← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الحد الإيمان اللغوي. قال الحافظ: والذي يظهر أنه إنما أعاد لفظ الإيمان؛ للاعتناء بشأنه، تفخيما لأمره، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] في جواب ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]: يعني أن قوله: "أن تؤمن" ينحل منه الإيمان، فكأنه قال: الإيمان الشرعي: تصديق مخصوص، وإلا لكان الجواب الإيمان: التصديق، والإيمان بالله: هو التصديق بوجوده، وأنه متصف بصفات الكمال، منزه عن صفات النقص. انتهى. (وَمَلَائِكَتِهِ) معنى الإيمان بالملائكة: هو التصديق بوجودهم، وأنهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٧] ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] و ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وأنهم سفراء الله بينه وبين رسله، والمتصرّفون كما أذن لهم في خَلْقه. وقَدَّم الملائكة على الكتب والرسل؛ نظرًا للترتيب الواقع؛ لأنه ، أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول، وليس فيه مُتَمَسَّك لمن فَضَّل الملك على الرسول. قاله في "الفتح". (وَرُسُلِهِ) هكذا وقع في رواية المصنّف تقديم "ورسله" على "وكتبه"، ووقع في رواية مسلم وغيره بالعكس، ولا تنافي لأن الواو لا ترتيب فيها، ووقع في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ "وملائكته، والكتاب، والنبيين"، وكل من السياقين في القرآن، في البقرة، والتعبير "بالنبيين" يشمل "الرسل"، من غير عكس. ومعنى الإيمان بالرسل: التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وأن الله تعالى أيّدهم بالمعجزات الدّالّة على صدقهم، وأنهم بلّغوا عن الله تعالى رسالاته، وبيّنوا للمكلّفين ما أمرهم الله تعالى بيانه، وأنه يجب احترامهم، وألا يُفرَّق بين أحد منهم. قاله القرطبيّ.

стр. 842

وقال في "الفتح": ودل الإجمال في الملائكة، والكتب، والرسل على الاكتفاء بذلك، في الإيمان بهم، من غير تفصيل، إلا من ثبت تسميته، فيجب الإيمان به على التعيين انتهى. (وَكُتُبِهِ) معنى الإيمان بكتب الله تعالى: التصديق بأنه كلام الله تعالى غير مخلوق، وأن ما تضمّنته حقّ وصدق. [تنبيه]: زاد في حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ بعد قوله: "وكتبه": قولَهُ: "وبلقائه": قال في "الفتح" كذا وقعت هنا بين الكتب والرسل، وكذا لمسلم من الطريقين، ولم تقع في بقية الروايات، وقد قيل: إنها مكررة، لأنها داخلة في الإيمان بالبعث، والحقّ أنها غير مكررة، فقيل: المراد بالبعث القيامُ من القبور، والمراد باللقاء ما بعد ذلك، وقيل: اللقاء يحصل بالانتقال من دار الدنيا، والبعث بعد ذلك، ويدل على هذا رواية مطر الوراق، فإن فيها: "وبالموت، وبالبعث بعد الموت"، كذا في حديث أنس وابن عباس ﵃، وقيل: المراد باللقاء رؤية الله، ذكره الخطابي، وتعقبه النووي بأنّ أحدًا لا يقطع لنفسه برؤية الله، فإنها مختصة بمن مات مؤمنا، والمرء لا يدري بم يختم له، فكيف يكون ذلك من شروط الإيمان؟. وأجيب بأن المراد الإيمانُ بأن ذلك حقّ في نفس الأمر، وهذا من الأدلة القوية؛ لأهل السنة في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة، إذ جعلت من قواعد الإيمان. انتهى (١). (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ: "وتؤمن بالبعث"، زاد في "التفسير": "الآخر"، قال في "الفتح": فأما البعث الآخر، فقيل: ذُكر "الآخر" تأكيدا، كقولهم: أمس الذاهب، وقيل: لأن البعث وقع مرتين: الأولى الإخراج من العدم إلى الوجود، أو من بطون الأمهات بعد النطفة، والْعَلَقَة إلى الحياة الدنيا، والثانية البعث من بطون القبور إلى محل الاستقرار، وأما اليوم الآخر، فقيل له: ذلك؛ لأنه آخر

стр. 843

أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة. ومعنى الإيمان باليوم الآخر: هو: التصديق بيوم القيامة، وما اشتمل عليه من الإعادة بعد الموت، والنشر، والحشر، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار، وأنهما دار ثوابه، وجزائه للمحسنين، والمسيئين، إلى غير ذلك، مما صحّ نصّه، وثبت نقله. قاله القرطبيّ ﵀ (١). (وَالْقَدَرِ) -بفتحتين، أو بفتح، فسكون- هو: القضاء، والحكم. وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: الْقَدَر: مصدر قَدَرتُ الشيء، خفيفة الدال، أقدِره، وأقدُره -من بابي ضرب، ونصر- قَدْرًا -بفتح، فسكون- وقَدَرًا -بفتحتين، وقُدُرًا: إذا أحطت بمقداره، ويقال فيه: قدّرتُ أُقدّر تقديرًا -مشدّد الدال- للتضعيف، فإذا قلنا: إن الله تعالى: قدّر الأشياء، فمعناه: أنه تعالى علم مقاديرها، وأحوالها، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا مُحْدَث في العالم العلويّ والسفليّ إلا وهو صادر عن علمه تعالى، وقدرته، وإرادته. انتهى (٢). وقال في "الفتح" بعد ذكر نحو كلام القرطبيّ هذا: ما نصّه: هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية، وعليه كان السلف من الصحابة، وخيار التابعين، إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة ﵃، وقد رَوَى مسلم القصة في ذلك، من طريق كهمس، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، قال: فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الْحِمْيَري، فذكر اجتماعهما بعبد الله بن عمر، وأنه سأله عن ذلك، فأخبره بأنه بَرِيء ممن يقول ذلك، وأن الله لا يقبل ممن لم يؤمن بالقدر عملا.

стр. 844

وقد حَكَى المصنفون في المقالات، عن طوائف من القدرية إنكار كون البارىء عالما بشيء من أعمال العباد، قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد كونها، قالوا: لأنه لا فائدة لعلمه بها قبل إيجادها، وهو عبثٌ، وهو على الله محالٌ. قال القرطبي وغيره: وقد روي عن مالك رحمه الله تعالى أنه فسّر القدريّة بنحو ذلك، وهذا المذهب هو الذي وقع لأهل البصرة، وهو الذي أنكره ابن عمر، ولا شكّ في تكفير من يذهب إلى ذلك، فإنه جحد معلومٍ من الشرع ضرورةً، ولذلك تبرّأ منهم ابن عمر، وأفتى بأنهم لا تقبل منهم أعمالهم، ولا نفقاتهم، وأنهم كما قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٥٤]. وهذا المذهب هو مذهب طائفة منهم تُسمّى السُّكْبيّة، وقد تُرك اليوم، فلا يُعرف من يُنسب إليه من المتأخّرين، من أهل البدع المشهورين. والقدرية اليومَ مطبقون على أن الله عالم بأفعال العباد، قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم، وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهبا باطلًا أخفّ من المذهب الأول، وأما المتأخرون منهم، فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد؛ فرارًا من تعلق القديم بالمحدث، وهم مخصومون بما قال الشافعي: إن سلم القدري العلمَ خُصِم -يعني يقال له: أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم، فإن منع وافق قول أهل السنة، وإن أجاز لزمه نسبة الجهل، تعالى الله عن ذلك (١). وقال القرطبيّ أيضًا: والإيمان بالقدر: هو التصديق بما تقدّم ذكره، وحاصله هو ما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وقوله ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. وإجماع السلف والخلف على صدق قول القائل: ما شاء الله كان، وما لم

стр. 845

يشأ لم يكن، وقوله ﷺ : "كلّ شيء بقدر حتى العجز والكيس". رواه مسلم. وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في "العقيدة الواسطيّة": ما نصّه: الإيمان بالقدر على درجتين، كلّ درجة تتضمّن شيئين: فالدرجة الأولى بأن الله تعالى عليم بالخلق، وهم عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات، والمعاصي، والأرزاق، والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فما أصاب الإنسان، لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفّت الأقلام، وطُويت الصحف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا في السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ في كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ في الْأَرْضِ وَلَا في أَنْفُسِكُمْ إِلَّا في كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، وهذا التقدير التابع لعلمه يكون في مواضع جملة وتفصيلًا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ، أم سعيد، ونحو ذلك، فهذا التقدير قد كان ينكره غُلاة القدريّة قديمًا، ومنكروه اليوم قليل. وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات، وما في الأرض من حركة، ولا سكون إلا بمشيئة الله ، لا يكون ملكه ما لا يُريد، وأنه على كل شيء قدير من الموجودات، والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض، ولا في السماء إلا الله خالقه ، لا خالق غيره، ولا ربّ سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو يحبّ المتّقين، والمحسنين، والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يُحبّ الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحبّ الفساد. والعباد فاعلون حقيقة، والله

стр. 846

خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن، والكافر، والبرّ، والفاجر، والمصلّي، والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم، وقدرَتهم، وإرادَتَهم، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]. وهذه الدرجة من القدَر يُكذّب بها عامّة القدريّة الذين سمّاهم النبيّ ﷺ مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته، واختياره، ويُخرجون عن أفعال الله، وأحكامه حكمها، ومصالحها. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو تحقيق نفيسٌ جدّا. والله تعالى أعلم. وقوله: (خَير وَشَرِّهِ) بالجرّ بدلًا عن قوله: "القدر". ووقع في رواية غير المصنّف بلفظ: "كلّه خيره وشرّه"، قيل: وإنما أكّده بـ "كله" لكثرة مَن ينكر القدر من الكفّار، ولهذا كثر تكراره في القرآن، وللتنويه بذكره، ليحصل الاهتمام بشأنه، ثم قرّر ذلك بما أبدل منه، بقوله "خَير وَشَرِّهِ"، وزاد في رواية: "حُلْوِه، ومُرِّه"، وزاد في أخرى: "من الله". [تنبيه]: ظاهر السياق يقتضى أن الإيمان، لا يُطلق إلا على من صَدَّق بجميع ما ذُكر، وقد اكتفى الفقهاء بإطلاق الإيمان على من آمن بالله تعالى، ورسوله ﷺ ، ولا اختلاف أن الإيمان برسول الله ﷺ المراد به الإيمان بوجوده، وبما جاء به عن ربه، فيدخل جميع ما ذكر تحت ذلك (١). (قَالَ) الرجل (صَدَقْتَ) قال الصحابة الحاضرون (فَعَجِبْنَا مِنْهُ) أي من حال هذا السائل (يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ) تقدّم معناه قريبًا (ثُمَّ قَالَ) الرجل (يَا مُحَمَّدُ مَا الْإِحْسَانُ؟) قال في "الفتح": هو مصدر أحسن يُحسن إحسانا، ويتعدى بنفسه وبغيره، تقول: أحسنت كذا: إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان: إذا أوصلت إليه النفع، والأول هو المراد؛ لأن المقصود إتقان العبادة، وقد يلحظ الثاني بأن المخلص مثلا محسن بإخلاصه إلى نفسه، وإحسانُ العبادة:

стр. 847

الإخلاص فيها، والخشوع وفراغ البال حالَ التلبس بها، ومراقبة المعبود. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الإحسان هو مصدر أحسن يُحسن إحسانًا، ويقال على معنيين: [أحدهما]: متعدّ بنفسه، كقولك: أحسنت كذا، وفي كذا: إذا حسّنته، وكمّلته، وهو منقول بالهمزة من حسُن الشيءُ. [وثانيهما]: متعدّ بحرف جرّ، كقولك: أحسنت إلى كذا: أي أوصلت إليه ما ينتفع به، وهو في هذا الحديث بالمعنى الأول، لا بالمعنى الثاني، إذ حاصله راجع إلى إتقان العبادات، ومراعاة حقوق الله تعالى فيها، ومراقبته، واستحضار عظمته، وجلاله حالةَ الشروع، وحالة الاستمرار فيها. وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين: [أحدهما]: غالب عليه مشاهدة الحقّ، فكأنه يراه، ولعلّ النبيّ ﷺ أشار إلى هذه الحالة بقوله: "وجُعلت قُرّة عيني في الصلاة" (١)، رواه أحمد، والنسائيّ. [وثانيهما]: لا ينتمي إلى هذه الحالة، لكن يغلب عليه أن الحقّ مطّلع عليه، ومشاهد له، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ في السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩] وبقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ في شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]، وهاتان الحالتان ثمرة معرفة الله تعالى، وخشيته، ولذلك فسّر الإحسان في حديث أبي هريرة ﵁ بقوله: "أن تخشى الله كأنك تراه"، فعبّر عن المسبب باسم السبب توسّعًا، والألف واللام اللذان في "الإحسان" المسؤول عنه للعهد، وهو الذي

стр. 848

قال الله تعالى فيه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ الآية [يونس: ٢٦]، وقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]. ولمّا تكرّر الإحسان في القرآن، وترتّب عليه هذا الثواب العظيم، سأل عنه جبريل النبيّ ﷺ ، فأجابه ببيانه؛ ليعمل الناس عليه، فيحصل لهم هذا الحظّ العظيم. انتهى (١). (قَالَ) ﷺ (أَنْ تَعْبُدَ اللَّه) "أن" مصدريّة، والجملة في تأويل المصدر خبر لمحذوف: أي هو عبادة الله تعالى (كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إن لا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) ولفظ مسلم: "فإن لم تكن تراه، فإنه يراك". قال في "الفتح": أشار في الجواب إلى حالتين، أرفعهما أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه، حتى أنه يراه بعينه، وهو قوله: "كأنك تراه": أي وهو يراك، والثانية أن يستحضر أن الحق مُطّلِع عليه، يَرَى كل ما يعمل، وهو قوله: "فإنه يراك"، وهاتان الحالتان يثمرهما معرفة الله، وخشيته، وقد عبر في رواية عمارة بن القعقاع بقوله: "أن تخشى الله كأنك تراه"، وكذا في حديث أنس ﵁. وقال النووي: معناه إنك إنما تراعي الآداب المذكورة، إذا كنت تراه ويراك؛ لكونه يراك، لا لكونك تراه، فهو دائما يراك، فأحسن عبادته، وإن لم تره، فتقدير الحديث: فإن لم تكن تراه، فاستمر على إحسان العبادة، فإنه يراك، قال: وهذا القدر من الحديث أصل عظيم، من أصول الدين، وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين، وهو عمدة الصديقين، وبغية السالكين، وكنز العارفين، ودأب الصالحين، وهو من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ ، وقد ندب أهل التحقيق إلى مجالسة الصالحين؛ ليكون ذلك مانعا من التلبس بشيء من النقائص؛ احتراما، واستحياء منهم، فكيف بمن لا يزال الله مطلعا

стр. 849

عليه، في سره وعلانيته. انتهى. وقد سبق إلى أصل هذا القاضي عياض وغيره. [تنبيه]: دلّ سياق الحديث على أن رؤية الله في الدنيا بالأبصار غير واقعة، وأما رؤية النبيّ ﷺ ليلة المعراج فذاك لدليل آخر، وقد صرّح مسلم في روايته من حديث أبي أُمامة ﵁ بقوله ﷺ : "واعلموا أنكم لن تروا ربّكم حتى تموتوا" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قيل، ومسألة رؤية النبيّ ﷺ ربه ليلة المعراج، قد وقع فيها خلاف، فأنكرته عائشة، وجاء مثله عن أبي هريرة، وجماعة ﵃، وهو المشهور عن ابن مسعود، وإليه ذهب جماعة من المحدثين والمتكلّمين، وروي عن ابن عباس أنه رآه بعينه، ومثله عن أبي ذرّ، وكعب ﵃ والحسن وكان يحلف على ذلك، وحكي مثله عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأحمد بن حنبل، وتوقّف فيه بعضهم، وقال: ليس عليه دليل واضح، ولكنه جائزٌ (٢)، والاستدلال لهذه الأقوال يحتاج إلى مزيد بسط، والذي يظهر لي أن التوقّف أسلم؛ لعدم ما يُقطع به لأحد الأقوال، ولحديث مسلم المذكور. والله تعالى أعلم. قال في "الفتح": أقدم بعض غلاة الصوفيّة على تأويل الحديث بغير علم، فقال: فيه إشارة إلى مقام المحو والفناء، وتقديره: فإن لم تكن: أي فإن لم تصر شيئًا، وفَنِيتَ عن نفسك حتى كأنك لست بموجود، فإنك حينئذ تراه، وغفل قائل هذا للجهل بالعربيّة عن أنه لو كان المراد ما زعم لكان قوله: "تراه" محذوف الألف؛ لأنه يصير مجزومًا؛ لكونه على زعمه جواب الشرط، ولم يَرِد في شيء من طرق هذا الحديث بحذف الألف، ومن ادّعى إثباتها في الفعل المجزوم على خلاف القياس، فلا يُصار إليه، إذ لا ضرورة هنا. وأيضًا فلو كان ما ادّعاه صحيحًا لكان قوله: "فإنه يراك" ضائعًا؛ لأنه لا ارتباط له بما قبله.

стр. 850

ومما يُفسد تأويله رواية كهمس عند مسلم وابن ماجه، فإن لفظها: "فإنك إن لا تراه، فإنه يراك"، وكذلك في رواية سليمان التيميّ، فسلّط النفي على الرؤية، لا على الكون الذي حمل على ارتكاب التأويل المذكور. وفي رواية أبي فروة: "فإن لم تره، فإنه يراك"، ونحوه في حديث أنس، وابن عبّاس ﵃، وكلّ هذا يُبطل التأويل المتقدّم. انتهى ما في "الفتح" (١). وهو بحث نفيسٌ جدّا. والله تعالى أعلم. (قَالَ) الرجل السائل (فَمَتَى السَّاعَةُ؟) أي متى تقوم الساعة؟ وقد صرّح به في رواية عمارة بن القعقاع، واللام للعهد، والمراد يوم القيامة (٢). وقال القرطبيّ: الساعة: هي في أصل الوضع: مقدارٌ من الزمان، غير معيّن، ولا محدود؛ لقوله تعالى: ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] وفي عرف الشرع: عبارة عن يوم القيامة، وفي عرف المعدّلين (٣): جزء من أربعة وعشرين جزءًا من أوقات الليل والنهار انتهى (٤). (قَالَ) ﷺ (مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا) "ما" نافيةٌ، وزاد في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ ﵄ الآتي: "قال: فنكّس، فلم يُجبه شيئًا، ثم أعاد، فلم يُجبه شيئًا، ثم أعاد، فلم يجبه شيئًا، ورفع رأسه، فقال: ما المسؤول ... " (بِأَعْلَمَ) هذا وإن كان مشعرا بالتساوي في العلم، لكن المراد التساوي في العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها؛ لقوله بعدُ: "في خمس لا يعلمها إلا الله". وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فقال: "سبحان الله، خمس من الغيب، لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا الآية". (مِنَ السَّائِلِ) متعلّق بـ "أعلم"، وإنما عدل عن قوله: لست بأعلم منك، إلى لفظٍ يُشعر بالتعميم؛ تعريضا للسامعين: أي أن كل مسئول، وكل سائل، فهو كذلك.

стр. 851

[فائدة]: هذا السؤال والجواب، وقع بين عيسى ابن مريم وجبريل عليهم الصلاة والسلام، لكن كان عيسى سائلا، وجبريل مسؤولا، قال الحميدي، في "نوادره": حدثنا سفيان، حدثنا مالك بن مِغْول، عن إسماعيل بن رجاء، عن الشعبي، قال: سأل عيسى ابن مريم جبريل، عن الساعة؟ قال: فانتفض بأجنحته، وقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل". ذكره في "الفتح" (١). (قَالَ) السائل (فَمَا أَمَارَتُهَا؟) هكذا في حديث عمر ﵁ أن السائل هو الذي سأله ﷺ : عن أماراتها، لكن وقع في حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ في "الإيمان": "وسأخبرك عن أشراطها"، وفي "التفسير": "ولكن سأحدثك"، وفي رواية للنسائيّ: "ولكن لها علامات، تعرف بها". ويجمع بين هذه الاختلافات بأنه ﷺ ابتدأ بقوله: "وسأخبرك"، فقال له السائل: "فأخبرني"، ويدل على ذلك رواية سليمان التيمي، ولفظها: "ولكن إن شئت، نَبّأتك عن أشراطها، قال: أجل"، ونحوه في حديث ابن عباس، وزاد: "فحدثني". ويُستفاد من اختلاف الروايات: أن التحديث، والإخبار، والإنباء، بمعنى واحد، وإنما غاير بينها أهل الحديث اصطلاحا. و"الأمارات": جمع أمارة بالفتح، كالعلامة وزنًا ومعنًى. و"الأشراط" -بفتح الهمزة- جمع شَرَط -بفتحتين- كقَلَم وأَقْلام: هي الأمارات، والعلامات، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] وبها سُمّي الشُّرَط؛ لأنهم يُعلّمون أنفسهم بعلامات يُعرفون بها. وإنما اقتصر على هذا النوع من أمارات الساعة، وإن كانت أماراتها كثيرة، كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، ونزول عيسى ﵇، وغير ذلك؛ لأن تلك الأمارات مقارِنة لها، أو مضايقة، والمراد هنا العلامات السابقة على ذلك.

стр. 852

وقال القرطبي: وقد اقتصر في هذا الحديث على ذكر بعض الأشراط التي يكون وقوعها قريبًا من زمانه، وإلا فالشروط كثيرة، وهي أكثر مما ذُكر هنا، كما دلّ عليه الكتاب والسنّة، ثم إنها منقسمة إلى ما يكون من نوع المعتاد، كهذه الأشراط المذكورة في هذا الحديث، وكرفع العلم، وظهور الجهل، وكثرة الزنا، وشرب الخمر إلى غير ذلك، وأما التي ليست من النوع المعتاد، فكخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، والدخان، والنار التي تسوق الناس، وتحشرهم (١). قَالَ ﷺ (أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا) هو في تأويل المصدر خبر لمحذوف: أي هي: أي الأمارات ولادة الأمة ربتها. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الأمة هنا: هي الجارية المستولدة، وربّها سيّدها، وقد سُمّي بعلًا في الرواية الأخرى، كما سمّاه الله تعالى بعلًا في قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصّافّات: ١٢٥] في قول ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، وحُكي عنه أنه قال: لم أدر ما البعل؟ حتى قلت لأعرابيّ: لمن هذه الناقة؟ فقال: أنا بعلها، وقد سُمي الزوج بعلًا، ويُجمع على بُعُولة، كما قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]. و"ربّتها": تأنيث ربّ. انتهى (٢). وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ بلفظ: "إذا ولدت الأمة ربها"، بالتذكير، قال في "الفتح": وفي "التفسير": "ربتها" بتاء التأنيث، وكذا في حديث عمر، ولمحمد بن بشر مثله، وزاد: "يعني السرارى"، وفي رواية عمارة بن القعقاع: "إذا رأيت المرأة تلد ربها"، ونحوه لأبي فَرْوة، وفي رواية عثمان بن غياث: "الإماء أربابهن" بلفظ الجمع،

стр. 853

والمراد بالرب: المالك، أو السيد. وقال أيضًا: "التعبير بـ "إذا" للإشعار بتحقق الوقوع، ووقعت هذه الجملة بيانا للأشراط، نظرًا إلى المعنى، والتقدير: ولادةُ الأمة، وتطاول الرعاة. [فإن قيل]: الأشراط جمع، وأقله ثلاثة على الأصح، والمذكور هنا اثنان، أجاب الكرماني بأنه قد تستقرض القلة للكثرة، وبالعكس، أو لأن الفرق بالقلة والكثرة، إنما هو في النكرات، لا في المعارف، أو لفقد جمع الكثرة للفظ "الشرط". قال الحافظ: وفي جميع هذه الأجوبة نظر، ولو أُجيب بأن هذا دليل القول الصائر إلى أن أقل الجمع اثنان، لمَا بَعُد عن الصواب، والجواب المرضيّ أن المذكور من الأشراط ثلاثة، وإنما بعض الرواة اقتصر على اثنين منها؛ لأنه هنا -يعنى في حديث أبي هريرة عند البخاريّ في "الإيمان"، ومثله في حديث عمر عند النسائيّ هنا- ذكر الولادة، والتطاول، وفي "التفسير" ذكر الولادة، وتَرَؤُّس الحفاة، وفي رواية محمد بن بشر التي أخرج مسلم إسنادها، وساق ابن خزيمة لفظها، عن أبي حيان، ذكر الثلاثة، وكذا في "مستخرج الإسماعيلي"، من طريق ابن علية، وكذا ذكرها عُمارة بن القعقاع، ووقع مثل ذلك في حديث عمر ﵁، ففي رواية كهمس -يعني رواية ابن ماجه هنا- ذكر الولادة والتطاول فقط، ووافقه عثمان بن غياث، وفي رواية سليمان التيمي ذكر الثلاثة، ووافقه عطاء الخراساني، وكذا ذُكِرت في حديث ابن عباس، وأبي عامر ﵃. انتهى "فتح" ١/ ١٦٦ - ١٦٧. (قَالَ وَكِيعٌ) هو ابن الجرّاح الراوي عن كهمس مفسّرًا لقوله: "أن تلد الأمة ربتها" (يَعْنِي تَلِدُ الْعَجَمُ الْعَرَبَ) هذا التفسير الذي ذكره المصنّف عن وكيع ﵀ أحد التفاسير التي ذكرت في هذا الحديث، وهي أربعة أقوال: [الأول]: قال الخطابي: معناه اتساع الإسلام، واستيلاء أهله على بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية، واستولدها، كان الولد منها بمنزلة ربها؛ لأنه ولد سيدها. قال النووي، وغيره: إنه قول الأكثرين. قال الحافظ: لكن في كونه المراد

стр. 854

نظر؛ لأن استيلاد الإماء كان موجودا، حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، واتخاذهم سراريّ، وقع أكثره في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع، مما سيقع قرب قيام الساعة. قال: وقد فسره وكيع في رواية ابن ماجه، بأخصّ من الأول، قال: أن تلد العجم العرب، ووجهه بعضهم بأن الإماء، يلدن الملوك، فتصير الأم من جملة الرعية، والملك سيد رعيته، وهذا لإبراهيم الحربي، وقَرَّبَهُ بأن الرؤساء في الصدر الأول، كانوا يستنكفون غالبا من وطء الإماء، ويتنافسون في الحرائر، ثم انعكس الأمر، ولا سيما في أثناء دولة بني العباس، ولكن رواية: "ربتها" بتاء التأنيث، قد لا تساعد على ذلك، ووجهه بعضهم بأن إطلاق ربتها على ولدها مجاز؛ لأنه لما كان سببا في عتقها بموت أبيه، أطلق عليه ذلك، وخصه بعضهم بأن السبي إذا كثر، فقد يُسبَى الولد أولا، وهو صغير، ثم يُعتَق، ويكبر، ويصير رئيسا، بل ملكا، ثم تُسبى أمه فيما بعدُ، فيشتريها عارفا بها، أو وهو لا يشعر أنها أمه، فيستخدمها، أو يتخذها موطوءة، أو يُعتقها ويتزوجها، وقد جاء في بعض الروايات: "أن تلد الأمة بَعْلها"، وهي عند مسلم، فتُحمل على هذه الصورة، وقيل: المراد بالبعل المالك، وهو أولى؛ لتتفق الروايات. [الثاني]: أن تبيع السادة أمهات أولادهم، ويكثر ذلك، فيتداول الملاك المستولدة، حتى يشتريها ولدها، ولا يشعر بذلك، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد، أو الاستهانة بالأحكام الشرعية. [فإن قيل]: هذه المسألة مختلف فيها، فلا يصلح الحمل عليها؛ لأنه لا جهل، ولا استهانة عند القائل بالجواز. [قلنا]: يصلح أن يحمل على صورة اتفاقية، كبيعها في حال حملها، فإنه حرام بالإجماع. [الثالث]: وهو من نمط الذي قبله، قال النووي: لا يختص شراء الولد أمه بأمهات الأولاد، بل يُتصور في غيرهن، بأن تلد الأمة حرا من غير سيدها، بوطء شبهة، أو رقيقا بنكاح، أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعا صحيحا، وتدور في الأيدي،

стр. 855

حتى يشتريها ابنها، أو ابنتها، ولا يعكُر على هذا تفسير محمد بن بشر، بأن المراد السراري؛ لأنه تخصيص بغير دليل. [الرابع]: أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه، معاملة السيد أمته، من الإهانة بالسب، والضرب، والاستخدام، فأطلق عليه ربها مجازا لذلك، أو المراد بالرب المربي، فيكون حقيقة. قال الحافظ: وهذا أَوْجَهُ الأَوْجُه عندي؛ لعمومه، ولأن المقام يدل على أن المراد حالة، تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال، مستغربةَ. ومُحَصَّله الإشارة إلى أن الساعة، يقرب قيامها عند انعكاس الأمور، بحيث يصير المُرَبَّى مُرَبِّيًا، والسافل عاليا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: "أن تصير الحفاة ملوك الأرض". (وَأَنْ ترَى الْحُفَاةَ) بالضمّ: جمع حاف، وهو الذي لا يلبس في رجله شيئًا (الْعُرَاةَ) بالضمّ أيضًا: جمه عار: وهو الذي لا يلبس على جسده ثوبًا (الْعَالَةَ) بتخفيف اللام: جمع عائل، وهو الفقير، والعَيْلة: الفقر، يقال: عال الرجل يَعِيل عَيْلةً: إذا افتقر، وأعال يُعيل: إذا كثُر عياله (رِعَاءَ الشَّاءِ) بالكسر: جمع راع، وأصل الرعي: الحفظ، و"الشاء": جمع شاة، وهو من الجمع الذي يفرّق بينه وبين واحده بالهاء، وهو كثير فيما كان خِلْقةً لله تعالى، كشجرة وشجر، وثمرة وثمر، وإنما خصّ رعاء الشاء بالذكر؛ لأنهم أضعف أهل البادية. قاله القرطبيّ (١). وفي حديث أبي هريرة ﵁ الآتي: "إذا رأيت الرعاء البهم"، وعند البخاريّ: "وإذا تطاول رعاة الإبل البهم". قال في "الفتح": قوله: "تطاول": أي تفاخروا في تطويل البنيان، وتكاثروا به. قوله: "رعاة الإبل": هو بضم الراء جمع راع، كقضاة وقاض. و"البهم": بضم الموحدة، ووقع في رواية الأصيلي بفتحها، ولا يتجه مع ذكر الإبل، وإنما يتجه مع ذكر الشياه، أو

стр. 856

مع عدم الإضافة، كما في رواية مسلم: "رعاء البهم"، وميم "البهم" في رواية البخاري، يجوز ضمها على أنه صفة "الرعاة"، ويجوز الكسر على أنها صفة "الإبل"، يعني الإبل السُّود، وقيل: إنها شر الألوان عندهم، وخيرها الأحمر التي ضرب بها المثل، فقيل: "خير من حمر النعم"، ووصف الرعاة بالبهم: إما لأنهم مجهولو الأنساب، ومنه أُبهِم الأمر، فهو مبهم: إذا لم تعرف حقيقته. انتهى. وقال القرطبي و"البهم" بفتح الباء-: جمع بهيمة، وأصلها صغار الضأن والمعز، وقد يختصّ بالمعز، وأصله من استبهم عن الكلام، ومنه البهيمة. ووقع في البخاريّ: "رعاة الإبل البهم" -بضم الباء-: جمع أبهم، وهو الأسود الذي لا يُخالطه لون آخر، وقُيّدت ميم البهم بالكسر، والضمّ، فمن كسرها جعلها صفة للإبل، ومن رفعها جعلها صفة للرعاء. وقيل: معناه لا شيء لهم، كقوله ﷺ : "يُحشَر الناس حُفاة، عُراة، بُهما"، قال: وهذا التأويل فيه نظر، لأنه قد نسب له إبلًا، وظاهرها الملك. وقال الخطّابيّ: هو جمع بهيم، وهو المجهول الذي لا يُعرف. قال: والأولى أن يُحمَل على أنهم سُود الألوان؛ لأن الأُدْمة غالبة على ألوانهم. انتهى كلام القرطبيّ. وأجاب الحافظ عن قول القرطبيّ: فيه نظر الخ بأنه يُحمل على أنها إضافة اختصاص، لا ملك، وهذا هو الغالب أن الراعي يرعى لغيره بالأجرة، وأما المالك، فقَلَّ أن يباشر الرعي بنفسه. انتهى. وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: "وإذا رأيت الحفاة العراة الصمّ البكم ملوك الأرض". وقيل لهم: ذلك مبالغةً في وصفهم بالجهل: أي لم يستعملوا أسماعهم، ولا أبصارهم في شيء من أمر دينهم، وإن كانت حواسهم سليمة. والمراد بهؤلاء: هم أهل البادية، كما صرح به في رواية سليمان التيمي وغيره، قال: "ما الحفاة العراة؟ "، قال: "الْعُرَيب"، وهو بالعين المهملة على التصغير، وفي الطبراني من طريق أبي جمرة، عن ابن عباس، مرفوعا: "من انقلاب الدين تَفَصُّح النَّبَط،

стр. 857

واتخاذهم القصور في الأمصار". وقال القرطبيّ: وقد وصفهم في حديث أبي هريرة ﵁ بأنهم صمّ بُكم، عُميٌ، ويعني بذلك -والله تعالى أعلم- أنهم جَهَلةٌ رعاع، لم يستعملوا أسماعهم، ولا كلامهم في علم، ولا في شيء من أمر دينهم، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] أطلق ذلك عليهم، مع أنهم كانت لهم أسماع، وأبصارٌ، ولكنهم لمّا لم تحصُل لهم ثمرات تلك الإدراكات، صاروا كأنهم عَدِموا أصلها، وقد أوضح هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. قال: ومقصود هذا الحديث: الإخبارُ عن تبدل الحال، وتغيّره، بأن يستولى أهل البادية الذين هذه صفاتهم على أهل الحاضرة، ويتملكوا بالقهر والغلبة، فتكثر أموالهم، وتتسع في حُطام الدنيا آمالهم، فتنصرف هممهم إلى تشييد المباني، وهدم الدين، وشريف المعاني، وأن ذلك إذا وُجد، كان من أشراط الساعة، ويؤيد هذا ما ذُكر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة، حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لُكَع ابن لُكَع"، ومنه الحديث الآخر، ومنه: "إذا وُسِّد الأمر": أي أُسند- "إلى غير أهله، فانتظروا الساعة"، وهو في الصحيح، وقد شُوهد هذا كلّه عيانًا في هذا الزمان، فكان ذلك على صدق رسول الله، وعلى قرب الساعة، حجةً، وبرهانًا. انتهى كلام القرطبيّ ببعض تصرّف (١). (يَتَطَاوَلُونَ في البناء) أي يتفاخرون في تطويل البناء، ويتكاثرون به. (قَالَ) الظاهر أن الضمير لابن عمر ﵄ (ثم قال) أي عُمَرُ بن الخطّاب ﵁ (فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ثَلَاثٍ) أي بعد ثلاث ليال. وفي رواية النسائيّ: "قال عمر: فلبثت ثلاثًا"، وهو بكسر الباء الموحّدة: أي

стр. 858

مكثتُ، يقال: لبِث بالمكان لَبَثًا، من باب تعب، وجاء في المصدر السكون للتخفيف، واللَّبْثة بالفتح: المرّة، وبالكسر: الهيئة، والنوع، والاسم: اللُّبْث بالضمّ، واللَّبَاث. قاله في "المصباح" (ثَلَاثًا) أي ثلاث ليال. وفي رواية مسلم: "فلبثت مليّا"، قال النوويّ: معنى: "مليّا" بتشديد الياء: وقتًا طويلًا، وفي رواية أبي داود، والترمذيّ أنه قال ذلك بعد ثلاث، وفي "شرح السنّة" للبغويّ: "بعد ثالثة"، وظاهر هذا أنه بعد ثلاث ليال، وفي ظاهر هذا مخالفة لقوله في حديث أبي هريرة ﵁ بعد هذا: "ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله ﷺ رُدُّوا عليّ الرجلَ، فأخذوا ليردّوه، فلم يروا شيئًا، فقال النبيّ ﷺ : هذا جبريل ... الحديث. فيحتمل الجمع بينهما أن عمر ﵁ لم يحضر قول النبيّ ﷺ لهم في الحال، بل كان قد قام من المجلس، فأخبر النبيّ ﷺ الحاضرين في الحال، وأخبر عمر ﵁ بعد ثلاث، إذ لم يكن حاضرًا وقت إخبار الباقين. انتهى كلام النوويّ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الجمع هو الأحسن، وسيأتي وجه آخر في الجمع في عبارة الفتح" قريبًا، إن شاء الله تعالى. (فَقَالَ: "أَتَدْرِي) أي أتعلم (مَنِ الرَّجُلُ؟) وفي رواية مسلم: "من السائل؟ " (قُلْتُ: اللَّه وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) ﷺ (ذَاكَ جِبْرِيلُ) ﵇ (أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ مَعَالم دِينِكُمْ) بفتح الميم جمع مَعلَم، قال في "القاموس": مَعْلَم الشيء كمَقْعَد: مَظِنّته، وما يُستدلّ به، كالْعُلَّامَة، كرُمَّانَة. انتهى (٢). والمراد به هنا أمور الدين، وفي رواية مسلم: "ليعلّمكم دينكم"، وللنسائيّ: "أمر دينكم": أي قواعد دينكم، أو كلّيّات دينكم. وفي حديث أبي هريرة ﵁: "هذا جبريل جاء يعلّم الناس دينهم". وللإسماعيلي: "أراد أن تعلموا، إذ لم تسألوا"، وفي رواية للنسائيّ: "والذي بعث

стр. 859

محمدا بالحق، ما كنت بأعلم به من رجل منكم، وإنه لجبريل"، وفي حديث أبي عامر: "ثم وَلَّى، فلما لم نر طريقه، قال النبي ﷺ : سبحان الله، هذا جبريل، جاء ليعلم الناس دينهم، والذي نفس محمد بيده، ما جاءني قط، إلا وأنا أعرفه إلا أن تكون هذه المرة"، وفي رواية سليمان التيمي: "ثم نَهَض، فوَلَّى، فقال رسول الله ﷺ : "علي بالرجل"، فطلبناه كل مطلب، فلم نقدر عليه، فقال: "هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل، أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه، فوالذي نفسي بيده، ما شُبِّه عليّ منذ أتاني، قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى وَلَّى"، قال ابن حبان تفرد سليمان التيمي بقوله: "خذوا عنه". قال الحافظ: وهو من الثقات الأثبات، وفي قوله: "جاء ليعلم الناس دينهم": إشارة إلى هذه الزيادة، فما تفرد إلا بالتصريح، وإسناد التعليم إلى جبريل مجازيّ؛ لأنه كان السبب في الجواب، فلذلك أمر بالأخذ عنه. واتفقت هذه الروايات على أن النبي ﷺ ، أخبر الصحابة بشأنه، بعد أن التمسوه، فلم يجدوه، وأما ما وقع عند مسلم، وغيره، من حديث عُمَر ﵁ -رواية كهمس: "ثم انطلق، قال عمر: فلبثت، ثم قال: يا عمر، أتدري من السائل؟، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل". فقد جَمَع بين الروايتين بعضُ الشراح بأن قوله: "فلبثت مليّا": أي زمانا بعد انصرافه، فكأن النبي ﷺ أعلمهم بذلك، بعد مضيّ وقت، ولكنه في ذلك المجلس، لكن يَعكُر على هذا الجمع قوله في رواية النسائي، والترمذي: "فلبثت ثلاثا"، لكن ادَّعَى بعضهم فيها التصحيف، وأن "مليا" صُغّرت ميمها، فاشبهت "ثلاثا"، لأنها تكتب بلا ألف، وهذه الدعوى مردودة، فإن في رواية أبي عوانة: فلبثنا ليالي، فلقيني رسول الله ﷺ ، بعد ثلاث"، ولابن حبان: "بعد ثالثة"، ولابن منده: "بعد ثلاثة أيام". وجمع النووي بين الحديثين بأن عمر، لم يحضر قول النبي ﷺ ، في المجلس، بل كان ممن قام، إما مع الذين توجهوا في طلب الرجل، أو لشغل آخر، ولم يرجع مع من رجع؛ لعارض عَرَض له، فأخبر النبي ﷺ الحاضرين في الحال، ولم يتفق الإخبار لعمر، إلا بعد

стр. 860

ثلاثة أيام، ويدل عليه قوله: "فلقيني"، وقوله: فقال لي: "يا عمر"، فوجه الخطاب له وحده، بخلاف إخباره الأول، وهو جمع حسن. قاله في "الفتح" (١). [تنبيه]: دلت الروايات التي تقدّم ذكرها، على أن النبي ﷺ ، ما عرف أنه جبريل، إلا في آخر الحال، وأن جبريل أتاه في صورة رجل، حسن الهيئة، لكنه غير معروف لديهم، وأما ما وقع في رواية النسائي، من طريق أبي فروة، في آخر الحديث: "وإنه لجبريل نزل في صورة دحية الكلبي"، فإن قوله: "نزل في صورة دحية الكلبي"، وَهَمٌ؛ لأن دحية معروف عندهم، وقد قال عمر ﵁: ما يعرفه منا أحد، وقد أخرجه محمد بن نصر المروزي في "كتاب الإيمان" له من الوجه الذي أخرجه منه النسائي، فقال في آخره: "فإنه جبريل، جاء ليعلمكم دينكم"، حَسْبُ، وهذه الرواية هي المحفوظة؛ لموافقتها باقي الروايات. قاله في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر بن الخطّاب ﵁ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٩/ ٦٣) بهذا السند فقط، وأخرجه (مسلم) في "الإيمان" (١/ ٢٩ و ٣٠) و (أبو داود) في "السنّة" (٤٦٩٥) و (الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦١٠)، و (النسائيّ) في "الإيمان" (٨/ ٩٧) و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (١١/ ٤٤ و ٤٥) و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٧ و ٢٨ و٥١ و ٥٢ و ٢/ ١٠٧) و (البخاريّ) في "خلق أفعال العباد" (٢٦) و (ابن منده) في "الإيمان" (١ و ٢ و ٣ و ٤ و ٥ و ٦ و ٨ و ٩ و ١٠ و١١ و ١٢ و ١٣ و ١٨٥ و ١٨٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥٠٤)، و (ابن حبّان) في

стр. 861

"صحيحه" (١٦٧) و (١٧٣)، و (البغويّ) في "شرح السنة" ٢، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أمور الإيمان، ووجه ذلك أننا قدّمنا في أول "باب الإيمان" أن غرض المصنّف ﵀ بيان حقيقة الإيمان، وشعبه، وأنه قول وفعل، ويزيد وينقص، وغير ذلك مما اشتملت عليه الأحاديث التي ساقها في الباب. ٢ - (ومنها): أن فيه أن الملك يجوز أن يتمثل لغير النبي ﷺ ، فيراه، ويتكلم بحضرته، وهو يسمع، وقد ثبت عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما أنه كان يسمع كلام الملائكة. ٣ - (ومنها): أنّ فيه دليلًا على أن الله تعالى مَكّن الملائكة من أن يتمثّلوا فيما شاءوا من صور بني آدم، كما نصّ الله على ذلك في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] وقد كان جبريل ﵇ يتمثّل للنبيّ ﷺ في صورة دحية بن خليفة الكلبيّ ﵁، وقد كان لجبريل صورة خاصّة، خُلق عليها، لم يره النبيّ ﷺ عليها غير مرّتين، كما صحّ الحديث بذلك (١). ٤ - (ومنها): استحباب تحسين الثياب والهيئة، والنظافة عند الدخول على العلماء، والفضلاء، والملوك، فإن جبريل ﵇ أتى معلّمًا للناس، كما أخبر به النبيّ ﷺ ، فيكون تعليمه بحاله، ومقاله. ٥ - (ومنها): ابتداء الداخل بالسلام على جميع من دخل عليهم، وإقباله على رئيس القوم، فإن جبريل ﵇ قال: "السلام عليكم"، فعمّ، ثم قال: "يا محمد"، فخصّ. ٦ - (ومنها): جواز الاستئذان في القرب من الإمام مرارًا، وإن كان الإمام في موضع مأذون في دخوله.

стр. 862

٧ - (ومنها): ترك الاكتفاء بالاستئذان مرّة، أو مرّتين على جهة التعظيم، والاحترام. ٨ - (ومنها): جواز اختصاص العالم بموضع مرتفع من المسجد، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، لضرورة التعليم، أو غيره؛ لما في رواية النسائيّ: "فبنينا له دكّانًا من طين، كان يجلس عليه". ٩ - (ومنها): أنه ينبغي لمن حضر مجلس العالم إذا علم بأهل المجلس حاجةً إلى مسألة، لا يسألون عنها، أن يسأل هو عنها؛ ليحصل الجواب للجميع. ١٠ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم أن يرفق بالسائل، ويُدنيه منه؛ ليتمكّن من سؤاله، غير هائب، ولا منقبض، وأنه ينبغي للسائل أن يرفق في سؤاله. ١١ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم إذا سئل عما لا يعلم، أن يصرح بأنه لا يعلمه، ولا يكون في ذلك نقص من مرتبته، بل يكون ذلك دليلا على مزيد ورعه. قاله النوويّ رحمه الله تعالى. ١٢ - (ومنها): نسبة العلم إلى الله تعالى ورسوله ﷺ في حياته، وأما بعد وفاته، فنقول: الله أعلم؛ لحديث: "لَيَرِدّن عليّ -يعني الحوض- أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يُحال بيني وبينهم، قال: فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ... " الحديث. ١٣ - (ومنها): أنه ﷺ لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله تعالى، بل علم الغيب مما استأثر الله تعالى به، قال : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية [النمل: ٦٥]. ١٤ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على تحريم بيع أمهات الأولاد، وغلّطوه في ذلك، قال النووي في "شرح مسلم": ليس فيه دليل على تحريم بيع أمهات الأولاد، ولا على جوازه، وقد غَلِطَ مَنِ استَدَلَّ به لكلٍّ من الأمرين؛ لأن الشيء إذا جُعل علامةً على شيء آخر، لا يدل على حظر، ولا إباحة.

стр. 863

١٥ - (ومنها): أن فيه إطلاق الرب على السيد المالك، لكن قد ورد النهي عن ذلك، وقد أجيب عن ذلك، قال في "الفتح": يُجمَع بين ما في هذا الحديث، من إطلاق الرب على السيد المالك، في قوله: "ربها"، وبين ما في الحديث الآخر، وهو في "الصحيح": "لا يَقُل أحدكم: أطعم ربك، وَضِّىء ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي، ومولاي"، بأن اللفظ هنا خرج على سبيل المبالغة، أو المراد بالرب هنا المربي، وفي المنهي عنه السيد، أو أن النهي عنه متأخر، أو مختص بغير الرسول ﷺ . انتهى (١). ١٦ - (ومنها): ما قاله القرطبي رحمه الله تعالى: مقصود هذا السؤال كَفُّ السامعين عن السؤال، عن وقت الساعة؛ لأنهم قد أكثروا السؤال عنها، كما ورد في كثير من الآيات، والأحاديث، فلما حصل الجواب بما ذُكر هنا، حصل اليأس من معرفتها، بخلاف الأسئلة الماضية، فإن المراد بها استخراج الأجوبة، ليتعلمها السامعون، ويعملوا بها، ونبه بهذه الأسئلة على تفصيل ما يمكن معرفته، مما لا يمكن. ١٧ - (ومنها): ما قاله ابن المُنَيِّر رحمه الله تعالى: في قوله: "يعلمكم دينكم"، دلالة على أن السؤال الحسن، يُسَمَّى علمًا، وتعليمًا؛ لأن جبريل ﵇ لم يصدر منه سوى السؤال، ومع ذلك فقد سماه النبيّ ﷺ معلما، وقد اشتهر قولهم: حُسنُ السؤال نصف العلم، ويمكن أن يؤخذ من هذا الحديث؛ لأن الفائدة فيه انبنت على السؤال والجواب معا. ١٨ - (ومنها): ما قاله القرطبي رحمه الله تعالى: هذا الحديث يصلح، أن يقال له: أم السنة؛ لما تضمنه من جُمَل علم السنة، كما سُمّيت الفاتحة أم الكتاب؛ لِمَا تضمّنته من جُمل معاني القرآن. وقال الطيبي: لهذه النكتة استفتح به البغوي، كتابيه "المصابيح"، و"شرح السنة"؛ اقتداء بالقرآن في افتتاحه بالفاتحة؛ لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالا. وقال القاضي عياض قد اشتمل هذا الحديث، على جميع وظائف العبادات، الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان، ابتداء، وحالا، ومآلا، ومن أعمال الجوارح، ومن

стр. 864

إخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه. قال: وعلى هذا الحديث، وأقسامه الثلاثة، ألّفنا كتابنا الذي سمّيناه بـ "المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان"، إذ لا يشذّ شيء من الواجبات، والسنن، والرغائب، والمحظورات، والمكروهات عن أقسامه الثلاثة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد ذكرت في "شرح النسائيّ" في هذا المحلّ مسائل مهمّة، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٦٤ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّه، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَلِقَائِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهَ مَا الْإسْلَامُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهَ مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّه كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، فَذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الْغَنَمِ في الْبُنْيَانِ، فَذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، في خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلا اللَّه، فَتَلا رَسُولُ اللَّه ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا في الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. الآيَةَ" [لقمان: ٣٤]). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد الحافظ الثقة [١٠] تقدّم في ١/ ١. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم الحافظ الثبت [٨] تقدّم في ٧/ ٤٧.

стр. 865

٣ - (أَبُو حَيَّانَ) -بمهملة مفتوحة، وتحتانيّة مشدّدة- هو: يحيى بن سعيد بن حَيّان التيميّ، من تيم الرَّبَاب، الكوفيّ، ثقة عابدٌ [٦]. روى عن أبيه، وعمه يزيد بن حيان، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، والشعبي، والضحاك بن المنذر، وعَبَاية بن رِفَاعة بن رافع بن خَدِيج، وغيرهم. وروى عنه أيوب السختياني، ومات قبله، والأعمش، وهو من أقرانه، وشعبة، والثوري، ووهيب، وابن علية، وهشيم، وابن المبارك، ويحيى القطان، وابن فضيل، وأبو أسامة، ومحمد بن عبيد الطنافسي، وآخرون. قال الْخُرَيبيّ: كان أبو حيان عند سفيان الثوري -يعني كان يعظمه ويوثقه-. وقال محمد بن عمران الأخنسي عن محمد بن فضيل: ثنا أبو حيان التيمي، وكان صدوقًا. وقال ابن معين: ثقة. وقال العجليّ: ثقة صالح مُبَرِّز صاحب سنة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال مسلم: كوفي من خيار الناس. وقال النسائيّ: ثقة ثبت. وقال الفلاس: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة خمس وأربعين ومائة، وكان من المتهجدين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم ٦٤ و ١٦٠ و ٢٥٠٣ و ٣٣٠٧ و ٤٠١٧ و ٤٠٤٤ و ٤٠٦٩. ٤ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم. وقيل: عبد الله. وقيل: عبد الرحمن. وقيل: عمرو. قاله النسائي. وقيل: جرير. قاله الواقدي، ثقة [٣]. رأى عليا، وروى عن جده، وأبي هريرة، ومعاوية، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وثابت بن قيس النخعي، وخَرَشَة بن الْحُرّ، وعبد الله بن يحيى الحضرمي، وأرسل عن عمر بن الخطاب، وأبي ذر. وروى عنه عمه إبراهيم بن جرير، وحفيداه: جرير، ويحيى ابنا أيوب بن أبي زرعة، وابن عمه جرير بن زيد، وإبراهيم النخعي، والحارث الْعُكْلي، وطلق بن

стр. 866

معاوية، وعبد الله بن شُبْرُمة الضبي، وأبو حيان التيمي، وعلي بن مُدْرِك، وغيرهم. قال الواقديّ: كان لجرير ابنٌ يقال له: عمرو، وبه كان يُكنَى، هلك في إمارة عثمان، فولد عمروٌ ابنًا سَمّاه جريرًا باسم أبيه، وغَلَب عليه أبو زرعة، رأى عليا، وكان انقطاعه إلى أبي هريرة، وسمع من جده أحاديث، وكان من علماء التابعين. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال ابن خِرَاش: صدوق ثقة. وقال جرير عن عمارة بن القعقاع: قال لي إبراهيم: إذا حدثتني فحدثني عن أبي زرعة، فإني سألته عن حديثٍ مَا، سألته بعد ذلك بسنة أو سنتين، فما أَخْرَم منه حرفًا. وقال البخاري في "تاريخه": هَرِم أبو زرعة سمع ثابت بن قيس، وعنه الحسن بن عبيد الله. وقال في "الأوسط": قال لي علي بن عبد الله: هرم أبو زرعة هذا ليس هو عمرو بن جرير، إنما أبو زرعة آخر. قال بعضهم: إنه غَلَّابيّ. وقال ابن عساكر: فرق ابن المديني بين أبي زرعة بن عمرو بن جرير وبين هرم أبي زرعة، صاحب أبي قيس. وذكر ابن حبان في "الثقات" أبا زرعة بن عمرو بن جرير فيمن اسمه هرم، ثم قال: ويقال: اسمه وكنيته. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢١) حديثًا. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم ١/ ١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير إسماعيل، فبصريّ، والصحابيّ فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.

стр. 867

شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ) أي ظاهرًا غير محُتجِبٍ عنهم، ولا ملتبس بغيره، والبروزُ: الظهورُ، وقد وقع في رواية أبي فروة عند النسائيّ بلفظ: "كان رسول الله ﷺ يجلس بين أصحابه، فيجيء الغريب، فلا يَدرِي أيّهم هو، فطلبنا إليه أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، قال: فبنينا له دُكّانًا من طينٍ كان يجلس عليه". انتهى. واستنبط منه القرطبي استحبابَ جلوس العالم بمكان يختص به، ويكون مرتفعًا إذا احتاج لذلك؛ لضرورة تعليم ونحوه. (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) أي ملك في صورة رجل، وللبخاريّ في "التفسير": "إذ أتاه رجل يمشي"، وللنسائيّ من رواية أبي فروة: "فإنا لجلوسٌ عنده، إذ أقبل رجل أحسنُ الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا، كأن ثيابه لم يَمَسَّها دَنَسٌ". (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه) أي بعد السلام، لما في رواية أبي فَرْوة عند النسائيّ: "حتى سَلّمَ من طَرَف البساط، فقال: السلام عليك يا محمد، فَرَدّ ﵇، قال: أَدنو يا محمد؟ قال: ادْنُ، فما زال يقول: أَدنو مرارًا؟ ويقول له: ادن". وقد تقدّم تحقيق ذلك في الحديث الماضي. (مَا الْإِيمَانُ؟) قيل: قَدَّمَ السؤال عن الإيمان؛ لأنه الأصل، وثَنَّى بالإسلام؛ لأنه يُظهِر مِصْدَاق الدعوى، وثَلَّثَ بالإحسان، لأنه مُتَعَلِّق بهما. وفي رواية عُمارة بن القعقاع بدأ بالإسلام؛ لأنه بالأمر الظاهر، وثَنَّى بالإيمان؛ لأنه بالأمر الباطن، ورجح هذا الطيبي؛ لما فيه من الترقِّي، ولا شك أن القصة واحدة، اختَلَفَ الرواةُ في تأديتها، وليس في السياق ترتيب، ويدل عليه رواية مطر الوراق عند أبي عوانة في "صحيحه"، فإنه بدأ بالإسلام، وثَنَّى بالإحسان، وثَلَّث بالإيمان، فالحق أن الواقع أمر واحد، والتقديم والتأخير وقع من الرواة. قاله الحافظ (١).

стр. 868

(قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ) دل الجواب أنه عَلِمَ أنه سأله عن مُتَعَلِّقَاته، لا عن معنى لفظه، وإلا لكان الجواب الإيمانُ التصديق. (وَمَلَائِكَتِهِ) أي تُصدّق بوجودهم، وأنهم كما وصفهم الله تعالى ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾. (وَكُتُبِهِ) أي تصدّق بأنها كلام الله، وليست مخلوقة، وأن ما تضمنته حقّ وصدق. (وَرُسُلِهِ) قال في "الفتح": وللأصيلي: "وبرسله"، ووقع في حديث أنس، وابن عباس: "والملائكة، والكتاب، والنبيين"، وكُلٌّ من السياقين في القرآن في البقرة، والتعبير بالنبيين يَشمَل الرسل من غير عكس. (وَلقَائِهِ) قيل: هذا مكرّر؛ لأنه داخل في الإيمان بالبعث، والحقّ أنه غير مكرّر، فقيل: المراد بالبعث القيام من القبور، والمراد باللقاء ما بعد ذلك، وقيل: اللقاء يحصل بالانتقال من دار الدنيا، والبعث بعد ذلك، ويدلّ على ذلك قوله بعده: "وتؤمن بالبعث الآخر"، وقيل: المراد باللقاء رؤية الله، ذكره الخطابيّ، وتعقّبه النوويّ بأن أحدًا لا يَقطع لنفسه برؤية الله، فإنها مختصة بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بم يُختم له، فكيف يكون ذلك من شروط الإيمان؟ وأجيب بأن المراد الإيمان بأن ذلك حقّ في نفس الأمر. وهذا من الأدلّة القويّة لأهل السنّة في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة؛ إذ جُعلت من قواعد الإيمان. قاله في "الفتح" (١) (وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ) قيل: ذكرُ "الآخر" تأكيدٌ، كقولهم: "أمس الذاهب"، وقيل: لأن البعث وقع مرتين: الأولى الإخراج من العدم إلى الوجود، أو من بطون الأمهات بعد النطفة، والْعَلَقة إلى الحياة الدنيا، والثانية البعث من بطون القبور إلى محل الاستقرار. وأما اليوم الآخر، فقيل له ذلك؛ لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة. (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه مَا الْإِسْلَامُ؟) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ما معناه: إن سؤال جبريل ﵇ عن الإسلام والإيمان بلفظ "ما" يدلّ على أنه إنما سأل عن حقيقتهما عنده،

стр. 869

لا عن شرح لفظهما في اللغة، ولا عن حكمهما؟ لأن "ما" في أصلها إنما يُسأل بها عن الحقائق، والماهيّات، ولذلك أجابه النبيّ ﷺ بقوله: "أن تؤمن بالله، وبكذا، وكذا، فلو كان سائلًا عن شرح لفظهما في اللغة لما كان هذا جوابًا له؛ لأن المذكور في الجواب، هو المذكور في السؤال. انتهى (١). (قَالَ) ﷺ (أَنْ تَعْبُدَ اللَّه) أي توحّده بلسانك على وجه يُعتدّ به، فشمل الشهادتين، فيوافق هذا الحديث حديث عمر ﵁ المذكور قبله، وكذا حديث بُني الإسلام على خمس المتّفق عليه، وقوله: (وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) تأكيد لجملة "أن تعبد الله" (وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ المكتوبة) أي المفروضة على العباد (وتؤدّي الزَّكَاةَ المفروضة) على الأغنياء، زاد في رواية النسائيّ من طريق أبي فروة عن أبي زرعة في "وتحج البيت" (وَتَصُومَ رَمَضَانَ) فيه جواز إطلاق رمضان من إضافة شهر إليه، وهو القول الصحيح، وكرهه بعضهم. وزاد في رواية النسائيّ المذكورة: "قَالَ: إِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَقَدْ أَسْلَمْتُ؟، قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: صَدَقْتَ، فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الرَّجُلِ صَدَقْتَ، أَنْكَرْنَاهُ". (قَالَ) الرجل (يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ) ﷺ (أَنْ تَعْبُدَ اللَّه كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) تقدّم شرح هذه الجملة مستوفًى في الحديث الماضي، وزاد في رواية النسائيّ: "قَالَ صَدَقْتَ" (قَالَ) الرجل (يَا رَسُولَ اللَّه مَتَى السَّاعَةُ؟) أي متى يقوم يوم القيامة (قَالَ) ﷺ (مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا) وفي رواية أبي فروة المذكورة: "قَالَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: فَنَكَسَ، فَلَمْ يُجِبْهُ شَيْئًا، ثُمَّ أَعَادَ، فَلَمْ يُجِبْهُ شَيْئًا، ثُمَّ أَعَادَ، فَلَمْ يُجِبْهُ شَيْئًا، وَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ إلخ". (بِأَعْلَمَ) الباء زائدة لتأكيد النفي (مِنَ السَّائِلِ) يعني أن الناس كلهم في وقت الساعة سواء، فكلهم غير عالمين به على الحقيقة، ولهذا قال: "في خمس لا يعلمهنّ إلا الله". قال في "الفتح": وهذا وإن كان مُشعرًا بالتساوي في العلم، لكن المراد التساوي

стр. 870

في العلم بأن الله تعالى استأثر بها؛ لقوله بعدُ: "خمس لا يعلهمنّ إلا الله الخ". (وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا) بفتح الهمزة، جمع شَرَط بفتحتين، كقَلَم وأقلام: أي علاماتها (إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَتَهَا) التعبير بـ "إذا" يُشعر بتحقّق الوقوع، وقوله: (فَذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا) -أي من علامات الساعة- جواب "إذا"، وقد سبق بيان اختلاف العلماء في معنى "ولدت الأمة ربتها" مستوفًى في شرح حديث عمر ﵁، فراجعه تستفد. (وَإِذَا تَطَاوَلَ) أي تفاخر، وتكاثر (رِعَاءُ الْغَنَمِ) بكسر الراء: جمع راع (في الْبُنْيَانِ) أي في تشييد البنيان (فَذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا) أي من علاماتها (في خَمْسٍ) قال في "الفتح": أي علم وقت الساعة داخل في جملة خمس، وحَذْفُ متعلق الجار سائغ، كما في قوله تعالى: ﴿في تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢]: أي اذهب إلى فرعون بهذه الآية، في جملة تسع آيات (١). وفي رواية عطاء الخراساني: "قال: فمتى الساعة؟ قال: هي في خمس من الغيب، لا يعلمها إلا الله". انتهى. وقال القرطبيّ: قوله: "في خمس الخ": فيه حذف، وتوسّعٌ: أي هي من الخمس التي قد انفرد الله بعلمها، أو في عددهنّ، فلا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمس، ولقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] فلا طريق لعلم شيء من ذلك، إلا أن يُعْلِم الله تعالى بذلك، أو بشيء منه أحدًا ممن شاءه، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجنّ: ٢٦ - ٢٧]، فمن ادّعى علم شيء من هذه الأمور كان في دعواه كاذبًا، إلا أن يُسند ذلك إلى رسول بطريق تفيد العلم القطعيّ، ووجود ذلك متعذّر، بل ممتنعٌ، وأما ظنّ الغيب، فلم يتعرّض شيء من الشرع لنفيه، ولا لإثباته، فقد يجوز أن

стр. 871

يظنّ المنجّم، أو صاحب خط الرمل، أو نحو هذا شيئًا مما يقع في المستقبل، فيقع على ما ظنّه، فيكون ذلك ظنّا صادقًا، إذا كان عن موجب عاديّ، يقتضي ذلك الظنّ، وليس بعلم، فيُفهم هذا منه، فإنه موضع غَلِطَ بسببه رجالٌ، وأُكلت به أموالٌ. [ثم اعلم]: أن أخذ الأجرة، والْجُعْل، وإعطائها على ادّعاء علم الغيب، أو ظنّه لا يجوز بالإجماع، على ما حكاه أبو عمر ابن عبد البرّ ﵀. انتهى (١). وقال في "الفتح": وجاء عن ابن مسعود ﵁ قال: أُوتي نبيكم ﷺ علم كل شيء، سوى هذه الخمس. وعن ابن عمر مرفوعًا نحوه، أخرجهما أحمد. وأخرج حميد بن زنجويه، عن بعض الصحابة، أنه ذُكر العلم بوقت الكسوف قبل ظهوره، فأنكر عليه، فقال: إنما الغيب خمس، وتلا هذه الآية، وما عدا ذلك غيب، يعلمه قوم، ويجهله قوم. (لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّه) أي لا يعلم تلك الخمس إلا الله . قال الطيبيّ ﵀: فيه إشارة إلى إبطال الكهانة والنجامة وما شاكلها، قال لبيد [من الطويل]: لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي الضَّوَارِبُ بِالْحَصَى ... وَلَا زَاجِرَاتُ الطَّيْرِ مَا اللَّهُ صَانِعُ وإرشاد للأمة، وتحذير لهم عن إتيان من يَدّعي علم الغيب، فإذًا الجواب من الأسلوب الحكيم، أجاب عن سؤاله في ضمن أشياء مهمّة، لا بدّ من بيانها إرشادًا للأمّة، وتنبيهًا للمعلم عليها، كأنه قيل: سؤالك يقتضي أن لا يُقتَصَر على جواب واحد، بل يُجاب مع هذه الأمور المهمّة، فإن اهتمامها كاهتمامه. أو يقال: كان يجب عليك أيها المعلّم أن لا تقتصر على سؤال واحد، بل تسأل عن هذه الأشياء المهمّة. [فإن قيل]: أليس إخباره ﷺ عن أمارات الساعة من قبيل قوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾؟ [لقمان: ٤٣]. [قلت]: إذا أَظهَر بعضُ المرتضَينَ من عباده بعض ما كوشف له من الغيوب

стр. 872

لمصلحة ما لا يكون إخبارًا بالغيب، بل يكون تبليغًا له، قال الله تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية [الجنّ: ٢٦]. انتهى (١). (فَتَلَا) أي قرأ (رَسُولُ اللَّه ﷺ ) تصديقًا لقوله: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، فقوله (﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾) مفعول به لـ "تلا" محكيّ؛ لقصد لفظه، أي علم وقت وقوعها. ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ قرىء بالتشديد، من التنزيل، والتخفيف من الإنزال: أي وهو ينزل المطر الذي يُغيث الناس في أمكنة، وأزمنة لا يعلمها إلا هو ﴿وَيَعْلَمُ مَا في الْأَرْحَامِ﴾ أي وهو يعلم تفاصيل ما في أرحام الإناث، من ذكر أو أنثى، وواحد ومتعدّد، وكامل وناقص، ومؤمن وكافر وطويل وقصير، وغير ذلك، قال الله في آية أخرى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ [الرعد: ٨]: أي تنقص وما تزداد، أي من مدّة الحمل، والجثّة والعدد ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨] أي بقدر واحد لا يتجاوزه. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ﴾ برةً كانت أو فاجرة ﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ من خير أو شرّ، وربّما كانت عازمةً على خير، فعملت شرّا، وعازمةً على شرّ فعملت خيرًا ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي أين تموت، فربما أقامت بأرض، وضربت أوتادها، وقالت: لا أبرحها، فترمي بها مرامي القدر حتى تموت في مكان لم يخطر ببالها (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ أي بهذه الأشياء من جزئياتها وكلياتها خصوصًا، وبغيرها عمومًا ﴿خَبِيرٌ﴾ أي عالم بباطنها، كما أنه عالم بظاهرها. [فإن قيل]: كيف يطابق تفسيره ﷺ الآية بقوله: "في خمس لا يعلمهن إلا الله"، وليس في الآية أداة حصر، كما في الحديث؟.

стр. 873

[قلت]: فيه وجهان: [أحدهما]: أن يكون ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ فاعلًا للظرف؛ لاعتماده على اسم "إنّ"، ويُعطف ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ وما بعده من الجمل على الظرف، وفاعلِهِ على تأويل الجملتين المنفيتين بإثبات ما نُفي فيهما عن الغير لله : أي يعلم ماذا تكسب كل نفس غدًا، ويعلم أن كل نفس بأيّ أرض تموت. قال أبو البقاء: هذا العطف يدلّ على قوّة شبه الظرف بالفعل. وقال صاحب "الكشّاف": جاء بالظرف، وما ارتفع به، ثم قال: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾، فعطف الجملة على الجملة، ومثله قوله تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا في بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾، فصدّر بالفعل والفاعل، ثم عطف بالظرف، وما ارتفع به. وإذا تقرّر هذا فنقول: إذا كان الفعل عظيم الخطر، وما بُني عليه الفعل عليَّ القدر، رفيع الشأن، فُهم منه الحصر على سبيل الكناية. [فإن قلت]: إذا عُطف ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ على الجملة، كيف دلّ على العلم؟. [أجيب]: بأنه إذا نُفي إنزال الغيث عما كانوا يُنسبون إليه من طلوع الأنواء اختصّ بالله تعالى، فيلزم منه اختصاص علم الله تعالى. [وثانيهما]: أن يذهب إلى أن الظرف خبر مقدّم على المبتدإ لإفادة الحصر، ويُعطف ﴿يُنَزِّلُ﴾ على المضاف إليه، يعني عنده علم الساعة، وعلم تنزيل الغيث على تقدير أن ينزل، فحذف "أن"، فارتفع الفعل، نحو قوله: "أَحْضُرَ الْوَغَى"، ويُعطف ﴿وَيَعْلَمُ مَا في الْأَرْحَامِ﴾، وما بعده على المضاف، أي إن الله عنده علم ما في الأرحام، وعلم ماذا تكسب كلّ نفس غدًا على التقدير المذكور. [فإن قلت]: فأيّ نكتة دعت إلى العدول عن المثبت إلى المنفي في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]، وما فائدة تكرير نفس، وتنكيرها، وإيثار الدراية على العلم، فإنها إدراك الشيء بالحيلة. [أجيب]: إذا نُفيت الدراية لما فيها من معنى الحيلة في اكتساب العلم من كلّ

стр. 874

نفس على سبيل الاستغراق لوقوع النكرة في سياق النفي، أفاد أن كلّ نفس منفوسة من الإنسان وغيره إذا أَعمَلت حيلتها في معرفة ما يختصّ، ويلصق بها، ولا شيء أخصّ من الإنسان من كسب نفسه، وعاقبة أمره، ولا يَقِف على شيء من ذلك، فكيف يقف على ما هو أبعدُ وأبعدُ خصوصًا من معرفة وقت الساعة، وإبّانِ إنزال الغيث، ومعرفة ما في الأرحام. والفائدة في بيان الأمارات هي أن يتأهب المكلّف المسير إلى المعاد بزاد التقوى. انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله تعالى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا (٩/ ٦٤) و"الفتن" (٤٠٤٤) و (البخاريّ) في "الإيمان" (١/ ١٩ رقم ٥٠) و"التفسير" (٦/ ١٤٤) رقم (٤٧٧٧) و (مسلم) في "الإيمان" (١/ ٣٠) (٩ و ١٠) و (أبو داود) في "السنّة" (٤٦٩٨) و (النسائيّ) ٨/ ١٠١ و (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٩٢١٧ و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢٤٤) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٩) و (ابن منده) في "الإيمان" ١٥ و ١٦، وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 875

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٦٥ - (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ صَالِح، أَبُو الصَّلْتِ الْهُرَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِليِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "الْإِيَمانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ، وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ". قَالَ أَبُو الصَّلْتِ: لَوْ قُرِىءَ هَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى مَجْنُونٍ لَبَرَأَ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ) هو: سهل بن زَنْجَلة أبو عمرو الرازيّ، صدوق [١٠] ٩/ ٥٨. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن سَمُرَة الأَحْمَسيّ -بمهملتين- أبو جعفر السّرّاج، ثقة [١٠]. رَوَى عن أبي معاوية، وابن عيينة، والمحاربي، وجعفر بن عون، وعثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، ووكيع، وغيرهم. وروى عنه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، والقاسم بن زكريا، وابن أبي داود، وابن أبي حاتم، وآخرون. قال ابن أبي حاتم سئل أبي عنه، فقال: صدوق، وسمعت منه مع أبي، وهو صدوق ثقة. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو القاسم: مات سنة ستين ومائتين في جمادى الأولى، ويقال: سنة (٥٨) وأرخه ابن المنادي، ومسلمة، والقراب سنة ستين، زاد مسلمة: وكان صدوقا. وله في هذا الكتاب (٣٦) حديثًا. ٣ - (عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ صَالِحٍ، أَبُو الصَّلْتِ الهرَوِيُّ) هو: عبد السلام بن صالح بن سليمان بن أيوب بن ميسرة القرشي مولاهم، سكن نيسابور، ورحل في الحديث إلى الأمصار، وخدم علي بن موسى الرضا، صدوق له مناكير، وكان يتشيّع، وأفرط فيه

стр. 876

العقيليّ، فقال: كذّاب [١٠]. ورَوَى عن عبد السلام بن حرب، وعبد الله بن إدريس، وعباد بن العوام، وحماد ابن زيد، ومالك بن أنس، وغيرهم. وروى عنه ابنه محمد، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي، وسهل بن زَنْجَلة، ومحمد بن رافع النيسابوري، والدوري، وغيرهم. قال أحمد بن سيار: ذُكر لنا أنه من موالي عبد الرحمن بن سمرة، وقد لقي وجالس الناس، ورحل في الحديث، وكان صاحب قَشَافة وزهد، ولم أره يُفرط في التشيع، وناظر بشر المريسي، ثم المأمون، وكان الظفر له، ورأيته يُقَدِّم أبا بكر وعمر، ويترحم على علي وعثمان ﵄، ولا يذكر الصحابة إلا بجميل، إلا أن ثَمَّ أحاديث يرويها في المثالب، وسألت إسحاق بن إبراهيم عنها، فقال: أَمّا من رواها على طريق المعرفة فلا أكره ذلك، وأما من يرويها ديانة، فلا أرى الرواية عنه. وقال القاسم بن عبد الرحمن الأنباريّ: سألت يحيى بن معين عن حديث حدثنا به أبو الصلت، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعًا: "أنا مدينة العلم ... " الحديث، فقال: هو صحيح، وقال الخطيب: أراد أنه صحيح عن أبي معاوية، إذ قد رواه غير واحد عنه. وقال المرّوذيّ: سئل أبو عبد الله عن أبي الصلت، فقال: روى أحاديث مناكير، قيل له: روى حديث مجاهد: "أنا مدينة العلم ... " قال: ما سمعنا بهذا، قلت: هذا الذي يُنكَر عليه؟ قال: غير هذا، أما هذا فما سمعنا به. ورَوَى عن عبد الرزاق أحاديث لا نعرفها أو لا نسمعها. وقال الحسن بن علي بن مالك: سألت ابن معين عن أبي الصلت، فقال: ثقة صدوق، إلا أنه يتشيع. وقال ابن الجنيد عن ابن معين: قد سمع، وما أعرفه بالكذب، قلت: فحديث الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس؟ قال: ما بلغني إلا عنه، وما سمعت به قط. وقال مرة أخرى: ولم يكن أبو الصلت عندنا من أهل الكذب. وقال الدوري: سمعت ابن معين يوثق أبا الصلت، وقال في حديث: "أنا مدينة العلم": قد حدث به محمد بن جعفر

стр. 877

الْفَيْديّ، عن أبي معاوية. وقال ابن محُرِز عن ابن معين: ليس ممن يكذب، فقيل له في حديث أبي معاوية هذا، فقال: أخبرني ابن نمير، قال حدث به أبو معاوية قديمًا، ثم كَفَّ عنه، وكان أبو الصلت مُوسِرا يطلب هذه الأحاديث، ويُكرم المشايخ، فكانوا يحدثونه بها. وقال صالح بن محمد: رأيت ابن معين يحسن القول فيه. وقال زكريا الساجي: يحدث مناكير، هو عندهم ضعيف. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: لم يكن بصدوق، وهو ضعيف، ولم يحدثني عنه، وضرب أبو زرعة على حديثه، وقال: لا أحدث عنه، ولا أرضاه. وقال الجوزجاني: كان مائلا عن الحق. وقال ابن عدي: له أحاديث مناكير في فضل أهل البيت، وهو متهم فيها. وقال الْبَرْقاني عن الدارقطني: كان رافضيا خبيثًا. قال لي دَعْلَج: إنه سمع أبا سعيد الهروي، وقيل له: ما تقول في أبي الصلت؟ قال: نعم الْهَيْصَم (١) ثقة، قال: إنما سألتك عن عبد السلام، فقال: نعم ثقة، ولم يزد على هذا. قال أبو الحسن: وروى حديث "الإيمانُ إقرار بالقول ... "، وهو مُتَهَمٌ بوضعه، لم يُحَدِّث به إلا من سرقه منه، فهو الابتداء في هذا الحديث. وقال البرقاني: وحَكَى لنا أبو الحسن أنه سُمِع يقول: كلبٌ للعلوية خير من جميع بني أمية (٢)، فقيل: إن فيهم عثمان، فقال: فيهم عثمان. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. وقال الحاكم والنقاش وأبو نعيم: رَوَى مناكير. وقال الحاكم: وثقه إمام أهل الحديث يحيى بن معين. وقال الآجري عن أبي داود: كان ضابطًا، ورأيت ابن معين عنده. وقال محمد بن طاهر كذاب. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٤ - (عَليُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا) -بكسر الراء، وفتح الضاد المعجمة- هو: عليّ بن

стр. 878

موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو الحسن يُلقّب بالرضا صدوقٌ، والخلل ممن روى عنه، من كبار [١٠]. رَوَى عن أبيه، وعبيد الله بن أرطاة بن النذر. وروى عنه ابنه محمد، وأبو عثمان المازني النحوي، وأيوب بن منصور النيسابوري، وأبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي، والمأمون بن الرشيد، وعلي بن مهدي بن صدقة، له عنه نسخة، وأبو أحمد داود ابن سليمان بن يوسف الغاري القزويني، له عنه نسخة، وعامر بن سليمان الطائي، له عنه نسخة كبيرة، وأبو جعفر محمد بن محمد بن حبان التمار، وآخرون. قال أبو الحسن يحيى بن جعفر النسابة الْعَلَويّ، عقد له المأمون وَلِيّ عَهْد، ولبس الناس الخضرة في أيامه. وقال المبرد عن أبي عثمان المازني: سئل علي بن موسى الرِّضَى، يُكَلِّف الله العباد ما لا يطيقون؟ قال: هو أعدل من ذلك، قال: يستطيعون أن يفعلوا ما يريدون؟ قال: هم أعجز من ذلك. وقال الحاكم في "تاريخ نيسابور": أشخصه المأمون من المدينة إلى البصرة، ثم إلى الأهواز، ثم إلى فارس، ثم إلى نيسابور إلى أن أخرجه إلى مَرْوَ، وكان ما كان -يعني من قصة استخلافه-. قال: وسمع علي بن موسى أباه، وعمومته: إسماعيل، وعبد الله، وإسحاق، وعلي بني جعفر، وعبد الرحمن بن أبي الموالي، وغيرهم من أهل الحجاز، وكان يفتي في مسجد رسول الله ﷺ ، وهو ابن نَيِّف وعشرين سنة، روى عنه من أئمة الحديث آدم بن أبي إياس، ونصر بن علي الجهضمي، ومحمد بن رافع القشيري، وغيرهم، استُشْهِد علي بن موسى بسِنْدِ أباد من طوس لتسع بقين من شهر رمضان ليلة الجمعة من سنة (٢٠٣) وهو ابن (٤٩) سنة وستة أشهر، ثم حكى من طريق أخرى أنه مات في صفر. وقال أبو سعد بن السمعاني في "الأنساب": قال أبو حاتم بن حبان: يروي عن أبيه العجائب، كأنه كان يَهِم ويُخطىء، ومات يوم السبت آخر يوم من صفر وقد سُمَّ في ماء الرُّمان وسُقِي. قال ابن السمعاني والخلل في رواياته عن رُواته، فإنه ما رَوَى عنه إلا متروك، والمشهور من روايته الصحيفة، وراويها عنه مطعون فيه، وكان الرضا من أهل

стр. 879

العلم والفضل، مع شرف النسب انتهى، تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٥ - (أَبُوه) هو: موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي أبو الحسن المدني العروف بالكاظم، صدوقٌ عابدٌ [٧]. روى عن أبيه، وعبد الله بن دينار، وعبد الملك بن قُدامة الْجُمَحي. وروى عنه أخواه: علي ومحمد، وأولاده: إبراهيم، وحسين، وإسماعيل، وعلي الرضا، وصالح بن يزيد، ومحمد بن صدقة العنبري. قال أبو حاتم: ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين. وقال يحيى بن الحسن بن جعفر النسابةُ: كان موسى بن جعفر يُدْعَى العبد الصالح من عبادته واجتهاده. وقال الخطيب: يقال: إنه وُلد بالمدينة في سنة ثمان وعشرين ومائة (١)، وأقدمه المهدي إلى بغداد، ثم رده إلى المدينة، وأقام بها إلى أيام الرشيد، فقدم هارون منصرفا من عمرة رمضان سنة تسع وسبعين، فحمله معه إلى بغداد، وحبسه بها إلى أن تُوفي في محبسه. وقال محمد بن صدقة العنبري: توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة. وقال غيره: في رجب، ومناقبه كثيرة. تفرّد به أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عليّ بن الحسين المعروف بالصادق، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ إمام [٦] تقدّم في ٧/ ٤٤. ٧ - (أبوه) محمد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشميّ المعروف بالباقر، أبو جعفر المدنيّ، ثقة فاضل [٤] تقدّم في ١/ ٤. ٨ - (عَليُّ بْنُ الحُسَيْنِ) بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسين، ويقال: أبو الحسن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله المدنيّ، زين العابدين، ثقة ثبتٌ عابدٌ فقيهٌ

стр. 880

فاضلٌ مشهور [٣]. روى عن أبيه، وعمه الحسن، وأرسل عن جده علي بن أبي طالب، وروى عن ابن عباس، والمسور بن مخرمة، وأبي هريرة، وعائشة، وصفية بنت حيي، وأم سلمة، وبنتها زينب بنت أبي سلمة، وأبي رافع، مولى النبي ﷺ ، وابنه عبيد الله بن أبي رافع، وغيرهم. وروى عنه أولاده: محمد، وزيد، وعبد الله، وعمر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وطاووس بن كيسان، وهما من أقرانه، والزهري، وأبو الزناد، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعاصم بن عبيد الله، والقعقاع بن حكيم، وزيد بن أسلم، وغيرهم. قال ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعيّ أهل المدينة: أمه أُمُّ ولد، وكان ثقة مأمونا كثير الحديث، عاليا رفيعا ورعا. قال ابن عيينة عن الزهري: ما رأيت قرشيا أفضل من علي بن الحسين، وكان مع أبيه يوم قُتِلَ، وهو مريضٌ فَسَلِم. وقال ابن عيينة عن الزهري أيضًا: ما رأيت أحدًا كان أفقه منه، ولكنه كان قليل الحديث. وقال مالك: قال نافع بن جبير بن مطعم لعلي بن الحسين: إنك تجالس أقواما دُونًا، فقال علي بن الحسين: إني أجالس من أنتفع بمجالسته في ديني. قال: وكان علي بن الحسين رجلا له فضل في الدين. وقال ابن وهب عن مالك: لم يكن في أهل بيت رسول الله ﷺ مثل علي بن الحسين. وقال الحاكم: سمعت أبا بكر بن دَارِم عن بعض شيوخه، عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: أصح الأسانيد كلها: الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي. وقال حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد: سمعت علي بن الحسين، وكان أفضل هاشمي أدركته. وقال الآجري: قلت لأبي داود: سمع علي بن الحسين من عائشة؟ قال: لا، سمعت أحمد بن صالح يقول: سِنّ علي بن الحسن وسن الزهري واحد. ويُروَى أن سعيد بن المسيب قال: ما رأيت أورع منه. وقال العجلي: مدني تابعيّ ثقة. قال يعقوب بن سفيان: وُلد علي بن الحسين سنة ثلاث وثلاثين. وقال ابن عيينة
следующие страницы →