← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وفيه التحذير عن اتخاذ الجهّال رءوسًا. (فَسُئِلُوا) بضم السين المهملة: أي سألهم السائلون (فَأَفْتَوْا) بفتح الهمزة، والتاء: أي بيّنوا الحكم للسائلين (بِغَيْرِ عِلْمٍ) وفي رواية أبي الأسود عند البخاريّ في "الاعتصام": "فيُفتُون برأيهم"، وفي هذا الحديث: الحثُّ على حفظ العلم، والتحذير من ترئيس الجهَلَة. وفيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية، وذَمُّ من يُقْدِم عليها بغير علم. واستدل به الجمهور على القول بخلوّ الزمان عن مجتهد، ولله الأمر يفعل ما يشاء. (فَضَلُّوا) أي في أنفسهم، من الضلال (وَأَضَلُّوا) أي غيرهم ممن يقلّدهم رأيهم الفاسد، وهو من الإضلال. [فإن قلت]: الضلال متقدّم على الإفتاء، فما معنى الفاء؟. [أجيب]: بأن المجموع من الضلال والإضلال هو متعقّب على الإفتاء، وإن كان الجزء الأول مقدّمًا عليه؛ إذ الإضلال الذي بعد الإفتاء غير الضلال الذي قبله. [فإن قلت]: الإضلال ظاهر، وأما الضلال فإنما يلزم أن لو عَمِل بما أفتى، وقد لا يَعمَل به. [أجيب]: بأن إضلاله لغيره ضلال له، عَمِل بما أفتى أو لم يَعمَل. قاله العينيّ (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٨/ ٥٢) فقط، و (البخاريّ) (١/ ٣٦ و ٩/ ١٢٣) وفي "خلق أفعال العباد" (٤٧) و (مسلم) (٨/ ٦٠) و (الترمذيّ) (٢٦٥٢) و (النسائيّ) في

стр. 702

"الكبرى" ٣/ ٤٥٥ رقم (٥٩٠٧) (والطيالسيّ) في "مسنده" (٢٢٩٢) و (الحميديّ) في "مسنده" (٥٨١) و (أحمد) في "مسنده" ٢/ ١٦٢ و١٩٠ و ٢٠٣ و (الدارميّ) في "سننه" (٢٤٥) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٥٧١) و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٤٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو وجوب اجتناب الرأي والقياس، وهو محمول على الرأي المذموم، كما سيأتي بيانه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): أن فيه الحثَّ على حفظ العلم والاشتغال به. ٣ - (ومنها): أن الفتوى هي الرئاسة الحقيقيّة، وذمّ من يُقْدِم عليها بغير علم. ٤ - (ومنها): التحذير عن اتّخاذ الجهّال رؤوسًا. ٥ - (ومنها): أن فيه دلالةً للقائلين بجواز خلوّ الزمان عن المجتهد، على ما هو مذهب الجمهور، خلافًا للحنابلة. ومسألة خلوّ الزمان عن المجتهد مشهورة في كتب الأصول، وحاصلها أن الجمهور يرون جوازه، وخالف في ذلك الحنابلة، وذهب العلامة ابن دقيق العيد إلى أنه لا يجوز ما لم تأت أشراط الساعة الكبرى، كطلوع الشمس من مغربها، فإذا أتت جاز الخلوّ عنه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن دقيق العيد هو الأرجح؛ للحديث الآتي. ثم على القول بالجواز أنه لم يثبُت وقوعه، وقيل: يقع؛ لحديث "الصحيحين": "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ حتى يأتي أمر الله"، أي الساعة، والمراد به إتيان الأشراط المذكورة. ودليل الوقوع حديث الباب المتّفق عليه، وحديث البخاريّ: "إن من أشراط

стр. 703

الساعة أن يُرفع العلم، ويَثبُت الجهل"، والمراد برفع العلم قبض أهله. قال الجامع: لا خلاف بين الأحاديث، إذ هي على معنى واحد، وهو أن المراد بالحديثين الأخيرين عند قرب الساعة، فيكونان بمعنى الحديث الأول، أي أن قبض العلم ورفعه يكون عند قرب الساعة بظهور أشراطها المذكورة. والله تعالى أعلم. وإلى ما ذُكر أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى: جَازَ خُلُوُّ الْعَصْرِ عَنْ مُجْتَهِدِ ... وَمُطْلَقًا يَمْنَعُ قَوْمُ أَحْمَدِ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لَا إِنْ أَتَتِ ... أَشْرَاطُهَا وَالْمُرْتَضَى لَمْ يَثْبُتِ (١) ٦ - (ومنها): أن الداوديّ قال: هذا الحديث خرج مخرج العموم، والمراد به الخصوص؛ لقوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ حتى يأتي أمر الله"، ويقال: هذا بعد إتيان أمر الله تعالى، إن لم يُفسّر إتيان الأمر بإتيان القيامة، أو عدم بقاء العلماء إنما هو في بعض المواضع كما في بيت المقدس مثلًا، إن فسرناه به، فيكون محمولًا على التخصيص جمعًا بين الأدلّة. ٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا الحديث بيّن كيفيةَ رفع العلم، وظهور الجهل، وهو نصّ في أن رفع العلم لا يكون بمحوه من الصدور، بل بموت العلماء، وبقاء الجهّال الذين يتعاطون مناصب العلماء في الفتيا والتعليم، يُفتون بالجهل، ويُعلّمونه، فينتشر الجهل، ويظهر، وقد ظهر ذلك، ووُجد على نحو ما أخبر ﷺ ، فكان ذلك دليلًا من أدلّة نبوّته، وخصوصًا في هذه الأزمان، إذ قد ولي المدارس والفتيا كثيرٌ من الجهّال والصبيان، وحُرِمها أهل ذلك الشأن. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 704

(المسألة الرابعة): في تقسيم الرأي على ثلاثة أقسام: قال الإمام ابن القيّم ﵀ في كتابه القيّم "إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين": الرأي ثلاثة أقسام: رأي باطل بلا ريب، ورأي صحيح، ورأي هو موضع الاشتباه، والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف، فاستعملوا الرأي الصحيح، وعملوا به، وأفتَوْا به، وسوّغوا القول به، وذمّوا الباطل، ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به، وأطلقوا ألسنتهم بذمّه وذمّ أهله. والقسم الثالث سوّغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه، حيث لا يُوجد منه بدٌّ، ولم يُلزموا أحدًا العمل به، ولم يُحرّموا مخالفته، ولا جعلوا مخالفه مخالفًا للدين، بل غايته أنهم خَيَّروا بين قبوله وردّه، فهو بمنزلة ما أُبيح للمضطرّ من الطعام والشراب الذي يَحرُم عند عدم الضرورة إليه، كما قال الإمام أحمد: سألت الشافعيّ عن القياس، فقال لي: عند الضرورة. وكان استعمالهم لهذا النوع بقدر الضرورة، لم يُفْرِطُوا فيه، ويُفَرّعوه، ويولّدوه، ويوسّعوه كما صنع المتأخّرون بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار، وكان أسهل عليهم من حفظها، كما يوجد كثير من الناس يَضبط قواعد الإفتاء لصعوبة النقل عليه، وتعسّر حفظه، فلم يَتَعَدَّوا في استعماله قدر الضرورة، ولم يَبْغُوا العدول إليه مع تمكّنهم من النصوص والآثار، كما قال تعالى في المضطرّ إلى الطعام المحرّم: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]، فالباغي: الذي يبتغي الميتة مع قدرته على التوصّل إلى المذكّى، والعادي: الذي يتعدّى قدرَ الحاجة بأكملها. فالرأي الباطل أنواع: [أحدها]: الرأي المخالف للنّصّ، وهذا مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده وبطلانه، ولا تحلّ الفُتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه مَن وقع بنوع تأويل وتقليد. [النوع الثاني]: هو الكلام في الدين بالْخَرْص والظنّ، مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص، وفهمِها، واستنباط الأحكام منها، فإن مَن جهلها، وقاس برأيه فيما

стр. 705

سُئل عنه بغير علم، بل لمجرّد قدر جامع بين الشيئين أُلحق أحدهما بالآخر، أو لمجرّد قدر فارقٍ يراه بينهما يُفرّق بينهما في الحكم، من غير نظر إلى النصوص والآثار، فقد وقع في الرأي المذموم الباطل فضلّ وأضلّ. [النوع الثالث]: الرأي المتضمّن تعطيل أسماء الربّ وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهلُ البدع والضلال، من الجَهْميّة، والمعتزلة، والقدريّة، ومن ضاهاهم، حيث استعمل أهله قياساتهم الفاسدة، وآرائهم الباطلة، وشُبَههم الداحضة في ردّ النصوص الصحيحة الصريحة، فردّوا لأجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رُواتها وتخطئتهم، ومعاني النصوص التي لم يجدوا إلى ردّ ألفاظها سبيلًا، فقابلوا النوع الأول بالتكذيب، والنوع الثاني بالتحريف والتأويل، فأنكروا لذلك رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وأنكروا كلامه، وتكليمه لعباده، وأنكروا مُباينته للعالم، واستواءه على عرشه، وعُلُوّه على المخلوقات، وعموم قدرته على كلّ شيء، بل أخرجوا أفعال عباده من الملائكة والأنبياء والجنّ والإنس عن تعلّق قدرته ومشيئته وتكوينه لها، ونَفَوا لأجلها حقائق ما أخبر به عن نفسه، وأخبر به رسوله ﷺ من صفات كماله، ونعوت جلاله، وحَرَّفوا لأجلها النصوص عن مواضعها، وأخرجوها عن معانيها وحقائقها بالرأي المجرّد الذي حقيقته أنه ذُبالة (١) الأذهان، ونُخالة الأفكار، وعُفارة الآراء، ووساوس الصدور، فملؤوا به الأوراق سوادًا، والقلوب شكوكًا، والعالم فسادًا. وكلُّ من له مُسكة من عقل يَعلَم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استَحكَم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استَحكَم هلاكه، ولا أمّة إلا فسد أمرُها أتمّ فساد، فلا إله إلا الله كم نُفي بهذه الآراء من حقّ، وأُثبت بها من باطل، وأُميت بها من هُدى، وأُحيي بها من ضلالة؟ وكم هُدم

