أبي عمران الجونيّ، قال: بايعت ابن الزبير على أن أقاتل أهل الشام، فاستفتيت جندبا.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم ٦١ و١٨٦ و ٢٩٥ و ١٢٥٦ و ٢٨٦٢ و ٣٣٦٢ و ٣٩٥٨ و ٤٢٢٥.
[تنبيه]: قوله: "الجَوْنيّ" -بفتح الجيم، وسكون الواو-: نسبة إلى جَوْن بطن من الأزد. قاله في "لبّ اللباب" ١/ ٢٢٣.
٥ - (جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن سفيان الْبَجَليّ، ثمّ الْعَلَقيّ -بفتحتين، ثم قاف- أبو عبد الله، وربّما نُسِب إلى جدّه، ويقال: جندب بن خالد بن سفيان. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن حذيفة، وروى عنه الأسود بن قيس، وأنس بن سيرين، والحسن البصري، وأبو مجْلَز، وأبو عمران الجوني، وأبو تميمة الْهُجَيميّ، وصفوان بن مُحرِز، وغيرهم. وقال البغوي عن أحمد: جندب ليست له صحبة قديمة. قال البغوي: وهو جندب بن أم جندب. وقال ابن حبان: هو جندب الخير. وقال خليفة: مات في فتنة ابن الزبير، وذكره البخاري في "التاريخ" فيمن توفي من الستين إلى السبعين. أخرج له الجماعة، وله (٤٣) حديثًا، اتفق الشيخان على سبعة، وانفرد مسلم بخمسة أحاديث، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم ٦١ و ٣١٥٢ و ٤٠١٦ و ٤٢٠٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فمن أفراده، وحماد بن نَجِيح، فتفرّد به هو والنسائيّ، وعلّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه التحديث في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين.
٤ - (ومنها): أن حمادًا، وأبا عمران، والصحابيّ هذا أول محلّ ذكرهم في الكتاب، أما حماد فليس له ذكر في غير هذا المحلّ، وأما أبو عمران، فله في هذا الكتاب ثمانية مواضع، وأما الصحابيّ، فله أربعة مواضع، كما نبّهنا على ذلك في ترجمتهم، والله تعالى أعلم.
стр. 807
شرح الحديث:
(عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) البجليّ ﵁، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَنَحْنُ فِتْيَانٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من اسم "كان". و"الفتيان" -بكسر، فسكون-: جمع فَتًى -بفتحتين، والقصر- قال في "القاموس": الْفَتَاءُ كسَمَاء: الشَّبَاب، والْفَتَى: الشابُّ والسَّخِيُّ الكريم، وهما فَتيَانِ، وفَتَوَان، والجمع فِتْيَانٌ، وفِتْوَةٌ، وفُتُوٌّ، وفُتِيٌّ، وهي فَتَاةٌ، جمعها فَتيَات، وكغنيّ: الشابّ من كلّ شيء، وهي فتيّةٌ، جمعها فِتَاءٌ. انتهى (١).
ونحوه في "اللسان"، قال: والفِعلُ فَتُوَ يَفْتُو فَتَاءً، وقد فَتِي -بالكسر- يَفْتِي فَتًى، فهو فَتِيُّ السّنّ بَيِّنُ الفَتَاء. انتهى (٢). وقال في "المصباح": الفَتَى: العبد، وجمعه في القلّة فِتْيةٌ، وفي الكثرة فِتْيان، والأمة فَتَاةٌ، وجمعها فَتيَاتٌ، والأصل فيه أن يقال للشابّ الحديث فَتًى، ثم استُعير للعبد، وإن كان شيخًا مجازًا باسم ما كان عليه. انتهى (٣).
(حَزَاوِرَةٌ) -بفتح الحاء المهملة، وتخفيف الزاي، وكسر الواو، ويقال: حَزَاورُ بلا هاء، قال ابن الأثير: جمع حَزْوَر، وحَزَوّر، وهو الذي قارب البلوغ، والتاء فيه لتأنيث الجمع. انتهى (٤). وقال ابن منظور: "الحزْوَرُ -أي كجعفر- و" الحزَوَّر بتشديد الواو: الغلام الذي قد شبّ، وقَوِي، قال الراجز:
لَنْ يَعْدَمَ الْمَطِيُّ مِنِّي مِسْفَرَا ... شَيْخًا بَجَالًا وَغُلَامًا حَزْوَرَا
وقال:
لجَنْ يَبْعَثُوا شَيْخًا وَلَا حَزَوَّرَا ... بِالْفَاسِ إِلَّا الأَرْقَبَ المُصَدَّرَا
والجمع حَزَاوِرُ، وحَزَاوِرَةٌ، زادوا الهاء لتأنيث الجمع (٥).
стр. 808
وقال في "القاموس": "الحَزَوّرُ كعَمَلَّسٍ: هو الغلام القويّ، والرجل القويّ، والضعيف، ضدّ. قاله في "القاموس" (١).
(فَتَعَلَّمْنَا الْإِيَمانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ) أي تلاوته، ومعناه (ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ، فَازْدَدْنَا بِه) أي بسبب القرن (إِيمَانًا) وهذا معنى قوله : ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جندب بن عبد الله ﵁ هذا صحيحٌ، قال البوصيريّ: هذا إسناد صحيحٌ، رجاله ثقات، رواه البيهقيّ في "سننه" من طريق الحسين بن حُريث، عن وكيع به. انتهى. وهو من أفراد المصنّف أخرجه هنا (٩/ ٦١) بهذا الإسناد فقط. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن الإيمان يزيد وينقص، كما أسلفت تقريره في أول "باب الإيمان".
٢ - (ومنها): أنه يُستفاد منه أن تعلّم علم العقائد قبل تعلّم الفقه والقرآن.
٣ - (ومنها): أن القرآن يزيد الإيمان، ويتنوّر به القلب، وينشرح به الصدر، قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا في الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]، وقال : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٣]، وقال : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 809
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال:
٦٢ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ نِزَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "صِنْفَانِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، لَيْسَ لُهَما في الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ: المُرْجِئَةُ، وَالْقَدَرِيَّةُ").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) المذكور في السند الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غَزْوَان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ رمي بالتشيّع [٩] تقدّم في ٢/ ٢١.
٣ - (عَليُّ بْنُ نِزَارٍ) بن حيّان الأسديّ الكوفيّ، مولى بني هاشم، ضعيفٌ [٦].
روى عن أبيه، وزياد بن أبي زياد، وعكرمة مولى ابن عباس. وروى عنه يونس ابن أبي يعفور العبدي، والمفضل بن يونس الجعفي، ومحمد بن بشر العبدي، ومحمد بن فضيل، وغيرهم.
قال الدُّوريُّ عن ابن معين: ليس حديثه بشيء، وكذا قال ابن عَدِيّ. وقال الأزدي: ضعيف جدّا. وذكره يعقوب بن سفيان في "باب من يُرغَب عن الرواية عنهم"، وسمعتُ أصحابنا يضعفونه.
تفرد به الترمذي، والمصنّف بهذا الحديث فقط.
٤ - (أَبوه) نِزار بن حيّان الأسديّ مولى بني هاشم، ضعيف [٦].
روى عن أبيه، وعكرمة، وعنه ابنه علي، وعبد الله بن محمد الليثي، والقاسم بن حبيب التمار، وعبد الغفار بن القاسم، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. ذكره ابن حبان في "الضعفاء"، وقال: يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه، حتى يَسبِق إلى القلب أنه المتعمد لذلك، لا يجوز الاحتجاج به. وذكر ابن عديّ في "الكامل" في ترجمة ابنه علي بن نِزَار حديث الباب، ثم قال: هذا الحديث أحد ما أُنكِر على علي بن نزار، وعلى والده.
تفرد به الترمذيّ، والمصنّف بهذا الحديث، وأعاده المصنّف برقم (٧٥).
стр. 810
٥ - (عِكْرِمَة) مولى ابن عباس، أبو عبد الله المدنيّ، أصله من البربر، كان لِحُصين ابن أبي الْحُرّ العنبريّ، فوهبه لابن عباس لمّا وَلِيَ البصرة لعلي ﵁، ثقة ثبتٌ عالم بالتفسير، ولم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبتُ عنه بدعة [٣].
روى عن مولاه، وعلي بن أبي طالب، والحسن بن علي، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن عمرو، وأبي سعيد، وعقبة بن عامر، وجماعة من الصحابة والتابعين.
وروى عنه إبراهيم النخعي، ومات قبله، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، والشعبي وهما من أقرانه، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو الزبير، وقتادة، وخلق كثير.
قال عباس الدوري عن ابن معين: مات ابن عباس، وعكرمة عبد لم يعتقه فباعه علي بن عبد الله بن عباس، ثم استردّه، وفي رواية غيره واعتقه. وقال عبد الصمد بن معقل: لمّا قَدِم عكرمة الْجَنَدَ أهدى له طاوس نَخِيبًا بستين دينارًا، فقيل له؟ فقال: أتروني لا أشتري علم ابن عباس لعبد الله بن طاوس بستين دينارًا. وقال داود بن أبي هند عن عكرمة: قرأ ابن عباس هذه الآية: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: ١٧٤] قال ابن عباس: لم أَدْر نجا القوم أو هلكوا؟ قال: فما زلت أبين له حتى عرف أنهم قد نجوا، فكساني حُلّة. وقال عمر بن فضيل عن عثمان بن حكيم: كنت جالسا مع أبي أمامة بن سهل بن حنيف، إذ جاء عكرمة، فقال: يا أبا أمامة أُذَكِّرُك الله هل سمعت ابن عباس يقول: ما حدثكم عكرمة عني فصدقوه، فإنه لم يكذب علي؟ فقال أبو أمامة: نعم.
