رَوَى عن عبد الرحمن بن غَنْم من وجه ضعيف، وعُبَادة بن نُسَيّ، وربيعة بن يزيد، وصالح بن جبير الشامي، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن عجلان، والثوري، وسعيد بن أبي هلال، ويحيى بن سعيد الأموي، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: قتله أبو جعفر المنصور في الزندقة، حديثه حديث موضوع. وقال أبو داود عن أحمد: عمدًا كان يضع. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: منكر الحديث، وليس كما قالوا: إنه صُلب في الزندقة. وقال البخاري: تُرك حديثه. وقال النسائي: الكذابون المعروفون بوضع الحديث أربعة: إبراهيم بن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بخراسان، ومحمد بن سعيد بالشام.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: نظمت هؤلاء الأربعة بقولي:
مَنْ عُرِفُوا بِالْوَضعِ قُلْ أَرْبَعَةُ ... ابْنُ أَبِي يَحْيَى حَوَتْهُ طَيْبَةُ
وَالْوَاقِدِيُّ قُلْ بِبَغْدَادَ افْتَرَى ... وَبِخُرَاسَانَ مُقَاتِلٌ فَرَى
مُحَمَّدُ الْمَصْلُوبُ بِالشِّامِ اعْتَدَى ... لِذَا النَّسَائِيُّ الْبَصِيرُ أَرْشَدَا
وقال دُحيم: سمعت خالد بن يزيد الأزرق يقول: سمعت محمد بن سعيد الأُرْدُنّيّ يقول: إذا كان الكلام حسنًا لم أُبالِ أن أجعل له إسنادًا. وقال الْعُقَيليّ: يُغَيِّرون اسمه إذا حدثوا عنه، مروان بن معاوية يقول: محمد بن حسان، ومحمد بن أبي قيس، ومحمد بن أبي زينب، وابن زكريا، وابن أبي الحسن، وبعضهم يقول: عن أبي عبد الرحمن الشامي، ويقولون: محمد بن حسان الطبري، وربما قالوا: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الكريم، وغير ذلك على معنى التعبيد لله، ويَنسُبونه إلى جده، ويَكْنُون الجد حتى يتسمع الأمر جِدّا في هذا، وبلغني عن بعض أصحاب الحديث أنه قال: يُقلب اسمه على نحو مائة اسم، وما أبعد أن يكون كما قال. وقال عبد الغني بن سعيد المصري نحو ذلك، وزاد: وهو محمد الذي نسبه المحاربي إلى ولاء بني هاشم، وهو محمد الطبري، وهو محمد الأردني، وهو محمد بن سعيد السُّدّيّ الذي رَوَى عنه سعيد بن أبي هلال، ولو قال
стр. 737
قائل: إنه أبو عبد الله محمد الأسديّ الذي يروي عن وابصة بن مَعْبَد، وعنه محمد بن صالح لما دفعت ذلك. وقال عبد الغني: وقال الْعُقَيليّ: إنه عبد الرحمن بن أبي شُمَيلة، وهو محمد بن سعيد المصلوب، وإنّ قولهم: عبد الرحمن بن أبي شُميلة أحد الأسامي غُيّر بها اسمه، وما صنع شيئًا، وأنا أقول: إن عبد الرحمن بن أبي شُميلة غيره، وإنه رجل من الأنصار من أهل قباء، حدّث عنه مروان بن معاوية، وحماد بن زيد، وحماد بن زيد لا يُدَلِّس، ولا ينقل اسمًا إلى اسم. وقال ابن نُمير، وذكرت له رواية الكوفيين عنه، فقال: لم يعرفوه، وإنما العيب على الشاميين الذي عرفوه، ثم رووا عن هذا العدو لله، كذَابٌ يَضَعُ الحديث.
وقال ابن عُقْدَة: سمعت أبا طالب بن سَوَادة يقول: قَلَبَ أهلُ الشام اسمه على مائة وكذا وكذا اسمًا قد جمعتها في كتاب. وقال ابن القطان: من جملة ما قلبوه محمد بن أبي سهل، ونقل ذلك عن أبي حاتم. وقال أبو مسهر: هو من كذابي الأُرْدُنّ. وقال عمرو بن علي: حَدّث بأحاديث موضوعة. وقال ابن رِشْدِين: سألت أحمد بن صالح المصري عنه، فقال: زنديق ضُرِبت عنقه، وَضَعَ أربعة آلاف حديث، عند هؤلاء الحمقى فاحذروها. وقال النسائي أيضا، والدارقطنيّ: متروك. وقال ابن حبان: كان يضع الحديث، لا يحل ذكره إلا على وجه القدح فيه. وقال أبو أحمد الحاكم: كان يضع الحديث، صُلِب على الزندقة. وقال الجوزجانيّ: هو مكشوف الأمر هالك. وقال الحاكم: هو ساقط لا خلاف بين أهل النقل فيه. انفرد به الترمذيّ وله عنده حديث واحد، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (عُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ) بن سِنَان، أبو عُمَر الشامي الأردني، قاضي طبرية، ثقة فاضلٌ [٣].
رَوَى عن أوس بن أوس الثقفيّ، وشداد بن أوس، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وعبد الرحمن بن غَنْم، وخَبّاب بن الأرت، والأسود بن ثعلبة، وأبي بن عمارة،
стр. 738
وله صحبة، وجُنَادة بن أبي أمية، وكعب بن عجرة، وغيرهم. وروى عنه بُرْد بن سِنَان، والمغيرة بن زياد الموصليّ، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وأيوب بن قَطَن، وحاتم بن نصر، والحسن بن ذكوان، وعتبة بن حميد، وغيرهم.
قال ابن سعد في تابعيّ أهل الشام: كان ثقة. وقال أحمد، وابن معين، والعجليّ، والنسائي: ثقة. وقال أحمد في رواية: ليس به بأس. وقال البخاري: عبادة بن نسي بن سنان الكِنْديّ سيدهم. وقال أبو داود: سألت ابن معين عنه، فقال: لا يسأل عنه من النُّبَل. وقال أبو حاتم، وابن خراش: لا بأس به. وقال مغيرة بن زياد: قال مسلمة بن عبد الملك: إن كندة لثلاثةَ نفر، إن الله لَيُنْزِل بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء: عُبادة ابن نُسَيّ، ورجاء بن حيوة، وعدي بن عدي. وقال ابن حبان في "الثقات": مات وهو شاب. وقال ابن صَفْوَان: وثقة ابن نُمَير. قال عمرو بن علي وغير واحد: مات سنة ثماني عشرة ومائة. أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث، برقم ٥٥ و ٥٥٧ و ١٣٥٤ و ١٤٧٣ و ١٦٣٧ و ٢١٥٧ و ٢٦٩٤ و ٣٣٧٢ و٤٢٠٥.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ) -بفتح الغين المعجمة، وسكون النون- ابن كُريب بن هانىء بن ربيعة الأشعري مختلف في صحبته.
رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن عمر، وعثمان، وعليّ، ومعاذ، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وأبي عُبيدة بن الجَرّاح، وأبي مالك الأشعري، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وعمرو ابن خارجة، وشداد بن أوس، وعبادة بن الصامت، وثوبان، ومعاوية، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه محمد، وعطية بن قيس، وأبو سلام الأسود، ومكحول الشامي، وشَهْر بن حوشب، ورجاء بن حيوة، وعبادة بن نسي، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعيّ أهل الشام، وقال: كان ثقة -إن شاء الله- بعثه عمر بن الخطاب يُفَقِّه الناس، وكان أبوه ممن قَدِمَ على رسول الله ﷺ صُحْبة أبي موسى، وقال ابن يونس: عبدُ الرحمن بنُ غَنْم بن كُريب بن هاني بن ربيعة، وساق نسبه إلى أشعر، ممن قَدِم على النبي ﷺ ، وقَدِمَ مصر مع مروان سنة (٦٥). وقال ابن
стр. 739
مندهْ: ذكر يحيى بن بكير عن الليث وابن لهيعة، أنهما كانا يقولان: إن لعبد الرحمن بن غَنْم صُحْبةً. وقال أبو زرعة الدمشقي: ناظرت عبد الرحمن بن إبراهيم قلت: أرأيت الطبقة التي أدركت رسول الله ﷺ ، ولم تره، وأدركت أبا بكر وعمر ومَنْ بعدهما من أهل الشام مَنِ المقدَّم منهم: الصنابحي، أو عبد الرحمن بن غنم؟ قال: ابن غنم المقدم عندي، وهو رجل من أهل الشام. وقال العجلي: شامي تابعيّ ثقة، من كبار التابعين. وقال يعقوب بن شيبة: مشهور من ثقات الشاميين، وقد حَدّث عن غير واحد من الصحابة، وأدرك عمر، وسمع منه. وقال البخاري في "التاريخ" قال محمد -من شيوخ البخاري-: ثنا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث، حُدِّثتُ عن عبد الرحمن بن ضباب الأشعريّ، عن عبد الرحمن بن غنم، وكانت له صحبة، قال كنا جُلُوسا عند النبي ﷺ ، فذكر حديثًا وقال أبو القاسم البغوي: لا أدري أدرك النبي ﷺ أم لا؟ وقيل: إنه وُلد على عهده. وقال حرب بن إسماعيل عن أحمد: عبد الرحمن بن غنم قد أدرك النبي ﷺ ، ولم يسمع منه. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: زعموا أن له صحبةً، وليس ذلك بصحيح عندي.
وقال ابن عبد البر: كان مسلما على عهد رسول الله ﷺ ، ولم يره، ولازم معاذ بن جبل إلى أن مات، وسمع من عمر، وكان أفقه أهل الشام، وهو الذي فَقَّه عامة التابعين بالشام، وكانت له جلالة وقدر. قال خليفة وغيره: مات سنة (٧٨). أخرج له البخاري في التعاليق، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث برقم ٥٥ و ٧٢ و ٢٨٠ و ٢٦٩٤ و ٢٧١٢ و ٤٠٢٠ و ٤٢٥٧.
٦ - (معاذ بن جبل) بن عَمْرو بن أوس بن عائذ بن عَدِيّ بن كعب بن عَمرو بن أُدَيّ بن سَعْد بن عليّ بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جُشَم بن الْخَزْرج الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن المدنيُّ، صاحب رسول الله ﷺ ، أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشَهِدَ بدرًا والعقبة والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، ورَوَى عن النبي ﷺ ، وعنه ابن عباس، وأبو موسى الأشعري، وابن عُمَر، وابن عَمْرو، وعبد الرحمن بن سَمُرة،
стр. 740
وابن أبي أَوْفَى، وأنس، وجابر، وأبو الطفيل، وعبد الرحمن بن غنم، وأبو مسلم الخولاني، وأبو عبد الله الصنابحي، وأبو وائل، ومسروق، وغيرهم.
