← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وكناه أبا عثمان. وقال مسلمة: رازيّ ثقة. وسئل أبو إسحاق الحربي عن حديث رواه سهل بن زنجلة، عن مكي بن إبراهيم، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنّ النبي ﷺ صَلّى على النجاشي، فأنكره، قال الخطيب: وقد قال مكي: حدثتهم بالبصرة عن مالك، عن نافع -يعني بهذا الحديث- وهو خطأ، إنما حدثنا مالك، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة. انتهى. قال أبو بكر الخطيب: قدم بغداد سنة (٢٣١). تفرّد به المصنّف روى عنه في هذا الكتاب (٤٣) حديثًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت مما سبق آنفًا أن سهلًا ثقة، وهو أيضًا من أفراد المصنّف، وبه أيضًا يردّ على الزعم الذي ذكرناه، من أن من تفرّد بهم ابن ماجه كلهم ضعاف. ولا ينافي هذا إنكار أبي إسحاق الحربيّ لحديثه المتقدّم؛ لأن الخطأ ليس منه، وإنما هو من شيخه مكيّ بن إبراهيم، كما بينه كلامه المتقدّم، فسهل حدّث به كما سمعه من شيخه مكيّ، فلا يُلحق به اللوم. فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ) القرشي العدوي مولى آل عمر، أبو يحيى بن أبي عبد الرحمن المقريء المكيّ، ثقة [١٠]. رَوَى عن أبيه، وابن عيينة، ومروان بن معاوية، وأيوب بن النجار اليمامي، وسعيد بن سالم القَدّاح، وعبد الله بن رَجاء المكي، وعبد الله بن الوليد العدني، وعثمان ابن عبد الرحمن الطرائفي، وغيرهم. ورَوَى عنه النسائيّ، وابن ماجه، وابن ابنه عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد، وأبو حاتم الرازي، وإبراهيم بن أبي طالب، وحرمي بن أبي العلاء المكي، نزيل بغداد، وإسحاق بن إبراهيم البستي، وأبو عروبة، وعبد الله بن زيدان، ومحمد بن علي الحكيم الترمذي، والمفضل بن محمد الْجَنَديّ، ويحيى بن محمد بن صاعد، وأبو قريش محمد بن

стр. 772

جُمْعَة الحافظ، ومحمد بن عبد الله بن عبد السلام مكحول البيروتيّ، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وإبراهيم بن عبد الصمد الهاشميّ، وأحمد بن عمير بن جَوْصاء، وأحمد بن سليمان بن داود الطوسيّ، وآخرون. قال ابن أبي حاتم: سمعت منه مع أبي سنة (٢٥٥)، وهو صدوق ثقة، سئل عنه أبي، فقال: صدوق. وقال النسائيّ: ثقة. وقال الخليليّ: ثقة متفق عليه. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مسلمة بن قاسم: ثقة حَجّ سبعين حجة. قال أبو بشر الدولابيّ وغيره: مات سنة ست وخمسين ومائتين. تفرّد به النسائيّ، والمصنّف، روى عنه في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا ٥٨ و ٢٤٧٣ حديث: "ثلاث لا يُمنعنَ الماء والكلأ ... " الحديث، و٤٢٠٩ حديث: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل ... " الحديث. ٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، أبو محمد المكي الإمام الحجة الثبت [٨] تقدّم في ٢/ ١٣. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الحافظ [٤] تقدّم في ٢/ ١٥. ٥ - (سَالِمٌ) بن عبد الله العدويّ المدنيّ الثقة الثبت الفقيه [٣] تقدّم في ٢/ ١٦. ٦ - (أبوه) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵄، تقدّم في ١/ ٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخيه، فالأول من أفراده، والثاني تفرّد به هو والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وسهل رازيّ، والباقيان مكيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن فيه سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وقد سبق ذكرهم.

стр. 773

٦ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ﵄ أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد المشهورين بالفتوى من الصحابة ﵃. وقد تقدّم هذا كلّه، وإنما أعدته تذكيرًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عِن سَالمٍ) بن عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر ﵄، أنه (قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا) وفي رواية الشيخين: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، مَرَّ عَلَى رَجُلٍ"، ولمسلم من طريق معمر عن الزهريّ: "مر برجل"، و"مر" بمعنى: اجتاز يُعَدى بـ "على"، وبالباء، قال الحافظ: ولم أعرف اسم هذين الرجلين: الواعظ، وأخيه (يَعِظُ أَخَاهُ) من الوعظ: وهو النصح، والتذكير بالعواقب، وقال ابن فارس: هو التخويف، والإنذار. وقال الخليل بن أحمد: هو التذكير بالخير فيما يُرقّ القلب. قاله في "عمدة القاري" ١/ ٢٠٠ - ٢٠١. وقال في "الفتح": أي يَنصَح، أو يُخَوِّف، أو يُذَكِّر، كذا شرحوه، والأولى أن يُشرح بما جاء عند البخاريّ في "الأدب" من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، عن ابن شهاب، ولفظه: "يُعاتِب أخاه في الحياء، يقول: إنك لتستحي، حتى كأنه يقول -قد أضَرّ بك". انتهى. ويحتمل أن يكون جمع له العِتاب، والوعظ، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، لكن الْمُخْرَج مُتَّحِد، فالظاهر أنه من تصرف الراوي، بحسب ما اعتقد أن كل لفظ منهما يقوم مقام الآخر. قاله في "الفتح" ١/ ١٠٥. وجملة "يعظ أخاه" في محلّ جرّ صفة لـ "رجل". وقوله: (في الْحَيَاءِ) متعلّق بـ "يعِظ"، و"في" سببية، فكأن الرجل كان كثير الحياء، فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه، فعاتبه أخوه على ذلك. (فَقَالَ) له النبيّ ﷺ "فَإِنَّ الْحَيَاءَ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ" أي جزء من أجزاء الإيمان، ولفظ الشيخين: "دَعْهُ، فإن الحياء من الإيمان": أي اتركه على هذا الخلق السَّنِيّ، ثم

стр. 774

علّل أمره بالترك بما ذكره بالفاء التعليليّة، فقال: "فإن الحياء إلخ". أي وإذا كان الحياء، يمنع صاحبه من استيفاء حق نفسه، جر له ذلك تحصيلَ أجر ذلك الحقّ، لا سيما إذا كان المتروك له مستحقا. وقال ابن قتيبة: معناه إن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي، كما يمنع الإيمان، فسُمّي إيمانا، كما يُسَمَّى الشيءُ باسم ما قام مقامه. وحاصله أن إطلاق كونه من الإيمان مجاز (١)، والظاهر أن الناهي ما كان يعرف أن الحياء من مكملات الإيمان، فلهذا وقع التأكيد، وقد يكون التأكيد من جهة أن القضية في نفسها مما يهتم به، وإن لم يكن هناك منكر. قال الراغب: الحياء انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان؛ ليرتدع عن ارتكاب كل ما يَشتهي، فلا يكون كالبهيمة، وهو مركب من جُبن وعفة، فلذلك لا يكون المستحي فاسقا، وقَلَّما يكون الشجاع مُسْتَحِيًا، وقد يكون لمطلق الانقباض، كما في بعض الصبيان. انتهى ملخصا. وقال غيره: هو انقباض النفس، خشية ارتكاب ما يُكرَه، أعم من أن يكون شرعيا، أو عقليا، أو عرفيا، ومقابل الأول فاسق، والثاني مجنون، والثالث أَبْلَهُ، قالط: وقوله ﷺ : "الحياء شعبة من الإيمان": أي أثر من آثار الإيمان. وقال الحليمي: حقيقة الحياء: خوف الذم بنسبة الشر إليه. وقال غيره: إن كان في مُحَرَّم فهو واجب، وإن كان في مكروه، فهو مندوب، وإن كان في مباح، فهو العرفي، وهو المراد بقوله: "الحياء لا يأتي إلا بخير"، ويجمع كل ذلك أن المباح إنما هو ما يقع على وفق الشرع، إثباتا ونفيا. وحُكِي عن بعض السلف: رأيت المعاصي مَذَلَّةً، فتركتها مروءة، فصارت ديانةً. وقد يتولد الحياء من الله تعالى من التقلب في نعمه، فيستحي

стр. 775

العاقل أن يستعين بها على معصيته. وقد قال بعض السلف: خَفِ اللَّهَ على قَدْرِ قُدْرَته عليك، واستحي منه على قَدْر قُرْبه منك. قاله في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا بهذا الإسناد فقط، و (البخاريّ) (١/ ١٢ و ٨/ ٣٥) و (مسلم) في "الإيمان" (١/ ٤٦) و (مالك) في "الموطإ" (٥٦٥) و (أحمد) ٢/ ٩ و ٢/ ٥٦ و ٢/ ١٤٧ و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٦٠٢) و (أبو داود) (٤٧٩٥) و (الترمذيّ) (٢٦١٥) و (النسائيّ) ٨/ ١٢١ و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٢٠١٤٦) و (ابن منده) في "الإيمان" (١٧٤) و (عبد بن حميد) في "مسنده" (٧٢٥) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦١٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان كون الحياء شعبة من شعب الإيمان. ٢ - (ومنها): أن فيه بيان عظم شأن الحياء، وأنه من أعلى الصفات الحميدة التي يتحلّى بها المؤمن، وقد ورد في مدحه أحاديث كثيرة، منها هذا الحديث، وحديث أبي هريرة ﵁ الماضي: "والحياء شعبة من الإيمان"، وحديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "الحياء لا يأتي إلا بخير"، وفي رواية عنه: "الحياء