وقال عمرو بن دينار: دَفَع إلَيَّ جابر بن زيد مسائل أسأل عنها عكرمة، وجعل يقول: هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا البحر فسلوه. وقال ابن عيينة: كان عكرمة إذا تكلم في المغازي فسمعه إنسان قال: كأنه مشرف عليهم يراهم. وقال جرير عن مغيرة: قيل لسعيد بن جبير: تعلم أحدا أعلم منك؟ قال: نعم عكرمة. وقال إسماعيل بن أبي خالد: سمعت الشعبي يقول: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: كان أعلم التابعين أربعةً: عطاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة،
стр. 811
والحسن. وقال سلام بن مسكين عن قتادة: أعلمهم بالتفسير عكرمة. وقال أيوب: اجتمع حفّاظ ابن عباس، فيهم سعيد بن جبير، وعطاء، وطاوسٌ على عكرمة، فأقعدوه، فجعلوا يسألونه عن حديث ابن عباس.
وقال البخاري ويعقوب بن سفيان عن علي بن المديني: مات بالمدينة سنة (١٠٤). وقال عمرو بن علي وغير واحد: مات سنة خمس ومائة. وقال الواقدي: حدثتني ابنته أم داود أنه تُوفي سنة مائة، وهو ابن ثمانين سنة. وقال أبو عمر الضرير والهيثم بن عدي: مات سنة ست ومائة. وقال عثمان بن أبي شيبة وغير واحد: مات سنة (١٠٧). وقيل: إنه مات سنة (١١) وذلك وَهَمٌ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٩٥) حديثًا.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطّلب ﵄، تقدّم في ٣/ ٢٧، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "صِنْفَانِ) بكسر، فسكون: أي نوعان، وهو مبتدأ خبره قوله: "ليس لهما إلخ"، وقوله (مِنْ هَذ الْأُمَّةِ) متعلّق بصفة لـ "صنفان": أي من أمة الإجابة (لَيْسَ لُهَما في الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ) أي حظّ.
(الْمُرْجِئَةُ) بالرفع بدل من "صنفان"، أو خبر لمبتدأ محذوف: أي هما، ويجوز نصبه مفعولًا لفعل مقدّر: أي أعني، وجوّز بعضهم جرّه بدلًا من الضمير المجرور في "لهما".
وهو اسم فاعل من الإرجاء، وهو التأخير. قال ابن الأثير ﵀: المرجِئة هم فِرْقَةٌ من فِرَق الإسلام، يَعتقِدون أنه لا يضرّ مع الإيمان معصيةٌ، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، سُمُّوا مرجِئةً لاعتقادهم أن الله أرجأ تعذيبهم على المعاصي: أي أخّره عنهم، والمرجئة تُهمز ولا تُهمز، وكلاهما بمعنى التأخير، يقال: أرجأت الأمر، وأرجيته: إذا أخّرته، فتقول من الهمز رجلٌ مرجىءٌ، وهم المرجئةُ، وفي النسب مرجئيٌّ، مثلُ مُرْجِع، ومرجعةٍ، ومرجعيّ، وإذا لم تَهْمِز قلتَ: رجلٌ مُرجٍ، ومرجية، ومرجيٌّ،
стр. 812
مثلُ مُعْطٍ ومعطيةٍ، ومُعطيٌّ. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: أرجأته بالهمز: أخّرته، والمرجئة اسم فاعل من هذا؛ لأنهم لا يَحكُمون على أحد بشيء في الدنيا، بل يؤخّرون الحكم إلى يوم القيامة، وتُخَفَّفُ، فتُقبل الهمزة ياء مع الضمير المتّصل، فيقال: أرجيته، وقرىء بالوجهين في السبعة. انتهى (٢).
وقال السيّد محمد مرتضى في "شرح القاموس": والمرجئة طائفة من المسلمين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، كأنهم قدّموا القول، وأرجؤوا العمل: أي أخّروه؛ لأنهم يرون أنهم لو لم يُصلّوا، ولم يصوموا لنجّاهم إيمانهم. انتهى (٣).
وقيل: المرجئة هم الجبريّة القائلون بأن إضافة الفعل إلى العبد كإضافته إلى الجمادات، سُمّوا بذلك لأنهم يؤخّرون أمر الله ونهيه عن الاعتداد بهما، ويرتكبون الكبائر. وقيل: هم الذين يقولون: الإيمان قول وتصديق بلا عمل، فيؤخّرون العمل عن القول والتصديق.
وقال الشهرستانيّ: الإرجاء على معنيين:
[أحدهما]: التأخير، ﴿قَالُوا أَرْجِهْ﴾: أي أمهله وأخّره.
[والثاني]: إعطاء الرجاء، أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح؛ لأنهم كانوا يؤخّرون العمل عن النيّة والقصد. وأما بالمعنى الثاني فظاهر؛ فإنهم كانوا يقولون: لا تضرّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. وقيل: الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى القيامة، فلا يُقضى عليه بحكم ما في الدنيا من كونه من أهل الجنة، أو من أهل النار، قال: والرجئة أصنافٌ أربعة: مرجئة الخوارج، ومرجئة القدريّة، والمرجئة الخالصة، ثم ذكر مقالات المرجئة الخالصة، من شاء الوقوف
стр. 813
عليها رجع إلى "الملل والنحل"، والظاهر أن المراد في الحديث مرجئة الجبريّة. قاله في "المرعاة" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ثم إن حكم المرجئة أنهم لا يُكفّرون، بل يبدّعون، ويضلّلون ببدعتهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀: بعد أن ذكر المرجئة، وأقوالهم: ما نصّه: ثم إن السلف والأئمة اشتدّ إنكارهم على هؤلاء، وتبديعهم، وتغليظ القول فيهم، ولم أعلم أحدًا منهم نطق بتكفيرهم، بل هم متّفقون على أنهم لا يُكفّرون في ذلك، وقد نصّ أحمد وغيره من الأئمة على عدم تكفير هؤلاء المرجئة، ومن نقل عن أحمد أو غيره من الأئمة تكفيرًا لهؤلاء، أو جعل هؤلاء من أهل البدع المتنازع في تكفيرهم، فقد غَلِط غلطًا عظيمًا، والمحفوظ عن أحمد وأمثاله من الأئمة إنما تكفير الجهميّة المشبّهة، وأمثال هؤلاء، ولم يكفّر أحمد الخوارج، ولا القدريّة، إذا أقرّوا بالعلم، وأنكروا خلق الأفعال، وعموم المشيئة، لكن حُكي عنه في تكفيرهم روايتان.
وأما المرجئة فلا يختلف قوله في عدم تكفيرهم، مع أن أحمد لم يكفّر أعيان الجهميّة، ولا كلّ من قال: إنه جهميّ كفّره، ولا كلّ من وافق الجهميّة في بعض بدعهم، بل صلّى خلف الجهميّة الذين دعوا إلى قولهم، وامتحنوا الناس، وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يُكفّرهم أحمد وأمثاله، انتهى (٢).
(وَالْقَدَرِيَّةُ") بفتحتين، أو بفتح، فسكون: نسبة إلى القدَر -بفتح القاف، والدال المهملة، وبسكونها- وهم: قوم يَجحدون القدر، مولّدة (٣).
وقال الأزهريّ في "التهذيب": القدريّة قوم يُنسبون إلى التكذيب بما قدّر الله من الأشياء، وقال بعض متكلّميهم: لا يلزمنا هذا اللقب؛ لأنا ننفي القدر عن الله ،
стр. 814
ومن أثبته فهو أولى به، قال: وهذا تمويه منهم؛ لأنهم يُثبتون القدّر لأنفسهم، ولذلك سُمُّوا، وقول أهل السنّة: إن علم الله سبق في البشر، فعلم كُفْرَ من كَفَر منهم، كما علم إيمان من آمن، فأثبتَ علمَهُ السابق وكتبه، وكلّ ميسّر لما خُلق له، وكُتب عليه. انتهى (١).
وقال في "المرعاة": القدّريّة هم الذين يقولون: إن العبد خالق لأفعاله، والأمر أُنُف من غير سبق قضاء وتقدير، واشتهر بهذا الاسم من لا يقول بالقدر لأجل أنهم تكلّموا في القدر، وأقاموا الأدلّة بزعمهم على نفيه، وتوغّلوا في هذه المسألة حتى اشتهروا بهذا الاسم، وبسبب توغّلهم، وكثرة اشتغالهم صاروا هم أحقّ بهذه النسبة من غيرهم، فلا يَرِدُ أن المثبت أحقّ بهذه النسبة من النافي، على أن الأحاديث صريحة في أن المراد ها هنا النافي، فاندفع توهّم القدريّة أن المراد في هذا الحديث المثبت للقدر لا النافي.
وربّما يتمسّك بالحديث من يُكّفّر الفريقين، قال ابن حجر الهيتميّ الشافعيّ: من أطلق تكفير الفريقين أخذًا بظاهر الحديث، فقد استروح، بل الصواب عند الأكثرين من علماء السلف والخلف أنا لا نُكَفِّر أهل البدع والأهواء، إلا إن أتوا بكفر صريح، لا استلزاميّ؛ لأن الأصحّ أن لازم المذهب ليس بلازم، ومن ثَمَّ لم يزل العلماء يعاملونهم معاملة المسلمين في نكاحهم وإنكاحهم، والصلاة على موتاهم، ودفنهم في مقابر المسلمين؛ لأنهم وإن كانوا مخطئين غيرَ معذورين حقّت عليهم كلمة الفسق والضلال، إلا أنهم لم يقصدوا بما قالوه اختيار الكفر، وإنما بذلوا وسعهم في إصابة الحقّ، فلم يحصل لهم، لكن لتقصيرهم بتحكيم عقولهم وأهويتهم وإعراضهم عن صريح السنّة والآيات من غير تأويل سائغ، وبهذا فارقوا مجتهدي الفروع، فإن خطأهم إنما هو لعذرهم بقيام دليل آخر عندهم مقاوم لدليل غيرهم من جنسه، فلم يُقصّروا، ومن ثَمَّ أُثيبوا على اجتهادهم. انتهى.
стр. 815
وهذا أي عدم تكفيرهم قول المحقّقين من علماء الأمة احتياطًا، فيجري قوله: "ليس لهما في الإسلام نصيب" مجرى الاتّساع في بيان سوء حظّهم، وقلّة نصيبهم من الإسلام، نحو قولك: ليس للبخيل من ماله نصيب". انتهى.