قال قتادة عن الحسن: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة، كلهم من الأنصار: أُبَيّ، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد (١). وقال مسروق، عن عبد الله بن عمرو: أربعة رهط لا أزال أحبهم بعدما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "استقرءوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبَي بن كعب، ومعاذ ابن جبل" (٢). وعن أبي قلابة، عن أنس، مرفوعًا: "وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ... " الحديث (٣) ويُرْوَى عن النبي ﷺ مرسلا ومتصلًا: "يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء بِرَتْوَةٍ" (٤).
وقال الأعمش عن أبي سفيان: حدثني أشياخ لنا فذكر قصة فيها، فقال عمر: عَجَزت النساء أن تَلِد مثل معاذ، لولا معاذ هلك عمر. ومناقبه كثيرة جِدّا. قال أبو مسهر: مات سنة سبع عشرة، قال أبو مسهر قرأت مثله في كتاب ابن عَبِيدة بن أبي المهاجر: وكان سعيد بن عبد العزيز يقول: إنه صحيح. وقال يحيى بن معين: مات سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة، زاد يحيى: وهو ابن أربع وثلاثين. وقال الواقدي عن رجاله: مات سنة ثماني عشرة، وهو ابن ثمان وثلاثين. قال الواقدي: وكان من أجمل الناس، وفيها أرّخه غير واحد وقيل: في سنّه غير ذلك.
أخرج له الجماعة، روى من الأحاديث (١٥٧) حديثًا، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا، والله تعالى أعلم.
стр. 741
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ) بفتح، فسكون الأشعريّ، أنه قال (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) ﵁ (قَالَ: لمَّا بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ) قال أهل المغازي كان بعث معاذ ﵁ إلى اليمن في ربيع الآخر سنة تسع من الهجرة. قاله في "الفتح" (١).
(قَالَ) ﷺ (لَا) ناهية (تَقْضِيَنَّ) مؤكد بالنون الثقيلة، وقوله (وَلَا تَفْصِلَنَّ) من الفصل بالفاء والصاد، والعطف للتفسير (إِلَّا بَما تَعْلَمُ) أي إلا بما تتأكّد حكم الشرع فيه (فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ أَمْرٌ) أي اشتبه عليك حكم أمر بأن لم تتبيّن لك الأدلة حتى تعمل بمقتضاها (فَقِفْ) أمر من وقف يقف، من باب ضرب (حَتَّى تَبَيَّنَهُ) بحذف إحدى التاءين، وكان أصله تتبيّنه، فحذفت إحداهما تخفيفًا، كما قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ ... فِيهِ عَلَى تَا كـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
(أَوْ تَكْتُبَ إِلَيَّ فِيهِ) أي لأبيّن لك حكمه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث معاذ بن جبل ﵁ هذا موضوع؛ لأن في سنده محمد بن سعيد بن حسّان، وهو المصلوب في الزندقة، كان كذّابًا يضع الحديث، كما سبق في ترجمته، وهو من أفراد المصنّف ﵀، أخرجه هنا بهذا السند فقط، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية) في الكلام على حديث معاذ ﵁ المشهور على الألسنة، وهو الحديث الذي أخرجه أبو داود الطيالسيّ في "مسنده" (١/ ٢٨٢) وأحمد في "مسنده" (٥/ ٢٣٠ و ٢٤٢) وأبو داود في "سننه" (٢/ ١١٦) والترمذيّ في "جامعه" (٢/ ٢٧٥) والبيهقيّ في "سننه" (١٠/ ١١٤) وغيرهم من طرق، عن شعبة، عن أبي عون الثقفيّ،
стр. 742
عن الحارث بن عمرو -ابن أخي المغيرة بن شعبة-، عن أناس من أهل حمص، من أصحاب معاذ بن جبل، أن رسول الله ﷺ لمّا أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ "، قال: فبسنة رسول الله ﷺ ، قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله ﷺ ، ولا في كتاب الله؟، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله ﷺ صدره، وقال: "الحمد لله الذي وَفّق رسول رسول الله لِمَا يُرضي رسولَ الله ﷺ ".
قال الإمام البخاريّ في "التاريخ" (٢/ ١/ ٢٧٥): لا يصحّ، ولا يُعرف إلا بهذا، مرسل. انتهى. وقال الترمذيّ: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتّصل. وأقرّه الحافظ العراقي في "تخريج أحاديث منهاج الأصول" للبيضاويّ ١/ ٧٦.
وقال ابن حزم: هذا حديث ساقط لم يروه أحد من غير هذا الطريق، وأول سقوطه أنه عن قوم مجهولين لم يُسمّوا، فلا حجة فيمن لا يُعرف من هو؟ وفيه الحارث ابن عمرو، وهو مجهول، لا يعرف من هو؟ ولم يأت هذا الحديث قط من غير طريقه.
وقال في موضع آخر: هذا حديث باطلٌ لا أصل له. (١).
وقال في "التلخيص الحبير": وقال الدارقطنيّ في "العلل": رواه شعبة عن أبي عون هكذا، وأرسله ابن مهديّ، وجماعات عنه، والمرسل أصحّ. وقال أبو داود -يعني الطيالسيّ-: وأكثر ما كان يُحدّثنا شعبة عن أصحاب معاذ أن رسول الله ﷺ ، وقال مرّةً: عن معاذ. وقال ابن حزم: لا يصحّ؛ لأن الحارث مجهول، وشيوخه لا يُعرفون، قال: وادّعى بعضهم فيه التواتر، وهذا كذبٌ، بل هو ضدّ التواتر؛ لأنه ما رواه أحد غير ابن عون، عن الحارث، فكيف يكون متواترًا. وقال عبد الحقّ: لا يُسْنَد، ولا يوجد من وجه صحيح. وقال ابن الجوزيّ في "العلل المتناهية": لا يصحّ، وإن كان الفقهاء كلهم
стр. 743
يذكرونه في كتبهم، ويَعتمدون عليه، وإن كان معناه صحيحًا، وقال ابن طاهر في تصنيف له مفرد في الكلام على هذا الحديث:
(اعلم): أنني فحصتُ عن هذا الحديث في المسانيد الكبار والصغار، وسألت عنه من لقيته من أهل العلم بالنقل، فلم أجد له غير طريقين:
[إحداهما]: طريق شعبة.
[والأخرى]: عن محمد بن جابر، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن رجل من ثقيف، عن معاذ، وكلاهما لا يصحّ، قال: وأقبح ما رأيت فيه قول إمام الحرمين في كتاب أصول الفقه: والعمدةُ في هذا الباب على حديث معاذ، قال: وهذه زلّة منه، ولو كان عالمًا بالنقل لما ارتكب هذه الجهالة.
قال الحافظ ﵀: قلت: أساء الأدب على إمام الحرمين، وكان يُمكنه أن يُعبّر بألين من هذه العبارة، مع أن كلام إمام الحرمين أشدّ مما نقله، فإنه قال: والحديث مدوّن في الصحاح، متّفقٌ على صحّته، لا يتطرّق إليه التأويل، كذا قال ﵀. وقد أخرجه الخطيب في كتاب "الفقيه والمتفقّه" من رواية عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، فلو كان الإسناد إلى عبد الرحمن ثابتًا لكان كافيًا في صحة الحديث. انتهى كلام الحافظ في "التلخيص" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في كلام الحافظ المذكور لي نظر من وجهين:
[أحدهما]: قوله: "أساء الأدب إلخ" ليس فيه إساءة أدب؛ لأنه ما قال هذا الكلام إلا غضبًا للشرع حيث نسب إليه ما ليس منه، فإنه -كما اعترف به الحافظ نفسه- قال بصحّة الحديث، وأنه متّفقٌ على صحته، فكيف لا يَغْضَب من هذا مَن علم درجة الحديث، وقد ثبت في "الصحيح" أن ابن ابن عبّاس ﵄ لمّا سمع أن نوفا البكاليّ يقول: إن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل قال: "كذب
стр. 744
عدوّ الله"، مع أن نوفًا كان أحد العلماء، وكان إمامًا لأهل دمشق، ولئن كان ذلك إساءة، فقد أساء نفسه إلى ابن طاهر، حيث رماه بهذا الكلام، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[الثاني]: قوله: "فلو كان الإسناد إلخ"، كيف يكون الإسناد إلى عبد الرحمن ثابتًا؟، وقد تفرّد به محمد بن سعيد المصلوب في الزندقة، وهو كذّاب، وضّاع، قيل: وضع أربعة آلاف حديث، فهيهات هيهات.
والحاصل أن حديثي معاذ ﵁ هذان لا يصحّان، أما حديث الباب، فموضوع، وأما الحديث الآخر ففي سنده مجاهيل، فتأمل بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف.
ولقد أجاد الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى في الكلام على هذا الحديث في "السلسلة الضعيفة" ٢/ ٢٧٣ - ٢٨٦ وطوّل البحث فيه بما لا تجده مجموعًا عند غيره، فاستفد، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قول ابن الجوزيّ المتقدّم بعد أن حكم بعدم ثبوت الحديث: ما نصّه: "وإن كان معناه صحيحًا"، إن أراد أنه صحيح المعنى فيما يتعلّق بالاجتهاد عند فقدان النصّ، فهذا مما لا خلاف فيه، وإن أراد كلّ ما تضمّنه الحديث فغير صحيح؛ لأنه تضمّن تصنيف السنّة مع القرآن، وإنزالها معه منزلة الاجتهاد منهما، فكما أنه لا يجوز الاجتهاد مع وجود النصّ في الكتاب والسنّة، فكذلك لا يأخذ بالسنّة إلا إذا لم يجد في الكتاب، وهذا التفريق مما لا دليل عليه، بل مضادّ لقوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، فالسنّة تُبيّن مجمل القرآن، وتقيّد مطلقه، وتُخصّص عمومه، فالواجب النظر في الكتاب والسنّة معًا، وعدم التفريق بينهما (١). والله تعالى أعلم يالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 745
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال:
٥٥ - (حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الرِّجَالِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَبْدةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَمْ يَزَلْ أَمْرُ بَنِي إسْرَائِيلَ مُعْتَدِلًا، حَتَّى نَشَأَ فِيهِمُ الْمُوَلَّدُونَ أَبْنَاءُ سَبَايَا الْأُمَمِ، فَقَالُوا بِالرَّأْيِ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُويد بن سعيد) الْحَدَثانيّ الهرويّ الأصل، صدوق في نفسه، عمي، فصار يتلقّن، من قدماء [١٠] تقدّم في ٤/ ٣٠.