стр. 776

خير كلّه"، رواه مسلم. ٣ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: والحياء نوعان: [أحدهما]: غريزيّ، وهو خُلُقٌ يمنحه الله تعالى العبد، ويَجبُلُهُ عليه، فيكُفّه عن ارتكاب القبائح، والرذائل، ويحثّه على فعل الجميل، وهو من أعلى مواهب الله تعالى للعبد، فهذا من الإيمان باعتبار أنه يؤثّر ما يؤثّره الإيمان من فعل الجميل، والكفّ عن القبيح، وربما ارتقى صاحبه بعده إلى درجة الإيمان، فهو وسيلة إليه، كما قال عمر ﵁: من استحيى اختفَى، ومن اختفى اتّقَى، ومن اتّقى وُقي. وقال بعض التابعين: تركت الذنوب حياءً أربعين سنةً، ثم أدركني الورع. وقال ابن سَمْعُون: رأيت المعاصي نَذَالةً، فتركتها مروءة، فاستحالت ديانةً. [والنوع الثاني]: أن يكون مُكتسبًا، إما من مقام الإيمان، كحياء العبد من مقامه بين يدي الله تعالى يوم القيامة، فيوجب له ذلك الاستعداد للقائه، أو من مقام الإحسان، كحياء العبد من اطّلاع الله تعالى عليه، وقربه منه، فهذا من أعلى خصال الإيمان. وفي حديث مرسل: "استحي من الله، كما تستحي من رجلين من صالحي عشيرتك، لا يفارقانك"، ورُوي موصولًا (١). وسُئل النبيّ ﷺ عن كشف العورة خاليًا؟ فقال: "الله أحقّ أن يُستحيى منه من الناس" (٢). وفي حديث ابن مسعود ﵁ المرفوع: "الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس، وما وعَى، والبطن، وما حوى، وأن تذكر الموت، والبِلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا،

стр. 777

فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حقّ الحياء". رواه الترمذيّ، وغيره (١). وأخرج البخاريّ في "التفسير" عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ الآية [هود: ٥] إنها نزلت في قوم كانوا يُجامعون نساءهم، ويتخلّون، فيستحيون من الله، فنزلت الآية. وكان الصّدّيق ﵁ يقول: استحيوا من الله، فإني أذهب إلى الغائط، فأظلّ متقنّعًا بثوبي حياء من ربّي . وكان موسى ﵇ إذا اغتسل في بيت مظلم لا يُقيم صلبه حياء من الله . قال بعض السلف: خَفِ الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قُربه منك. وقد يتولّد الحياء من الله من مطالعة النعم، فيستحيي العبد من الله أن يستعين بنعمته على معاصيه، فهذا كله من أعلى خصال الإيمان. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى في "شرح البخاري" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٥٩ - "حَدَّثَنَا سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَينُ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ. (ح) وحَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ". رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الحدثانيّ، صدوقٌ، عمي، فصار يتلقّن، من قدماء

стр. 778

[١٠] ٤/ ٣٠. ٢ - (عِليُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ) أبو الحسن العطّار، ثقة [١٠]. رَوَى عن ابن عيينة، وحفص بن غياث، وخالد بن حيان الرَّقّيّ، وعبد المجيد بن أبي رَوّاد، وأبي معاوية الضرير، ومخلد بن يزيد الرقي، ومعن بن عيسى القزاز، وعثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، وغيرهم. وروى عنه النسائي، وابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن عبد الملك الدقيقي، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وابن أبي عاصم، وعبدان الأهوازي، والمعمري، والحسن بن أحمد بن إبراهيم بن فِيل، وأبو عروبة الحرانيّ، وآخرون. قال أبو حاتم: ثقة. وقال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٤٥) وقال أبو علي الحراني: مات سنة ست وأربعين ومائتين، وقال غيره: مات سنة (٤٧). تفرّد به النسائيّ، والمصنّف، روى عنه في هذا الكتاب (١٧) حديثًا. ٣ - (عَليُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصِل، ثقة له غرائب بعد ما أضرّ [٨] ٤/ ٣٤. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأمويّ، ويقال: مسلمة بن أُمية بن هشام، كان ينزل الجزيرة، ضعيف [٨]. رَوَى عن إسماعيل بن أمية، وجفر الصادق، ومحمد بن عجلان، وهشام بن عروة، والأعمش، وغيرهم. ورَوى عنه الشافعي، ومحمد الجرجرائي، وعمر بن إسماعيل بن مجالد، وعلي بن ميمون العطار، وغيرهم. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس بشيء. وقال الدُّوري عن ابن معين: كان عنده كتاب عن منصور، فقيل له: سمعت هذا من منصور، فقال حتى يجيء ابني فأسأل. وقال البخاريّ: منكر الحديث، فيه نظر. وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن

стр. 779

عديّ: أرجو أنه ممن لا يُترَك حديثه. وقال الدارقطني: ضعيف يُعتَبر به. وقال ابن حبان في "الثقات": يُخطىء، وذكره في "الضعفاء"، فقال: فاحش الخطإ، منكر الحديث جدًّا. وقال الساجي: صدوق، منكر الحديث. تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا ٥٩، وأعاده في "كتاب الزهد" برقم ٤١٧٣، و ٩٩ حديث: "هكذا نُبعث"، و ٣٤٥٣ حديث: "الكمأة من المنّ ... " الحديث، و ٣٧١٢ حديث: "إذا أتاكم كريم قوم، فأكرموه"، و ٤١٧٣ حديث:". ٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكوفيّ الإمام الحجة الحافظ [٥] تقدّم في ١/ ١. ٦ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذُهْل النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقة يرسل كثيرًا [٥]. رَوَى عن خاليه: الأسود، وعبد الرحمن ابني يزيد، ومسروق، وعلقمة، وأبي معمر، وهمام ابن الحارث، وشريح القاضي، وسهم بن منجاب، وجماعة. ورَوَى عنه الأعمش، ومنصور، وابن عون، وزبيد اليامي، وحماد بن سليمان، ومغيرة بن مقسم الضبي، وخلق. قال العجليّ: رأى عائشة رؤيا، وكان مفتي أهل الكوفة، وكان رجلًا صالحًا فقيهًا متوقيًّا قليل التكلف، ومات وهو مختف من الحجاج. وقال الأعمش: كان إبراهيم صَيْرَفِيّ الحديث. وقال الشعبي: ما ترك أحدًا أعلم منه. وقال ابن معين: مراسيل إبراهيم أحب إلي من مراسيل الشعبي. وقال الأعمش: قلت لإبراهيم أَسْنِد لي عن ابن مسعود، فقال إبراهيم: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله، فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد عن عبد الله. وقال أحمد عن حماد بن خالد، عن شعبة: لم يسمع النخعي من أبي عبد الله الْجَدَليّ حديث خزيمة بن ثابت في المسح. وفي "العلل الكبير" للترمذي: سمع إبراهيم النخعي حديث أبي عبد الله الجدلي من إبراهيم التيمي، والتيمي لم يسمعه منه. وقال ابن المديني: لم يلق النخعي أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقلت له: فعائشة؟، قال: هذا لم يروه غير سعيد بن أبي عروبة،

стр. 780

عن أبي معشر، عن إبراهيم، وهو ضعيف. وقد رأى أبا جحيفة، وزيد بن أرقم، وابن أبي أوفى، ولم يسمع من ابن عباس. وقال ابن المديني أيضًا: لم يسمع من الحارث بن قيس، ولا من عمرو بن شُرَحبيل. انتهى. ورواية سعيد عن أبي معشر ذكرها ابن حبان بسند صحيح إلى سعيد، عن أبي معشر أن إبراهيم حدثهم أنه دخل على عائشة ﵂، فرأى عليها ثوبًا أحمر. وقال الحافظ أبو سعيد العلائي: هو مكثر من الإرسال، وجماعةٌ من الأئمة صححوا مراسيله، وخَصَّ البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود ﵁. قال أبو نعيم: مات سنة (٩٦)، وقال غيره: وهو ابن (٤٩) سنة، وقيل: ابن (٥٨). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٩) حديثًا. ٧ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان بن كهل، ويقال: ابن كُهيل بن بكر بن عوف، ويقال: ابن المنتشر بن النخع، أبو شِبْل النخعيّ الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه عابدٌ [٢]. ولد في حياة رسول الله ﷺ ، ورَوَى عن عمر، وعثمان، وعليّ، وسعد، وحذيفة، وأبي الدَّرداء، وابن مسعود، وأبي مسعود، وأبي موسى، وغيرهم. ورَوى عنه ابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد بن قيس، وابن أخته إبراهيم بن يزيد النخعي، وإبراهيم بن سُويد النخعي، وعامر الشعبي، وأبو الرُّقَاد النخعي، وجماعة. قال مغيرة عن إبراهيم: كان علقمة عقيمًا. وقال أبو طالب عن أحمد: ثقة من أهل الخير. وقال عثمان بن سعيد: قلت لابن معين: علقمة أحب إليك، أو عبيدة؟ فلم يُخَيِّر. قال عثمان: كلاهما ثقة، وعلقمة أعلم بعبد الله. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال ابن المديني: أعلم الناس بعبد الله علقمة، والأسود، وعَبِيدة، والحارث. وقال أبو المُثَنَّى رِيَاح: إذا رأيت علقمة فلا يضرك أن لا ترى عبد الله، أشبه الناس به سمتًا وهديًا، وإذا رأيت إبراهيم فلا يضرك أن لا ترى علقمة. وقال الأعمش عن عمارة بن عمير: قال لنا أبو معمر: قوموا بنا إلى أشبه الناس هديًا وسمتًا ودلًّا بابن