وقال السنديّ: في صلاحية هذا الحديث للاستدلال به في الفروع نظرٌ كما ستعرف، فضلًا عن الأصول، والمطلوب فيها القطع، فكيف يُتمسّك به في التكفير؟ انتهى (١).
وقال صاحب "المرعاة": أحاديث الباب ما بين الصحاح والحسان والضعاف غير الساقطات تدلّ بمجموعها على أن الإيمان بالقدر من غير بحث ومنازعة من ضروريّات الدين، وركن من أركان الإسلام، فالظاهر أن إنكار القدر، وتكذيبه من البدع المكفّرة. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس ﵄ هذا ضعيف؛ لضعف عليّ بن نِزار، وأبيه، كما سبق في ترجمتهما.
[تنبيه]: حكم الحافظ سراج الدين القزوينيّ على حديث ابن عبّاس ﵄ هذا بأنه موضوع، فرد عليه الحافظ ابن حجر ﵀، فقال: ما نصّه: قلت: أخرجه الترمذيّ وابن ماجه، ومداره على نزار بن حيّان، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، وقال الترمذيّ: هذا حديث حسنٌ غريبٌ. ونزارٌ هذا بكسر النون، وتخفيف الزاي، وآخره راء ضعيفٌ عندهم، ورواه عنه ابنه عليّ بن نزار، وهو ضعيفٌ، لكن تابعه
стр. 816
القاسم بن حبيب، وإذا جاء الخبر من طريقين كلٌّ منهما ضعيفٌ قوي أحد الطريقين بالآخر، ومن ثَمَّ حسّنه الترمذيّ، ووجدنا له شاهدًا من حديث جابر، ومن طريق ابن عمر، ومن طريق معاذ، وغيرهم، وأسانيدها ضعيفة، ولكن لم يوجد فيه علامة الوضع، إذ لا يلزم من نفي الإسلام عن الطائفتين إثبات كفر من قال بهذا الرأي؛ لأنه يُحمل على نفي الإيمان الكامل، أو المعنى أنه اعتقد اعتقاد الكافر لإرادة المبالغة في التنفير من ذلك لا حقيقة الكفر، وينصره أنه وصفهم بأنهم من أمته. انتهى كلام الحافظ (١). وهو بحث نفيس جدّا. والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: هذا الحديث ثبت من حديث أنس ﵁ بلفظ آخر، أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط"، ونصّه:
حدّثنا عليّ بن عبد الله الفرغانيّ، قال: نا هارون بن موسى الفرويّ، قال: نا أبو ضمرة أنس بن عياض، عن حميد، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أمتي لا يردان الحوض، ولا يدخلان الجنّة: القدريّة، والمرجئة"، وفي لفظ: "القدريّة مجوس هذه الأمة، فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم".
قال الطبرانيّ: لم يرو هذين الحديثين عن حميد الطويل إلا أنس بن عياض، تفرّد بهما هارون بن موسى الفرويّ. انتهى.
ورجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير هارون بن موسى، وهو -كما قال الحافظ أبو بكر الهيثميّ-: ثقة، وقال في "التقريب": لا بأس به، وشيخ الطبرانيّ، وقد وثقه بعضهم، فالحديث حسن، راجع ما كتبه الشيخ الألبانيّ ﵀ في "السلسلة الصحيحة" ٦/ ٥٦٣ - ٥٦٥. والله تعالى أعلم.
стр. 817
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا بهذا السند، وأعاده برقم (٧٣) من طريق عبد الله بن محمد الليثيّ، عن نِزار، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، وجابر بن عبد الله ﵁، وأخرجه (الترمذيّ) (٢١٤٩) وقال: حسن غريب (١). و (عبد بن حميد) في "مسنده" (٥٧٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قد رأيت لشيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ كلامًا حسنًا فيما يتعلّق بالمرجئة والقدريّة، ونحوهم من أهل الأهواء، أحببت إيراده هنا لنفاسته، وتكميلًا للفوائد، ونشرًا للعوائد:
سئل ﵀ عن قوله ﷺ : "تفترق أمتي ثلاثة وسبعين فرقة" ما الفِرَق؟ وما معتقد كلّ فرقة من هذه الصنوف؟.
فأجاب ﵀: الحمد لله الحديث صحيح مشهور في السنن والمسانيد، كسنن أبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم، ولفظه: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقةً كلها في النار إلا واحدةً، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدةً، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقةً كلها في النار إلا واحدة"، وفي لفظ: "على ثلاث وسبعين ملّةً".
وفي رواية: قالوا: يا رسول الله من الفرقة الناجية؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، وفي رواية قال: "هي الجماعة، يد الله على الجماعة".
ولهذا وَصَف الفرقةَ الناجيةَ بأنها أهل السنّة والجماعة، وهم الجمهور الأكبر، والسواد الأعظم.
وأما الفرق الباقية، فإنهم أهل الشذوذ، والتفرّق، والبدع، والأهواء، ولا تبلغ
стр. 818
الفرقة من هؤلاء قريبًا من مبلغ الفرقة الناجية فضلًا عن أن تكون بقدرها، بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلّة، وشعار هذه الفِرَق مفارقة الكتاب والسنّة والإجماع، فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة.
وأما تعيين هذه الفرق، فقد صنّف الناس فيهم مصنّفات، وذكروهم في كتب المقالات، لكن الجزم بأن هذه الفرقة الموصوفة (١) هي إحدى الثنتين والسبعين لا بدّ له من دليل، فإن الله حرّم القول بلا علم عمومًا، وحرّم القول عليه بلا علم خصوصًا، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا في الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٦٨ - ١٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وأيضًا فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم الظنّ" والهوى، فيجعل طائفته، والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له هم أهل السنّة والجماعة، ويجعل من خالفها أهل البدع، وهذا ضلال مبين، فإن أهل الحقّ والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]، فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله ﷺ ، فمن جعل شخصًا من الأشخاص غير رسول الله ﷺ من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة -كما يوجد ذلك في الطوائف من أتباع أئمة في (٢) الكلام في الدين، وغير ذلك- كان من أهل البدع
стр. 819
والضلال والتفرّق.
وبهذا يتبيّن أن أحقّ الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة الذين ليس لهم متبوع يتعصّبون له إلا رسول الله ﷺ ، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزًا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها، واتّباعها، تصديقًا، وعملًا، وحبّا، وموالاةً لمن والاها، ومعاداةً لمن عاداها، الذين يروون (١) المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة، فلا ينصبون مقالة، ويجعلونها من أصول دينهم، وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول ﷺ ، بل يجعلون ما بُعث به الرسول ﷺ من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه، ويعتمدون عليه، وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك يردّونه إلى الله ورسوله ﷺ .
ويُفسّرون الألفاظ المجملة التي تنازع فيها أهل الفرق والاختلاف، فما كَانَ معانيها موافقًا للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان مخالفا للكتاب والسنة أبطلوه، ولا يتبعون الظنّ، وما تَهوَى الأنفس، فإن اتّباع الظنّ جهل، واتّباع هوى النفس بغير هدى من الله ظلم، وجماعُ الشرّ الجهل والظلم، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] إلى آخر السورة، وذكر التوبة لعلمه ، أنه لا بدّ لكل إنسان من أن يكون فيه جهل وظلم، ثم يتوب الله على من يشاء، فلا يزال العبد المؤمن دائمًا يتبيّن له من الحقّ ما كان جاهلًا به، ويرجع عن عمل كان ظالمًا فيه، وأدناه ظلمه لنفسه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الحديد: ٩]، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١].
стр. 820
ومما ينبغي أيضًا أن يُعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات، منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة.
ومن يكون قد ردّ على غيره من الطوائف الذين هو أبعد عن السنة منه فيكون محمودًا فيما ردّه من الباطل، وقاله من الحقّ، لكن يكون قد جاوز العدل في ردّه بحيث جحد بعض الحقّ، وقال بعض الباطل، فيكون قد ردّ بدعةً كبرة ببدعة أخفّ منها، وردّ بالباطل باطلًا بباطل أخفّ منه (١)، وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة، ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولا يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه، ويعادون عليه كان من نوع الخطإ، والله يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك، ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها، لهم مقالات قالوها باجتهاد، وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنّة، بخلاف من والى موافقه، وعادى مخالفه، وفرّق بين جماعة المسلمين، وكفّر، وفسّق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحلّ قتال مخالفه دون موافقه، فهؤلاء من أهل التفرّق والاختلاف.
ولهذا كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع الخوارج المارقون، وقد صحّ الحديث في الخوارج عن النبيّ ﷺ من عشرة أوجه، خرّجها مسلم في "صحيحه"، وخرّج البخاريّ منها غير وجه، وقد قاتلهم أصحاب النبيّ ﷺ مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁، فلم يختلفوا في قتالهم كما اختلفوا في قتال الفتنة يوم الجمل وصفّين؛ إذ كانوا في ذلك ثلاثة أصناف: صنف قاتلوا مع هؤلاء، وصنف قاتلوا مع هؤلاء، وصنف أمسكوا عن القتال وقعدوا، وجاءت النصوص بترجيح هذه الحال.
فالخوارج لمّا فارقوا جماعة المسلمين، وكفّروهم، واستحلّوا قتالهم جاءت السنّة بما جاء فيهم، كقول النبيّ ﷺ : "يَحقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم،
стр. 821
وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يُجاوز حناجرهم، يَمرُقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمِيّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة".
وقد كان أولهم خرج على عهد رسول الله ﷺ ، فلما رأى قسمة النبيّ ﷺ قال: يا محمد اعدِل، فإنك لم تعدل، فقال له النبيّ ﷺ : "لقد خبتَ وخسرتَ إن لم أعدل"، فقال له بعض أصحابه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: "إنه يخرُج من ضئضىء هذا أقوامٌ يَحقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم ... " الحديث.
فكان مبدأ البدع هو الطعن في السنة بالظنّ والهوى، كما طعن إبليس في أمر ربه برأيه وهواه.
وأما تعيين الفِرَق الهالكة، فأقدم من بلغنا أنه تكلّم في تضليلهم يوسف بن أسباط، ثم عبد الله بن المبارك، وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين قالا: أصول البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدريّة، والمرجئة، فقيل لابن المبارك: والجهميّة؟ فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد، وكان يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهميّة.