стр. 706

بها من مَعْقِل الإيمان، وعمّر بها من دين الشيطان؟ وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل، بل هم شرّ من الْحُمُر، وهم الذين يقولون يوم القيامة: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]. [النوع الرابع]: الرأي الذي أُحدثت به البدع، وغُيّرت به السنن، وعَمَّ البلاء، وتربّى عليه الصغير، وهَرِمَ فيه الكبير. فهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتّفق سلف الأمة، وأئمتها على ذمّه، وإخراجه من الدين. (النوع الخامس): ما ذكره أبو عمر بن عبد البرّ عن جمهور أهل العلم، أن الرأي المذموم. في هذه الآثار عن النبيّ ﷺ ، وعن أصحابه والتابعين ﵃ أنه القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات، وردّ الفروع والنوازل بعضها على بعض قياسًا، دون ردّها على أصولها، والنظر في عللها واعتبارها، فاستعمل فيها الرأي قبل أن ينزل، وفُرِّعت، وشُقِّقت قبل أن تقع، وتكلّم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع للظنّ، قالوا: وفي الاشتغال بهذا، والاستغراق فيه تعطيل السنن، والحثّ على جهلها، وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها، ومن كتاب الله ومعانيه، واحتجّوا على ما ذهبوا إليه بأشياء (١). ثم ذكر من طريق أسد بن موسى، ثنا شريك، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عمر، قال: "لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعت عمر يَلعَن مَن يسأل عما لم يكن" (٢). ثم ذكر من طريق أبي داود، ثنا إبراهيم بن موسى الرازيّ، ثنا عيسى بن يونس،

стр. 707

عن الأوزاعيّ، عن عبد الله بن سعد، عن الصُّنابحيّ، عن معاوية أن النبي ﷺ "نهى عن الأُغلوطات" (١). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعيّ بإسناده مثله، وقال: فسّره -يعني صعاب المسائل-. وقال الوليد بن مسلم عن الأوزاعيّ، عن عبد الله بن سعد، عن عبادة بن نُسيّ، عن الصنابحيّ، عن معاوية بن أبي سفيان أنهم ذكروا المسائل عنده، فقال: أما تعلمون أن رسول الله ﷺ نهى عن عُضَل المسائل (٢). واحتجّوا أيضًا بحديث سهل بن سعد ﵄ وغيره أن رسول الله ﷺ كره المسائل وعابها (٣). وأنه ﷺ قال: "إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال" (٤). وأخرج بسنده عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن مالك، عن الزهريّ، عن سهل بن سعد قال: "لعن رسول الله ﷺ المسائل وعابها" (٥). وأخرج أيضًا عن الأوزاعيّ، عن عبدة بن أبي لبابة قال: "وددتُ أن أحظى من أهل الزمان أن لا أسألهم عن شيء، ولا يسألوني عن شيء، يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثر أهل الدراهم بالدراهم" (٦). وأخرج أيضًا عن إسماعيل بن عيّاش، ثنا شُرحبيل بن مسلم، أنه سمع الحجاج

стр. 708

ابن عامر الثُّماليّ -وكان من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم وكثرة السؤال" (١). قال: وفي سماع أشهب سئل مالك عن قول رسول الله ﷺ : "أنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال"، فقال: أما كثرة السؤال فلا أدري أهو ما أنتم فيه مما أنهاكم عنه من كثرة المسائل، فقد كره رسول الله ﷺ المسائل وعابها، وقال الله : ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، فلا أدري أهو هذا أم السؤال في مسألة الناس في الاستعطاف؟. واحتجّوا أيضًا بما رواه ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، أنه سمع أباه يقول: قال رسول الله ﷺ : "أعظم المسلمين في المسلمين جُرمًا من سأل عن شيء لم يُحرّم على المسلمين، فحرّم عليهم من أجل مسألته" (٢). وقد جاء ذمّ الرأي في كلام السلف ﵏، فقد سئل الشعبيّ -وهو من كبار التابعين، وقد أدرك مائة وعشرين من الصحابة، وأخذ عن معظمهم- عن مسألة من النكاح، فقال للسائل: إن أخبرتك برأي، فبُلْ عليه. وعنه قال: ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله ﷺ فخذوه، وما كان من رأيهم فاطرحوه في الْحُشّ (٣). وعن عمرو ابن دينار، قال: قيل لجابر بن زيد: إنهم يكتبون ما يسمعون منك، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، يكتبونه وأنا أرجع عنه غدًا. وعن ابن عيينة قال: اجتهاد الرأي هو مشاورة أهل العلم، لا أن يقوله هو برأيه. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الناس أنه لا رأي لأحد مع سنة سنّها رسول الله ﷺ . وعن أبي نضرة قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول للحسن البصريّ: بلغني أنك تفتي برأيك، فلا تُفت برأيك إلا أن يكون

стр. 709

سنّة عن رسول الله ﷺ . وعن أبي وائل قال: إياك ومجالسة من يقول: أرأيت أرأيت. وعن ابن شهاب قال: دَعُوا السنّة تمضي، لا تَعَرَّضُوا لها بالرأي. وعنه قال -وهو يذكر ما وقع فيه الناس من هذا الرأي، وتركهم السنن-: إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي بأيديهم حين اتّبعوا الرأي، وأخذوا فيه. وسأل رجل سالم بن عبد الله بن عمر عن شيء، فقال: لم أسمع في هذا شيئًا، فقال له الرجل: فأخبرني -أصلحك الله- برأيك، فقال: لا، ثم أعاد عليه، فقال: إني أرضى برأيك، فقال سالم: إني لعلي إن أخبرتك برأي، ثم تذهب فأرى بعد ذلك رأيًا غيره، فلا أجدك. وقال البخاريّ: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسيّ، ثنا مالك بن أنس، قال: كان ربيعة يقول لابن شهاب: إن حالي ليس يشبه حالك، أنا أقول برأيي، من شاء أخذه، وعمل به، ومن شاء تركه. وقال الفريابيّ: ثنا أحمد بن إبراهيم الدَّورقيّ قال: سمعت عبد الرحمن بن مهديّ يقول: سمعت حماد بن زيد يقول: قيل لأيوب السختيانيّ: ما لك لا تنظر في الرأي؟ فقال أيوب: قيل للحمار: ما لك لا تَجْتَرُّ؟ قال: أكره مَضْغ الباطل. وقال الفريابيّ: ثنا العباس بن الوليد بن مَزْيَد، أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعيّ يقول: عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوا لك القول. وقال أبو زرعة: ثنا أبو مسهر، قال: كان سعيد بن عبد العزيز إذا سئل لا يُجيب حتى يقول: لا حول ولا قوّة إلا بالله هذا الرأي، والرأي يُخطىء ويُصيب. وقد روى أبو يوسف والحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه. وقال الطحاويّ: ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ثنا أشهب بن عبد العزيز، قال: كنت عند مالك، فسئل عن الْبَتّة، فأخذت ألواحي لأكتب ما قال، فقال لي مالك: لا تفعل، فعسى في العشيّ أقول: إنها واحدة. وقال معن بن عيسى القزّاز: سمعت

стр. 710

مالكًا يقول: إنما أنا بشرٌ أُخطىء وأُصيب، فانظروا في قولي، فكلُّ ما وافق الكتاب والسنّة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنّة فاتركوه. قال ابن القيّم ﵀: فرضي الله عن أئمة الإسلام، وجزاهم عن نصيحتهم خيرًا، ولقد امتثل وصيّتهم وسلك سبيلهم أهل العلم والدين من أتباعهم. وأما المتعصّبون فإنهم عكسوا القضيّة، ونفروا في السنّة، فما وافق أقوالهم منها قبِلُوه، وما خالفها تحيّلوا في ردّه، أو ردّ دلالته، وإذا جاء نظير ذلك، أو أضعف منه سندًا ودلالةً، وكان يوافق قولهم قبِلوه، ولم يستجيزوا ردّه، واعترضوا به على منازعهم، وأشاحوا، وقرّروا الاحتجاج بذلك السند ودلالته، فإذا جاء ذلك السند بعينه، أو أقوى منه، ودلالته كدلالة ذلك، أو أقوى منه في خلاف قولهم دفعوه، ولم يقبلوه. وقال بقيّ بن مخلد: ثنا سحنون والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك أنه كان يكثر أن يقول: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]. وقال القعنبيّ: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه، فسلّمت عليه، ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت له: يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال لي: يا ابن قعنب وما لي لا أبكي؟ ومن أحقّ بالبكاء منّي؟ والله لوددتُ أني ضُربت بكل مسألة أفتيت فيها بالرأي سَوْطًا، وقد كانت لي السعة فيما قد سُبقتُ إليه، وليتني لم أُفت بالرأي. وقال ابن أبي داود: ثنا أحمد بن سنان قال: سمعت الشافعي يقول: مَثلُ الذي ينظر في الرأي، ثم يتوب منه مثل المجنون الذي عُولج حتى برىء، فأُعقل ما يكون قد هاج به. وقال ابن أبي داود: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: لا تكاد ترى أحدًا نظر في الرأي إلا وفي قلبه دَغَل (١). وقال عبد الله بن أحمد أيضًا: سمعت أبي يقول: الحديث الضعيف أحبّ إليّ من الرأي، فقال عبد الله: سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث

стр. 711

لا يَعرِف صحيحه من سقيمه، وأصحاب رأي، فتنزل به النازلة، فقال أبي: يسأل أصحاب الحديث، ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من الرأي. قال ابن القيّم: وأصحاب أبي حنيفة ﵀ مُجمِعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بَنَى مذهبه، كما قدّم حديث القهقهة مع ضعفه على القياس والرأي، وقدّم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر (١) مع ضعفه على الرأي والقياس، ومنع قطع السارق بسرقة أقلّ من عشرة دراهم، والحديث فيه ضعيف، وجعل أكثر الحيض عشرة أيام، والحديث فيه ضعيف، وشرط في إقامة الجمعة المصرَ، والحديث فيه كذلك، وترك القياس المحض في مسائل الآبار؛ لآثار فيها غير مرفوعة، فتقديم الحديث الضعيف، وآثار الصحابة على القياس والرأي قوله، وقول الإمام أحمد، وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين، بل ما يسمّيه المتأخّرون حسنًا قد يسميه المتقدّمون ضعيفًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول ابن القيّم ﵀: إن مذهب أبي حنيفة تقديم الحديث الضعيف على القياس، ثم ذكر أمثلة على ذلك، محلّ نظر، فإنهم إذ قد فعلوا ذلك في الأمثلة المذكورة، فيا ليتهم وقفوا عليه، لكنهم يردّون الأحاديث الصحيحة بالقياس، كما فعلوا في حديث المصرّاة المتّفق عليه، وكالحديث المتفق عليه أيضًا: "لا صلاة إلا بأم القرآن"، وكحديث بيع العرايا، وكحديث تحريم الرجوع في الهبة إلا للوالد، وكحديث: "لا زكاة في حبّ ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق"، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة التي ردّوها بأنها تخالف القياس، وقد أجاد ابن القيّم حيث أورد نيّفا وخمسين مثالا لما خالف فيه الحنفيّة وغيرهم الأحاديث الصحيحة، فراجعه تستفد (٢)، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 712