стр. 781

مسعود، فقمنا معه حتى جلس إلى علقمة. وقال داود بن أبي هند: قلت لشعبة: أخبرني عن أصحاب عبد الله، قال: كان علقمة أبطنَ القومِ به. وقال ابن سيرين: أدركت الناس بالكوفة، وهم يُقَدِّمون خمسة، من بدأ بالحارث ثَنَى بعَبِيدة، ومن بدأ بعبيدة ثنى بالحارث، ثم علقمة الثالث، لا شك فيه. قال أبو نعيم: مات سنة إحدى وستين. وقال ابن معين وغير واحد: مات سنة (٦٢). وقيل: سنة (٣)، وقيل: سنة (٥)، وقيل: سنة (٧٢)، وقيل: سنة (٧٣). وقال هارون بن حاتم عن عبد الرحمن بن هانىء: مات وله تسعون سنة. وكان الأسود وعبد الرحمن ابنا يزيد بن قيس ولدا أخي علقمة أسن منه. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا. ٨ - (عَبْدُ اللَّه) تقدّم ٢/ ١٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه، وابن مسلمة. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة. ٤ - (ومنها): أن فيه عبد الله غير منسوب، فهو ابن مسعود ﵁؛ لأن الراوي عنه كوفيّ، وذلك أنه إذا أُطلق في الصحابة عبد الله يُنظر إلى الراوي عنه، فإن كان مدنيا فهو ابن عمر، وإن كان مكيّا فهو ابن الزبير، وإن كان بصريّا فهو ابن عبّاس، وإن كان مصريّا، أو شاميّا فهو ابن عمرو بن العاص ﵃، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّه) بن مسعود ﵁، أنه "قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ" مِثْقَالُ الشيء بالكسر: ميزانُهُ من مثله، ويقال: أعطِهِ ثِقْله وزانُ

стр. 782

حِمْلٍ: أي وزنه. قاله الفيّوميّ (١). وقال القرطبيّ: المثقال مِفْعالٌ من الثقل، ومثقالُ الشيء: وزنه، يقال: هذا على مثقال هذا: أي على وزنه. انتهى (٢). "والذرّة": واحد الذّرّ، وهي صغار النمل، ومائة منها زِنَة حبّة شعير. قاله في "القاموس" (مِن خَرْدَلٍ) بفتح، فسكون: حَبّ شجر معروف. قاله في "القاموس" أيضًا (مِنْ كِبْرٍ) قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: الِكِبْر والكبرياء في اللغة: هو العظمة، يقال فيه: كَبُر الشيء بضمّ الباء، أي عَظُم، فهو كبير وكِبَار، فإذا أفرط قيل: كبّار بالتشديد، وعلى هذا فيكون الكبر والعظمة اسمين لمسمّى واحد. وقد جاء في الحديث ما يُشْعِر بالفرق بينهما، وذلك أن الله تعالى قال: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قصمته" (٣)، فقد فرّق بينهما، بأن عبّر عن أحدهما بالإزار، وعن الآخر بالرداء، وهما مختلفان، ويدلّ أيضًا على ذلك قوله: "فمن نازعني واحدًا منهما"، إذ لو كانا واحدًا لقال: فمن نازعنيه، فالصحيح إذن الفرق، ووجهه أن جهة الكبرياء يستدعي متكبّرًا عليه، ولذلك لمّا فسّر الكبر قال: "الكبر: بطر الحقّ، وغمط الناس" (٤)، وهو احتقارهم، فذكر المتكبّر عليه، وهو الحقّ أو الخلق، والعظمة لا تقتضي ذلك، فالمتكبّر يلاحظ ترفّع نفسه على غيره بسبب مزيّة كمالها، فيما يراه، والمعظم يلاحظ كمال نفسه من غير ترفّع لها على غيره. وهذا التعظيم هو المعبّر عنه بالعجب في حقّنا إذا انضاف إليه نسيانُ منّة الله تعالى علينا فيما خصّنا به من ذلك الكمال، وإذا تقرّر هذا، فالكبرياء والعظمة من أوصاف

стр. 783

كمال الله تعالى، واجبان له، إذ ليست أوصاف كمال الله وجلاله مستفادة من غيره، بل هي واجبة الوجود لذواتها بحيث لا يجوز عليه العدم، ولا النقص، ولا يجوز عليه تعالى نقيض شيء من ذلك، فكماله وجلاله حقيقة له بخلاف كمالنا، فإنه مستفاد من الله تعالى، ويجوز عليه العدم، وطروء النقيض والنقص، وإذا كان هذا فالتكبّر والتعاظم خَرَقٌ منّا، ومستحيلٌ في حقّنا، ولذا حرّمهما الشرع، وجعلهما من الكبائر؛ لأن من لاحظ كمالَ نفسه ناسيًا منّة الله تعالى عليه فيما خصه به كان جاهلًا بنفسه وبربّه، مغترّا بما لا أصل له، وهي صفة إبليس الحاملة له على قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]، وصفة فرعون الحاملة له على قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، ولا أقبح مما صارا إليه، فلا جَرَمَ كان فرعون وإبليس أشدّ أهل النار عذابًا، نعوذ بالله من الكبر والكفر. وأما من لاحظ من نفسه كمالًا، وكان ذاكرًا فيه منّة الله تعالى عليه به، وأن ذلك من تفضّله تعالى ولطفه، فليس من الكبر المذموم في شيء، ولا من التعاظم المذموم، بل هو اعترافٌ بالنعمة، وشكرٌ على المنّة. والتحقيق في هذا أن الخلق كلهم قوالَب وأشباح، تجري عليهم أحكام القدرة، فمن خصّه الله تعالى بكمال، فذلك الكمال يرجع للمكمّل الجاعل، لا للقالب القابل، ومع ذلك فقد كمل الله الكمال بالجزاء، والثناء عليه، كما قد نقص النقص بالذمّ والعقوبة عليه، فهو المعطي، والمثني، والمبتلي، والمعافي، كيف لا وقد قال العليّ الأعلى: "أنا الله خالق الخير والشرّ، فطوبى لمن خلقته للخير، وقدّرته عليه، والويل لمن خلقته للشرّ، وقدّرته عليه" (١). فلا حيلة تعمل مع قهر، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. ولمّا تقرّر أن الكبر يستدعي متبَّرًا عليه، فالمتكبَّرُ عليه إن كان هو اللَّهَ تعالى، أو رسوله ﷺ ، أو الحقّ الذي جاءت به رسله، فذلك الكبر كفرٌ، وإن كان غير ذلك، فذلك الكبر معصيةٌ وكبيرة، يُخاف على المتلبّس بها المصرّ عليها أن تُفضي به إلى الكفر، فلا

стр. 784

يدخل الجنّة أبدًا، فإن سلم من ذلك، ونفذ عليه الوعيد عوقب بالإذلال والصَّغَار، أو بما شاء الله من عذاب النار، حتى لا يبقى في قلبه من ذلك الكبر مثقال ذرّة، وخلص من خُبْث كبره حتى يصير كالذرّة، فحينئذ يتداركه الله برحمته، ويُخلّصه بإيمانه وبركته، وقد نصّ على هذا المعنى النبيّ ﷺ في المحبوسين على الصراط لمّا قال: "حتى إذا هُذِّبُوا، ونُقّوا أُذن لهم في دخول الجنّة" (١). والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ (٢). وقال النوويّ ﵀: وأما قوله ﷺ : "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر"، فقد اختُلِف في تأويله، فذكر الخطابي فيه وجهين: [أحدهما]: أن المراد التكبر عن الإيمان، فصاحبه لا يدخل الجنة أصلًا إذا مات عليه. [والثاني]: أنه لا يكون في قلبه كبر حال دخوله الجنة، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا في صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: ٤٧]، وهذان التأويلان فيهما بُعْدٌ، فإن هذا الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف، وهو الارتفاع على الناس، واحتقارهم، ودفع الحقّ، فلا ينبغي أن يُحمَل على هذين التأويلين المُخرِجين له عن المطلوب، بل الظاهر ما اختاره القاضي عياض وغيره من المحققين، أنه لا يدخل الجنة دون مجازاة إن جازاه. وقيل: هذا جزاؤه لو جازاه، وقد يتكرم بأنه لا يجازيه، بل لا بُدّ أن يدخل كل الموحدين الجنة إمّا أوّلًا وإمّا ثانيًا بعد تعذيب بعض أصحاب الكبائر الذين ماتوا مُصِرّين عليها، وقيل: لا يدخلها مع المتقين أَوّلَ وَهْلَة. انتهى (٣). [تنبيه]: زاد في رواية مسلم من طريق فضيل الْفُقَيميّ، عن إبراهيم النخعيّ: قال رجل: إن الرجل يُحِبّ أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنةً، قال: "إن الله جميل يحب

стр. 785

الجمال، الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ، وغَمْطُ الناس"، وسيأتي شرح هذه الزيادة في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. "وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ" المراد به دخولَ الكفّار، وهو دخولُ الخلود. قاله النوويّ ﵀. وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: المراد بالإيمان في هذا الحديث التصديق القلبيّ المذكور في حديث جبريل ﵇، ويُستفاد منه أن التصديق القلبيّ على مراتب، ويزيد وينقص. وهذه النار المذكورة هنا هي النار المعدّة للكفّار التي لا يَخرُج منها من دخلها؛ لأنه قد جاء في أحاديث الشفاعة أن خلقًا كثيرًا ممن في قلبه ذرّات كثيرة من الإيمان يدخلون النارَ، ثم يخرجون منها بالشفاعة، أو بالقَبْضة ووجه التلفيق أن النار دركات كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ في الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وأهلها في العذاب على مراتب ودركات كما قال الله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وأن نار من يُعذّب من الموحّدين أخفّها عذابًا، وأقربها خروجًا، فمن أُدخل النار من الموحّدين لم يدخل نار الكفّار، بل نارًا أخرى يموتون فيها، ثم يُخرجون منها، كما جاء في الأحاديث الصحيحة. انتهى كلام القرطبيّ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٥٩) وفي "كتاب الزهد" (٤١٧٣) بهذا السند فقط،