وهذا الذي قاله اتّبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، قالوا: إن الجهميّة كفّار، فلا يدخلون في الاثنين والسبعين فرقة، كما لا يدخل فيهم المنافقون الذين يُبطنون الكفر، ويُظهرون الإسلام، وهم الزنادقة.
وقال آخرون من أصحاب أحمد وغيرهم: بل الجهميّة داخلون في الاثنين والسبعين فرقةً، وجعلوا أصول البدع خمسةً، فعلى قول هؤلاء يكون كلّ طائفة من المبتدعة الخمسة اثنتا عشرة فرقةً، وعلى قول الأولين يكون كل طائفة من المبتدعة الأربعة ثمان عشرة فرقة.
وهذا ينبني على أصل آخر، وهو تكفير أهل البدع، فمن أخرج الجهميّة منهم لم
стр. 822
يُكفّرهم، فإنه لا يكفر سائر أهل البدع، بل يجعلهم من أهل الوعيد بمنزلة الفسّاق والعُصاة، ويجعل قوله: "هم في النار" مثل ما جاء في سائر الذنوب، مثل أكل مال اليتيم وغيره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] الآية.
ومن أدخلهم فيهم، فهم على قولين:
منهم من يكفّرهم كلهم، وهذا إنما قاله بعض المتأخرين المنتسبين إلى الأئمة أو المتكلّمين، وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير المرجئة والشيعة المفضِّلَة، ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفّر هؤلاء، وإن كان من أصحابه من حَكَى في تكفير جميع أهل البدع من هؤلاء وغيرهم خلافًا عنه، أو في مذهبه حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم، وهذا غلطٌ على مذهبه، وعلى الشريعة.
ومنهم من لم يكفّر أحدًا من هؤلاء إلحاقًا لأهل البدع بأهل المعاصي، قالوا: فكما أن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفّرون أحدًا بذنب، فكذلك لا يكفّرون أحدًا ببدعة.
والمأثور عن السلف، والأئمة إطلاق أقوال بتكفير الجهميّة المحضة الذين يُنكرون الصفات، وحقيقة قولهم: إن الله لا يتكلم، ولا يُرَى، ولا يباين الخلق، ولا له علم، ولا قدرة، ولا سمعٌ، ولا بصرٌ، ولا حياةٌ، بل القرآن مخلوقٌ، وأهل الجنّة لا يرونه كما لا يراه أهل النار، وأمثال هذه المقالات.
وأما الخوارج، والروافض، ففي تكفيرهم نزاعٌ وتردّد عن أحمد وغيره.
وأما القدريّة الذين يَنفُون الكتابة والعلم، فكفّروهم، ولم يكفّروا من أثبت العلم، ولم يُثبت خلق الأفعال.
وفصل الخطاب في هذا الباب بذكر أصلين:
[أحدهما]: أن يعلم أن الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا منافقًا، فإن الله منذ بعث محمدًا ﷺ ، وأنزل عليه القرآن، وهاجر إلى المدينة صار الناس ثلاثة
стр. 823
أصناف: مؤمنٌ به، وكافرٌ به مظهر الكفر، ومنافقٌ مستخف بالكفر، ولهذا ذكر الله هذه الأصناف الثلاثة في أول سورة البقرة، ذكر أربع آيات في نعت المؤمنين، وآيتين في الكفّار، وبضع عشرة آيةً في المنافقين، وقد ذكر الله الكفّار والمنافقين في غير موضع من القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١].
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]، وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٥]، وعطفهم على الكفّار ليميّزهم عنهم بإظهار الإسلام، وإلا فهم في الباطن شرّ من الكفّار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ في الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وكما قال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٨٤]، وكما قال: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٣ - ٥٤].
وإذا كان كذلك فأهل البدع فيهم المنافق الزنديق فهذا كافر، ويكثر هذا في الروافض والجهميّة، فإن رؤساءهم كانوا منافقين زنادقة، وأول من ابتدع الرفض كان منافقًا، وكذلك التجهّم، فإن أصله زندقة ونفاق، ولهذا كان الزنادقة المنافقون من القرامطة الباطنيّة المتفلسفة، وأمثالهم يميلون إلى الرافضة والجهمية لقربهم منهم.
ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان باطنا وظاهرًا، لكن فيه جهل وظلم حتى أخطأ ما أخطأ من السنة، فهذا ليس بكافر ولا منافق، ثم قد يكون منه عدوان وظلم يكون به فاسقًا أو عاصيًا، وقد يكون مخطئًا متأولًا مغفورًا له خطؤه، وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه، فهذا أحد الأصلين.
[والأصل الثاني]: أن المقالة تكون كفرًا، كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحجّ، وتحليل الزنا والخمر والميسر، ونكاح ذوات المحارم، ثم القائل بها قد
стр. 824
يكون بحيث لم يبلغه الخطاب، وكذا (١) لا يكفر به جاحده، كمن هو حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام، فهذا لا يُحكم بكفره بجحد شيء مما أنزل على الرسول ﷺ إذا لم يعلم أنه أُنزل على الرسول ﷺ .
ومقالات الجهميّة هي من هذا النوع، فإنها جحد لا هو الربّ تعالى عليه، ولما أنزل الله على رسوله، وتُغلّظ مقالاتهم من ثلاثة أوجه:
[أحدها]: أن النصوص المخالفة لقولهم في الكتاب والسنّة والإجماع كثيرة جدّا مشهورة، وإنما يردّونها بالتحريف.
[الثاني]: أن حقيقة قولهم تعطيل الصانع، وإن كان منهم من لا يَعلَم أن قولهم مستلزم تعطيل الصانع، فكما أن أصل الإيمان الإقرار بالله، فأصل الكفر الإنكار لله.
[الثالث]: أنهم يخالفون ما اتّفقت عليه الملل كلّها، وأهل الفطر السليمة كلها لكن مع هذا قد يخفى كثير من مقالاتهم على كثير من أهل الإيمان حتى يظنّ أن الحقّ معهم؛ لما يوردونه من الشبهات، ويكون أولئك المؤمنون مؤمنين بالله ورسوله باطنا وظاهرًا، وإنما التبس عليهم، واشتبه هذا كما التبس على غيرهم من أصناف المبتدعة، فهؤلاء ليسوا كفّارًا قطعًا، بل قد يكون منهم الفاسق والعاصي، وقد يكون منهم المخطىء المغفور له، وقد يكون معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه به من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه.
وأصل قول أهل السنّة الذي فارقوا به الخوارج والجهميّة والمعتزلة والمرجئة أن الإيمان يتفاضل ويتبعّض، كما قال النبيّ ﷺ : "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان"، وحينئذ فتتفاضل ولاية الله، وتتبعّض بحسب ذلك.
وإذا عُرف أصل البدع، فأصل قول الخوارج أنهم يكفّرون بالذنب، ويعتقدون ذنبًا ما ليس بذنب، ويرون اتّباع الكتاب دون السنّة التي تخالف ظاهر الكتاب، وإن
стр. 825
كانت متواترةً، ويكفّرون من خالفهم، ويستحلّون منه لارتداده عندهم ما لا يستحلّونه من الكافر الأصليّ، كما قال النبيّ ﷺ فيهم: "يقتلون أهل الإسلام، ويدَعُون أهل الأوثان"، ولهذا كفّروا عثمان وعليّا وشيعتهما، وكفّروا أهل صفّين الطائفتين في نحو ذلك من المقالات الخبيثة.
وأصل قول الرافضة أن النبيّ ﷺ نصّ على عليّ نصّا قاطعًا للعذر، وأنه إمام معصوم، ومن خالفه كفر، وأن المهاجرين والأنصار كتموا النصّ، وكفروا بالإمام المعصوم، واتّبعوا أهواءهم، وبدّلوا الدين، وغيّروا الشريعة، وظلموا، واعتدوا، بل كفروا إلا نفرًا قليلًا، إما بضعة عشر، أو أكثر، ثم يقولون: إن أبا بكر وعمر ونحوهما ما زالا منافقين، وقد يقولون: بل آمنوا، ثم كفروا، وأكثرهم يكفّر من خالف قولهم، ويُسمّون أنفسهم المؤمنين، ومن خالفهم كفّارًا، ويجعلون مدائن الإسلام التي لا تُظهَر فيها أقوالهم دار رِدّة أسوأ حالًا من مدائن المشركين والنصارى، ولهذا يوالون اليهود والنصارى والمشركين على بعض جمهور المسلمين، ومعاداتهم، ومحاربتهم، كما عُرف من موالاتهم الكفار المشركين على جمهور المسلمين، ومن موالاتهم الإفرنج النصارى على جمهور المسلمين، ومن موالاتهم اليهود على جمهور المسلمين.
ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق، كزندقة القرامطة الباطنة وأمثالهم، ولا ريب أنهم أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنّة، ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة، فجمهور العامة لا تعرف ضدّ السنيّ إلا الرافضيّ، فإذا قال أحدهم: أنا سنّيّ، فإنما معناه لست رافضيّا، ولا ريب أنهم شرّ من الخوارج، لكن الخوارج كان لهم في مبدأ الإسلام سيف على أهل الجماعة، وموالاتهم الكفّار أعظم من سيوف الخوارج، فإن القرامطة والإسماعيليّة ونحوهم من أهل المحاربة لأهل الجماعة، وهم منتسبون إليهم، وأما الخوارج فهم معروفون بالصدق، والروافض معروفون بالكذب، والخوارج مَرَقُوا من الإسلام، وهؤلاء نابذوا الإسلام.
وأما القدريّة المحضة، فهم خير من هؤلاء بكثير، وأقرب إلى الكتاب والسنّة،
стр. 826
لكن المعتزلة وغيرهم من القدريّة هم جهميّة أيضًا، وقد يكفّرون من خالفهم، ويستحلّون دماء المسلمين، فيقربون من أولئك.
وأما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلّظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يُعَدُّون إلا من أهل السنّة حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلّظة.
