(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن سباب المسلم ينافي كمال الإيمان؛ لأنه فسوقٌ، وكذا قتاله؛ لأنه كفرٌ، على ما تقدّم من بيان المراد بالكفر هنا.
٢ - (ومنها): أن فيه تعظيم حقّ المسلم، والحكم على من سبّه بغير حقّ بالفسق، وعلى من قاتله بالكفر.
٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تضرّ مع الإيمان، وقد تقدم سبب ذكر أبي وائل هذا الحديث وهو أن زُبيدًا سأله عن المرجئة؟ فقال: حدّثني عبد الله ﵁ إلخ، فكأنه قال: كيف يكون مذهبهم حقًّا، وقد خالف قول النبيّ ﷺ هذا، فمراده إبطال رأيهم الفاسد المذكور، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٧٠ - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلي الجهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا عَلَى الْإِخْلَاصِ للَّهِ وَحْدَهُ، وَعِبَادَتِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، مَاتَ وَاللَّه عَنْهُ رَاضٍ".
قَالَ أَنَسٌ: وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَبَلَّغُوهُ عَنْ رَبِّهِمْ قَبْلَ هَرْج الْأَحَادِيثِ، وَاخْتِلَافِ الْأَهْوَاءِ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتَابِ اللَّهِ، في آخِرِ مَا نَزَلَ، يَقُولُ اللَّه: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾، قَالَ: خَلْعُ الْأَوْثَانِ وَعِبَادَتِهَا، ﴿تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ٥]، وَقَالَ في آيَةٍ أُخْرَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ في الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَليٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقة ثبتٌ [١٠] ١/ ١٣.
٢ - (أَبُو أَحْمَدَ) هو: محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمَرَ بن دِرْهم الأسديّ
стр. 912
مولاهم الزبيريّ الكوفيّ، ثقة ثبتٌ إلا أنه قد يُخطىء في حديث الثوريّ [٩].
روى عن أيمن بن نابل، ويحيى بن أبي الهيثم العطار، وعيسى بن طهمان وفِطر بن خليفة، وسفيان الثوري، ومسعر، ومالك بن مغول، ومالك بن أنس، وإسرائيل بن يونس، وإبراهيم بن طهمان، وغيرهم.
وروى عنه ابنه طاهر، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وبندار، وأبو موسى، وأحمد ابن منيع، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن محمد المسندي، وعمر بن محمد الناقد، ونصر بن عليّ الجهضميّ، وغيرهم.
قال نصر بن علي: سمعت أبا أحمد الزبيري يقول: لا أبالي أن يُسرَق مني كتاب سفيان، إني أحفظه كله. وقال ابن نمير: أبو أحمد الزبيري صدوق، في الطبقة الثالثة من أصحاب الثوري، ما علمت إلا خيرًا، مشهور بالطلب، ثقة، صحيح الكتاب، وكان صديق أبي نعيم، وأبو نعيم أقدم سماعا وأسنّ منه. وقال حنبل بن إسحاق عن أحمد بن حنبل: كان كثير الخطإ في حديث سفيان. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس به بأس. وقال العجلي: كوفي ثقة يتشيع. وقال بندار: ما رأيت أحفظ منه. وقال أبو زرعة، وابن خِرَاش: صدوق. وقال أبو حاتم: عابد مجتهد، حافظ للحديث، له أوهام. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن أبي خيثمة عن محمد بن يزيد: كان يصوم الدهر. قال أحمد بن حنبل وغيره: مات بالأهواز سنة ثلاث ومائتين. وفيها أرّخه ابن سعد، وقال: كان صدوقًا، كثير الحديث. وقال ابن قانع: ثقة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا.
٣ - (أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ) يقال: اسمه عيسى بن أبي عيسى، ماهان، وقيل: عيسى ابن أبي عيسى، عبد الله بن ماهان، مَرْوزيُّ الأصل، سَكَن الرَّيَّ، وقيل: كان أصله من البصرة، وكان مَتْجَره إلى الريّ، فنسب إليها، مشهور بكنيته، صدوق، سيّىء الحفظ، خصوصًا عن مغيرة، من كبار [٧].
стр. 913
روى عن الربيع بن أنس، وحميد الطويل، وعاصم بن أبي النَّجُود، وحُصين بن عبد الرحمن، والأعمش، ويونس بن عبيد، ومغيرة بن مقسم، ومنصور، وجماعة.
وروى عنه ابنه عبد الله، وشعبة، وهو من أقرانه، وعبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدَّشْتكِيّ، وأبو عوانة، وسلمة بن الفضل، وأبو أحمد الزبيري، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس بقوي في الحديث. وقال حنبل عن أحمد: صالح الحديث. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: كان ثقة، خراسانيا انتقل إلى الريّ، ومات بها. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: يُكتَب حديثه، ولكنه يخطىء. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: صالح. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقة، وهو يَغْلَط فيما يروي عن مغيرة. وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه: هو نحو موسى بن عُبَيدة، وهو يَخلِط فيما روى عن مغيرة ونحوه. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن علي بن المديني: كان عندنا ثقة. وقال ابن عمار الموصلي: ثقة. وقال عمرو بن علي: فيه ضعف، وهو من أهل الصدق، سيىء الحفظ. وقال أبو زرعة: شيخ يَهِم كثيرًا. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق صالح الحديث.
وقال زكريا الساجي: صدوق، ليس بمتقن. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن خِرَاش: صدوق سيىء الحفظ. وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة، وقد روى عنه الناس، وأحاديثه عامتها مستقيمة، وأرجو أنه لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة، وكان يَقْدَم بغداد، فيسمعون منه. وقال ابن حبان: كان ينفرد عن المشاهير بالمناكير، لا يُعجبني الاحتجاج بحديثه، إلا فيما وافق الثقات. وقال العجلي: ليس بالقوي. وقال الحاكم: ثقة. وقال ابن عبد البر: هو عندهم ثقة، عالم بتفسير القرآن.
وقال عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدشتكي: سمعت أبا جعفر الرازي يقول: لم أكتب عن الزهري؛ لأنه كان يخضب بالسواد. وقال أبو عبد الله: فابتلي أبو جعفر حتى لَبِس السواد، وكان زميل المهديّ إلى مكة.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة
стр. 914
أحاديث فقط، برقم ٧٠ و ٧١ و ٢١٦٨ و ٣٥١٣.
٤ - (الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ) البكريّ، ويقال: الحنفيّ البصريّ، نزيل خراسان، صدوقٌ له أوهام، ورمي بالتشيّع [٥].
روى عن أنس بن مالك، وأبي العالية، والحسن البصري، وصفوان بن مُحرِز، وجَدَّيه: زيد وزياد، وأرسل عن أم سلمة.
وروى عنه أبو جعفر الرازي، والأعمش، وسليمان التيمي، وسليمان بن عامر الْبُزْريّ، وعيسى بن عُبيد الْكِنديّ، ومقاتل بن حَيّان، وابن المبارك، وغيرهم.
قال العجلي: بصري صدوق. وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أحب إلي في أبي العالية من أبي خَلْدَة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن معين: كان يتشيع فيُفرِط.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه؛ لأن في أحاديثه عنه اضطرابًا كثيرًا. قال ابن سعد: مات في خلافة أبي جعفر المنصور. وذكر الذهبي أنه توفي سنة (١٣٩)، أو سنة (١٤٠).
أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: الربيع بن أنس هذا ليس ولدًا لأنس بن مالك الصحابيّ ﵁، وإنما يروي عنه، فهو ممن اتّفق اسم أبيه مع اسم شيخه، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
أَوِ اسْمُ شَيْخ لأَبِيهِ يَأْتْسِي ... رَبِيعٌ ابْنُ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ
٥ - (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) الصحابيّ الشهير ﵁ تقدّم في ٣/ ٢٤، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ) شرطيّة، مبتدأ (فَارَقَ الدُّنْيَا) أي مات (عَلَى الْإِخْلَاصِ للَّهِ وَحْدَهُ، وَعِبَادَتِه) أي توحيده، فهو كالتفسير للإخلاص، أو طاعته مطلقًا، فذكر إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة بعدها تخصيص لأعظم العبادات (لَا شَرِيكَ لَهُ) أي على مقتضى كلمة التوحيد، من إخلاص التوحيد، ونبذ
стр. 915
الشرك (وَإِقَامِ الصَّلَاةِ) بالجرّ عطفًا على "الإخلاص"، وكذا ما بعده: أي أداء الصلاة بما تستحقّه من أركان، وواجبات، ومستحبّات، وإتمام الخشوع (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) أي إعطائها لمن يستحقّها من غير استثقال، ولا منّ، وقوله (مَاتَ) جواب "من"، وهو خبر المبتدإ على الأصحّ، وقوله (وَاللَّه عَنْهُ رَاضٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "مات".
(قَالَ أَنَسْ) بن مالك ﵁ (وَهُوَ) أي ما ذُكر في هذا الحديث (دِينُ اللَّه الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ) أي أتت الرسل عليهم الصلاة والسلام به من عند الله (وَبَلَّغُوهُ) بتشديد اللام: أي أوصلوه إلى الناس (عَنْ رَبِّهِمْ) (قَبْلَ هَرْجِ الْأَحَادِيثِ) بفتح الهاء، وسكون الراء، قال ابن الأثير: أصل الْهَرْج: الكثرة في الشيء والاتّساع. انتهى (١).
والظاهر أنه أراد بالأحاديث الأحاديث التي تتعلّق بالملل والنِّحَل، وعليه فيكون قوله: (وَاخْتِلَافِ الْأَهْوَاءِ) من عطف التفسير، والأهواء بالفتح والمدّ: جمع هَوًى بالفتح مقصورًا، قال الفيّوميّ ﵀: الْهَوَى مقصورًا مصدرُ هَوِيته، من باب تَعِبَ: إذا أحببته، وعَلِقتَ به، ثم أُطلق على ميلِ النفس، وانحرافها نحوَ الشيء، ثم استُعمل في ميل مذموم، فيقال: اتّبَعَ هَوَاه، وهو من أهل الأهواء. انتهى (٢).
وأراد بالأهواء هنا الأهواء المضلّة، من اليهوديّة، والنصرانيّة، والوثنية، وكلّ النحل الباطلة.
والمعنى: أن هذه الأمور التي اشتمل عليها هذا الحديث هي التي بعث الله بهما الرسل، وأمرهم أن يبلّغوها للناس، قبل أن تتشتت بهم الأهواء المضلّة، فتفرّقوا.
وقوله (وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ) أي ما يصدّق ما قلته من كون هذا هو دين الله ، فـ "تصديقُ" مبتدأ خبره قوله (في كِتَابِ اللَّهِ) وقوله (في آخِرِ مَا نَزَلَ) بدل من الجارّ
стр. 916
والمجرور قبله، أو متعلّق بحال مقدّر: أي حال كونه كائنًا في آخر ما نزل من الآيات، والظاهر أنه أراد بذلك أنه مما لم يُنسَخ، لا أن هذه الآية آخر ما نزل من القرآن، فإن آخر ما نزل منه آية ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] الآية، ويحتمل أن يكون المعنى أنها في سورة هي من أواخر ما نزل من السور، فإنها من سورة التوبة، وهي من أواخر ما نزل، على ما قيل (يَقُولُ اللَّه: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾، قَالَ) أنس ﵁ مبيّنًا معنى التوبة هنا (خَلْعُ) بفتح، فسكون: أي نزع محبتها من القلب (الْأَوْثَانِ) بالفتح: جمع وَثَن بفتحتين: هو الصنم، سواء كان من خشب، أو حجر، أو غيرهما، وقيل: الصنم هو المتّخذ من الجواهر المعدنيّة التي تذوب، والوثن: هو المتخذ من حجر، أو خشب، أو نُحاس. قاله في "المصباح" (وَعِبَادَتِهَا) أي ترك عبادتها ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ وَقَالَ في آيَةٍ أُخْرَى) أي من سورة التوبة أيضًا: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ في الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]) يعني أن الله جعل من تاب عن الشرك، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة ممن ثبت له الأخوّة الإيمانية، حيث كان مؤمنًا، فله ما لهم، وعليه ما عليهم. والله تعالى أعلم بالصواب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أنس ﵁ هذا انفرد به المصنّف، أخرجه هنا بهذا السند، وهو ضعيف، لأنه من رواية أبي جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، قال ابن حبّان: الناس يتّقون حديثه ما كان من رواية أبي جعفر الرازي عنه؛ لأن في أحاديثه اضطرابًا كثيرًا. وأما قول الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٣٣١ بعد إخراجه له: صحيح الإسناد، فمن تساهلاته، وكذا موافقة الذهبيّ له عليه، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 917
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
(حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنسٍ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: هم الذين تقدّموا في السند الماضي، سوى اثنين، هما:
١ - (أبو حاتم) هو: محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مِهْران الحنظلي الرازي الحافظ الكبير، أحد الأئمة [١١].
روى عن محمد بن عبد الله الأنصاريّ، وعثمان بن الهيثم، وعفان بن مسلم، وأبي نعيم، وعبيد الله بن موسى، وعبد الله بن صالح كاتب الليث، وخلق كثير.
وروى عنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، في "التفسير"، وروى البخاري في "الصحيح" في "باب المحصر" عن محمد، عن يحيى بن صالح الْوُحَاظيّ، فذكر الكلاباذي في ترجمة يحيى بن صالح أن ابن أبي سعيد السرخسي أخبره أن محمدًا هو ابن إدريس، أبو حاتم الرازي، وذكر أنه رآه في أصل عتيق. وقال الحاكم أبو أحمد في "الكنى": أبو حاتم محمد بن إدريس، روى عنه محمد بن إسماعيل الجعفي، وابنه عبد الرحمن، وعبدة بن سليمان المروزي، والربيع بن سليمان المرادي، ويونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عوف الطائي، وهم من شيوخه، ورفيقه أبو زرعة الرازي، ومحمد بن هارون الروياني، وأبو عوانة الإسفرائيني، وابن أبي الدنيا، وأبو زرعة الدمشقي، وخلق كثير.
قال أبو بكر الخلال: أبو حاتم إمام في الحديث، روى عن أحمد مسائل كثيرة، وقعت إلينا متفرقة، كلها غريب. وقال ابن خِرَاش: كان من أهل الأمانة والمعرفة. وقال النسائي: ثقة. وقال أبو نعيم: إمام في الحفظ. وقال اللالكائي: كان إمامًا عالمًا بالحديث، حافظا له، متقنا ثبتًا. وقال ابن أبي حاتم: سمعت موسى بن إسحاق القاضي يقول: ما رأيت أحفظ من والدك، قلت له: فرأيت أبا زرعة، قال: لا. قال: وسمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان، ودعما لهما، وقال: بقاؤهما صلاح للمسلمين.