٢ - (ابن أبي الرجال) هو: عبد الرحمن بن أبي الرجال -بكسر الراء، ثم جيم- واسمه محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة بن النعمان بن نُفيع بن زيد بن عُبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاريّ المدنيّ، كان ينزل بعض ثُغُور الشام، صدوقٌ ربّما أخطأ [٨].
رَوَى عن أبيه، وأخيه، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأوزاعي، وابن أبي ذئب، وربيعة، وعمر بن نافع، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو نعيم، وعبد الله بن يوسف، وقتيبة، وهشام بن عمار، وسويد بن سعيد، وآخرون.
قال أحمد، وابن معين، والمفضل الغلابي، والدارقطني: ثقة. وقال ابن معين أيضا، وأبو داود: ليس به بأس. وقال الْبَرْذَعي: سألت أبا زرعة، عن عبد الرحمن، وحارثة، فقال: عبد الرحمن أشبه، وحارثة واهٍ، وعبد الرحمن أيضا يرفع أشياء لا يرفعها غيره. وقال الآجري عن أبي داود: أحاديث عمرة يجعلها كلها عن عائشة. وقال أبو حاتم: صالح هو مثل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ. أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٥٦) وحديث (٢٠٥٩) "الشهر هكذا يرسل أصابعه فيها ثلاث مرّات ... ".
[تنبيه]: كون ابن أبي الرجال هنا هو عبد الرحمن بن أبي الرجال هو الصواب، وقد أخطأ البوصيريّ -وتبعه الدكتور بشّار، والشيخ علي حسن في تحقيقيهما لهذا الكتاب-
стр. 746
فقال: هو حارثة بن أبي الرجال، والحقّ أنه عبد الرحمن، فقد نصّ عليه الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ في "تحفة الأشراف" ٦/ ٣٦٠، فتنبّه. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٣ - (عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ) هو: عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، واسمه يُحْمِد الشامي، أبو عمرو الأوزاعي الفقيه، نزل بيروت في آخر عمره، فمات بها مرابطا، فقيه ثقة جليل [٧].
رَوَى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وشداد بن عمار، وعبدة بن أبي لبابة، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وغيرهم.
ورَوَى عنه مالك، وشعبة، والثوري، وابن المبارك، وابن أبي الزناد، وعبد الرزاق، وابن أبي الرجال، وخلق كثير.
قال الحاكم أبو أحمد في "الكنى": الأوزاعي من حمير، وقد قيل: إن الأوزاع قرية بدمشق، وعَرَضت هذا القول على أحمد بن عمير فلم يرضه، وقال: إنما قيل: الأوزاعي لأنه من أوزاع القبائل. وقال أبو سليمان بن زَبْر: هو اسم وقع على موضع مشهور بدمشق، يُعرف بالأوزاع، سكنه في صدر الإسلام بقايا من قبائل شتى. وقال أبو زرعة الدمشقي: كان اسم الأوزاعي عبدَ العزيز، فسَمَّى نفسه عبدَ الرحمن، وكان أصله من سِبَاءِ السند، وكان ينزل الأوزاع، فغلب ذلك عليه، وإليه فتوى الفقه لأهل الشام لفضله فيهم، وكثرة روايته، وبلغ سبعين سنة، وكان فصيحًا، ورسائله تُؤثر. وقال عمرو بن علي عن ابن مهدي: الأئمة في الحديث أربعة: الأوزاعي، ومالك، والثوري، وحماد بن زيد. وقال أبو عبيد عن ابن مهدي: ما كان بالشام أعلم بالسنة منه. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، ما أقل ما رَوَى عن الزهري. وقال أبو حاتم: إمام مُتَّبعٌ لما سمع. وقال أبو مسهر، عن هِقْل بن زياد: أجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة أو نحوها. وقال ابن عيينة: كان إمام أهل زمانه. وقال أمية بن يزيد بن أبي عثمان: كان عندنا أرفع من مكحول، جمع العبادة، والورع، والقول بالحق. وقال عيسى ابن يونس: كان الأوزاعي حافظًا. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من فقهاء أهل
стр. 747
الشام وقرائهم وزهادهم، وكان السبب في موته أنه كان مرابطًا ببيروت، فدخل الحمّام، فزَلَق فسقط، وغُشِي عليه، ولم يُعلَم به حتى مات.
وقال الخليلي في "الإرشاد": أجاب عن ثمانين ألف مسألة في الفقه من حفظه، وقال ابن سعد: وُلد سنة (٨٨)، وكان ثقة مأمونًا صدوقًا فاضلًا خيرًا، كثير الحديث والعلم والفقه، وكان مكتبه باليمامة، ومات ببيروت سنة (١٥٨). وقال الآجري عن أبي داود: مات الأوزاعي في الحمام. وقيل: مات سنة (٥٥)، وقيل: سنة (٥١)، وقيل: سنة (٥٦).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٩) حديثًا.
٤ - (عبدة بن أبي لبابة) الأسدي الغَاضِريّ مولاهم، يقال: مولى قريش، أبو القاسم البزاز الكوفي الفقيه، نزيل دمشق، ثقة [٤].
رَوَى عن ابن عمر، وابن عمرو، وزِرّ بن حُبيش، وأبي وائل، ومجاهد، وهلال بن يساف، وورّاد كاتب المغيرة، وغيرهم، وأرسل عن عمر.
ورَوَى عنه ابن أخته الحسن بن الْحُرّ، وحبيب بن أبي ثابت، ومات قبله، والأعمش، وابن جريج، والأوزاعي، وشعبة، والثوري، وغيرهم.
قال الميموني عن أحمد: لقي ابن عمر بالشام. وقال ابن سعد: كان من فقهاء أهل الكوفة. وقال سعيد بن عبد العزيز: كان يُكنى أبا القاسم كناه مكحول. وقال الأوزاعي: لم يَقْدَم علينا من العراق أحد أفضل من عبدة بن أبي لبابة، والحسن بن الحر، وكانا شريكين. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة من ثقات أهل الكوفة. وقال أبو حاتم، والنسائي، وابن خراش: ثقة. وقال علي بن المديني، عن ابن عيينة: جالست عبدة بن أبي لبابة سنة ثلاث وعشرين ومائة. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: من ثقات أهل الكوفة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: جالسه ابن عيينة ثلاثا وعشرين سنة كذا قال، والصواب ما تقدّم أنه جالسه سنة ثلاث وعشرين ومائة.
أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود في "المسائل"، والترمذيّ، والنسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم ٥٦ و ٤١٣ و ١٣٤٤ و ٢٩٧٠.
٥ - (عبد الله بن عمرو بن العاص) الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، تقدّم
стр. 748
في ٨/ ٥٢، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﵄، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَمْ يَزَلْ أمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُعْتَدِلًا) أي مستقيما على منهج الأنبياء (حَتَّى نَشَأَ) مهموزًا، من باب نفع: أي حدَثَ وتجدّد (فِيهِمُ الْمَوَلَّدُونَ) بفتح اللام المشدّدة، بصيغة اسم المفعول، قال الجوهريّ: رجلّ مولّد: إذا كان عربيّا غير محض. وقال ابن الأثير: المولَّدة: هي التي بين العرب، ونشأت مع أولادهم، وتأدّبت بآدابهم، والتَّلِيدة: هي التي وُلدت ببلاد العجم، وحُمِلت، فنشأت ببلاد العرب. انتهى (١).
والمراد هنا من ليس من بني إسرائيل من سائر الناس.
وقوله: (أَبْنَاءُ سَبَايَا الْأمَمِ) بدلٌ من "المولّدون"، و"السبايا" بالفتح: جمع سَبِيّة، قال ابن الأثير: السَّبِيّة: المرأة الْمَنْهُوبة، فَعِيلة بمعنى مفعولة (فَقَالُوا بِالرَّأْيِ) أي أَفْتَوا، وحكموا برأيهم، معرضين عن الحكم الذي أنزله الله في التوراة والإنجيل (فَضَلُّوا) في أنفسهم (وَأَضَلُّوا) غيرهم، قال الفيّوميّ: ضلّ الرجل الطريقَ، وضلّ عنه يَضِلّ، من باب ضرب ضلالًا، وضلالةً: زلّ عنه، فلم يَهتد إليه، فهو ضالّ، هذه لغة نَجْد، وهي الفصحى، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ [سبأ: ٥٠]، وفي لغة لأهل العالية من باب تَعِب، والأصل في الضلال: الغيبة. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ هذا ضعيفٌ؛ للانقطاع بين عبدة بن أبي لبابة وعبد الله بن عمرو ﵄، فإن عبدة لم يلقَ عبد الله ﵁، كما
стр. 749
بيّن ذلك الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ ﵀ في "تحفة الأشراف" ٦/ ٣٦٠.
[فإن قلت]: أخرج هذا الحديث البزار في "مسنده"، من طريق قيس بن الربيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا، وقال: لا نعلم أحدًا قال: عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو إلا قيس، ورواه غيره مرسلًا انتهى. فهلا تكون رواية قيس مقوية لرواية عبدة بن أبي لبابة، فتصحّ؟.
[قلت]: قيس بن الربيع ضعيف؛ لسوء حفظه، والمحفوظ كما نقل الحافظ ١٣/ ٢٨٥ عن البزّار: عن هشام بن عروة بهذا الإسناد مرفوعًا إنما هو بلفظ: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس ... " الحديث المذكور أول الباب، فرواية قيس منكرة لا تصلح للتقوية، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٨/ ٥٦) بهذا الإسناد فقط، وهو من أفراده، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره.
وأخرجه أيضًا يعقوب الْفَسَويّ في "المعرفة والتاريخ" (٣/ ٢٠) بسند صحيح عن عروة مرفوعًا. وأخرجه أيضًا الدارميّ في "مسنده" (١/ ٥٠) والبيهقيّ في "المعرفة" وابن عبد البرّ في "جامع بيان العلم" (٢/ ١٠٤٧ و ١٠٥٢) بإسناد صحيح، عن عروة موقوفا عليه (١).
[تنبيه]: ذكر الحافظ المزّيّ ﵀ في "تحفة الأشراف" ١٣/ ٢٢٣ أن ابن ماجه أخرج بعد حديث عبد الله بن عمرو المذكور عن محمد بن أبي عُمر العَدَنيّ، عن سفيان ابن عُيينة أنه قال: "لم يزل أمر الناس مُعتدلًا حتى نشأ فلانٌ بالكوفة، وربيعة الرأي بالمدينة، وعثمان الْبَتّيّ بالبصرة، فوجدناهم من أبناء سبايا الأمم".
стр. 750
وهذا الأثر لا يوجد في النسخ المطبوعة، وذكر بعضهم (١) أنها ثابتة في نسخة البوصيريّ التي عليها كتاب "مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه".