وأيضًا قوله: وليس المراد بالحديث الضعيف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين محلّ نظر، فإنه لا ينطبق على مذهب الحنفيّة، كما تشهد به الأحاديث التي أوردها ابن القيّم أمثلة لذلك، فإنها ضعيفة على اصطلاحهم، فتأملها بإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: والمقصود أن السلف جميعهم على ذمّ الرأي والقياس المخالف للكتاب والسنّة، وأنه لا يحلّ العمل به، لا فُتيا، ولا قضاءً، وأن الرأي الذي لا يُعلم مخالفته للكتاب والسنة ولا موافقته فغايته أن يسوغ العمل به عند الحاجة إليه، من غير إلزام، ولا إنكار على من خالفه. وأخرج الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ بسنده عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه قال [من الكامل]: دِينُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ آثَارُ ... نِعْمَ المطِيّةُ لِلْفَتَى الأَخْبَارُ لَا تُخْدَعَنَّ عَنِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ ... فَالرَّأْيُ لَيْلٌ وَالْحَدِيثُ نَهَارُ وَلَرُبَّمَا جَهِلَ الْفَتَى طُرُقَ الهُدَى ... وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ لهَا أَنْوَارُ ولبعض أهل العلم [من البسيط]: الْعِلْمُ قَالَ اللهُ قَالَ رَسُولُه ... قَالَ الصَّحَابَةُ لَيْسَ خُلْفٌ فِيهِ مَا الْعِلْمُ نَصْبُكَ لِلْخِلَافِ سَفَاهَةً ... بَيْنَ النُّصُوصِ وَبَيْنَ رَأْيِ سَفِيهِ كَلَّا وَلَا نَصْبُ الْخِلَافِ جَهَالَةً ... بَيْنَ الرَّسُولِ وَبَيْنَ رَأْيِ فَقِيهِ كَلَّا وَلَا رَدُّ النُّصُوصِ تَعَمُّدًا ... حَذَرًا مِنَ التَّجْسِيم وَالتَّشْبِيهِ حَاشَا النُّصُوصَ مِنَ الَّذِي رُمِيَتْ بِه ... مِنْ فِرْقَةِ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْوِيهِ (١) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 713

(المسألة الخامسة): في بيان الرأي المحمود: (اعلم): أن الرأي المحمود أنواع: (الأول): رأي أفقه الأمة، وأبرّهم قلوبًا، وأعمقهم علمًا، وأقلّهم تكلّفًا، وأصحّهم قُصُودًا، وأكملهم فطرةً، وأتمّهم إدراكًا، وأصفاهم أذهانًا، الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول ﷺ ، فنسبة آرائهم وقُصُودهم إلى ما جاء به الرسول ﷺ كنسبتهم إلى صحبته، والفرق بينهم وبين من بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل، فنسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم. قال الشافعيّ ﵀ في "رسالته البغداديّة" التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفرانيّ، وهذا لفظه: وقد أثنى الله ﵎ على أصحاب رسول الله ﷺ في القرآن، والتوراة، والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله ﷺ من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله، وهنّأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصدّيقين والشهداء والصالحين، أدَّوا إلينا سُنَن رسول الله ﷺ ، وشاهدوه، والوحي يَنزِل عليه، فعلِموا ما أراد رسول الله ﷺ عامّا وخاصّا، وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كلّ علم، واجتهاد، وورَعٍ، وعقلٍ، وأمر استُدرك به علم، واستُنبط به، وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ومن أدركنا ممن يُرضَى، أو حُكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله ﷺ فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا، أو قول بعضهم إن تفرّقوا، وهكذا نقول، ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يُخالفه غيره أخذنا بقوله. ولمّا كان رأي الصحابة ﵃ عند الشافعيّ بهذه المثابة، قال في الجديد في "كتاب الفرائض" في ميراث الجدّ والإخوة: وهذا مذهبٌ تلقّيناه عن زيد بن ثابت، وعنه أخذنا أكثر الفرائض. وقال: والقياس عندي قتل الراهب لولا ما جاء عن أبي بكر ﵁، فترك صريح

стр. 714

القياس لقول الصديق ﵁. وقال في رواية الربيع عنه: والبدعة ما خالف كتابًا، أو سنّةً، أو أثرًا عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، فجعل ما خالف قول الصحابيّ بدعة. والمقصود أن أحدًا ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، وكيف يساويهم، وقد كان أحدهم يرى الرأي، فينزل القرآن بموافقته؟ كما رأى عمر ﵁ في أسارى بدر أن تُضرب أعناقهم، فنزل القرآن بموافقته، ورأى أن تُحجب نساء النبيّ ﷺ ، فنزل القرآن بموافقته، ورأى أن يُتّخذ مقام إبراهيم مُصلّى، فنزل القرآن بموافقته، إلى غير ذلك من موافقاته. وقد قال سعد بن معاذ ﵁ لمّا حكمه النبيّ ﷺ في بني قريظة: إني أرى أن تقتل مقاتلهم، وتَسبي ذرياتهم، وتغنم أموالهم، فقال النبيّ ﷺ : "لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سماواته. متّفقٌ عليه. ولمّا اختلفوا إلى ابن مسعود ﵁ شهرًا في المُفَوِّضة قال: أقول فيها برأي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنّي ومن الشيطان، والله ورسوله بريء منه، أرى أن لها مهر نسائها، لا وكس ولا شَطَط، ولها الميراث، وعليها العدّة، فقام ناس من أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله ﷺ قضى في امرأة منّا، يقال لها: بَرْوَع بنت واشق مثلَ ما قضيت به، فما فرِحَ ابن مسعود ﵁ بشيء بعد الإسلام فَرَحه بذلك. حديث صحيح، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ وابن ماجه، وغيرهم. وحقيقٌ بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم خيرًا لنا من رأينا لأنفسنا، وكيف لا؟ وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورًا وإيمانًا وحكمةً وعلمًا ومعرفة وفهمًا عن الله تعالى، ورسوله ﷺ ، ونصيحةً للأمة، وقلوبهم على قلب نبيّهم، ولا واسطة بينهم وبينه، وهم يتلقّون العلم والإيمان من مشكاة النبوّة غَضًّا طريًّا لم يَشُبْهُ إشكال، ولم يشبه خلاف، ولم تدنّسه معارضة، فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس. (النوع الثاني من الرأي المحمود): الرأي الذي يُفسّر النصوص، ويُبيّن وجه الدلالة منها، ويقرّرها، ويوضّح محاسنها، ويُسهّل طريق الاستنباط منها، كما قال عبدان: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: ليكن الذي تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأي

стр. 715

ما يُفسّر لك الحديث، وهذا هو الفهم الذي يختصّ الله به من يشاء من عباده. ومثال هذا رأي الصحابة ﵃ في العول في الفرائض عند تزاحم الفروض، ورأيهم في مسألة زوج وأبوين، وامرأة وأبوين أن للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوجين، ورأيهم في توريث المبتوتة في مرض الموت، ورأيهم في مسألة جرّ الولاء، ورأيهم في المحرم يقع على أهله بفساد حجه، ووجوب المضيّ فيه، والقضاء، والهدي من قابل، ورأيهم في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا، وقضتا، وأطعمتا لكلّ يوم مسكينًا، ورأيهم في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر تصلّي المغرب والعشاء، وإن طهرت قبل الغروب صلّت الظهر والعصر، ورأيهم في الكلالة، وغير ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أنا عاصم الأحول، عن الشعبيّ قال: سئل أبو بكر عن الكلالة، فقال: إني سأقول فيها برأي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنّي ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد (١). (النوع الثالث من الرأي المحمود): هو الرأي الذي تواطأت عليه الأمّة، وتلقّاه خلفهم عن سلفهم، فإن ما تواطؤوا عليه من الرأي لا يكون إلا صوابًا، كما تواطؤوا عليه من الرواية والرؤيا، وقد قال النبيّ ﷺ لأصحابه، وقد تعدّدت منهم رؤيا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان: "أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، متّفقٌ عليه، فاعتبر ﷺ تواطؤ رؤيا المؤمنين، فالأمة معصومة فيما تواطأت عليه من روايتها ورؤياها، ولهذا كان من سَدَاد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله، ولا ينفرد به واحد، وقد مدح الله المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم، وكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ليس عنده فيها نصّ عن الله ، ولا عن رسوله ﷺ جمع لها أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم جعلها شُورى بينهم.

стр. 716

قال البخاريّ: حدّثنا سُنيد، ثنا يزيد، عن العوّام بن حَوْشَب، عن المسيّب بن رافع قال: كان إذا جاء الشيء من القضاء ليس في الكتاب، ولا في السنّة، سُمَّي صوافي الأمراء (١)، فيرفع إليهم، فجُمع له أهل العلم، فما اجتمع عليه رأيهم فهو الحقّ (٢). (الرابع من الرأي المحمود): الاجتهاد بالرأي على ضوء الكتاب والسنة، ورأي الصحابة، وذلك يكون بعد طلب علم الواقعة من القرآن، فإن لم يجدها ففي السنة، فإن لم يجدها في السنة، فبما قضى به الخلفاء الراشدون، أو اثنان منهم، أو واحد، فإن لم يجده فبما قاله واحد من الصحابة ﵃، فإن لم يجده اجتهد رأيه، ونظر إلى أقرب ذلك من كتاب الله، وسنّة رسوله ﷺ ، وأقضية أصحابه ﵃، فهذا هو الرأي الذي سوّغه الصحابة، واستعملوه، وأقرّ بعضهم بعضًا عليه. قال عليّ بن الجعد: أنبأنا شعبة عن سيّار، قال: أخذ عمر ﵁ فرسًا من رجل على سوم، فحَمَل عليه، فعطِبَ، فخاصمه الرجل، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلًا، فقال الرجل: إني أرضى بشُريح العراقيّ، فقال شريح: أخذته صحيحًا سليمًا، فأنت ضامنٌ حتّى تردّه صحيحًا سليمًا، قال: فكأنه أعجبه، فبعثه قاضيًا، وقال: ما استبان لك من كتاب الله فلا تسأل عنه، فإن لم تستبن في كتاب الله فمن السنّة، فإن لم تجده في السنّة فاجتهد رأيك. وقال أبو عبيد: ثنا كثير بن هشام، عن جعفر بن بُرْقان، وقال أبو نُعيم: عن جعفر بن بُرقان، عن معمر البصريّ، عن أبي الْعَوّام، وقال سفيان بن عيينة: ثنا إدريس أبو عبد الله بن إدريس، قال: أتيت سعيد بن أبي بُردة، فسألته عن رُسُل عمر بن الخطّاب ﵁ التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعريّ ﵁، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بُردة، فأخرج إليه كتُبًا، فرأيت في كتاب منها.