стр. 918
وقال الخطيب: كان أحد الأئمة الحفاظ الأثبات، مشهورًا بالعلم، مذكورًا بالفضل، وكان أول كَتْبِهِ الحديثَ سنة (٢٠٩)، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: أولَ سنة خرجتُ في طلب الحديث أقمت سنين أحسب ما مشيت على قدميّ زيادةً على ألف فرسخ، فلم أزل أُحصي حتى لمّا زاد على ألف فرسخ تركته. قال: وسمعت أبي يقول: أقمت سنة أربع عشرة ومائتين بالبصرة ثمانية أشهر، قد كنت عزمت على أن أقيم سنة، فانقطعت نفقتي، فجعلت أبيع ثيابي شيئًا بعد شيء حتى بقِيتُ بلا شيء. وقال أيضًا: سمعت أبي يقول: قلت على باب أبي الوليد الطيالسي: من أغرب عليّ حديثا مسندا صحيحًا لم أسمع به، فله علي درهم يتصدق به، وهناك خلق من الخلق، أبو زرعة فمن دونه، وإنما كان مرادي أن أستخرج منهم ما ليس عندي، فما تهيأ لأحد منهم أن يُغرِب عليّ حديثًا.
وقال أحمد بن سلمة النيسابوري: ما رأيت بعد إسحاق ومحمد بن يحيى أحفظ للحديث، ولا أعلم بمعانيه من أبي حاتم. وقال عثمان بن خُرَّزاذ: أحفظ من رأيت أربعة: إبراهيم بن عرعرة، ومحمد بن المنهال الضرير، وأبو زرعة، وأبو حاتم. وقال حجاج بن الشاعر، وذكر له أبو زرعة، وأبو حاتم، وابن وارة، وأبو جعفر الدارميّ: ما بالمشرق قوم أَنْبَل منهم.
وقد ذكر ابن أبي حاتم في "مقدمة الجرح والتعديل" لوالده ترجمة مَلِيحَةً، فيها أشياء تدل على عِظَم قدره، وجلالته، وسعة حفظه ﵀، منها ما قال أبو حاتم: قَدِمَ محمد بن يحيى النيسابوري الرَّيَّ، فألقيتُ علية ثلاثة عشر حديثًا من حديث الزهريّ، فلم يَعرِف منها إلا ثلاثة، وهذا يدل على حفظٍ عظيمٍ، فإن الذُّهْلي شَهِد له مشايخه، وأهل عصره بالتبحر في معرفة حديث الزهريّ، ومع ذلك فأغرب عليه أبو حاتم.
قال ابن المنادي، وغير واحد: مات في شعبان سنة (٢٧٧). وقال ابن يونس في "تاريخه": مات بالريّ سنة (٧٩)، والأول أصح، وكان مولده سنة (١٩٥).
وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم ٧٠ و ٢٤٣١ و ٢٧٢٣.
стр. 919
٢ - (عبيد الله بن موسى العبسيّ) هو: عبيد الله بن موسى بن أبي المختار، واسمه بَاذَام، العبسي مولاهم، الكوفي، أبو محمد الحافظ، ثقة كان يتشيّع [٩].
روى عن إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، وأيمن بن نابل، ومعروف بن خَرَّبُوذ، والأعمش، والثوري، والأوزاعي، وابن جريح، وإسرائيل، وغيرهم.
وروى عنه البخاري، وروى هو والباقون له بواسطة أحمد بن أبي سريج الرازي، وأحمد بن إسحاق البخاري، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن يحيى الذهلي، ومحمود بن غيلان، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وغيرهم.
قال الميموني: ذُكر عند أحمد عبيد الله بن موسى، فرأيته كالمنكر له، وقال: كان صاحب تخليط، وحدّث بأحاديث سوء، قيل له: فابن فضيل؟ قال: كان أستر منه، وأما هو فأخرج تلك الأحاديث الرَّدِيّة. وقال معاوية بن صالح: سألت ابن معين عنه، فقال: اكتُبْ عنه.
وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، حسن الحديث، وأبو نعيم أتقن منه، وعبيد الله أثبتهم في إسرائيل، كان يأتيه فيقرأ عليه القرآن. وقال العجلي: ثقة، وكان عالمًا بالقرآن، رأسًا فيه. وقال أيضًا: ما رأيته رافعًا رأسه، وما رُئي ضاحكًا قط. وقال الآجري عن أبي داود: كان محُتَرِقًا شِيعِيّا، جاز حديثه.
وقال ابن عدي: ثقة. وقال ابن سعد: قرأ على عيسى بن عُمَر، وعلى علي بن صالح، وكان ثقة، صدوقًا -إن شاء الله تعالى- كثير الحديث، حسن الهيئة، وكان يتشيع، ويَروِي أحاديث في التشيع منكرة، وضُعِّف بذلك عند كثير من الناس، وكان صاحب قرآن. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يتشيع.
وذَكَرَ القراب أنه وُلِد سنة (١٢٨). وقال أبو حاتم: سمعت منه سنة (١٣).
وقال ابن سعد: مات في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة ومائتين. وكذا أَرّخه غيره. وقال يعقوب بن شيبة: مات سنة (١٤).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤١) حديثًا.
стр. 920
[تنبيه]: ذكر الدكتور بشّار، والشيخ علي حسن في تحقيقيهما لهذا الكتاب أن هذه الرواية من زيادات أبي الحسن ابن القطّان، ولم يذكرا مستندًا لذلك، غير أن الأول استدلّ على ذلك بأن الحافظ المزيّ لم يذكره في تحفة الأشراف إلى آخر كلامه، وعندي في هذا نظر؛ لأمور:
(الأول): أن الأصل فيما يوجد في الكتاب من الروايات أنه من صاحب الكتاب إلا أن يكون هناك بيّنة واضحة على أنه ليس منه، بل من بعض الرواة عنه، ولا يوجد أي حجة على هذا هنا.
(الثاني): أن زيادة أبي الحسن ابن القطّان معروفة واضحة، حيث يصدّرها بقوله: "قال أبو الحسن الخ"، وغيرها من العبارة، كما تقدّم برقم ٢٢ ويأتي برقم ٢٨١ و ٢٥٢ و ٢٦١ و ٣٠٢ و ٣٢٧ و ٣٦٢ وغير ذلك، مما سيأتي رواية أبي الحسن عن أبي حاتم.
(الثالث): أن الاستدلال بعدم ذكر المزيّ لهذه الرواية غير كاف؛ لاحتمال أنه تركه نسيانًا، أو لغير ذلك، ومن طالع كتاب "الإطراف بأوهام الأطراف" للحافظ وليّ الدين العراقيّ، و"النكت الظراف" للحافظ ابن حجر علم صدق ما قلته.
ومن الغريب أن الحافظ المزيّ، وتبعه الحافظ ابن حجر لما ترجم لأبي حاتم في "تهذيب الكمال" ٢٤/ ٣٨١ - ٣٩٠ ذكر أن ابن ماجه روى عنه في "التفسير" فقط مع أن روايته هنا في ثلاثة مواضع رقم ٧٠ و ٢٤٣١ و ٢٧٢٣ ظاهرة في أنه روى عنه في "السنن" أيضًا.
والحاصل أن كون الرواية عن أبي حاتم للمصنّف في المواضع المذكورة هو الظاهر، فلا يُعدَل عنه، وما عدا ذلك، فهو لأبي الحسن ابن القطّان، كما أوضح ذلك بالتصريح بذكر اسمه في أولها. وقد تقدم نظير هذا البحث في ٥/ ٤٠ فلتراجعه، والله تعالى أعلم.
وقوله: "مثله" يعني أن لفظ رواية عبيد الله بن موسى مثل لفظ رواية أبي أحمد، وقد تقدّم البحث في الفرق بينه وبين قوله: "نحوه"، مستوفًى برقم ٦/ ٤٤، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 921
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٧١ - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه"، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ) بن منيع بن سليط بن إبراهيم، أبو الأزهر العبديّ النيسابوريّ، صدوقٌ، كان يحفظ، ثم كبِر، فصار كتابه أثبت من حفظه [١١].
