وجابر، وعن أخويه عبد الله وعبيد الله، ورَوَى عنه وهب بن كيسان، ومحمد بن عمرو بن حلحلة، والعلاء بن عبد الرحمن، والوليد بن كثير، وابن إسحاق، وأسامة بن زيد الليثي، وعيسى بن معاوية، وعُقَيل بن خالد. ذكره بن حبان في "الثقات"، أخرج له البخاري حديثا واحدًا (٤) ومسلم (٥)، وأبو داود في "الناسخ

стр. 458

والمنسوخ"، والنسائي، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا، وحديث رقم (٢٢٠٠) "إياكم وكثرة الحلف ... " الحديث. ٥ - (أبو قتادة) الأنصاري السَّلَمِيّ فارس رسول الله ﷺ اسمه الحارث بن رِبْعيّ -بكسر الراء، وسكون الموحّدة، بعدها عين مهملة-، وقيل: النعمان، وقيل: عمرو، وقيل: عون، وقيل، مراوح، والمشهور الحارث بن ربعي بن بُلْدُمَة -بضم الموحّدة والمهملة، بينهما لام ساكنة-ابن خُناس -بضم المعجمة، وتخفيف النون، وآخره مهملة- ابن سنان بن عُبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سَلَمَة السَّلَمي -بفتحتين- المدني. وأمه كبشة بنت مُطَهَّر بن حرام بن سَوَاد بن غَنْم. روى عن النبي ﷺ ، وعن معاذ بن جبل، وعمر بن الخطاب، وعنه ولداه ثابت وعبد الله، ومولاه أبو محمد نافع بن عباس بن الأقرع، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن رباح الأنصاري، ومعبد بن كعب بن مالك، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن سليم الزرقي، وآخرون. قال ابن سعد شهد أُحُدًا وما بعدها. وقال الحاكم أبو أحمد يقال: كان بدريا ولا يصح. وأخرج مسلم في "صحيحه" عن إياس بن سلمة عن أبيه، قال النبي ﷺ : "خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجالنا سلمة ابن الأكوع". وأخرج مسلم أيضًا عن أبي قتادة في قصة طويلة قال: كنت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره إذ مال عن راحلته، قال: فدعمته، فاستقيظ ... فذكر الحديث، وفيه: "حفِظَك الله كما حفِظت نَبِيَّهُ ﷺ ". وقال أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري: أخبرني من هو خير مني أبو قتادة. وقال الواقدي: توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، ويقال: ابن سبعين، ولم أَرَ بين علمائنا اختلافا في ذاك، قال: وروى أهل الكوفة أنه مات بالكوفة، وعلي بها، وصلى عليه. وحكى خليفة أن ذلك كان سنة ثمان وثلاثين، وهو شاذّ، والأكثر على أنه مات سنة أربع وخمسين. ومما يؤيد ذلك أن البخاري ذكره في "الأوسط" في "فصل من مات بعد الخمسين إلى الستين"، ثم

стр. 459

روى بإسناده أن مروان بن الحكم لما كان واليا على المدينة من قِبَل معاوية أرسل إلى أبي قتادة ليريه مواقف النبي ﷺ وأصحابه، فانطلق معه فأراه. وقال ابن عبد البر: رُوي من وجوه عن موسى بن عبد الله والشعبي أنهما قالا: صلى عليٌّ على أبي قتادة، وكبر عليه سبعًا، قال الشعبي: وكان بدريا، ورجح هذا ابن القطان، ولكن قال البيهقي: رواية موسى والشعبي غلط؛ لإجماع أهل التاريخ على أن أبا قتادة بقي إلى بعد الخمسين. قال الحافظ: ولأن أحدا لم يوافق الشعبي على أنه شهد بدرًا، والظاهر أن الغلط فيه ممن دون الشعبي. والله تعالى أعلم. انتهى (١). والحاصل أن الأصحّ في وقت وفاته ما قاله الواقديّ. أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (١٧٠) حديثًا، اتفقا على على (١١) وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بثمانية، وله في هذا الكتاب (٢٥) حديثًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، فإن ابن إسحاق علّق له البخاريّ، واستشهد به مسلم، كما سبق بيانه في ترجمته. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، ويحيى، فكوفيّان. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارث بن ربعيّ الأنصاريّ الصحابي ﵁، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: -عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ-) يريد منبر المدينة النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة، وأزكى التحيّة (إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحدِيثِ عَنِّي) أي باعدوا أنفسكم عن كثرة

стр. 460

الحديث عنّي، وهذا التركيب هو الذي يُسمّى في علم النحو بـ "التحذير"، وهو تنبيه المخاطب على أمر يجب الاحتراز منه، نحو: "إياك والشرّ"، وهو منصوب بفعل محذوف وجوبًا، فقيل: التقدير: اتّقوا أنفسكم وكثرة الحديث، وقيل: باعدوا أنفسكم من كثرة الحديث، وكثرة الحديث منكم، وقيل: احذروا تلاقي أنفسكم وكثرة الحديث. وإلى هذا أشار ابن مالك في "خلاصته" حيث قال: إِيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ ... مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ وَدُونَ عَطْفٍ ذَا لإِيَّا انْسُبْ وَمَا ... سِوَاهُ سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا إِلَّا مَعَ الْعَطْفِ أَوِ التَّكرَارِ ... كَالضَّيْغَمَ الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي وَكَمُحَذَّرٍ بِلَا إِيَّا اجْعَلَا ... مُغْرًى بِهِ في كُلِّ مَا قَدْ فُصِّلَا وراجع تفاصيل المسألة في شروح "الخلاصة"، وحواشيها في "باب التحذير والإغراء". والله تعالى أعلم. (فَمَنْ قَالَ عَلَيَّ) أي أراد نسبة القول إليّ (فَلْيَقُلْ حَقًّا أَوْ صِدْقًا) "أو" للشكّ من الراوي (وَمَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ) أي افترى عليّ، ونسب إليّ ما لم أقله (فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ") أي هذا جزاؤه، وقد تقدّم أنه يحتمل أن يكون إخبارًا، وأن يكون دعاء عليه، وفي كلا الحالتين وعيد شديد؛ لأن إخباره ﷺ واقع حقّا وصدقًا، ودعاءه لمن يستحقّ مستجاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي قتادة ﵁ هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلّسٌ، كما سبق في ترجمته؟. [قلت]: ثبت تصريحه عند الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، ونصّه:
следующие страницы →