← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

يتعارض، ولا يَختلف، فتضمّن الكتاب ذمّ الجدال، والأمرَ به، فعلمنا علمًا يقينًا أن الذي ذمّه غير الذي أمر به، وأن من الجدال ما هو محمود مأمورٌ به، ومنه مذمومٌ منهيّ عنه، فطلبنا البيان لكلّ واحد من الأمرين، فوجدناه تعالى قد قال: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر: ٥]، وقال: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ في آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٣٥]، فبيّن الله في هاتين الآيتين الجدال المذموم، وأعلمنا أنه الجدال بغير حجة، والجدال في الباطل. فالجدال المذموم وجهان: أحدهما: الجدال بغير علم. والثاني: الجدال بالشَّغَب والتمويه؛ نُصرةً للباطل بعد ظهور الحقّ وبيانه، قال الله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥]. وأما الجدال المحقّ، فمن النصيحة في الدين، ألا ترى إلى قوم نوح ﵇ حيث قالوا: ﴿يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢]، وجوابه لهم: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وعلى هذا جرت سُننٌ رسول الله ﷺ ، فأخرج بسنده عن أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" (١). فأوجب المناظرة للمشركين، كما أوجب النفقة والجهاد في سبيل الله، وعلّمنا رسول الله ﷺ وَضَع السؤال موضعه، وكيفيّةَ المحاجّة في الحديث الذي ذَكَر فيه محاجّة آدم موسى ﵉. ثم أخرج بسنده عن طاوس، قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يُحدّث عن النبيّ ﷺ : "احتجّ آدم وموسى، فقال موسى يا آدم أنت أبونا خَيّبتنا، وأخرجتنا من الجنّة، فقال له آدم: يا موسى اصطفاك الله برسالته، وكتب لك التوراة بيده، لم تلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني

стр. 667

بأربعين سنة؟ قال رسول الله ﷺ ، فحجّ آدم موسى" (١). يعني آدم هو حجّ موسى. قال الخطيب: وَضَع موسى الملامة في غير موضعها، فصار محجوجًا، وذلك أنه لام آدم على أمر لم يفعله، وهو خروج الناس من الجنّة، وإنما هو فعل الله تعالى، ولو أن موسى لام آدم على خطيئته الوجبة لذلك لكان واضعًا للملامة موضعها، ولكان آدم محجوجًا، وليس أحدٌ ملومًا إلا على ما يفعله، لا على ما تولّد من فعله مما فعله غير، والكافر إنما يُلام على فعل الكفر، لا على دخول النار، والقاتل إنما يُلام على فعله لا على موت مقتوله، ولا على أخذ القصاص منه. فعلّمنا رسول الله ﷺ في هذا الحديث كيف نسأل عند المحاجّة، وبين لنا أن المحاجة جائزة، وأن من أخطأ موضع السؤال كان محجوجًا، وظهر بذلك قول الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١]. وليس هذا الحديث الذي ذكرناه من باب إثبات القَدَر في شيء، وإنما هو وارد فيما وصفْنَاه من محاجّة آدم وموسى، وإثبات القدر إنما صحّ في آيات وأحاديث أُخَر. وعن الشعبيّ، قال: قال عمر لزياد بن حُدير: أتدري ما يَهدِم الإسلام؟. فلا أدري ما أجابه، قال: فقال عمر: زَلّة عالمٍ، وجدالُ منافقٍ، وأئمة مُضلّون". وقد تَحاجّ المهاجرون والأنصار، وحاجّ عبد الله بن عبّاس الخوارج بأمر عليّ بن أبي طالب، وما أَنكَر أحدٌ من الصحابة قطّ الجدال في طلب الحقّ. وأما التابعون ومن بعدهم، فتوسّعوا في ذلك، فثبت أن الجدال المحمود هو طلب الحقّ ونصره، وإظهار الباطل، وبيان فساده، وأن الخصام بالباطل هو اللدد الذي قال النبيّ ﷺ : "أبعض الرجال إلى الله الألدّ الخصم (٢).

стр. 668

وعن عائشة ﵂ أن النبيّ ﷺ قال: "أبغض الرجال إلى الله الألدّ الخَصْم" (١). قال: وجميع ما حكينا أنه تعلّق به من أنكر المجادلة، محمولٌ على أنه أريد به الجدال المذموم الذي وصفناه، على أن مالك بن أنس قد بيّنه، وأنه الجدَلُ الذي يُقصد به ردّ ما جاء جبريل إلى النبيّ ﷺ ، وكذلك قولُ الخليل: "ما كان جدَلٌ قطّ إلا أتى بعده جدَلٌ يُبطله"، أراد به الجدال الذي ينصر به الباطل؛ لأن ما تقدّم وكان حقّا لا يأتي بعده شيء يُبطله، وهو في معنى قولِ عمر بن عبد العزيز: "من جَعَل دينه غَرَضًا للخصومات أكثر التنقّل" (٢). انتهى كلام الحافظ الخطيب رحمه الله تعالى (٣)، وهو كلام نفيس، وبحثٌ أنيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال: ٤٨ - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِليٍّ، أَبُو هَاشِمِ بْنِ أَبِي خِدَاشٍ الْمُوْصِليُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِحْصَنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ صَوْمًا، وَلَا صَلَاةً، وَلَا صَدَقَةً، وَلَا حَجًّا، وَلَا عُمْرَةً، وَلَا جِهَادًا، وَلَا صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا، يَخْرُجُ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا تَخْرُجُ الشَّعَرَةُ مِنَ الْعَجِينِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن حفص الْعَسْكَرِيُّ، أبو سهل الدّقّاقُ السَّامَرِيّ، مولى بني هاشم، لقبه بُنَان، صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن أبي معاوية الضرير، وحسين بن علي الجعفي، وكثير بن هشام، ومحمد

стр. 669

ابن خِداش، ومحمد الدولابي، وغيرهم. وروى عنه النسائي، وابن ماجه، وابن أبي داود، وعلي بن سعيد العسكري، والخرائطي، ومحمد بن العباس الأخرم، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي، وهو صدوق. وقال الخطيب: كان ثقة. وذكره النسائي في "أسماء شيوخه"، وقال: شويخ كتبنا عنه بالثغر صدوق. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم ٤٩ و٣٣٤٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عِليٍّ، أَبُو هَاشِمِ بْنِ أَبِي خِدَاشٍ) -بكسر المعجمة، وتخفيف الدال- الْمُوْصِليُّ، ثقة عابد [١٠]. رَوَى عن الْمُعَافَى بن عمران، وعيسى بن يونس، وابن عيينة، وعفيف بن سالم، والقاسم بن يزيد الجرمي، ومحمد بن محصن الْعُكَاشي، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن أخيه عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش، ومحمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، وداود بن سليمان العسكري، وعلي بن حرب، ومحمد بن مسلم بن وَارَة، وغيرهم. قال العجلي: ثقة رجل صالح. وقال تمتام: قلت لابن معين: كتبتُ "جامع الثوري" عن أبي هاشم، عن المعافى، فقال: إن هذا الرجل نظير المعافى، أو أفضل منه. وعن بشر بن الحارث أنه كان يقول: وددت أني ألقى الله تعالى بمثل عمل أبي هاشم. وقال أحمد بن دباس الأزدي: كنا عند المعافى، فأقبل أبو هاشم، فقال: من القوم -يعني الأبدال-. وقال العجلي: كلُّ شيء رُوي عن أبي هاشم حديثان. وقال إدريس بن سُليم: كنا عند غسان ابن الرَّبيع، أو يعلى بن مهدي، فجاء نَعْيُ أبي هاشم، وقال قائل: مات شيخ الموصل، فقال: نعم، وشيخ الجزيرة ومصر والشام. قال أبو زكريا في "تاريخ المُوْصِل": من أهل الصلاح والفضل والجهاد، قُتل في سبيل الله تعالى بشِمْشَاط مُقبلًا غير مُدْبر سنة اثنتين وعشرين ومائتين. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط (١).

стр. 670

٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِحْصَنٍ) نُسِبَ إلى جدّه الأعلى، هو: محمد بن إسحاق بن إبراهيم ابن محمد بن عُكاشَة بن مِحْصَن الأسديّ الْعُكَاشيّ، كذّبوه [٨]. رَوَى عن إبراهيم بن أبي عَبْلة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو هاشم محمد بن خِداش الوصلي، ومُصعَب بن سعيد، وسليمان ابن سلمة الخبائري، وغيرهم. قال البخاري عن يحيى بن معين: كذّاب. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: كذاب، وقال في موضع آخر: مجهول. وقال ابن حبان: شيخ يضع الحديث على الثقات، لا يحل ذكره إلا على سبيل القدح فيه. وقال الدارقطنيّ: متروك يَضَعُ. ورَوَى له أبو أحمد أحاديث، ثم قال: وهذه الأحاديث مع غيرها لمحمد بن إسحاق كلها مناكير، موضوعة. وقال ابن حبان أيضا: يروي المقلوبات عن الثقات، لا يكتب حديثه إلا للاعتبار، وقال ابن أبي حاتم: رأى أبي معي أحاديث من حديثه، فقال: هذه الأحاديث كذب موضوعة. وقال العقيليّ: الغالب على حديثه الوهم والنكارة، وأورد له بسند صحيح إلى أبي بكر الصديق حديث: "من أكرم مؤمنا فكأنما أكرم الله تعالى"، وقال: حديث باطل لا أصل له. وقال الأزدي: منكر الحديث. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٤ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ) -بسكون الموحّدة- واسمه شِمْر -بكسر المعجمة- ابن يقظان بن عبد الله الْمُرْتحل، أبو إسماعيل، ويقال: أبو سعيد الرمليّ، وقيل: الدمشقيّ، ثقة [٥]. أرسل عن عتبة بن غَزْوان، ورَوَى عن أَبِي أُبَيّ بن أم حَرَام امرأة عبادة، وأنس بن مالك، وأم الدرداء الصغرى، وبلال بن أبي الدرداء، وعقبة بن وَسّاج، وعبد الله

