شيء تكلم فيه، والظاهر أنه لأمر غير الحديث؛ لأن سليمان ليس من أهل الجرح والتعديل.
قال ابن حبان في "الثقات" تكلم فيه رجلان: هشام ومالك، فأما قول هشام فليس مما يجرح به الإنسان، وذلك أن التابعين سمعوا من عائشة من غير أن ينظروا إليها، وكذلك ابن إسحاق كان سمع من فاطمة، والستر بينهما مُسْبَل، وأما مالك فإن ذلك كان منه مرة واحدة، ثم عادله إلى ما يُحبّ، ولم يكن يقدح فيه من أجل الحديث، إنما كان ينكر تتبعه غزوات النبي ﷺ من أولاد اليهود الذين أسلموا، وحفظوا قصة خيبر وغيرها، وكان ابن إسحاق يتتبع هذا منهم من غير أن يحتج بهم، وكان مالك لا يرى الرواية إلا عن متقن. ولما سئل ابن المبارك قال: إنا وجدناه صدوقا ثلاث مرات. قال ابن حبان: ولم يكُن أحدٌ بالمدينة يقارب ابن إسحاق في علمه، ولا يوازيه في جمعه، وهو من أحسن الناس سياقا للأخبار إلى أن قال: وكان يكتب عمن فوقه ومثله ودونه، فلو كان ممن يستحل الكذب لم يحتج إلى النزول، فهذا يدلك على صدقه، سمعت محمد ابن نصر الفراء يقول: سمعت يحيى بن يحيى، وذُكِرَ عنده محمد بن إسحاق فوثقه. وقال الدارقطني: اختلف الأئمة فيه، وليس بحجة إنما يُعتَبر به. وقال أبو يعلى الخليلي: محمد ابن إسحاق عالم كبير، وإنما لم يخرجه البخاري من أجل روايته المطولات، وقد استشهد به، وأكثر عنه فيما يَحكِي في أيام النبي ﷺ وفي أحواله وفي التواريخ، وهو عالم واسع الرواية والعلم ثقة. وقال ابن الْبَرْقِيّ: لم أر أهل الحديث يختلفون في ثقته وحسن حديثه وروايته، وفي حديثه عن نافع بعض الشيء. وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال الحاكم: قال محمد بن يحيى: هو حسن الحديث، عنده غرائب. ورَوَى عن الزهري، فأحسن الرواية. قال الحاكم: وذُكِر عن البوشنجي أنه قال: هو عندنا ثقة ثقة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الوسط في ابن إسحاق، هو ما قاله الإمام الذهبيّ رحمه الله تعالى في "الميزان" -بعد ما ساق أقوال المعدّلين والجارحين له-:
стр. 457
فالذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال، صدوقٌ، وما انفرد به ففيه نكارة؛ فإن في حفظه شيئًا، وقد احتجّ به أئمة، فالله تعالى أعلم انتهى (١).
قال الجامع: ويزاد على قوله: "حسن الحديث": "إن صرّح بالتحديث؛ لكونه مدلّسًا"، والله تعالى أعلم.
قال عمرو بن علي: مات سنة خمسين. وقال الهيثم بن عدي: مات سنة إحدى.
وقال ابن معين وابن المديني: مات سنة اثنتين. وقال خليفه بن خياط: مات سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين ومائة.
روى له مسلم سبعة أحاديث في المتابعات (٢) وعلق له البخاري، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (٨٠) حديثًا.
٤ - (مَعبَد بن كعب) بن مالك الأنصاري السلمي المدني، كان أصغر الإخوة، السَّلَميّ، صدوق (٣) [٣].
رَوَى عن أبي قتادة، وجابر، وعن أخويه عبد الله وعبيد الله، ورَوَى عنه وهب بن كيسان، ومحمد بن عمرو بن حلحلة، والعلاء بن عبد الرحمن، والوليد بن كثير، وابن إسحاق، وأسامة بن زيد الليثي، وعيسى بن معاوية، وعُقَيل بن خالد. ذكره بن حبان في "الثقات"، أخرج له البخاري حديثا واحدًا (٤) ومسلم (٥)، وأبو داود في "الناسخ
стр. 458
والمنسوخ"، والنسائي، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا، وحديث رقم (٢٢٠٠) "إياكم وكثرة الحلف ... " الحديث.
٥ - (أبو قتادة) الأنصاري السَّلَمِيّ فارس رسول الله ﷺ اسمه الحارث بن رِبْعيّ -بكسر الراء، وسكون الموحّدة، بعدها عين مهملة-، وقيل: النعمان، وقيل: عمرو، وقيل: عون، وقيل، مراوح، والمشهور الحارث بن ربعي بن بُلْدُمَة -بضم الموحّدة والمهملة، بينهما لام ساكنة-ابن خُناس -بضم المعجمة، وتخفيف النون، وآخره مهملة- ابن سنان بن عُبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سَلَمَة السَّلَمي -بفتحتين- المدني. وأمه كبشة بنت مُطَهَّر بن حرام بن سَوَاد بن غَنْم.
روى عن النبي ﷺ ، وعن معاذ بن جبل، وعمر بن الخطاب، وعنه ولداه ثابت وعبد الله، ومولاه أبو محمد نافع بن عباس بن الأقرع، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن رباح الأنصاري، ومعبد بن كعب بن مالك، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن سليم الزرقي، وآخرون. قال ابن سعد شهد أُحُدًا وما بعدها. وقال الحاكم أبو أحمد يقال: كان بدريا ولا يصح. وأخرج مسلم في "صحيحه" عن إياس بن سلمة عن أبيه، قال النبي ﷺ : "خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجالنا سلمة ابن الأكوع". وأخرج مسلم أيضًا عن أبي قتادة في قصة طويلة قال: كنت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره إذ مال عن راحلته، قال: فدعمته، فاستقيظ ... فذكر الحديث، وفيه: "حفِظَك الله كما حفِظت نَبِيَّهُ ﷺ ". وقال أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري: أخبرني من هو خير مني أبو قتادة. وقال الواقدي: توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، ويقال: ابن سبعين، ولم أَرَ بين علمائنا اختلافا في ذاك، قال: وروى أهل الكوفة أنه مات بالكوفة، وعلي بها، وصلى عليه. وحكى خليفة أن ذلك كان سنة ثمان وثلاثين، وهو شاذّ، والأكثر على أنه مات سنة أربع وخمسين. ومما يؤيد ذلك أن البخاري ذكره في "الأوسط" في "فصل من مات بعد الخمسين إلى الستين"، ثم
стр. 459
روى بإسناده أن مروان بن الحكم لما كان واليا على المدينة من قِبَل معاوية أرسل إلى أبي قتادة ليريه مواقف النبي ﷺ وأصحابه، فانطلق معه فأراه. وقال ابن عبد البر: رُوي من وجوه عن موسى بن عبد الله والشعبي أنهما قالا: صلى عليٌّ على أبي قتادة، وكبر عليه سبعًا، قال الشعبي: وكان بدريا، ورجح هذا ابن القطان، ولكن قال البيهقي: رواية موسى والشعبي غلط؛ لإجماع أهل التاريخ على أن أبا قتادة بقي إلى بعد الخمسين. قال الحافظ: ولأن أحدا لم يوافق الشعبي على أنه شهد بدرًا، والظاهر أن الغلط فيه ممن دون الشعبي. والله تعالى أعلم. انتهى (١).
والحاصل أن الأصحّ في وقت وفاته ما قاله الواقديّ.
أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (١٧٠) حديثًا، اتفقا على على (١١) وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بثمانية، وله في هذا الكتاب (٢٥) حديثًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، فإن ابن إسحاق علّق له البخاريّ، واستشهد به مسلم، كما سبق بيانه في ترجمته.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، ويحيى، فكوفيّان. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارث بن ربعيّ الأنصاريّ الصحابي ﵁، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: -عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ-) يريد منبر المدينة النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة، وأزكى التحيّة (إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحدِيثِ عَنِّي) أي باعدوا أنفسكم عن كثرة
стр. 460
الحديث عنّي، وهذا التركيب هو الذي يُسمّى في علم النحو بـ "التحذير"، وهو تنبيه المخاطب على أمر يجب الاحتراز منه، نحو: "إياك والشرّ"، وهو منصوب بفعل محذوف وجوبًا، فقيل: التقدير: اتّقوا أنفسكم وكثرة الحديث، وقيل: باعدوا أنفسكم من كثرة الحديث، وكثرة الحديث منكم، وقيل: احذروا تلاقي أنفسكم وكثرة الحديث.
وإلى هذا أشار ابن مالك في "خلاصته" حيث قال:
إِيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ ... مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ
وَدُونَ عَطْفٍ ذَا لإِيَّا انْسُبْ وَمَا ... سِوَاهُ سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا
إِلَّا مَعَ الْعَطْفِ أَوِ التَّكرَارِ ... كَالضَّيْغَمَ الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي
وَكَمُحَذَّرٍ بِلَا إِيَّا اجْعَلَا ... مُغْرًى بِهِ في كُلِّ مَا قَدْ فُصِّلَا
وراجع تفاصيل المسألة في شروح "الخلاصة"، وحواشيها في "باب التحذير والإغراء". والله تعالى أعلم.
(فَمَنْ قَالَ عَلَيَّ) أي أراد نسبة القول إليّ (فَلْيَقُلْ حَقًّا أَوْ صِدْقًا) "أو" للشكّ من الراوي (وَمَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ) أي افترى عليّ، ونسب إليّ ما لم أقله (فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ") أي هذا جزاؤه، وقد تقدّم أنه يحتمل أن يكون إخبارًا، وأن يكون دعاء عليه، وفي كلا الحالتين وعيد شديد؛ لأن إخباره ﷺ واقع حقّا وصدقًا، ودعاءه لمن يستحقّ مستجاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي قتادة ﵁ هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلّسٌ، كما سبق في ترجمته؟.