قلت: أخرج هذا الأثر الحافظ أبو بكر الخطيب في "تاريخه" ١٣/ ٤١٣ من طريق أخرى، ولفظه: قال سفيان -هو ابن عيينة-: لم يزل أمر الناس معتدلًا حتّى غيّر أبو حنيفة بالكوفة، وعثمان الْبَتّيّ بالبصرة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن بالمدينة، فنظرنا، فوجدناهم من أبناء سبايا الأمم" (٢).
وأخرجه الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ في "جامع بيان العلم" من طريق موسى ابن هارون بن إسحاق الهمدانيّ، عن الحميديّ، عن ابن عيينة قال: "لم يزل أمر أهل الكوفة معتدلًا حتى نشأ فيهم أبو حنيفة". قال موسى: "وهو -يعني أبا حنيفة- من أبناء سبايا الأمم، أمه سِنْديّة، وأبوه نَبَطيّ، قال: والذين ابتدعوا الرأي ثلاثة، وكلّهم من أبناء سبايا الأمم، وهم: ربيعة بالدينة، وعثمان البتّي بالبصرة، وأبو حنيفة بالكوفة. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الإمام أبو حنيفة ﵀ إمام جليل مشهور، وإنما عِيب عليه إغراقه في الرأي، ولقد أنصف فيه الحافظ أبو عمر ﵀ حيث قال -بعد أن ذكر أقوال الذامين له-: ما نصّه:
وأفرط أصحاب الحديث في ذمّ أبي حنيفة ﵀، وتجاوزوا الحدّ في ذلك، والسبب الوجب له عندهم إدخاله الرأي والقياس على الآثار، واعتبارهما، وأكثر أهل العلم يقولون: إذا صحّ الأثر من جهة الإسناد بطل القياس والنظر، وكان ردّه لما ردّ من الأحاديث بتأويل محتمل، وكثير منه قد تقدّمه إليه غيره، وتابعه عليه مثله ممن قال
стр. 751
بالرأي، وجُلُّ ما يوجد له من ذلك ما كان منه اتّباعًا لأهل بلده، كإبراهيم النخعيّ، وأصحاب ابن مسعود ﵁، إلا أنه أغرق وأفرط في تنزيل النوازل هو وأصحابه، والجواب فيها برأيهم، واستحسانهم، فيأتي منهم في ذلك خلاف كثير للسلف وشنع هي عند مخالفيهم بدع، وما أعلم أحدًا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية، أو مذهب في سنّة، رَدّ من أجل ذلك المذهب سنة أخرى بتأويل سائغ، أو ادّعاء نسخ، إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرًا، وهو يوجد لغيره قليل.
قال: ونَقَموا أيضًا على أبي حنيفة الإرجاء، ومن أهل العلم من يُنسَب إلى الإرجاء كثير، لم يُعنَ أحدٌ بنقل قبيح ما قيل فيه كما عُنُوا بذلك في أبي حنيفة لإمامته، وكان أيضًا مع هذا يُحسَد، ويُنسَب إليه ما ليس فيه، ويُختلقُ عليه ما لا يليق به، وقد أثنى عليه جماعة من العلماء وفضلوه، ولعلّنا إن وجدنا نشطةً نجمع من فضائله، وفضائل مالك، والشافعيّ، والثوريّ، والأوزاعيّ ﵏ كتابًا أمّلنا جمعه قديمًا في أخبار أئمة الأمصار -إن شاء الله تعالى- انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀، وهو كلام نفيس.
لكن نقول عن العلماء الذين تكلّموا في هذا الإمام: إنما حملهم على ذلك نصرة السنة المطهّرة، والذبّ عنها، والدفاع عن حريمها، كما قال ابن عبّاس ﵄ لنوف البكاليّ: "كذب عدوّ الله"، غضبًا لمخالفته ما ثبت في السنّة، وذلك لئلا يتلاعب بها أهل الأهواء بآراهم الفاسدة، وأهوائهم الكاسدة، فنشأ من شدّة غضبهم ما سمعته في حقّ هذا الإمام فنراهم كلهم على خير وهُدى بحسب نيتهم الصالحة، والقيام بما وجب عليهم نحو السنّة المطهّرة، فجزى الله تعالى الجميع خير الجزاء، فنحن نحبّهم كلهم، ونرجو من الله أن يحشرنا معهم، ويُسكننا الفردوس الأعلى برحمته، إنه بعباده عليم، وبالمؤمنين رءوف رحيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 752
٩ - (بابٌ في الإيمان)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنّف بعقد هذا الباب بيان أن الإيمان قول وفعلٌ، وأن له شعبًا كثيرة، وأنه يتفاوت، وأنه يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، كما يتبيّن ذلك فيما يورده من الأحاديث الآتية، إن شاء الله تعالى.
ومناسبة الباب للباب السابق كون الإيمان يبعث صاحبه على التخلّي عن الهوى الموجب لاتّباع الرأي والقياس الباطل، والتحلّي بتحكيم شرع من آمن به؛ لأنّ من أعظم شُعَبِه الحياءَ، فإذا كان العبد يستحيي من الله لا يتجاسر بأن يتقدّم بين يدي الله ورسوله ﷺ بشيء من الأحكام؛ لأن ذلك ينافي مقضى إيمانه، بل يجعل الكتاب والسنة حاكمين عليه، قال الله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقال : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٦].
وبالجملة فالإيمان هو الذي يَحْمِل العبد على التخلّي عن الرذائل، والتحلّي بالفضائل، اللهم ارزقنا إيمانًا كاملًا، واملأ به قلوبنا، آمين.
وأحسن ما نُقل عن أهل اللغة في تفسير "الإيمان" ما ذكره ابن منظور، فقال: وحَدّ الزَّجّاج الإيمانَ، فقال: الإيمان: إظهار الخضوع، والقبول للشريعة، ولِمَا أَتَى به النبيّ ﷺ ، واعتقاده، وتصديقه بالقلب، فمن كان على هذه الصفة، فهو مؤمنٌ مسلمٌ، غير مُرتاب، ولا شاكّ، وهو الذي يرى أن أداء الفرائض واجب عليه، لا يدخله في ذلك ريبٌ، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]: أي بمصدّق، فالإيمان: التصديق. وقال في "التهذيب": وأما الإيمان، فهو مصدر آمن يؤمن إيمانًا، فهو مؤمنٌ، واتّفق أهل العلم من اللغويين، وغيرهم أن الإيمان: معناه التصديق، قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]، قال: وهذا موضع يحتاج إلى تفهيمه، وأين ينفصل المؤمن من المسلم،
стр. 753
وأين يستويان، والإسلام: إظهار الخضوع، والقبول لما أتى به النبيّ ﷺ ، وبه يُحْقَن الدم، فإن كان مع ذلك الإظهارِ اعتقادٌ، وتصديقٌ بالقلب، فذلك الإيمانُ الذي يقال للموصوف به هو مؤمنٌ مسلمٌ، وهو المؤمن بالله تعالى، ورسوله ﷺ ، غير مرتاب، ولا شاكّ، وهو الذي يرى أن أداء الفرائض واجبٌ عليه، وأن الجهاد بنفسه وماله واجب عليه، لا يدخله في ذلك ريبٌ، فهو المؤمن، وهو المسلم حقّا، كما قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]: أي أولئك الذين قالوا إنا مؤمنون، فهم الصادقون، فأما من أظهر قبول الشريعة، واستسلم لدفع المكروه، فهو في الظاهر مسلم، وباطنه غير مصدّق، فذلك الذي يقول: أسلمت؛ لأن الإيمان لا بدّ من أن يكون صاحبه صِدِّيقًا؛ لأن قولك: آمنت بالله، أو قال قائل: آمنت بكذا وكذا، فمعناه: صدّقت، فأخرج الله هؤلاء من الإيمان، فقال ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]: أي لم تُصدّقوا، إنما أسلمتم تعوّذًا من القتل، فالمؤمن مُبطنٌ من التصديق مثل ما يُظهر، والمسلم التامّ الإسلامِ، مظهر للطاعة، مؤمن بها، والمسلم الذي أظهر الإسلام تعوّذًا غير مؤمن في الحقيقة، إلا أن حكمه في الظاهر حكم المسلمين.
وقال الله تعالى حكايةً عن قول إخوة يوسف ﵇ لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]: لم يختلف أهل التفسير أن معناه: ما أنت بمصدّق لنا، والأصل في الإيمان الدخول في صدق الأمانة التي ائتمنه الله عليها، فإذا اعتقد التصديق بقلبه، كما صدّق بلسانه، فقد أدّى الأمانة، وهو مؤمنٌ، ومن لم يعتقد التصديق بقلبه، فهو غير مؤدٍّ للأمانة التي ائتمنه الله عليها، وهو منافقٌ، ومن زعم أن الإيمان هو إظهار القول، دون التصديق بالقلب، فإنه لا يخلو من وجهين:
[أحدهما]: أن يكون منافقًا يَنضَح عن المنافقين، تأييدًا لهم، أو يكون جاهلًا، لا يعلم ما يقول، وما يُقال له، أخرجه الجهل، واللَّجَاج إلى عناد الحقّ، وترك قبول
стр. 754
الصواب، أعاذنا الله من هذه الصفة، وجعلنا ممن علم، فاستعمل ما علم، أو جهل، فتعلّم ممن علم، وسلّمنا من آفات أهل الزيغ، والبدع بمنّه، وكرمه.
وفي قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] ما يُبيّن لك أن المؤمن هو المتضمّن لهذه الصفة، وأن من لم يتضمّن هذه الصفة، فليس بمؤمن؛ لأن "إنما" في كلام العرب تجيء لتثبيت شيء، ونفي ما خالفه، ولا قوّة إلا بالله. انتهى ما ذكره ابن منظور (١).
وقد ذكرت في "شرح صحيح مسلم" في هذا الموضع مسائل جامعة، وفوائد نافعة، فراجعها تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٥٧ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُهَيْلِ ابْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْإِيمَانُ بِضْع وَسِتُّونَ، أَوْ سَبْعُونَ بَابًا، أَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَأَرْفَعُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيْمَانِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ) -بفتح الطاء المهملة، وتخفيف النون، وبعد الألف فاء- هو: علي بن محمد بن إسحاق بن أبي شدّاد، ويقال: بإسقاط إسحاق، ويقال: اسم جده شروى، ويقال: عبد الرحمن، ويقال: نُباتة أبو الحسن الطنافسي الكوفي، مولى آل الخطاب، سَكَن الرَّيَّ، وقَزْوِين، ثقة عابدٌ [١٠].