стр. 671

الدَّيْلميّ من وجه ضعيف، بل موضوع، وغيرهم. ورَوى عنه مالك، والليث، وابن المبارك، وابن إسحاق، وآخرون. قال ابن معين ودحيم ويعقوب بن سفيان والنسائي: ثقة، وقال ابن المديني: كان أحد الثقات، وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الذُّهْليّ: يا لَكَ من رجل. وقال الدارقطني: الطرُق إليه ليست تصفو، وهو ثقة، لا يخالف الثقات، إذا روى عنه ثقة. وفي كتاب ابن أبي حاتم عن أبيه: رأى ابن عمر، وروى عن واثلة بن الأسقع، وهو صدوق ثقة. وقال البخاري في "التاريخ": سمع ابن عمر. وأخرج الطبراني في "مسند الشاميين" من طريق إبراهيم قال: رأيت ابن عمر يَحْتَبي يوم الجمعة. انتهى. وقال الذهبي في "مختصر المستدرك": أرسل عن ابن عمر، وتبعه العلائي في "المراسيل"، فقال: لم يدرك ابن عمر، وهو متعقب بما تقدّم آنفًا. وقال النسائي في "التمييز": ليس به بأس. وقال الخطيب: ثقة من تابعيّ أهل الشام، يُجمَع حديثه. وقال ابن عبد البر في "التمهيد": كان ثقة فاضلا له أدبٌ، ومعرفة، وكان يقول الشعر الحسن. انتهى. وأغرب يحيى بن يحيى الليثي، فقال في "الموطإ" عن إبراهيم بن عبد الله بن أبي عبلة، و"عبد الله" زيادة لا حاجة إليها. وقال ضمرة بن ربيعة: ما رأيت أفصح منه، مات سنة إحدى أو اثنين وخمسين ومائة، كذا قال محمد بن أبي أسامة، وأبو مسلم المستملي، عن ضمرة. وقال غير واحد عن ضمرة: مات سنة (٥٢) من غير شكّ، وكذا قال ابن يونس، وقال حيوة بن شُريح عن ضمرة: مات سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين. أخرج له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم ٤٩ و ٣٤٤٨. ٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الدَّيْلَمِيِّ) هو: عبد الله بن فَيْروز، أبو بِشْر، ويقال: أبو بُسْر، أخو الضحاك بن فيروز، وعَمّ الْعَرِيف بن عَيّاش بن فيروز، كان يسكن بيت المقدس، من كبار التابعين، ومنهم من ذكره في الصحابة [٢]. رَوَى عن أبيه، وأُبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وحذيفة بن اليمان،

стр. 672

وعبد الله بن عمرو بن العاص، ويعلى بن أمية، وغيرهم. ورَوى عنه ربيعة بن يزيد على خلاف فيه، وأبو إدريس الْخَوْلانيّ، وعروة بن رُويم، ووهيب بن خالد الحمصيّ، ويحيى ابن أبي عمرو الشيباني، وإبراهيم بن أبي عَبْلة، إن كان محفوظًا، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال العجلي: شامي تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكره ابن قانع "في معجم الصحابة"، وأبو زرعة الدمشقي في تابعي أهل الشام، وأما ابن حبان فقال: هو عبد الله بن دَيْلَم بن هَوْشَع الحميري، عِداده في أهل مصر، كذا قال. وقال أبو أحمد الحاكم في "الكنى": قال مسلم: أبو بشر -يعني بالمعجمة- قال: وقد بَيّنّا أن ذلك خطأ أخطأ فيه مسلم وغيره، وخليق أن يكون محمد -يعني البخاري- قد اشتبه عليه مع جلالته، فلما نقله مسلم من كتابه تابعه عليه، ومن تأمل كتاب مسلم في "الكنى" عَلِم أنه منقول لمن كتاب محمد حَذْوَ الْقُذَّة بالْقُذّة، وتَجَلّد في نقله حَقّ الجلادة؛ إذ لم ينسبه إلى قائله، والله يغفر لنا وله. انتهى. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث فقط برقم ٤٩ و ٧٤ و ١٣٩٨ و ٣٣٦٨. ٦ - (حُذَيْفَةُ) بن الْيَمَان، واسم اليمان: حُسَيل -مصغّرًا- ويقال: حِسْل بكسر، فسكون- بن جابر بن ربيعة بن فَرْوة بن الحارث بن مازن بن قطيعة بن عَبْس الْعَبْسيّ -بفتح المهملة، وسكون الموحّدة- حليف بني عبد الأشهل، كان أبوه أصاب دمًا، فهَرَب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل، فسماه قومه اليمان؛ لأنه حالف اليمانية، وتزوّج والدة حذيفة من بني عبد الأشهل، وأسلم هو وأبوه، وأرادا حضور بدر، فأخذهما المشركون، فاستحلفوهما فحلفا لهم أن لا يشهدا، فقال لهما النبي ﷺ : "نَفِي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم"، وشهدا أُحُدًا، فقتل اليمان بها. رَوَى حذيفة عن النبي ﷺ ، وعن عمر، وروى عنه جابر بن عبد الله، وجندب بن عبد الله البجلي، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وأبو الطفيل، وغيرهم من الصحابة ﵃، وحُصين بن جندب أبو ظَبْيان، ورِبْعي بن حِرَاش، وزِرّ بن حُبيش، وزيد بن وهب،

стр. 673

وأبو وائل، وصِلَةُ بن زُفَر، وأبو إدريس الخولاني، وعبد الله بن عُكيم، والأسود بن يزيد النخعي، وأخوه عبد الرحمن بن يزيد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وهَمّام بن الحارث، ويزيد بن شريك التيمي، وجماعة. قال العجلي: استعمله عمر على المدائن، ومات بعد قتل عثمان بأربعين يومًا، سكن الكوفة، وكان صاحب سر رسول الله ﷺ ، ومناقبه كثيرة مشهورة. وقال علي بن زيد بن جُدْعان عن ابن المسيب، عن حذيفة: خَيَّرني رسول الله ﷺ بين الهجرة والنُّصْرة، فاخترت النُّصرة. وقال عبد الله بن يزيد الخطمي عن حذيفة: لقد حدثني رسول الله ﷺ بما كان وما يكون حتى تقوم الساعة. رواه مسلم. وكانت له فتوحات سنة (٢٢) في الدِّينَوَر، وماسَبَذَان، وهَمَذَان، والرَّيّ، وغيرها. وقال ابن نُمير وغيره: مات سنة (٣٦) ﵁. أخرج له الجماعة، وله أكثر من (١٠٠) حديث، اتفق الشيخان على (١٢) وانفرد البخاريّ بـ (٨) ومسلم بـ (١٧) حديثًا، وله في هذا الكتاب (٣٥) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن حُذَيْفَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ صَوْمًا، وَلَا صَلَاةً، وَلَا صَدَقَةً، وَلَا حَجًّا، وَلَا عُمْرَةً، وَلَا جِهَادًا، وَلَا صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا) قيل: هما التوبة والفدية، وكأن المراد التوبة من غير البدعة. قاله السنديّ. وقال في "النهاية": قد تكرّرت هاتان اللفظتان في الحديث، فالصرف: التوبة، وقيل: النافلة، والعدل: الفِدية، وقيل: الفريضة. انتهى (١). (يَخْرُجُ مِنَ الْإِسْلَامِ كَما تَخْرُجُ الشَّعَرَةُ) واحدة الشعر، وهو بفتح، فسكون، ويُجمع على شُعور، كفلس وفلوس، بفتحتين، ويُجمع على أشعار، كسبب وأسباب، وهو من الإنسان وغيره مذكّر. قاله الفيّوميّ (٢) (مِنَ الْعَجِينِ) بفتح، فكسر، فَعِيل بمعنى مفعول، يقال: عجنَت المرأة العجين عَجْنًا من

стр. 674

باب ضرب. والكلام على التشبيه، شبّه سُرعة خروجه من الإسلام بسهولة، وانسلاخه منه دون أن يبقى له منه أثرٌ بخروج الشعرة من خلال العجين دون أن يبقى عليها شيء من آثار العجين. وهذا على تقدير صحّة الحديث محمول على البدع التي يحكم على صاحبها بالرّدّة، لا على جميع أنواع البدع، وهو معنى قول الله في حقّ الكفّار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: حديث حُذيفة ﵁ هذا مما تفرّد به المصنّف، لم يُخرجه غيره، وهو موضوعٌ؛ لأنه من رواية محمد بن محِصن، وهو كذّاب، كما تقدّم في ترجمته، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: قال الإمام الحافظ الطبرانيّ ﵀ في "المعجم الأوسط" ٤/ ٤٦٣ الحديث رقم (٤٢٠٢): حدّثنا عليّ بن عبد الله الفرغانيّ، قال: ثنا هارون بن موسى الْفَرْويّ، قال: حدّثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله حجب التوبة عن صاحب كلّ بدعة". وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين، غير هارون بن موسى الْفَرْويّ، وقد روى عنه جماعة، ووثقه الدارقطنيّ، وابن حبّان، ومسلمة بن القاسم، وقال النسائيّ: لا بأس به. وقال أبو حاتم: شيخ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث الصحيح يُغني عن الحديث الموضوع الذي أورده المصنّف، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال: ٥٠ - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ الْحَنَّاطُ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَبَى اللَّه أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ

стр. 675

صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَتُه"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن حُصين الكنديّ، أبو سعيد الأشجّ الكوفيّ، أحد مشايخ الأئمة الستةَ دون واسطة، ثقة، من صغار [١٠] ١/ ١١. ٢ - (بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ الحُنَّاطُ) -بالحاء المهملة والنون (١) - صدوقٌ [٨]. وقال في "تهذيب التهذيب": جـ: ١ ص: ٤٠ بشر بن منصور الحناط عن أبي زيد، عن أبي المغيرة، عن ابن عباس بحديث: "أبَى الله أن يَقبَل عمل صاحب بدعة ... " الحديث، وعنه به أبو سعيد الأشجّ قال: وكان ثقة. وقال أبو زرعة: لا أعرفه، ولا أعرف أبا زيد. وقال ابن أبي حاتم: رَوَى عبد الرحمن بن مهدي، عن بِشْر بن منصور الحناط، عن شعيب بن عمرو، قاله في ترجمة شعيب، فإن كان ابن مهدي رَوَى عنه فقد ثبتت عدالته، ويحتمل أن يكون هو السليمي. انتهى. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٣ - (أَبُو زَيْدٍ) مجهول [٧] وقيل: هو عبد الملك بن ميسرة. قاله في "التقريب". وقال في "تهذيب التهذيب": "أبو زيد" عن أبي المغيرة، عن ابن عبّاس بحديث: "أبي الله أن يَقبَل عمل صاحب بدعة"، وعنه بشر بن منصور الحنّاط، قال أبو زرعة: لا أعرف أبا زيد، ولا أبا المغيرة. وقال أبو القاسم الطبرانيّ: أبو زيد عندي هو عبد الملك ابن ميسرة الزّرّاد، كذا قال، وفيه نظر. انتهى. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٤ - (أبو المغيرة) مجهول [٤] قاله في "التقريب". وقال في "تهذيب التهذيب": أبو المغيرة عن ابن عباس في ذمّ البدعة، روى بشر