стр. 786

وأخرجه (مسلم) في "الإيمان" (١/ ٦٥) و (أبو داود) (٤٠٩١) و (الترمذيّ) (١٩٩٨) و (١٩٩٩) و (أحمد) في "مسنده" ١/ ٤١٢ و ٤١٦ و ٤٥١، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (١): ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان الإيمان، أي بيان فضله، وأنه سبب لدخول صاحبه الجنة، وتحريمه على النار. ٢ - (ومنها): بيان زيادة الإيمان ونقصانه. ٣ - (ومنها): تحريم الكبر، وأنه من الكبائر التي توجب لصاحبها دخول النار. ٤ - (ومنها): أن الله لا يظلم أحدًا، وإن كان عمله قليلًا، كما قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. (ومنها): أنه يدلّ على أن الجميل اسم من أسماء الله تعالى، وقال به جماعة، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف قريبًا إن شاء الله تعالى. ٥ - (ومنها): إباحة التجمّل بلبس الثياب الجميلة، والنعال الجميلة، لكن بشرط أن يخلو ذلك من المخيلة، والإسراف؛ لما أخرجه أحمد، والنسائيّ، والمصنّف بإسناد صحيح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "كلوا، وتصدقوا، والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في شرح الزيادة التي تقدّمت عن "صحيح مسلم" ﵀ في روايته من طريق فُضَيل الْفُقَيميّ، عن إبراهيم النخعيّ، ولفظها: قال رجل: إن الرجل يُحِبّ أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنةً، قال: "إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ، وغَمْطُ الناس". فقوله ﷺ : "إن الله جَمِيل يُحِبُّ الجمال" قال القرطبيّ ﵀: الجمال لغةً هو

стр. 787

الحسن، يقال: جَمُل الرجل يَجمُلُ بالضمّ جَمَالًا فهو جميلٌ، والمرأة جميلة، ويقال: جَمْلاءُ عن الكسائيّ. وهذا الحديث يدلّ على أن الجميل من أسماء الله تعالى، وقال بذلك جماعة من أهل العلم، إلا أنهم اختلفوا في معناه، فقيل: معناه معنى الجليل، قاله القشيريّ. وقيل: معناه ذو النور والبهجة: أي مالكهما، قاله الخطابيّ. وقيل: جميل الأفعال بكم، والنظر إليكم، فهو يُحبّ التجمّل منكم في قلّة إظهار الحاجة إلى غيره، قاله الصيرفيّ. وقال: الجميل: المنزّه عن النقائص الموصوف بصفات الكمال الآمر بالتجمّل له بنظافة الثياب والأبدان، والنزاهة عن الرذائل والطغيان. انتهى (١). وقال النوويّ في "شرحه": اختلفوا في معناه، فقيل: إن معناه أن كل أمره حسن جميل، وله الأسماء الحسنى، وصفات الجمال والكمال. وقيل: جميل بمعنى مُجْمِل، ككريم وسميع، بمعنى مُكْرِم، ومُسْمِع. وقال الإمام أبو القاسم القشيرى ﵀: معناه جليل. وحَكَى الإمام أبو سليمان الخطابيّ أنه بمعنى ذي النور والبهجة، أي مالكهما. وقيل: معناه جميل الأفعال بكم، باللطف والنظر إليكم، يُكَلِّفكم اليسير من العمل، ويُعين عليه، ويثيب عليه الجزيل، ويشكر عليه. انتهى (٢). وقوله ﷺ : "وغَمط الناس" هو بفتح الغين المعجمة، وإسكان الميم، وبالطاء المهملة، هكذا هو في نسخ "صحيح مسلم" ﵀، قال القاضي عياض ﵀: لم نرو هذا الحديث عن جميع شيوخنا هنا، وفي البخاريّ إلا بطاء، قال: وبالطاء ذكره أبو داود في "مصنفه"، وذكره أبو عيسى الترمذي وغيره "غمص" بالصاد، وهما بمعنى واحد، ومعناه: احتقارهم واستصغارهم لما يَرَى من رفعته عليهم، يقال في الفعل منه: غَمَطَهُ بفتح الميم يَغْمِطه بكسرها، وغَمِطَهُ بكسر الميم يَغْمَطُهُ بفتحها. أما "بَطَرُ الحقّ"

стр. 788

فهو دفعه، وإنكاره ترفعًا وتجبرًا. (١). [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: (اعلم): أن هذا الاسم ورد في هذا الحديث الصحيح ولكنه من أخبار الآحاد، وورد أيضا في حديث الأسماء الحسنى، وفي إسناده مقال، والمختار جواز إطلاقه على الله تعالى، ومن العلماء من منعه، قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين رحمه الله تعالى: ما ورد الشرع بإطلاقه في أسماء الله تعالى وصفاته أطلقناه، وما منع الشرع من إطلاقه منعناه، وما لم يرد فيه إذن ولا منع لم نَقْضِ فيه بتحليل ولا تحريم، فإن الأحكام الشرعية تُتَلَقَّى من موارد الشرع، ولو قضينا بتحليل أو تحريم، لكنا مُثبتين حكما بغير الشرع، قال: ثم لا يُشترط في جواز الإطلاق وُرود ما يُقطَع به في الشرع، ولكن ما يقتضي العملَ، وإن لم يوجب العلم، فإنه كاف، إلا أن الأقيسة الشرعية من مقتضيات العمل، ولا يجوز التمسك بهن في تسميه الله تعالى ووصفه. قال النوويّ: هذا كلام إمام الحرمين ومحله من الإتقان والتحقق بالعلم مطلقًا، وبهذا الفن خصوصًا معروف بالغاية العليا. وأما قوله: لم نقض فيه بتحليل ولا تحريم؛ لأن ذلك لا يكون إلا بالشرع، فهذا مبنيّ على المذهب المختار في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، فإن المذهب الصحيح عند المحققين من الشافعيّة أنه لا حكم فيها لا بتحليل ولا تحريم ولا إباحة، ولا غير ذلك؛ لأن الحكم عند أهل السنة لا يكون إلا بالشرع. وقال بعض الشافعيّة: إنها على الإباحة. وقال بعضهم: على التحريم. وقال بعضهم: على الوقف لا يُعلم ما يقال فيها، والمختار الأول. والله أعلم. وقد اختَلَفَ أهل السنة في تسمية الله تعالى، ووصفه من أوصاف الكمال والجلال والمدح بما لم يَرِد به الشرع، ولا مَنَعَه، فأجازه طائفةٌ، ومنعه آخرون، إلا أن يرد به شرع مقطوع به، من نَصِّ كتاب الله، أو سنة متواترة، أو إجماع على إطلاقه، فإن ورد خبر

стр. 789

واحد فقد اختلفوا فيه، فأجازه طائفة، وقالوا: الدعاء به والثناء من باب العمل، وذلك جائز بخبر الواحد، ومنعه آخرون؛ لكونه راجعا إلى اعتقاد ما يجوز أو يستحيل على الله تعالى، وطريق هذا القطع، قال القاضي: والصواب جوازه؛ لاشتماله على العمل، ولقوله الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ جواز تسمية الله تعالى ووصفه بما ورد في خبر الآحاد، مثل هذا الحديث، وأن خبر الآحاد الصحيح الثابت عن رسول الله ﷺ مما يوجب العلم والعمل معًا، والقول بأنه لا يوجب العلم قول ضعيف، وإن كان كثُر القائلون به، وقد ذكرتُ تحقيقه في "التحفة المرضيّة" و"شرحها"، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه]: اختُلِف في الرجل الذي قال: "إنّ الرجل يُحب أن يكون ثوبه حسنًا": قيل: هو مالك بن مُرارة الرّهَاويُّ، قاله القاضي عياض، وأشار إليه أبو عمر بن عبد البر رحمهما الله، وقد جمع أبو القاسم خَلَف بن عبد الملك بن بشكوال الحافظ في اسمه أقوالا من جهات، فقال: هو أبو رَيحانة، واسمه شمعون، ذكره ابن الأعرابيّ، وقال عليّ ابن المدينيّ في الطبقات: اسمه ربيعة بن عامر. وقيل: سَوَاد -بالتخفيف- ابن عمرو، ذكره ابن السكن. وقيل: معاذ بن جبل، ذكره ابن أبي الدنيا في "كتاب الخمول والتواضع". وقيل: مالك بن مُرَارة الرّهَاويّ، ذكره أبو عبيد في "غريب الحديث". وقيل: عبد الله بن عمرو بن العاصي، ذكره معمر في "جامعه". "وقيل: خُرَيم بن فاتك. هذا ما ذكره ابن بشكوال. وقولهم: "ابن مُرَارة الرُّهاويّ: هو مُرارة -بضم الميم، وبراء مكررة، وآخره هاء- و"الرّهَاويّ": هنا نسبة إلى قبيلة، ذكره الحافظ عبد الغنيّ بن سعيد المصريّ -بفتح

стр. 790

الراء-، ولم يذكره ابن ماكولا، وذكر الجوهريّ في "صحاحه" أن الرّهَاويّ نسبة إلى رُهَا بضم الراء حيّ من مَذْحِج. وأما "شمعون": فبالعين المهملة، وبالمعجمة، والشين معجمة فيهما. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال: ٦٠ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا خَلَّصَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّارِ وَأَمِنُوا، فَمَا مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ لِصاحِبِهِ في الحقِّ يَكُوَنُ لَهُ في الدُّنْيَا، أَشَدَّ مُجَادَلَةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ في إِخْوَانِهِمِ الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ، قَالَ: يَقُولُونَ: رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا، وَيَصُومُونَ مَعَنَا، وَيَحُجُّونَ مَعَنَا، فَأَدْخَلْتَهُمُ النَّارَ، فَيَقُولُ: اذْهَبُوا، فَأَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ، فَيَأْتُونَهُمْ، فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ، لَا تَأْكُلُ النَّارُ صُوَرَهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ النَّارُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ إِلَى كَعْبَيْهِ، فَيُخْرِجُونَهُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَخْرَجْنَا مَنْ قَدْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يَقُوُل: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ مِنَ الْإِيَمانِ، ثُمَّ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ" قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ هَذَا، فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) بن عبد الله خالد الذهليّ النيسابوريّ الثقة الحافظ الحجة الثبت [١١] تقدّم في ٢/ ١٦. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام الحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظٌ مصنّف، عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] تقدّم في ٢/ ١٦.