رَوَى عن خاليه: محمد، ويعلى ابني عبيد الطنافسي، وابن إدريس، وحفص بن غياث، وأبي معاوية، ووكيع، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن ماجه، وروى النسائي في "مسند
стр. 755
علي" عن زياد بن أيوب الطُّوسي عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن وَارَةَ، وابنه الحسين ابن علي بن محمد الطنافسي، قاضي قزوين، وغيرهم.
قال أبو حاتم: كان ثقة صدوقًا، وهو أحب إلي من أبي بكر بن أبي شيبة في الفضل والصلاح، وأبو بكر أكثر حديثًا وأفهم. وقال الخليلي: إمام هو وأخوه الحسن بقزوين، ولهما مَحَلّ عظيم، وارتحل إليهما الكبار، وتوفي الحسن سنة (٢٢٢) وعلي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٣٥) أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل. وله في هذا الكتاب (٥٠٧) حديث.
٢ - (وَكِيعٌ) بن الْجَرّاح الرؤاسيّ الكوفيّ الثقة الحافظ العابد [٩] تقدم في ١/ ٣.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الإمام الثقة الحجة [٧] تقدّم في ٥/ ٤١.
٤ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السمّان، أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ تغيّر حفظه بآخره، روى له البخاريّ مقرونًا وتعليقًا [٦].
رَوَى عن أبيه، وسعيد بن المسيب، والحارث بن مخلد الأنصاري، وأبي الحباب سعيد بن يسار، وعبد الله بن دينار، وعطاء بن يزيد الليثي، وخلق كثير.
وروى عنه ربيعة، والأعمش، ويحيى بن سعيد الأنصار، وموسى بن عقبة، ويزيد بن الهاد، ومالك، وشعبة، وابن جريج، والسفيانان، وخلق كثير.
قال ابن عيينة: كنا نَعُدّ سهلا ثبتا في الحديث. وقال حرب عن أحمد: ما أصلح حديثه. وقال أبو طالب عن أحمد: قال يحيى بن سعيد: محمد -يعني بن عمرو- أحب إلينا، وما صنع شيئًا، سهيل أثبت عندهم. وقال الدُّوري عن ابن معين: سهيل بن أبي صالح، والعلاء بن عبد الرحمن حديثهما قريب من السواء، وليس حديثهما بحجة. وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: سهيل أشبه وأشهر -يعني من العلاء-. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وهو أحب إلي من العلاء. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: لسهيل نُسَخ، وقد رَوَى عنه الأئمة، وحدث عن أبيه، وعن جماعة عن أبيه، وهذا يدل على تمييزه، كونُهُ مَيَّزَ ما سمع من أبيه، وما سمع من غير أبيه،
стр. 756
وهو عندي ثبت، لا بأس به، مقبول الأخبار. روى له البخاري مقرونا بغيره. وعاب ذلك عليه النسائي، فقال السُّلَمي: سألت الدارقطني: لِمَ ترك البخاري حديث سهيل في كتاب "الصحيح"؟ فقال: لا أعرف له فيه عذرًا، فقد كان النسائي إذا مَرّ بحديث سهيل، قال: سهيل والله خير من أبي اليمان، ويحيى بن بكير، وغيرهما. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطىء، مات في ولاية أبي جعفر، وكذا أرّخه ابن سعد، وقال: كان سهيل ثقة كثير الحديث. وأرّخه ابن قانع سنة (١٣٨).
أخرج له البخاريّ مقرونًا بغيره، وتعليقًا، والباقون، وله في هذا الكتاب (٣٦) حديثًا.
٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقة [٤].
رَوَى عن ابن عمر، وأنس، وسليمان بن يسار، ونافع مولى ابن عمر، وأبي صالح السمان، وغيرهم.
وروى عنه ابنه عبد الرحمن، ومالك، وسليمان بن بلال، وشعبة، وصفوان بن سليم، وعبد العزيز بن الماجشون، وابن عجلان، وموسى بن عقبة، وسهيل بن أبي صالح، والسفيانان، وجماعة.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة مستقيم الحديث. وقال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن سعد، والنسائي: ثقة، زاد ابن سعد: كثير الحديث، وقال العجلي: ثقة. وقال ابن عيينة: لم يكن بذاك ثم صار. وقال الليث عن ربيعة: حدثني عبد الله بن دينار، وكان من صالحي التابعين، صدوقًا ديّنًا. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال الساجي: سئل عنه أحمد، فقال: نافع أكبر منه، وهو ثبت في نفسه، ولكن نافع أقوى منه. وقال الْعُقيليّ: في رواية المشايخ عنه اضطراب. وفي "العلل" للخلال أن أحمد سئل عن عبد الله بن دينار الذي رَوَى عنه موسى بن عُبيدة النهي عن بيع الكالىء بالكالىء، فقال: ما هو الذي رَوَى عنه الثوري، قيل: فمن هو؟ قال: لا أدري. وجزم
стр. 757
الْعُقيليّ بأنه هو، فقال في ترجمته: رَوَى عنه موسى بن عُبيدة، ونظراؤه أحاديث مناكير، الحمل فيها عليهم، ورَوَى عنه الأثبات حديثه عن ابن عمر في النهي عن بيع الولاء وعن هبته، ومما انفرد به حديثُ شعب الإيمان، رواه عنه ابنه، وسهيل، وابن عجلان، وابن الهاد، ولم يروه شعبة، ولا الثوريّ، ولا غيرهما من الأثبات.
وفي "رجال الموطإ" لابن الْحَذَاء: قيل: لا نعلم له رواية عن أحد إلا عن ابن عمر. انتهى.
وهذا قصور شديد ممن قاله، فقد سبق آنفًا أنه روى عن غيره.
قال ابن سعد، وعمرو بن علي: مات سنة سبع وعشرين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا.
٦ - (أبو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات الثقة الثبت [٣] تقدّم في ١/ ١.
٧ - (أَبِو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم في ١/ ١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، والنسائيّ في "مسند عليّ ﵁".
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى سفيان، وبالمدنيين بعده.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبد الله بن دينار عن أبي صالح، وهي من رواية الأقران، فإن وُجدت رواية أبي صالح عن عبد الله صار من المدبّج. قاله في "الفتح" (١).
٥ - (ومنها): أن صحابيّه رأس المكثرين من الرواية، فقد روى (٥٣٧٤) حديثًا.
[تنبيه مهمّ جدّا]: علي بن محمد في شيوخ المصنّف اثنان، وكلاهما يرويان عن
стр. 758
وكيع، وغيره:
[أحدهما]: الطنافسيّ هذا، وقد أكثر عنه المصنّف، فروى عنه في هذا الكتاب (٥٠٧) أحاديث، كما سبق بيان ذلك في ترجمته، ويعبّر المصنّف إذا روى عنه بقوله: حدّثنا عليّ بن محمد، وروى له أيضًا النسائيّ في "مسند عليّ" فقط.
والثاني: علي بن محمد بن أبي الْخَصِيب، وإذا روى عنه المصنّف لا يذكر أباه، بل يقول: حدثنا عليّ بن أبي الْخَصِيب، وقد روى عنه في هذا الكتاب في سبعة مواضع برقم ٣٤٤٦ و ٣٤٨٣ و ٣٤٩٤ و ٣٥١٢ و ٣٥١٥ و ٣٥٣١ و ٣٥٤٣ وفي كلّ هذه المواضع يقول: حدثنا عليّ بن أبي الخصيب، ولم ينسبه إلى أبيه، فتنبّه لهذا الفرق المهمّ، فقد رأيت كثيرًا من طلاب العلم يستشكلونه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْإِيمَانُ") قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: الإيمان في هذا الحديث يُراد به الأعمال، بدليل أنه ذكر فيه أعلى الأعمال، وهو قول: "لا إله إلا الله"، وأدناها: أي أقربها، وهو إماطة الأذى، وهما عملان، فما بينهما من قبيل الأعمال، وقد قدّمنا القول في حقيقة الإيمان شرعًا ولغةً، وأن الأعمال الشرعيّة تسمّى إيمانا مجازًا، وتوسّعًا؛ لأنها عن الإيمان تكون غالبًا. انتهى. "المفهم" ١/ ٢١٦.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "مجازًا" فيه نظر؛ بل الحقّ أنها تسمّى إيمانًا حقيقة، لا مجازًا؛ حيث إن الشرع سمّى الكلّ إيمانًا، فلا مجال لدعوى المجاز، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(بِضْعٌ) بكسر أوله، وحُكِي الفتح لغةً، وهو عدد مبهم، مقيد بما بين الثلاث إلى التسع، كما جزم به القزاز، وقال ابن سِيدَهْ: إلى العشر، وقيل: من واحد إلى تسعة، وقيل: من اثنين إلى عشرة، وقيل: من أربعة إلى تسعة، وعن الخليل: البضع: السبع، ويرجح ما قاله القزاز ما اتفق عليه المفسرون في قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤١]، وما رواه الترمذي بسند صحيح: أن قريشا قالوا ذلك لأبي
стр. 759
بكر، وكذا رواه الطبري مرفوعا، ونقل الصغاني في "العباب": أنه خاص بما دون العشرة، وبما دون العشرين، فإذا جاوز العشرين امتنع، قال: وأجازه أبو زيد، فقال: يقال: بضعة وعشرون رجلا، وبضع وعشرون امرأة، وقال الفراء: وهو خاص بالعشرات إلى التسعين، ولا يقال: بضع ومائة، ولا بضع وألف، ووقع في بعض الروايات بضعة بتاء التأنيث، ويحتاج إلى تأويله.
وقال القرطبيّ: البضع، والبضعة واحدٌ، وهو من العدد بكسر الباء، وقد تُفتح، وهو قليلٌ، فأما من بضع اللحم، فبفتح الباء لا غير، والْبَضْعة من اللحم بالفتح: القطعة منه. واستعملت العرب البضع في المشهور من كلامها فيما بين الثلاث إلى العشر. وقيل: إلى التسع. وقال الخليل: البضع سبع. وقيل: هو ما بين اثنين إلى عشر، وما بين عشر إلى عشرين، ولا يقال في أحد عشر، ولا في اثني عشر. وقال الخليل أيضًا: هو ما بين نصف العقد، يريد من واحد إلى أربع. انتهى.
(وَسِتُّونَ، أَوْ سَبْعُونَ) هكذا في رواية سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار بالشكّ، في رواية "سبعون شعبة" بدون شكّ، ووقع في رواية البخاريّ: "بضع وستّون"، بدون شكّ أيضًا.