стр. 717

رجعنا إلى حديث أبي العوّام، قال: كتب عمر إلى أبي موسى: "أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة، وسُنّةٌ متّبعة، فافهم إذا أُدْلِي إليك، فإنه لا ينفع تكلّم بحقّ لا نفاذ له، آسِ الناسَ في مجلسك، وفي وجهك، وقضائك، حتى لا يطمع شريفٌ في حَيْفك، ولا يَيْئس ضعيف من عَدْلك، البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر، والصلح جائزٌ بين المسلمين، إلا صُلحًا أحلّ حرامًا، أو حرّم حلالًا، ومن ادّعى غائبًا، أو بيّنةً فاضرب له أمدًا ينتهي إليه، فإن بيّنه أعطيته بحقّه، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضيّة، فإن ذلك هو أبلغ في العذر، وأجلى للعماء، ولا يمنعنّك قضاءٌ قضيتَ فيه اليومَ، فراجعت فيه رأيك، فهُديتَ فيه لرُشدك أن تراجع فيه الحقّ، فإن الحقّ قديم لا يُبطله شيء، ومراجعة الحقّ خيرٌ من التمادي في الباطل، والمسلمون عُدُولٌ بعضهم على بعض، إلا مجرّبًا عليه شهادة زور، أو مجلودًا في حدّ، أو ظَنينًا في ولاء، أو قرابة، فإن الله تعالى تولّى من العباد السرائر، وستر عليهم الحدود إلا بالبيّنات والأيمان، ثم الفَهْمَ الْفَهْمَ فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن، ولا سنّة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثالَ، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبّها إلى الله، وأشبهها بالحقّ، وإياك والغضبَ، والْقَلَقَ، والضجَرَ، والتأذّي بالناس، والتنكّر عند الخصومة، أو الخصوم -شكّ أبو عبيد- فإن القضاء في مواطن الحقّ مما يوجب الله به الأجر، ويُحسن به الذكر، فمن خلصت نيّته في الحقّ ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزيّن بما ليس في نفسه شأنه الله، فإن الله تعالى لا يَقبَلُ من العباد إلا ما كان خالصًا، فما ظنّك بثواب عند الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته. والسلام عليك ورحمة الله". قال أبو عبيد: فقلت لكثير: هل أسنده جعفر؟ قال: لا (١).

стр. 718

قال ابن القيّم ﵀: وهذا كتاب جليلٌ تلقّاه العلماء بالقبول، وبَنَوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوجُ شيء إليه، وإلى تأمّله، والتفقّه فيه. انتهى (١). وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال: ٥٢ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي أَبُو هَانِىءٍ، حُمَيْدُ بْنُ هَانِىءٍ الخوْلانِيُّ، عَنْ أبِي عُثْمَانَ، مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ أُفْتِيَ بِفُتْيَا غَيْرِ ثَبَتٍ، فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد الحافظ الثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) العدويّ، مولى آل عمر، أبو عبد الرحمن المقري القصير، أصله من ناحية البصرة، وقيل: من ناحية الأهواز، سكن مكة، ثقة فاضلٌ، أقرأ القرآن نيّفًا وسبعين سنة [٩]. رَوَى عن كَهْمَس بن الحسن، وموسى بن عُلَيّ بن رَبَاح، وأبي حنيفة، وابن عون، وسعيد بن أبي أيوب، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاري، وروى له هو والباقون بواسطة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، وأبي خيثمة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي قُدَامة، وعبد بن حميد، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وابنه محمد بن عبد الله ابن يزيد، وغيرهم، وآخر من رَوى عنه بشر بن موسى بن صالح الأسديّ. قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة. وقال الخليلي: ثقة، حديثه في الثقات، يُحتج به، ويتفرد بأحاديث. وقال أبو سعد الصفّار، عن جده، عن محمد بن

стр. 719

عبد الله بن يزيد المقري: كان ابن المبارك إذا سئل عن أبي، قال: زَرْزَدَهْ -يعني ذهبا مضروبا خالصًا. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن قانع: مكي ثقة. وقال محمد بن عاصم الأصبهاني: سمعت المقري يقول: أنا ما بين التسعين إلى المائة، وأقرأت القرآن بالبصرة ستا وثلاثين سنة، وهاهنا بمكة خمسا وثلاثين سنة. وقال البخاري: مات بمكة سنة (١٢) أو ثلاث عشرة ومائتين. وقال محمد بن عبد الله الحضرمي، وابن سعد: مات سنة (١٣)، زاد ابن سعد: في رجب. قال الحافظ: وذكر أبو العرب الحافظ أن ابن وهب رَوَى عنه مع تقدمه، فلئن كان كذلك فبين وفاته ووفاة بشر بن موسى نيف وتسعون سنة. وفي الزهرة روى عنه البخاري اثنى عشر حديثًا. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم (٥٣) و (٥٠٥) و (٧٣٨) و (٢٢٢١) و (٢٧٧٥). ٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) واسمه مِقْلاص الْخُزاعيّ مولاهم، أبو يحيى المصريّ، ثقة ثبتٌ [٧]. رَوَى عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، وأبي مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، وعبد الله بن أبي جعفر، وكعب بن علقمة، وعُقيل بن خالد، وأبي هانىء حميد بن هانىء، وجعفر بن ربيعة، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن جريج، وهو أكبر منه، وابن المبارك، وابن وهب، ونافع بن يزيد، وأبو عبد الرحمن المقري، وغيرهم. قال أحمد: لا بأس به. وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن حِبَّانَ في موضع آخر: ليس له عن تابعيّ سماع صحيح، وروايته عن زيد بن أسلم، وأبي حازم إنما هي كتاب. وقال ابن يونس: كان فقيهًا. وقال ابن وهب: كان فَهِمًا حُلْوًا، فقيل له: كان فقيهًا؟ فقال: نعم. وقال الساجيّ: صدوق. ونقل ابن خلفون، عن يحيى بن بُكير أنه وَثّقَه. وقال ابن معين: مات زمن أبي جعفر. وقال ابن يونس: وُلد سنة مائة، وتوفي سنة (١٦١)، وقيل: سنة (٦٦)،

стр. 720

وسنة إحدى أصح. وقال البخاريّ: يقال: مات سنة (٤٩). وقال ابن حبان في "الثقات": يروي عن زيد بن أسلم، وأهل المدينة، وعنه خالد بن يزيد، وأهل مصر، مات سنة (١٤٩)، وقد قيل: في آخر سنة (٦١)، أو أول سنة (٦٢). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم (٥٣) و (٢٤٣٥) و (٣٢٧٦) و (٣٦٦٩) و (٤١٧٦). ٤ - (أَبُو هَانِىءٍ، حُمَيْدُ بْنُ هَانِىءٍ الْخَوْلانِيُّ) المصريّ، لا بأس به [٥]. أدرك سُلَيم بن عِتْر، ورَوَى عن عمرو بن حريث، وأبي عبد الرحمن الْحُبُليّ، وعُلَيّ ابن رَبَاح، وعباس بن جُلَيد الحَجْريّ، وأبي عثمان الطُّنْبُذيّ، وغيرهم. وروى عنه سعيد ابن أبي أيوب، وحَيْوَة، وعبد الرحمن بن شُريح، والليث، وابن وهب، وغيرهم من أهل مصر. قال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن شاهين في "الثقات": هو أكبر شيخ لابن وهب، رُفِع به أحمد بن صالح المصريّ. وقال الدارقطنيّ: لا بأس به ثقة. وقال ابن عبد البر: هو عندهم صالح الحديث، لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات" في التابعين. وقال ابن يونس: توفي سنة (١٤٢). أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم (٥٢) و (٢٧٧٥) و (٣٩٢٤) و (٤١٢٨). ٥ - (أَبُو عُثْمَانَ، مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ) المصريّ الطُّنْبُذيّ (١)، ويقال: الإفريقيّ، مولى الأنصار، كان رَضِيع عبد الملك بن مروان، صدوق (٢) [٤].