стр. 791

٣ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عُرْوة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبتٌ فاضل، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عُروة شيئًا، وكذا فيما حدّث به بالبصرة، من كبار [٧] تقدّم في ٢/ ١٦. ٤ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العَدَويّ مولى عمر، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدنيّ، ثقة فقيه يرسل [٣] تقدّم في ٢/ ١٣. ٥ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ القاصّ، مولى ميمونة، زوج النبي ﷺ ، وهو أخو سليمان، وعبد الملك، وعبد الله بني يسار، ثقة فاضلٌ صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣]. رَوَى عن معاذ بن جبل، وفي سماعه منه نظر، وعن أبي ذر، وأبي الدرداء، وعبادة ابن الصامت، وزيد بن ثابت، وأبي سعيد الخدريّ، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو من أقرانه، ومحمد بن عمر بن عطاء، ومحمد بن عمرو بن حَلْحَلة، وهلال بن عليّ، وزيد بن أسلم، وغيرهم. قال البخاري، وابن سعد: سمع من ابن مسعود. وقال أبو حاتم: لم يسمع منه. وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، سمع من أبي عبد الله الصنابحي، وأما مالك فقال: عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي. رَوَى الواقديّ أنه مات سنة ثلاث أو أربع ومائة، وقال غيره: سنة (٩٤). وقال ابن سعد: وهو أشبه، وقال عمرو بن علي وغيره: مات سنة (١٠٣)، وهو ابن (٨٤) سنة، وجَزَم ابن يونس في "تاريخ مصر" بأنه تُوُفّي بالإسكندرية. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: قدم الشام، فكان أهل الشام يَكْنُونه بأبي عبد الله، وقَدِم مصر فكان أهلها يَكنونه بأبي يسار، وكان صاحب قِصَص وعبادة وفضل، كان مولده سنة (١٩) ومات سنة (١٠٣) وكان موته بالإسكندرية. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثًا. ٦ - (أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي

стр. 792

الله عنهما، تقدم في ٤/ ٣٧، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من زيد، وشيخه نيسابوريّ، والباقيان يمنيّان. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء، وهما للاتّصال على الأصحّ في "عن" من غير مدلّس، إن حصل لقاء وسماع، واكتفى مسلم بالعاصرة. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ﵁، أنه "قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا خَلَّصَ اللَّه المُؤْمِنينَ مِنَ النَّارِ" أي نجّاهم بإبعادهم منها (وَأَمِنُوا) أي من الدخول فيها (فَمَا) نافية، حجازيّة تعمل عمل "ليس"، واسمها قوله (مُجَادَلَةُ) أي مخاصمة (أَحَدِكُمْ لِصَاحِبِهِ في الحَقِّ) الجارّان متعلّقان بـ "مجادلة" (يَكُونُ لَهُ) أي يثبت ذلك الحقّ لذلك الأحد على صاحبه (في الدُّنْيَا) متعلّق بخبر "يكون"، والجملة صفة لـ "الحقّ"، أو حال منه، وقوله (أَشَدَّ) منصوب على أنه خبر "ما"، وفي رواية: "بأشدّ" بزيادة الباء في خبر "ما"، كما قال في الخلاصة: وَبَعْدَ "مَا" وَ"لَيْسَ" جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ ... وَبَعْدَ "لَا" ونَفْي "كَانَ" قَدْ يُجَرْ (مُجَادَلَةً) منصوب على التمييز، قال السنديّ: وفيه مبالغة، حيث جعل المجادلة ذات مجادلة، ولا يجوز جرّ "مجادلة" بإضافة اسم التفضيل إليها؛ لأنه يلزم الجمع بين الإضافة و"من"، واسم التفضيل لا يُستعمل بهما، وأيضًا التنكير يأبى احتمال الإضافة. انتهى. وقوله (مُجَادَلَةً) منصوب على التمييز (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي من مجادلة المؤمنين، وهو

стр. 793

متعلّق بـ "أشدّ"، وفيه -كما الطيبيّ- وضع المظهر موضع الضمر، إذ الظاهر أن يقول: "منكم". أي بأشدّ مجادلة منكم (لِرَبِّهِمْ) متعلّقٌ بـ "مجادلة"، وكذا قوله (في إِخْوَانِهِمِ الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ) ببناء الفعل للمفعول: أي الذين أدخلهم الله تعالى النار بسبب أعمالهم السيّئة. والمعنى إنّ مجادلةَ المؤمنين بعضِهم لبعضٍ في الدنيا بسبب حقّ يثبت لهم، لا تكون أشدّ من مجادلة المؤمنين لربهم في الآخرة، حين يؤذن لهم بدخول الجنة، وقد أُدخِل إخوانهم النار بسبب سيّئاتهم، فيناشدون الله أن يُخرِج إخوانهم من النار، فيدخلوا معهم الجنة، كما يشير إلى هذا قوله: "يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلّون معنا إلخ". وهذا المعنى واضح. ووقع عند مسلم في "صحيحه بلفظ": "فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشدّ مناشدةً لله في استقصاء الحقّ من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار". قال النوويّ في "شرحه": [اعلم]: أن هذه اللفظة -يعني استقصاء- ضُبِطت على أوجه: أحدها: "استيضاء" بتاء مثناة من فوقُ، ثم ياء مثناة من تحتُ، ثم ضاد معجمة. والثاني: "استضاء" بحذف المثناة من تحتُ. والثالث: "استيفاء" بإثبات المثناة من تحت، وبالفاء بدل الضاد. والرابع: "استقصاء" بمثناة من فوقُ ثم قاف، ثم صاد مهملة. فالأول: موجود في كثير من الأصول ببلادنا. والثاني: هو الموجود في أكثرها، وهو الموجود في "الجمع بين الصحيحين" للحميدي. والثالث: في بعضها، وهو الموجود في "الجمع بين الصحيحين" لعبد الحق الحافظ. والرابع: في بعضها، ولم يذكر القاضي عياض غيره، وادّعى اتفاق النسخ عليه، وادّعى أنه تصحيف ووهم، وفيه تغيير، وأن صوابه ما وقع في كتاب البخاري، من رواية ابن بُكير "بأشدّ مُناشدةً لي في استقصاء الحق" -يعنى في الدنيا- من المؤمنين لله

стр. 794

يوم القيامة لإخوانهم، وبه يتم الكلام ويتوجه. هذا آخر كلام القاضي ﵀ (١). وليس الأمر على ما قاله، بل جميع الروايات التي ذكرناها صحيحة، لكل منها معنى حسن، وقد جاء في رواية يحيى بن بكير عن الليث: "فما أنتم بأشدّ مناشدةً في الحق، قد تبين لكم، من المؤمنين يومئذ للجبار تعالى وتقدس، إذا رأوا أنهم قد نَجَوا في إخوانهم"، وهذه الرواية التي ذكرها الليث تُوضح المعنى، فمعنى الرواية الأولى والثانية: إنكم إذا عَرَضَ لكم في الدنيا أمر مُهِمّ، والتبس الحال فيه، وسألتم الله تعالى بيانه، وناشدتموه في استيضائه، وبالغتم فيها، لا تكون مناشدةُ أحدكم بأشدّ من مناشدة المؤمنين لله تعالى في الشفاعة لإخوانهم. وأما الرواية الثالثة والرابعة: فمعناهما أيضًا: ما منكم من أحد يناشد الله تعالى في الدنيا في استيفاء حقه، أو استقصائه، وتحصيله من خصمه، والمُعْتَدِي عليه بأشد من مناشدة المؤمنين الله تعالى في الشفاعة لإخوانهم يوم القيامة. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ (٢). (قَالَ) ﷺ (يَقُولُونَ) أي المؤمنون (رَبَّنَا) بتقدير حرف النداء: أي يا ربّنا (إِخْوَانُنَا) خبر لمحذوف، أي هم إخواننا، أو هو مبتدأ، خبره جملة قوله: (كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا، وَيَصُومُونَ مَعَنَا، وَيَحُجُّونَ مَعَنَا) أي كانوا يفعلون هذه العبادات في الدنيا، كما كنّا نفعلها، فليس المراد اجتماعهم على فعلها، فإنه لا يشترط ذلك (فَأَدْخَلْتَهُمُ النَّارَ، قَالَ) ﷺ (فَيَقُولُ) أي الله (اذْهَبُوا، فَأَخْرِجُوا) هذه الرواية صريحة في كون الإخراج للمؤمنين، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ: "أمر الملائكة أن يُخرِجوهم". وفي حديث أنس ﵁ عنده قوله ﷺ : "فَيَحُدّ لي حدّا، فأخرجهم"، ويُجمع بأن الملائكة يُؤمرون على ألسنة الرسل بذلك، فالذين يباشرون الإخراج هم الملائكة. قاله