стр. 676

بن منصور عن أبي زيد عنه، قال أبو زرعة: لا أعرفهم. انتهى. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٥ - (عَبْدُ اللَّه بْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ٣/ ٢٧. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أبَى اللَّهُ) أي امتنع (أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ) أي أنه لا يقبل صالح عملهم، ولو شفع لهم شفيع في قبولهم فرضًا، ولإفادة هذا المعنى قيل: "أبي الله"، وإلا فلو قيل: لا يقبل الله لكفى. قاله السنديّ (حَتَّى يَدَعَ بِدْعَته) غاية لعدم القبول، فيدُلّ على أنه إن تاب عن بدعته يُقبل عمله الذي عمله في حال البدعة، ولو جُعل غاية للعمل لدلّ على أنه لا يقبل عمله الذي عمله حال البدعة وإن تاب، وهو بعيد لفظًا ومعنًى، ولعلّ المراد بالبدعة الاعتقاد الفاسد، دون العمل الفاسد كما عليه الاصطلاح اليوم. قاله السنديّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لو صحّ الحديث لما كان للتخصيص وجه، فإنه يدل على عموم البدع الاعتقاديّة والأعمالية، فتفطّن. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: حديث عبد الله بن عباس ﵄ هذا من أفراد المصنّف، وهو ضعيفٌ؛ لجهالة رجال إسناده، كما سبق في تراجمهم آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال: ٥١ - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِي، وَهَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَرْدَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ، وَهُوَ بَاطِلٌ بُنِيَ لَهُ قَصْرٌ في رَبَضِ الجَنَّةِ، وَمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ، وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ في وَسَطِهَا، وَمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ بُنِيَ لَهُ في أَعْلَاهَا") * رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ) هو: عبد الرحمن بن إبراهيم بن عمرو بن

стр. 677

ميمون القرشي الأموي مولى آل عثمان، أبو سعيد الدمشقي القاضي المعروف بدُحيم ابن اليتيم، ثقة حافظٌ متقنٌ [١٠]. رَوَى عن الوليد بن مسلم، وسفيان بن عيينة، ومروان بن معاوية، وعُمر بن عبد الواحد، وابن أبي فُديك، وأبي ضمرة، وبشر بن بكر التِّنِّيسيّ، وحبيب بن إسحاق، وأيوب بن سُويد الرَّمْليّ، ومحمد بن شعيب بن شابور، ومعروف الخياط التابعي، وجماعة. ورَوى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وروى النسائي أيضًا عن أحمد بن المُعَلَّى القاضي، وزكرياء بن يحيى السِّجزي عنه، وابناه: إبراهيم، وعمرو، وبَقِيّ بن مَخْلَد، والحسن بن محمد الزعفرانيّ، وهو من أقرانه، وأبوا زرعة: الرازيُّ، والدمشقيّ، وأبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، وإبراهيم الحربي، وأحمد ابن منصور الرَّمَاديّ، وجعفر بن محمد الفِرْيابيّ، وعبد الله بن محمد بن يسار الفرهيانيّ، ومحمد بن الحسن بن قتيبة، ومحمد بن خُرَيم الْعُقيليّ، وجماعة. قال عبدان الأهوازي: سمعت الحسن بن علي بن بَحْر يقول: قَدِمَ دُحَيم بغداد، فرأيت أبي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وخلف بن سالم قعودا بين يديه. وقال الخطيب: كان ينتحل في الفقه مذهب الأوزاعي. وقال ابن يونس: قدم مصر، وهو ثقة ثبت. وقال أبو بكر المَرُّوذِيُّ: وسمعته -يعني أحمد- يثني علي دُحيم، ويقول: هو عاقل رَكِين. وقال العجلي وأبو حاتم والنسائي والدارقطني: ثقة، زاد النسائي: مأمون لا بأس به. وقال أبو داود: حجة لم يكن بدمشق في زمنه مثله، وأبو الجماهر أسند منه، وهو ثقة. وقال أبو حاتم: كان دُحيم يُمَيِّز ويَضبِط حديثَ نفسه. وقال الإسماعيلي: سئل عبد الله بن محمد بن سيار الفرهياني مَنْ أوثق أهل الشام ممن لقيت؟ فقال: أعلاهم دُحيم. وقال أيضًا: هو أحب إليّ من هشام بن عمار، وهشام مُسِنّ. وقال ابن عدي: هو أثبت من حرملة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يَكرَه أن يقال له: دُحيم، وكان من المتقنين الذين يحفظون علم بلدهم وشيوخهم وأنسابهم، ومات بطبرية. وقال

стр. 678

ابن حبان في موضع آخر: دُحيم تصغير دَحمان، ودحمان بلغتهم خبيث. وقال مسلمة: ثقة وقال الخليلي في "الإرشاد": كان أحد حفاظ الأئمة، متفق عليه، ويعتمد عليه في تعديل شيوخ الشام وجرحهم، وآخرُ من رَوَى عنه بالشام سعيد بن هاشم بن مَرْثَد. قال ابنه عمرو: وُلد في شوال سنة (١٧)، قال: ومات في رمضان سنة خمس وأربعين ومائتين، وفيها أرّخه غير واحد، زاد: أبو سعيد بن يونس: بالرملة. أخرج له الجماعة، سوى مسلم، والترمذيّ، وفي "الزهرة": أخرج عنه البخاري ثلاثة أحاديث (١). وله في هذا الكتاب (٩١) حديثًا. ٢ - (هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن محمد بن مالك بن زُبيد الهَمْدانيّ، أبو القاسم الكوفيّ، صدوق من صغار [١٠]. رَوَى عن أبيه، وحفص بن غياث، وابن عيينة، والمحاربي، ومعتمر بن سليمان، وأبي خالد الأحمر، وعبدة بن سليمان، وابن أبي فديك، وغيرهم. ورَوى عنه البخاري في "جزء القراءة خلف الإمام"، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابنه موسى بن هارون، وأبو بكر الأثرم، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وأحمد بن هارون الْبَرْدِيجيّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق. وقال علي بن الحسين بن الجنيد: كان محمد بن عبد الله ابن نمير يُبَجِّله. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن خزيمة: كان من خيار عباد الله. وقال النسائي في "أسماء شيوخه": نِعْمَ الشيخُ كان، وهو أحب إليّ من أبي سعيد الأشجّ، وكان قليل الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال مطين: مات سنة ثمان وخمسين ومائتين. أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه. وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٣ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم ابن أبي فُديك، واسمه

стр. 679

دينار الدِّيليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨]. رَوَى عن أبيه، ومحمد بن عمرو بن علقمة حديثًا واحدًا، وهشام بن سعد، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وكثير بن زيد الأسلمي، وموسى بن يعقوب الزَّمْعيّ، وعبد الرحمن بن عبد المجيد السهمي، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وسَلَمَة بن وَرْدان، والضحاك بن عثمان، وعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، وغيرهم. ورَوى عنه الشافعي، وأحمد، والحميدي، وقتيبة، وأحمد بن صالح، وحاجب بن سليمان المُنبِجِيّ، والحسن بن داود المنكدري، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، ودحيم، وهارون الحمال، وغيرهم. قال النسائي: ليس به بأس. قال ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، وليس بحجة. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال البخاريّ: مات سنة مائتين. وقال ابن سعد: مات سنة (٩٩)، وقال مرّة: مات سنة إحدى ومائتين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثًا. ٤ - (سَلَمَةُ بْنُ وَرْدَانَ) الليثي الْجُنْدعيّ مولاهم، أبو يعلى المدنيّ، ضعيفٌ [٥]. رأى جابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع، وعبد الرحمن بن أشيم، ورَوى عن أنس بن مالك، ومالك بن أوس بن الحَدَثان، وأبي سعيد بن أبي المعلى، وسالم بن عبد الله بن عمر، وغيرهم. ورَوى عنه وكيع، والفضل بن موسى، والدراورديّ، وسفيان الثوري، وابن أبي فديك، والقعنبيّ، وغيرهم. قال أبو موسى: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: منكر الحديث، ضعيف الحديث. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن أبي حاتم: ليس بقويّ، وتدبرت حديثه، فوجدت عامتها منكرة، لا يوافق حديثه، عن أنس حديث الثقات، إلا في حديث واحد يُكتب حديثه. وقال أبو داود، والنسائيّ: ضعيف. وقال النسائي في موضع آخر: ليس بثقة. وقال ابن عديّ: وفي مُتون بعض ما يرويه أشياء منكرة، خالف سائر الناس. وقال ابن سعد: قد رَأى عِدّة

стр. 680

من الصحابة، وكانت عنده أحاديث يسيرة، وكان ثبتًا فيها، ولا يُحتجّ بحديثه، وبعضهم يستضعفه، مات في خلافة أبي جعفر. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح، هو عندي ثقة، حسن الحديث. وقال الحاكم: حديثه عن أنس مناكير أكثرها. وقال العجلي، والدارقطنيّ: ضعيف. وقال ابن حبان: كان يَروِي عن أنس أشياء لا تُشبه حديثه، وعن غيره من الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، كأنه كان قد حَطَمَه السنّ، فكان يأتي بالشيء على التوهم، حتى خرج عن حدّ الاحتجاج، مات سنة (١٠٦). وأرّخه بن قانع سنة (٧). أخرجه له البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم (٥٠) و (٣٨٣٨). ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ الشهير ﵁، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ) أي وقت مرائه، كما يدلّ عليه القرينة الآتية، ويحتمل الإطلاق (وَهُوَ بَاطِلٌ) جملة معترضة بين الشرط والجزاء للتنفير عن الكذب، فإن الأصل فيه أنه باطلٌ، أو جملة حاليةٌ من المفعول: أي والحال أنه باطلٌ، لا مصلحة فيه من مرخّصات الكذب، كما في الحرب، أو إصلاح ذات البين، والمعاريض، أو حال من الفاعل: أي وهو ذو باطل بمعنى صاحب بطلان. قاله القاريّ (١). وقال السنديّ في "شرحه": قوله: "من ترك الكذب، وهو باطل" يحتمل أن المراد بالكذب المراء بالباطل، وجملة "وَهُوَ بَاطِلٌ" بتقدير "ذو باطل" حالٌ من ضمير "تَرَكَ": أي وهو مبطلٌ، وعَبّر بالكذب للتنبيه من أوّل الأمر على البطلان، وإلى هذا يشير كلام ابن العربيّ في "شرح الترمذيّ". ويحتمل أنه على ظاهره، وجملة "وهو

стр. 681

باطلٌ" حال من الكذب، وهو الذي ذكره ابن رجب في شرح الكتاب، قال: هي جملة حاليّةٌ: أي حال كونه باطلًا، فقد أخرج الشيخان واللفظ لمسلم من حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ ، وهو يقول: "ليس الكذاب الذي يُصلح بين الناس، ويقول خيرًا، ويَنمِي خيرًا"، قال ابن شهاب: ولم أسمع يُرَخَّصُ في شيء مما يقول الناس كذب، إلا في ثلاث: الحربِ، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. قال: وروى أبو داود عن أبي أُمامة مرفوعًا: "أنا زعيم ببيت في رَبَض الجنّة لمن ترك المراء، وإن كان مُحِقّا، وببيت في وسط الجنّة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنّة لمن حسّن خلقه". وهذا يقتضي أن يُراد بـ "باطل" مازح بتقدير ذو باطل، وتُجعل الجملة حالًا من فاعل "ترك"، لا من مفعوله، وجعله حالًا من الفاعل هو الموافق لقرينه -أعني: وهو محقّ. بقي أن بين الحديثين تعارضًا، والظاهر أنه وقع من تغيير بعض الرواة. انتهى (١). (بُنِيَ) بالبناء للمفعول (لَهُ قَصْرٌ) مرفوع على أنه نائب فاعل "بُني": أي بنى الله له بيتًا (في رَبَضِ الجَنَّةِ) بفتحتين: أي نواحيها، وجوانبها، لا في وسطها، وليس المراد خارجًا عن الجنّة كما قيل. قال القاريّ رحمه الله تعالى: وأما قول الشارح: هو ما حولها خارجًا عنها تشبيهًا بالأبنية التي حول المُدُن، وتحت القلاع، فهو صريح اللغة، لكنه غير صحيح المعنى، فإنه خلاف المنقول، ويؤدّي إلى المنزلة بين المنزلتين حسّا كما قاله المعتزلة معنًى، فالصواب أن المراد به أدناها كما يدلّ عليه قوله: (وَمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ) بكسر الميم والمدّ: أي الجدال خوفًا من أن يقع صاحبه في اللَّجَاج الموقع في الباطل (وَهُوَ مُحِقٌّ) في ذلك الجدال، فتركه كسرًا لنفسه، كيلا يرتفع على خصمه، وأن لا يظهر فضله عليه، فتواضع في ذلك مع كونه مُحِقّا فيه.

стр. 682

قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: لا شكّ أن قوله: "وهو محقّ" حال من فاعل "ترك" وقع تتميمًا للمعنى، ومبالغةً. وقوله: "من ترك الكذب، وهو باطلٌ" قرينة له، فينبغي مراعاة هذه الدقيقة. فالمعنى: من ترك الكذب، والحال أنه عالمٌ ببطلانه في أمور الدين، لكن سنح له فيه منفعة دنيويّة، فتركها كسرًا لهواه، وإيثارًا لرضي الله تعالى على رضاه، بُني له بيتٌ في ربض الجنّة. ولمّا كانت مكارم الأخلاق متضمّنةً لترك رذائلها، وللإتيان بمحاسنها عقّبهما بقوله: "ومن حسّن خلقه" تحليةً بعد التخلية. قال الشيخ أبو حامد الغزاليّ رحمه الله تعالى: حدّ المراء: الاعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه، إما لفظًا، أو معنًى، أو في قصد المتكلّم، وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض، فكلّ كلام سمعته، فإن كان حقّا فصدّق به، وإن كان باطلًا، ولم يكن متعلّقًا بأمور الدين، فاسكت عنه. انتهى. (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "فاسكت" أراد فيما إذا كان ذلك الباطل متعلّقًا بشخصيّته مثلًا، كأن يسبّه، ويَعيبه، فيتجاوز عنه، ولا يردّ عليه بالمثل، وإن كان له الحقّ في ذلك، كما قال : ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]، بل صفح، وعفا إيثارًا لما هو الأفضل كما قال : ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، وقال : ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، لا أنه يسكت على ما يسمعه من الباطل مطلقًا، يدلّ على ذلك قوله: "ولم يكن متعلّقا بأمور الدين". والله تعالى أعلم. (بُنِيَ لَهُ في وَسَطِهَا) بفتحتين، قال في "القاموس": وَسَط الشيءِ محرّكةً: ما بين طرفيه، كأوسطه، فإذا سُكِّنَت كانت ظرفًا، أو هما فيما هو مُصْمَتٌ كالحلْقَة، فإذا كانت أجزاؤه مُتباينةً فبالإسكان فقط، أو كلُّ موضع صلح فيه "بَيْنَ" فهو بالتسكين، وإلا فبالتحريك. انتهى. والمعنى: بُني له بيتٌ في وسط الجنّة؛ لتركه كسر قلب من يُجادله،

стр. 683

ودفعه رفعة نفسه، وإظهار نفاسة فضله، وهذا يُشعر بأن معنى صدر الحديث: أن من ترك المراء، وهو مُبطلٌ، فوضع الكذب موضع المراء؛ لأنه الغالب فيه، أو المعنى: أن من ترك الكذب، ولو لم يترك المراء بُني له في ربَض الجنة؛ لأنه حفظ نفسه عن الكذب، لكن ما صانها عن مطلق المراء، فلهذا يكون أحطّ مرتبةً منه. قاله القاري (١). (وَمَنْ حَسَّنَ) بتشديد السين المهملة، من التحسين (خُلُقَه) بضمتين، ويجوز التخفيف بتسكين اللام: أي حسّن بالرياضة جميع أخلاقه التي من جملتها المراء والكذب (بُنِيَ لَهُ في أَعْلَاهَا) أي في أعلى الجنّة حسًّا ومعنًى. وهذا يدلّ على أن الخلُق مكتسبٌ، وإن كان أصله غريزيًّا، ويقوّيه ما أخرجه أحمد في "مسنده" بإسناد صحيح عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم أحسنت خَلْقِي فأَحسِن خُلُقِي". وما أخرجه مسلم وغيره من حديث عليّ ﵁ مرفوعًا: "اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، لا يَهدي لأحسنها إلا أنت ... " الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (مسألة): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا مما تفرّد به المصنّف، وهو ضعيف؛ لضعف سلمة بن وردان عند الجمهور، كما سلف في ترجمته، وأيضًا في متنه نكارة، فإنه جاء من حديث أبي أمامة ﵁ في "سنن أبي داود"، وغيره، ولفظه: ٤٨٠٠ - حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي أبو الجماهر، قال: حدثنا أبو كعب أيوب بن محمد السعدي، قال: حدثني سليمان بن حبيب المحاربيّ، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا زعيم ببيت في رَبَضِ الجنة لمن ترك المراء، وإن كان مُحِقًّا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه". وهو حديث حسنٌ، وأيوب بن موسى روى عنه أبو الجماهر، وقال: كان ثقةً،

стр. 684

وقال في "التقريب": صدوقٌ، وباقي رجاله كلهم ثقات، وقد أورد الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى للحديث شواهد في "سلسلة الأحاديث الصحيحة"، فراجعها ١/ ٤٩١ - ٤٩٥ رقم (٢٧٣). والحاصل أن الحديث بهذا اللفظ من حديث أبي أمامة ﵁، لا باللفظ الذي ساقه المصنّف من حديث أنس ﵁، فتفطّن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 685

٨ - (بابُ اجتنابِ الرّأي والقياس) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن عطف القياس على الرأي من عطف المرادف، إذ المراد هنا هو الرأي، أو القياس الذي يعارِض النصوص، وهو الذي جاء ذمّه عن السلف، كما سيأتي بيانه قريبًا. فأما "الرّأي" -بفتح، فسكون- في اللغة فهو: العقل والتدبير، يقال: رجلٌ ذو رَأْيٍ: أي بصيرة وحِذْق في الأمور. قاله في "المصباح" (١). وقال أبو بكر الخطيب رحمه الله تعالى: وأما "الرأي" فهو استخراج صواب العاقبة، فمن وضع الرأي في حقّه، واستعمل النظر في موضعه سُدّد إلى الحقّ والصواب، وكمن قصد المسجد الجامع، فسلك طريقه، ولم يَعدِل عنه أدّاه إليه، وأورده عليه. انتهى (٢). وقال ابن الأثير عند تفسير قوله: "وفينا رجلٌ له رأيٌ": يقال: فلانٌ من أهل الرأي: أي أنه يَرى رأيَ الخوارج، ويقول بمذهبهم، وهو المراد هاهنا، والمحدّثون يُسَمُّون أصحاب القياس أصحاب الرأي، يعنون أنهم يأخذون برأيهم فيما يُشكل من الحديث، أو ما لم يأت فيه حديثٌ ولا أَثَر. انتهى (٣). وقال الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى: الرأي في الأصل مصدر رأى الشيءَ يراه رأيًا، ثم غَلَبَ استعماله على المرئيّ نفسِهِ، من باب استعمال المصدر في المفعول، كالهَوَى في الأصل مصدر هَوِيَه يَهْوَاهُ هَوًى، ثم استُعمل في الشيء الذي يَهْوَاه، فيقال: هذا هَوَى فلان، والعرب تُفَرّق بين مصادر فعل الرؤية بحسب محالّها، فتقول: رأى كذا في النوم رُؤيا، ورآه في اليقَظَة رُؤيةً، ورأى كذا -لما يُعلَمُ بالقلب، ولا يُرَى بالعين- رَأْيًا،

стр. 686

ولكنهم خَصّوهُ بما يراه القلب بعد فكر وتأمّل وطلب، لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات، فلا يقال لمن رأى بقلبه أمرًا غائبًا عنه مما يحسُّ به: إنه رأيه، ولا يقال أيضًا للأمر المعقول الذي لا تختلف فيه العقول، ولا تتعارض فيه الأمارات: إنه رأيٌ، وإن احتاج إلى فكر وتأمّل كدقائق الحساب ونحوها. انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله تعالى. (١). وأما "القياس" في اللغة فهو: التقدير، قال في "المصباح": قِستُه على الشيء، وبه أَقِيسه قَيْسًا، من باب باع، وأَقُوسُه قَوْسًا، من باب قال لغةٌ، وقايسته بالشيء مُقايسةً، وقِيَاسًا، من باب قاتل، وهو تقديره به، والْمِقياس: المقدار. انتهى (٢). وقال الحافظ أبو بكر الخطيب رحمه الله تعالى: اعلم أن القياس فِعْلُ القائس، وهو حمل فرع على أصل في بعض أحكامه؛ لمعنًى يَجمَع بينهما. وقيل: هو الاجتهاد. والأول أجمع لحدّه؛ لأن الاجتهاد، هو بذل المجهود في طلب العلم، فيخل فيه حمل المطلق على المقيّد، وترتيب الخاصّ على العامّ، وجميع الوجوه التي يُطلب منها الحكم، وليس شيء من ذلك بقياس. والقياس مثاله مثال الميزان أن يوزن به الشيء من الفروع ليُعلَم ما يُوازنه من الأصول، فيُعلم أنه نظيره، أو لا يوازنه، فيُعلم أنه مخالفه، والاجتهاد أعمّ من القياس، والقياس داخل فيه. انتهى كلام الخطيب (٣). وعرّفوه في كتب الأصول بأنه حمل معلوم على معلوم لمساواته في علّة حكمه. وإليه أشار في "الكوكب الساطع" حيث قال: وَحَمْلُ مَعلُومِ عَلَى ذِي عِلْمِ ... سَاوَاهُ في عِلَّتِهِ في الحُكْمِ

стр. 687

هُوَ الْقِيَاسُ وَمُرِيدُ الشَّامِلِ ... غَيْرَ الصَّحِيح زَادَ "عِنْدَ الْحَامِلِ" ولكن المراد هنا هو القياس المذموم الذي يعارض به النصّ، فليس كلّ قياس مذمومًا، كما سيأتي تفصيل ذلك قريبًا -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال: ٥١ - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَعَبْدَةُ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ح وحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَحَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّه لَا يَقْبضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ اَلْعُلَمَاءِ، فَإِذَا لَمْ يُبْقِ عَالمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا"). رجال هذا الإسناد: أربعة عشر: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء بن كُريب الْهَمْدانيّ، أبو كُريب الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقة حافظ [١٠]. رَوَى عن عبد الله بن إدريس، وحفص بن غياث، وأبي بكر بن عياش، وهشيم، ومعتمر، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ويونس بن بكير، وابن المبارك، وأبي خالد الأحمر، وأبي معاوية الضرير، وخلق كثير. ورَوَى عنه الجماعة، ورَوَى النسائي عن أبي بكر بن علي المروزي، عن زكريا بن يحيى السِّجْزي عنه، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وعثمان بن خُرَّزاذ، والذهلي، وابن أبي الدنيا، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وبقي بن مخلد، وخلق كثير. قال حجاج بن الشاعر: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لو حَدَّثتُ عن أحد ممن أجاب في المحنة لحدثت عن أبي معمر، وأبي كريب. وقال الحسن بن سفيان: سمعت ابن نُمير يقول: ما بالعراق أكثر حديثا من أبي كريب، ولا أَعْرَف بحديث بلدنا منه. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه، فقال: صدوق. وقال أبو علي النيسابوري: سمعت

стр. 688

أبا العباس ابن عُقْدة يُقَدِّمه في الحفظ والمعرفة على جميع مشايخهم، ويقول: ظهر لأبي كريب بالكوفة ثلاثمائة ألف حديث. وقال موسى بن إسحاق الأنصاري: سمعت من أبي كريب مائة ألف حديث. وقال النسائي: لا بأس به. وقال مرة: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو عَمْرو الْخَفّاف: ما رأيت من الشايخ بعد إسحاق بن إبراهيم أحفظ منه. وقال إبراهيم بن أبي طالب: قلت لمحمد بن يحيى: لم أر بعد أحمد بن حنبل بالعراق أحفظ من أبي كريب. وقال صالح جَزَرة غَلَبَت اليبوسة مَرّةَّ عَلى رأس أبي كريب، فغَلَّف الطبيبُ رأسه بالفالوذج، فأخذه من رأسه فوضعه في فيه، وقال: بطني أحوج إلى هذا. وقال مسلمة بن قاسم: كوفي ثقة. قال البخاري وغير واحد: مات في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين ومائتين، زاد بعضهم: وهو ابن سبع وثمانين سنة. وقيل: مات سنة سبع، وهو وَهَمٌ. وفي "الزهرة": رَوَى عنه البخاري خمسة وسبعين حديثًا، ومسلم خمسمائة وستة وخمسين حديثًا (١). وله في هذا الكتاب (١٠٥) حديثًا. ٢ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سهل، أبو محمد الْحَدَثانيّ، هرويّ الأصل، صدوق في نفسه، إلا أنه عَمِيَ، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، من قُدماء [١٠] ٤/ ٣٠. ٣ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الأوديّ -بسكون الواو- الزَّعَافريُّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقيهٌ عابدٌ [٨]. رَوَى عن أبيه، وعمه داود، والأعمش، ومنصور، وعبيد الله بن عمر، وإسماعيل ابن أبي خالد، وأبي مالك الأشجعي، وداود بن أبي هند، وعاصم بن كليب، وابن

стр. 689

جريج، وهشام بن عروة، وخلق كثير. ورَوي عنه مالك بن أنس، وهو من شيوخه، وابن المبارك ومات قبله، ويحيى بن آدم، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وأبو كريب، وخلق كثير. قال أحمد: كان نسيج وحده. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: ابن إدريس أحب إليك أو بن نمير؟ فقال: ثقتان إلا أن ابن إدريس أرفع منه، وهو ثقة في كل شيء. وقال يعقوب بن شيبة: كان عابدًا فاضلًا، وكان يسلك في كثير من فتياه ومذاهبه مسلك أهل المدينة، وكان بينه وبين مالك صداقة، وقيل: إن بلاغات مالك سمعها من ابن إدريس. وقال الحسن بن عَرَفة: ما رأيت بالكوفة أفضل منه. وقال ابن المديني: عبد الله بن إدريس فوق أبيه في الحديث. وقال جعفر الفريابي: سألت ابن نُمير عن عبد الله بن إدريس وحفص، فقال: حفص أكثر حديثًا، ولكن ابن إدريس ما خرج عنه فإنه فيه أثبت وأتقن، فقلت: أليس عبد الله آخذٌ في السنة؟ قال: ما أقربهما في السنة. وقال ابن عمار: كان من عباد الله الصالحين الزهاد، وكان إذا لحن رجل عنده في كلامه لم يحدثه. وقال أبو حاتم: هو حجة يُحتجّ بها، وهو إمام من أئمة المسلمين ثقة. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال أحمد بن جَوّاس: سمعته يقول: وُلدت سنة (١١٥)، وكذا قال غير واحد. وقيل: سنة (٢٠). وقال أحمد بن حنبل وغير واحد: مات سنة اثنتين وتسعين ومائة، زاد ابن سعد في عشر ذي الحجة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٢) حديثًا. ٤ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقة ثبتٌ، من صغار [٨] ٢/ ٢٢. ٥ - (أَبُو مُعَاوِيَة) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، عَمِيَ وهو صغير، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩] ١/ ٣. ٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) مصغّرًا الهمدانيّ الخارِفِيّ، أبو هشام الكوفيّ، صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩].

стр. 690

رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، ويحيى بن سعيد، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وموسى الْجُهَنيّ، وزكرياء بن أبي زائدة، وسعد بن سعيد الأنصاريّ، وحنظلة بن أبي سفيان، وسيف بن سليمان، والأوزاعيّ، وعثمان بن حكيم الأَوْديّ، والثوري، وعمرو بن عثمان بن موهب، وجماعة. ورَوَى عنه ابنه محمد، وأحمد، وأبو خيثمة، ويحيى بن يحيى، وعلي بن المديني، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وأبو قُدَامة السرخسي، وأبو كريب، وأبو موسى، وأبو سعيد الأشجّ، وهناد بن السريّ، وجماعة. قال أبو نعيم: سئل سفيان عن أبي خالد الأحمر، فقال: نعم الرجل عبد الله بن نمير. وقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى بن معين: ابن إدريس أحب إليك في الأعمش أو ابن نمير؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال أبو حاتم: كان مستقيم الأمر. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجليّ: ثقة، صالح الحديث، صاحب سنة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، صدوق. قال ابنه محمد وغيره: مات سنة تسع وتسعين ومائة. وقيل: إنه ولد في سنة (١١٥). وله في هذا الكتاب (١٠٧) أحاديث. ٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة حافظ [٩] ٧/ ٤٨. ٨ - (عَليُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ قاضي الموصل، ثقة له غرائب بعد ما أضرّ [٨] ٤/ ٣٧. ٩ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن عثمان بن خُثيل بن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح، الأصبحي الْحِمْيري، أبو عبد الله المدني الفقيه، أحد أعلام الإسلام، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧]. رَوَى عن عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، ونعيم بن عبد الله المُجْمر، وزيد ابن أسلم، ونافع مولى ابن عمر، وحميد الطويل، وسعيد المقبريّ، وأبي حازم سلمة بن دينار، وسُلَيم، وخلق كثير.

стр. 691

ورَوَى عنه الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، وغيرهم من شيوخه، والأوزاعي، والثوري، ووَرْقاء بن عُمر، وشعبة بن الحجاج، وابن جريج، وخلق كثير. قال محمد بن إسحاق الثقفي: سئل محمد بن إسماعيل البخاري، عن أصح الأسانيد؟ فقال: مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وقال علي بن المديني، عن ابن عيينة: ما كان أشد انتقاء مالك للرجال، وأعلمه بشأنهم، قال: وقيل لسفيان: أيما كان أحفظ سُمَيّ، أو سالم أبو النضر؟، قال: قد روى مالك عنهما. وقال علي، عن بشر بن عمر الزهراني: سألت مالكا عن رجل؟ فقال: رأيته في كتبي؟ قلت: لا، قال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي. قال: علي لا أعلم مالكا ترك إنسانا إلا إنسانا في حديثه شيء. وقال الدوري، عن ابن معين: كل من روى عنه مالك فهو ثقة، إلا عبد الكريم. وقال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد: يقول: أصحاب نافع الذين رووا عنه: أيوب، وعبد الله، ومالك، قال علي: هؤلاء أثبت أصحاب نافع، قال: وسمعت يحيى بن سعيد يقول: ما في القوم أصح حديثا من مالك -يعني السفيانين- ومالكا، قال: ومالك أحب إلي من معمر، قال: وأصحاب الزهري مالك، فبدأ به، ثم فلان، وفلان، وكان ابن مهدي لا يقدم على مالك أحدا، ومناقبه ﵀ جمةٌ. وقال إسماعيل بن أبي أويس: توفي صبيحة أربع عشرة من شهر ربيع الأول، سنة تسع وسبعين، وكان ابن خمس وثمانين سنة. وقال الواقدي: كان ابن تسعين سنة. ومناقبه كثيرة جدا لا يمكن استيعابها في مثل هذه العُجَالة، وقد أُفرِدت بالتصنيف. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧١) حديثًا. ١٠ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقَيليُّ، أبو عُمَر الصَّنعانيُّ، سكن عَسْقَلان، ثقةٌ رُبّما وَهِمَ [٨]. رَوَى عن زيد بن أسلم، وموسى بن عقبة، وهشام بن عروة، وسهيل بن أبي صالح، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم.

стр. 692

ورَوَى عنه عمرو بن أبي سَلِمَة التِّنّيسيُّ، وابن وهب، والهيثم بن خارجة، وآدم ابن أبي إياس، وسعيد بن منصور، وسويد بن سعيد، وغيرهم، ورَوَى عنه الثوري، وهو أكبر منه. قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: ليس به بأس، قلت: إنهم يقولون: عَرَضَ على زيد ابن أسلم، فقال: ثقة. وقال ابن معين: ثقة إنما يَطعَن عليه أنه عرض. وقال أيضًا: قد رَوَى الثورى عن أبي عمر الصنعاني، وهو حفص بن ميسرة. وقال مرة: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال في موضع آخر: يُكتب حديثه، ومحله الصدق، وفي حديثه بعض الوهم. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة لا بأس به. وقال الآجري عن أبي داود: يُضَعّف في السماع. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الساجيّ: في حديثه ضُعْفٌ. وقال الأزديّ: رَوَى عن العلاء مناكير، يتكلمون فيه. قال قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي: لا يُلتَفت إلى قول الأزديّ. قال أحمد، وابن يونس، وغيرهما: توفي سنة (١٨١). أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود في "المراسيل"، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (٥٢) و (٢٧٨) و (٤٣٢٢). [تنبيه]: اختُلف في نسبة حفص بن ميسرة هذا هل هو إلى صنعاء الشام، أم صنعاء اليمن، فقال الأكثرون: إنه من صنعاء الشام، وممن قال بهذا: أحمد، والبخاريّ، والنسائيّ، والفلاس، ومحمد بن المثنى، ويعقوب بن سفيان، وغيرهم. وقال أبو حاتم: إنه من صنعاء اليمن، وعليه يدلّ صنيع بن أبي داود، قال أبو القاسم: وهو أشبه (١). والله تعالى أعلم. ١١ - (شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن راشد الدِّمَشقيّ الأمويّ مولى رَملة بنت عثمان، أصله من البصرة، ثقةُ رُمي بالإرجاء، من كبار [٩].

стр. 693

رَوَى عن أبيه، وأبي حنيفة، وتمَذهب له، وابن جريج، والأوزاعيّ، وسعيد بن أبي عروبة، وعبيد الله بن عُمَر، وهشام بن عروة، والثوريّ، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن ابنه عبد الرحمن بن عبد الصمد بن شعيب، وداود بن رُشيد، والحكم بن موسى، وأبو النضر الفراديسي، وعَمرو بن عون، وإبراهيم بن موسى الرازي، وإسحاق بن راهويه، وسُويد بن سعيد، وأبو كريب محمد بن العلاء، وهشام ابن عمار، وغيرهم، وحدث عنه الليث بن سعد، وهو في عداد شيوخه. قال أبو طالب عن أحمد: ثقة ما أصح حديثه وأوثقه. وقال أبو داود: ثقة، وهو مرجىء، سمعت أحمد يقول: سمع من سعيد بن أبي عروبة بآخر رَمَقٍ. وقال هشام بن عمار عن شعيب: سمعت من سعيد سنة (١٤٤). وقال ابن معين، ودحيم، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الوليد بن مسلم: رأيت الأوزاعي يقربه ويدنيه. ونقل أبو الوليد الباجيّ عن أبي حاتم قال: شعيب بن إسحاق ثقة مأمون. قال دُحيم: وُلد سنة (١٨)، ومات سنة (١٨٩). وفيها أرّخه ابن حبان في "الثقات"، وكذا أرّخه ابن مُصَفَّى، وزاد: في رجب، وفيها أرّخه غير واحد. ووقع في "الكمال" سنة (٩٨) وهو وَهَم. أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (٥٢) و (٢٤٢٥) و (٢٥٦٣) و (٢٨٩١) و (٣١٥٦). ١٢ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوّام الأسدي، أبو المنذر، وقيل: أبو عبد الله، ثقة فقيهٌ ربّما دلّس [٥]. رَأَى ابن عمر، ومسح رأسه، ودعا له، وسهلَ بن سعد، وجابرًا، وأنسا، وروى عن أبيه، وعمه عبد الله بن الزبير، وأخويه: عبدِ الله وعثمان، وابن عمه عبّاد بن عبد الله ابن الزبير، وخلق كثير. وروى عنه أيوب السختيانيّ، ومات قبله، وعبيد الله بن عمر، ومعمر، وابن جريج، وابن إسحاق، وابن عجلان، وخلق كثير.

стр. 694

قال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: هشام أحب إليك عن أبيه أو الزهريُّ؟ قال: كلاهما ولم يفضّل. وقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: رأيت مالك ابن أنس في النوم، فسألته عن هشام بن عروة؟ فقال: أما ما حدث به، وهو عندنا فهو أي كأنه يصححه، وما حدث به بعدما خرج من عندنا، فكأنه يوهنه. وقال ابن سعد، والعجلي: كان ثقة، زاد ابن سعد: ثبتا كثير الحديث، حجة. وقال أبو حاتم: ثقة، إمام في الحديث. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت، لم ينكر عليه شيء إلا بعدما صار إلى العراق، فإنه انبسط في الرواية عن أبيه، فأنكر ذلك عليه أهل بلده، والذي نرى أن هشاما تسهل لأهل العراق، أنه كان لايحدث عن أبيه إلا بما سمعه منه، فكان تسهله أنه أرسل عن أبيه مما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان متقنا ورعا فاضلا حافظا. قال عمرو بن علي الفلاس عن عبد الله بن داود: ولد هشام، والأعمش، وسَمَّى غيرهما سنة مقتل الحسين -يعني سنة إحدى وستين- قال الحربي: مات سنة ست وأربعين ومائة، وأرخه أبو نعيم وغيره: سنة خمس. وقال أبو حاتم: يقال: إنه توفي بعد الهزيمة سنة خمس، وقد بلغ سبعا وثمانين. وقال عمرو بن علي: مات سنة سبع وأربعين. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠١). ١٣ - (أبوه) عروة بن الزبير، بن العوّام بن خُوَيلد بن أسد بن عبد العزي بن قصي الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في ٢/ ١٥. ١٤ - (عبدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سَعْد بن سَهْم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو نُصَير. وأمه رائطة بنت مُنَبّه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة السهمية، ويقال: حذافة بن سعد بن سهل، وقال فيهم النبي ﷺ : "نعم أهل البيت: عبد الله، وأبو عبد الله، وأم عبد الله". وقيل: كان اسمه العاص، فلما أسلم سُمّي عبد الله، ولم يكن بينه وبين أبيه في السن سوى إحدى عشرة سنة، وأسلم قبل أبيه، وكان

стр. 695

مجتهدا في العبادة، غزير العلم. قال أبو هريرة: ما كان أحد أكثر حديثا عن رسول الله ﷺ مني، إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب، وكنت لا أكتب. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وسراقة بن مالك بن جُعشُم، وغيرهم. وروى عنه أنس بن مالك، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: مات ليالي الحرة، وكانت في ذي الحجة، سنة (٦٣). وقال في موضع آخر: مات سنة (٦٥)، وكذا قال ابن بكير. وقال في رواية: مات سنة (٦٨)، وكذا قال الليث. وقيل: مات سنة (٧٣). وقيل: سنة (٧٧). وقيل: غير ذلك، وكان موته بمكة، وقيل: بالطائف، وقيل: بمصر، وقيل: بفلسطين. وذكر العسكري أنه عاش قريبا من مائة سنة. قال الحافظ: وهو بعيد من الصحة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١٦) حديثًا. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال في "الفتح": ما حاصله: قال الدارقطنيّ: لم يرو عن مالك هذا الحديث في "الموطإ" إلا مَعْن بن عيسى، وراه أصحاب مالك، كابن وهب وغيره عن مالك خارج "الموطإ"، وأفاد ابن عبد البر أن سليمان بن يزيد رواه أيضًا في "الموطإ"، والله أعلم. قال الحافظ: وقد اشتهر هذا الحديث من رواية هشام بن عروة، فوقع لنا من رواية أكثر من سبعين نفسًا عنه، من أهل الحرمين، والعراقين، والشام، وخُرَاسان، ومصر، وغيرها، ووافقه على روايته عن أبيه عروةَ أبو الأسود المدني، وحديثه في "الصحيحين"، والزهري وحديثه في النسائيّ، ويحيى بن أبي كثير وحديثه في "صحيح أبي عوانة"، ووافق أباه على روايته عن عبد الله بن عمرو، عُمَر بن الحكم بن ثوبان، وحديثه في مسلم انتهى (١).