روى عن عبد الله بن نمير، ورَوْح بن عبادة، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وعبد الرزاق، وآدم بن أبي إياس، والهيثم بن جميل، وأبي عاصم النبيل، وغيرهم.
وروى عنه النسائي، وابن ماجه، والذهلي، وهو من أقرانه، والبخاري ومسلم خارج "الصحيح"، والدارمي، وأبو زرعة الرازي، وأبو عوانة الإسفرائيني، ومحمد بن جرير الطبري، وأبو حامد بن الشَّرْقي، وآخرون.
قال ابن الشَّرْقي: سمعت أبا الأزهر يقول: كتب عني يحيى بن يحيى. وقال الحاكم أبو أحمد: ما حدث من أصل كتابه فهو أصح، قال: وكان قد كَبِر، فربما يُلَقَّن. وقال ابن خِرَاش سمعت محمد بن يحيى يثني عليه. وقال أبو عمرو المستملي، عن محمد ابن يحيى: أبو الأزهر من أهل الصدق والأمانة، نَرَى أن يُكتَب عنه. وقال مكي بن عبدان: سألت مسلم بن الحجاج عن أبي الأزهر، فقال: اكتب عنه.
قال الحاكم: هذا رَسْم مسلم في الثقات. وقال إبراهيم بن أبي طالب: كان من أحسن مشايخنا حديثًا وقال أحمد بن سيّار: حسن الحديث. وقال صالح جزرة: صدوق. وقال النسائي، والدارقطني: لا بأس به. وقال الدارقطني: قد أخرج في "الصحيح" عن من هو دونه وشر منه. ولمّا ذكر ابن الشرقي بنادرة الحديث عَدّه فيهم. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن شاهين في "الأفراد" له: ثقة نَبِيل. وقال أبو الأزهر: رأيت سفيان بن عيينة، ولم يُحَدّثني. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطىء. وكان
стр. 922
ابن خزيمة إذا حدث عنه قال: ثنا أبو الأزهر من أصل كتابه.
قال أحمد بن سيار: مات أبو الأزهر في أول سنة (٢٦١). وقال حسين القباني: تُوفي سنة (٦٣).
تفرّد به النسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا.
٢ - (أَبُو النَّضْرِ) هاشم بن القاسم البغداديّ، يلقب قيصر، ثقة ثبت [٩] ٣/ ٢٦.
٣ - (أَبُو جَعْفَرٍ) الرازيّ المذكور في السند الماضي.
٤ - (يُونُسَ) بن عُبيد بن دينار العبديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ وَرعٌ [٥].
رأى أنسًا، وروى عن إبراهيم التيمي، وثابت البناني، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وغيرهم.
وروى عنه ابنه عبد الله، وشعبة، والثوري، ووهيب، وخلق كثير.
قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، قال ما كتبت شيئا قط، ومات سنة أربعين ومائة، فحمله بنو العباس على أعناقهم. وقال أحمد، وابن معين، والنسائي: ثقة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: يونس أحب إليك في الحسن، أو حميد؟ فقال: كلاهما. وقال ابن المديني: يونس بن عبيد أثبت في الحسن من ابن عون. وقال أبو زرعة: يونس أحب إلي في الحسن من قتادة؛ لأن يونس من أصحاب الحسن، وقتادة ليس من أقران يونس، ويونس أحب إلي من هشام بن حسان. وكذا قال أبو حاتم، وزاد: هو ثقة أكبر من سليمان التيمي، ولا يبلغ التيمي منزلة يونس.
وقال سلمة بن علقمة: جالست يونس بن عبيد، فما استطعت أن آخذ عليه كلمة. وقال عارم عن حماد بن زيد: كان يونس بن عبيد يحدثنا، ثم يستغفر ثلاثًا، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من سادات أهل زمانه علمًا وفضلًا وحفظًا وإتقانًا وسنةً وبغضا لأهل البدع، مع التقشف الشديد، والفقه في الدين، والحفظ الكثير. وقال حماد بن زيد: وُلد قبل الجارف. وقال حميد بن الأسود: كان أسن من ابن عون بسنة. وقال
стр. 923
جماعة: مات سنة تسع وثلاثين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا.
٥ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، أبو سعيد، مولى الأنصار، وأمّه خيرةُ مولاة أم سلمة، ثقة فقيه فاضلٌ مشهورٌ، وكان يرسل كثيرًا، ويدلس [٣].
قال ابن سعد: وُلد لسنتين بقيتا من خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، ونشأ بوادي القرى، وكان فَصيحًا.
رأى عليًّا، وطلحة، وعائشة، وكتب للربيع بن زياد والي خُرَاسان في عهد معاوية رضي الله تعالى عنه. روى عن عثمان، وعليّ، وأبي موسى، وأبي بكرة، وعمران ابن حُصين، وجندب البجليّ، وابن عمر، وابن عبّاس، وابن عمرو بن العاص، ومعاوية، ومعقل بن يسار، وأنس، وجابر، وخلق كثير من الصحابة والتابعين.
وروى عنه حميدٌ الطويل، وبُريد بن أبي مريم، وأيوب، وقتادة، وعوف الأعرابيّ، وبكر بن عبد الله المُزنيّ، وخلق كثير.
قال أنس بن مالك: سلوا الحسن، فإنه حفِظ، ونسينا. وقال سليمان التيميّ: الحسن شيخ أهل البصرة. وقال مطرٌ الورّاق: كان جابر بن زيد رجل أهل البصرة، فلما ظهر الحسن جاء رجل كأنما كان في الآخرة فهو يُخبر عمّا رأى وعاين. وقال محمد ابن فُضيل، عن عاصم الأحول: قلت للشعبيّ لك حاجة؟ قال: نعم، إذا أتيت البصرة، فأقرِىءِ الحسن منّي السلام، قلت: ما أعرفه، قال: إذا دخلت البصرة، فانظر إلى أجمل رجل تراه في عينيك، وأهيبه في صدرك، فأقرئه منّي السلام، قال: فما عدا أن دخل المسجد، فرأى الحسن، والناس حوله جلوسٌ فسلّم عليه. وقال أبو عوانة، عن قتادة: ما جالست فقيهًا قطّ إلا رأيت فضل الحسن عليه. وقال أيوب: ما رأت عيناي رجلًا قطّ كان أفقه من الحسن. وقال غالبٌ القطّان، عن بكر المزنيّ: من سرّه أن ينظر إلى أعلم عالم أدركناه في زمانه، فلينظر إلى الحسن فما أدركنا الذي هو أعلم منه. وقال يونس بن عُبيد: إن كان الرجل ليرى الحسن، لا يسمع كلامه، ولا يري
стр. 924
عمله، فينتفع به. وقال حمّاد بن سلمة، عن يونس بن عُبيد، وحُميد الطويل: رأينا الفقهاء، فما رأينا أكمل مروءةً من الحسن. وقال الحجّاج بن أرطاة: سألت عطاء بن أبي رباح فقال لي: عليك بذاك -يعني الحسن- ذاك إمام ضخم، يُقتدى به.
وقال ابن حبّان في "الثقات": احتلم سنة (٣٧)، وأدرك بعض صفّين، ورأى مائة وعشرين صحابيًّا، وكان يُدلّس، وكان من أفصح أهل البصرة، وأجملهم، وأعبدهم، وأفقههم. وعن ابن عون قال: سمعت الحسن يقول: من كذّب بالقدر، فقد كفر.
قال ابن عُليّة، والسّريّ بن يحيى: مات سنة (١١٠) زاد ابن عليّة: في رجب.