قال في "الفتح": لم تختلف الطرق عن أبي عامر، شيخ شيخ البخاريّ في ذلك، وتابعه يحيى الحِمّاني -بكسر المهملة، وتشديد الميم- عن سليمان بن بلال، أخرجه أبو عوانة، من طريق بشر بن عمرو، عن سليمان بن بلال، فقال: "بضع وستون، أو بضع وسبعون"، وكذا وقع التردد في رواية مسلم، من طريق سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، ورواه أصحاب السنن الثلاثة (١)، من طريقه، فقالوا: "بضع وسبعون"، من غير شك، ولأبي عوانة في "صحيحه" من طريق: "ست وسبعون، أو سبع وسبعون"، ورجح البيهقي رواية البخاري، لأن سليمان لم يشك، وفيه نظر؛ لما
стр. 760
ذكرنا من رواية بشر بن عمرو عنه، فتردد أيضا، لكن يرجح بأنه المتيقن، وما عداه مشكوك فيه، وأما رواية الترمذي بلفظ: "أربع وستون"، فمعلولة، وعلى صحتها لا تخالف رواية البخاري، وترجيحُ روايةِ: "بضع وسبعون"؛ لكونها زيادة ثقة؛ كما ذكره الحلِيمِيّ، ثم عياض، لا يستقيم، إذ الذي زادها لم يستمر على الجزم بها، لا سيما مع اتحاد المُخرَج، وبهذا يتبين شفوف نظر البخاري، وقد رجح ابن الصلاح الأقل؛ لكونه المتيقن. انتهى ما ذكره في "الفتح" (١).
(بَابًا) أي نوعًا، وهكذا وقع عند المصنّف، والترمذيّ بلفظ "بابًا"، ووقع في رواية الشيخين وغيرهما بلفظ: "شعبةً"، وهي بمعناه، و"الشعبة" -بضم، فسكون-: القطعة، والمراد الخصلة، أو الجزء. قاله في "الفتح". وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى في "المفهم": والشعبة في أصلها واحدة الشُّعَب، وهي أغصان الشجرة، وهي بضمّ الشين، فأما شَعب القبائل، فواحدها شَعْب بفتحها. وقال الخليل: الشعب: الاجتماع، والافتراق. وفي "الصحاح": هو من الأضداد، فيراد بالشّعبة في الحديث الخصلة، ويعني أن الإيمان ذو خصال معدودة.
قال: ومقصود هذا الحديث أن الأعمال الشرعيّة تُسمّى إيمانًا على ما ذكرناه آنفًا، وأنها منحصرة في ذلك العدد، غير أن الشرع لم يُعيّن ذلك العدد لنا، ولا فصّله، وقد تكلّف بعض المتأخّرين تعديد ذلك، فتصفّح خصال الشريعة، وعدّدها، حتى انتهى بها في زعمه إلى ذلك العدد، ولا يصحّ له ذلك؛ لأنه يمكن الزيادة على ما ذكر، والنقصان مما ذكر ببيان التداخل، والصحيح ما صار إليه أبو سليمان الصخّابيّ وغيره: أنها منحصرة في علم الله تعالى، وعلم رسوله ﷺ ، وموجودة في الشريعة مفصّلة فيها، غير أن الشرع لم يوقفنا على أشخاص تلك الأبواب، ولا عيّن لنا عددها، ولا كيفيّة انقسامها، وذلك لا يضرّنا في علمنا بتفاصيل ما كُلّفنا به من شريعتنا، ولا في عملنا، إذ
стр. 761
كلّ ذلك مفصّلٌ مبيّنٌ في جملة الشريعة، فما أُمرنا بالعمل به عملناه، وما نُهينا عنه انتهينا، وإن لم نُحط بحصر أعداد ذلك. والله تعالى أعلم. انتهى قول القرطبيّ ﵀ (١).
وسيأتي البحث في أقوال أهل العلم في عدد الشعب مستوفًى في المسألة الخامسة -إن شاء الله تعالى-.
(أَدْنَاهَا) أي أقلّ هذه الشعب الستين، أو السبعين رتبة، وفي رواية النسائيّ: "وأوضعها" وهي بمعنى الأولى (إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ) أي إزالة الأذى، و"الإماطة" -بكسر الهمزة-: مصدر أماط الشيء: إذا أزاله، قال في "القاموس": ماطَ يَميط مَيْطا -أي من باب باع-: جارَ، وزَجَرَ، وعنّي ميطًا وميَطانًا: تنحّى، وبَعُدَ، ونَحّى، وأبعد، كأماط فيهما. انتهى. فأد أن ماط يتعدّى ويلزم كأماط.
و"الأذى": بالفتح: مصدر أَذِيَ به، كبقِي بالكسر، وتأذّى، والاسم الأَذِيّةُ، والأَذَاةُ، وهي المكروه اليسير. قاله في "القاموس".
والمعنى هنا: تنحية ما يؤذي المسلمين، كالشوك، والحجر، والشجر، والنجاسة، ونحوها عن طريقهم؛ رفقًا بهم، وعطفًا عليهم.
(وَأَرْفَعُهَا) أي أرفع الشعب المذكورة قدرًا، ودرجةً (قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّه) فيه أن كلمة التوحيد أفضل أنواع الإيمان، كما أن الإيمان أفضل أنواع العمل، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ سئل "أي العمل أفضل؟ "، فقال: "إيمان بالله ورسوله ... " الحديث، متّفق عليه.
(وَالحيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ") "الحياء" -بالمد- هو في اللغة: تغير، وانكسار، يَعتَرِي الإنسانَ من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه، وفي الشرع: خُلُق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، ولهذا جاء في الحديث الآخر: "الحياء خير كله". انتهى "فتح" ١/ ٧٦.
стр. 762
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: الحياء: انقباض، وحشمة يجدها الإنسان من نفسه عند ما يُطّلع منه على ما يُستقبح، ويُذمّ عليه، وأصله غريزيّ في الفطرة، ومنه مكتسبٌ للإنسان، كما قال بعض الحكماء في العقل:
رَأَيْتُ الْعَقْلَ عَقْلَيْنِ ... فَمَطْبُوعٌ وَمَصْنُوعُ
وَلَا يَنْفَعُ مَصْنُوعٌ ... إِذَا لَمْ يَكُ مَطْبُوعُ
كمَا لَا تَنْفَعُ الْعَيْنُ ... وَضَوْءُ الشَّمْس مَمْنُوعُ
وهذا المكتسب هو الذي جعله الشرع من الإيمان، وهو الذي يُكلّف به، وأما الغريزيّ، فلا يُكلّف به، إذ ليس ذلك من كسبنا، ولا في وُسعنا، ولم يُكلّف الله نفسًا إلا وسعها، غير أن هذا الغريزيّ يَحمل على المكتسب، ويُعين عليه، ولذلك قال ﵁: "الحياء لا يأتي إلا بخير"، "والحياء خير كلّه". وأول الحياء، وأولاه: الحياء من الله تعالى، وهو أن لا يراك حيث نهاك، وذلك لا يكون إلا عن معرفة بالله تعالى كاملة، ومراقبة له حاصلة، وهي المعبّر عنها بقوله ﷺ : "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك".
وقد روى الترمذيّ من حديث ابن مسعود ﵁ أنه ﷺ قال: "استحيوا من الله حقَّ الحياء"، فقالوا: إنا نستحيي، والحمد لله، فقال: "ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حقّ الحياء أن تحفظ الرأس، وما حوى، والبطن وما وعى، وتذكر الموت والبِلَى، فمن فعل ذلك، فقد استحى من الله حقّ الحياء" (١).
قال: وأهل المعرفة في هذا الحياء منقسمون، كما أنهم في أحوالهم متفاوتون، وقد كان النبيّ ﷺ جُمع له كمال نوعي الحياء، فكان في الحياء الغريزيّ أشدّ حياء من العذراء في خِدرها، وفي حيائه الكسبيّ في ذِرْوتها. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (٢).
[فإن قيل]: الحياء من الغرائز، فكيف جعل شعبة من الإيمان؟.
[أجيب]: بأنه قد يكون غريزة، وقد يكون تخلقا، ولكن استعماله على وفق
стр. 763
الشرع، يحتاج إلى اكتساب، وعلم، ونية، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثا على فعل الطاعة، وحاجزا عن فعل العصية، ولا يقال: رُبَّ حياء يمنع عن قول الحق، أو فعل الخير؛ لأن ذاك ليس شرعيا.
[فإن قيل]: لِمَ أفرده بالذكر هنا؟.
[أجيب]: بأنه كالداعي إلى باقي الشعب، إذ الْحَيِيُّ يخاف فضيحة الدنيا والآخرة، فيأتمر، وينزجر. ذكره في "الفتح" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا بهذا السند، والسند الذي يليه، و (البخاريّ) من طريق سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، و (مسلم) (١/ ٤٦) و (النسائيّ) (٨/ ١١٠) و (ابن منده) في "الإيمان" (١٤٤) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٧) و (١٩٠).
وأخرجه (مسلم) (١/ ٤٦) بسند المصنّف، و (ابن حبّان) (١٦٦) و (ابن منده) في "الإيمان" (١٤٧) و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧) والآجرّيّ في "الشريعة" (١١٠).
وأخرجه (أحمد) ٢/ ٤٤٥ و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٥٩٨) و (الترمذيّ) (٢٦١٤) و (النسائيّ) ٨/ ١١٠ و (ابن حبّان) (١٩١) من طريق الثوريّ، عن سهيل بسند المصنّف.
стр. 764
وأخرجه (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" ١١/ ٤٠ و (النسائيّ) ٨/ ١١٠ و (ابن منده) (١٤٧) و (١٧١) و (١٧٢) من طريق ابن عجلان، عن عبد الله بن دينار المذكور عند المصنّف في السند التالي.
وأخرجه (الطيالسيّ) (٢٤٠٢) من طريق وُهيب، عن سهيل به.
وأخرجه (أحمد) ٢/ ٣٧٩ و (الترمذيّ) (٢٦١٤) من طريق عمارة بن غَزِيّة، عن أبي صالح.
(الترمذيّ) (٢٦١٤) و (النسائيّ) ٨/ ١١٠ و (أحمد) ٢/ ٤٤٥ و (ابن حبّان) (١٩١). وأخرجه (مسلم) ١/ ٤٦ و (ابن حبّان) (١٦٦) و (ابن منده) في "الإيمان" (١٤٧) و (البغويّ) في "السنة" (١٧) من طريق جرير التالية.
وأخرجه (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٦٦٥) عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفًا، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الإيمان.
٢ - (ومنها): أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وهو الحقّ الذي عليه أهل السنة والجماعة، وخالف فيه بعضهم، ولا اعتداد به، كما بينت ذلك مفصَّلا في شرح "صحيح مسلم".
٣ - (ومنها): بيان عظم شأن الحياء، وأنه من أفضل الشعب إذ يدعو إلى بقية الشعب، فمن كان حييّا فإن حياءه يدعوه إلى أن يعمل بمقتضى إيمانه، ويتجنب ما يناقضه.