стр. 721

رَوَى عن أبي هريرة، وابن عمر، وسفيان بن وهب الخولانيّ. وروى عنه حميد بن هانىء، وبكر بن عمرو، وشَرَاحيل بن يزيد، وعمرو بن أبي نُعَيمَة الْمُعَافريان، وسهل ابن علقمة السبائيّ، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم. قال الدارقطنيّ: يُعتَبَر به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الذهبيّ: لا يبلغ حديثه درجة الصحّة، وهو في نفسه صدوق. وقال ابن يونس: قال يحيى ابن عثمان بن صالح: تُوفي مسلم بن يسار بإفريقية زمنَ هشام بن عبد الملك. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم في "المقدّمة"، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (أَبو هُرَيْرَةَ) ﵁ ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله ثقات، غير حميد، فلا بأس به، ومسلم، فصدوقٌ، وهم من رجال الجماعة، غير حميد بن هانيء، فما أخرج له البخاريّ، وغير مسلم، فما أخرج له البخاريّ، وأخرج له مسلم في "المقدّمة" حديثًا واحدًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير شيخه، فكوفيّ، والصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنعة من صيغ الاتصال، على الأصحّ في "عن" من غير المدلّس، إن ثبت السماع، على الراجح، ويكتفي مسلم بالمعاصرة. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه أكثر الصحابة رواية للحديث، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ) شرطيّة مبتدأ (أُفْتِيَ) بالبناء للمفعول، قال ابن الأثير ﵀: يقال: أَفتاه في المسألة يُفتيه: إذا أجابه،

стр. 722

والاسم الفتوى. انتهى (١). وقال الفيّوميّ ﵀: "الفتوى": بالواو بفتح الفاء، وبالياء، فتُضمّ، وهي اسم من أفتى العالم: إذا بيّن الحكم، واستفتيته: سألته أن يُفتي، ويقال: أصله من الفَتِيّ، وهو الشابّ القويّ، والفَتَاوِي بكسر الواو على الأصل، وقيل: يجوز الفتح للتخفيف. انتهى (٢). (بِفُتْيَا) بضم الفاء، وسكون المثنّاة الفوقيّة، وبالياء، مقصورًا: اسم مصدر لـ "أفتى"، ويقال فيه "الفتوى" بالواو كما سبق بيانه آنفًا، و"فُتْيَا" مضافٌ إلى قوله: (غَيْرِ ثَبَتٍ) بفتحتين، وفتح، فسكون: أي بفُتْيَا رجلٍ غيرِ مُتثبِّتٍ في فتواه؛ لعدم موافقتها للأدلة الشرعيّة من الكتاب، والسنّة، والإجماع. قال الفيّوميّ: ثَبَتَ الأمرُ: صَحّ، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، وقال أيضًا: ورجلٌ ثبتٌ ساكن الباء: مُتثبّتٌ في أموره، وثَبْتُ الجنان: أي ثابتُ القلب، وثَبُتَ في الحرب فهو ثبيتٌ، مثالُ قرُبَ فهو قريبٌ، والاسم ثَبَت بفتحتين، ومنه قيل للحجّة: ثَبْتٌ، ورجلٌ ثَبَتٌ بفتحتين أيضًا: إذا كان عدلًا ضابطًا، والجمع أثبات، مثلُ سبب وأسباب. انتهى (٣). وفي رواية أبي داود: "من أفتي بغير علم". وفي لفظ لأحمد: "ومن أفتي بفتيا بغير علم"، ولفظ الدارميّ: "من أفتي بفتيا بغير ثَبْتٍ". (فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ) أي على الشخص الذي أفتى السائل. وقال في "المرقاة": قال الأشرف، وتبعه زين العرب: يجوز أن يكون "أفتى" الثاني بمعنى استفتى، و"أفتى" الأول معروفًا: أي كان إثمه على من استفتاه، فإنه جعله

стр. 723

في معرض الإفتاء بغير علم، ويجوز أن يكون مجهولًا: أي فإثم إفتائه على من أفتاه: أي الإثم على المفتي دون المستفتي. اهـ والأظهر الثاني، وهو الأصحّ من النُّسَخ، يعني أن كلّ جاهل سأل عالمًا عن مسألة، فأفتاه العالم بجواب باطل، فَعَمِل السائلُ بها، ولم يعلم بطلانها، فإثمه على المفتي إن قصّر في اجتهاده. انتهى (١). والحاصل أنه من وقع في خطإ بفتوى عالم، فالإثم على ذلك العالم، لا على متّبعه، وهذا إذا لم يكن الخطأ في محلّ الاجتهاد، أو كان إلا أنه وقع لعدم بلوغه في الاجتهاد حقّه، وفيه زجرٌ عن الإفتاء بغير علم (٢). وزاد في رواية أبي داود: "ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره، فقد خانه". ومعناه: "أن من أشار على أخيه بأمر: أي أمر أخاه المستشير بأمر "يعلم" المراد بالعلم ما يشمل الظنّ "أن الرشد" أي المصلحة "في غيره" أي غير ما أشار إليه "فقد خانه": أي خان المستشارُ المستشيرَ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "المستشار مؤتمن" (٣)، وحديث أبي هريرة ﵁ وغيره مرفوعًا: "من غشّنا فليس منّا" (٤). وأخرجه أحمد في "مسنده"، ولفظه: "من تقول عليّ ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار، ومن استشاره أخوه المسلم، فأشار عليه بغير رَشَدٍ، فقد خانه، ومن أُفتي بفتيا غيرِ ثَبْتٍ، فإنما إثمه على من أفتاه". وقد تقدّم شرح قوله: "من تقوّل عليّ إلخ" في الحديث

стр. 724

رقم (٣٤)، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا حسنٌ؛ لأجل الكلام في مسلم بن يسار، وقد سبق أنه لا ينزل حديثه عن درجة الحسن، كما أشار إليه الذهبيّ ﵀، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) (٨/ ٥٣) بهذا الإسناد فقط، و (أبو داود) رقم (٣٦٥٧) عن سليمان بن داود، عن ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن بكر بن عمرو، عن عمرو بن أبي نُعيمة، عن أبي عثمان مسلم بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٢١) عن عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن أبي أيوب، عن بكر بن عمرو به و (الدارميّ) في "سننه" (١٦١) و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٢٥٩) كلاهما عن عبد الله بن يزيد بسند أحمد، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو وجوب اجتناب الرأي والقياس، ووجهه أن المراد بفتيا غير ثبت الفتاوى التي تصدر من غير حجة شرعيّة، من كتاب، أو سنّة، أو إجماع، ولا تكون هذه الفتيا إلا مجرّد هوى، وهو الرأي المذموم الذي بوّب له المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه لا إثم على المستفتي إذا عمل بالخطإ، وإنما الإثم على المفتي الذي تجرّأ على الله، فأفتى بغير علم. ٣ - (ومنها): تحريم الفتوى بغير علم، وقال الله : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال : ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ

стр. 725

هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ الآية [النحل: ١١٦]، وقال : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآية [الأنعام: ٢١]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٥٣ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الهُمْدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَني رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، وَجَعْفَرُ ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ أَنْعُمٍ، هُوَ الْإِفْرِيقِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ، فَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادَلَةٌ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الهُمْدَانِيُّ) هو: أبو كريب الحافظ الثبت المذكور أول الباب. ٢ - (رِشْدِينُ -بكسر الراء، وسكون المعجمة- ابْنُ سَعْدٍ) -بفتح، فسكون- ابن مُفلح المُهْريّ -بفتح الميم، وسكون الهاء- أبو الحجّاج المصريّ، وهو رِشدين بن أبي رِشْدين، ضعيف [٧]. رَوَى عن زَبّان بن فائد، وأبي هانىء حميد بن هانىء، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم، والأوزاعي، وعمرو بن الحارث، وغيرهم. ورَوَى عنه بقية، وهو من أقرانه، وابن المبارك، ومروان بن محمد، وابنه عبد القاهر بن رشدين، وضمرة بن ربيعة، وأبو كريب، وهشام بن عمار، وغيرهم. قال الميمونيّ: سمعت أبا عبد الله يقول: رِشْدين بن سعد ليس يُبَالي عن من رَوَى، لكنه رجل صالح، قال: فوثقه الهيثم بن خارجة، وكان في المجلس، فتبسم أبو عبد الله، ثم قال: ليس به بأس في أحاديث الرِّقَاق. وقال حرب: سألت أحمد عنه، فضعفه، وقَدَّم ابن لَهيعة عليه. وقال البغوي: سئل أحمد عنه، فقال: أرجو أنه صالح الحديث. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: لا يُكتَب حديثه. وقال محمد بن أحمد بن الجنيد عن ابن معين: ليس من حُمَّال المَحَامل. وقال أحمد بن محمد بن حرب عن ابن

стр. 726

معين: رِشدِينَين ليسا برَشِيدَين: رشدين بن كريب، ورشدين بن سعد. وقال عثمان الدارمي وغيره عن ابن معين: ليس بشيء. وقال عمرو بن عليّ، وأبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وفيه غفلة، ويحدث بالمناكير عن الثقات، ضعيف الحديث، ما أقربه من داود بن المحبر، وابنُ لهيعة أَسْتَر، ورشدين أضعف. وقال الجوزقاني: عنده معاضيل ومناكير كثيرة. وقال أيضا: سمعت ابن أبي مريم: يُثني عليه في دينه. وقال قتيبة: كان لا يبالي، ما دُفع إليه قرأه. وقال النسائيّ: متروك الحديث. وقال في موضع آخر: ضعيف الحديث، لا يُكتَب حديثه. وقال ابن عدي: أحاديثه ما أقل من يتابعه عليها، وهو مع ضعفه يُكتب حديثه. وقال ابن يونس: وُلد سنة عشر ومائة، ومات سنة (١٨٨)، وكان رجلا صالحًا، لا يُشَكّ في صلاحه وفضله، فأدركته غفلة الصالحين، فخلّط في الحديث، أساء فيه يحيى بن معين القول، ولم يكن النسائي يرضاه، ولا يُخرّج له. وقال ابن سعد: كان ضعيفًا. وقال الساجي: قال عبد الله -يعني ابن أحمد-: قال أبي: رِشْدين كذا وكذا، وسمعت ابن مثنى يقول: مات رشدين، فذكر وفاته، قال: وكان عنه مناكير. وقال ابن شاهين في "الثقات": ثنا البغوي، عن الإمام أحمد قال: أرجو أنه صالح الحديث. وقال ابن قانع، والدارقطني: ضعيف الحديث. وقال الآجري، عن أبي داود: ضعيف الحديث. وقال ابن حبان: كان ممن يجيب في كل ما يُسأل، ويَقرَأُ كلما دُفِع إليه، سواء كان من حديثه أم من غير حديثه، فغلبت المناكير في أخباره. وقال ابن بكير: رأيت الليث أخرجه من المسجد، وقال له: لا تقنت في النوازل. وقال يعقوب بن سليمان: ورشدين أضعف وأضعف. تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث برقم ٥٤ و٤١٢ و٥٢١ و٨٠٢ و١١١٦ و ٢٤٣٥ و ٢٦٣٧. ٣ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ، صدوقٌ [٩]. رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وإبراهيم بن مسلم الهَجَريّ، والأعمش،