стр. 795

في "الفتح" ١٣/ ٢٨٤. (مَنْ عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ) أي من إخوانكم الموصوفين بما ذكرتم (فَيَأْتُونَهُمْ، فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ) وقوله: (لَا تَأْكُلُ النَّارُ صُوَرَهُمْ) جملة في محلّ تعليل: أي لأن النار لا تأكل صورهم، ولا تغيّرهم، والمراد مواضع سجودهم، ففي حديث أبي هريرة ﵁ عند الشيخين: "حرّم الله تعالى على النار أن تأكل أثر السجود"، وآثار السجود تكون في أعضائه السبعة. (فَمِنْهُمْ) أي من إخوانهم الذين شفعوا لهم (مَنْ) بفتح الميم موصولة (أَخَذَتْهُ النَّارُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ) بفتح الهمزة: جمع نِصف (وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ إِلَى كعْبَيْهِ). [فإن قيل]: هذا نصّ على أن النار قد أخذت بعض أعضاء السجود، وهو يخالف قوله: "لا تأكل النار صُوَرهم"، وقوله: "حرّم الله تعالى على النار أن تأكل أثر السجود"، فكيف الجواب؟. [قلت]: أجيب بأنا نقول: تأخذ النار، فتغيّرُ، ولا تأكل، فتذهب، ولا يبعد أن يقال: إن تحريم الصور على النار إنما يكون في حق هذه الطائفة المشفوع لهم أوّلًا لعلوّ رتبتهم على من يخرج بعدهم، فتكون النار لم تقرب صورهم، ولا وجوههم بالتغيير، ولا الأكل. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى في "المفهم" ١/ ٤٤٨ - ٤٤٩. وقال في "الفتح" عند شرح قوله: فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود: ما حاصله: هذا جواب عن سؤال مقدر، تقديره: كيف يَعرِفون أثر السجود، مع قوله في حديث أبي سعيد، عند مسلم: "فأماتهم الله إماتة، حتى إذا كانوا فَحْمًا أَذِن الله بالشفاعة"، فإذا صاروا فحما كيف يتميز محل السجود من غيره؟ حتى يُعرف أثره. وحاصل الجواب تخصيص أعضاء السجود، من عموم الأعضاء التي دل عليها هذا الخبر، وأن الله منع النار أن تُحْرِق أثر السجود من المؤمن، وهل المراد بأثر السجود نفس العضو، الذي يَسجُد، أو المراد مَن سَجَد؟ فيه نظر، والثاني أظهر.

стр. 796

قال القاضي عياض: فيه دليل على أن عذاب المؤمنين المذنبين مخالف لعذاب الكفار، وأنها لا تأتي على جميع أعضائهم، إما إكراما لموضع السجود، وعظم مكانهم من الخضوع لله تعالى، أو لكرامة تلك الصورة التي خُلق آدم والبشر عليها، وفُضِّلوا بها على سائر الخلق. قال الحافظ: الأول منصوص، والثاني محتمل، لكن يشكل عليه أن الصورة لا تختص بالمؤمنين، فلو كان الإكرام لأجلها لشاركهم الكفار، وليس كذلك. قال النووي: وظاهر الحديث أن النار لا تأكل جميع أعضاء السجود السبعة، وهي: الجبهة، واليدان، والركبتان، والقدمان، وبهذا جزم بعض العلماء. وقال عياض: ذِكر الصورة، ودارات الوجوه، يدل على أن المراد بأثر السجود الوجه خاصة، خلافا لمن قال: يشمل الأعضاء السبعة، ويؤيد اختصاص الوجه أن في بقية الحديث: "إن منهم من غاب في النار إلى نصف ساقيه"، وفي حديث سمرة عند مسلم: "وإلى ركبتيه"، وفي رواية هشام بن سعد في حديث أبي سعيد: "وإلى حِقْوه". قال النووي: وما أنكره هو المختار، ولا يمنع من ذلك قوله في الحديث الآخر في مسلم: "إن قوما يخرجون من النار، يحترقون فيها إلا دارات وجوهم"، فإنه يُحمل على أن هؤلاء قوم مخصوصون من جملة الخارجين من النار، فيكون الحديث خاصا بهم، وغيره عاما، فيُحمل على عمومه، إلا ما خص منه. قال الحافظ: إن أراد أن هؤلاء يخصون بأن النار لا تأكل وجوههم كلها، وأن غيرهم لا تأكل منهم محل السجود خاصة، وهو الجبهة سَلِمَ من الاعتراض، وإلا يلزمه تسليم ما قال القاضي في حق الجميع، إلا هؤلاء، وإن كانت علامتهم الغُرّة كما تقدم النقل عمن قاله، وما تعقبه بأنها خاصة بهذه الأمة، فيضاف إليها التحجيل، وهو في اليدين والقدمين، مما يصل إليه الوضوء، فيكون أشمل مما قاله النووي، من جهة دخول جميع اليدين والرجلين، لا تخصيص الكفين والقدمين، ولكن ينقص منه الركبتان. وما استدل به القاضي من بقية الحديث، لا يمنع سلامة هذه الأعضاء، مع الانغمار؛ لأن

стр. 797

تلك الأحوال الأخروية خارجة عن قياس أحوال أهل الدنيا. ودل التنصيص على دارات الوجوه أن الوجه كله لا تؤثر فيه النار، إكراما لمحل السجود، ويحمل الاقتصار عليها على التنويه بها لشرفها. وقد استنبط ابن أبي جمرة من هذا أن من كان مسلما، ولكنه كان لا يصلي لا يخرج، إذ لا علامة له، لكن يُحمل على أنه يخرج في القبضة، لعموم قوله: "لم يعملوا خيرا قط"، وهو مذكور في حديث أبي سعيد المذكور عند البخاريّ في "كتاب التوحيد". وهل المراد بمن يَسلَم من الإحراق من كان يسجد، أو أعم من أن يكون بالفعل، أو القوة؟، الثاني أظهر؟ ليدخل فيه من أسلم مثلا وأخلص، فبغته الموت قبل أن يسجد. انتهى "فتح" ١٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦. (فَيُخْرِجُونَهُمْ) أي من النار (فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا) أي يا ربّنا (قَدْ أَخْرَجْنَا مَنْ أَمَرْتَنَا) أي بإخراجه ممن له علامة يُعرَف بها، وهو مواضح السجود، كما سبق آنفًا (ثمّ يَقُولُ) أي الله ، (أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ مِنَ الْإِيَمانِ) أي زيادة على التوحيد؛ لما ثبت في حديث آخر: "أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، وعمل من الخير ما يزن ذرّة" (ثُمَّ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ، ثمّ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مثقال حَبّة) أي وزنُ حبّة، و"مثقالُ" بالرفع اسم "كان"، وقوله: (من خَرْدل) بيان لـ "مثقال"، و"الْخَرْدَل" -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الراء، وفتح الدال المهملة، آخره لام- قال في "اللسان": الْخَرْدَل: ضربٌ من الْحُرْف (١) معروف، الواحدة خَرْدَلةٌ. انتهى (٢). ووقع في رواية مسلم بلفظ: "مثقال ذَرَّةٍ من خير" بفتح المعجمة، وتشديد الراء المفتوحة، قيل: معناها: أقلّ الأشياء الموزونة. وقيل: هي الهباء الذي يظهر في شُعاع الشمس، مثل رءوس الإبر. وقيل: هي النملة الصغيرة. ويُروى عن ابن عبّاس رضي

стр. 798

الله تعالى عنهما، أنه قال: إذا وضعت كفّك في التراب، ثم نفضتها، فالساقط هو الذّرّ. ويقال: إن أربع ذرّات وزن خَرْدلة. وعند البخاريّ في أواخر "كتاب التوحيد" من حديث أنس ﵁، مرفوعًا: "أدخل الجنة من كان في قلبه خردلة، ثم من كان في قلبه أدنى شيء"، قال في "الفتح": وهذا معنى الذّرّة. انتهى ١٣/ ١٤٥. [تنبيه]: ضبط "ذَرَّة" بالذال المعجمة، والراء-: هو الصواب، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: كذا صحّت روايتنا فيه بفتح الذال المعجمة، وتشديد الراء: وهي الصغيرة من النمل، ولم يُختلف أنه كذلك في هذا الحديث، وقد صحّفه شعبة في حديث أنس ﵁-أي عند مسلم- فقال: "ذُرَة" بضم الذال المعجمة، وتخفيف الراء، على ما قيّده أبو عليّ الصدفيّ، والسمرقنديّ، وفيما قيّده الْعُذريّ، والْخُشنيّ "دُرّة" بالدال المهملة، وتشديد الراء: واحدة الدُّرّ، وهو تصحيف التصحيف. انتهى "المفهم" ١/ ٤٤٩. (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ ﵁ (فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ هذا) أي بهذا الذي ذُكر في هذا الحديث من خروج الموحّدين الذين عندهم شيء من الإيمان من النار بشفاعة إخوانهم المؤمنين الصالحين. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا ليس على معنى أنهم اتّهموه، وإنما كان منه على معنى التأكيد، والعَضْد. انتهى. "المفهم" ١/ ٤٤٩. (فَلْيَقْرَأْ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. هكذا الآية عند المصنّف، وهي التي في "الصحيحين"، وهي الظاهرة في استدلال أبي سعيد ﵁ على ما قاله. ووقع في رواية النسائيّ بلفظ: فليقرأ هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، إِلَى ﴿عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]). ولا يبعُد الاستدلال لأبي سعيد بهذه الآية أيضًا ووجه ذلك أن الله تعالى ذكر أنه يغفر ما دون الشرك، فمن عَرَف أنه يغفر جميع الذنوب كبيرها، وصغيرها، غير الشرك، لا