٤ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: في قوله: "أعلاها قول إلى إلا الله": ما يَستدلّ به من يقول: إن هذه الكلمة أفضل الكلام مطلقًا، وإنها أفضل من كلمة الحمد، وفي ذلك اختلاف، ذكره ابن عبد البرّ، وغيره. انتهى.
٥ - (ومنها): أن في قوله: "أعلاها لا إله الا الله، وأدناها إماطة الأذي عن
стр. 765
الطريق": إشارةً إلى أن مراتبها متفاوتة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف الحفّاظ في إسناد هذا الحديث:
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بعد أن أورد رواية البخاريّ بلفظ: "الإيمان بضع وستون شعبة": ما نصه: وخرّجه مسلم من هذا الوجه، ولفظه: "بضع وسبعون". وخرّجه مسلم أيضًا من رواية جرير، عن سُهيل، عن عبد الله بن دينار به، وقال في حديثه: "بضع وسبعون، أو بضع وستون" بالشكّ، وهذا الشكّ من سُهيل، كذا جاء مصرّحًا به في "صحيح ابن حبّان"، وغيره. وخرّجه مسلم أيضًا من حديث ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار به، وقال في حديثه: "الإيمان سبعون، أو اثنان وسبعون بابًا" (١). ورواه ابن عجلان، عن عبد الله بن دينار، وقال: "ستون، أو سبعون". ورُوي عنه أنه قال في حديثه: "ستون، أو سبعون، أو بضع وأحد من العددين"، أخرجه ابن أبي شيبة في "الإيمان" ٦٧ ومن طريقه ابن ماجه ٥٧. ورُوي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه بهذا اللفظ أيضًا. أخرجه ابن منده في "الإيمان" ١/ ٢٩٦. وروي عنه بلفظ آخر، وهو: "الإيمان تسعة، أو سبعة وسبعون شعبة". وخرجه الترمذيّ من رواية عُمارة بن غَزِيّة، وقال فيه: "الإيمان أربعة وسبعون بابًا". وقد رُوي عن عمارة بن غزيّة، عن سُهيل، عن أبيه، وسهيل لم يسمعه من أبيه، إنما رواه عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح. فمدار الحديث على عبد الله بن دينار، لا يصحّ عن غيره.
وقد ذكر العيقليّ أن أصحاب عبد الله بن دينار على ثلاث طبقات: أثبات، كمالك، وشعبة، وسفيان بن عيينة. ومشايخ: كسهيل، ويزيد بن الهاد، وابن عجلان.
стр. 766
قال: وفي رواياتهم عن عبد الله بن دينار اضطراب، وقال: إن هذا الحديث لم يُتابع هؤلاء المشايخ عليه أحد من الأثبات عن عبد الله بن دينار، ولا تابع عبد الله بن دينار، عن أبي صالح عليه أحد. والطبقة الثالثة: الضعفاء، فيروون عن عبد الله بن دينار المناكير، إلا أن الحمل فيها عليهم.
قال ابن رجب: قد رواه عن عبد الله بن دينار سليمان بن بلال، وهو ثقة ثبتٌ، قد خُرّج حديثه في "الصحيحين"، انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في الاختلاف الواقع في لفظ الحديث، واختلاف أهل العلم في تعداد شُعب الإيمان:
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وأما الاختلاف في لفظ الحديث فالأظهر أنه من الرواة، كما جاء التصريح في بعضه بأنه شكّ من سُهيل بن أبي صالح، وزعم بعض الناس أن النبيّ ﷺ كان يذكر هذا العدد بحسب ما ينزل من خصال الإيمان، فكلما نزلت خصلة منها ضمّها إلى ما تقدّم، وزادها عليها. وفي ذلك نظر. وقد ورد في بعض روايات "صحيح مسلم" عدد بعض هذه الخصال، ولفظه: "أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (٢).
فأشار إلى أن خصال الإيمان منها ما هو قولٌ باللسان، ومنها ما هو عملٌ بالجوارح، ومنها ما هو قائم بالقلب، ولم يزد في شيء من هذه الروايات على هذه الخصال.
стр. 767
وقد انتدب لعدّها طائفة من العلماء، كالْحَلِيميّ (١)، والبيهقيّ، وابن شاهين، وغيرهم، فذكروا كلّ ما ورد تسميته إيمانًا في الكتاب والسنّة من الأقوال والأعمال، وبلغ بها بعضهم سبعا وسبعين، وبعضهم تسعًا وسبعين.
وفي القطع على أن ذلك هو مراد الرسول ﷺ من هذه الخصال عسر، كذا قاله ابن الصلاح، وهو كما قال. انتهى كلام ابن رجب (٢)، وقد أشبعت الكلام في نقل ما ذكره العلماء فيما يتعلّق في عدد شعب الإيمان في "شرح مسلم"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:
[فإن قيل]: فأهل الحديث والسنة عندهم أن كلّ طاعة، فهي داخلة في الإيمان، سواء كانت من أعمال الجوارح، أو القلوب، أو من الأقوال، وسواء في ذلك الفرائض، والنوافل، هذا قول الجمهور الأعظم منهم، وحينئذ، فهذا لا ينحصر في بضع وسبعين، بل يزيد على ذلك زيادة كثيرةً، بل هي غير منحصرة.
[قيل]: يمكن أن يجاب عن هذا بأجوبة:
[أحدها]: أن يقال: إن عدد خصال الإيمان عند قول النبيّ ﷺ كان منحصرًا في هذا العدد، ثم حدثت الزيادة فيه بعد ذلك، حتى كملت خصال الإيمان في آخر حياة النبيّ ﷺ . وفي هذا نظر.
[والثاني]: أن تكون خصال الإيمان كلّها تنحصر في بضع وسبعين نوعًا، وإن كانت أفراد كل نوع تتعدّد تعدّدًا كثيرًا، وربّما كان بعضها لا ينحصر. وهذا أشبه، وإن كان الوقوف على ذلك يعسر، أو يتعذّر.
[والثالث]: أن ذكر السبعين على وجه التكثير للعدد، لا على وجه الحصر، كما في
стр. 768
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، والمراد تكثير التعداد من غير حَصْرٍ لَهُ في هذا العدد، ويكون ذكره للبضع يُشعر بذلك، كأنه يقول: هو يزيد على السبعين المقتضية لتكثير العدد، وتضعيفه. وهذا ذكره بعض أهل الحديث من المتقدّمين، وفيه نظر.
[والرابع]: أن هذه البضع وسبعين هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها، وهو الذي تدعو إليه الحاجة منها. قاله ابن حامد من الحنابلة. انتهى كلام ابن رجب (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول الثاني أظهر الأقوال، وأقربها إلى الفهم، كما سبق ميل ابن رجب إليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٥٧ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ح وحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ جَمِيعًا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) هو سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطىء [٨] تقدّم في ١/ ١١.
٣ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو: محمد بن عجلان، مولى فاطمة بنت الوليد، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ﵁[٥] تقدّم في ٢/ ١٩.
٤ - (عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ) بن الفُرات بن رافع البجليُّ، أبو حُجْر -بضمّ المهملة،
стр. 769
وسكون الجيم- الحافظ الْقَزْوينيّ الْبجليّ، ثقة ثبتٌ [١٠].
رَوَى عن جرير بن عبد الحميد، والفضل بن موسى، وابن عيينة، وابن المبارك، ومروان بن معاوية، وهشيم، وعُمَرَ بن هارون الْبَلْخيّ، وابن عليّة، ويحيى بن زكريّا ابن أبي زائدة، وسليمان بن عامر الكِنْديّ، وأبي يحيى الزَّمقيّ، ونُعيم بن ميسرة، ومحمد ابن عُبيد، وعليّ بن عاصم الواسطيّ، وعِدَّة. ورَوَى عنه ابن ماجه، وأبو زرعة، وابن الضُّرَيس، ومحمد بن عبد الله بن رُسْتة، وأبو العباس أحمد بن جعفر بن نصر الْحَمّال، وعلي بن سعيد بن بَشِير الرازي، وأبو السريّ منصور بن محمد بن عبد الله الأسديّ الملقّب أسد السنّة، ويعقوب بن يوسف القزوينيّ، ومحمد بن إبراهيم بن زياد الطيالسيّ، ومحمد بن مسعود بن الحارث الأسديّ القزوينيّ وآخرون.
قال أبو حاتم: سمعت إبراهيم بن موسى يقول: ما بقي أحدٌ ممن كان يطلُب معنا العلم غير عَمرو بن رافع. قال أبو حاتم: قَلَّ من كتبنا عنه أصدق لهجةً، وأصحّ حديثًا منه، حدثنا عليّ الطَّنَافسيّ عنه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث جدّا. قال الخليليّ: تُوفي سنة سبع وثلاثين ومائتين. تفرّد به المصنّف، وروى عنه في هذا الكتاب (٣٩) حديثًا.
[تنبيه]: عمرو بن رافع هذا ثقة بلا خلاف، وهو من أفراد المصنّف، وهذا يفَنِّد قول من زعم أن كلّ من انفرد به ابن ماجه من الرجال ضعيف، وكذا قول من قال: كل ما انفرد به ابن ماجه عن الكتب الخمسة من الأحاديث ضعيف أيضًا، فقد تفرّد بأحاديث صحيحة، وحسان، سننبّه عليها في مواضعها، إن شاء الله تعالى، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٥ - (جرير) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة صحيح الكتاب [٨] تقدّم في ١/ ٢.
والباقون تقدّموا في السند السابق، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به في الحديث الماضي.
стр. 770
[تنبيه]: وقع في هذا الإسناد كتابة (ح) وهو إشارة إلى الانتقال إلى سند آخر، وهي مأخوذة من "صحّ"، وقيل: من "التحويل"، وقيل: من "الحائل"، وقيل: من "الحديث"، ويَنطِق بها القارىء كما كُتبت، ويستمرّ في قراءة ما بعدها، وإلى هذا أشار الحافظ السيوطيّ ﵀ في "ألفيّة الحديث" بقوله:
وَكَتبُوا (ح) عِنْدَ تَكرِيرِ سَنَدْ ... فَقِيلَ مِنْ "صَحَّ" وَقِيلَ ذَا انْفَرَدْ
مِنَ الْحَدِيثِ أَوْ لِتَحْوِيلٍ وَرَدْ ... أَوْ "حَائِلٍ" وَقَوْلهُا لَفْظًا أَسَدْ
وقد تقدّم البحث بأتمّ مما هنا في ٢/ ٢٢ فراجعه تزدد علمًا، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قوله: "نحوه" أي نحو حديث سفيان عن سهيل، يعني أن رواية ابن عجلان، وجرير بن عبد الحميد عن سهيل بمعنى رواية سفيان الثوريّ، عن سهيل، فيه أن لفظ روايتهما ليس كلفظه، وقد تقدّم بيان الفرق بين قوله: "نحوه"، وقوله: "مثله" مستوفًى فيما سبق، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٥٨ - (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ يَزِيدَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالم، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعِظُ أَخَاهُ في الْحَيَاءِ، فَقَالَ: "إِنَّ الْحَيَاءَ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ) واسمه زَنْجَلة ابن أبي الصّغْديّ، وابن أبي السُّفْديّ، أبو عمرو الرازيّ الخيّاط الأشتر الحافظ، صدوق [١٠].