وقال ابنه عبد الله: هلك أبي، وهو ابن نحو من (٨٨) سنة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٤) حديثًا.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم في ١/ ١، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرْتُ) بالبناء للمفعول، والأمر هو قول القائل لمن دونه: افعل على سبيل الاستعلاء (١).
والمعنى: أمرني الله تعالى؛ لأنه لا آمر لرسول الله ﷺ إلا الله ، وقياسه في الصحابي إذا قال: أُمرت، فالمعنى أمرني رسول الله ﷺ ، ولا يحتمل أن يريد أمرني صحابي آخر؛ لأنهم من حيث إنهم مجتهدون لا يحتجون بأمر مجتهد آخر، وإذا قاله التابعي احتَمَلَ، والحاصل أن من اشتَهَر بطاعة رئيس، إذا قال ذلك فُهِم منه أن الآمر له هو ذلك الرئيس. قاله في "الفتح" (٢).
(أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ) أي بأن أقاتل، وحذف الجاز مع "أنّ" و"أنْ" كثير مطّرد، كما
стр. 925
قال في "الخلاصة":
وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ ... وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ
نَقْلًا وَفِي "أَنَّ" وَ"أَنْ" يَطَّرِدُ ... مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا
أي أُمرتُ بمقاتلة الناس (حَتَّى يَشْهَدُوا) "حتّى" غاية للمقاتلة، ويحتمل أن تكون غاية للأمر بها.
[فإن قيل]: جَعْلُ وجودِ ما ذُكِر غاية للمقاتلة، يقتضي أن من شَهِدَ بالتوحيد، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، عَصَمَ دمه، ولو جَحَدَ باقي الأحكام.
[أجيب]: أن الشهادة بالرسالة تتضمن التصديق بما جاء به النبيّ ﷺ ، على أن آخر الحديث، وهو قوله: "إلا بحق الإسلام" نصٌّ صريح يَدْخُلُ فيه جميعُ ذلك.
[فإن قيل]: فَلِمَ لم يَكتَفِ به، ونَصَّ على الصلاة، والزكاة.
[أجيب]: بأن التنصيص عليهما؛ لعظمهما، والاهتمام بأمرهما؛ لأنهما أُمّا العبادات البدنية والمالية (١).
(أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه) "أن" مخفّفة من الثقيلة، واسمها محذوف: أي أنه لا إله إلا الله (وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) معنى إقامة الصلاة: إما تعديل أركانها، وحفظها من أن يقع زيغٌ في فرائضها، وسننها، وآدابها، من أقام العُودَ: إذا قوّمه، وإما المداومة عليها، من قامت السُّوق: إذا نَفَقَت، وإما التجلُّدُ والتشمُّر في أدائها، من قامت الحربُ على ساقها، وإما أداؤها؛ تعبيرًا عن الأداء بالإقامة؛ لأن القيام بعض أركانها، والصلاة هي العبادة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم. قاله العينيّ ﵀ (٢).
وقال في "الفتح": قوله: "ويقيموا الصلاة": أي يُداوموا على الإتيان بها بشروطها، من قامت السوقُ: إذا نَفَقَت، وقامت الحربُ: إذا أشتد القتال، أو المراد
стр. 926
بالقيام الأداءُ؛ تعبيرًا عن الكل بالجزء، إذ القيام بعض أركانها.
والمراد بالصلاة المفروضُ منها لا جنسها، فلا تدخل سجدة التلاوة مثلًا، وإن صَدَقَ اسم الصلاة عليها.
وقال الشيخ محيي الدين النووي: في هذا الحديث أن من ترك الصلاة عمدًا يُقتَل، ثم ذَكَر اختلاف المذاهب في ذلك.
وسُئل الكرماني هنا عن حكم تارك الزكاة، وأجاب بأن حكمهما واحد؛ لاشتراكهما في الغاية، وكأنه أراد في المقاتلة، أما في القتل فلا، والفرق أن الممتنع من إيتاء الزكاة يمكن أن تؤخذ منه قهرًا بخلاف الصلاة، فإن انتهى إلى نَصْبِ القتال ليمنع الزكاة قوتل، وبهذه الصورة قاتل الصديق ﵁ مانعي الزكاة، ولم يُنقَل أنه قتل أحدًا منهم صبرًا، وعلى هذا ففي الاستدلال بهذا الحديث على قتل تارك الصلاة نظرٌ؛ للفرق بين صيغة أُقاتل وأَقتُل.
وقد أطنب ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" في الإنكار على من استدل بهذا الحديث على ذلك، وقال: لا يلزم من إباحة المقاتلة إباحةُ القتل؛ لأن المقاتلة مُفَاعَلَةٌ تستلزم وقوع القتال من الجانبين، ولا كذلك القتل. وحكى البيهقي عن الشافعي أنه قال: ليس القتال من القَتْل بسبيل، فقد يَحِلّ قتالُ الرجل ولا يَحِلُّ قتله. انتهى (١).
(وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) أي يُعطوها لمستحقيها، والزكاة: هي القدر المخرج من النصاب للمستحقّ.
[تنبيهان]:
(الأول): زاد في الرواية الآتية في "كتاب الفتن" برقم (٣٩٢٧) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁: "فإذا قالوها عَصَمُوا مني دماءهم، وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله ".
стр. 927
فقوله: "فإذا قالوها": أي إذا تكلّموا بكلمة التوحيد. وقوله: "عصموا مني" أي حفظوا وحَقَنُوا. وقوله: "إلا بحقها" الضمير لكلمة التوحيد، وفي حديث ابن عمر ﵄: "إلا بحقّ الإسلام"، والمعنى واحد، والاستثناء مفرّغ، والمستثنى منه أعمّ، والعصمة متضمّنة لمعنى النفي، ولذا صحّ تفريغ الاستثناء، إذ شرطه النفي، إما صريحًا، أو تأويلًا، كهذا المثال، والمعنى: لا يجوز إهدار دمائهم واستباحة أموالهم بسبب من الأسباب إلا بحقّ الإسلام، والحقّ المستثنى هو ما بينه النبيّ ﷺ في الحديث الآخر بقوله: "زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل النفس التي حرّم الله". أخرجه الداميّ في "سننه" ٢/ ١٧١.
ومن حقّ الإسلام أيضًا سائر الحدود التي أوجبها الشرع بارتكاب جريمة، كحد السرقة، والقذف، وكذا الغرامة المالية بإتلاف مال محترم، أو نحو ذلك.
وقوله: "وحسابهم على الله" أي حساب سرائرهم على الله ؛ لأنه المطّلع عليها، فمن أخلص في إيمانه وأعماله جازاه الله عليها جزاء المخلصين، ومن لم يُخلص في ذلك كان من المنافقين، يُحكم له في الدنيا بأحكام المسلمين، وهو عند الله تعالى من أسوء الكافرين (١).
(الثاني): [إن قيل]: مقتضى الحديث قتالُ كل من امتنع من التوحيد، فكيف تُرِك قتال مؤدي الجزية، والمعاهد.
[أجيب]: بأوجه:
[أحدها]: دعوى النسخ بأن يكون الإذن بأخذ الجزية والمعاهدة متأخرًا عن هذه الأحاديث، بدليل أنه متأخر عن قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾.
[ثانيها]: أن يكون من العام الذي خُصَّ منه البعض؛ لأن المقصود من الأمر حصول المطلوب، فإذا تخلف البعض لدليل لم يَقدَح في العموم.
стр. 928
[ثالثها]: أن يكون من العام الذي أُريد به الخاصّ، فيكون المراد بالناس في قوله: "أقاتل الناس": أي المشركين من غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النسائي بلفظ: "أُمرت أن أقاتل المشركين".