стр. 727

وهشام بن عروة، ويحيى بن سعيد، والمسعوديّ، وأبي الْعُمَيس، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وجماعة. ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، والحسن بن علي الْحُلْواني، وإسحاق بن راهويه، وعبد بن حميد، وبُندار، وهارون الْحَمّال، وابنا أبي شيبة، وأبو خيثمة، وجماعة. قال أحمد: رجل صالح، ليس به بأس. وقال أبو أحمد الفراء: قال لي أحمد: عليك بجعفر بن عون. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان، وابن شاهين في "الثقات". وقال ابن قانع في "الوفيات": كان ثقة. وقال البخاري: مات سنة (٢٠٦). وقال أبو داود: سنة (٧)، قيل: مات وهو ابن (٨٧)، وقيل: (٩٧) سنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث برقم ٥٤ و ٩٧٠ و ١٥٨٦ و ١٨٥٩ و ١٩٠٠ و ٢٤٣٥ و ٢٩٥٢ و ٣٣١٢ و ٣٧٤٨. ٤ - (ابْنُ أَنْعُمٍ، هُوَ الْإِفْرِيقِيُّ) هو: عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم -بفتح أوله، وسكون النون، وضمّ المهملة- الشعبانيّ، أبو أيوب، ويقال: أبو خالد الإفريقي القاضي، عِدَاده في أهل مصر قاضي إِفريقية، ضعيف في حفظه [٧]. رَوَى عن أبيه، وأبي عبد الرحمن الحُبُليّ، وعبد الرحمن بن رافع التَّنُوخيّ، وزياد ابن نعيم الحضرمي، وعمران بن عبد المعافري، وغيرهم. ورَوَى عنه الثوري، وابن لَهِيعة، وابن المبارك، وعيسى بن يونس، ورشدين بن سعد، وغيرهم. قال عبد الله بن إدريس: ولي قضاء إفريقية لمروان. وقال المقري عنه: أنا أوّل مَن وُلد في الإسلام بعد فتح إفريقية -يعني بها-. وقال أبو موسى: ما سمعت يحيى، ولا عبد الرحمن يحدثان عن سفيان عنه. وقال عمرو بن علي: كان يحيى لا يحدث عنه، وما سمعت عبد الرحمن ذكره إلا مرة، قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وهو مليح الحديث، ليس مثله غيره في الضعف. وقال ابن قهزاذ، عن إسحاق بن راهويه: سمعت يحيى بن سعيد يقول: عبد الرحمن بن زياد ثقة. وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه، فقال: سألت هشام بن عروة، فقال: دعنا منه. وقال في موضع آخر: ضعَّف يحيى الإفريقي. وقال محمد بن يزيد المستملي، عن ابن مهدي: أما

стр. 728

الإفريقي فما ينبغي أن يُروَى حديث عنه. وقال أبو طالب عن أحمد: ليس بشيء. وقال أحمد بن الحسن الترمذي وغيره عن أحمد: لا أكتب حديثه. وقال الْمرُّوذيّ عن أحمد: منكر الحديث. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن معين: ضعيف يكتب حديثه، وإنما أُنكر عليه الأحاديث الغرائب التي يحدثها. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ليس به بأس، وهو ضعيف، وهو أحب إلي من أبي بكر بن أبي مريم. وقال يعقوب بن شيبة: ضعيف الحديث، وهو ثقة صدوق رجل صالح. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وفي حديثه ضعف. وقال صالح بن محمد: منكر الحديث، ولكن كان رجلا صالحًا. وقال الترمذي: ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى القطان وغيره، ورأيت محمد بن إسماعيل يُقَوّي أمره، ويقول هو مقارب الحديث. وقال النسائي ضعيف. وقال ابن خزيمة: لا يحتج به. وقال ابن خِرَاش: متروك. وقال الساجي فيه ضعف وكان ابن وهب يُطريه. وكان أحمد بن صالح يُنكر على من يتكلم فيه، ويقول: هو ثقة. وقال ابن رشدين عن أحمد بن صالح: من تكلم في ابن أنعُم فليس بمقبول، ابن أنعُم من الثقات. وقال ابن عديّ: عامة حديثه لا يُتابَع عليه. قال الهيثم وخليفة: مات في خلافة أبي جعفر. وقال البخاري عن المقريء: مات سنة ست وخمسين ومائة. وقال ابن يونس: مات بإفريقية سنة ست وخمسين. وقال المقريء: جاز المائة. وذكر أبو العرب أنه مات سنة إحدى وستين ومائة، وقال: كان مولده سنة أربع أو خمس وسبعين. وقال أبو العرب القيراني: كان ابن أنعم من أجلة التابعين عدلًا في قضائه صَلْبًا أنكروا عليه أحاديث ذكرها البهلول بن راشد، سمعت الثوري يقول: جاءنا عبد الرحمن بستة أحاديث، يرفعها إلى النبي ﷺ لم أسمع أحدًا من أهل العلم يرفعها، حديث: "أمهات الأولاد"، وحديث: "إذا رفع رأسه من آخر السجدة، فقد تمت صلاته"، وحديث: "لا خير فيمن لم يكن عالما أو متعلما"، وحديث: اغدُ عالما أو متعلمًا"، وحديث: "العلم

стр. 729

ثلاثة"، وحديث: "من أذّن فهو يقيم". قال أبو العرب: فلهذه الغرائب ضعف ابن معين حديثه. وقال الغلابي: يُضعفونه، ويكتب حديثه. وقال سحنون: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ثقة. وقال الحربي: غيره أوثق منه. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، ويدلّس عن محمد بن سعيد المصلوب. وقال الْبَرْقاني: قال أبو بكر بن أبي داود: إنما تكلم الناس في الإفريقي، وضعفوه لأنه رَوَى عن مسلم ابن يسار، ولم يدخل مسلم إفريقية قط، يَعنون البصري، ولم يعلموا أن مسلم بن يسار آخر يقال له: أبو عثمان الطُّنْبُذيّ، وكان الإفريقي رجلا صالحًا. وقال أبو الحسن بن القطان: كان من أهل العلم والزهد بلا خلاف بين الناس، ومن الناس من يوثقه، ويربأ به عن حَضيض رد الرواية، والحقّ فيه أنه ضعيف، لكثرة روايته المنكرات، وهو أمر يعتري الصالحين. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن القطّان ﵀ هو القول الفصل في ابن أنعُم. والله تعالى أعلم. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا برقم ٥٤ و ٢٢٩ و ٥١٢ و ٧١٧ و٩٧٠ و ١٨٥٥ و ١٨٥٩ و ٢٤٣٥ و ٢٦٩٤ و ٣٥٩٧ و ٣٧٤٨. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَافِعٍ) التّنُوخيّ، أبو الْجَهْم، ويقال: أبو الحجر المصريّ قاضي إفريقية، ضعيف [٤]. رَوَى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وغَزِيّة، ويقال: عقبة بن الحارث. وروى عنه ابنه إبراهيم، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وسليمان بن عوسجة، وبكر بن سَوَادة، وغيرهم. قال البخاري: في حديثه مناكير. وقال أبو حاتم: شيخ مغربي حديثه منكر. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: لا يحتج بخبره إذا كان من رواية ابن أنعم، وإنما

стр. 730

وقع المناكير في حديثه من أجله. وقال أبو العرب: كان أحد الفقهاء العشرة الذين أرسلهم عُمر بن عبد العزيز ليفقهوا أهل إفريقية. وقال الساجي: فيه نظر. وقال النّبَاتيّ: فيه نظر، وهو غير مشهور. قال ابن يونس: تُوفي في وسط خلافة هشام بن عبد الملك، قال الحسن ابن علي العَدّاس: سنة ثلاث عشرة ومائة. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عنده في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم ٥٤ و ٣٥٩٧ و ٣٧٤٨. ٦ - (عَبْدُ اللَّه بْنُ عَمْرٍو) بن العاص ﵄، تقدّم أول الباب، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) ﵄، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "الْعِلْمُ) أي العلم الذي هو أصل علوم الدين، واللام للعهد الذهنيّ (ثَلَاثَةٌ) أي معرفة ثلاثة أشياء (فَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ) أي ما سوى ما ذُكر من العلوم، يعني أن كلّ علم سوى هذه العلوم الثلاثة، وما يتعلّق بها مما تتوقّف هذه الثلاثة عليه، وتُستخرَج منه (فَهُوَ فَضْلٌ) أي فهو زائد على الحاجة، لا ضرورة إلى معرفته. قال الطيبيّ ﵀: العلم إدراك الشيء بحقيقته، وذلك ضربان: [أحدهما]: إدراك ذات الشيء. [والثاني]: الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له، أو نفي شيء هو منفيّ عنه، فالأول هو المتعدّي إلى مفعول واحد، نحو قوله تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]. والثاني إلى مفعولين، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]. والتعريف في العلم للعهد، وهو ما عُلم من الشارع أنه ما هو، وهو العلم النافع في الدين، فإن العلم مطلقٌ يجب أن يقيّد بما يُفهم منه المقصود، فيقال: علم الشريعة معرفة ثلاثة أشياء، والتقسيم حاصر، وبيانه أن قوله: "آيَةٌ مُحْكَمَةٌ" يشتمل على معرفة كتاب الله تعالى، وما يتوقّف عليه معرفته؛ لأن المحكمة هي التي

стр. 731

أُحكمت عبارتها، بأن حُفظت من الاحتمالات والاشتباه، وكانت أمّ الكتاب، أي أصله، فتُحمل المتشابهات عليها، أو تردّ إليها، ولا يتمّ ذلك إلا للماهر الحاذق في علم التفسير والتأويل الحاوي لمقدّمات يفتقر إليها من الأصولين، وأقسام العربيّة. وقوله: "أو سنّة قائمة" معنى قيام السنّة ثباتها، ودوامها بالحافظة عليها، من قامت السوق إذا نفقت؛ لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي تتوجّه إليه الرغبات، ويتنافس فيه المخلصون، وإذا عُطّلت، وأُضيعت كانت كالشيء الكاسد الذي لا يُرغب فيه، ودوامها إما أن يكون بحفظ أسانيدها من معرفة أسماء الرجال، والجرح والتعديل، ومعرفة الأقسام من الصحيح والحسن والضعيف المتشعّب منه أنواع كثيرة، وما يتّصل بها من المتمّمات، وإما أن يكون بحفظ متونها من التغيير والتبديل بالإتقان والتيقّظ، وبتفهّم معانيها، واستنباط العلوم الجمّة منها؛ لأن جلّها، بل كلّها من جوامع الكلم التي أوتي، وخصّ بها هذا النبيّ الأميّ المكتوب في التوراة والإنجيل، لا سيّما هذه الكلمة الفاذّة الجامعة مع قصر متنها، وقرب طرقها علوم الأولين والآخرين ﷺ (١). وقوله: "أو فريضة عادلة" إذا فُسّر بما أسلفناه في قوله: "طلب العلم فريضة" على ما تكلّم فيه العلماء من الفرائض المتكاثرة، كانت شاملة لجميع أنواعها، وإذا ذهب إلى أن "العادلة" هي المستقيمة المستنبطة من الكتاب، والسنّة، والإجماع، والقياس، رجع المعنى إليه، وسُمّيت عادلةً لأنها معادلة، أي مساوية لما أخذ منها، ونقف من هذا على أن المراد بقوله: "وما سوى ذلك فهو فضل" أن الفضل واحد الفضول الذي لا مدخل له في أصل علوم الدين، وما يُستعاذ منه حينًا بقوله: "أعوذ بالله من علم لا ينفع"، قال صاحب "المغرب": الفضل الزيادة، وقد غلب، جمعه على ما لا خير فيه، حتى قيل: فضول بلا فضل، وطول بلا طول، ثم قيل: لمن يشتغل بما لا يعنيه فضولي،