стр. 696

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، والصحابيّ، فمدنيّ، ثم مصريّ، ثم طائفيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قول السيوطيّ رحمه الله تعالى في "ألفية الأثر": وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِو ... وَابْنُ الزُّبَيْرِ في اشْتِهَارٍ يَجْرِي دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لهُمْ عَبَادِلَهْ ... وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذا مَالَ لَهْ ٦ - (ومنها): أنه ليس بينه وبين أبيه إلا إحدى عشرة سنة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله تعالى عنهما. [تنبيه]: قوله: "ابن العاص": أكثر ما يأتي في كتب الحديث والفقه، ونحوهما بحذف الياء، وهي لغة، والفصيح الصحيح "العاصي" بإثبات الياء، وكذلك شدّاد بن الهادي، وابن أبي الموالي، فالفصيح الصحيح في كلّ ذلك، وما أشبهه إثبات الياء، ولا اغترار بوجوده في كتب الحديث، أو أكثرها بحذفها. قاله النوويّ (١). وإلى القاعدة المذكورة أشار في "الخلاصة" حيث قال: وَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا ... لَمْ يُنْصَبَ أوْلَى مِنْ ثُبُوتٍ فَاعْلَمَا وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالْعَكْسِ وَفِي ... نَحْوِ "مُرٍ" لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقتُفِي (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّه لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ) جملة في محلّ رفع؛ لأنها خبر

стр. 697

"إنّ" (انْتِزَاعًا) يحتمل أن يكون نصبه على أنه مفعول مطلقٌ لـ "يَقبضُ"، مثلُ رجع القهقرى، وقعد جلوسًا، ويحتمل أن يكون مفعولا مطلقًا مقدّمًا على فعله، وهو "ينتزعه"، والجملة حال من الضمير في "يقبضه"، ويحتمل أن يكون حالًا من "العلم" بمعنى مُنتَزعًا (١). والمراد بالعلم هو العلم الشرعيّ الذي هو علم الكتاب والسنّة؛ لأنه المراد عند الإطلاق، لا العلم الدنيويّ؛ لأنه النبيّ ﷺ لم يُبعث من أجله بدليل ما أخرجه مسلم رحمه الله تعالى في "صحيحه" رقم (٢٣٦٣) من حديث عائشة، وأنس ﵄ أن النبي ﷺ مَرّ بقوم يُلَقِّحُون فقال: "لو لم تفعلوا لَصَلَحَ"، قال: " فخرج شِيصًا (٢)، فَمَرّ بهم، فقال: "ما لنخلكم؟ "، قالوا: "قلت: كذا وكذا، قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم". وأخرجه المصنّف في "كتاب الأحكام": (٢٤٦٢): وأحمد رقم (٢٣٧٧٣) من حديثهما بلفظ: "أَن النبي ﷺ سمع أصواتا، فقال: ما هذا الصوتُ؟ "، قالوا: النخل يُؤبّرونها، فقال: "لو لم يفعلوا لصلح، فلم يؤبروا عامئذٍ، فصار شيصًا، فذكروا للنبي ﷺ ، فقال: "إن كان شيئًا من أمر دنياكم فشأنُكُم به، وإن كان من أمور دينكم فإليّ". وأخرجه أحمد في "مسنده" رقم (١٢٠٨٦) من حديث أنس ﵁ وحده، ولفظه: قال: سمع رسولُ الله ﷺ أصواتا، فقال: "ما هذا؟ "، قالوا: يُلَقِّحون النخل، فقال: "لو تركوه، فلم يُلَقِّحوه لصلح"، فتركوه، فلم يُلَقِّحوه، فخرج شِيصًا، فقال النبي ﷺ : "ما لكم؟ "، قالوا: تركوه لمّا قلت، فقال رسول الله ﷺ : "إذا كان شيء من أمر دنياكم، فأنتم أعلم به، فإذا كان من أمر دينكم فإليّ". (يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ) أي مَحْوًا من الصدور. قال ابن بطّال رحمه الله تعالى: معناه

стр. 698

إن الله لا ينزع العلم من العباد بعد أن يتفضّل به عليهم، ولا يسترجع ما وَهَبَ لهم من العلم المؤدّي إلى معرفته، وبَثّ شريعته، وإنما يكون انتزاعه بتضييعهم العلم، فلا يوجد من يَخلُف من مضى، فأنذر ﷺ بقبض الخير كله. وكان تحديث النبي ﷺ بذلك في حجة الوداع، كما رواه أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة ﵁، قال: لما كان في حجة الوداع قال النبي ﷺ : "خُذُوا العلم قبل أن يُقبَض، أو يرفع"، فقال أعرابي: كيف يُرفَع فقال: "ألا إنّ ذَهَاب العلم ذَهابُ حملته"، ثلاث مرات. وقال ابن المُنَيِّر: مَحْوُ العلم من الصدور جائز في القدرة، إلا أن هذا الحديث دَلَّ على عدم وقوعه. انتهى. (وَلَكِنْ) للاستدراك (يَقْبِضُ الْعِلْمَ) بكسر الموحّدة، من باب ضرب، والفعل مبنيّ للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الله تعالى. وهو من قبيل إقامة الظاهر موضع المضمر؛ لزيادة تعظيم المضمر؛ إذ مقتضى الظاهر أن يقال: "ولكن يقبضه"، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] بعد قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. قاله العينيّ (١) (بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ) أي بسبب توفّيهم. [تنبيه]: هذا الحديث صريحٌ في أن المقبوض هو العلم لا العمل به، ويعارضه ما أخرجه الترمذيّ في "جامعه" من طريق جُبير بن نُفير، عن أبي الدرداء ﵁ مما يدلّ على أن الذي يُرفع هو العمل، ونصّه: قال أبو الدرداء ﵁: كنا مع النبيّ ﷺ ، فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: "هذا أوانٌ يُخْتَلَسُ فيه العلم من الناس حتى لا يَقدِروا منه على شيء"، فقال زياد بن لبيد الأنصاريّ، وكيف يُختلس منّا، وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنُقرأنّه، ولنقرأنه نساءنا وأبناءنا، فقال: "ثكِلتك أمّك يا زياد إن كنت لأعدّك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل

стр. 699

عند اليهود والنصارى، فماذا تُغني عنهم؟ "، قال: فلقيتُ عُبَادة بن الصامت ﵁، فقلتُ: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدَقَ أبو الدرداء، إن شئتَ لأُحدّثنّك بأول علم يُرفع: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجامع فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا. قال الترمذيّ: هذا حديث حسنٌ غريبٌ (١)، وقد خرّجه النسائيّ من حديث جبير بن نُفير أيضًا عن عوف بن مالك الأشجعيّ ﵁ من طرق صحيحة. فهذا الحديث ظاهر في أن الذي يُرفع إنما هو العمل بالعلم، لا نفسُ العلم، وهو بخلاف ما دلّ عليه حديث عبد الله بن عمرو ﵄، فإنه صريحٌ في أنّ المرفوع هو العلم. وأجاب أبو العبّاس القرطبيّ، فقال: لا تباعد بينهما، فإنه إذا ذهب العلم بموت العلماء، خَلَفهم الْجُهّال، فأفتوا بالجهل، فعُمل به، فذهب العلم والعمل، وإن كانت المصاحف والكتب بأيدي الناس، كما اتّفقَ لأهل الكتابين من قَبْلنا، ولذلك قال رسول الله ﷺ لزياد على ما نصّ عليه النسائيّ: "ثَكِلتك أمك يا زيادُ، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى؟ "، وذلك أن علماءهم لمّا انقرضوا خَلَفَهم جُهّالهم، فحرّفوا الكتاب، وجَهِلوا المعاني، فعملوا بالجهل، وأفتوا به، فارتفع العلم والعمل، وبقيت أشخاص الكتب لا تُغني شيئًا. انتهى كلام القرطبيّ (٢). (فَإِذَا لَمْ يُبْقِ عَالمًا) -بضم أوله، وكسر القاف- من الإبقاء، والفاعل ضمير "الله تعالى"، و"عالمًا": أي لم يُبقِ الله عالمًا. ولفظ البخاريّ: "حتى إذا لم يَبْقَ عالِمٌ"، وهو -بفتح أوله، وإسكان ثانيه- من البقاء.

стр. 700

[فإن قلت]: "إذا" للاستقبال، و"لم" لقلب المضارع ماضيًا، فكيف يَجتمعان؟. [أجيب]: بأنهما لما تعارضا تساقطا، فبقي على أصله، وهو المضارع، أو تعادلا، فيفيد الاستمرار. [فإن قلت]: إذا كانت "إذا" شرطيّة يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط، ومن وجود المشروط وجود الشرط، لكنه ليس كذلك هنا؛ لجواز حصول الاتخاذ مع وجود العالم. [أجيب]: بأن ذلك في الشروط العقليّة، أما في غيرها فلا نُسلّم اطّراد هذه القاعدة، ثم الاستلزام إنما هو في موضع لم يكن للشرط فيه بدلٌ، فقد يكون لمشروط واحد شروط متعاقبة، كصحّة الصلاة بدون الوضوء عند التيمّم، أو المراد بالناس جميعهم، فلا يصحّ أن الكلّ اتخذوا رءوسًا جُهّالًا إلا عند عدم بقاء العالم مطلقًا، وذلك ظاهر. قاله العينيّ رحمه الله تعالى (١). (اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا) قال النووي: رحمه الله تعالى: ضبطنا "رءوسًا" -بضم الهمزة والتنوين- جمع رأس. قال في "الفتح": وفي رواية أبي ذر أيضًا: "رؤساء" -بفتح الهمزة، وفي آخره همزة أخرى مفتوحة، جمع رئيس، وكلاهما صحيح، والأول أشهر. (جُهَّالًا) -بضم الجيم، وتشديد الهاء-: جمع جاهل، صفة لـ "رءوسًا". [فإن قلت]: المراد بالجهل هنا الجهل البسيط، وهو عدم العلم بالشيء، لا مع اعتقاد العلم به، أم الجهل المركّب، وهو عدم العلم بالشيء مع اعتقاد العلم به؟. [أجيب]: بأن المراد هو القدر المشترك بينهما المتناول لهما. [فإن قلت]: أهذا مختصّ بالمفتين، أم عامّ للقضاة الجاهلين؟. [أجيب]: بأنه عامّ؛ إذ الحكم بالشيء يستلزم الفتوى به. قاله العينيّ رحمه الله تعالى (٢).