стр. 799

يستبعد ما ذُكر في هذا الحديث من شفاعة المؤمنين لإخوانهم، وإخراجهم لهم من النار، وإن كانوا ليست لهم أعمال صالحة، بل هم أصحاب كبائر، بحيث تكون أعمالهم الصالحة لقلّتها بمقدار وزن ذرّة. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: حديث أبي سعيد ﵁ هذا اختصره المصنّف، وكذا عند النسائيّ رحمهما الله تعالى، وهو حديث طويل ساقه الشيخان في "صحيحيهما" بطوله، وهذا لفظ البخاريّ رحمه الله تعالى في "كتاب التوحيد" رقم (٧٤٤٠) قال: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس والقمر، إذا كانت صحوا؟، قلنا: لا، قال: "فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ، إلا كما تضارون في رؤيتهما"، ثم قال: ينادي مناد، ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر، وغُبَّرات (١) من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم، تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرًا ابن الله، فيقال: كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، حتى يبقى من كان يعبد الله، من بَرّ، أو فاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم؟ وقد ذهب الناس فيقولون: فارقناهم، ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا، قال: فيأتيهم الجبار صورة غير صورته التي رأوه فيها

стр. 800

أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟، فيقولون: الساق فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد، فيعود ظهره طبقا واحدا، ثم يؤتى بالجسر، فيجعل بين ظهري جهنم، قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: "مَدْحَضَة، مَزَلَّة، عليه خَطاطيف (١)، وكلاليب، وحَسَكة (٢) مُفَلطْحَة، لها شوكة عُقَيفاء، تكون بنجد، يقال لها: السعدان، المؤمن عليها كالطرف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فناجٍ مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يُسحَب سحبا، فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق، قد تبين لكم، من المؤمن يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنهم قد نجوا، في إخوانهم، يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان، فأخرجوه، ويُحَرِّم الله صورهم على النار، فيأتونهم، وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيُخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار، فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا. قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني، فاقرءوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، فيشفع النبيون، والملائكة، والمؤمنون، فيقول الجبار بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيُخرج أقواما قد امتحشوا، فيلقون في نهر بأفواه الجنة، يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه، كما تنبت الحبة في حميل السيل، قد

стр. 801

رأيتموها إلى جانب الصخرة، وإلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظل كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيُجعل في رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم، ومثله معه". انتهى. ولفظ مسلم ﵀ في "كتاب الإيمان" رقم (١٨٣): ١٨٣ - وحدثني سُوَيد بن سعيد، قال: حدثني حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، أن ناسا في زمن رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : "نعم"، قال: "هل تضارّون في رؤية الشمس بالظهيرة صَحْوًا ليس معها سحاب؟، وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صَحْوًا ليس فيها سحاب؟ "، قالوا: لا يا رسول الله، قال: "ما تضارون في رؤية الله ﵎ يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يومُ القيامة أَذَّنَ مؤذن، لِيَتَّبعْ كلُّ أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب، إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يَبْقَ إلا من كان يعبد الله من بَرٍّ وفاجرٍ وغُبَّرِ (١) أهل الكتاب، فَيُدعَى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تَبْغُون؟ قالوا: عَطِشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم أَلَا تَرِدُون؟ فيُحشَرون إلى النار كأنها سَرَابٌ يَحطِم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، ثم يُدْعَى النصارى، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عَطِشنا يا ربنا فاسقنا، قال فيشار إليهم ألا تردون، فيُحشَرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، حتى إذا لم

стр. 802

يَبْقَ إلا من كان يعبد الله تعالى من بَرٍّ وفاجر، أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنتظرون؟ تتبع كلُّ أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئًا مرتين أو ثلاثا، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فَيَكْشِف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أَذِنَ الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتّقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقةً واحدةً كُلَّما أراد أن يسجد خَرَّ على قفاه، ثم يرفعون رءوسهم، وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، ثم يُضْرَب الجسر على جهنم، وتَحُلُّ الشفاعة، ويقولون: اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ، قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: دَحْضٌ مَزَلَّة، فيه خَطاطيف (١)، وكَلاليب، وحَسَكٌ (٢) تكون بنجد فيها شُويكة، يقال لها: السَّعْدَان، فيَمُرُّ المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، ومَكْدُوسٌ في نار جهنم، حتى إذا خَلَصَ المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشَدَّ مناشدةً لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أَخْرِجوا مَنْ عَرَفتم، فتُحَرَّم صورهم على النار، فَيُخْرِجون خلقًا كثيرًا، قد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقالَ دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نَذَر فيها أحدًا ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف

стр. 803

دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نَذَر فيها ممن أمرتنا أحدًا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نَذَر فيها خيرًا، وكان أبو سعيد الخدريّ يقول: إن لم تُصَدِّقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فيقول الله : شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فَيَقْبِض قَبْضَةً من النار، فيُخرِج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حُمَمًا، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة، فَيَخْرُجون كما تخرج الحبَّة في حَمِيل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر، ما يكون إلى الشمس أُصَيفِر وأُخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض، فقالوا: يا رسول الله كأنك كنت تَرْعَى بالبادية، قال: فَيَخْرُجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم، يَعْرِفهم أهل الجنة، هؤلاء عُتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قَدَّموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحدًا من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: يا ربنا أَيُّ شيء أفضل من هذا، فيقول: رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدًا. قال مسلم: قرأت على عيسى بن حماد زُغْبَةَ المصري هذا الحديث في الشفاعة، وقلت له: أُحَدِّث بهذا الحديث عنك أنك سمعت من الليث بن سعد؟ فقال: نعم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٩/ ٦٠) بهذا الإسناد فقط، و (البخاريّ) (٦/ ٥٦ و ١٩٨

стр. 804

و٩/ ١٥٨) و (مسلم) (١/ ١١٤ و ١١٧) و (الترمذيّ) (٢٥٩٨) و (النسائيّ) (٨/ ١١٢) و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٦ و ٩٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تفاوت الإيمان زيادةً ونَقْصًا. ووجه ذلك ظاهر في قوله: "وزن دينار"، و"وزن نصف دينار"، و"وزن حبّة من خردل"، فإنه يدلّ على أن الإيمان يقبل الزيادة والنقص، وقد تقدّم في أول الباب أن مذهب المحدّثين، والمحققين من أهل العلم أن الإيمان قول، وفعل، ويزيد، وينقص. ٢ - (ومنها): إثبات الشفاعة للمؤمنين. ٣ - (ومنها): فضل المحبّة في الله تعالى، فإن هؤلاء المؤمنين الذي يجادلون عن إخوانهم ما حملهم على ذلك إلا المحبة التي ربطت بينهم، فقد نفعوهم في يوم لا ينفع فيه مال، ولا بنون. ٤ - (ومنها): تفاوت أهل النار على قدر تفاوت أعمالهم السيّئة. ٥ - (ومنها): سعة رحمة الله تعالى، وواسع جوده وكرمه، حيث إنه لا يُضيع أعمال عباده، وإن قلّت، وكانت مثقال ذرّة، بل يضاعفها، ويؤت من عنده أجرًا عظيمًا ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٦١ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ، وَكَانَ ثِقَةً، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّه، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَنَحْنُ فِتْيَانٌ، حَزَاوِرَةٌ، فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ، فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن إسحاق الطنافسيّ الثقة العابد المذكور في حديث أول

стр. 805

الباب. ٢ - (وَكيعٌ) بن الجرّاح الحافظ الحجة المذكور أول الباب أيضًا. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ) الإسكاف السدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة [٩]. رَوَى عن أبي رَجَاء الْعُطَارديّ، وأبي عمران الْجَوْنيّ، ومحمد بن سيرين، وأبي التَّيّاح. وروى عنه وكيع، وعثمان بن عمر بن فارس، وعبد الصمد، وزيد بن الْحُبَاب، وأبو داود الطيالسي، وعمرو بن مرزوق، وغيرهم. قال أحمد: ثقة، مقارب الحديث. وقال أبو حاتم: لا بأس به ثقة. وقال إسحاق ابن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال علي بن محمد: ثنا وكيع، ثنا حماد بن نَجيح: وكان ثقة. وذكره ابن عديّ في "الكامل"، ثم قَوّاه. وذكره ابن حبان في "الثِّقات". أخرج له البخاري تعليقًا، وله عند النسائي حديثٌ واحدٌ في أكثر أهل الجنة والنار، وعند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. [تنبيه]: قوله: "وكان ثقة" الظاهر أنه من كلام وكيع، والله تعالى أعلم. ٤ - (أبو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ) عبد الملك بن حبيب الأزديّ، ويقال: الكنديّ البصريّ، أحد العلماء، مشهور بكنيته، ثقة، من كبار [٤]. رَأَى عمران بن حصين، ورَوى عن جندب بن عبد الله البجلي، وأنس، وأبي فِرَاس، ربيعة بن كعب الأسلمي، وغيرهم. وروى عنه ابنه عبيد، وسليمان التيمي، وابن عون، وأبو عامر الخزاز، وشعبة، وأبان، وأبو قُدامة الحارث بن عبيد، وهمام بن يحيى، والحمادان، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال عمرو بن علي: مات سنة ثمان وعشرين ومائة، واسمه عبد الرحمن، كذا قال. وقال غيره: سنة تسع. وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة ثلاث وعشرين، وقد قيل: سنة ثمانية. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال الحاكم: لم يصح سماعه من عائشة، وصح سماعه من أنس. وفي الطبراني بإسناد صحيح، عن حماد بن سلمة، عن