رَوَى عن حفص بن غياث، وأبي أسامة، وابن عيينة، وابن نمير، والدَّرَاورديّ، والوليد بن مسلم، ووكيع، ويحيى بن سعيد القطان، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن ماجه، وأبو حاتم، وموسى بن هارون، ومحمد بن عبد الله الحضرمي، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، وعلي بن سعيد بن بشير الرازي، وأبو يعلى
стр. 771
أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وكناه أبا عثمان. وقال مسلمة: رازيّ ثقة. وسئل أبو إسحاق الحربي عن حديث رواه سهل بن زنجلة، عن مكي بن إبراهيم، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنّ النبي ﷺ صَلّى على النجاشي، فأنكره، قال الخطيب: وقد قال مكي: حدثتهم بالبصرة عن مالك، عن نافع -يعني بهذا الحديث- وهو خطأ، إنما حدثنا مالك، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة. انتهى.
قال أبو بكر الخطيب: قدم بغداد سنة (٢٣١). تفرّد به المصنّف روى عنه في هذا الكتاب (٤٣) حديثًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت مما سبق آنفًا أن سهلًا ثقة، وهو أيضًا من أفراد المصنّف، وبه أيضًا يردّ على الزعم الذي ذكرناه، من أن من تفرّد بهم ابن ماجه كلهم ضعاف.
ولا ينافي هذا إنكار أبي إسحاق الحربيّ لحديثه المتقدّم؛ لأن الخطأ ليس منه، وإنما هو من شيخه مكيّ بن إبراهيم، كما بينه كلامه المتقدّم، فسهل حدّث به كما سمعه من شيخه مكيّ، فلا يُلحق به اللوم. فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ) القرشي العدوي مولى آل عمر، أبو يحيى بن أبي عبد الرحمن المقريء المكيّ، ثقة [١٠].
رَوَى عن أبيه، وابن عيينة، ومروان بن معاوية، وأيوب بن النجار اليمامي، وسعيد بن سالم القَدّاح، وعبد الله بن رَجاء المكي، وعبد الله بن الوليد العدني، وعثمان ابن عبد الرحمن الطرائفي، وغيرهم.
ورَوَى عنه النسائيّ، وابن ماجه، وابن ابنه عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد، وأبو حاتم الرازي، وإبراهيم بن أبي طالب، وحرمي بن أبي العلاء المكي، نزيل بغداد، وإسحاق بن إبراهيم البستي، وأبو عروبة، وعبد الله بن زيدان، ومحمد بن علي الحكيم الترمذي، والمفضل بن محمد الْجَنَديّ، ويحيى بن محمد بن صاعد، وأبو قريش محمد بن
стр. 772
جُمْعَة الحافظ، ومحمد بن عبد الله بن عبد السلام مكحول البيروتيّ، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وإبراهيم بن عبد الصمد الهاشميّ، وأحمد بن عمير بن جَوْصاء، وأحمد بن سليمان بن داود الطوسيّ، وآخرون.
قال ابن أبي حاتم: سمعت منه مع أبي سنة (٢٥٥)، وهو صدوق ثقة، سئل عنه أبي، فقال: صدوق. وقال النسائيّ: ثقة. وقال الخليليّ: ثقة متفق عليه. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال مسلمة بن قاسم: ثقة حَجّ سبعين حجة. قال أبو بشر الدولابيّ وغيره: مات سنة ست وخمسين ومائتين. تفرّد به النسائيّ، والمصنّف، روى عنه في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا ٥٨ و ٢٤٧٣ حديث: "ثلاث لا يُمنعنَ الماء والكلأ ... " الحديث، و٤٢٠٩ حديث: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل ... " الحديث.
٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، أبو محمد المكي الإمام الحجة الثبت [٨] تقدّم في ٢/ ١٣.
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الحافظ [٤] تقدّم في ٢/ ١٥.
٥ - (سَالِمٌ) بن عبد الله العدويّ المدنيّ الثقة الثبت الفقيه [٣] تقدّم في ٢/ ١٦.
٦ - (أبوه) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵄، تقدّم في ١/ ٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخيه، فالأول من أفراده، والثاني تفرّد به هو والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وسهل رازيّ، والباقيان مكيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن فيه سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وقد سبق ذكرهم.
стр. 773
٦ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ﵄ أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد المشهورين بالفتوى من الصحابة ﵃. وقد تقدّم هذا كلّه، وإنما أعدته تذكيرًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عِن سَالمٍ) بن عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر ﵄، أنه (قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا) وفي رواية الشيخين: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، مَرَّ عَلَى رَجُلٍ"، ولمسلم من طريق معمر عن الزهريّ: "مر برجل"، و"مر" بمعنى: اجتاز يُعَدى بـ "على"، وبالباء، قال الحافظ: ولم أعرف اسم هذين الرجلين: الواعظ، وأخيه (يَعِظُ أَخَاهُ) من الوعظ: وهو النصح، والتذكير بالعواقب، وقال ابن فارس: هو التخويف، والإنذار. وقال الخليل بن أحمد: هو التذكير بالخير فيما يُرقّ القلب. قاله في "عمدة القاري" ١/ ٢٠٠ - ٢٠١.
وقال في "الفتح": أي يَنصَح، أو يُخَوِّف، أو يُذَكِّر، كذا شرحوه، والأولى أن يُشرح بما جاء عند البخاريّ في "الأدب" من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، عن ابن شهاب، ولفظه: "يُعاتِب أخاه في الحياء، يقول: إنك لتستحي، حتى كأنه يقول -قد أضَرّ بك". انتهى.
ويحتمل أن يكون جمع له العِتاب، والوعظ، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، لكن الْمُخْرَج مُتَّحِد، فالظاهر أنه من تصرف الراوي، بحسب ما اعتقد أن كل لفظ منهما يقوم مقام الآخر. قاله في "الفتح" ١/ ١٠٥.
وجملة "يعظ أخاه" في محلّ جرّ صفة لـ "رجل". وقوله: (في الْحَيَاءِ) متعلّق بـ "يعِظ"، و"في" سببية، فكأن الرجل كان كثير الحياء، فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه، فعاتبه أخوه على ذلك.
(فَقَالَ) له النبيّ ﷺ "فَإِنَّ الْحَيَاءَ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ" أي جزء من أجزاء الإيمان، ولفظ الشيخين: "دَعْهُ، فإن الحياء من الإيمان": أي اتركه على هذا الخلق السَّنِيّ، ثم
стр. 774
علّل أمره بالترك بما ذكره بالفاء التعليليّة، فقال: "فإن الحياء إلخ". أي وإذا كان الحياء، يمنع صاحبه من استيفاء حق نفسه، جر له ذلك تحصيلَ أجر ذلك الحقّ، لا سيما إذا كان المتروك له مستحقا.
وقال ابن قتيبة: معناه إن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي، كما يمنع الإيمان، فسُمّي إيمانا، كما يُسَمَّى الشيءُ باسم ما قام مقامه.
وحاصله أن إطلاق كونه من الإيمان مجاز (١)، والظاهر أن الناهي ما كان يعرف أن الحياء من مكملات الإيمان، فلهذا وقع التأكيد، وقد يكون التأكيد من جهة أن القضية في نفسها مما يهتم به، وإن لم يكن هناك منكر.
قال الراغب: الحياء انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان؛ ليرتدع عن ارتكاب كل ما يَشتهي، فلا يكون كالبهيمة، وهو مركب من جُبن وعفة، فلذلك لا يكون المستحي فاسقا، وقَلَّما يكون الشجاع مُسْتَحِيًا، وقد يكون لمطلق الانقباض، كما في بعض الصبيان. انتهى ملخصا.
وقال غيره: هو انقباض النفس، خشية ارتكاب ما يُكرَه، أعم من أن يكون شرعيا، أو عقليا، أو عرفيا، ومقابل الأول فاسق، والثاني مجنون، والثالث أَبْلَهُ، قالط: وقوله ﷺ : "الحياء شعبة من الإيمان": أي أثر من آثار الإيمان.
وقال الحليمي: حقيقة الحياء: خوف الذم بنسبة الشر إليه. وقال غيره: إن كان في مُحَرَّم فهو واجب، وإن كان في مكروه، فهو مندوب، وإن كان في مباح، فهو العرفي، وهو المراد بقوله: "الحياء لا يأتي إلا بخير"، ويجمع كل ذلك أن المباح إنما هو ما يقع على وفق الشرع، إثباتا ونفيا. وحُكِي عن بعض السلف: رأيت المعاصي مَذَلَّةً، فتركتها مروءة، فصارت ديانةً. وقد يتولد الحياء من الله تعالى من التقلب في نعمه، فيستحي
стр. 775
العاقل أن يستعين بها على معصيته.
وقد قال بعض السلف: خَفِ اللَّهَ على قَدْرِ قُدْرَته عليك، واستحي منه على قَدْر قُرْبه منك. قاله في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا بهذا الإسناد فقط، و (البخاريّ) (١/ ١٢ و ٨/ ٣٥) و (مسلم) في "الإيمان" (١/ ٤٦) و (مالك) في "الموطإ" (٥٦٥) و (أحمد) ٢/ ٩ و ٢/ ٥٦ و ٢/ ١٤٧ و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٦٠٢) و (أبو داود) (٤٧٩٥) و (الترمذيّ) (٢٦١٥) و (النسائيّ) ٨/ ١٢١ و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٢٠١٤٦) و (ابن منده) في "الإيمان" (١٧٤) و (عبد بن حميد) في "مسنده" (٧٢٥) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان كون الحياء شعبة من شعب الإيمان.
٢ - (ومنها): أن فيه بيان عظم شأن الحياء، وأنه من أعلى الصفات الحميدة التي يتحلّى بها المؤمن، وقد ورد في مدحه أحاديث كثيرة، منها هذا الحديث، وحديث أبي هريرة ﵁ الماضي: "والحياء شعبة من الإيمان"، وحديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "الحياء لا يأتي إلا بخير"، وفي رواية عنه: "الحياء