[قلت]: ثبت تصريحه عند الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، ونصّه:
стр. 461
حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا محمد -يعني ابن إسحاق- حدثني ابن لكعب بن مالك، عن أبي قتادة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على هذا المنبر: "يا أيها الناس إياكم وكثرة الحديث عني، من قال عليّ، فلا يقولنّ إلا حقا أو صدقا، فمن قال عليّ ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار". فبهذا زال ما يُخشَى من تهمة التدليس، ولله الحمد.
فتبيّن بهذا أن قول الحافظ البوصيريّ رحمه الله تعالى في "الزوائد": وهذا إسناد ضعيف؛ لتدليس ابن إسحاق، غير صحيح؛ لتصريحه بالتحديث المذكور آنفًا، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٤/ ٣٥) بالسند المذكور، وهو من أفراد المصنّف لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) (٥/ ٢٩٧ و٣١٠) و (الدارميّ) رقم (٢٤٣) و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" رقم (٤١٣ و٤١٤) والله تعالى وليّ التوفيق، وله الحمد والنعمة، ومنه الفضل والعصمة، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال:
٣٦ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، مُحَمَّد بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، أَبِي صَخْرَةَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: مَا ليَ لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ كَمَا أَسْمَعُ ابْنَ مَسْعُودٍ وَفُلَانًا وَفُلَانًا؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً يَقُولُ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتبَؤَأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ")
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في السند الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بن عثمان العبديّ، أبو بكر بُندار البصرىّ، ثقة حافظٌ [١٠] ١/ ٦.
٣ - (غندر محمد بن جعفر) الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة صحيح
стр. 462
الكتاب [٩] ١/ ٦.
٤ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور، أبو بسطام البصريّ [٧] ١/ ٦.
٥ - (جامع بن شدّاد أبو صخرة) الكوفيّ، ثقة [٥].
رَوَى عن صفوان بن محُرِز وطارق بن عبد الله المحاربي، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي بردة بن أبي موسى، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وجماعة.
ورَوَى عنه الأعمش، ومسعر، وشعبة، والثوري، والمسعودي، وأبو العميس، وغيرهم.
قال البخاري عن علي: له نحو عشرين حديثًا. وقال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة متقن. وقال العجلي: شيخ عالٍ ثقةٌ، من قدماء شيوخ الثوري. وقال، أبو نعيم: مات سنة ١٨، وقال ابن سعد: مات سنة ١٢٨، وقال في موضع آخر: سنة ٢٧.
وفي كتاب "الطبقات" لابن سعد: أخبرنا طلق بن غنام: سمعت قيس بن الربيع يقول: مات جامع بن شداد ليلة الجمعة لليلة بقيت من رمضان سنة ١١٨ وكذا ذكر ابن حبان في "الثقات" وفاته، ثم قال: وقيل: سنة ٢٧. وفيها أرخه خليفة بن خياط. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦) أحاديث برقم ٣٦ و٤٥٢ و ١٥٧٥ و ٢٦٦٠ و٣٠٢١ و٤٢١٢.
٦ - (عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوّام الأسديّ، أبو الحارث المدنيّ، وأمه حَنْتَمَةُ بنت عبد الرحمن بن هشام، ثقة عابدٌ [٤].
رَوَى عن أبيه، وخاله أبي بكر بن عبد الرحمن، وأنس، وعمرو بن سُلَيم الزُّرَقيّ، وعوف بن الحارث رضيع عائشة، وصالح بن خَوّات بن جبير.
ورَوَى عنه أخوه عمر، وابن أخيه مصعب بن ثابت، وابن ابن عمه عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير، وغيرهم.
стр. 463
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة من أوثق الناس. وقال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صالح، وقال ابن سعد: كان عابدا فاضلًا، وكان ثقة مأمونًا، وله أحاديث يسيرة. وقال الخليلي: أحاديثه كلها يُحتَجّ بها. وقال العجلي: مدني تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات": وقال: كان عالمًا فاضلًا، مات سنة (١٢١). وقال الواقدي: مات قبل هشام أو بعده بقليل، قال: ومات هشام، سنة أربع وعشرين ومائة. والصحيح أنه مات سنة (٥).
أخرج له الجماعة، وله عند الترمذيّ حديث واحد في الأمر بتحية المسجد، وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث فقط، برقم ٣٦ و١٠٠٣ و٤١٨٢ و٤٢٣٣.
٧ - (أبوه) عبد الله بن الزبير بن العوّام القرشيّ الأسديّ، أبو بكر، وأبو خُبيب، أول مولود في الإسلام بالمدينة للمهاجرين، ولي الخلافة تسع سنين، وقتل في ذي الحجة سنة (٧٣) تقدّم في ٢/ ١٥.
٨ - (الزبير بن العوّام) بن خُويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قُصيّ بن كلاب، أبو عبد الله القرشيّ الأسديّ، أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة، قُتل سنة (٣٦) بعد منصرفه من وقعة الجمل، تقدّم في ٢/ ١٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
٣ - (ومنها): أن شيخه محمد بن بشار أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وصحابيّ عن صحابي، وروية الابن عن أبيه، عن جدّه.
٥ - (ومنها): أن عبد الله بن الزبير ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأول مولود للمهاجرين بعد الهجرة، وقد فرح المسلمون بولادته، حيث إن المنافقين كانوا
стр. 464
يزعمون أنه لا يولد لهم؛ لأن اليهود سحرتهم، فأبطل الله ذلك الزعم الباطل بسببه.
٦ - (ومنها): أن الزبير ﵁ أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين مات النبيّ ﷺ ، وهو عنهم راض، وحواريّ رسول الله ﷺ . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ ابْنِ الْعَوَّامِ) ﵁ (مَا لِيَ) "ما" استفهاميّة: أي أيُّ شيء ثبت (لَا) نافية (أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ ) جملة "تُحدّث" في محلّ نصب على الحال من المفعول (كَمَا أَسْمَعُ ابْنَ مَسْعُودٍ) ﵁ (وَفُلَانًا وَفُلَانًا؟) لم يُعرف اسمهما (قَالَ) أي الزبير ﵁ (أَمَا) بتخفيف الميم: أداة استفتاح وتنبيه، بمنزلة "ألا" (إنِّي) بكسر الهمزة، لوقوعها بعد أداة الاستفتاح (لَمْ أُفَارِقهُ) أي لم أفارق رسول الله ﷺ (مُنْذُ أَسْلَمْتُ) أراد به أغلب الأوقات، وإلا فقد هاجر الزبير إلى الحبشة، وكذا لم يكن مع النبيّ ﷺ في حال هجرته إلى المدينة، وإنما أورد هذا الكلام على سبيل التوجيه للسؤال؛ لأن لازم الملازمة السماعُ، ولازمه عادةً التحديثُ، لكن منعه من ذلك ما خشيه من معنى الحديث الذي ذكره، ولهذا أتى بقوله: "لكن"، وقد أخرجه الزبير بن بَكّار في "كتاب النسب" من وجه آخر عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: "عناني ذلك" يعني قلة رواية الزبير، "فسألته" أي عن ذلك، "فقال يا بُنَيّ كان بيني وبينه من القرابة والرحم ما علمتَ، وعمته أمي، وزوجته خديجة عمتي، وأمه آمنة بنت وهب، وجدتي هالة بنت وهب ابني وهيب بن عبد مناف بن زهرة، وعندي أمك، وأختمها عائشة عنده، ولكني سمعته يقول ... ".
(وَلَكِنِّي) قال العينيّ رحمه الله تعالى: فإن قلت: شرط "لكن" أن تتوسّط بين كلامين متغايرين، فما هما هنا؟. قلت: لازم عدم المفارقة السماع، ولازم السماع التحديث عادةً، ولازم التحديث الذي ذكره في الجواب عدم التحديث، فبين الكلامين
стр. 465
منافاة فضلًا عن المغايرة. انتهى (١) (سَمِعْتُ مِنْهُ كلِمَةً يَقُولُ) إنما عدل عن "قال"، وإن كان هو المناسب لـ"سمعت" حتّى يتوافقا مضيّا استحضارًا لصورة القول للحاضرين والحكاية عنها كأنه يُريهم أنه قال به الآن. (٢) (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا) هكذا في رواية المصنّف بزيادة "متعمّدًا"، وكذا للإسماعيلي من طريق معاذ، عن شعبة، ووقع في رواية البخاري بدونه، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق غندر عن شعبة وكذا في رواية الزبير بن بكار المذكورة، قال الحافظ: والاختلاف فيه على شعبة، وقد أخرجه الدارمي من طريق أخرى، عن عبد الله بن الزبير بلفظ: "من حدث عني كذبا"، ولم يذكر العمد.
وفي تمسك الزبير ﵁ بهذا الحديث على ما ذهب إليه من اختيار قلة التحديث دليل للأصح في أن الكذب هو الأخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه، سواء كان عمدا أم خطأً، والمخطيء وإن كان غير مأثوم بالإجماع، لكن الزبير خَشِي من الإكثار أن يقع في الخطإ، وهو لا يشعر، لأنه وإن لم يأثم بالخطإ لكن قد يأثم بالإكثار؛ إذ الإكثار مظنة الخطإ، والثقة إذا حدث بالخطإ، فحمل عنه، وهو لا يشعر أنه خطأ يُعمَل به على الدوام؛ للوثوق بنقله، فيكون سببا للعمل بما لم يقُله الشارع، فمن خشي من إكثار الوقوع في الخطإ لا يؤمن عليه الإثم إذا تعمد الإكثار، فمن ثَمِّ توقف الزبير وغيره من الصحابة ﵃ عن الإكثار من التحديث، وأما من أكثر منهم فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبيت، أو طالت أعمارهم، فاحتيج إلى ما عندهم، فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان ﵃. قاله في "الفتح" (٣).
(فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) أي فليتخذ لنفسه منزلًا، يقال: تبوأ الرجل المكانَ: إذا اتخذه سَكَنًا، وهو أمر بمعنى الخبر أيضًا، أو بمعنى التهديد، أو بمعنى التهكم، أو دعاء
стр. 466
على فاعل ذلك: أي بوأه الله ذلك. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى: مَن كَذَب فليأمر نفسه بالتبوء، ويلزم عليه، كذا قال، وأولها أولاها، فقد رواه أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر بلفظ: "بُنِي له بيت في النار".