стр. 732

وأما الطبّ فليس بفضول؛ لما ثبت بنصوص السنة الافتقار إليه. والله أعلم. انتهى كلام الطيبيّ (١). وقال الشاه وليّ الله: قوله: "العلم ثلاثة إلخ" هذا ضبط وتحديد لما يجب عليهم بالكفاية، فيجب معرفة القرآن لفظًا، ومعرفة مُحْكمِهِ بالبحث عن شرح غريبه، وأسباب نزوله، وتوجيه معضله، وناسخه ومنسوخه، فأما التشابه فحكمه التوقّف، أو الإرجاع إلى المحكم، والسنّة القائمة ما ثبت في العبادات، والاتفاقات من الشرائع، والسنن مما يشمل عليه علم الفقه، والقائمة ما لم ينسخ، ولم يهجر، ولم يشذّ راويه، وجرى عليه جمهور الصحابة والتابعين، والفريضة العادلة الأنصباء للورثة، ويُلحق به أبواب القضاء مما سبيله قطع المنازعة بين المسلمين بالعدل، فهذه الثلاثة يحرم خلوّ البلد عن عالمها لتوقّف الدين عليه، وما سوى ذلك من باب الفضل والزيادة. انتهى باختصار (٢). (آيَةٌ مُحْكَمَةٌ) أي علمها، فالنكرة عامّ في الإثبات، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾، والمضاف مقدّر قبلها، وكذا قوله: "أو سنة قائمة"، والمراد بالحكمة غير المنسوخة، أو ما لا يحتمل إلا تأويلًا واحدًا، وهي إشارة إلى كتاب الله، وخصّ المحكم بالذكر؛ لأن المحكمات هنّ أم الكتاب وأصله، ومحفوظة من الاحتمال والاشتباه. (أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ) أي ثابتة إسنادًا بأن تكون صحيحة منقولة عن رسول الله ﷺ ، أو حكما بأن لا تكون منسوخة، و"أو" للتنويع، كقوله (أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ) قيل: المراد بالفريضة ما يجب العمل به، وبالعادلة المساوية لما يؤخذ من القرآن والسنة في وجوب العمل، فهو إشارة إلى الإجماع والقياس. والظاهر أن المراد بالعادلة، أي في القسم، والفريضة كلّ حكم من أحكام

стр. 733

الفرائض يحصل به العدل في قسمة التركات بين الورثة، ففيه حثّ على تعلم الفرائض، وتحريض عليه، ويدلّ صنيع أبي داود في "سننه" أنه اختار هذا المعنى حيث أورد هذا الحديث في الفرائض، وكذا أشار إليه ابن ماجه، فإنه ذكر الحديث في "باب اجتناب الرأي، والقياس" من كتاب السنّة، فكأنه قصد بذلك الردّ على من حمل قوله: "فريضة عادلة" على الأحكام المستنبطة بالرأي والقياس، يعني أراد إبطال الرأي المصطلح عليه بين الفقهاء. وقيل: بل أراد إبطال الرأي بمعنى الحكم بمجرد الهوى. قاله في "المرعاة" (١). وقال في "المرقاة": قوله: أو فريضة عادلة": أي مستقيمة، قيل: المراد بها الحكم المستنبط من الكتاب والسنة بالقياس لمعادلته الحكم المنصوص فيهما، ومساواته لهما في وجوب العمل، وكونه صدقًا وصوابًا. وقيل: فريضة معدلة بالكتاب والسنّة، أي مزكاة بهما. وقيل: الفريضة العادلة ما اتّفق عليها المسلمون، وهو إشارة إلى الحكم الثابت بالإجماع. وقيل: علم الفرائض. والحاصل أن أدلّة الشرع أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، ويسمّى الإجماع والقياس فريضة عادلة. ذكره زين العرب (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا ضعيف؛ لضعف رِشدين، وابن أنعُم، وعبد الرحمن بن رافع، كما سبق بيان ذلك في تراجمهم، لكنّ رِشدين توبع عليه، فقد تابعه جعفر بن عون، كما في هذا السند، وعبد الله بن وهب كما هو عند أبي داود،

стр. 734

والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٨/ ٥٤) بهذا السند فقط، و (أبو داود) (٢٨٨٥) عن أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم بسند المصنّف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال: ٥٥ - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ سَجَّادَةُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ سَعِيدِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، قَالَ: لَمَّا بَعَثَني رَسُولُ اللَّه ﷺ إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ: "لَا تَقْضِيَنَّ، وَلَا تَفْصِلَنَّ إِلَّا بِمَا تَعْلَمُ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ أَمْرٌ فَقِفْ حَتَّى تَبَيَّنَهُ، أَوْ تَكْتُبَ إِلَيّ فِيهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الحسَنُ بْنُ حَمَّادٍ سَجَّادَةُ) هو: الحسن بن حماد بن كُسَيب بالسين المهملة، آخره باء موحّدة، مصغّرًا- الحضْرميّ، أبو علي البغدادي المعروف بسَجّادة، صدوق [١٠]. رَوَى عن أبي بكر بن عياش، وحفص بن غياث، ويحيى بن سعيد الأُمويّ، وأبي خالد الأحمر، وأبي مالك الجنبي، ووكيع، وجماعة. وروى عنه أبو داود، وابن ماجه، وروى له النسائي بواسطة عثمان بن خُرَّزاذ، وأبو زرعة، وعلي بن الحسين بن الْجُنيد، وعبد الله بن أحمد، وغيرهم. قال أحمد: صاحب سنة، ما بلغني عنه إلا خيرٌ. وقال الخطيب: كان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال البخاري: مات يوم السبت لثمان بقين من رجب سنة (٢٤١). وروى عنه المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٥٥) و (٤١٣٥) "تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم ... " الحديث. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ) هو: يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص بن

стр. 735

أمية الأموي، أبو أيوب الكوفي، الحافظ نزل بغداد، لقبه الجَمَل، صدوق يُغْربُ، من كبار [٩]. رَوَى عن أبيه، ويحيى بن سعيد، وسعيد بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وابن جريح، والأعمش، ومسعر، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه سعيد، وأحمد بن إسحاق، والحكم بن هشام الثقفي، وهو من أقرانه، ومَخْلَد بن مالك الجمال، وداود بن رُشيد، وسريج بن يونس، وآخرون. قال الأثرم عن أحمد: ما كنت أظن عنده الحديث الكثير، وقد كتبنا عنه، وكان له أخ له قَدْرٌ وعِلْمٌ يقال له: عبد الله، ولم يبين أمر يحيى، كأنه يقول: كان يصدق، وليس بصاحب حديث. وقال المروذي عن أحمد: لم تكن له حركة في الحديث. وقال أبو داود عن أحمد: ليس به بأس، عنده عن الأعمش غرائب. وقال أبو داود: ليس به بأس ثقة. وقال يزيد بن الهيثم عن ابن معين: هو من أهل الصدق، ليس به بأس. وقال الدُّوريُّ وغيره عن ابن معين: ثقة. وكذا قال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، والدارقطني. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". أورده العُقَيليّ في "الضعفاء"، واستنكر له عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله: "لا يزال المسروق متغيظا، حتى يكون أعظم إثما من السارق". وقال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي: مات أبي سنة أربع وتسعين ومائة في النصف من شوال، وبلغ ثمانين سنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (٥٥) برقم (٥٥) و (١٠٥٤) و (٤١٠١). ٣ - (محمد بن سعيد بن حسّان) بن قيس الأسدي المصلوب، ويقال: محمد بن سعيد ابن عبد العزيز، ويقال: ابن أبي عُتْبة، ويقال: ابن أبي قيس، ويقال: ابن أبي حسان، ويقال: ابن الطبري، ويقال: غير ذلك في نسبه، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو قيس الشامي الدمشقي، ويقال: الأزديّ، كذّاب يضع الحديث، وقتل في الزندقة [٦].

стр. 736

رَوَى عن عبد الرحمن بن غَنْم من وجه ضعيف، وعُبَادة بن نُسَيّ، وربيعة بن يزيد، وصالح بن جبير الشامي، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن عجلان، والثوري، وسعيد بن أبي هلال، ويحيى بن سعيد الأموي، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: قتله أبو جعفر المنصور في الزندقة، حديثه حديث موضوع. وقال أبو داود عن أحمد: عمدًا كان يضع. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: منكر الحديث، وليس كما قالوا: إنه صُلب في الزندقة. وقال البخاري: تُرك حديثه. وقال النسائي: الكذابون المعروفون بوضع الحديث أربعة: إبراهيم بن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بخراسان، ومحمد بن سعيد بالشام. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: نظمت هؤلاء الأربعة بقولي: مَنْ عُرِفُوا بِالْوَضعِ قُلْ أَرْبَعَةُ ... ابْنُ أَبِي يَحْيَى حَوَتْهُ طَيْبَةُ وَالْوَاقِدِيُّ قُلْ بِبَغْدَادَ افْتَرَى ... وَبِخُرَاسَانَ مُقَاتِلٌ فَرَى مُحَمَّدُ الْمَصْلُوبُ بِالشِّامِ اعْتَدَى ... لِذَا النَّسَائِيُّ الْبَصِيرُ أَرْشَدَا وقال دُحيم: سمعت خالد بن يزيد الأزرق يقول: سمعت محمد بن سعيد الأُرْدُنّيّ يقول: إذا كان الكلام حسنًا لم أُبالِ أن أجعل له إسنادًا. وقال الْعُقَيليّ: يُغَيِّرون اسمه إذا حدثوا عنه، مروان بن معاوية يقول: محمد بن حسان، ومحمد بن أبي قيس، ومحمد بن أبي زينب، وابن زكريا، وابن أبي الحسن، وبعضهم يقول: عن أبي عبد الرحمن الشامي، ويقولون: محمد بن حسان الطبري، وربما قالوا: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الكريم، وغير ذلك على معنى التعبيد لله، ويَنسُبونه إلى جده، ويَكْنُون الجد حتى يتسمع الأمر جِدّا في هذا، وبلغني عن بعض أصحاب الحديث أنه قال: يُقلب اسمه على نحو مائة اسم، وما أبعد أن يكون كما قال. وقال عبد الغني بن سعيد المصري نحو ذلك، وزاد: وهو محمد الذي نسبه المحاربي إلى ولاء بني هاشم، وهو محمد الطبري، وهو محمد الأردني، وهو محمد بن سعيد السُّدّيّ الذي رَوَى عنه سعيد بن أبي هلال، ولو قال