ولمّا كان قد نُسب إلى الإرجاء والتفضيل قوم مشاهير متَّبَعون تكلّم أئمة السنة المشاهير في ذمّ المرجئة المفضّلة تنفيرًا عن مقالتهم، كقول سفيان الثوريّ: مَن قدّم عليّا على أبي بكر والشيخين فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وما أدري يصعد له إلى الله عمل مع ذلك، أو نحو هذا القول، قاله لما نُسب إلى تقديم عليّ بعضُ أئمة الكوفيين، وكذلك قول أيوب السختيانيّ: من قدّم عليّا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، قاله لما بلغه ذلك عن بعض أئمة الكوفيين، وقد روي أنه رجع عن ذلك، وكذلك قول الثوريّ ومالك والشافعيّ وغيرهم في ذمّ المرجئة لما نُسب إلى الإرجاء بعض المشهورين.
وكلام الإمام أحمد في هذا الباب جارٍ على كلام من تقدّم من أئمة الهدى، ليس له قولٌ ابتدعه، ولكن أظهر السنة وبيّنها، وذبّ عنها، وبيّن حال مخالفيها، وجاهد عليها، وصبر على الأذى فيها لمّا أُظهرت الأهواء والبدع، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، فالصبر واليقين بهما تنال الإمامة في الدين، فلما قام بذلك قُرنت باسمه الإمامة في السنة ما شُهر به، وصار متبوعًا لمن بعده، كما كان تابعًا لمن قبله.
وإلا فالسنّة هي ما تلقاه الصحابة عن رسول الله ﷺ ، وتلقّاه عنهم التابعون، ثم تابعوهم إلى يوم القيامة، وإن كان بعض الأئمة بها أعلم، وعليها أصبر. والله أعلم وأحكم. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀ (١).
стр. 827
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام شيخ الإسلام هذا تحقيق نفيس، وبحث أنيس، فتمسّك به، فإنك لا تجده مجموعًا محقّقا عند غيره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٦٣ - (حَدَّثَنَا عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ كهْمَسِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: كُنَا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَاءَ رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ شَعَرِ الرَّأْسِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ سَفَرٍ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَهُ إِلَى رُكْبَتِهِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهِ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ الْبَيْتِ"، فَقَالَ: صَدَقْتَ، فَعَجِبْنَا مِنْهُ، يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا الْإِيَمانُ؟ قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَكُتُبِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَير وَشَرِّهِ"، قَالَ: صَدَقْتَ، فَعَجِبْنَا مِنْهُ، يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّه كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا ترَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، قَالَ: فَمَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ"، قَالَ: فَمَا أَمَارَتُهَا؟ قَالَ: "أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا"، قَالَ وَكِيعٌ -يَعْني تَلِدُ الْعَجَمُ الْعَرَبَ- وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ، الْعُرَاةَ، الْعَالَةَ، رِعَاءَ الشَّاءِ، يَتَطَاوَلُونَ في الْبِنَاءِ"، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَقَالَ: "أَتَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ؟ "، قُلْتُ: اللَّه وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "ذَاكَ جِبْرِيلُ، أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ مَعَالِمَ دِينِكُمْ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ المذكور في السند الماضي.
٢ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح المذكور في السند الماضي أيضًا.
٣ - (كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ) التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقة [٥].
رَوَى عن أبي الطفيل، وعبد الله بن بريدة، وعبد الله بن شقيق، وأبي السَّلِيل
стр. 828
ضُريب بن نُقَير، ويزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، وغيرهم.
وروى عنه ابنه عون، والقطان، وابن المبارك، ووكيع، ومعتمر بن سليمان، وسفيان بن حبيب، ومعاذ بن معاذ، وخالد بن الحارث، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: ثقة وزيادة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن سعد: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة. وقال الساجي: صدوق يَهِم، ونَقَلَ أن ابن معين ضعّفه، وتبعه الأزدي في نقل ذلك. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة تسع وأربعين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم ٦٣ و١١٦٢ و ١٨٧٤ و٣٨٥٠ و ٤٢٢٠.
٤ - (عَبْدِ اللَّه بْنِ بُرَيْدَةَ) بن الحصيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ، قاضي مرو، أخو سليمان، وكانا توأمين، ثقة [٣].
رَوى عن أبيه، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وابن مسعود، وعبد الله بن مغفل، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم.
وروى عنه بشير بن المهاجر، وسهل بن بشير، وحُجير بن عبد الله، وحسين بن ذكوان، وحسين بن واقد المروزي، وداود بن أبي الفرات، وقتادة، وكهمس بن الحسن، ومالك بن مغول، ومحارب بن دثار، وغيرهم.
قال الأثرم عن أحمد: أما سليمان فليس في نفسي منه شيء، وأما عبد الله، ثم سكت، ثم قال: كان وكيع يقول: كانوا لسليمان أحمد منهم لعبد الله. وقال في رواية أخرى عن وكيع: كان سليمان أصحهما حديثًا. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: عبد الله ابن بُريدة الذي رَوَى عنه حسين بن واقد ما أنكرهما، وأبو المنيب أيضًا. وقال ابن معين، والعجلي، وأبو حاتم: ثقة. وقال أبو تميلة، عن رُميح الطائي، عن عبد الله بن بريدة: وُلِدتُ لثلاث خلون من خلافة عمر. وقال أحمد بن سيار المروزي: مات بقرية من قرى مرو، وكان بينه وبين موت أخيه سليمان عشر سنين، وتوفي عبد الله في ولاية
стр. 829
أسد بن عبد الله على القضاء. وقال ابن حبان: ولد عبد الله سنة (١٥) وهو وأخوه سليمان توأم، ومات سليمان وهو على القضاء بمرو سنة (١٠٠) وولي أخوه بعده القضاء إلى أن مات سنة خمس وعشرة ومائة، فعلى هذا يكون عمر عبد الله مائة سنة، وقد قيل: إنهما ماتا في يوم واحد، وليس بشيء.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٦) حديثًا.
٥ - (يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ) -بفتح التحتانيّة، والميم، بينهما مهملة ساكنة- البصريّ، أبو سليمان، ويقال: أبو سعيد، ويقال: أبو عَدِيّ الْقَيْسِيّ الْجَدَلِيُّ، قاضي مرو، ثقة فصيح، وكان يرسل [٣].
روى عن عثمان، وعلي، وعمار، وأبي ذر، وأبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، وأبي سعيد، وعائشة، وسليمان بن صُرَد، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وأبي الأسود الديلي، وجماعة.
وروى عنه سليمان التيمي، وعبد الله بن بريدة، وقتادة، وعكرمة، وعطاء الخرساني، والرُّكَين بن الرَّبِيع، والأزرق بن قيس، وإسحاق بن سُويد، وغيرهم.
قال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال الآجري: قلت لأبي داود: سمع من عائشة؟ قال: لا. وقال الحسين بن الوليد، عن هارون بن موسى: أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر. وقال قيس بن الربيع، عن عبد الملك بن عمير: فُصَحاء الناس ثلاثة: موسى بن طلحة، ويحيى بن يعمر، وقَبِيصة بن جابر. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من فصحاء أهل زمانه، وأكثرهم علما باللغة، مع الورع الشديد، وكان على قضاء مرو وَلَّاه قتيبةُ بن مسلم. وقال الدارقطني: لم يَلْقَ عمارًا إلا أنه صحيح الحديث عمن لقيه. وقال أبو داود: بينه وبين عمار رجل. وقال ابن سعد: كان نحويا، صاحب علم بالعربية والقرآن، ولي القضاء بمرو، وكان يقضي باليمين والشاهد، وكان ثقة. وقال الحاكم: يحيى بن يعمر فقيه أديب نحوي مروزي تابعيّ، وأكثر روايته عن التابعين، وأخذ النحو عن أبي الأسود الديلي، نفاه الحجاج إلى مرو، فقبله قتيبة بن
стр. 830
مسلم، وقد قضى في أكبر مدن خراسان، وكان إذا انتقل من بلد استُخلِف على القضاء بها. وقال أبو الحسن علي بن الأثير الجزري في "الكامل": مات سنة تسع وعشرين ومائة، كذا قال، وفيه نظر. وقال غيره: مات في حدود العشرين. وقال أبو الفرج بن الجوزي: مات سنة تسع وثمانين. وقيل: إن قتيبة عزله لما بلغه أنه يشرب المُنَصَّف.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم ٦٣ و ٢٣١٩ و ٣٦٨٣.
٦ - (ابْنِ عُمَرَ) هو: عبد الله ﵄ ١/ ٤.
٧ - (عُمَرَ) بن الخطاب ﵁ ٣/ ٢٨، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: كهمس، عن ابن بُريدة، عن يحيى بن يعمر.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، والابن عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن ابن عمر هو أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وأحد المشهورين بالفتوى من الصحابة ﵃.
٦ - (ومنها): أن عمر ﵁ أحد الخلفاء الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وقد شهد له النبيّ ﵁ بأن الحقّ يجري على لسانه، وأنه مُلْهَم، وسماه الفاروق؛ لفرقه بين الحقّ والباطل، وأنه لا يسلك فجّا إلا سلك الشيطان غير فجّه، وهو جمّ المناقب ﵁، والله تعالى أعلى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ) رحمه الله تعالى (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) (قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) رضي الله تعالى عنه.
стр. 831
[تنبيهان]:
(الأول): حديث عمر ﵁ هذا لم يخرجه البخاريّ في "صحيحه"، فذكر في "الفتح" سبب ذلك، فقال: إنما لم يخرجه؛ للاختلاف فيه على بعض رواته، فمشهوره رواية كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه عمر بن الخطاب، رواه عن كهمس جماعة من الحفاظ، وتابعه مطر الوراق، عن عبد الله بن بريدة، وتابعه سليمان التيمي، عن يحيى بن يعمر، وكذا رواه عثمان بن غياث، عن عبد الله بن بريدة، لكنه قال: عن يحيى بن يعمر، وحميد بن عبد الرحمن معا، عن ابن عمر، عن عمر، زاد فيه حميدا وحميد له في الرواية المشهورة ذكر، لا رواية، وأخرج مسلم هذه الطرق، ولم يسق منها إلا متن الطريق الأولى، وأحال الباقي عليها، وبينها اختلاف كثير، سنشير إلى بعضه، فأما رواية مطر، فأخرجها أبو عوانة في "صحيحه" وغيره، وأما رواية سليمان التيمي، فأخرجها ابن خزيمة في "صحيحه" وغيره، وأما رواية عثمان بن غياث، فأخرجها أحمد في "مسنده"، وقد خالفهم سليمان بن بريدة، أخو عبد الله، فرواه عن يحيى بن يعمر، عن عبد الله بن عمر، قال: بينما نحن عند النبي ﷺ ، فجعله من مسند ابن عمر، لا من روايته عن أبيه، أخرجه أحمد أيضا، وكذا رواه أبو نعيم في "الحلية" من طريق عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، وكذا رُوِي من طريق عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمر، أخرجه الطبراني.
وفي الباب: عن أنس، أخرجه البزار، والبخاري في "خلق أفعال العباد"، وإسناده حسن، وعن جرير البجلي، أخرجه أبو عوانة في "صحيحه"، وفي إسناده خالد ابن يزيد، وهو العمري، ولا يصلح للصحيح، وعن ابن عباس، وأبي عامر الأشعري، أخرجهما أحمد، وإسنادهما حسن، وفي كل من هذه الطرق فوائد، سنذكرها -إن شاء الله تعالى- في أثناء الكلام على حديث الباب، وإنما جمعت طرقها هنا، وعزوتها إلى مخرجيها؛ لتسهيل الحوالة عليها، فرارا من التكرار، المباين لطريق الاختصار. انتهى كلام صاحب "الفتح" ١/ ١٥٨ - ١٥٩.
стр. 832
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وأنا -بعون الله تعالى- سألخّص ما ذكره صاحب "الفتح" وغيره من اختلاف هذه الطرق، وما احتوت عليه من الفوائد في شرح هذا الحديث -إن شاء الله تعالى- والله تعالى وليّ التوفيق.
(الثاني): هذا الحديث في أوله قصّة ساقها مسلم في "صحيحه"، فقال: حدثني أبو خيثمة، زهير بن حرب، حدثنا وكيع، عن كهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر ح وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، وهذا حديثه، حدثنا أبي، حدثنا كهمس، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال: كان أولَ من قال في القدر، بالبصرة مَعْبَد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري، حاجين، أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب، داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنُفٌ، قال: فإذا لقيت أولئك، فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه، ما قبل الله منه، حتى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدثني أبي، عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ، ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر ... " الحديث.
(قَالَ) عمر ﵁ (كُنَّا جُلُوسًا) بضم الجيم جمع جالس (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ) وفي رواية مسلم: "قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجلٌ إلخ" (فَجَاءَ رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ شَعَرِ الرَّأْسِ) بفتح العين المهملة، وسكونها، زاد في رواية ابن حبّان: "شديد سواد اللحية" (لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ سَفَرٍ) ببناء الفعل للمفعول، قال النوويّ: ضبطناه بالياء المثنّاة، من تحتُ المضمومة، وكذلك ضبطناه في "الجمع بين الصحيحين"، وغيره، وضبطه الحافظ أبو حازم العُذْريّ هنا بالنون
стр. 833
المفتوحة، وكذا هو في مسند أبي يعلى الموصليّ، وكلاهما صحيح. انتهى.
وقال القرطبيّ: هكذا مشهور رواية هذا اللفظ "يُرى" مبنيّا لما لم يُسمّ فاعله بالياء باثنين من تحتها، "ولا يعرفه" بالياء أيضًا، وقد رواه أبو حازم العُذْريّ: "لا نَرى عليه أثر السفر، ولا نعرفه" بالنون فيهما، مبنيّا للفاعل، ونون الجماعة، وكلاهما واضحٌ المعنى. انتهى.
وفي البخاريّ في "التفسير": "إذ أتاه رجل يمشي"، وفي حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ الآتي: "وإنا لجلوس، ورسول الله ﷺ في مجلسه، إذ أقبل رجل، أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا، كأن ثيابه لم يمسها دنس، حتى سلّم في طرَف البساط، فقال: السلام عليكم يا محمد".
(وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتهُ إِلَى رُكْبَتِهِ) أي ركبتي النبيّ ﷺ . وفي رواية لسليمان التيميّ: "ليس عليه سَحْناء السفر، وليس من البلد، فتخطّى، حتى برك بين يدي النبيّ ﷺ ، كما يجلس أحدنا في الصلاة".
(وَوَضَعَ يديه عَلَى فَخِذَيْهِ) قال النوويّ: معناه أن الرجل الداخل وضع كفيه على فخذي نفسه، وجلس على هيئة المتعلّم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصحيح أن معناه أنه وضع كفه على فخذي النبيّ ﷺ ؛ للتصريح به في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ رضي الله تعالى عنهما، ولفظه: "حتى وضع يده على ركبتي رسول الله ﷺ "، وقال في "الفتح": وكذا في حديث ابن عبّاس، وأبي عامر الأشعري: "ثم وضع يده على ركبتي النبي ﷺ "، فأفادت هذه الرواية أن الضمير في قوله: "على فخذيه" يعود على النبي ﷺ ، وبه جزم البغوي، وإسماعيل التيمي؛ لهذه الرواية، ورجحه الطيبي بحثا؛ لأنه نَسَقُ الكلام، خلافا لما جزم به النووي، ووافقه التوربشتي؛ لأنه حمله على أنه جلس كهيئة المتعلم، بين يدي من يتعلم منه، وهذا وإن كان ظاهرا من السياق، لكن وضعه يديه على فخذ النبي ﷺ وسلم مُنَبِّه للإصغاء إليه، وفيه إشارة لما ينبغي للمسئول من التواضع، والصَّفْح عما يبدو من جفاء
стр. 834
السائل، والظاهر أنه أراد بذلك المبالغة في تعمية أمره؛ ليقوى الظن بأنه من جُفَاة الأعراب، ولهذا تخطى الناس، حتى انتهى إلى النبي ﷺ ، كما تقدم، ولهذا استغرب الصحابة صنيعه، ولأنه ليس من أهل البلد، وجاء ماشيا، ليس عليه أثر سفر.
[فإن قيل]: كيف عَرَف عمر ﵁ أنه لم يعرفه أحد منهم.
[أجيب]: بأنه يحتمل أن يكون استند في ذلك إلى ظنه، أو إلى صريح قول الحاضرين، وهذا الثاني -كما قال الحافظ- أولى، فقد جاء كذلك في رواية عثمان بن غياث، فإن فيها: "فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقالوا: ما نعرف هذا".
وأفاد مسلم، في رواية عمارة بن القعقاع، سبب ورود هذا الحديث، فعنده في أوله: "قال رسول الله ﷺ : سلوني، فهابوا أن يسألوه، قال: فجاء رجل ... "، ووقع في رواية ابن منده، من طريق يزيد بن زريع، عن كهمس: بينا رسول الله ﷺ يخطب، إذ جاءه رجل، فكأن أمره لهم بسؤاله، وقع في خطبته، وظاهره أن مجيء الرجل، كان في حال الخطبة، فإما أن يكون وافق انقضاءها، أو كان ذكر ذلك القدر جالسا، وعبر عنه الراوي بالخطبة. انتهى "فتح" ١/ ١٥٩ - ١٦٠.
(ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ) قيل: كيف بدأ بالسؤال قبل السلام؟. أجيب: بأنه يحتمل أن يكون ذلك مبالغةً في التعمية لأمره، أو ليبين أن ذلك غير واجب، أو سلم فلم ينقله الراوي.
وهذا الثالث هو الصواب، فقد ثبت في رواية حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ الآتي، ففيه: "حتى سلم من طرف البساط، فقال: السلام عليك يا محمد، فرد ﵇، قال: أدنو يا محمد؟ قال: ادن، فما زال يقول: أدنو؟ مرارا، ويقول له: ادن"، ونحوه في رواية عطاء، عن ابن عمر، لكن قال: "السلام عليك يا رسول الله"، وفي رواية مطر الوراق: "فقال: يا رسول الله أدنو منك؟ قال: ادن"، ولم يذكر السلام، فاختلفت الروايات، هل قال له: يا محمد، أو يا رسول الله، وهل سلم، أو لا، فأما السلام فمن ذكره مقدم على من سكت عنه.
стр. 835
وقال القرطبي، بناء على أنه لم يسلم، وقال: يا محمد: إنه أراد بذلك التعمية، فصنع صنيع الأعراب.
قال الحافظ: ويجمع بين الروايتين، بأنه بدأ أولا بندائه باسمه، لهذا المعنى، ثم خاطبه بقوله: يا رسول الله. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأقرب أن يُحْمَل على تصرّف الرواة، فيقال: إنه قال: يا محمد، فعبر بعض الرواة بقوله: يا رسول الله؛ لأن هذا أقرب إلى التعمية المذكورة. والله تعالى أعلم.
ووقع عند القرطبي: أنه قال: "السلام عليكم يا محمد"، فاستنبط منه أنه يستحب للداخل أن يعمم بالسلام، ثم يخصص من يريد تخصيصه. انتهى.
قال الحافظ: والذي وقفت عليه من الروايات، إنما فيه الإفراد، وهو قوله: "السلام عليك يا محمد".
(مَا الْإِسْلَامُ؟) وفي رواية لمسلم: "أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ". وإنما بدأ بالإسلام، لأنه يتعلّق بالأمر الظاهر، وثنى بالإيمان، لأنه يتعلّق بالأمر الباطن، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ: "فقال: ما الإيمان"، فبدأ بالإيمان؛ لأنه الأصل، وثَنَّى بالإسلام؛ لأنه يُظهر مِصداق الدعوى، وثَلّث بالإحسان؛ لأنه مُتَعَلِّق بهما. ورجح الطيبي الأول؛ لما فيه من الترقّي، ولا شك أن القصة واحدة، اختلف الرواة في تأديتها، وليس في السياق ترتيب، ويدل عليه رواية مطر الوراق، فإنه بدأ بالإسلام، وثَنَّى بالإحسان، وثَلَّث بالإيمان، فالحق أن الواقع أمر واحد، والتقديم والتأخير وقع من الرواة، والله تعالى أعلم. قاله الحافظ.
وقال القرطبيّ: الإسلام في اللغة: هو الاستسلام، والانقياد، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]: أي انقدنا، وهو في الشرع: الانقياد بالأفعال الظاهرة الشرعيّة، ولذلك قال ﷺ فيما رواه أنس ﵁ عنه:
стр. 836
"الإسلام علانية، والإيمان في القلب" ذكره ابن أبي شيبة في "مصنّفه" ١١/ ١١ (١). انتهى "المفهم" ١/ ١٣٩.
(قَالَ) ﷺ مجيبًا عن سؤاله (شَهَادَةُ) بالرفع على أنه خبر لمحذوف: أي هو شهادة (أَنْ) هي "أن المخفّفة من الثقيلة، واسمها مقدّر، وخبرها جملة "لا إله إلا الله"، والأصل "أنه لا إله إلا الله"، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة"، حيث قال:
وَإِنْ تُخَفَّفْ "أَنَّ" فَاسْمُهَا اسْتكَنْ ... وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ "أَنْ"
(لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، وَأَنِّي) وفي رواية: "وأن محمدًا" (رَسُولُ اللَّهِ) وفي حديث أبي هريرة ﵁: "الإسلام أن تعبد الله، ولا تشرك به". قال النووي في "شرحه": يحتمل أن يكون المراد بالعبادة، معرفة الله، فيكون عطف الصلاة وغيرها عليها؛ لإدخالها في الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقا، فيدخل فيه جميع الوظائف، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها، من عطف الخاص على العام.
قال الحافظ: أما الاحتمال الأول فبعيد؛ لأن المعرفة من متعلقات الإيمان، وأما الإسلام فهو أعمال قولية وبدنية، وقد عبر في حديث عمر ﵁ هنا بقوله: "أن تشهد أن لا إله الا الله وأن محمد رسول الله"، فدل على أن المراد بالعبادة في حديث الباب، النطق بالشهادتين، وبهذا تبين دفع الاحتمال الثاني، ولمّا عبر الراوي بالعبادة، احتاج أن يوضحها بقوله: "ولا تشرك به شيئا"، ولم يحتج إليها في رواية عمر؛ لاستلزامها ذلك.
ثم إنه ليس المراد بمخاطبته بالإفراد اختصاصه بذلك، بل المراد تعليم السامعين الحكم في حقهم، وحق من أشبههم من المكلفين، وقد تبين ذلك بقوله في آخره: "يعلم الناس دينهم".
стр. 837
(وَإِقَامُ الصَّلَاةِ) زاد في حديث أبي هريرة عند مسلم "المكتوبة": أي المفروضة، وإنما عبر بالمكتوبة للتفنن في العبارة، فإنه عبر في الزكاة بالمفروضة، ولا تباع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
وقال القرطبيّ: والصلاة في اللغة: الدعاء، ومنه قوله تعالى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]: أي ادع، وقال الأعشى:
عَلَيْكِ مِثْلَ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي ... نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا
وقيل: إنها مأخوذة من الصَّلَا، والصلا: عِرْقٌ عند أصل الذنب، ومنه قيل للفرس الثاني في الحلبة: مصَلٍّ؛ لأن رأسه عند صلا السابق، قال الشاعر:
فَصَلَّى أَبُوهُ لَهُ سَابِقُ ... بِأَنْ قِيلَ فَاتَ الْعِذَارُ الْعِذَارَا (١)
والأول أولى وأشهر، وهي في الشرع: أفعال مخصوصةٌ، بشروط مخصوصة، الدعاء جزء منها. انتهى.
(وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ) زاد في أبي هريرة: "المفروضة". قال القرطبيّ: الزكاة لغة: هي النماء، والزيادة، يقال: زكا الزرع والمالُ، وسُمّي أخذ جزء من مال المسلم الحرّ زكاةً؛ لأنها إنما تؤخذ من الأموال النامية، أو لأنها قد نمت، وبلغت النصاب، أو لأنها تنمي المال بالبركة، وحسنات مؤديها بالتكثير. انتهى.
(وَصَوْمُ رَمَضَانَ) الصوم: هو الإمساك مطلقًا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ الآية [مريم: ٢٦]: أي إمساكًا عن الكلام، وقال الشاعر:
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ الْعَجَاج وَأُخْرَى تَعْلِكُ اللُّجُمَا
أي ممسكة عن الحركة. وهو في الشرع: إمساك جميع أجزاء اليوم عن أشياء مخصوصة، بشرط مخصوص. قاله القرطبيّ.
واستُدل به على جواز قول "رمضان" من غير إضافة "شهر"، إليه. قاله في
стр. 838
"الفتح". وسيأتي تمام البحث في هذا في "كتاب الصيام" -إن شاء الله تعالى- وبالله تعالى التوفيق.
(وَحَجُّ الْبَيْتِ) الحجّ: هو القصد المتكرّر في اللغة، قال الشاعر [من الطويل]:
وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرَا
وهو في الشرع: القصد إلما بيت الله المعظّم؛ لفعل عبادة مخصوصة، والحجّ بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، وقُرىء بهما: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٧].
[تنبيه]: زاد في رواية مسلم وغيره: "إن استطعت إليه سبيلًا" والاستطاعة: هي القوّة على الشيء، والتمكّن منه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧]. وسيأتي بيان كلّ ذلك مستوفًى في محلّه من "كتاب المناسك " -إن شاء الله تعالى- وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه آخر]: قد اختلف الرواة في ذكر الحجّ هنا، فمنهم من ذكره، ومنهم من أسقطه، إما غفلة، أو نسيانًا.
قال في "الفتح": [فإن قيل]: لم لم يذكر الحج؟ أجاب بعضهم باحتمال أنه لم يكن فُرِض. وهو مردود بما رواه ابن منده في "كتاب الإيمان" بإسناده الذي على شرط مسلم، من طريق سليمان التيمي، في حديث عمر ﵁ أوله: أن رجلا في آخر عمر النبي ﷺ ، جاء إلى رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث بطوله، وآخر عمره ﷺ يحتمل أن يكون بعد حجة الوداع، فأنها آخر سفراته، ثم بعد قدومه بقليل، دون ثلاثة أشهر مات، وكأنه إنما جاء بعد إنزال جميع الأحكام، لتقرير أمور الدين التي بَلّغها متفرقة، في مجلس واحد؛ لتنضبط. ويُستنبط منه جواز سؤال العالم، ما لا يجهله السائل؛ ليعلمه السامع.
وأما الحج فقد ذُكِر لكن بعض الرواة إما ذَهِل عنه، وإما نسيه، والدليل على ذلك اختلافهم في ذكر بعض الأعمال دون بعض، ففي رواية كهمس: "وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا"، وكذا في حديث أنس، وفي رواية عطاء الخراساني لم يذكر
стр. 839
الصوم، وفي حديث أبي عامر ذَكَر الصلاة، والزكاة حسب، ولم يذكر في حديث ابن عباس مزيدا على الشهادتين، وذَكَر سليمان التيمي في روايته الجميع، وزاد بعد قوله: "وتحج": "وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتمم الوضوء"، وقال مطر الوراق في روايته: "وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة"، قال: فذكر عُرَى الإسلام، فتبين ما قلناه: إن بعض الرواة ضبط ما لم يضبطه غيره. انتهى "فتح" ١/ ١٦٣ - ١٦٤.
(قَالَ) الرجل السائل (صَدَقْتَ) أي فيما أخبرتني به من أركان الإسلام (فَعَجِبْنَا مِنْهُ) ولفظ مسلم: "له"، وللنسائيّ: "إليه" (يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ) أي يسأل النبيّ ﷺ عن أركان الإسلام كأنه جاهل، ثم يصدّق ما أجاب به كأنه عالم. وفي حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ "فلما سمعنا قول الرجل: صدقت أنكرناه"، وفي رواية مطر الوراق: "انظروا إليه كيف يسأله، وانظروا إليه كيف يصدقه"، وفي حديث أنس: "انظروا وهو يسأله، وهو يصدقه، كأنه أعلم منه"، وفي رواية سليمان بن بريدة قال القوم: "ما رأينا رجلًا مثل هذا، كأنه يُعَلِّم رسول الله ﷺ ، يقول له: صدقت صدقت".
قال القرطبي: إنما عجبوا من ذلك؛ لأن ما جاء به النبي ﷺ ، لا يُعرَف إلا من جهته، وليس هذا السائل ممن عُرف بلقاء النبي ﷺ ، ولا بالسماع منه، ثم هو يسأل سؤال عارف، محقّق مصدّق؛ فتعجبوا من ذلك، تعجب المستبعد لأن يكون أحد يعرف تلك الأمور المسؤول عنها من غير جهة النبيّ. انتهى (١).
(ثُمَّ قَالَ) الرجل (يَا مُحَمَّدُ مَا الْإِيمَانُ؟) وفي رواية: "أخبرني عن الإيمان" (قَالَ ﷺ : أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّه) قال أبو العباس القرطبيّ ﵀: الإيمان بالله: هو التصديق بوجوده، وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه تعالى موصوفٌ بصفات الجلال والكمال، من العلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، والحياة، والرضا، والمحبّة، وغيرها، وأنه منزّه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك الصفات، وعن صفات الأجسام،
стр. 840
والمتحيّزات، وأنه واحد، صمد، فردٌ، خالق جميع المخلوقات، متصرّف فيها بما يشاء من التصرّفات، يفعل في ملكه ما يريد، ويحكم في خلقه ما يشاء. انتهى. بزيادة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في "العقيدة الواسطيّة" حينما يصف اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة: ومن الإيمانِ بالله الإيمانُ بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يُحرّفون الكلم عن مواضعه، ولا يُلحدون في أسمائه، وآياته، ولا يكيّفون، ولا يمثّلون، صفاته بصفات خلقه؛ لأنه لا سميّ له، ولا كفء له، ولا ندّ له، ولا يقاس بخلقه ، فإنه أعلم بنفسه، وبغيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من خلقه، ثم رسله صادقون، مصدّقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون، ولهذا قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافّات: ١٨٠]، فسبّح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلّم على المرسلين؛ لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، وهو قد جمع فيما وصف، وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنّة والجماعة عمّا جاء به المرسلون، فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين. انتهى كلامه مختصرًا.