قال الطيبي فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه، أي كما أنه قصد في الكذب التعمد، فليقصد بجزائه التبوء. انتهى (١). والله تعالى وليّ التوفيق، وهو الهادي لأقوم طريق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث الزبير بن العوّام ﵁ هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف ﵀ هنا (٤/ ٣٦) بالسند المذكور، و (البخاريّ) (١/ ٣٨) و (أبو داود) رقم (٣٦٥١) و (النسائيّ) في "الكبرى" "العلم" (٣/ ٤٥٧) رقم (٥٩١٢) و (أحمد) في "مسنده" (١/ ١٦٥ و١٦٦) من هذا الوجه. وأخرجه (الدارميّ) في "سننه" رقم (٢٣٩) من طريق عبد الله بن عروة، عن عبد الله بن الزبير. وأخرجه (ابن حبّان) في "صحيحه" رقم (٦٩٨٢) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير عنه. وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، والله تعالى وليّ التوفيق، وله الحمد والنعمة، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال:
٣٧ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتبَوأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ").
стр. 467
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سهل الهرويّ الأصل، ثم الْحَدَثانيّ -بفتح المهملة، والمثلّثة- ويقال له الأنباريّ، أبو محمد، صدوق في نفسه، إلا أنه عَمِي فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، وأفحش فيه القول ابنُ معين، من قدماء [١٠] تقدّم أول الباب برقم ٣٠.
٢ - (عِليُّ بْنُ مُسْهِرٍ) -بضم الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء- القرشيّ الكوفيّ الحافظ، قاضي الموصل، ثقة له غرائب بعد ما أضرّ [٨] ٥٢/ ٦٦.
رَوَى عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وموسى الجهني، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو بكر، وعثمان ابنا أبي شيبة، وخالد بن مخلد، وإسماعيل بن الخليل، وبشر بن آدم، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صالح الحديث، أثبت من أبي معاوية. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: هو أحب إليك أو أبو خالد الأحمر؟ فقال: ابن مسهر، فقلت ابن مسهر أو إسحاق بن الأزرق؟ قال: ابن مسهر، قلت: ابن مسهر أو يحيى بن أبي زائدة؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال يحيى بن معين: قال: ابن نمير: كان قد دَفَن كتبه، قال يحيى: وهو أثبت من ابن نمير. وقال العجلي: قرشي من أنفسهم، كان ممن جَمَع الحديث والفقه ثقة. وقال أبو زرعة: صدوق ثقة. وقال النسائي: ثقة.
وقال العجلي أيضا: صاحب سنة، ثقة في الحديث ثبت فيه، صالح الكتاب، كثير الرواية عن الكوفيين. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال العُقيليّ: قال أبو عبد الله -يعني أحمد-: لما سئل عنه، لا أدري كيف أقول؟ قال: كان قد ذهب بصره فكان يحدثهم من حفظه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة تسع وثمانين ومائة. وعن يحيى بن معين: أنه وَلِيَ قضاءَ أرمينية، فاشتكى عينه، فَدَسَّ القاضي الذي كان بأرمينية إليه طبيبا فكحله، فذهبت عينه، فرجع إلى الكوفة أعمى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٥) حديثًا.
٣ - (مطرف) -بضمّ أوله، وفتح ثانيه، وتشديد الراء المكسورة- ابن طَرِيف الحارثيّ،
стр. 468
ويقال: الخارفيّ، أبو بكر، يقال: أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة فاضلٌ، من صغار [٦].
رَوَى عن الشعبي، وأبي إسحاق السبيعي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وحبيب بن أبي ثابت، وسليمان بن الجهم، وسلمة بن كهيل، وعطية العوفي، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو عوانة، وهشيم، وأبو جعفر الرازي، وعليّ مسهر، وغيرهم.
قال أحمد وأبو حاتم: ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: قلت لأحمد: أصحابُ الشعبي مَنْ أحبهم إليك؟ قال: ليس عندي فيهم مثل إسماعيل بن أبي خالد، قلت: ثُمّ مَنْ؟ قال: مطرف، وقال في موضع آخر: الشيبانيُّ، ومطرف، وحصين، هؤلاء ثقات. وقال مرة عن أبي داود: بَيَانٌ فوق مُطَرِّف، ومطرف ثقة، وابن أبي السَّفَر دونه، حدثنا الحسن بن علي، حدثنا الشافعي قال: ما كان ابن عيينة بأحد أشد إعجابا منه بمطرف. وقال علي ابن المديني: حدثنا سفيان، حدثنا مُطَرِّف، وكان ثقة. وقال محمد بن عمرو الباهلي عن ابن عيينة قال مطرف: ما يُسرُّني أني كذبت كذبةً، وأن لي الدنيا وما فيها. وقال داود بن عُلْبَة ما أعرف عربيا ولا عجميا أفضل من مُطَرِّف بن طَرِيف. وقال العجليّ: صالح الكتاب، ثقة ثبت في الحديث، ما يُذكر عنه إلا الخير في المذهب. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: هو ثقة صدوق، وليس بثبت. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت.
قال ابن حبان: مات سنة ثلاث وثلاثين، وقد قيل: سنة اثنتين وأربعين. وقال البخاري: قال عبد الله بن الأسود، عن أبي عبد الله البَجَليّ: مات سنة إحدى أو اثنتين وأربعين. وقال عمرو بن علي: مات سنة ثلاث وأربعين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث فقط برقم ٣٧ و١٦٩٣ و٢٥٥٩ و٢٦٤٨.
٤ - (عطية) بن سَعْد بفتح، فسكون -ابن جُنّادة -بضمّ الجيم، بعدها نون خفيفة -الْعَوْفيّ الْجَدَليّ -بفتح الجيم والمهملة- الْقَيسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، صدوقٌ يُخطىء كثيرًا، كان شيعيّا مُدلّسًا [٣].
رَوَى عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن أرقم،
стр. 469
وعكرمة، وعدي بن ثابت، وعبد الرحمن بن جندب، وغيرهم. ورَوَى عنه ابناه: الحسن وعمر، والأعمش، والحجاج بن أرطاة، ومطرف بن طريف، وغيرهم.
قال البخاري: قال لي علي عن يحيى: عطية، وأبو هارون، وبشر بن حرب عندي سواءٌ، وكان هشيم يتكلم فيه. وقال مسلم بن الحجاج: قال أحمد -وذكر عطية العوفي- فقال: هو ضعيف الحديث، ثم قال: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبيّ، ويسأله عن التفسير، وكان يَكْنِيه بأبي سعيد، فيقول: قال أبو سعيد، وكان هشيم يضعف حديث عطية، قال أحمد: وحدثنا أبو أحمد الزبيري، سمعت الكلبيّ يقول: كناني عطية أبا سعيد. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: صالح. وقال أبو زرعة: لَيِّن. وقال أبو حاتم: ضعيف يُكتب حديثه، وأبو نضرة أحب إِلَيّ منه. وقال الجوزجاني: مائل. وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن عديّ: قد رَوَى عن جماعة من الثقات، ولعطية عن أبي سعيد أحاديث عِدَّة، وعن غير أبي سعيد، وهو مع ضعفه يكتب حديثه، وكان يُعَدّ مع شيعة أهل الكوفة.
وقال ابن حبان في "الضعفاء": بعد أن حكى قصته مع الكلبيّ بلفظ مُستغرب، فقال: سمع من أبي سعيد أحاديث، فلما مات جعل يُجالس الكلبيّ، ويَحضُر قِصَصَه، فإذا قال: قال رسول الله ﷺ كذا، فيحفظه، وكناه أبا سعيد، ويروي عنه، فإذا قيل له: مَنْ حدّثك بهذا؟ فيقول: حدثني أبو سعيد، فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري، وإنما أراد الكلبيّ، قال: لا يَحِلّ كَتْبُ حديثه إلا على التعجب، ثم أسند إلى أبي خالد الأحمر قال: قال لي الكلبيّ: قال لي عطية: كَنَيتك بأبي سعيد، فأنا أقول: حدثنا أبو سعيد.
وقال ابن سعد: أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا فضيل، عن عطية قال: لمّا وُلدت أَتَى بي أبي عليا ففرض لي في مائة. وقال ابن سعد: خرج عطية مع ابن الأشعث، فكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم أن يَعْرِضَه على سبّ عليّ، فإن لم يَفعل فاضربه أربعمائة سوط، واحلِقْ لحيته، فاستدعاه فأبى أن يسبّ، فأمضى حكم الحجاج فيه، ثم خرج إلى خراسان، فلم يزل بها حتى ولي عُمر بن هُبَيرة العراق، فقَدِمها، فلم يزل بها إلى أن توفي
стр. 470
سنة (١١) وكان ثقة -إن شاء الله- وله أحاديث صالحة، ومن الناس من لا يحتج به. وقال أبو داود: ليس بالذي يُعتمد عليه. قال أبو بكر البزار: كان يَغلُو في التشيع، رَوَى عنه جِلَّة الناس. وقال الساجي: ليس بحجة، وكان يُقَدِّم عليا على الكل.
قال محمد بن عبد الله الحضرميّ: تُوفي سنة إحدى عشرة ومائة. وقيل: مات سنة (٢٧) ذكره ابن قانع والقراب. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذي، والمصنّف، وله في هذا الكتاب (٢٥) حديثًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخص مما سبق أن عطيّة الْعَوفيّ ضعيف، وأما توثيق ابن سعد له مخالفًا للجمهور فمما لا يُلتفت إليه. والله تعالى أعلم.
٥ - (أبو سعيد) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد بن ثَعْلَبة بن عُبيد بن الأبجر -وهو خُدْرَة- ابن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أبو سعيد الخدري، مشهورٌ بكنيته، استُصغِر يوم أحد، واستُشهد أبوه بها، وغزا هو بعد ذلك اثتتي عشرة غزوة، رَوَى عن النبي ﷺ الكثير، وعن أبيه، وأخيه لأمه قتادة بن النعمان، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وأبي قتادة الأنصاري، وعبد الله بن سلام، وأُسيد بن حُضير، وابن عباس، وأبي موسى الأشعري، ومعاوية، وجابر بن عبد الله. ورَوَى عنه ابنه عبد الرحمن، وزوجته زينب بنت كعب بن عجرة، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وزيد بن ثابت، وأبو أمامة بن سهل، ومحمود بن لبيد، وابن المسيب، وطارق بن شهاب، وأبو الطفيل، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يسار، وعطاء بن يزيد، وخلق كثير.