стр. 701

وفيه التحذير عن اتخاذ الجهّال رءوسًا. (فَسُئِلُوا) بضم السين المهملة: أي سألهم السائلون (فَأَفْتَوْا) بفتح الهمزة، والتاء: أي بيّنوا الحكم للسائلين (بِغَيْرِ عِلْمٍ) وفي رواية أبي الأسود عند البخاريّ في "الاعتصام": "فيُفتُون برأيهم"، وفي هذا الحديث: الحثُّ على حفظ العلم، والتحذير من ترئيس الجهَلَة. وفيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية، وذَمُّ من يُقْدِم عليها بغير علم. واستدل به الجمهور على القول بخلوّ الزمان عن مجتهد، ولله الأمر يفعل ما يشاء. (فَضَلُّوا) أي في أنفسهم، من الضلال (وَأَضَلُّوا) أي غيرهم ممن يقلّدهم رأيهم الفاسد، وهو من الإضلال. [فإن قلت]: الضلال متقدّم على الإفتاء، فما معنى الفاء؟. [أجيب]: بأن المجموع من الضلال والإضلال هو متعقّب على الإفتاء، وإن كان الجزء الأول مقدّمًا عليه؛ إذ الإضلال الذي بعد الإفتاء غير الضلال الذي قبله. [فإن قلت]: الإضلال ظاهر، وأما الضلال فإنما يلزم أن لو عَمِل بما أفتى، وقد لا يَعمَل به. [أجيب]: بأن إضلاله لغيره ضلال له، عَمِل بما أفتى أو لم يَعمَل. قاله العينيّ (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٨/ ٥٢) فقط، و (البخاريّ) (١/ ٣٦ و ٩/ ١٢٣) وفي "خلق أفعال العباد" (٤٧) و (مسلم) (٨/ ٦٠) و (الترمذيّ) (٢٦٥٢) و (النسائيّ) في

стр. 702

"الكبرى" ٣/ ٤٥٥ رقم (٥٩٠٧) (والطيالسيّ) في "مسنده" (٢٢٩٢) و (الحميديّ) في "مسنده" (٥٨١) و (أحمد) في "مسنده" ٢/ ١٦٢ و١٩٠ و ٢٠٣ و (الدارميّ) في "سننه" (٢٤٥) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٥٧١) و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٤٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو وجوب اجتناب الرأي والقياس، وهو محمول على الرأي المذموم، كما سيأتي بيانه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): أن فيه الحثَّ على حفظ العلم والاشتغال به. ٣ - (ومنها): أن الفتوى هي الرئاسة الحقيقيّة، وذمّ من يُقْدِم عليها بغير علم. ٤ - (ومنها): التحذير عن اتّخاذ الجهّال رؤوسًا. ٥ - (ومنها): أن فيه دلالةً للقائلين بجواز خلوّ الزمان عن المجتهد، على ما هو مذهب الجمهور، خلافًا للحنابلة. ومسألة خلوّ الزمان عن المجتهد مشهورة في كتب الأصول، وحاصلها أن الجمهور يرون جوازه، وخالف في ذلك الحنابلة، وذهب العلامة ابن دقيق العيد إلى أنه لا يجوز ما لم تأت أشراط الساعة الكبرى، كطلوع الشمس من مغربها، فإذا أتت جاز الخلوّ عنه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن دقيق العيد هو الأرجح؛ للحديث الآتي. ثم على القول بالجواز أنه لم يثبُت وقوعه، وقيل: يقع؛ لحديث "الصحيحين": "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ حتى يأتي أمر الله"، أي الساعة، والمراد به إتيان الأشراط المذكورة. ودليل الوقوع حديث الباب المتّفق عليه، وحديث البخاريّ: "إن من أشراط

стр. 703

الساعة أن يُرفع العلم، ويَثبُت الجهل"، والمراد برفع العلم قبض أهله. قال الجامع: لا خلاف بين الأحاديث، إذ هي على معنى واحد، وهو أن المراد بالحديثين الأخيرين عند قرب الساعة، فيكونان بمعنى الحديث الأول، أي أن قبض العلم ورفعه يكون عند قرب الساعة بظهور أشراطها المذكورة. والله تعالى أعلم. وإلى ما ذُكر أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى: جَازَ خُلُوُّ الْعَصْرِ عَنْ مُجْتَهِدِ ... وَمُطْلَقًا يَمْنَعُ قَوْمُ أَحْمَدِ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لَا إِنْ أَتَتِ ... أَشْرَاطُهَا وَالْمُرْتَضَى لَمْ يَثْبُتِ (١) ٦ - (ومنها): أن الداوديّ قال: هذا الحديث خرج مخرج العموم، والمراد به الخصوص؛ لقوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ حتى يأتي أمر الله"، ويقال: هذا بعد إتيان أمر الله تعالى، إن لم يُفسّر إتيان الأمر بإتيان القيامة، أو عدم بقاء العلماء إنما هو في بعض المواضع كما في بيت المقدس مثلًا، إن فسرناه به، فيكون محمولًا على التخصيص جمعًا بين الأدلّة. ٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا الحديث بيّن كيفيةَ رفع العلم، وظهور الجهل، وهو نصّ في أن رفع العلم لا يكون بمحوه من الصدور، بل بموت العلماء، وبقاء الجهّال الذين يتعاطون مناصب العلماء في الفتيا والتعليم، يُفتون بالجهل، ويُعلّمونه، فينتشر الجهل، ويظهر، وقد ظهر ذلك، ووُجد على نحو ما أخبر ﷺ ، فكان ذلك دليلًا من أدلّة نبوّته، وخصوصًا في هذه الأزمان، إذ قد ولي المدارس والفتيا كثيرٌ من الجهّال والصبيان، وحُرِمها أهل ذلك الشأن. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 704

(المسألة الرابعة): في تقسيم الرأي على ثلاثة أقسام: قال الإمام ابن القيّم ﵀ في كتابه القيّم "إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين": الرأي ثلاثة أقسام: رأي باطل بلا ريب، ورأي صحيح، ورأي هو موضع الاشتباه، والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف، فاستعملوا الرأي الصحيح، وعملوا به، وأفتَوْا به، وسوّغوا القول به، وذمّوا الباطل، ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به، وأطلقوا ألسنتهم بذمّه وذمّ أهله. والقسم الثالث سوّغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه، حيث لا يُوجد منه بدٌّ، ولم يُلزموا أحدًا العمل به، ولم يُحرّموا مخالفته، ولا جعلوا مخالفه مخالفًا للدين، بل غايته أنهم خَيَّروا بين قبوله وردّه، فهو بمنزلة ما أُبيح للمضطرّ من الطعام والشراب الذي يَحرُم عند عدم الضرورة إليه، كما قال الإمام أحمد: سألت الشافعيّ عن القياس، فقال لي: عند الضرورة. وكان استعمالهم لهذا النوع بقدر الضرورة، لم يُفْرِطُوا فيه، ويُفَرّعوه، ويولّدوه، ويوسّعوه كما صنع المتأخّرون بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار، وكان أسهل عليهم من حفظها، كما يوجد كثير من الناس يَضبط قواعد الإفتاء لصعوبة النقل عليه، وتعسّر حفظه، فلم يَتَعَدَّوا في استعماله قدر الضرورة، ولم يَبْغُوا العدول إليه مع تمكّنهم من النصوص والآثار، كما قال تعالى في المضطرّ إلى الطعام المحرّم: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]، فالباغي: الذي يبتغي الميتة مع قدرته على التوصّل إلى المذكّى، والعادي: الذي يتعدّى قدرَ الحاجة بأكملها. فالرأي الباطل أنواع: [أحدها]: الرأي المخالف للنّصّ، وهذا مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده وبطلانه، ولا تحلّ الفُتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه مَن وقع بنوع تأويل وتقليد. [النوع الثاني]: هو الكلام في الدين بالْخَرْص والظنّ، مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص، وفهمِها، واستنباط الأحكام منها، فإن مَن جهلها، وقاس برأيه فيما

стр. 705

سُئل عنه بغير علم، بل لمجرّد قدر جامع بين الشيئين أُلحق أحدهما بالآخر، أو لمجرّد قدر فارقٍ يراه بينهما يُفرّق بينهما في الحكم، من غير نظر إلى النصوص والآثار، فقد وقع في الرأي المذموم الباطل فضلّ وأضلّ. [النوع الثالث]: الرأي المتضمّن تعطيل أسماء الربّ وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهلُ البدع والضلال، من الجَهْميّة، والمعتزلة، والقدريّة، ومن ضاهاهم، حيث استعمل أهله قياساتهم الفاسدة، وآرائهم الباطلة، وشُبَههم الداحضة في ردّ النصوص الصحيحة الصريحة، فردّوا لأجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رُواتها وتخطئتهم، ومعاني النصوص التي لم يجدوا إلى ردّ ألفاظها سبيلًا، فقابلوا النوع الأول بالتكذيب، والنوع الثاني بالتحريف والتأويل، فأنكروا لذلك رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وأنكروا كلامه، وتكليمه لعباده، وأنكروا مُباينته للعالم، واستواءه على عرشه، وعُلُوّه على المخلوقات، وعموم قدرته على كلّ شيء، بل أخرجوا أفعال عباده من الملائكة والأنبياء والجنّ والإنس عن تعلّق قدرته ومشيئته وتكوينه لها، ونَفَوا لأجلها حقائق ما أخبر به عن نفسه، وأخبر به رسوله ﷺ من صفات كماله، ونعوت جلاله، وحَرَّفوا لأجلها النصوص عن مواضعها، وأخرجوها عن معانيها وحقائقها بالرأي المجرّد الذي حقيقته أنه ذُبالة (١) الأذهان، ونُخالة الأفكار، وعُفارة الآراء، ووساوس الصدور، فملؤوا به الأوراق سوادًا، والقلوب شكوكًا، والعالم فسادًا. وكلُّ من له مُسكة من عقل يَعلَم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استَحكَم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استَحكَم هلاكه، ولا أمّة إلا فسد أمرُها أتمّ فساد، فلا إله إلا الله كم نُفي بهذه الآراء من حقّ، وأُثبت بها من باطل، وأُميت بها من هُدى، وأُحيي بها من ضلالة؟ وكم هُدم
следующие страницы →