وقال في "الفتح": قوله: "قال: الإيمان: أن تؤمن بالله ... إلخ": دل الجواب على أنه عَلِم أنه سأله عن متعلقات الإيمان، لا عن معنى لفظه، وإلا لكان الجواب الإيمان: التصديق.
وقال الطيبي: هذا يوهم التكرار، وليس كذلك، فإن قوله: "أن تؤمن بالله"، مُضَمَّن معنى أن تعترف به، ولهذا عداه بالباء: أي أن تصدق، معترفا بكذا.
قال الحافظ: والتصديق أيضا يعدى بالباء، فلا يحتاج إلى دعوى التضمين. وقال الكرماني: ليس هو تعريفا للشيء بنفسه، بل المراد من المحدود الإيمان الشرعي، ومن
стр. 841
الحد الإيمان اللغوي.
قال الحافظ: والذي يظهر أنه إنما أعاد لفظ الإيمان؛ للاعتناء بشأنه، تفخيما لأمره، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] في جواب ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]: يعني أن قوله: "أن تؤمن" ينحل منه الإيمان، فكأنه قال: الإيمان الشرعي: تصديق مخصوص، وإلا لكان الجواب الإيمان: التصديق، والإيمان بالله: هو التصديق بوجوده، وأنه متصف بصفات الكمال، منزه عن صفات النقص. انتهى.
(وَمَلَائِكَتِهِ) معنى الإيمان بالملائكة: هو التصديق بوجودهم، وأنهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٧] ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] و ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وأنهم سفراء الله بينه وبين رسله، والمتصرّفون كما أذن لهم في خَلْقه.
وقَدَّم الملائكة على الكتب والرسل؛ نظرًا للترتيب الواقع؛ لأنه ، أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول، وليس فيه مُتَمَسَّك لمن فَضَّل الملك على الرسول. قاله في "الفتح".
(وَرُسُلِهِ) هكذا وقع في رواية المصنّف تقديم "ورسله" على "وكتبه"، ووقع في رواية مسلم وغيره بالعكس، ولا تنافي لأن الواو لا ترتيب فيها، ووقع في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ "وملائكته، والكتاب، والنبيين"، وكل من السياقين في القرآن، في البقرة، والتعبير "بالنبيين" يشمل "الرسل"، من غير عكس.
ومعنى الإيمان بالرسل: التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وأن الله تعالى أيّدهم بالمعجزات الدّالّة على صدقهم، وأنهم بلّغوا عن الله تعالى رسالاته، وبيّنوا للمكلّفين ما أمرهم الله تعالى بيانه، وأنه يجب احترامهم، وألا يُفرَّق بين أحد منهم. قاله القرطبيّ.
стр. 842
وقال في "الفتح": ودل الإجمال في الملائكة، والكتب، والرسل على الاكتفاء بذلك، في الإيمان بهم، من غير تفصيل، إلا من ثبت تسميته، فيجب الإيمان به على التعيين انتهى.
(وَكُتُبِهِ) معنى الإيمان بكتب الله تعالى: التصديق بأنه كلام الله تعالى غير مخلوق، وأن ما تضمّنته حقّ وصدق.
[تنبيه]: زاد في حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ بعد قوله: "وكتبه": قولَهُ: "وبلقائه": قال في "الفتح" كذا وقعت هنا بين الكتب والرسل، وكذا لمسلم من الطريقين، ولم تقع في بقية الروايات، وقد قيل: إنها مكررة، لأنها داخلة في الإيمان بالبعث، والحقّ أنها غير مكررة، فقيل: المراد بالبعث القيامُ من القبور، والمراد باللقاء ما بعد ذلك، وقيل: اللقاء يحصل بالانتقال من دار الدنيا، والبعث بعد ذلك، ويدل على هذا رواية مطر الوراق، فإن فيها: "وبالموت، وبالبعث بعد الموت"، كذا في حديث أنس وابن عباس ﵃، وقيل: المراد باللقاء رؤية الله، ذكره الخطابي، وتعقبه النووي بأنّ أحدًا لا يقطع لنفسه برؤية الله، فإنها مختصة بمن مات مؤمنا، والمرء لا يدري بم يختم له، فكيف يكون ذلك من شروط الإيمان؟.
وأجيب بأن المراد الإيمانُ بأن ذلك حقّ في نفس الأمر، وهذا من الأدلة القوية؛ لأهل السنة في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة، إذ جعلت من قواعد الإيمان. انتهى (١).
(وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ: "وتؤمن بالبعث"، زاد في "التفسير": "الآخر"، قال في "الفتح": فأما البعث الآخر، فقيل: ذُكر "الآخر" تأكيدا، كقولهم: أمس الذاهب، وقيل: لأن البعث وقع مرتين: الأولى الإخراج من العدم إلى الوجود، أو من بطون الأمهات بعد النطفة، والْعَلَقَة إلى الحياة الدنيا، والثانية البعث من بطون القبور إلى محل الاستقرار، وأما اليوم الآخر، فقيل له: ذلك؛ لأنه آخر
стр. 843
أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة.
ومعنى الإيمان باليوم الآخر: هو: التصديق بيوم القيامة، وما اشتمل عليه من الإعادة بعد الموت، والنشر، والحشر، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار، وأنهما دار ثوابه، وجزائه للمحسنين، والمسيئين، إلى غير ذلك، مما صحّ نصّه، وثبت نقله. قاله القرطبيّ ﵀ (١).
(وَالْقَدَرِ) -بفتحتين، أو بفتح، فسكون- هو: القضاء، والحكم. وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: الْقَدَر: مصدر قَدَرتُ الشيء، خفيفة الدال، أقدِره، وأقدُره -من بابي ضرب، ونصر- قَدْرًا -بفتح، فسكون- وقَدَرًا -بفتحتين، وقُدُرًا: إذا أحطت بمقداره، ويقال فيه: قدّرتُ أُقدّر تقديرًا -مشدّد الدال- للتضعيف، فإذا قلنا: إن الله تعالى: قدّر الأشياء، فمعناه: أنه تعالى علم مقاديرها، وأحوالها، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا مُحْدَث في العالم العلويّ والسفليّ إلا وهو صادر عن علمه تعالى، وقدرته، وإرادته. انتهى (٢).
وقال في "الفتح" بعد ذكر نحو كلام القرطبيّ هذا: ما نصّه: هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية، وعليه كان السلف من الصحابة، وخيار التابعين، إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة ﵃، وقد رَوَى مسلم القصة في ذلك، من طريق كهمس، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، قال: فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الْحِمْيَري، فذكر اجتماعهما بعبد الله بن عمر، وأنه سأله عن ذلك، فأخبره بأنه بَرِيء ممن يقول ذلك، وأن الله لا يقبل ممن لم يؤمن بالقدر عملا.
стр. 844
وقد حَكَى المصنفون في المقالات، عن طوائف من القدرية إنكار كون البارىء عالما بشيء من أعمال العباد، قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد كونها، قالوا: لأنه لا فائدة لعلمه بها قبل إيجادها، وهو عبثٌ، وهو على الله محالٌ.
قال القرطبي وغيره: وقد روي عن مالك رحمه الله تعالى أنه فسّر القدريّة بنحو ذلك، وهذا المذهب هو الذي وقع لأهل البصرة، وهو الذي أنكره ابن عمر، ولا شكّ في تكفير من يذهب إلى ذلك، فإنه جحد معلومٍ من الشرع ضرورةً، ولذلك تبرّأ منهم ابن عمر، وأفتى بأنهم لا تقبل منهم أعمالهم، ولا نفقاتهم، وأنهم كما قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٥٤].
وهذا المذهب هو مذهب طائفة منهم تُسمّى السُّكْبيّة، وقد تُرك اليوم، فلا يُعرف من يُنسب إليه من المتأخّرين، من أهل البدع المشهورين. والقدرية اليومَ مطبقون على أن الله عالم بأفعال العباد، قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم، وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهبا باطلًا أخفّ من المذهب الأول، وأما المتأخرون منهم، فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد؛ فرارًا من تعلق القديم بالمحدث، وهم مخصومون بما قال الشافعي: إن سلم القدري العلمَ خُصِم -يعني يقال له: أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم، فإن منع وافق قول أهل السنة، وإن أجاز لزمه نسبة الجهل، تعالى الله عن ذلك (١).
وقال القرطبيّ أيضًا: والإيمان بالقدر: هو التصديق بما تقدّم ذكره، وحاصله هو ما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وقوله ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. وإجماع السلف والخلف على صدق قول القائل: ما شاء الله كان، وما لم
стр. 845
يشأ لم يكن، وقوله ﷺ : "كلّ شيء بقدر حتى العجز والكيس". رواه مسلم.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في "العقيدة الواسطيّة": ما نصّه: الإيمان بالقدر على درجتين، كلّ درجة تتضمّن شيئين:
فالدرجة الأولى بأن الله تعالى عليم بالخلق، وهم عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات، والمعاصي، والأرزاق، والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فما أصاب الإنسان، لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفّت الأقلام، وطُويت الصحف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا في السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ في كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ في الْأَرْضِ وَلَا في أَنْفُسِكُمْ إِلَّا في كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، وهذا التقدير التابع لعلمه يكون في مواضع جملة وتفصيلًا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ، أم سعيد، ونحو ذلك، فهذا التقدير قد كان ينكره غُلاة القدريّة قديمًا، ومنكروه اليوم قليل.
وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات، وما في الأرض من حركة، ولا سكون إلا بمشيئة الله ، لا يكون ملكه ما لا يُريد، وأنه على كل شيء قدير من الموجودات، والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض، ولا في السماء إلا الله خالقه ، لا خالق غيره، ولا ربّ سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو يحبّ المتّقين، والمحسنين، والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يُحبّ الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحبّ الفساد. والعباد فاعلون حقيقة، والله