قال حنظلة بن أبي سفيان عن أشياخه: لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله ﷺ أفقه من أبي سعيد. وقال الخطيب: كان من أفاضل الصحابة، وحفظ حديثا كثيرًا. ورَوَى الهيثم بن كُليب في "مسنده" من طريق عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جده قال: بايعت النبي ﷺ أنا وأبو ذر، وعبادة بن الصامت، ومحمد بن مسلمة، وأبو سعيد الخدري، وسادس على ألا تأخذنا في الله لومة لائم، فاستقال
стр. 471
السادس فأقاله (١).
قال الواقدي وابن نمير وابن بكير: مات سنة (٧٤). وقيل: مات سنة (٦٤) وهو ابن (٧٤) سنة، وفيه نظر. وقال أبو الحسن المدائني: مات سنة (٦٣). وقال العسكري: مات سنة (٦٥) أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (١١٧٠) حديثًا، اتفقا على (٤٣) وانفرد البخاريّ بـ (٢٦) ومسلم بـ (٥٢) حديثًا، وله في هذا الكتاب (١٥٨) حديثًا. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما شرح الحديث، فقد تقدّم قريبًا، وهو بهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف عطيّة الْعَوْفيّ، كما سبق في ترجمته، لكن متن الحديث صحيح، بل متواتر كما سبق بيان ذلك. وقال الحافظ أبو بكر البوصيريّ رحمه الله تعالى: هذا إسناد ضعيف؛ لضعف عطيّة، رواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" عن أسباط بن محمد، عن مطرف. انتهى. والله تعالى وليّ التوفيق، وله الحمد والنعمة، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 472
٥ - (باب من حدَّث عن رسُول الله ﷺ حديثًا وهو يرى أنه كَذِب)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "حَدَّث" بالبناء للفاعل. وقوله: "يُرى" ضُبط بوجهين:
(أحدهما): بفتح أوله وثالثه، ومعناه يعتقد. (والثاني): بضم أوله، وفتح ثالثه، ومعناه يَظُنّ مبنيّا للفاعل، وسيأتي تمام البحث فيه في شرح الحديث، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال:
٣٨ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عِلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلي ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا، وَهُوَ يَرَى أنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عبد الله بن محمد المذكور قبل حديث في الباب الماضي.
٢ - (عِليُّ بْنُ هَاشِمٍ) بن البريد -بفتح الموحّدة، وكسر الراء، بعدها تحتانيّة ساكنة- الْبَرِيديّ العائذيّ مولاهم، أبو الحسن الكوفيّ الخزاز، صدوقٌ يتشيّع، من صغار [٨].
رَوَى عن هشام بن عروة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلي، والأعمش، وطلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، ويزيد بن كيسان، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو معاوية، وإسماعيل بن إبراهيم القَطِيعي، وأحمد بن منيع، وسعيد بن سليمان الواسطيّ، وآخرون.
قال حنبل عن أحمد: ليس به بأس. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما أرى به بأسًا. وقال ابن أبي خيثمة وغير واحد عن ابن معين: ثقة. وقال أبو الحسن بن البراء عن ابن المديني: كان صدوقًا، زاد الباغندي عن ابن المديني: وكان يتشيع، وقال غيره
стр. 473
عن علي: ثقة، وكذا قال يعقوب بن شيبة. وقال الجوزجاني: كان هو وأبوه غاليين في مذهبهما. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال أبو حاتم: كان يتشيع، ويُكتَب حديثه. وقال الآجري عن أبي داود: سئل عنه عيسى بن يونس، فقال: أهل بيت تشيع، وليس ثَمَّ كَذِب. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، ثم ذكره في "الضعفاء"، وقال: كان غاليا في التشيع، ورَوَى المناكير عن المشاهير. وقال ابن سعد: كان صالح الحديث صدوقًا. وقال ابن عديّ: حدّث عنه جماعة من الأئمة، ويَروِي في فضائل عليّ ﵁ أشياء لا يرويها غيره، وهو -إن شاء الله- صدوق لا بأس به. ووثقه العجلي، وضعفه الدارقطني.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: سمعت منه سنة تسع وسبعين ومائة أولَ سنةِ طلبتُ الحديثَ مجلسًا، ثم عدت إليه المجلس الآخر، وقد مات. وقال ابن المثنى: مات سنة (١٨٠)، وقال محمد بن عبد الله الحضرميّ، ويعقوب بن شيبة: سنة (١٨١).
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم قال اللالكائي: له عنده حديثان، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث برقم ٣٨ و١٣٤٢ و٣٧٣٧.
٣ - (ابن أبي ليلى) هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ الفقيه قاضي الكوفة، صدوقٌ سيّء الحفظ جدًّا [٧].
رَوَى عن أخيه عيسى، وابن أخيه عبد الله بن عيسى، ونافع مولى ابن عمر، وأبي الزبير المكي، وعطاء بن أبي رباح، وعطيّة، وعمرو بن مرة، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه عمران، وقريبه عيسى بن المختار بن عبد الله بن عيسى، وزائدة، وابن جريج، وقيس ابن الربيع، وشعبة، والثوري، وأبو الأحوص، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: كان يحيى بن سعيد يضعفه. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان سيء الحفظ، مضطرب الحديث، كان فقهُ ابن أبي ليلى أحب إلينا من حديثه.
وقال مَرَّةً: ابنُ أبي ليلى ضعيف، وفي عطاء أكثر خطأ. وقال أبو داود الطيالسي عن شعبة: ما رأيت أحدا أسوأ حفظا من ابن أبي ليلى. وقال روح عن شعبة: أفادني ابن أبي
стр. 474
ليلى أحاديث، فإذا هي مقلوبة. وقال الجوزجاني عن أحمد بن يونس: كان زائدة لا يحدث عنه، وكان قد ترك حديثه. وقال أبو حاتم عن أحمد بن يونس: ذكره زائدة، فقال: كان أفقه أهل الدنيا. وقال العجلي: كان فقيها صاحب سنة صدوقًا جائز الحديث، وكان عالما بالقرآن، وكان من أحسب الناس، وكان جَمِيلًا نَبِيلًا، وأول من استقضاه على الكوفة يوسف بن عمر الثقفي. وقال ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين: ليس بذاك. وقال أبو زرعة: ليس بِأَقوَى ما يكون. وقال أبو حاتم: محله الصدق، كان سيء الحفظ، شُغِل بالقضاء، فساء حفظه، لا يُتَّهَم بشيء من الكذب، إنما يُنكَر عليه كثرة الخطإ، يُكتب حديثه ولا يحتج به، وهو والحجاج بن أرطاة ما أقربهما. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن حبان: كان فاحش الخطإ، ردىء الحفظ، فكثرت المناكير في روايته، تركه أحمد ويحيى. وقال الدارقطني: كان رديء الحفظ، كثير الوهم. وقال ابن جرير الطبري: لا يحتج به. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة عدل في حديثه بعض المقال، لين الحديث عندهم. وقال صالح بن أحمد عن ابن المديني: كان سيء الحفظ، واهي الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: عامة أحاديثه مقلوبة. وقال الساجي: كان سيء الحفظ، لا يتعمد الكذب، فكان يُمدَح في قضائه، فأما في الحديث فلم يكن حجة، قال: وكان الثوري يقول: فقهاؤنا ابن أبي ليلى، وابن شبرمة. وقال ابن خزيمة: ليس بالحافظ، وإن كان فقيهًا عالمًا.
قال البخاري: مات سنة ثمان وأربعين ومائة.
أخرج له الأربعة، وله ذكر في "كتاب الأحكام" من "صحيح البخاري" قال: أول من سأل على كتاب القاضي البينةَ ابنُ أبي ليلى، وسَوّار. وله في هذا الكتاب (٢٧) حديثًا.
٤ - (الحكم) بن عُتيبة -بالمثنّاة، ثم الموحّدة، مصغّرًا- الكنديّ مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عمر الكوفيّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ، إلا أنه ربّما دلّس [٥].
رَوَى عن أبي جحيفة، وزيد بن أرقم، وقيل: لم يسمع منه، وعبد الله بن أبي أوفى هؤلاء صحابة، وشُريح القاضي، وقيس بن أبي حازم، وموسى بن طلحة، ويزيد بن
стр. 475
شريك التيمي، وعائشة بنت سعد، وغيرهم.
ورَوَى عنه الأعمش، ومنصور، ومحمد بن جُحَادة، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو إسحاق الشيباني، وقتادة، وغيرهم من التابعين، وأبان بن صالح، وحجاج بن دينار، وسفيان بن حسين، والأوزاعي، ومسعر، وشعبة، وأبو عوانة، وعدة.
قال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير وعبدة بن أبي لبابة: ما بين لابتيها أفقه من الحكم. وقال مجاهد بن رُوميّ: رأيت الحكم في مسجد الخيف، وعلماء الناس عيال عليه. وقال جرير عن مغيرة: كان الحكم إذا قدم المدينة أخلوا له سارية النبي ﷺ يصلي إليها. وقال عباس الدُّوريّ: كان صاحب عبادة وفضل. وقال ابن عيينة: ما كان بالكوفة بعد إبراهيم والشعبي مثل الحكم وحماد. وقال ابن مهدي: الحكم بن عتيبة ثقة ثبت، ولكن يختلف معنى حديثه. وقال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: أيُّ أصحاب إبراهيم أحب إليك؟ قال: الحكم ومنصور، قلت: أيُّهما أحبّ إليك؟ قال ما أقربهما. وقال سعيد بن أبي سعيد الأنماطيّ الرازيّ: سُئل أحمد بن حنبل عن الحكم بن عتيبة، قال: ليس هو بدون عمرو بن مرة وأبي حصين. وقال أحمد أيضا: أثبت الناس في إبراهيم الحكم، ثم منصور. وقال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة، زاد النسائي: ثبت، وكذا قال العجلي، وزاد: وكان من فقهاء أصحاب إبراهيم، وكان صاحب سنة واتباع، وكان فيه تشيع إلا أن ذلك لم يظهر منه. وقال ابن سعد: كان ثقةً فقيهًا عالمًا رفيعًا كثير الحديث.