[فإن قيل]: إذا تَمّ هذا في أهل الجزية، لم يتم في المعاهدين، ولا فيمن منع الجزية.
[أجيب]: بأن الممتنع في ترك المقاتلة رفعها، لا تأخيرها مُدّةً، كما في الْهُدْنة، ومقاتلة من امتنع من أداء الجزية بدليل الآية.
[رابعها]: أن يكون المراد بما ذُكر من الشهادة وغيرها التعبير عن إعلاء كلمة الله، وإذعانُ المخالفين، فيحصل في بعض بالقتل، وفي بعض بالجزية، وفي بعض بالمعاهدة.
[خامسها]: أن يكون المراد بالقتال هو، أو ما يقوم مقامه، من جزية أو غيرها.
[سادسها]: أن يقال الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام، وسبب السبب سبب، فكأنه قال: حتى يُسلموا، أو يلتزموا مما يؤديهم إلى الإسلام، قال الحافظ: وهذا أحسن ويأتي فيه ما في الثالث، وهو آخر الأجوبة. ذكره في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح، بل هو متّفقٌ عليه.
[فإن قلت]: في سند المصنّف ﵀ انقطاع؛ لأن الجمهور أن الحسن البصريّ لم يسمع من أبي هريرة ﵁ وإن كان الصحيح أنه سمع منه قليلًا، كما حقّقته في "شرح النسائيّ"- وكذا فيه أبو جعفر الرازيّ، متكلّم فيه، كما سبق في ترجمته قريبًا، فكيف يصحّ؟.
[قلت]: لا يضرّ ذلك؛ لأن المصنّف أخرجه في "كتاب الفتن" بسند صحيح،
стр. 929
ونصّه:
٣٩٢٧ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، وحفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عَصَمُوا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله ". وهذا إسناد صحيح رجاله رجال الصحيح، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا بهذا السند، وأخرجه في "كتاب الفتن" رقم (٣٩٢٧) بالسند المذكور في المسألة السابقة، وأخرجه (البخاريّ) (١٣٩٩ و ١٤٥٧ و ٦٩٢٤ و ٧٢٨٤) من طريق الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة ﵁، و (مسلم) (١/ ٣٩) من طريق عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبي هريرة، و (النسائيّ) (٧/ ٧٩) و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٤ و ٤٧٥ و ٤٨٢ و ٥٠٢ و ٥٢٧).
والحديث متواترُ كما قال السيوطيّ في "الجامع الصغير"، فقد ورد عن جمع من الصحابة ﵃، فجاء في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة بطرق كثيرة، ومن حديث عبد الله ابن عمر، وأبيه عمر ﵄، وفي البخاريّ من حديث أنس ﵁، وفي مسلم (٢١) والمصنّف (٣٩٢٨) والنسائيّ (٣٩٧٧) من حديث جابر ﵁، وفي مسلم من حديث طارق ابن أشيم الأشجعيّ، ومن حديث أوس بن أوس الثقفيّ، عند النسائيّ ٢/ ٢١٨، ويأتي عند المصنّف (٣٩٢٩) ومن حديث معاذ بن جبل، كما في الرواية التالية للمصنف، ومن حديث النعمان بن بشير عند النسائيّ والبزّار، ومن حديث غيرهم من الصحابة ﵃، فمن شاء الاطلاع على ذلك فليراجع "مجمع الزوائد" للحافظ الهيثميّ ١/ ٢٤ - ٢٧ و"السلسلة الصحيحة" للشيخ الألبانيّ ١/ ٦٩١ - ٦٩٧، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان أن هذه الأشياء المذكورة في الحديث من أمور الإيمان التي يُقاتَلُ الناس عليها.
стр. 930
٢ - (ومنها): أن أحكام الإسلام إنما تُدار على الظواهر الجليّة، لا على الأسرار الخفيّة.
٣ - (ومنها): الاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم خلافًا لمن أوجب تعلّم الأدلّة، وجعله شرطًا في الإسلام، وهو مذهب كثير من المعتزلة، وقول لبعض المتكلّمين. قال النوويّ ﵀: قد تظاهرت الأحاديث الصحيحة التي يحصل من عمومها العلم القطعيّ بأن التصديق الجازم كاف. انتهى (١).
٤ - (ومنها): أنه يؤخذ منه ترك تكفير أهل البِدَع المقرّين بالتوحيد الملتزمين للشرائع.
٥ - (ومنها): قبول توبة الكافر من كفره، من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن.
٦ - (ومنها): أن من أظهر الإسلام، وفعل الأركان وجب الكفّ عنه، وعدم التعرّض له.
٧ - (ومنها): أنه يستدل به على وجوب قتال تاركي الصلاة، ومانعي الزكاة، وغيرهما من واجبات الإسلام قليلا كان أو كثيرًا.
٨ - (ومنها): أن النوويّ قال: يُستدلّ به على أن تارك الصلاة عمدًا معتقدًا وجوبها يُقتل، وعليه الجمهور. وتُعُقّب بأن الاستدلال غير صحيح؛ لأن المأمور به هو المقاتلة، لا القتل، ولا يلزم من إباحة القتال إباحة القتل؛ لأن باب المفاعلة يستلزم وقوع الفعل من الجانبين، ولا كذلك القتل، فافهم.
٩ - (ومنها): اشتراط التلفّظ بكلمتي الشهادتين في الحكم بالإسلام، وأنه لا يكفّ عن القتال إلا النطق بهما.
١٠ - (ومنها): أن من أتى بالشهادتين، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وإن كان لا يؤاخذ لكونه معصومًا، لكنه يؤاخذ بحقّ من حقوق الإسلام، من نحو قصاص، أو
стр. 931
حدّ، أو غرامة مُتْلَف، أو نحو ذلك.
١١ - (ومنها): وجوب قتال الكفار إذا أطاقه المسلمون حتى يُسلموا، أو يُعطوا الجزية إن كانوا من أهلها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٧٢ - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الحُمِيدِ بْنُ بَهْرَامَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُّوا الزَّكَاةَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ) المذكور في السند الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقد بن عثمان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الله الفِرْيابيّ -بكسر الفاء، وسكون الراء، بعدها تحتانيّة، وبعد الألف موحّدة- نزيل قَيْسَارِيَة من ساحل الشام، ثقة فاضل، يقال: أخطأ في حديث الثوريّ، وهو مقدّم فيه مع ذلك عندهم على عبد الرزّاق [٩].
أدرك الأعمش، ورَوَى عن فِطْر بن خَليفة، وإبراهيم بن أبي عَبْلة، والأوزاعي، وجرير بن حازم، ونافع مولى ابن عمر، ومالك بن مِغْوَل، ويونس بن أبي إسحاق، والثوريّ، وعبد الحميد بن بَهْرَام، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاري، وروى هو والباقون عنه بواسطة أحمد بن حنبل، وإسحاق الكوسج، ومحمد بن يحيى، وعبد الوهاب بن نَجْدة، ومحمود بن خالد السُّلَميّ، والوليد ابن عتبة الدمشقي، ومحمد بن عوف الطائي، وأبو الأزهر، وغيرهم.
قال حرب عن أحمد: الفريابي سمع من سفيان بالكوفة، وصحبه، وكتبت أنا عنه بمكة. وقال الفضل بن زياد عن أحمد: كان رجلًا صالحًا. وقال أبو عمير بن النحاس:
стр. 932
سألت ابن معين، قلت: أيهما أحب إليك، كتاب الفريابي، أو كتاب قبيصة؟ قال: كتاب الفريابي، وقال العجلي: الفريابي ثقة، وهو ويحيى بن آدم، والزبيري، وقبيصة، ومعاوية ثقات، ووكيع، وأبو نعيم، والأشجعي، والقطان، وابن مهدي أثبت في حديث سفيان منهم.