стр. 737

قائل: إنه أبو عبد الله محمد الأسديّ الذي يروي عن وابصة بن مَعْبَد، وعنه محمد بن صالح لما دفعت ذلك. وقال عبد الغني: وقال الْعُقَيليّ: إنه عبد الرحمن بن أبي شُمَيلة، وهو محمد بن سعيد المصلوب، وإنّ قولهم: عبد الرحمن بن أبي شُميلة أحد الأسامي غُيّر بها اسمه، وما صنع شيئًا، وأنا أقول: إن عبد الرحمن بن أبي شُميلة غيره، وإنه رجل من الأنصار من أهل قباء، حدّث عنه مروان بن معاوية، وحماد بن زيد، وحماد بن زيد لا يُدَلِّس، ولا ينقل اسمًا إلى اسم. وقال ابن نُمير، وذكرت له رواية الكوفيين عنه، فقال: لم يعرفوه، وإنما العيب على الشاميين الذي عرفوه، ثم رووا عن هذا العدو لله، كذَابٌ يَضَعُ الحديث. وقال ابن عُقْدَة: سمعت أبا طالب بن سَوَادة يقول: قَلَبَ أهلُ الشام اسمه على مائة وكذا وكذا اسمًا قد جمعتها في كتاب. وقال ابن القطان: من جملة ما قلبوه محمد بن أبي سهل، ونقل ذلك عن أبي حاتم. وقال أبو مسهر: هو من كذابي الأُرْدُنّ. وقال عمرو بن علي: حَدّث بأحاديث موضوعة. وقال ابن رِشْدِين: سألت أحمد بن صالح المصري عنه، فقال: زنديق ضُرِبت عنقه، وَضَعَ أربعة آلاف حديث، عند هؤلاء الحمقى فاحذروها. وقال النسائي أيضا، والدارقطنيّ: متروك. وقال ابن حبان: كان يضع الحديث، لا يحل ذكره إلا على وجه القدح فيه. وقال أبو أحمد الحاكم: كان يضع الحديث، صُلِب على الزندقة. وقال الجوزجانيّ: هو مكشوف الأمر هالك. وقال الحاكم: هو ساقط لا خلاف بين أهل النقل فيه. انفرد به الترمذيّ وله عنده حديث واحد، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٤ - (عُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ) بن سِنَان، أبو عُمَر الشامي الأردني، قاضي طبرية، ثقة فاضلٌ [٣]. رَوَى عن أوس بن أوس الثقفيّ، وشداد بن أوس، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وعبد الرحمن بن غَنْم، وخَبّاب بن الأرت، والأسود بن ثعلبة، وأبي بن عمارة،

стр. 738

وله صحبة، وجُنَادة بن أبي أمية، وكعب بن عجرة، وغيرهم. وروى عنه بُرْد بن سِنَان، والمغيرة بن زياد الموصليّ، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وأيوب بن قَطَن، وحاتم بن نصر، والحسن بن ذكوان، وعتبة بن حميد، وغيرهم. قال ابن سعد في تابعيّ أهل الشام: كان ثقة. وقال أحمد، وابن معين، والعجليّ، والنسائي: ثقة. وقال أحمد في رواية: ليس به بأس. وقال البخاري: عبادة بن نسي بن سنان الكِنْديّ سيدهم. وقال أبو داود: سألت ابن معين عنه، فقال: لا يسأل عنه من النُّبَل. وقال أبو حاتم، وابن خراش: لا بأس به. وقال مغيرة بن زياد: قال مسلمة بن عبد الملك: إن كندة لثلاثةَ نفر، إن الله لَيُنْزِل بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء: عُبادة ابن نُسَيّ، ورجاء بن حيوة، وعدي بن عدي. وقال ابن حبان في "الثقات": مات وهو شاب. وقال ابن صَفْوَان: وثقة ابن نُمَير. قال عمرو بن علي وغير واحد: مات سنة ثماني عشرة ومائة. أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث، برقم ٥٥ و ٥٥٧ و ١٣٥٤ و ١٤٧٣ و ١٦٣٧ و ٢١٥٧ و ٢٦٩٤ و ٣٣٧٢ و٤٢٠٥. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ) -بفتح الغين المعجمة، وسكون النون- ابن كُريب بن هانىء بن ربيعة الأشعري مختلف في صحبته. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن عمر، وعثمان، وعليّ، ومعاذ، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وأبي عُبيدة بن الجَرّاح، وأبي مالك الأشعري، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وعمرو ابن خارجة، وشداد بن أوس، وعبادة بن الصامت، وثوبان، ومعاوية، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه محمد، وعطية بن قيس، وأبو سلام الأسود، ومكحول الشامي، وشَهْر بن حوشب، ورجاء بن حيوة، وعبادة بن نسي، وغيرهم. ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعيّ أهل الشام، وقال: كان ثقة -إن شاء الله- بعثه عمر بن الخطاب يُفَقِّه الناس، وكان أبوه ممن قَدِمَ على رسول الله ﷺ صُحْبة أبي موسى، وقال ابن يونس: عبدُ الرحمن بنُ غَنْم بن كُريب بن هاني بن ربيعة، وساق نسبه إلى أشعر، ممن قَدِم على النبي ﷺ ، وقَدِمَ مصر مع مروان سنة (٦٥). وقال ابن

стр. 739

مندهْ: ذكر يحيى بن بكير عن الليث وابن لهيعة، أنهما كانا يقولان: إن لعبد الرحمن بن غَنْم صُحْبةً. وقال أبو زرعة الدمشقي: ناظرت عبد الرحمن بن إبراهيم قلت: أرأيت الطبقة التي أدركت رسول الله ﷺ ، ولم تره، وأدركت أبا بكر وعمر ومَنْ بعدهما من أهل الشام مَنِ المقدَّم منهم: الصنابحي، أو عبد الرحمن بن غنم؟ قال: ابن غنم المقدم عندي، وهو رجل من أهل الشام. وقال العجلي: شامي تابعيّ ثقة، من كبار التابعين. وقال يعقوب بن شيبة: مشهور من ثقات الشاميين، وقد حَدّث عن غير واحد من الصحابة، وأدرك عمر، وسمع منه. وقال البخاري في "التاريخ" قال محمد -من شيوخ البخاري-: ثنا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث، حُدِّثتُ عن عبد الرحمن بن ضباب الأشعريّ، عن عبد الرحمن بن غنم، وكانت له صحبة، قال كنا جُلُوسا عند النبي ﷺ ، فذكر حديثًا وقال أبو القاسم البغوي: لا أدري أدرك النبي ﷺ أم لا؟ وقيل: إنه وُلد على عهده. وقال حرب بن إسماعيل عن أحمد: عبد الرحمن بن غنم قد أدرك النبي ﷺ ، ولم يسمع منه. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: زعموا أن له صحبةً، وليس ذلك بصحيح عندي. وقال ابن عبد البر: كان مسلما على عهد رسول الله ﷺ ، ولم يره، ولازم معاذ بن جبل إلى أن مات، وسمع من عمر، وكان أفقه أهل الشام، وهو الذي فَقَّه عامة التابعين بالشام، وكانت له جلالة وقدر. قال خليفة وغيره: مات سنة (٧٨). أخرج له البخاري في التعاليق، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث برقم ٥٥ و ٧٢ و ٢٨٠ و ٢٦٩٤ و ٢٧١٢ و ٤٠٢٠ و ٤٢٥٧. ٦ - (معاذ بن جبل) بن عَمْرو بن أوس بن عائذ بن عَدِيّ بن كعب بن عَمرو بن أُدَيّ بن سَعْد بن عليّ بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جُشَم بن الْخَزْرج الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن المدنيُّ، صاحب رسول الله ﷺ ، أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشَهِدَ بدرًا والعقبة والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، ورَوَى عن النبي ﷺ ، وعنه ابن عباس، وأبو موسى الأشعري، وابن عُمَر، وابن عَمْرو، وعبد الرحمن بن سَمُرة،

стр. 740

وابن أبي أَوْفَى، وأنس، وجابر، وأبو الطفيل، وعبد الرحمن بن غنم، وأبو مسلم الخولاني، وأبو عبد الله الصنابحي، وأبو وائل، ومسروق، وغيرهم. قال قتادة عن الحسن: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة، كلهم من الأنصار: أُبَيّ، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد (١). وقال مسروق، عن عبد الله بن عمرو: أربعة رهط لا أزال أحبهم بعدما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "استقرءوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبَي بن كعب، ومعاذ ابن جبل" (٢). وعن أبي قلابة، عن أنس، مرفوعًا: "وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ... " الحديث (٣) ويُرْوَى عن النبي ﷺ مرسلا ومتصلًا: "يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء بِرَتْوَةٍ" (٤). وقال الأعمش عن أبي سفيان: حدثني أشياخ لنا فذكر قصة فيها، فقال عمر: عَجَزت النساء أن تَلِد مثل معاذ، لولا معاذ هلك عمر. ومناقبه كثيرة جِدّا. قال أبو مسهر: مات سنة سبع عشرة، قال أبو مسهر قرأت مثله في كتاب ابن عَبِيدة بن أبي المهاجر: وكان سعيد بن عبد العزيز يقول: إنه صحيح. وقال يحيى بن معين: مات سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة، زاد يحيى: وهو ابن أربع وثلاثين. وقال الواقدي عن رجاله: مات سنة ثماني عشرة، وهو ابن ثمان وثلاثين. قال الواقدي: وكان من أجمل الناس، وفيها أرّخه غير واحد وقيل: في سنّه غير ذلك. أخرج له الجماعة، روى من الأحاديث (١٥٧) حديثًا، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →