العقيليّ، فقال: كذّاب [١٠].
ورَوَى عن عبد السلام بن حرب، وعبد الله بن إدريس، وعباد بن العوام، وحماد ابن زيد، ومالك بن أنس، وغيرهم.
وروى عنه ابنه محمد، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي، وسهل بن زَنْجَلة، ومحمد بن رافع النيسابوري، والدوري، وغيرهم.
قال أحمد بن سيار: ذُكر لنا أنه من موالي عبد الرحمن بن سمرة، وقد لقي وجالس الناس، ورحل في الحديث، وكان صاحب قَشَافة وزهد، ولم أره يُفرط في التشيع، وناظر بشر المريسي، ثم المأمون، وكان الظفر له، ورأيته يُقَدِّم أبا بكر وعمر، ويترحم على علي وعثمان ﵄، ولا يذكر الصحابة إلا بجميل، إلا أن ثَمَّ أحاديث يرويها في المثالب، وسألت إسحاق بن إبراهيم عنها، فقال: أَمّا من رواها على طريق المعرفة فلا أكره ذلك، وأما من يرويها ديانة، فلا أرى الرواية عنه. وقال القاسم بن عبد الرحمن الأنباريّ: سألت يحيى بن معين عن حديث حدثنا به أبو الصلت، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعًا: "أنا مدينة العلم ... " الحديث، فقال: هو صحيح، وقال الخطيب: أراد أنه صحيح عن أبي معاوية، إذ قد رواه غير واحد عنه.
وقال المرّوذيّ: سئل أبو عبد الله عن أبي الصلت، فقال: روى أحاديث مناكير، قيل له: روى حديث مجاهد: "أنا مدينة العلم ... " قال: ما سمعنا بهذا، قلت: هذا الذي يُنكَر عليه؟ قال: غير هذا، أما هذا فما سمعنا به. ورَوَى عن عبد الرزاق أحاديث لا نعرفها أو لا نسمعها. وقال الحسن بن علي بن مالك: سألت ابن معين عن أبي الصلت، فقال: ثقة صدوق، إلا أنه يتشيع.
وقال ابن الجنيد عن ابن معين: قد سمع، وما أعرفه بالكذب، قلت: فحديث الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس؟ قال: ما بلغني إلا عنه، وما سمعت به قط. وقال مرة أخرى: ولم يكن أبو الصلت عندنا من أهل الكذب. وقال الدوري: سمعت ابن معين يوثق أبا الصلت، وقال في حديث: "أنا مدينة العلم": قد حدث به محمد بن جعفر
стр. 877
الْفَيْديّ، عن أبي معاوية. وقال ابن محُرِز عن ابن معين: ليس ممن يكذب، فقيل له في حديث أبي معاوية هذا، فقال: أخبرني ابن نمير، قال حدث به أبو معاوية قديمًا، ثم كَفَّ عنه، وكان أبو الصلت مُوسِرا يطلب هذه الأحاديث، ويُكرم المشايخ، فكانوا يحدثونه بها. وقال صالح بن محمد: رأيت ابن معين يحسن القول فيه. وقال زكريا الساجي: يحدث مناكير، هو عندهم ضعيف. وقال النسائي: ليس بثقة.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: لم يكن بصدوق، وهو ضعيف، ولم يحدثني عنه، وضرب أبو زرعة على حديثه، وقال: لا أحدث عنه، ولا أرضاه. وقال الجوزجاني: كان مائلا عن الحق. وقال ابن عدي: له أحاديث مناكير في فضل أهل البيت، وهو متهم فيها. وقال الْبَرْقاني عن الدارقطني: كان رافضيا خبيثًا. قال لي دَعْلَج: إنه سمع أبا سعيد الهروي، وقيل له: ما تقول في أبي الصلت؟ قال: نعم الْهَيْصَم (١) ثقة، قال: إنما سألتك عن عبد السلام، فقال: نعم ثقة، ولم يزد على هذا. قال أبو الحسن: وروى حديث "الإيمانُ إقرار بالقول ... "، وهو مُتَهَمٌ بوضعه، لم يُحَدِّث به إلا من سرقه منه، فهو الابتداء في هذا الحديث. وقال البرقاني: وحَكَى لنا أبو الحسن أنه سُمِع يقول: كلبٌ للعلوية خير من جميع بني أمية (٢)، فقيل: إن فيهم عثمان، فقال: فيهم عثمان. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. وقال الحاكم والنقاش وأبو نعيم: رَوَى مناكير. وقال الحاكم: وثقه إمام أهل الحديث يحيى بن معين. وقال الآجري عن أبي داود: كان ضابطًا، ورأيت ابن معين عنده. وقال محمد بن طاهر كذاب.
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٤ - (عَليُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا) -بكسر الراء، وفتح الضاد المعجمة- هو: عليّ بن
стр. 878
موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو الحسن يُلقّب بالرضا صدوقٌ، والخلل ممن روى عنه، من كبار [١٠].
رَوَى عن أبيه، وعبيد الله بن أرطاة بن النذر. وروى عنه ابنه محمد، وأبو عثمان المازني النحوي، وأيوب بن منصور النيسابوري، وأبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي، والمأمون بن الرشيد، وعلي بن مهدي بن صدقة، له عنه نسخة، وأبو أحمد داود ابن سليمان بن يوسف الغاري القزويني، له عنه نسخة، وعامر بن سليمان الطائي، له عنه نسخة كبيرة، وأبو جعفر محمد بن محمد بن حبان التمار، وآخرون.
قال أبو الحسن يحيى بن جعفر النسابة الْعَلَويّ، عقد له المأمون وَلِيّ عَهْد، ولبس الناس الخضرة في أيامه. وقال المبرد عن أبي عثمان المازني: سئل علي بن موسى الرِّضَى، يُكَلِّف الله العباد ما لا يطيقون؟ قال: هو أعدل من ذلك، قال: يستطيعون أن يفعلوا ما يريدون؟ قال: هم أعجز من ذلك. وقال الحاكم في "تاريخ نيسابور": أشخصه المأمون من المدينة إلى البصرة، ثم إلى الأهواز، ثم إلى فارس، ثم إلى نيسابور إلى أن أخرجه إلى مَرْوَ، وكان ما كان -يعني من قصة استخلافه-.
قال: وسمع علي بن موسى أباه، وعمومته: إسماعيل، وعبد الله، وإسحاق، وعلي بني جعفر، وعبد الرحمن بن أبي الموالي، وغيرهم من أهل الحجاز، وكان يفتي في مسجد رسول الله ﷺ ، وهو ابن نَيِّف وعشرين سنة، روى عنه من أئمة الحديث آدم بن أبي إياس، ونصر بن علي الجهضمي، ومحمد بن رافع القشيري، وغيرهم، استُشْهِد علي بن موسى بسِنْدِ أباد من طوس لتسع بقين من شهر رمضان ليلة الجمعة من سنة (٢٠٣) وهو ابن (٤٩) سنة وستة أشهر، ثم حكى من طريق أخرى أنه مات في صفر.
وقال أبو سعد بن السمعاني في "الأنساب": قال أبو حاتم بن حبان: يروي عن أبيه العجائب، كأنه كان يَهِم ويُخطىء، ومات يوم السبت آخر يوم من صفر وقد سُمَّ في ماء الرُّمان وسُقِي. قال ابن السمعاني والخلل في رواياته عن رُواته، فإنه ما رَوَى عنه إلا متروك، والمشهور من روايته الصحيفة، وراويها عنه مطعون فيه، وكان الرضا من أهل
стр. 879
العلم والفضل، مع شرف النسب انتهى، تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٥ - (أَبُوه) هو: موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي أبو الحسن المدني العروف بالكاظم، صدوقٌ عابدٌ [٧].
روى عن أبيه، وعبد الله بن دينار، وعبد الملك بن قُدامة الْجُمَحي. وروى عنه أخواه: علي ومحمد، وأولاده: إبراهيم، وحسين، وإسماعيل، وعلي الرضا، وصالح بن يزيد، ومحمد بن صدقة العنبري.
قال أبو حاتم: ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين. وقال يحيى بن الحسن بن جعفر النسابةُ: كان موسى بن جعفر يُدْعَى العبد الصالح من عبادته واجتهاده. وقال الخطيب: يقال: إنه وُلد بالمدينة في سنة ثمان وعشرين ومائة (١)، وأقدمه المهدي إلى بغداد، ثم رده إلى المدينة، وأقام بها إلى أيام الرشيد، فقدم هارون منصرفا من عمرة رمضان سنة تسع وسبعين، فحمله معه إلى بغداد، وحبسه بها إلى أن تُوفي في محبسه.
وقال محمد بن صدقة العنبري: توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة. وقال غيره: في رجب، ومناقبه كثيرة.
تفرّد به أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦ - (جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عليّ بن الحسين المعروف بالصادق، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ إمام [٦] تقدّم في ٧/ ٤٤.
٧ - (أبوه) محمد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشميّ المعروف بالباقر، أبو جعفر المدنيّ، ثقة فاضل [٤] تقدّم في ١/ ٤.
٨ - (عَليُّ بْنُ الحُسَيْنِ) بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسين، ويقال: أبو الحسن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله المدنيّ، زين العابدين، ثقة ثبتٌ عابدٌ فقيهٌ
стр. 880
فاضلٌ مشهور [٣].
روى عن أبيه، وعمه الحسن، وأرسل عن جده علي بن أبي طالب، وروى عن ابن عباس، والمسور بن مخرمة، وأبي هريرة، وعائشة، وصفية بنت حيي، وأم سلمة، وبنتها زينب بنت أبي سلمة، وأبي رافع، مولى النبي ﷺ ، وابنه عبيد الله بن أبي رافع، وغيرهم.
وروى عنه أولاده: محمد، وزيد، وعبد الله، وعمر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وطاووس بن كيسان، وهما من أقرانه، والزهري، وأبو الزناد، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعاصم بن عبيد الله، والقعقاع بن حكيم، وزيد بن أسلم، وغيرهم.
قال ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعيّ أهل المدينة: أمه أُمُّ ولد، وكان ثقة مأمونا كثير الحديث، عاليا رفيعا ورعا. قال ابن عيينة عن الزهري: ما رأيت قرشيا أفضل من علي بن الحسين، وكان مع أبيه يوم قُتِلَ، وهو مريضٌ فَسَلِم. وقال ابن عيينة عن الزهري أيضًا: ما رأيت أحدًا كان أفقه منه، ولكنه كان قليل الحديث. وقال مالك: قال نافع بن جبير بن مطعم لعلي بن الحسين: إنك تجالس أقواما دُونًا، فقال علي بن الحسين: إني أجالس من أنتفع بمجالسته في ديني. قال: وكان علي بن الحسين رجلا له فضل في الدين.
وقال ابن وهب عن مالك: لم يكن في أهل بيت رسول الله ﷺ مثل علي بن الحسين. وقال الحاكم: سمعت أبا بكر بن دَارِم عن بعض شيوخه، عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: أصح الأسانيد كلها: الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي. وقال حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد: سمعت علي بن الحسين، وكان أفضل هاشمي أدركته. وقال الآجري: قلت لأبي داود: سمع علي بن الحسين من عائشة؟ قال: لا، سمعت أحمد بن صالح يقول: سِنّ علي بن الحسن وسن الزهري واحد. ويُروَى أن سعيد بن المسيب قال: ما رأيت أورع منه. وقال العجلي: مدني تابعيّ ثقة.
قال يعقوب بن سفيان: وُلد علي بن الحسين سنة ثلاث وثلاثين. وقال ابن عيينة
стр. 881
عن الزهري: كان علي بن الحسين مع أبيه يوم قُتل وهو ابن (٢٣) سنة، وكذا قال الزبير عن عمه. وقال يعقوب بن سفيان عن إبراهيم بن المنذر عن مَعْن بن عيسى: تُوفي أنس ابن مالك، وعلي بن الحسين، وعروة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث سنة (٩٣).
وقال أبو نعيم وغيره: سنة (٩٢). وقال ابن نمير، وعمرو بن علي، ويحيى بن معين، وجماعة: سنة (٤).
وقال المدايني: مات سنة (١). وقيل: سنة (٩٩). وقال ابن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه: مات علي بن الحسين، وهو ابن (٥٨) سنة. قال الحافظ: مقتضاه أن يكون مات سنة (٩٤) أو (٩٥) لأنه ثبت أن أباه قُتل وهو ابن (٢٣) سنة، وكان قتل أبيه يوم عاشوراء سنة (٦١)، وأما ما تقدم عن أحمد بن صالح أن سِنَّه وسِنَّ الزهري واحد، فليس بصحيح؛ لأن الزهري مولده سنة (٥٠) فعلي بن الحسين أكبر منه بثلاث عشرة سنة. والله أعلم. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث برقم ٦٥ و ٤٩١ و ٦٥٧ و ١٧٧٩ و ١٩٩٩ و ٢٧٢٩ و ٢٧٣٠ و ٢٩٤٢ و٣٠١٠ و ٣٥٥٤.
٩ - (أبوه) هو: الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله المدني، سبط رسول الله ﷺ ، وريحانته من الدنيا، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، رَوَى عن جده ﷺ ، وأبيه، وأمه، وخاله هند بن أبي هالة، وعمر بن الخطاب.
وروى عنه أخوه الحسن، وبنوه: علي، وزيد، وسكينة، وفاطمة، وابن ابنه أبو جعفر الباقر، والشعبي، وعكرمة، وكُرز التيمي، وسِنَان بن أبي سنان الدُّؤلي، وعبد الله ابن عمرو بن عثمان، والفرزدق، وجماعة.
قال الزبير بن بكار: وُلد لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع، وقال جعفر بن محمد: كان بين الحسن والحسين طهر واحد. وأخرج البخاريّ عن أنس بن مالك ﵁ أُتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين ﵁، فجُعِل في طست، فجعل يَنكُت، وقال في حسنه
стр. 882
شيئًا، فقال أنس: كان أشبههم برسول الله ﷺ ، وكان مخضوبا بالوسمة (١).
وأخرج أبو يعلى بسند حسن عن جابر ﵁ قال: من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى الحسين بن عليّ ﵄، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقوله (٢).
وأخرج أحمد في "مسنده" بسند صحيح عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس ﵄ قال: رأيت النبي ﷺ في المنام بنصف النهار، أشعث أغبر، معه قارورة فيها دم يلتقطه، أو يتتبع فيها شيئًا، قال: قلت: يا رسول الله ما هذا؟ قال: دم الحسين وأصحابه لم أزل أتتبعه منذ اليوم، قال عمار: فحفظنا ذلك اليوم، فوجدناه قُتل ذلك اليوم.
وأخرج المصنّف برقم (٦٥٨) بسند صحيح، عن أبي هريرة ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ حامل الحسين بن علي على عاتقه، ولُعابه يسيل عليه.
وأخرج أحمد، والنسائيّ بسند صحيح عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة" (٣).
وأخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ خطبنا رسول الله ﷺ ، فأقبل الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران، يعثران ويقومان، فنزل فأخذهما، فصعد بهما المنبر، ثم قال: "صدق الله: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٨] رأيت هذين، فلم أصبر"، ثم أخذ في الخطبة (٤). ومناقبه جمّة، وسيذكر المصنّف في الفضائل بعض الأحاديث الواردة في فضلهما برقم (١٤٢ - ١٤٥). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم ٦٥ و ٦٥٧ و ١٥١٢ و ١٦٠٠ و ٣٢٩٦.
١٠ - (عَليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) أحد الخلفاء الراشدين ﵃ تقدّم في ٢/ ٢، والله تعالى أعلم.
стр. 883
شرح الحديث:
(عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ﵁، أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بالْقَلْبِ) أي التصديق به (وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ) أي النطق بالشهادتين (وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ) أي عمل الطاعات بالجوارح، كالصلاة، والصوم، والزكاة، والحجّ. وقوله: (قَالَ أَبُو الصَّلْتِ) هو عبد السلام بن صالح (لَوْ قُرِىءَ هَذَا الْإِسْنَادُ) ببناء الفعل للمفعول (عَلَى مَجْنُونٍ لَبَرَأَ) بفتح الموحّدة، والراء، أو بفتح، فكسر، من بابي نفع وتَعِب، ويقال أيضًا بَرُأ بالضم من باب قَرُب: إذا تعافى من المرض.
وقال السنديّ ﵀: قوله: "لبرأ" أي من جنونه؛ لما في الإسناد من خيار العباد، وهم خلاصة أهل بيت النبوّة ﵁، وهو من برأ المريض من الداء، لا من برئتُ من الأمر بكسر الراء: أي تبرّأت، فإن أبا الصلت هو القائل لهذا القول، ولا يستقيم عنه أن يقول هذا القول بهذا المعنى، لا بالنظر إلى نفسه، ولا بالنظر إلى من بعده. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الكلام فيه مبالغة لا مسوّغ لها شرعًا، لكن القائل أبو الصلت رافضيّ لا يُستغرب منه أن يصدُر منه مثل هذا القول، فإن عند الرافضة ما هو أطمّ وأطمّ من الأقوال الساقطة، والمعتقدات الزائفة، نسأل الله تعالى أن يعصمنا بمنه وكرمه من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
والحديث من أفراد المصنّف ﵀ أخرجه هنا بهذا السند فقط.
ثم إنه قيل بوضعه، فقد أورده ابن الجوزيّ وغيره في الموضوعات، وقال: فيه أبو الصلت متّهَمٌ ممن لا يجوز الاحتجاج به، وتابعه على ذلك جماعة، وقال البوصيريّ في "الزوائد": إسناد هذا الحديث ضعيفٌ؛ لاتّفاقهم على ضعف أبي الصلت الهروي.
стр. 884
وقال السيوطيّ: والحقّ أنه ليس بموضوع، وأبو الصلت وثّقه ابن معين، وقال: ليس ممن يكذب. وقال في "الميزان": رجلٌ صالح، إلا أنه شيعيّ جَلْدٌ، تابعه عليّ بن غُراب، وقد روى له النسائيّ، وابن ماجه، ووثّقه ابن معين، والدارقطنيّ، وقال أحمد: أراه صادقًا. وقال الخطيب: كان غاليًا في التشيّع، وأما في روايته فقد وصفوه بالصدق، ثم ذكر له بعض المتابعات. قاله السنديّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كذبه العقيليّ، وقال: رافضيّ خبيث، وقال ابن عديّ: متّهم، وقال الدارقطنيّ: متّهم بوضع هذا الحديث، لم يُحدّث به إلا من سرَقَه منه، فهو الابتداء في هذا الحديث. وقال عبد الحقّ الإشبيليّ في "أحكامه": وعبد السلام هذا ضعيف، لا يُحتجّ به، وقد رواه عن عليّ بن موسى الهيثمُ بن عبد الله، وهو مجهول، وداود بن سليمان القزوينيّ، وعليّ بن الأزهر السرخسيّ، وهما ضعيفان، ورواه الحسن ابن عليّ العدويّ، عن محمد بن صدقة، ومحمد بن تميم، وهما مجهولان، عن موسى بن جعفر والد عليّ، والحسن هو ابن عليّ بن زكريا بن صالح، أبو سعيد البصريّ، وكان يضع الحديث، ولا يتيسّر هذا الحديث من وجه يصح.
والحاصل أن الحديث واهٍ لا يَثبُتُ، فلا يُلتفَت إلى تساهل بعضهم حيث قوّاه، وقد استوفى الكلام فيه وخرّج المتابعات المذكورة وغيرها الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى في "السلسلة الضعيفة" ٥/ ٢٩٥ - ٢٩٩ رقم الحديث (٢٢٧١) فأجاد وأفاد، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 885
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٦٦ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ"، "أَوْ قَالَ: لجِارهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) العبديّ أبو بكر البصريّ المعروف ببندار، ثقة ثبت [١٠] ١/ ٦.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَّنَى) بن عُبيد بن قيس بن دينار الْعَنَزي، أبو موسى البصري الحافظ المعروف بالزَّمِنِ، مشهور بكنيته، وباسمه، ثقة ثبتٌ [١٠].
روى عن عبد الله بن إدريس، وأبي معاوية، وخالد بن الحارث، ويزيد بن زريع، ومعتمر، وحفص بن غياث، وابن مهدي، والقطان، وغندر، وخلق كثير.
ورَوَى عنه الجماعة، وروى النسائي أيضا عن زكريا السجزي عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والذهلي، وخلق كثير.
قال عبد الله بن أحمد عن ابن معين: ثقة. وقال أبو سعد الهروي: سألت الذهلي عنه، فقال: حجة. وقال صالح بن محمد: صدوق اللهجة، وكان في عقله شيء، وكنت أُقَدِّمه على بندار. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوق. وقال أبو عروبة: ما رأيت بالبصرة أثبت من أبي موسى، ويحيى بن حكيم. وقال النسائي: لا بأس به، كان يُغَيِّر في كتابه. وقال أبو الحسين السمناني: كان أهل البصرة يُقَدِّمون أبا موسى علي بندار، وكان الغرباء يقدمون بندارا.
وقال ابن عقدة: سمعت ابن خِرَاش يقول: ثنا محمد بن المثنى، وكان من الأثبات. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان صاحب كتاب، لا يقرأ إلا من كتابه. وقال الذهليّ: حجة. وقال السُّلَمِيُّ عن الدارقطني: كان أحد الثقات، وقَدَّمه علي بندار، قال: وقد سئل عمرو بن علي عنهما، فقال: ثقتان، يُقبل منهما كلُّ شيء إلا ما
стр. 886
تكلم به أحدهما في الآخر، قال: وكان في أبي موسى سلامة. وقال مسلمة: ثقة مشهور من الحفاظ. وقال الخطيب: كان ثقة ثبتًا، احتج سائر الأئمة بحديثه، وُلد سنة سبع وستين ومائة، ومات سنة اثنتين وخمسين ومائتين، في ذي القعدة، ويقال: مات سنة إحدى وخمسين، ويقال: سنة خمسين.
وفي "الزهرة": روى عنه البخاريّ مائة حديث وثلاثة أحاديث، ومسلم سبعمائة واثنين وسبعين حديثًا (١). انتهى. وله في هذا الكتاب (٤٩) حديثًا.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أبو عبد الله البصريّ المعروف بغندر، ثقة صحيح الكتاب [٩] تقدم في ١/ ٦.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج البصريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ١/ ٦.
٥ - (قَتَادَةَ) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ الحجة الثبت [٤] ١/ ١٠.
٦ - (أنس بن مالك) الصحابي الخادم الشهير ﵁ تقدّم في ٣/ ٢٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين.
٤ - (ومنها): أن شيخيه من مشايخ الأئمة الستة دون واسطة، وقد تقدّموا غير مرة.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وأنه آخر
стр. 887
من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، مات سنة (٢)(٣٩)، وهو من المعمّرين، فقد جاوز عمره مائة سنة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ) وقع في رواية النسائيّ تصريع قتادة بسماعه من أنس ﵁، ولفظه: "عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) وفي رواية لمسلم: "أحدٌ"، والمراد بالنفي كمال الإيمان، ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم، كقولهم: فلان ليس بإنسان.
[فإن قيل]: فيلزم أن يكون من حصلت له هذه الخصلة مؤمنا كاملًا، وإن لم يأت ببقية الأركان.
[أجيب]: بأن هذا ورد مورد المبالغة، أو يستفاد من قوله: "لأخيه المسلم"، ملاحظة بقية صفات المسلم، وقد صرح ابن حبان من رواية ابن أبي عدي، عن حسين المعلم بالمراد، ولفظه: "لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان"، ومعنى الحقيقة هنا الكمال؛ ضرورةَ أن من لم يتصف بهذه الصفة، لا يكون كافرا. قاله في "الفتح" (١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: "لا يؤمن": أي لا يكمل إيمانه؛ إذ من غشّ المسلم، ولا ينصحه مرتكب كبيرة، ولا يكون كافرًا بذلك، كما بيّنّاه غير مرّة، وعلى هذا فمعنى الحديث: أن الموصوف بالإيمان الكامل من كان في معاملته للناس ناصحًا لهم، مريدًا لهم ما يريده لنفسه، وكارهًا لهم ما يكره لنفسه، وتتضمّن أن يفضّلهم على نفسه؛ لأن كلّ أحد يحبّ أن يكون أفضل من غيره، فإذا أحبّ لغيره ما يُحبّ لنفسه، فقد أحبّ أن يكون غيره أفضل منه، وإلى هذا المعنى أشار الفضيل بن عياض لمّا قال لسفيان بن عيينة: إن كنت تريد أن يكون الناس مثلك، فما أدّيت لله
стр. 888
الكريم النصيحة، فكيف، وأنت تودّ أنهم دونك؟. انتهى (١).
(حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ) بنصب "يحب"، لأن "حتى" جارة، و"أن" بعدها مضمرة، ولا يجوز الرفع، فتكون "حتى" عاطفة، فلا يصح العنى، إذ عدم الإيمان ليس سببا للمحبة.
[فإن قيل]: قوله: "لأخيه" ليس له عموم، فلا يتناول سائر المسلمين.
[وأجيب]: بأن معنى قوله: "لأخيه" للمسلمين، تعميمًا للحكم، أو يكون التقدير: لأخيه من المسلمين، فيتناول كل أخ مسلم. قاله العينيّ (٢).
(أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ) ﷺ (لجِارِهِ) بدل "أخيه" (مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) أي "من الخير" لما في رواية النسائيّ من طريق حسين المعلّم عن قتادة: "من الخير".
و"الخير": كلمة جامعة تعم الطاعات، والمباحات الدنيوية، والأخروية، وتخرج المنهيات؛ لأن اسم الخير لا يتناولها، والمحبة إرادة ما يعتقده خيرا. قال النووي: المحبة الميل إلى ما يوافق المحب، وقد تكون بحواسه، كحسن الصورة، أو بفعله، إما لذاته، كالفضل والكمال، وإما بإحسانه، كجلب نفع، أو دفع ضرر. انتهى ملخصا.
والمراد بالميل هنا الاختياري، دون الطبيعي، والْقَسْريّ، والمراد أيضا أن يحب أن يحصل لأخيه نظيرُ ما يحصل له، لا عينه، سواء كان في الأمور المحسوسة، أو المعنوية، وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له، لا مع سلبه عنه، ولا مع بقائه بعينه له، إذ قيام الجوهر، أو العرض بمحلين محال. قاله في "الفتح".
وقال في "عمدة القاري" ١/ ١٦٠ - : ما حاصله: المحبّة مطالعة المنّة من رؤية إحسان أخيه، وبرّه، وأياديه، ونعمه المتقدّمة التي ابتدأ بها من غير عمل استحقّها به، وستره على معايبه، وهذه محبة العوامّ قد تتغيّر بتغيّر الإحسان، فإن زاد الإحسان زاد الحبّ، وإن نقصه نقصه. وأما محبّة الخواصّ، فهي تنشأ من مطالعة شواهد الكمال؛
стр. 889
لأجل الإعظام والإجلال، ومراعاة حقّ أخيه المسلم، فهذه المحبّة لا تتغيّر؛ لأنها لله تعالى، لا لأجل غرض دنيويّ. ويقال: المحبّة هاهنا هي مجرّد تمنّي الخير لأخيه المسلم، فلا يعسر ذلك إلا على القلب السقيم، غير المستقيم.
وقال القاضي عياض: المراد من قوله ﷺ : "حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" أن يحب لأخيه من الطاعات والمباحات، وظاهره يقتضي التسوية، وحقيقته التفضيل؛ لأن كلّ واحد يحبّ أن يكون أفضل الناس، فإذا أحبّ لأخيه مثله، فقد دخل هو من جملة المفضولين، وكذلك الإنسان يحب أن ينتصف من حقّه، ومظلمته، فإذا كانت لأخيه عنده مظلمة، أو حقّ بادر إلى الإنصاف من نفسه، وقد روي هذا المعنى عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى أنه قال لسفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: إن كنت تريد أن يكون الناس كلهم مثلك، فما أدّيت لله الكريم نصحه، فكيف، وأنت تودّ أنهم دونك. انتهى.
وتعقّب الحافظ على القاضي عياض قوله: لأن كل واحد يحب أن يكون أفضل الناس، فقال: وفيه نظر، إذ المراد الزجر عن هذه الإرادة؛ لأن المقصود الحث على التواضع، فلا يحب أن يكون أفضلِ من غيره، فهو مستلزم للمساواة، ويستفاد ذلك من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]، ولا يتم ذلك إلا بترك الحسد، والغل، والحقد، والغش، وكلها خصال مذمومة. انتهى "فتح" ١/ ٨٣.
[فائدة]: قال الكرماني: ومن الإيمان أيضا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه، من الشر، ولم يذكره لأن حب الشيء، مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه؛ اكتفاء. والله أعلم. قاله في "الفتح" ١/ ٨٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
стр. 890
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا بهذا السند فقط، وأخرجه (البخاريّ) في "الإيمان" (١/ ١٠) و (مسلم) (١/ ٤٩) و (الترمذيّ) (٢٥١٥) و (النسائيّ) ٨/ ١١٥ و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٠٠٤) و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٧٦ و ٢٠٦ و ٢٥١ و ٢٧٢ و ٢٧٨ و ٢٨٩) و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١١٧٥) و (أبو عوانة) في "مسنده" ١/ ٣٣ و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٤) و (٢٣٥) و (ابن منده) في "الإيمان" ٢٩٤ و ٢٩٥ و ٢٩٦ و ٢٩٧ و (ابن المبارك) في "الزهد" (٦٧٧). و (الدارميّ) في "الرقاق" من "سننه" (٢٦٢٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان علامة الإيمان، ووجه ذلك ما قدّمناه في أول الباب من أن المصنف إنما عقد هذا الباب لبيان حقيقة الإيمان، وشعبه، فهذا الحديث فيه بيان أن محبّة الإنسان لأخيه المسلم ما يحبّ لنفسه شعبة من شعب الإيمان، وعلامة على أنه مؤمن كامل الإيمان.
٢ - (ومنها): أن فيه دلالة على التواضع، لأنه إذا أحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه كان دليلًا على أنه بريء من الكبر، والحسد، والحقد، والغلّ، والغشّ، وغيرها من الأخلاق الدنيئة، والخصال الذميمة، بل هو متحل بالتواضع، واللين، والرفق، وإيثار إخوانه على نفسه، وغيرها من الأخلاق الكريمة، والشيم العظيمة.
٣ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: لمّا نفى النبيّ ﷺ الإيمان عمن لم يُحب لأخيه ما يُحبّ لنفسه، دلّ على أن ذلك من خصال الإيمان، بل من واجباته، فإن الإيمان لا يُنفَى إلا بانتفاء بعض واجباته، كما قال: "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمنٌ ... " الحديث. وإنما يُحب الرجل لأخيه ما يُحبّ لنفسه إذا سلم من الحسد، والغلّ، والغشّ، والحقد، وذلك واجبٌ، كما قال النبيّ ﷺ : "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا"، رواه مسلم برقم (٥٤)، ويأتي للمصنّف بعد
стр. 891
حديث، فالمؤمن أخو المؤمن، يحبّ له ما يُحبّ لنفسه، ويحزنه ما يحزنه، كما قال ﷺ : "مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر"، متفقٌ عليه.
فإذا أحب المؤمن لنفسه فضيلةً من دين، أو غيره أحبّ أن يكون لأخيه نظيرها، من غير أن تزول عنه، كما قال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: إني لأمرّ بالآية من القرآن، فأفهمها، فأودّ أن الناس كلَّهم فهموا منها ما أفهم. وقال الشافعيّ رحمه الله تعالى: ودِدتُ أن الناس كلّهم تعلّموا هذا العلمَ، ولم يُنسب إليّ منه شيء.
فأما حبّ التفرّد عن الناس بفعل دينيّ، أو دنيويّ، فهو مذموم، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ الآية [القصص: ٨٣]، وقد قال عليّ ﵁ وغيره: هو أن لا يُحبّ أن يكون نعله خيرًا من نعل غيره، ولا ثوبه خيرًا من ثوب غيره. وفي الحديث المشهور في "السنن": "من تعلّم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، فليتبوّأ مقعده من النار".
وأما الحديث الذي فيه أن رجلًا سأل النبيّ ﷺ ، فقال: إني أحبّ الجمال، وما أحبّ أن يفوقني أحدٌ بشراك نعلي، فقال له النبيّ ﷺ : "ليس هذا من الكبر"، فإنما فيه أنه أحبّ أن لا يعلو عليه أحدٌ، وليس فيه محبة أن يعلو هو على الناس، بل يصدق هذا أن يكون مساويًا لأعلاهم، فما حصل بذلك محبّة العلوّ عليهم، والانفراد عنهم، فإن حصل لأحد فضيلة خصّصه الله تعالى بها عن غيره، فأخبر بها على وجه الشكر، لا على وجه الفخر، كان حسنًا، كان النبيّ ﷺ يقول: "أنا سيّد ولد آدم، ولا فخر، وأنا أول شافع، ولا فخر" رواه مسلم، ورواه البخاريّ بلفظ مغاير لهذا.
وقال ابن مسعود ﵁: لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله منّي تبلغه الإبل، لأتيته. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب،
стр. 892
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٦٧ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
وهم المذكورون في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ) ووقع عند النسائيّ بلفظ: "عن قتادة، أنه سمع أنسًا يقول، فصرّح قتادة بالسماع (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) أي إيمانًا كاملًا، وفي رواية الإسماعيليّ: "لا يؤمن الرجل"، قال في "الفتح": وهو أشمل من جهة، و"أحدكم" أشمل من جهة، وأشمل منهما رواية الأصيليّ: "لا يؤمن أحدٌ". انتهى.
(حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ) هو أفعل تفضيل بمعنى المفعول، وهو مع كثرته على خلاف القياس، وفصل بينه وبين معموله بقوله: (إِلَيْهِ) لأن الممتنع الفصل بأجنبيّ (مِنْ وَلَدهِ، وَوَالِدهِ) قُدّم الولد في رواية المصنّف على الوالد لمزيد الشفقة، وقدّم الوالد في رواية البخاريّ؛ نظرًا للأكثريّة؛ لأن كلّ أحد له والد من غير عكس (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) من عطف العام على الخاصّ.
قال في "الفتح": وذِكرُ الولد والوالد، أدخلُ في المعنى؛ لأنهما أعز على العاقل من الأهل والمال، بل ربما يكونان أعز من نفسه، ولهذا لم يذكر النفس أيضا في حديث أبي هريرة ﵁.
وهل تدخل الأم في لفظ "الوالد"؟، إن أريد به من له الولد فيعم، أو يقال: اكتُفِيَ بذكر أحدهما كما يُكتفي عن أحد الضدين بالآخر، ويكون ما ذُكر على سبيل التمثيل، والمراد الأعزة، كأنه قال: أحب إليه من أعزته، وذكرُ الناس بعد الوالد والولد،
стр. 893
من عطف العام على الخاص، وهو كثير، وقدم الوالد على الولد في رواية؛ لتقدمه بالزمان والإجلال، وقدّم الولد في أخرى؛ لمزيد الشفقة.
وهل تدخل النفس في عموم قوله: "والناس أجمعين"، الظاهر دخولها. وقيل: إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، وهو بعيد، وقد وقع التنصيص بذكر النفس في حديث عبد الله بن هشام الآتي قريبًا.
والمراد بالمحبة هنا حب الاختيار، لا حب الطبع، قاله الخطابي، وقال النووي: فيه تلميح إلى قضية النفس الأمّارة، والمطمئنة، فإن من رجّح جانب المطمئنة، كان حبه للنبي ﷺ راجحًا، ومن رَجّحَ جانب الأمّارة، كان حكمه بالعكس.
وفي كلام القاضي عياض أن ذلك شرط في صحة الإيمان؛ لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال.
وتعقبه صاحب "المفهم" بأن ذلك ليس مرادا هنا؛ لأن اعتقاد الأعظمية، ليس مستلزما للمحبة، إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته، قال: فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل، لم يكمل إيمانه، وإلى هذا يوميء قول عمر ﵁ الذي رواه البخاريّ في "الأيمان والنذور" من حديث عبد الله بن هشام، كنا مع النبيّ ﷺ ، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب ﵁، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء، إلا من نفسي، فقال النبيّ ﷺ : "لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك"، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال النبيّ ﷺ : "الآن يا عمر" (١)، انتهى.
стр. 894
فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط، فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعا.
ومن علامة الحب المذكور: أن يَعرِض على المرء أن لو خُيِّر بين فقد غرض من أغراضه، أو فقد رؤية النبي ﷺ ، أن لو كانت ممكنةً، فإن كان فقدها، أن لو كانت ممكنة أشد عليه، من فقد شيء من أغراضه، فقد اتصف بالأحبية المذكورة، ومن لا فلا، وليس ذلك محصورا في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته، والذب عن شريعته، وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا بهذا السند فقط، وأخرجه (البخاريّ) (١/ ١٠) و (مسلم) (١/ ٤٩) و (النسائيّ) (٨/ ١١٤) و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٧٧ و ٢٧٥) و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١١٧٦) و (الدارميّ) في "سننه" (٢٧٤٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن حبّ الرسول الكريم ﷺ علامة على كمال إيمان العبد.
٢ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": في هذا الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر، فإن
стр. 895
الأحبية المذكورة تعرف به، وذلك أن محبوب الإنسان: إما نفسه، وإما غيرها، أما نفسه فهو أن يريد دوام بقائها، سالمة من الآفات، وهذا هو حقيقة المطلوب، وأما غيرها فإذا حقق الأمر فيه، فإنما هو بسبب تحصيل نفعٍ مَا على وجوهه المختلفة، حالًا ومآلا، فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول ﷺ ، الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، إما بالمباشرة، وإما بالسبب، علم أنه سبب بقاء نفسه، البقاءَ الأبدي في النعيم السرمدي، وعَلِم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره؛ لأن النفع الذي يُثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك، بحسب استحضار ذلك، والغفلة عنه، ولا شك أن حظ الصحابة ﵃، من هذا المعنى أتم؛ لأن هذا ثمرة المعرفة، وهم بها أعلم. وبالله تعالى التوفيق. انتهى (١).
٣ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: يجب تقديم محبّة الرسول ﷺ على النفوس، والأولاد، والأقارب، والأهلين، والأموال، والمساكين، وغير ذلك مما يُحبّه الإنسان غاية المحبّة، وإنما تتمّ المحبّة بالطاعة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]. وسُئل بعضهم عن المحبّة، فقال: الموافقة في جميع الأحوال، فعلامة تقديم محبّة الرسول ﷺ على محبّة كلّ مخلوق أنه إذا تعارضت طاعة الرسول ﷺ في أوامره، وداع آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة، فإن قدّم طاعة الرسول ﷺ ، وامتثال أوامره على ذلك الداعي، كان دليلا على صحة محبّته للرسول ﷺ ، وتقديمها على كلّ شيء، وإن قدّم على طاعته، وامتثال أوامره شيئًا من هذه الأشياء المحبوبة طبعًا، دلّ ذلك على عدم إتيانه بالإيمان التّامّ الواجب عليه. وكذلك القول في تعارض محبّة الله، ومحبّة داعي الهوى والنفس، فإن محبة الرسول ﷺ تبعٌ لمحبّة مُرسله . هذا كلّه في امتثال الواجبات، وترك
стр. 896
المحرّمات.
فإن تعارض داعي النفس، ومندوبات الشريعة، فإن بلغت الحبّة إلى تقديم المندوبات على دواعي النفس، كان ذلك علامة كمال الإيمان، وبلوغه إلى درجة المقرّبين المحبوبين المتقرّبين بالنوافل بعد الفرائض، وإن لم تبلغ هذه المحبّة إلى هذه الدرجة، فهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الذين كملت محبّتهم الواجبة، ولم يزيدوا عليها.
انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى، وهو تحقيق نفيس جدّا. (١).
٤ - (ومنها): ما قاله أبو العبّاس القرطبي ﵀: هذا الحديث على إيجازه يتضمّن ذكر أصناف المحبّة، فإنها ثلاثة: محبة إجلال وإعظام، كمحبّة الوالد، والعلماء، والفضلاء، ومحبة رحمة، وإشفاق، كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة، واستحسان، كمحبة غير من ذكرنا، وإن محبة رسول الله ﷺ لا بدّ أن تكون راجحة على ذلك كلّه، وإنما كان ذلك؛ لأن الله تعالى قد كمّله على جميع جنسه، وفضّله على سائر نوعه بما جبله عليه من المحاسن الظاهرة، والباطنة، وبما فضّله من الأخلاق الحسنة، والمناقب الجميلة، فهو أكمل مَن وطِىء الثرى، وأفضل من ركب ومشى، وأكرم من وافى القيامة، وأعلاهم منزلة في دار الكرامة.
قال القاضي أبو الفضل: فلا يصحّ الإيمان إلا بتحقيق إنافة قدر النبيّ ﷺ ، ومنزلته على كلّ والد، وولد، ومحُسنٍ، ومُفَضَّل، ومن لم يعتقد هذا، واعتقد سواه، فليس بمؤمن.
قال القرطبيّ: وظاهر هذا القول أنه صرف محبة النبيّ ﷺ إلى اعتقاد تعظيمه، وإجلاله، ولا شكّ في كفر من لا يعتقد عليه (٢)، غير أن تنزيل هذا الحديث على ذلك المعنى غير صحيح؛ لأن اعتقاد الأعظميّة ليس بالمحبّة، ولا الأحبيّة، ولا مستلزمًا لها،
стр. 897
إذ قد يجد الإنسان من نفسه إعظام أمر، أو شخص، ولا يجد محبّته؛ ولأن عمر ﵁ لمّا سمع قول رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه، وولده، ووالده، والناس أجمعين"، قال عمر: يا رسول الله أنت أحبّ إليّ من كل شيء، إلا نفسي، فقال: "ومن نفسك يا عمر"، قال: ومن نفسي، فقال: "الآن يا عمر" (١). وهذا كلّه تصريحٌ بأن هذه المحبّة ليست باعتقاد تعظيم، بل ميل إلى المعتقد، وتعظيمه، وتعلّق القلب به، فتأمّل هذا الفرق، فإنه صحيح، ومع ذلك فقد خفي على كثير من الناس.
وعلى هذا المعنى الحديث (٢) -والله أعلم-: أن من لم يجد من نفسه ذلك الميل، وأرجحيّته للنبيّ ﷺ لم يكمل إيمانه.
قال: على أني أقول: إن كل من صدّق بالنبي ﷺ ، وآمن به إيمانا صحيحا، لم يخل عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة للنبيّ ﷺ ، غير أنهم في ذلك متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، كما قد اتّفق لعمر ﵁ حتى قال: من نفسي، ولهند امرأة أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، حين قالت للنبيّ ﷺ : لقد كان وجهك أبغض الوجوه كلّها إليّ، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه كلها إليّ ... الحديث.
وكما قال عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: لقد رأيتني، وما أحد أحبّ إليّ من رسول الله ﷺ ، ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أُطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه (٣). ولا شك في أن حظّ أصحابه ﷺ من هذا المعنى أعظم؛ لأن معرفتهم لقدره أعظم؛ لأن المحبّة ثمرة المعرفة، فتقوى، وتضعف بحسبها.
ومن المؤمنين من يكون مستغرقًا بالشهوات، محجوبا بالغفلات عن ذلك المعنى
стр. 898
في أكثر أوقاته، فهذا بأخسّ الأحوال، لكنه إذا ذُكِّر بالنبي ﷺ ، أو بشيء من فضائله اهتاج لذكره، واشتاق لرؤيته بحيث يؤثر رؤيته، بل رؤية قبره، ومواضع آثاره على أهله، وماله، وولده، ونفسه، والناس أجمعين، فيخطُر له هذا، ويجده وجدانًا لا شكّ فيه، غير أنه سريع الزوال والذهاب، لغلبة الشهوات، وتوالي الغفلات، ويُخاف على من كان هذا حاله ذهاب أصل تلك المحبّة حتى لا يوجد منها حَبّة. فنسأل الله تعالى الكريم أن يمُنّ علينا بدوامها، وكمالها، ولا يحجبنا عنها. انتهى كلام القرطبيّ (١)، وهو بحث نفيس جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٦٨ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَى تَحَابُّوا، أَوَ لَا أَدُلُّكمْ عَلَى شَيْءٍ، إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنكُمْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد الكوفي الحافظ الثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح الكوفيّ الحافظ الثبت العابد [٩] ١/ ٣.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ الثقة الحافظ، من كبار [٩] ١/ ٣.
٤ - (الْأَعْمَش) هو: سليمان بن مِهْران الأسديّ الكوفيّ الحجة الثبت [٥] ١/ ١.
٥ - (أَبُو صَالِحٍ) هو: ذكوان السمّان الزّيّات المدنيّ الحجة الثبت [٣] ١/ ١.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الدَّوْسيّ الصحابيّ الشهير ﵁ ١/ ١. والله تعالى أعلم.
стр. 899
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين إلى الأعمش، والباقيان مدنيّان.
٣ - (ومنها): أن فيه أبا معاوية أحفظ من روى عن الأعمش، وكذلك الأعمش أحفظ من روى عن أبي صالح السمان، يقال: روى عنه ألف حديث.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) هذا إقسام من النبيّ ﷺ ، أقسم بالله الذي نفسه ﷺ بيده، ففيه إثبات اليد لله على ما يليق بجلاله (لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ) هكذا رواية المصنّف بحذف النون هنا، وفي قوله: "ولا تؤمنوا"، قال السنديّ ﵀: لا يخفى أنه نفيٌ لا نهيٌ، فالقياس ثبوت النون فيهما، فكأنها حذفت للمجانسة والازدواج، وقد جاء حذفها للتخفيف كثيرًا. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حذف نون الرفع من دون جازم وناصب لغة، وليس ضرورة، فقد ذكر ذلك ابن مالك في شرح "الكافية" حيث قال: ما حاصله: حُكي حذف نون الرفع دون اتصال نون الوقاية بها، ومثال ذلك في النثر ما رُوي من قول النبيّ ﷺ : "لا تدخلوا الجنة ... " فذكر الحديث.
قال: والأصل: لا تدخلون، ولا تؤمنون، لأن "لا" نافية، و"لا" النافية لا تعمل في الفعل شيئًا، ومثال ذلك في النظم قول الراجز:
أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَدْلُكِي ... وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي
والأصل "تبيتين"، و"تدلكين"، فحذف النون دون جازم وناصب، ومنه قول أبي الطيّب:
стр. 900
فَإِنْ يَكُ قَوْمٌ سَرَّهُمْ مَا صَنَعْتُمُ ... سَيَحْتَلِبُوهَا لَاقِحًا غَيْرَ بَاهِلِ
وإلى هذا أشار في "الكافية" بقوله:
وَدُونَ "ني" في الرَّفْع حَذْفَهَا حَكَوْا ... في النَّثْرِ وَالنَّظْمِ وَمِمَّا قَدْ رَوَوْا
أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَدْلُكِي ... وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي
انتهى كلام ابن مالك ﵀ بتصرّف (١).
فتبيّن بهذا أن رواية المصنّف بحذف النون في الموضعين صحيح لغةً، كما صحّ نقلًا. والله تعالى أعلم.
(حَتَّى تُؤْمِنُوا) أي لا تستحقّون دخول الجنة أوّلًا حتى تؤمنوا إيمانًا كاملًا.
وقال النوويّ ﵀: هو على ظاهره، وإطلاقه، فلا يدخل الجنة إلا من مات مؤمنًا، وإن لم يكن كامل الإيمان، فهذا هو الظاهر من الحديث، وقال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح ﵀: معنى الحديث: لا يكمل إيمانكم إلا بالتحابّ، ولا تدخلون الجنة عند دخول أهلها، إذا لم تكونوا كذلك، قال النووي: وهذا الذي قاله محتمل. انتهى (٢).
(وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا) بحذف إحدى التاءين، إذ أصله: تتحابّوا. أي حتى يُحبّ بعضكم بعضًا.
قال النوويّ: معناه: لا يكمل إيمانكم، ولا يصلُح حالكم في الإيمان إلا بالتحاب.
وقال القرطبيّ: معناه: لا يكمل إيمانكم، ولا يكون حالكم حالَ من كمل إيمانه حتى تفشوا السلام الجالبَ للمحبّة الدينيّة، والأُلفة الشرعيّة.
وقال أيضًا: الإيمان المذكور أوّلًا هو التصديق الشرعيّ المذكور في حديث
стр. 901
جبريل ﵇ والإيمان المذكور ثانيًا هو الإيمان العمليّ المذكور في قوله: "الإيمان بضع وسبعون بابًا"، ولو كان الثاني هو الأول للزم منه أن لا يدخل الجنّة من أبغض أحدًا من المؤمنين، وذلك باطل قطعًا، فتعيّن التأويل الذي ذكرناه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
(أَوَ لَا) بفتح الهمزة والواو، هي "ألا" التي للعرض والتحضيض، والواو للعطف، وأصلها التقديم على الهمزة، إلا أنها أخّرت للزوم تصديرها (أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ، إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنكُمْ) بقطع الهمزة المفتوحة، ومعنى إفشاء السلام: إظهاره، وإشاعته، وإقراؤه على المعروف وغير المعروف. وقال السنديّ: والمراد نشر السلام بين الناس؛ ليُحيُوا سنته ﷺ ، قال النوويّ: أقلّه أن يرفع صوته بحيث يسمع السلَّم عليه، فإن لم يسمعه لم يكن آتيًا بالسنّة، ذكره السيوطيّ في "حاشية أبي داود" في شرح هذا اللفظ، قال السنديّ: ظاهره أنه حمل الإفشاء على رفع الصوت به، والأقرب حمله على الإكثار. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأولى حمله على المعنيين؛ إذ لا تنافي بينهما، فيكون المراد بالإفشاء رفع الصوت بالسلام، وإكثاره بين الناس. والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ ﵀: اعلم أنه تعالى جعل السلام سببًا للمحبّة، والمحبّة سببًا لكمال الإيمان؛ لأن إفشاء السلام سبب للتحابّ والتوادّ، وهو سبب الأُلفة والجمعيّة بين المسلمين المسبب لكمال الدين، وإعلاء كلمة الإسلام، وفي التهاجر والتقاطع والشحناء التفرقة بين المسلمين، وهو سبب لانثلام الدين، والوهنِ في الإسلام، وجَعْل كلمة الذين كفروا الْعُلْيَا، قال الله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣]. انتهى (٣)، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 902
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا بهذا السند، وأعاده في "كتاب الأدب" برقم (٣٦٩٢)، وأخرجه (مسلم) (١/ ٥٣) و (أبو داود) (٥١٩٣) و (الترمذيّ) (٢٦٨٨) و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٩١ و ٤٤٢ و ٤٤٧ و ٤٩٥ و ٥١٢) و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٨/ ٦٢٥) و (أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٣٠) (وابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٦) و (ابن منده) في "الإيمان" (٣٢٩ و ٣٣٠ و ٣٣٢) و (البغويّ) في "شرح السنة" (٣٣٠٠) والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو كما أسلفنا وجهه أول الباب بيان أن محبة المؤمنين بعضهم بعضًا مما يكمل به الإيمان، فهي شعبة من شعب الإيمان.
٢ - (ومنها): أن فيه إثبات اليد لله على ما يليق بجلاله.
٣ - (ومنها): انتفاء كمال الإيمان عمن ليست له محبة لإخوانه المؤمنين.
٤ - (ومنها): إثبات دخول الجنّة للمؤمن الذي حقّق إيمانه بالمحبّة لإخوانه، والتودّد إليهم بما يُدخل السرور عليهم كالسلام.
٥ - (ومنها): أن فيه الحثَّ العظيم على إفشاء السلام، وبذله للمسلمين كلهم المعروفين وغير المعروفين.
٦ - (ومنها): أن السلام أول أسباب التآلف، ومفتاح استجلاب المودة، وفى إفشائه تمكن ألفة المسلمين بعضهم لبعض.
٧ - (ومنها): أن في إفشاء السلام إظهار شعار المسلمين المميز لهم من غيرهم، من أهل الملل.
стр. 903
٨ - (ومنها): أن في إفشائه رياضةَ النفس، ولزومَ التواضع، وإعظامَ حرمات المسلمين، وقد ذكر البخاري ﵀ في "صحيحه" عن عمار بن ياسر ﵄ أنه قال: "ثلاثٌ من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار"، وروى غير البخاريّ هذا الكلام مرفوعًا إلى النبيّ ﷺ ، وبذلُ السلام للعالم، والسلامُ على من عرفت ومن لم تعرف، وإفشاءُ السلام كلها بمعنى واحد. قاله النوويّ رحمه الله تعالى (١).
وفيها لطيفة أخرى، وهي أنها تتضمن رفع التقاطع والتهاجر والشحناء، وفساد ذات البين التي هي الحالقة، وأن سلامه لله لا يتبع فيه هواه، ولا يخص أصحابه وأحبابه به. انتهى كلام النوويّ (٢)، وهو كلام نفيس، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٦٩ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، (ح) وحَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْر) الْهَمْدانيّ الكوفيّ الحافظ الثبت [١٠] ١/ ٤.
٢ - (هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ) السلميّ الدمشقيّ الخطيب، صدوق مقرىء، كبر، فتلقّن، فحديثه القديم أصحّ، من كبار [١٠] ١/ ٥.
٣ - (حَدَّثَنَا عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، مولى عزرة بن ثابت الأنصاري سكن بغداد، ثقة ثبت ربما وهم، من كبار [١٠].
стр. 904
رَوَى عن داود بن أبي الفرات، وعبد الله بن بكر المزني، وصخر بن جويرية، وشعبة، وعبد الواحد بن زياد، وغيرهم.
رَوَى عنه البخاري، وروى هو والباقون عنه بواسطة إسحاق بن منصور، وأبي قُدامة السَّرَخْسِيّ، ومحمد بن عبد الرحيم البزار، وحجاج بن الشاعر، وأبو خيثمة، والحسن بن علي الخلال، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وعمرو بن علي، وغيرهم.
قال العجليّ: عفان بصري ثقة ثبت، صاحب سنة، وكان على مسائل معاذ بن معاذ، فجُعِل له عشرة آلاف دينار على أن يَقِف عن تعديل رجل، فلا يقول: عدل، ولا غير عدل، فأبى، وقال: لا أبطل حقّا من الحقوق. وقال حنبل بن إسحاق: وأمر المأمون إسحاق بن إبراهيم الطاهري أن يدعو عفان إلى القول بخلق القرآن، فإن لم يُجِب فاقطع عنه رزقه، وهو خمسمائة درهم في الشهر، فاستدعاه، فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] حتى ختمها، فقال: مخلوق هذا؟ قال: يا شيخ إن أمير المؤمنين يقول: إن لم يُجب اقطع رزقه، فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، وخرج ولم يُجِب. وقال الحسين بن حيان: سألت أبا زكريا إذا اختلف أبو الوليد وعفان في حديث عن حماد بن سلمة، فالقول قول من؟ قال: عفان، قلت: وفي حديث شعبة؟ قال: القول قول عفان، قلت: وفي كل شيء؟ قال: نعم عفان أثبت منه وأكيس، وأبو الوليد ثبت ثقة، قلت: فأبو نعيم؟ قال: عفان أثبت.
قال ابن أبي خيثمة: سمعت أبي، وابن معين يقولان: أنكرنا عفان في صفر سنة (١٩)، وفي رواية سنة عشرين، ومات بعد أيام. وقال ابن سعد: كان مولده سنة (١٣٤). وقال ابن سعد: ومات سنة عشرين، وكذا قال أبو داود، وزاد: شهدت جنازته، وفيها أرّخه غير واحد. وقيل: سنة (١٩) قال الخطيب: والصحيح الأول.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٩) حديثًا.
٤ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ، أبو عمرو، ويقال: أبو محمد الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمون [٨].
стр. 905
رأى جده أبا إسحاق، وروى عن أبيه، وأخيه إسرائيل، وابن عمه يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، وسليمان التيمي، وهشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبيد الله بن عمر، وابن عون، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبوه يونس، وابنه عمرو بن عيسى، وحماد بن سلمة، وهو أكبر منه، وموسى بن أعين، والوليد بن مسلم، وإسماعيل بن عياش، وهو من أقرانه، وبقية بن الوليد، وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن يوسف التنيسي، وغيرهم.
وقال أحمد بن جناب: مات سنة سبع وثمانين ومائة، وفيها أرّخه غير واحد.
وقال محمد بن المثنى، وغير واحد: مات سنة (٨٨). وقال أبو عبيد المصيصي، ومحمد ابن سعد، وخليفة: مات سنة (٩١) زاد ابن سعد: وكان ثقة ثبتًا. وقال يعقوب بن شيبة. مات أول سنة (٩١) بالْحَدَث -يعني موضعًا من الثغر.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثًا.
٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج المذكور قبل حديث.
٦ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران المذكور في السند الماضي.
٧ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقة مخضرمٌ [٢].
أدرك النبي ﷺ ولم يَرَه، وروى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاذ بن جبل، وسعد بن أبي وقاص، وحذيفة، وابن مسعود، وخلق كثير من الصحابة والتابعين.
وروى عنه الأعمش، ومنصور، وزُبيد اليامي، وجامع بن أبي راشد، وحُصين بن عبد الرحمن، وحبيب بن أبي ثابت، وعاصم بن بهدلة، وعبدة بن أبي لبابة، وغيرهم.
قال عاصم بن بهدلة عنه: أدركت سبع سنين من سني الجاهلية. وقال مغيرة عنه: أتانا مُصَدِّق النبي ﷺ ، فأتيته بكبش لي، فقلت: خذ صدقة هذا، فقال: ليس في هذا صدقة.
وقال يزيد بن أبي زياد: قلت لأبي وائل: أيما أكبر أنت أو مسروق؟ قال: أنا.
стр. 906
وقال الثوري عن أبيه: سمعت أبا وائل، وسئل أنت أكبر أو الربيع بن خُثَيم، قال: أنا أكبر منه سنا، وهو أكبر مني عقلًا. وقال عاصم بن بهدلة: قيل لأبي وائل: أيهما أحب إليك علي أو عثمان؟ قال: كان علي أحب إلي، ثم صار عثمان. وقال عمرو بن مرة: قلت لأبي عبيدة: مَنْ أعلم أهل الكوفة بحديث عبد الله؟ قال: أبو وائل. وقال الأعمش، عن إبراهيم: عليك بشقيق، فإني أدركت الناس، وهم متوافرون، وإنهم لَيَعُدُّونه من خيارهم. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة لا يُسأل عن مثله. وقال وكيع: كان ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث.
وقال ابن حبان في "الثقات": سكن الكوفة، وكان من عبادها، وليست له صحبة، ومولده سنة إحدى من الهجرة. وقال العجلي: رجل صالح جاهلي، من أصحاب عبد الله. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة.
قال خليفة بن خياط: مات بعد الجماجم سنة (٨٢). وقال الواقدي: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٧) حديثًا.
٨ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود ﵁ تقدّم في ٢/ ١٩، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف بالنسبة للإسناد الأول، ومن خماسياته بالنسبة للثاني، فهو أعلى بدرجة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، غير شيخه الثانيّ، فدمشقيّ، وعفّان، وشعبة، فبصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن فيه عبد الله غير منسوب، وهو ابن مسعود؛ لأن السند كوفي، والقاعدة أنه إذا أُطلق عبد الله في الصحابة أن يُنظر إلى الراوي عنه، فإن كان كوفيّا، فهو
стр. 907
ابن مسعود، وإن كان مدنيا فهو ابن عمر، وإن كان مكيا فهو ابن الزبير، وإن كان بصريا فهو ابن عباس، وإن كان مصريا أو شاميّا فهو ابن عمرو بن العاص، وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفية الحديث" حيث قال:
وَحَيْثُما أُطْلِقَ عَبْدُ اللَّهِ في ... طَيْبَةَ فَابْنُ عَمَر وَإِنْ يَفِي
بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى ... بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى
وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ ... وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو
وأما ما اشتهر أنه إذا أُطلق عبد الله في السند فهو ابن مسعود، فغير صحيح، بل الصواب أنه على التفصيل الذي ذكرناه، فتفطّن.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد السابقين إلى الإسلام، وكان يُشبّه بالنبيّ ﷺ في دلّه وسمته، وقد أثنى عليه النبي ﷺ بأنه من أقرإ الناس، فقال ﷺ "من أحبّ أن يقرأ القرآن غضّا كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي وَائِلٍ) في الحديث قصّة ساقها البخاريّ في "صحيحه" من طريق شعبة، عن زُبيد -هو ابن الحارث- قال: سألت أبا وائل عن المرجئة، فقال: حدّثني عبد الله أن النبيّ ﷺ قال: "سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر".
قال في "الفتح": قوله: "سألت أبا وائل عن المرجئة": أي عن مقالة المرجئة، ولأبي داود الطيالسيّ: "عن شعبة، عن زُبيد، قال: لمّا ظهرت المرجئة، أتيت أبا وائل، فذكرت ذلك له"، فظهر من هذا أن سؤاله كان عن مُعتَقَدهم، وأن ذلك كان حين ظهورهم، وكانت وفاة أبي وائل سنة تسع وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وثمانين، ففي ذلك دليل على أن بدعة الإرجاء قديمة، وقد تابع أبا وائل في رواية هذا الحديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أخرجه الترمذيّ مصححًا، ولفظه: "قتال
المسلم أخاه كفر، وسبابه فسوق".
стр. 908
ورواه جماعة عن عبد الله بن مسعود موقوفًا ومرفوعًا، ورواه النسائي من حديث سعد بن أبي وقاص أيضًا مرفوعًا، فانتفت بذلك دعوى من زعم أن أبا وائل تفرد به. انتهى (١).
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: وقد اتّهَم بعض فقهاء المرجئة أبا وائل في رواية هذا الحديث، أما أبو وائل فليس بمتّهم، بل هو الثقة العدل المأمون، وقد رواه معه عن ابن مسعود أيضًا أبو عمرو الشيبانيّ، وأبو الأحوص، وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، لكن فيهم من وقَفَه، ورواه أيضًا عن النبيّ ﷺ سعد بن أبي وقّاص وغيره. انتهى (٢).
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "سِبَابُ) -بكسر السين، وتخفيف الموحدة- بمعنى السبّ، وهو الشتم، وهو التكلّم في عرض الإنسان بما يَعِيبه. وفي "المطالع": السباب: المشاتمة، وهي من السبّ، وهو القطع، وقيل: من السبّة، وهي حلقة الدبر، كأنها على القول الأول قطع المسبوب عن الخير والفضل، وعلى الثاني كشف العورة، وما ينبغي أن يُستَرَ. وفي "العباب": التركيب يدلّ على القطع، ثم اشتقّ منه الشتم. وقال إبراهيم الحربي: السباب أشد من السب، وهو أن يقول الرجل ما فيه، وما ليس فيه، يريد بذلك عيبه. وقال غيره: السباب هنا مثل القتال، فيقتضى المفاعلة (٣) (الْمُسْلِمِ) كذا في معظم الروايات، ولأحمد عن غندر، عن شعبة: "المؤمن"، فكأنه رواه بالمعنى انتهى.
(فُسُوقٌ) -بضم، فسكون: مصدر فسق يفسُق بالضمّ، من باب نصر، وحكى الأخفش يَفسِق بالكسر، من باب ضرب: أي فجور. وقال في "الفتح": "الفسق" -في
стр. 909
اللغة-: الخروج، وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ ، وهو في عرف الشرع أشدّ من العصيان، قال الله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ الآية [الحجرات: ٧].
ففي الحديث تعظيم حق المسلم، والحكم على من سبه بغير حق بالفسق، ومقتضاه الرد على المرجئة، وعُرف من هذا مطابق جواب أبي وائل للسؤال عنهم، كأنه قال: كيف تكون مقالتهم حقّا، والنبي ﷺ يقول هذا انتهى.
(وَقِتَالُهُ كفْرٌ) أي من أعمال أهل الكفر، فإنهم الذين يقصدون قتال المسلم، وأما تأويله بحمله على القتال مستحلا، فيؤدّي إلى عدم صحة المقابلة؛ لكون السباب مستحلا كفرًا أيضًا.
[فإن قيل]: هذا وإن تضمن الرد على المرجئة، لكن ظاهره يُقَوِّي مذهب الخوارج الذين يُكَفّرون بالمعاصي.
[فالجواب]: أن المبالغة في الرد على المبتدع اقتضت ذلك، ولا متمسك للخوارج فيه؛ لأن ظاهره غير مراد، لكن لما كان القتال أشدّ من السباب؛ لأنه مُفْضٍ إلى إزهاق الروح عَبّر عنه بلفظٍ أشدّ من لفظ الفسق، وهو الكفر، ولم يُرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملة، بل أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير، معتمدًا على ما تقرر من القواعد أن مثل ذلك لا يُخرِج عن الملة، مثل حديث الشفاعة، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، أو أطلق عليه الكفر لشبهه به؛ لأن قتال المؤمن من شأن الكافر، وقيل: المراد هنا الكفر اللغوي، وهو التغطية؛ لأن حق المسلم على المسلم أن يُعِينه وينصره ويكف عنه أذاه، فلما قاتله كان كأنه غَطَّى على هذا الحق، وقيل: أراد بقوله: "كفر": أي قد يؤول هذا الفعل بشؤمه إلى الكفر، وهذا بعيد، وأبعد منه حمله على المستحل لذلك؛ لأنه لا يحصل التفريق بين السباب والقتال، فإن مستحل لعن المسلم بغير تأويل يُكَفِّر أيضًا.
ومثل هذا الحديث قوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب
стр. 910
بعض"، ففيه هذه الأجوبة، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] بعد قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، فدل على أن بعض الأعمال يُطلَق عليه الكفر تغليظًا.
وأما قوله ﷺ فيما رواه مسلم: "لَعْنُ المسلم كقتله"، فلا يخالف هذا الحديث؛ لأن المشبه به فوق المشبه، والقدر الذي اشتركا فيه بلوغ الغاية في التأثير، هذا في الْعِرْض، وهذا في النفس. قاله في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا بهذا الإسناد فقط، و (البخاريّ) (١/ ١٩) و (٨/ ١٨) و (٩/ ٦٣) و (مسلم) (١/ ٥٧ و ٥٨) و (الترمذيّ) (١٩٨٣ و ٢٦٣٤ و ٢٦٣٥) و (النسائيّ) (٧/ ١٢٢) و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٤٨ و ٢٥٨ و ٣٠٦) و (الحميديّ) في "مسنده" (١٠٤) و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٨٥ و ٤١١ و ٤١٧ و ٤٣٣ و ٤٤٦ و ٤٥٤ و ٤٦٠) و (أبو يعلى) في "مسنده" (٤٩٨٨ و ٤٩٩١) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٩٣٩) و (ابن منده) (٦٥٣ و ٦٥٤ و ٦٥٥ و ٦٥٦) و (أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٢٤) و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ٢٠) و (الخطيب البغدادي) في "تاريخه" (١٣/ ١٨٥)، والله تعالى أعلم.
стр. 911
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن سباب المسلم ينافي كمال الإيمان؛ لأنه فسوقٌ، وكذا قتاله؛ لأنه كفرٌ، على ما تقدّم من بيان المراد بالكفر هنا.
٢ - (ومنها): أن فيه تعظيم حقّ المسلم، والحكم على من سبّه بغير حقّ بالفسق، وعلى من قاتله بالكفر.
٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تضرّ مع الإيمان، وقد تقدم سبب ذكر أبي وائل هذا الحديث وهو أن زُبيدًا سأله عن المرجئة؟ فقال: حدّثني عبد الله ﵁ إلخ، فكأنه قال: كيف يكون مذهبهم حقًّا، وقد خالف قول النبيّ ﷺ هذا، فمراده إبطال رأيهم الفاسد المذكور، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٧٠ - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلي الجهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا عَلَى الْإِخْلَاصِ للَّهِ وَحْدَهُ، وَعِبَادَتِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، مَاتَ وَاللَّه عَنْهُ رَاضٍ".
قَالَ أَنَسٌ: وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَبَلَّغُوهُ عَنْ رَبِّهِمْ قَبْلَ هَرْج الْأَحَادِيثِ، وَاخْتِلَافِ الْأَهْوَاءِ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتَابِ اللَّهِ، في آخِرِ مَا نَزَلَ، يَقُولُ اللَّه: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾، قَالَ: خَلْعُ الْأَوْثَانِ وَعِبَادَتِهَا، ﴿تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ٥]، وَقَالَ في آيَةٍ أُخْرَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ في الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَليٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقة ثبتٌ [١٠] ١/ ١٣.
٢ - (أَبُو أَحْمَدَ) هو: محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمَرَ بن دِرْهم الأسديّ
стр. 912
مولاهم الزبيريّ الكوفيّ، ثقة ثبتٌ إلا أنه قد يُخطىء في حديث الثوريّ [٩].
روى عن أيمن بن نابل، ويحيى بن أبي الهيثم العطار، وعيسى بن طهمان وفِطر بن خليفة، وسفيان الثوري، ومسعر، ومالك بن مغول، ومالك بن أنس، وإسرائيل بن يونس، وإبراهيم بن طهمان، وغيرهم.
وروى عنه ابنه طاهر، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وبندار، وأبو موسى، وأحمد ابن منيع، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن محمد المسندي، وعمر بن محمد الناقد، ونصر بن عليّ الجهضميّ، وغيرهم.
قال نصر بن علي: سمعت أبا أحمد الزبيري يقول: لا أبالي أن يُسرَق مني كتاب سفيان، إني أحفظه كله. وقال ابن نمير: أبو أحمد الزبيري صدوق، في الطبقة الثالثة من أصحاب الثوري، ما علمت إلا خيرًا، مشهور بالطلب، ثقة، صحيح الكتاب، وكان صديق أبي نعيم، وأبو نعيم أقدم سماعا وأسنّ منه. وقال حنبل بن إسحاق عن أحمد بن حنبل: كان كثير الخطإ في حديث سفيان. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس به بأس. وقال العجلي: كوفي ثقة يتشيع. وقال بندار: ما رأيت أحفظ منه. وقال أبو زرعة، وابن خِرَاش: صدوق. وقال أبو حاتم: عابد مجتهد، حافظ للحديث، له أوهام. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن أبي خيثمة عن محمد بن يزيد: كان يصوم الدهر. قال أحمد بن حنبل وغيره: مات بالأهواز سنة ثلاث ومائتين. وفيها أرّخه ابن سعد، وقال: كان صدوقًا، كثير الحديث. وقال ابن قانع: ثقة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا.
٣ - (أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ) يقال: اسمه عيسى بن أبي عيسى، ماهان، وقيل: عيسى ابن أبي عيسى، عبد الله بن ماهان، مَرْوزيُّ الأصل، سَكَن الرَّيَّ، وقيل: كان أصله من البصرة، وكان مَتْجَره إلى الريّ، فنسب إليها، مشهور بكنيته، صدوق، سيّىء الحفظ، خصوصًا عن مغيرة، من كبار [٧].
стр. 913
روى عن الربيع بن أنس، وحميد الطويل، وعاصم بن أبي النَّجُود، وحُصين بن عبد الرحمن، والأعمش، ويونس بن عبيد، ومغيرة بن مقسم، ومنصور، وجماعة.
وروى عنه ابنه عبد الله، وشعبة، وهو من أقرانه، وعبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدَّشْتكِيّ، وأبو عوانة، وسلمة بن الفضل، وأبو أحمد الزبيري، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس بقوي في الحديث. وقال حنبل عن أحمد: صالح الحديث. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: كان ثقة، خراسانيا انتقل إلى الريّ، ومات بها. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: يُكتَب حديثه، ولكنه يخطىء. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: صالح. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقة، وهو يَغْلَط فيما يروي عن مغيرة. وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه: هو نحو موسى بن عُبَيدة، وهو يَخلِط فيما روى عن مغيرة ونحوه. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن علي بن المديني: كان عندنا ثقة. وقال ابن عمار الموصلي: ثقة. وقال عمرو بن علي: فيه ضعف، وهو من أهل الصدق، سيىء الحفظ. وقال أبو زرعة: شيخ يَهِم كثيرًا. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق صالح الحديث.
وقال زكريا الساجي: صدوق، ليس بمتقن. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن خِرَاش: صدوق سيىء الحفظ. وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة، وقد روى عنه الناس، وأحاديثه عامتها مستقيمة، وأرجو أنه لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة، وكان يَقْدَم بغداد، فيسمعون منه. وقال ابن حبان: كان ينفرد عن المشاهير بالمناكير، لا يُعجبني الاحتجاج بحديثه، إلا فيما وافق الثقات. وقال العجلي: ليس بالقوي. وقال الحاكم: ثقة. وقال ابن عبد البر: هو عندهم ثقة، عالم بتفسير القرآن.
وقال عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدشتكي: سمعت أبا جعفر الرازي يقول: لم أكتب عن الزهري؛ لأنه كان يخضب بالسواد. وقال أبو عبد الله: فابتلي أبو جعفر حتى لَبِس السواد، وكان زميل المهديّ إلى مكة.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة
стр. 914
أحاديث فقط، برقم ٧٠ و ٧١ و ٢١٦٨ و ٣٥١٣.
٤ - (الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ) البكريّ، ويقال: الحنفيّ البصريّ، نزيل خراسان، صدوقٌ له أوهام، ورمي بالتشيّع [٥].
روى عن أنس بن مالك، وأبي العالية، والحسن البصري، وصفوان بن مُحرِز، وجَدَّيه: زيد وزياد، وأرسل عن أم سلمة.
وروى عنه أبو جعفر الرازي، والأعمش، وسليمان التيمي، وسليمان بن عامر الْبُزْريّ، وعيسى بن عُبيد الْكِنديّ، ومقاتل بن حَيّان، وابن المبارك، وغيرهم.
قال العجلي: بصري صدوق. وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أحب إلي في أبي العالية من أبي خَلْدَة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن معين: كان يتشيع فيُفرِط.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه؛ لأن في أحاديثه عنه اضطرابًا كثيرًا. قال ابن سعد: مات في خلافة أبي جعفر المنصور. وذكر الذهبي أنه توفي سنة (١٣٩)، أو سنة (١٤٠).
أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: الربيع بن أنس هذا ليس ولدًا لأنس بن مالك الصحابيّ ﵁، وإنما يروي عنه، فهو ممن اتّفق اسم أبيه مع اسم شيخه، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
أَوِ اسْمُ شَيْخ لأَبِيهِ يَأْتْسِي ... رَبِيعٌ ابْنُ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ
٥ - (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) الصحابيّ الشهير ﵁ تقدّم في ٣/ ٢٤، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ) شرطيّة، مبتدأ (فَارَقَ الدُّنْيَا) أي مات (عَلَى الْإِخْلَاصِ للَّهِ وَحْدَهُ، وَعِبَادَتِه) أي توحيده، فهو كالتفسير للإخلاص، أو طاعته مطلقًا، فذكر إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة بعدها تخصيص لأعظم العبادات (لَا شَرِيكَ لَهُ) أي على مقتضى كلمة التوحيد، من إخلاص التوحيد، ونبذ
стр. 915
الشرك (وَإِقَامِ الصَّلَاةِ) بالجرّ عطفًا على "الإخلاص"، وكذا ما بعده: أي أداء الصلاة بما تستحقّه من أركان، وواجبات، ومستحبّات، وإتمام الخشوع (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) أي إعطائها لمن يستحقّها من غير استثقال، ولا منّ، وقوله (مَاتَ) جواب "من"، وهو خبر المبتدإ على الأصحّ، وقوله (وَاللَّه عَنْهُ رَاضٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "مات".
(قَالَ أَنَسْ) بن مالك ﵁ (وَهُوَ) أي ما ذُكر في هذا الحديث (دِينُ اللَّه الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ) أي أتت الرسل عليهم الصلاة والسلام به من عند الله (وَبَلَّغُوهُ) بتشديد اللام: أي أوصلوه إلى الناس (عَنْ رَبِّهِمْ) (قَبْلَ هَرْجِ الْأَحَادِيثِ) بفتح الهاء، وسكون الراء، قال ابن الأثير: أصل الْهَرْج: الكثرة في الشيء والاتّساع. انتهى (١).
والظاهر أنه أراد بالأحاديث الأحاديث التي تتعلّق بالملل والنِّحَل، وعليه فيكون قوله: (وَاخْتِلَافِ الْأَهْوَاءِ) من عطف التفسير، والأهواء بالفتح والمدّ: جمع هَوًى بالفتح مقصورًا، قال الفيّوميّ ﵀: الْهَوَى مقصورًا مصدرُ هَوِيته، من باب تَعِبَ: إذا أحببته، وعَلِقتَ به، ثم أُطلق على ميلِ النفس، وانحرافها نحوَ الشيء، ثم استُعمل في ميل مذموم، فيقال: اتّبَعَ هَوَاه، وهو من أهل الأهواء. انتهى (٢).
وأراد بالأهواء هنا الأهواء المضلّة، من اليهوديّة، والنصرانيّة، والوثنية، وكلّ النحل الباطلة.
والمعنى: أن هذه الأمور التي اشتمل عليها هذا الحديث هي التي بعث الله بهما الرسل، وأمرهم أن يبلّغوها للناس، قبل أن تتشتت بهم الأهواء المضلّة، فتفرّقوا.
وقوله (وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ) أي ما يصدّق ما قلته من كون هذا هو دين الله ، فـ "تصديقُ" مبتدأ خبره قوله (في كِتَابِ اللَّهِ) وقوله (في آخِرِ مَا نَزَلَ) بدل من الجارّ