стр. 806

أبي عمران الجونيّ، قال: بايعت ابن الزبير على أن أقاتل أهل الشام، فاستفتيت جندبا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم ٦١ و١٨٦ و ٢٩٥ و ١٢٥٦ و ٢٨٦٢ و ٣٣٦٢ و ٣٩٥٨ و ٤٢٢٥. [تنبيه]: قوله: "الجَوْنيّ" -بفتح الجيم، وسكون الواو-: نسبة إلى جَوْن بطن من الأزد. قاله في "لبّ اللباب" ١/ ٢٢٣. ٥ - (جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن سفيان الْبَجَليّ، ثمّ الْعَلَقيّ -بفتحتين، ثم قاف- أبو عبد الله، وربّما نُسِب إلى جدّه، ويقال: جندب بن خالد بن سفيان. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن حذيفة، وروى عنه الأسود بن قيس، وأنس بن سيرين، والحسن البصري، وأبو مجْلَز، وأبو عمران الجوني، وأبو تميمة الْهُجَيميّ، وصفوان بن مُحرِز، وغيرهم. وقال البغوي عن أحمد: جندب ليست له صحبة قديمة. قال البغوي: وهو جندب بن أم جندب. وقال ابن حبان: هو جندب الخير. وقال خليفة: مات في فتنة ابن الزبير، وذكره البخاري في "التاريخ" فيمن توفي من الستين إلى السبعين. أخرج له الجماعة، وله (٤٣) حديثًا، اتفق الشيخان على سبعة، وانفرد مسلم بخمسة أحاديث، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم ٦١ و ٣١٥٢ و ٤٠١٦ و ٤٢٠٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فمن أفراده، وحماد بن نَجِيح، فتفرّد به هو والنسائيّ، وعلّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أن فيه التحديث في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين. ٤ - (ومنها): أن حمادًا، وأبا عمران، والصحابيّ هذا أول محلّ ذكرهم في الكتاب، أما حماد فليس له ذكر في غير هذا المحلّ، وأما أبو عمران، فله في هذا الكتاب ثمانية مواضع، وأما الصحابيّ، فله أربعة مواضع، كما نبّهنا على ذلك في ترجمتهم، والله تعالى أعلم.

стр. 807

شرح الحديث: (عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) البجليّ ﵁، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَنَحْنُ فِتْيَانٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من اسم "كان". و"الفتيان" -بكسر، فسكون-: جمع فَتًى -بفتحتين، والقصر- قال في "القاموس": الْفَتَاءُ كسَمَاء: الشَّبَاب، والْفَتَى: الشابُّ والسَّخِيُّ الكريم، وهما فَتيَانِ، وفَتَوَان، والجمع فِتْيَانٌ، وفِتْوَةٌ، وفُتُوٌّ، وفُتِيٌّ، وهي فَتَاةٌ، جمعها فَتيَات، وكغنيّ: الشابّ من كلّ شيء، وهي فتيّةٌ، جمعها فِتَاءٌ. انتهى (١). ونحوه في "اللسان"، قال: والفِعلُ فَتُوَ يَفْتُو فَتَاءً، وقد فَتِي -بالكسر- يَفْتِي فَتًى، فهو فَتِيُّ السّنّ بَيِّنُ الفَتَاء. انتهى (٢). وقال في "المصباح": الفَتَى: العبد، وجمعه في القلّة فِتْيةٌ، وفي الكثرة فِتْيان، والأمة فَتَاةٌ، وجمعها فَتيَاتٌ، والأصل فيه أن يقال للشابّ الحديث فَتًى، ثم استُعير للعبد، وإن كان شيخًا مجازًا باسم ما كان عليه. انتهى (٣). (حَزَاوِرَةٌ) -بفتح الحاء المهملة، وتخفيف الزاي، وكسر الواو، ويقال: حَزَاورُ بلا هاء، قال ابن الأثير: جمع حَزْوَر، وحَزَوّر، وهو الذي قارب البلوغ، والتاء فيه لتأنيث الجمع. انتهى (٤). وقال ابن منظور: "الحزْوَرُ -أي كجعفر- و" الحزَوَّر بتشديد الواو: الغلام الذي قد شبّ، وقَوِي، قال الراجز: لَنْ يَعْدَمَ الْمَطِيُّ مِنِّي مِسْفَرَا ... شَيْخًا بَجَالًا وَغُلَامًا حَزْوَرَا وقال: لجَنْ يَبْعَثُوا شَيْخًا وَلَا حَزَوَّرَا ... بِالْفَاسِ إِلَّا الأَرْقَبَ المُصَدَّرَا والجمع حَزَاوِرُ، وحَزَاوِرَةٌ، زادوا الهاء لتأنيث الجمع (٥).

стр. 808

وقال في "القاموس": "الحَزَوّرُ كعَمَلَّسٍ: هو الغلام القويّ، والرجل القويّ، والضعيف، ضدّ. قاله في "القاموس" (١). (فَتَعَلَّمْنَا الْإِيَمانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ) أي تلاوته، ومعناه (ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ، فَازْدَدْنَا بِه) أي بسبب القرن (إِيمَانًا) وهذا معنى قوله : ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جندب بن عبد الله ﵁ هذا صحيحٌ، قال البوصيريّ: هذا إسناد صحيحٌ، رجاله ثقات، رواه البيهقيّ في "سننه" من طريق الحسين بن حُريث، عن وكيع به. انتهى. وهو من أفراد المصنّف أخرجه هنا (٩/ ٦١) بهذا الإسناد فقط. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن الإيمان يزيد وينقص، كما أسلفت تقريره في أول "باب الإيمان". ٢ - (ومنها): أنه يُستفاد منه أن تعلّم علم العقائد قبل تعلّم الفقه والقرآن. ٣ - (ومنها): أن القرآن يزيد الإيمان، ويتنوّر به القلب، وينشرح به الصدر، قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا في الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]، وقال : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٣]، وقال : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 809

وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال: ٦٢ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ نِزَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "صِنْفَانِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، لَيْسَ لُهَما في الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ: المُرْجِئَةُ، وَالْقَدَرِيَّةُ"). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) المذكور في السند الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غَزْوَان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ رمي بالتشيّع [٩] تقدّم في ٢/ ٢١. ٣ - (عَليُّ بْنُ نِزَارٍ) بن حيّان الأسديّ الكوفيّ، مولى بني هاشم، ضعيفٌ [٦]. روى عن أبيه، وزياد بن أبي زياد، وعكرمة مولى ابن عباس. وروى عنه يونس ابن أبي يعفور العبدي، والمفضل بن يونس الجعفي، ومحمد بن بشر العبدي، ومحمد بن فضيل، وغيرهم. قال الدُّوريُّ عن ابن معين: ليس حديثه بشيء، وكذا قال ابن عَدِيّ. وقال الأزدي: ضعيف جدّا. وذكره يعقوب بن سفيان في "باب من يُرغَب عن الرواية عنهم"، وسمعتُ أصحابنا يضعفونه. تفرد به الترمذي، والمصنّف بهذا الحديث فقط. ٤ - (أَبوه) نِزار بن حيّان الأسديّ مولى بني هاشم، ضعيف [٦]. روى عن أبيه، وعكرمة، وعنه ابنه علي، وعبد الله بن محمد الليثي، والقاسم بن حبيب التمار، وعبد الغفار بن القاسم، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. ذكره ابن حبان في "الضعفاء"، وقال: يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه، حتى يَسبِق إلى القلب أنه المتعمد لذلك، لا يجوز الاحتجاج به. وذكر ابن عديّ في "الكامل" في ترجمة ابنه علي بن نِزَار حديث الباب، ثم قال: هذا الحديث أحد ما أُنكِر على علي بن نزار، وعلى والده. تفرد به الترمذيّ، والمصنّف بهذا الحديث، وأعاده المصنّف برقم (٧٥).

стр. 810

٥ - (عِكْرِمَة) مولى ابن عباس، أبو عبد الله المدنيّ، أصله من البربر، كان لِحُصين ابن أبي الْحُرّ العنبريّ، فوهبه لابن عباس لمّا وَلِيَ البصرة لعلي ﵁، ثقة ثبتٌ عالم بالتفسير، ولم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبتُ عنه بدعة [٣]. روى عن مولاه، وعلي بن أبي طالب، والحسن بن علي، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن عمرو، وأبي سعيد، وعقبة بن عامر، وجماعة من الصحابة والتابعين. وروى عنه إبراهيم النخعي، ومات قبله، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، والشعبي وهما من أقرانه، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو الزبير، وقتادة، وخلق كثير. قال عباس الدوري عن ابن معين: مات ابن عباس، وعكرمة عبد لم يعتقه فباعه علي بن عبد الله بن عباس، ثم استردّه، وفي رواية غيره واعتقه. وقال عبد الصمد بن معقل: لمّا قَدِم عكرمة الْجَنَدَ أهدى له طاوس نَخِيبًا بستين دينارًا، فقيل له؟ فقال: أتروني لا أشتري علم ابن عباس لعبد الله بن طاوس بستين دينارًا. وقال داود بن أبي هند عن عكرمة: قرأ ابن عباس هذه الآية: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: ١٧٤] قال ابن عباس: لم أَدْر نجا القوم أو هلكوا؟ قال: فما زلت أبين له حتى عرف أنهم قد نجوا، فكساني حُلّة. وقال عمر بن فضيل عن عثمان بن حكيم: كنت جالسا مع أبي أمامة بن سهل بن حنيف، إذ جاء عكرمة، فقال: يا أبا أمامة أُذَكِّرُك الله هل سمعت ابن عباس يقول: ما حدثكم عكرمة عني فصدقوه، فإنه لم يكذب علي؟ فقال أبو أمامة: نعم. وقال عمرو بن دينار: دَفَع إلَيَّ جابر بن زيد مسائل أسأل عنها عكرمة، وجعل يقول: هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا البحر فسلوه. وقال ابن عيينة: كان عكرمة إذا تكلم في المغازي فسمعه إنسان قال: كأنه مشرف عليهم يراهم. وقال جرير عن مغيرة: قيل لسعيد بن جبير: تعلم أحدا أعلم منك؟ قال: نعم عكرمة. وقال إسماعيل بن أبي خالد: سمعت الشعبي يقول: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: كان أعلم التابعين أربعةً: عطاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة،
следующие страницы →