وقال أبو بِشْر الدُّولابي عن البخاري: ثنا محمد بن يوسف، وكان من أفضل أهل زمانه. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن الفريابي، ويحيى بن يمان، فقال: الفريابي أحب إلي. قال: وسألت أبي عن الفريابي، فقال: صدوق ثقة. وقال محمد بن عبد الملك بن زَنْجويه: ما رأيت أورع من الفريابي. وقال السُّلَمِيّ: سألت الدارقطني، إذا اجتمع قبيصة والفريابي من تقدم منهما؟ قال: الفريابيّ؟ لفضله ونُسُكه. وقال محمد بن سهل بن عسكر: خرجنا مع الفريابي للاستسقاء، فرفع يديه، فما أرسلهما حتى مُطِرنا. وقال البخاري: رأيت قومًا دخلوا على الفريابي، فقيل له: يا أبا عبد الله، إن هؤلاء مُرْجئة، فقال: أخرجوهم، فتابوا ورجعوا.
قال الفريابي: وُلِدت سنة عشرين ومائة. وقال أبو زرعة: نُعِي إلينا سنة اثنتي عشرة ومائتين. وفيها أَرَّخه البخاري، وغير واحد، وزاد بعضهم: في ربيع الأول.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا.
٣ - (عَبْدُ الحمِيدِ بْنُ بَهْرَامَ) الْفَزَاريّ المدائنيّ، صدوقٌ [٦].
رَوَى عن شهر بن حوشب، وعن عاصم الأحول حديثًا واحدًا، وروى عن عكرمة. وروى عنه ابن المبارك، ووكيع، ورَوْح بن عبادة، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، وعبد الله بن رجاء الغداني، ومحمد بن يوسف الفريابي، وغيرهم.
قال علي بن حفص المدائني: سألت شعبة عنه، فقال: صدوق، إلا أنه يُحَدِّث عن شهر بن حوشب. وقال أبو موسى: ما سمعت يحيى، ولا عبد الرحمن يحدثان عن عبد الحميد شيئًا قط. وقال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد: من أراد حديث شهر بن حوشب، فعليه بعبد الحميد، قال ابن المديني: وهو ثقة عندنا، وإنما كان يروي عن شهر
стр. 933
من كتابٍ عنده. وقال أبو طالب عن أحمد: حديثه عن شهر مقارب، كان يحفظها، وهي سبعون حديثًا.
وقال حرب عن أحمد: ثقة، كان يكون بالمدائن. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال أبو داود: ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: هو في شهر كالليث في سعيد المقبري، قلت: ما تقول فيه؟ قال: ليس به بأس، أحاديثه عن شهر صحاح، لا أعلم رَوَى عن شهر أحاديث أحسن منها، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: لا، ولا بحديث شهر، ولكن يُكتب حديثه. وقال صالح بن محمد الأسدي: ليس بشيء، يروي عن شهر صحيفة منكرة. وقال النسائي: ليس به بأس.
وقال ابن عدي: هو في نفسه لا بأس به، وإنما عابوا عليه كثرة رواياته عن شهر، وشهر ضعيف. قال الخطيب: الحمل في الصحيفة التي ذكر صالح على شهر، لا على عبد الحميد. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُعتَبر حديثه، إذا روى عن الثقات. وقال البزار: روى عنه جماعة من أهل العلم، واحتملوا حديثه. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح المصري: عبد الحميد بن بهرام ثقة، يعجبني حديثه، أحاديثه عن شهر صحيحة. وقال الساجي: صدوقٌ يَهِم.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٧٢) و (٢٤٣٨) "تُوفّي ودرعه مرهونة ... ".
٤ - (شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ) الأشعريّ، أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو الجعد الشاميّ، مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، صدوقٌ، كثير الإرسال والأوهام [٣].
قال يعقوب بن شيبة: قيل لابن المديني: ترضى حديث شهر؟ فقال: أنا أُحَدِّث عنه. وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وأنا لا أدع حديث الرجل إلا أن يجتمع عليه يحيى وعبد الرحمن على تركه. وقال حرب بن إسماعيل عن أحمد: ما أحسن حديثه، ووثقه، وأظنه قال: هو كنديّ، وروى عن أسماء أحاديث حسانًا. وقال أبو طالب عن أحمد:
стр. 934
عبد الحميد بن بَهْرام أحاديثه مقاربة، هي أحاديث شهر كان يحفظها، كأنه يقرأ سورة من القرآن. وقال حنبل عن أحمد: ليس به بأس. وقال عثمان الدارمي: بلغني أن أحمد كان يُثني على شهر.
وقال الترمذي: قال أحمد: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر. وقال الترمذي عن البخاري: شهر حسن الحديث، وقَوَّى أمره. وقال ابن أبي خيثمة، ومعاوية بن صالح، عن ابن معين: ثقة. وقال عباس الدُّوري، عن ابن معين: ثبت. وقال العجلي: شامي تابعيّ ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، على أن بعضهم قد طَعَن فيه. وقال يعقوب بن سفيان: وشهر -وإن قال ابن عون: نزكوه- فهو ثقة. وقال ابن عمار: روى عنه الناس، وما أعلم أحدًا قال فيه غير شعبة، قيل: يكون حديثه حجة؟ قال: لا.
وقال أبو زرعة: لا بأس به، ولم يلق عمرو بن عَبَسَة. وقال أبو حاتم: شهر أحب إلي من أبي هارون، وبشر بن حرب، ولا يحتج به. وقال صالح بن محمد: شهر شاميّ، قَدِم العراق، روى عنه الناس، ولم يوقف منه على كذب، وكان يَتَنَسَّك، إلا أنه روى أحاديث ينفرد بها، لم يشاركه فيها أحد، وروى عنه عبد الحميد بن بَهْرام أحاديث طوالا عجائب، ويروي عن النبي ﷺ أحاديث في القراءات، لا يأتي بها غيره. وقال أبو جعفر الطبري: كان فقيهًا، قارئًا، عالما. وقال أبو بكر البزار: لا نعلم أحدًا ترك الرواية عنه غير شعبة، ولم يسمع من معاذ بن جبل.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد ذكرت في "شرح مقدّمة صحيح مسلم" ما قيل فيه من الطعن، وأمعنت في الجواب عن ذلك، وقلت: الحقّ أن شهرًا ﵀ حسن الحديث، كما قال الحافظ الناقد الذهبيّ ﵀، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
قال البخاري وغير واحد: مات سنة مائة. وقال يحيى بن بكير: مات سنة (١١١). وقال الواقدي: مات سنة (١٢). أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في "صحيح مسلم" حديث واحد برقم ٣٨٢١ حديث: "الكمأة من
стр. 935
المنّ ... " الحديث.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم حديثًا واحدًا كما سبق آنفًا، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٢٦) حديثًا.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ) بفتح الغين المعجمة، وسكون النون الأشعريّ، مختلف في صحبته، وذكره العجليّ في كبار ثقات التابعين [٢] تقدم في ٨/ ٥٥.
٦ - (مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الخزرجي الصحابيّ المشهور ﵁ تقدم في ٨/ ٥٥. وشرح الحديث، ومسائله المتعلّقة به تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث معاذ بن جبل ﵁ هذا حديث حسن؛ لأن شهر بن حوشب حديثه حسنٌ، كما حقّقناه في ترجمته آنفًا، فما قاله بشار عوّاد من أنه ضعيف بسبب شهر فليس كما ينبغي، فتفطّن.