وقال أحمد وغيره: لم يسمع الحكم حديث مِقسم، كتاب إلا خمسة أحاديث، وعدها يحيى القطان: حديث الوتر، والقنوت، وعزمة الطلاق، وجزاء الصيد، والرجل يأتي امرأته وهي حائض، رواه ابن أبي خيثمة في "تاريخه" عن علي بن المديني، عن يحيى. وقال البخاري في "التاريخ الكبير": قال القطان: قال شعبة: الحكم عن مجاهد كتاب إلا ما قال: سمعت. وقال ابن حبان في "الثقات": كان يُدَلِّس، وكان سنه سنَّ إبراهيم النخعي.
стр. 476
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: نظمت الأحاديث الخمسة التي ذكرها القطّان، فقلت:
اعْلَمْ بِأَنَّ حَكَمًا قَدْ سمعَا ... عَنْ مِقْسَمِ خَمْسًا فَقَطْ فَاسْتَمِعَا
حَدِيثَ وِتْرٍ وَقُنُوتٍ وَجَزَا ... صَيْدٍ وَعَزْمَةَ الطَّلَاقِ أَنْجَزَا
وَرَجُلٌ جَامَعَ زَوْجًا حَائِضَا ... ذَكرَهَا الْقَطَّانُ يَحْيَى الْمُرْتَضَى
أَوْرَدَهُ الحافِظُ في التَّهْذِيبِ ... نَظْمْتُهُ حِرْصًا عَلَى التَّقْرِيبِ
ذكر ابن منجويه، وابن حبّان أنه وُلد سنة (٥٠)، وقيل: إنه مات سنة (١١٣).
وقال الواقدي: سنة (١٤). وقال عمرو بن علي وغيره: سنة (١٥). وأرخه ابن قانع سنة (٤٧).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٤) حديثًا.
٥ - (عبدُ الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٢] ٣/ ٢٥.
٦ - (عليّ) بن أبي طالب الخليفة الراشد ﵁ تقدّم في ٢/ ٢٠. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير محمد بن أبي ليلى، فمن رجال الأربعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشّرين بالجنّة، وأحد الستة الشورى، وأول من أسلم من الصبيان، ذو المناقب الجمة ﵁، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلِيٍّ) بن أبي طالب ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَنْ) شرطيّة مبتدأ (حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا، وَهُوَ يَرَى) قال النوويّ رحمه الله تعالى: ضبطناه يُرَى بضم الياء. انتهى.
стр. 477
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد أنه مبنيّ للمفعول لفظًا، ولكن معناه معنى المبنيّ للفاعل؛ لأنه بمعنى يَظُنّ مبنيّا للفاعل. قال ابن منظور نقلًا عن "تهذيب الأزهريّ": قال الليث: يقال من الظنّ رِيتُ -بكسر الراء- فلانًا أخاك، ومن همز قال: رُؤِيتُ، فإذا قلت: أرى وأخواتها لم تهمز، قال: ومن قلب الهمز من رأى قال: راء، كقولك: نأى وناء. وقال ابن الأثير رُؤي فعل لم يُسمّ فاعله، من رأيتُ بمعنى ظننت، وهو يتعدّى إلى مفعولين، تقول: رأيت زيدًا عاقلًا، فإذا بنيته لما لم يُسمّ فاعله تعدّى إلى مفعول واحد، فقلت: رُؤي زيد عاقلًا. انتهى (١).
وهذا الذي ذكرنا من ضبط "يُرَى" بصيغة المبني للمفعول هو المشهور، وذكر بعض الأئمة جواز بفتح الياء من "يَرَى"، قال النووي رحمه الله تعالى: وهو ظاهر حسن، فأما من ضم الياء فمعناه: يَظُنُّ"، وأما من فتحها فظاهر، ومعناه: وهو يعلم، ويجوز أن يكون بمعنى يَظُنّ أيضا، فقد حُكِيَ رَأَى بمعنى ظَنّ.
وقَيّد بذلك؛ لأنه لا يأثم إلا بروايته ما يعلمه، أو يظنه كذبا، أما ما لا يعلمه، ولا يظنه، فلا إثم عليه في روايته، وإن ظنه غيره كذبا، أو عَلِمَهُ. انتهى (٢).
وقال القرطبي رحمه الله تعالى: قوله: "يرى" قيّدناه عن مشايخنا مبنيّا للفاعل والمفعول، فـ "يرى" بالفتح بمعنى يَعْلَم المتعدّيّة لمفعولين، و"أنّ" سَدَّت مسدّهما، وماضي "يرى" رأى مهموزًا، وإنما تركت العرب همز المضارع لكثرة الاستعمال، وقد نطقوا به على الأصل مهموزًا في قولهم:
أَلمْ تَرَ مَا لَاقَيْتُ وَالدَّهْرُ أَعْصُرُ ... وَمَنْ يَتَمَنَّى الْعَيْشَ يَرْأَى وَيَسْمَعُ
وربّما تركوا همز الماضي في قولهم:
صَاح هَلْ رَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعِ ... رَدَّ في الضَّرْعِ مَا قَرَا في الْحِلَابِ
стр. 478
ويحتمل ما في الحديث أن يكون بمعنى الرأي، فيكون ظنّا من قولهم: رأيت كذا، أي ظهر لي، وعليهما يكون المقصود بالذمّ الذي في الحديث: المعتمد للكذب علمًا أو ظنّا.
وأما يُرَى بالضمّ فهو مبنيّ لما لم يُسَمّ فاعله، ومعناها الظنّ، وإن كان أصلها مُعَدّى بالهمزة من رأى إلا أن استعماله في الظنّ أكثر وأشهر. انتهى (١).
(أَنَّهُ كَذِبٌ) في تأويل المصدر مفعول ثان لـ "يُرى"، والأول ضمير "من" (فَهُوَ أَحَدُ الَكَاذِبِينَ) -بكسر الباء، وفتح النون- على الجمع، وهذا هو المشهور في ضبطه، قال النووي: قال القاضي عياض: الرواية فيه عندنا "الكاذِبِينَ" على الجمع. ورواه أبو نعيم الأصبهانى في كتابه "المستخرج على صحيح مسلم" في حديث سمرة "الكاذبِيَنِ" -بفتح الباء، وكسر النون- على التثنية، واحتج به على أن الراوي له يُشارِك البادىء بهذا الكذب، ثم رواه أبو نعيم من رواية المغيرة "الكاذِبَينِ" أو "الكاذِبِينَ" على الشك في التثنية والجمع. انتهى (٢).
وقال القرطبي رحمه الله تعالى: قوله: "أحد الكاذبين" رويناه بكسر الباء على الجمع، فيكون معناه أنه أحد الكذّابين على رسول الله ﷺ الذين قال الله تعالى في حقّهم: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ الآية [الزمر: ٦٠]؛ لأن الكذب على رسول الله ﷺ كذب على الله تعالى. ورويناه أيضًا بفتح الباء على التثنية، ويكون معناه: أن المحدِّث والمحدَّث بما يَظنّان، أو يَعلمان كذبه كاذبان، هذا بما حدّث، والآخر بما تحمل من الكذب مع علمه، أو ظنّه لذلك (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 479
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عليّ رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو متكلّم فيه، كما سبق في ترجمته؟.
[قلت]: لم ينفرد به هو، بل تابعه الأعمش عن الحكم كما سيأتي بعد حديث، وأيضَّا فإن الحديث صحيح مرويّ عن عدّة من الصحابة ﵁ -كما سيأتي. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) بالسند المذكور هنا (٥/ ٣٨ و٥/ ٤٠) بالسند الآتي، وهو من أفراد المصنّف لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٨/ ٥٩٥) و (عبد الله بن أحمد) في زياداته على "المسند" (١/ ١١٢) و (البزّار) رقم (٦٢١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): تغليظ الكذب، والتعرض له، وأن من غلب على ظنه كذب ما يَرويه، فرواه كان كاذبا، وكيف لا يكون كاذبا، وهو مُخبِر بما لم يكن.
قال أبو جعفر الطحاويّ رحمه الله تعالى في كتابه "مشكل الآثار" ١/ ٣٧٥ بعد أن أورد هذا الحديث من رواية عليّ، وسمرة بن جندب، والمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهم: ما نصّه: فتأملنا هذا الحديث لنقف على المراد به منه ما هو؟ فوجدنا الله تعالى قد قال في كتابه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، فوجدناه تعالى قد أخبر أن ذوي الكتاب مأخوذ عليهم أن لا يقولوا على الله إلا الحق،
стр. 480
وكان ما يأخذونه عن الله تعالى هو ما يأخذونه عن رسله -صلوات الله عليهم- إليهم، فكان فيما أخذه الله تعالى عليهم أن لا يقولوا على الله إلا الحق، ودخل فيه أخذه عليهم أن لا يقولوا على رسله إلا الحقّ، كان الحق هاهنا كهو في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، وكان من شهد بظن، فقد شهد بغير الحقّ، إذ كان الظن كما قد وصفه الله تعالى في قوله: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦].
وفي ذلك إعلامه إيانا أن الظنّ غير الحقّ، وإذا كان من شهد بالظنّ شاهدًا بغير الحقّ كان مثله من حدّث عن رسول الله ﷺ حديثًا لظنّ محدّثا عنه بغير الحقّ، والمحدث عنه بغير الحقّ محدث عنه بالباطل، والمحدّث عنه بالباطل كاذب عليه كأحد الكاذبين عليه الداخلين في قوله ﷺ : "من كذب عليّ متعمّدًا، فليتبوّأ مقعده من النار"، ونعوذ بالله تعالى من ذلك. انتهى كلام الطحاويّ (١).
٢ - (ومنها): تحريم رواية المنكر والموضوع من الأخبار. قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: يفيد الحديث التحذير عن أن يُحدّث أحد عن رسول الله ﷺ إلا بما تحقّق صدقه علمًا أو ظنّا، إلا أن يحدّث بذلك على جهة إظهار الكذب، فإنه لا يتناوله الحديث.
وفي كتاب الترمذيّ عن ابن عبّاس ﵄، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "اتّقوا الحديث عنّى إلا ما علمتم، فمن كذب عليّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه، فليتبوّأ مقعده من النار"، وقال: هذا حديث حسنٌ انتهى كلام القرطبيّ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا
стр. 481
ضعيف؛ لأن في سنده سفيان بن وكيع، وهو ضعيف، وعبد الأعلى بن عامر الثعلبيّ ضعيف أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٣٩ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيع ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِب فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمد بن بشّار) بن عثمان العبديّ، أبو بكر بُنْدار البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ١/ ٦.
٢ - (وكيع) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسِيّ، أبو سفيان الكوفيّ ثقة حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] ١/ ٣.
٣ - (محمد بن جعفر) أبو عبد الله البصريّ المشهور بغُنْدَر، ثقة صحيح الكتاب [٩] ١/ ٦.
٤ - (سمرة بن جندب) بن هلال بن حُدَيج بن مُرَّة بن حَزْم بن عمرو بن جابر ابن ذي الرياستين (١) الْفَزَاريّ، أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو سليمان، صاحب النبيّ ﷺ نزل البصرة. قال ابن إسحاق: كان حليف الأنصار، رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أبي عُبيدة بن الجرّاح. ورَوَى عنه ابناه: سليمان، وسَعْد، وعبد الله بن بُريدة، وزيد بن عقبة، والرَّبِيع بن عَمِيلة، وهلال بن
стр. 482
يساف، وأبو رجاء العُطَاردي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو نضرة العبدي، وثعلبة بن عِبَاد (١) والحسن البصري وغيرهم.
قال ابن إسحاق: كان من حلفاء الأنصار، قدِمت به أمه بعد موت أبيه، فتزوّجها رجلٌ من الأنصار، وكان رسول الله ﷺ يَعرِض غلمان الأنصار، فمرّ به غلامٌ، فأجازه في البعث، وعُرض عليه سمُرة فردّه، فقال: لقد أجزت هذا، ورددتني، ولو صارعته لصرعته، قال: فدونكه فصارعه، فصرعه سمُرة، فأجازه. وعن عبد الله بن بُريدة عن سمرة: كنت غلامًا على عهد رسول الله ﷺ ، فكنت أحفظ عنه (٢).
وقال ابن عبد البر: سكن البصرة وكان زياد يَستخلفه عليها ستة أشهر، وعلى الكوفة ستة أشهر، فلما مات زياد استخلفه على البصرة، فأقره معاوية عاما أو نحوه، ثم عزله، وكان شديدًا على الحرورية، كان إذا أُتي بواحد منهم قتله، ولم يُقِله، ويقول: شرُّ قَتْلَى تحت أديم السماء، يُكَفِّرون المسلمين، ويَسفكون الدماء، فالحروريّة، ومن قاربهم يَطعَنون عليه، وينالون منه، وكان الحسن وابن سيرين، وفضلاء أهل البصرة يُثنون عليه. وقال ابن سيرين في رسالة سمرة إلى بَنِيه علم كثير. وقال أيضًا: كان عظيم الأمانة، صدوق الحديث، يحب الإسلام وأهله. قال ابن عبد البر: مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين، سقط في قِدْر مملوءة ماء حارّا، كان يتعالج بالقعود عليها من كزاز شديد أصابه، فسقط في القدر الحارّة، فمات، فكان ذلك تصديقا لقول رسول الله ﷺ له ولأبي هريرة وثالث معهما -يعني أبا محذورة-: "آخرُكم موتا في النار". وقيل: مات آخر سنة (٥٩) أو أول سنة ستين بالكوفة، وقيل: بالبصرة كذا قال ابن حبان في "الصحابة".
أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (١٢٣) حديثًا، اتفق الشيخان على حديثين، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بأربعة، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثًا.
стр. 483
والباقون تقدّموا في السند الماضي. وأما شرح الحديث، فيُعلم مما سبق، وفيه مسألتان تتعلّقان به:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سمرة بن جندب ﵁ هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٥/ ٣٩) بالسند المذكور، و (مسلم) (١/ ٧) و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده"، (١/ ٣٨) و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٤ و١٩ و٢٠) و (ابن حبّان) في "صحيحه" رقم (٢٩)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" رقم (٤٢٢) من طرق عن شعبة بهذا الإسناد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٤٠ - (حَدَّثَنَا عُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَليٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ رَوَى عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن بن عثمان بن خُوَاستِي الْعَبْسيّ، أبو الحسن ابن أبي شيبة الكوفيّ، صاحب "المسند"، و"التفسير"، ثقة حافظ شهير، وله أوهام، وقيل: كان لا يحفظ القرآن [١٠].
رَوَى عن هشيم، وحميد بن عبد الرحمن الرُّؤاسيّ، وطلحة بن يحيى الزُّرَقي، وعبدة بن سليمان، وأبي حفص عمو بن عبد الرحمن الأبار، ومحمد بن فُضيل، وخلق كثير.
ورَوَى عنه الجماعة، سوى الترمذي، وسوى النسائي، فرَوَى في "اليوم والليلة" عن زكريا بن يحيى السِّجْزيّ عنه، وفي "مسند علي" عن أبي بكر المروزي عنه، وروى عنه ابنه محمد، وابن سعد ومات قبله، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وزياد بن أيوب
стр. 484
الطوسي، وعثمان بن خرزاذ، والذهلي، وخلق كثير.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: ابن أبي شيبة ما تقول فيه؟ -أعني أبا بكر- فقال: ما علمت إلا خيرًا، وكأنه أنكر المسألة عنه، قلت لأبي عبد الله: فأخوه عثمان؟ فقال: وأخوه عثمان ما علمت إلا خيرًا، وأثنى عليه، وقال: عثمان رجل سليم، وقال فضلك الرازي: سألت ابن معين عن محمد بن حميد الرازي، فقال: ثقة وسألته عن عثمان بن أبي شيبة، فقال: ثقة، فقلت: من أحب إليك ابن حميد، أو عثمان؟ فقال: ثقتان أمينان مأمونان. وقال الحسين بن حيان عن يحيى: ابنا أبي شيبة: عثمان وعبد الله ثقتان صدوقان، ليس فيه شك. وقال أبو حاتم: سمعت رجلا يسأل محمد بن عبد الله بن نمير عن عثمان، فقال: سبحان الله، ومثله يسأل عنه، إنما يسأل هو عنّا. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كان عثمان أكبر من أبي بكر إلا أن أبا بكر صَنّف، قال: وقال أبي: هو صدوق. وقال العجلي: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ثقة، وأخوه عثمان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال محمد بن عبد الله الحضرمي وغيره: مات في المحرم سنة (٢٣٩). وقال السراج عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة: وُلد أبي سنة (٥٦). أخرج له الجماعة، وفي "الزهرة": روى عنه البخاري (٥٣) ومسلم (١٣٥)(١)، وله في هذا الكتاب (٤٦) حديثًا.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ رُمي بالتشيّع [٩] تقدّم في ٢/ ٢١.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهران، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت إمام، لكنه يدلّس [٥] تقدّم في ١/ ١، والباقون تقدّموا قبل حديث. وكذا شرح الحديث، والمسائل
стр. 485
المتعلّقة به، وهو حديث صحيح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال:
٤١ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه، أَنْبَأَنَا الْحسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ، عَنْ شُعْبَةَ، مِثْلَ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه) الظاهر (١) أنه "محمد بن عبد الله" بن المبارك القرشيّ المخَرِّميّ -بخاء معجمة مفتوحة، فراء مكسورة مشدّدة- أبو جعفر البغداديّ المدائنيّ، قاضي حلوان، ثقة حافظ من [١١].
روى عن أبي معاوية الضرير، ويحيى القطان، وابن مهدي، وأبي عامر العقدي، وأبي أسامة، وإسحاق بن يوسف الأزرق، والحسن بن موسى الأشيب، وغيرهم.
وروى عنه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه -كما هو الظاهر من هذه الرواية، على ما سنحققه- وروى النسائي أيضًا عن أحمد بن علي المروزي عنه، وأبو حاتم، وإبراهيم الحربي، ويعقوب بن سفيان، وابن خزيمة، وغيرهم.
أمر الإمام أحمد ابنه عبد الله بالكتابة عنه. وقال أبو بكر الباغندي: كان حافظًا متقنًا. وقال ابن عقدة: سمعت نصر بن أحمد بن نصر قال: كان محمد بن عبد الله المخرِّمي من الحفاظ المتقنين والمأمونين. وقال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي، وهو صدوق ثقة، سئل أبي عنه، فقال: ثقة ثقة. وقال النسائي: ثقة. وقال أيضًا في "مشيخته": كان أحد الثقات، ما رأينا بالعراق مثله. وقال ابن عديّ: كان حافظًا. وقال ابن ماكولا: كان ثبتًا عالمًا. وقال الْبَرْقَاني عن الدارقطني: ثقة جليل متقن. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مسلمة بن قاسم: كان أحد الثقات، جليل القدر، توفي ببغداد سنة
стр. 486
خمس وخمسين ومائتين. وقال ابن قانع: مات سنة أربع وخمسين ومائتين. وقال ابن حبان: مات سنة ستين ومائتين، أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا وقع في النسخ المطبوعة محمد بن عبد الله، والظاهر أن المخرّميّ الذي ترجمته الآن، فإنه الذي يروي عن الحسن بن موسى الأشيب، ولا ينافيه عدم ذكر المصنّف في الرواة عنه "تهذيب الكمال"؛ لاحتمال تركه نسيانًا، وذلك لنُدْرَة رواية المصنف عنه، إذ ليس له إلا هذا الحديث، فتأمل.
ووقع في النسخة "الهنديّة": "محمد بن عبدك" وكتب في هامشها: ما نصّه: الكاف في "عبدك" علامة التصغير في اللغة الفارسية، وهذا لم أجد ترجمته. والله تعالى أعلم.
(تنبيهان):
[الأول]: أنه ذكر الأستاذ بشار بن عوّاد، وأشار أيضًا الشيخ علي بن حسن في تحقيقيهما لهذا الكتاب أن هذه الرواية مما زاده أبو الحسن ابن القطّان، ولم يذكرا على ذلك بينة، إلا أن الأول استدلّ له بعدم ذكر الحافظ المزيّ له في "تحفة الأشراف"، وعندي في هذا نظر؛ لأمرين:
(الأول): أنه لا يكفي عدم ذكر المزيّ في "تحفته" دليلا على عدم كونه من رواية المصنف؛ إذ قد وُجدت أحاديث لم يذكرها المزيّ فيه، إما نسيانًا، أو لغير ذلك، ومن أراد بيان ذلك فليراجع "الإطراف بأوهام الأطراف" للحافظ وليّ الدين العراقيّ، و"النكت الظراف" للحافظ ابن حجر رحمهما الله تعالى يجد الأمر واضحًا.
(الثاني): أن زيادات ابن القطّان على المصنّف متميّزة واضحة، حيث يصدّوها بقوله: قال أبو الحسن، ونحوه، كما مر برقم ٢٢ ويأتي برقم ٢٨١ و٢٥٢ و٢٦١ و٣٠٢ و٣٢٧ و٣٦٢ و٣٦٤ و٣٨٠ و٣٩٤ و٤٠٧ و٤١٩ و٤٦٦ و٤٧٤ و٥٢٤ و٥٣١ و٦٠١ و٦٦٣، كله إلى آخر "كتاب الطهارة" فقط، ولو تتبعت إلى آخر الكتاب لوجدت ما قلته جليًّا واضحًا.
والحاصل أنه لا حجة مقنعة على أن هذه الرواية من زيادة ابن القطّان، فتأمل ذلك
стр. 487
بالإنصاف، ولا تسلك مسلك التقليد والاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[الثاني]: كتب الدكتور بشار عوّاد، في تحقيقه لهذا الكتاب، ما نصّه: هذا الإسناد من زيادات ابن القطّان، وقد كان في المطبوعة مُدْمجًا في الحديث السابق، ودليلنا على ذلك أن المزّيّ لم يذكره في "تحفة الأشراف" ٤/ ٨٠ حديث (٤٦٢٧).
وأيضًا فإن محمد بن عبد الله الذي يروى عن الحسن بن موسى الأشيب هو ابن المبارك المخَرِّميّ البغداديّ، لم يرقم المزيّ عليهّ برقم ابن ماجه حينما ترجمه في "تهذيب الكمال" (٢٥/ ٥٢٤).
وأيضًا فإنه لمّا ترجم للحسن بن موسى الأشيب لم يذكر فيمن روى عنه ممن يُسمّى محمد بن عبد الله سوى ابن المبارك المخَرّميّ البغداديّ، ولم يرقم عليه برقم ابن ماجه (٦/ ٣٢٩) بل اكتفى في الموضعين برقم البخاريّ في "خلق أفعال العباد". والله أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ادّعاه الدكتور المذكور من أن هذا من رواية ابن القطّان غير صحيح؛ لأن أبا الحسن ابن القطّان لا يروي عن المخرّميّ أصلًا؛ لأنه لم يَلْقَهُ، فإنه وُلد سنة (٢٥٤ هـ) كما قاله الحافظ الذهبيّ في "سير أعلام النبلاء" جـ ١٥ ص ٤٦٣ - ٤٦٥ وكان موت المخرّميّ -كما في "تهذيب التهذيب" جـ ٣ ص ٦١٤ - سنة بضع وخمسين ومائتين، قيل: سنة (٢٥٤) أي في السنة التي وُلد فيها ابن القطان، وقيل: سنة (٢٥٥). وقال ابن حبّان: مات سنة (٢٦٠) أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل. وعلى أيّ حال فلا يمكن أن يسمع ابن القطّان القزوينيّ من المخرّميّ البغداديّ بمثل هذه المدّة، وقد صرّح هنا بقوله: "حدّثنا محمد بن عبد الله".
فالحقّ عندي أنّ القائل: "حدّثنا" هو الإمامُ ابنُ ماجه، لا ابن القطان، ولا يَرِد على هذا عدم رمز أصحاب كتب الرجال لابن ماجه في ترجمة محمد بن عبد الله هذا؛
стр. 488
لاحتمال أن يكون أغفلوه نسيانًا، وذلك لنُدْرة روايته عنه، حيث لم يرو عنه إلا في هذا الوضع، كما أسلفته قريبًا.
والحاصل أن محمد بن عبد الله المخرّميّ ليس من شيوخ ابن القطّان، وإنما هو من شيوخ المصنّف، فتأمّله بالإنصاف، ولا تسلك مسلك الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٢ - (الحسن بن موسى الأشيب) بمعجمة، ثم تحتانيّة- أبو عليّ البغداديّ، قاضي طَبَرِستان، والموصل، وحمص، ثقة [٩].
روى عن الحمادين، وشعبة، وسفيان، وجرير بن حازم، وزهير بن معاوية، وابن لهيعة، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وغيرهم.
وعنه أحمد بن حنبل، وحجاج بن الشاعر، وأحمد بن منيع، وأبو خيثمة، وابنا أبي شيبة، والفضل بن سهل الأعرج، وهارون الحمال، وغيرهم.
قال أحمد: هو من مُتَثَبِّتِي أهل بغداد. وقال ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو حاتم عن ابن المديني. وقال أبو حاتم، وصالح بن محمد، وابن خِرَاش: صدوق، زاد أبو حاتم: ثم مات بالريّ، وحضرت جنازته. وقال ابن سعد: كان ثقةً صدوقًا في الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكره مسلم في رجال شعبة الثقات في الطبقة الثالثة. وقال عبد الله بن المديني عن أبيه: كان ببغداد كأنه ضعفه (١). وقال الخطيب: لا أعلم علةَ تضعيفه إياه. وقال الأعين: مات سنة ثمان. وقال ابن سعد والمطين: سنة تسع. وقال حنبل: سنة (٩) أو عشر ومائتين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
стр. 489
٣ - (شعبة) بن الحجاج المذكور قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال:
٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شبِيب، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهب بن منقذ بن نصر بن الحكم بن الحارث بن مالك بن ملكان بن ثور بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة على الصحيح، وقيل: هو من ثور همدان، الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، أحد الأئمة الأعلام، ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، وربّما دلّس، من رءوس الطبقة [٧].
رَوَى عن أبيه، وأبي إسحاق الشيباني، وأبي السحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير، وعبد الرحمن بن عابس بن ربيعة، وإسماعيل بن أبي خالد، وسلمة بن كهيل، وطارق بن عبد الرحمن، والأسود بن قيس، وبيان بن بشر، وخلق كثير من أهل العراق، والحجاز، وغيرهم.
ورَوَى عنه خلق لا يحصون، منهم: جعفر بن برقان، وخصيف بن عبد الرحمن، وابن إسحاق، وغيرهم من شيوخه، وأبان بن تغلب، وزائدة، والأوزاعي، ومالك، وزهير بن معاوية، ومسعر وغيرهم من أقرانه، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وابن المبارك، وجرير، ووكيع، وعلي بن الجعد، وهو آخر من حدث عنه من الثقات، وغيرهم.
قال شعبة، وابن عيينة، وأبو عاصم، وابن معين، وغير واحد من العلماء: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ، ما كتبت عن أفضل من سفيان. وقال يونس بن عبيد: ما رأيت أفضل من سفيان، فقال له رجل: يا
стр. 490
أبا عبد الله، رأيت سعيد بن جبير وغيره، وتقول هذا؟ فقال: هو ما أقول، ما رأيت أفضل من سفيان. وقال وكيع عن شعبة: سفيان أحفظ مني. وقال ابن مهدي: كان وُهَيْب يقدم سفيان في الحفظ على مالك. وقال يحيى القطان: ليس أحد أحب إليّ من شعبة، ولا يعد له أحد عندي، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان. وقال الدوري: رأيت يحيى بن معين لا يقدم على سفيان في زمانه أحدا في الفقه والحديث والزهد وكل شيء. وقال الآجري عن أبي داود: ليس يختلف سفيان وشعبة في شيء إلا يظفر سفيان. وقال أبو داود: بلغني عن ابن معين ما خالف أحد سفيان في شيء إلا كان القول قول سفيان. وقال العجلي: أحسن إسناد الكوفة سفيان عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله. وقال ابن المديني: لا أعلم سفيان صحف في شيء قط إلا في اسم امرأة أبي عبيد، كان يقول حفينة. وقال المروذي عن أحمد: لم يتقدمه في قلبي أحد. وقال عبد الله بن داود: ما رأيت أفقه من سفيان. وقال أبو قطن: قال لي شعبة: إن سفيان ساد الناس بالورع والعلم. وقال النسائي: هو أجل من أن يقال فيه: ثقة، وهو أحد الأئمة الذين أرجو أن يكون الله ممن جعله للمتقين إماما. وقال الخطيب: كان الثوريّ إمامًا من أئمة المسلمين، وعَلَمًا من أعلام الدين، مجمعًا على إمامته، مع الإتقان والضبط والحفظ والمعرفة والزهد والورع.
قال أبو نعيم: خرج سفيان من الكوفة سنة خمسمين ومائة، ولم يرجع إليها، وقال العجلي وغيره: مولده سنة سبع وتسعين. وقال ابن سعد أجمعوا على أنه توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة، وفي بعض ذلك خلاف، والصحيح ما هنا. أخرج له الجماعة (١). وله في هذا الكتاب (٢١٥) حديثًا.
٢ - (حبيب) بن أبي ثابت قيس، ويقال: هند بن دينار، الأسدي الكاهليّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة فقيه، جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس [٣].
رَوَى عن زيد بن أرقم، وابن عبّاس، وابن عمر، وخلق من الصحابة والتابعين.
стр. 491
وروى عنه مسعر، والثوريّ، وشعبة، وأبو بكر النهشليّ، وخلق كثير.
وثقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ، والعجليّ. وقال أبو بكر بن عياش: كان بالكوفة ثلاثة ليس لهم رابع: حبيب بن أبي ثابت، والحكم، وحماد، وكانوا أصحاب الفتيا، ولم يكن أحد إلا ذلّ لحبيب. وقال ابن المدينيّ: له نحو مائتي حديث.
وقال العجلي: كوفي تابعيّ ثقة. وقال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة، قيل له: ثبت؟ قال: نعم، إنما روى حديثين -قال: أظن يحيى يريد منكرين- حديث المستحاضة تصلي وإن قطر الدم على الحصير، وحديث القبلة للصائم. وقال أبو زرعة: لم يسمع من أم سلمة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، ولم يسمع حديث المستحاضة من عروة. وقال الترمذي عن البخاري: لم يسمع من عروة ابن الزبير شيئا. قال أبو بكر بن عياش وغيره: مات سنة (١١٩)، وقيل: غير ذلك.
وقال ابن حبان في "الثقات": كان مدلسا. وقال ابن عدي: هو أشهر وأكثر حديثا من أن أحتاج أذكر من حديثه شيئا، وقد حدث عنه الأئمة، وهو ثقة حجة كما قال ابن معين. وقال العجلي: كان ثقة ثبتا في الحديث، سمع من ابن عمر غير شيء، ومن ابن عباس، وكان فقيه البدن، وكان مفتي الكوفة قبل الحكم وحماد. وذكره أبو جعفر الطبري في "طبقات الفقهاء"، وكان ذا فقه وعلم. وقال ابن خزيمة في "صحيحه": كان مدلسا، وقد سمع من ابن عمر.
مات سنة (١١٩) وقيل: (١٢٢). أخرج له الجماعة (١). وله في هذا الكتاب (٢٤) حديثًا.
٣ - (ميمون بن أبي شبيب) الرَّبَعِيُّ، أبو نصر الكوفيّ، ويقال: الرقّيّ، صدوقٌ، كثير الإرسال [٣].
رَوَى عن معاذ بن جبل، وعمر، وعلي، وأبي ذر، والمقداد، وابن مسعود، وقيس
стр. 492
بن سعد، والمغيرة بن شعبة، وعائشة، وسمرة بن جندب، وأبي عمرو الصِّينِيِّ.
ورَوَى عنه إبراهيم النخعي، وحبيب بن أبي ثابت، والحكم بن عتيبة، ومنصور ابن زاذان، والحسن بن الحُرّ، وإسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصُّفَيراء.
قال علي بن المديني: خفي علينا أمره. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال عمرو بن علي: كان رجلا تاجرا كان من أهل الخير، وليس يقول في شيء من حديثه: سمعت، ولم أُخْبَر أن أحدا يزعم أنه سمع من الصحابة. وقال أبو داود: ولم يدرك عائشة. وقال الحسن بن الحر عن ميمون بن أبي شبيب أردت الجمعة في زمان الحجاج، فذكر خبرا. قال أبو بكر بن أبي عاصم: مات سنة ثلاث وثمانين، وفيها أرخه ابن حبان، وزاد: قُتِل في الجماجم. وقال ابن معين: ضعيف.
وقال ابن خراش: لم يسمع من علي، وصحح له الترمذي روايته عن أبي ذر، لكن في بعض النسخ، وفي أكثرها قال: حسن فقط.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة (١)، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث فقط برقم ٤١ و٢٢٤٠ و٣٥٥٧.
٤ - (المغيرة (٢) بن شعبة) بن أبي عامر بن مسعود بن معقب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس الثقفي، أبو عيسى، أو أبو محمد. وقال الطبري: يكنى أبا عبد الله. قال: وكان ضخم القامة، عَبْلَ الذراعين، بعيد ما بين المنكبين، أصهب الشعر جعده. وكان لا يَفرُقُه، أسلم قبل عمرة الحديبية، وشهدها، وبيعة الرضوان، وله فيها ذكر، وحَدَّثَ عن النبي ﷺ ، رَوَى عنه أولاده: عروة، وعفار، وحمزة ومولاه ورّاد، وابن عم أبيه حسن بن حبة، ومن الصحابة الْمِسْوَر بن مخرمة، ومن المخضرمين فمن
стр. 493
بعدهم، قيس بن أبي حازم، ومسروق، وقبيصة بن ذؤيب، ونافع بن جبير، وبكر بن عبد الله المزني، والأسود بن هلال، وزياد بن علاقة، وآخرون. قال ابن سعد: كان يقال له: مغيرة الرأي، وشهد اليمامة، وفتوح الشام والعراق، وقال الشعبي، كان من دُهاة العرب، وكذا ذكره الزهري. وقال قبيصة بن جابر: صحبت المغيرة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب، لا يخرج من باب منها إلا بالمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها، وولاه عمر البصرة، ففتح مِيسان، وهَمَذان، وعِدّة بلاد إلى أن عزله لا شهد عليه أبو بكرة ومن معه. قال البغوي: كان أول من وضع ديوان البصرة. وقال ابن حبان: كان أول من سُلِّم عليه بالإِمْرة (١)، ثم ولاه عمر الكوفة، وأقره عثمان، ثم عزله، فلما قُتل عثمان اعتزل القتال إلى أن حضر مع الحكمين، ثم بايع معاوية بعد أن اجتمع الناس عليه، ثم ولاه بعد ذلك الكوفة، فاستمر على إمرتها حتى مات سنة خمسين عند الأكثر، ونقل فيه الخطيب الإجماع، وقيل: مات قبلُ بسنة، وقيل بعدها بسنة. وقال الطبري: كان لا يقع في أمر إلا وجد له مخرجا، ولا يلتبس عليه أمران إلا ظهر الرأي في أحدهما.
وأخرج البغوي من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: استعمل عمر المغيرة على البحرين، فكرهوه، وشَكَوا منه، فعزله، فخافوا أن يعيده عليهم، فجمعوا مائة ألف، فأحضرها الدِّهْقان إلى عمر، فقال: إن المغيرة أختان هذه، فأودعها عندي، فدعاه، فسأله، فقال: كذب، إنما كانت مائتي ألف، فقال: وما حملك على ذلك، قال كثرة العيال، فسُقِطَ في يد الدّهقان، فحلف وأكد الأيمان أنه لم يودع عنده قليلا ولا كثيرا، فقال عمر للمغيرة: ما حمل على هذا؟، قال: إنه افترى عليّ، فأردت أن أُخزيه.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: توفي سنة تسع وأربعين، وهو أميرها، وقال ابن
стр. 494
سعد، وأبو حسان الزيادي، وغير واحد: مات سنة خمسين، ونقل الخطيب الإجماع من أهل العلم على ذلك، وفيها في شعبان أرخه ابن حبان. وقال ابن عبد البر: مات سنة إحدى وخمسين.
أخرج له الجماعة، وله (١٣٦) حديثًا، اتفق الشيخان على تسعة منها، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسلم بحديثين (١). وله في هذا الكتاب (٢١) حديثًا. والباقيان تقدّما قبل حديثين. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، فميمون أخرج له مسلم في "المقدّمة" هذا الحديث.
٤ - (ومنها): أن سفيان فمن بعده هذا أول محلّ ذكرهم من الكتاب.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. قال النووي رحمه الله تعالى: وهذا كثير، وقد يَروِي ثلاثة تابعيّون بعضهم عن بعض، وهو أيضًا كثير، لكنه دون الأول، وقد يروي أربعة تابعيون بعضهم عن بعض، وهذا قليل جدّا، وكذلك وقع مثل هذا في الصحابة رضي الله تعالى عنهم، صحابي عن صحابي كثير، وثلاثة صحابة بعضهم عن بعض، وأربعة بعضهم عن بعض، وهو قليل جدّا، وقد جمعت أنا الرباعيات من الصحابة والتابعين في أول شرح "صحيح البخاري" بأسانيدها، وجمل من طُرفها. انتهى كلام النوويّ (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 495
وقد بيّن السيوطي رحمه الله تعالى أمثلة هذا النوع في كتابه "تدريب الراوي" ٢/ ٣٨٦، حيث قال:
النوع (السادس والسابع والسبعون): رواية الصحابة بعضهم عن بعض، والتابعين بعضهم عن بعض، هذان ذكرهما البلقيني في "محاسن الاصطلاح"، وقال: إنهما مُهِمّان؛ لأن الغالب رواية التابعين عن الصحابة، ورواية أتباع التابعين عن التابعين، فيحتاج إلى التنبيه على ما يخالف الغالب، قال:
ومن أمثلة الأول حديث اجتمع فيه أربعة صحابة، وهو حديث الزهري، عن السائب بن يزيد، عن حويطب بن عبد العزى، عن عبد الله بن السعدي، عن عمر بن الخطاب، مرفوعا: "ما جاءك الله به من هذا المال عن غير إشراف، ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك". وحديث خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن نعيم بن هبار، عن المقداد بن معدي كرب، عن أبي أيوب، عن عوف بن مالك، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، وهو مرعوب، متغير اللون، فقال: "أطيعوني ما دمت فيكم، وعليكم بكتاب الله، فَأَحِلُّوا حلاله، وحرموا حرامه". وحديث اجتمع فيه أربع من نساء الصحابة، اثنتان من أمهات المؤمنين، وربيبتان للنبي ﷺ ، وهو ما رواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة، عن أمها أم حبيبة، عن زينب بنت جحش، قالت: أتيت رسول الله ﷺ يوما، محمرا وجهه، وهو يقول: "لا إله إلا الله -ثلاث مرات- ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من رَدْمِ يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد عشرا"، قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث". وقد أفرد بعضهم هذه الأحاديث الثلاثة في جزء.
قال السيوطي: وقع في بعض الأجزاء حديثٌ اجتمع فيه خمسة من الصحابة، ثم أخرج بسنده عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عثمان بن عفان، عن عمر بن الخطاب، عن أبي بكر الصديق،