وقال البوصيريّ ﵀: هذا إسناد حسن. انتهى، وهو مما تفرّد به المصنف عن أصحاب الأصول، وقد رواه الدارقطني من هذا الوجه، ورواه الشيخان من حديث ابن الخطاب ﵁، وقد تقدّم أنه متواتر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
٧٣ - وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الرَّازِيُّ، أنبَأَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ اللَّيْثِيُّ، حَدَّثَنَا نِزَارُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لُهَما في الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ: أَهْلُ الْإِرْجَاءِ، وَأَهْلُ الْقَدَرِ").
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث تقدّم برقم (٦٢) من حديث ابن عبّاس ﵄ فقط، ورجاله تقدّموا سوى:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الرَّازِيُّ) هو: محمد بن إسماعيل بن أبي ضِرَار -بكسر
стр. 936
الضاد المعجمة، وتخفيف الراء- الضِّرَاريّ، أبو صالح الرازيّ، صدوق [١١].
روى عن يونس بن محمد المؤدب، ويعلى بن عبيد، وعبد الرزاق، وعبيد الله بن موسى، وعبد الله بن يزيد القري، وأبي نعيم، والفريابي، وغيرهم.
وروى عنه ابن ماجه، وأبو حاتم، وقال: صدوق، وأبو بِشْر الدُّولابيّ، وأبو جعفر محمد بن جرير الطبري، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث عليّ ﵁ رقم (١٢٠) "أنا عبد الله، وأخو رسوله، وأنا الصديق ... " الحديث.
٢ - (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن مسلم البغداديّ، أبو محمد الحافظ المؤدّب، ثقة ثبتٌ، من صغار [٩].
روى عن داود بن أبي الفُرَات، وصالح المرّيّ، ونافع بن عمر الْجُمَحيّ، وفُليح، والحمادين، وحرب بن ميمون، وسلام بن أبي مطيع، وأبي أويس، والليث بن سعد، وعبد الواحد بن زياد، وشريك القاضي، ومعتمر بن سليمان، وغيرهم.
وروى عنه ابنه إبراهيم، وأحمد، وعلي بن المديني، وابنا أبي شيبة، وعبد الله المُسْنَديّ، وأبو خيثمة، وحجاج بن الشاعر، ومجاهد بن موسى، وغيرهم.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في صفر سنة سبع ومائتين.
وكذا قال أبو حسان الزِّيَادي. وقال خليفة، وابن سعد، ومُطَيَّن، وغيرهما: مات سنة ثمان.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا.
٣ - (عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ اللَّيْثِيُّ) مجهول [٧].
روى عن نِزَار بن حَيّان. وروى عنه يونس بن محمد المؤدب رَوَى له ابن ماجه في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
وأما جابر ﵁ تقدّم ١/ ١١، وكذا شرح الحديث تقدّم برقم (٦٢) وتقدّم أنه حديث ضعيف بهذا السند، لكنه حسنٌ من حديث أنس ﵁، راجع ما كتبته في المسألة الأولى من مسائل الحديث المتقدّم بالرقم المذكور، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
стр. 937
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٧٤ - (حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْبُخَارِيُّ، سَعِيدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ- عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: "الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ").
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الأثر والذي بعده ليسا من رواية ابن ماجه، وإنما هما من زيادات أبي الحسن القطّان، كما نبّه عليه الحافظ المزيّ في "تهذيب الكمال" ١٠/ ٤٦٠، و"تحفة الأشراف" ٥/ ٢٢١ و ٨/ ٢٣١ و ١٠/ ٣١٨، ونصّه في "تهذيب الكمال":
قال في "الأصل" يعني "الكمال في أسماء الرجال": سعيد بن سعد، أبو عثمان البخاري، رَوَى عنه ابن ماجه، وهو مما زاده أبو موسى عبد الله بن الحافظ عبد الغني ﵀، وذكره الحافظ، أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسيّ، فيما استدركه على صاحب "الشيوخ النّبَل"، وقال: رَوَى عنه ابن ماجه في "السنن" في الجزء الأول حديثين موقوفين، والصواب في ذلك مع صاحب "النبل" حيث لم يذكره، فإنه من زيادات أبي الحسن بن سلمة الراوي عن ابن ماجه، كما تقدم بيانه، ولكنه وقع في بعض النسخ مُدْرجًا في الأصل، غير مُمَيَّز، فظنه بعض الكتبة من شيوخ ابن ماجه فكتبه، ولم يذكر أبا الحسن بن سلمة في أوله، ومن أدل دليل على صحة ما قلناه أنه ليس له ذكر في رواية إبراهيم بن دينار، عن ابن ماجه، ولو كان من أصل التصنيف لذكره إبراهيم بن دينار، كما ذكر غيره، فلما سَقَطَ من رواية ابن دينار، ولم يذكر أحد من المتقدمين أن ابن ماجه رَوَى عنه، وذكروا أن أبا الحسن بن سلمة رَوَى عنه، ووجدنا لأبي الحسن عدة أحاديث، قد زادها عن مشايخه، عَلِمنا أن هذا مما زاده. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ المزيّ ﵀، وهو كلام وجيهٌ، أقرّه الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" ٢/ ٢١ و"النكت الظراف" في هامش "تحفة الأشراف" ٥/ ٢٢١ و ٨/ ٢٣١ و ١٠/ ٣١٨.
والحاصل أن الأثرين من ليسا من أصل "سنن ابن ماجه" بل هما من زيادات أبي
стр. 938
الحسن القطّان، فليُتَنَبَّه، والله تعالى أعلم.
ورجال هذا الأثر: سبعة:
١ - (أَبُو عُثْمَانَ الْبُخَارِيُّ، سَعِيدُ بْنُ سَعْدٍ) بن أيوب، نزيل الريّ، صدوق [١١].
روى عن عبد الله بن مسلمة الْقَعنبيّ، وعبد الرحمن بن شَرِيك بن عبد الله النخعي، وعمرو بن مرزوق، وأبي نُعيم الفضل بن دكين، وأبي غَسَّان، مالك بن إسماعيل النَّهْدي، ومحمد بن رُوَين، ومِخْوَل بن إبراهيم، ومسلم بن إبراهيم، وأبي حُذيفة، موسى بن مسعود، والهيثم بن خارجة.
وروى عنه عبد الرحمن بن أبي حاتم، وأبو الحسن، علي بن إبراهيم بن سَلَمة القطان، صاحب ابن ماجه.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كان صدوقًا، وذكره الحافظ أبو يعلى الخليلي الْقَزويني في مشايخ أبي الحسن بن سلمة، وقال: له معرفة بالحديث، مات قبل أبي حاتم بأشهر. انتهى (١).
وله في هذا الكتاب هذا الأثر فقط من زيادات أبي الحسن ابن القطّان، كما سبق بيانه.
٢ - (الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ) الخراساني الحافظ، أبو أحمد، ويقال: أبو يحيى الْمَرْوَزِيُّ، نزيل بغداد، صدوقٌ، من كبار [١٠].
روى عن مالك، والليث، وحفص بن ميسرة، وخلف بن خليفة، وإبراهيم بن أدهم، وإسماعيل بن عياش، والجرّاح بن مَلِيح، ورشدين بن سعد، وغيرهم.
وروى عنه البخاري، وروى له النسائي، وابن ماجه بواسطة عمرو بن منصور النسائي، ومحمد بن يحيى الذهلي، وحدث عنه أحمد بن حنبل، وابنه عبد الله بن أحمد، ومحمد بن إسحاق الصغاني، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعبيد الله بن سعد الزهري،
стр. 939
وعباس الدُّوري، وموسى بن هارون، وغيرهم.
قال صالح بن محمد: سمعت هشام بن عمار يقول: كنا نسميه شُعبة الصغير، قال صالح: وكان أحمد يُثني عليه، وكان يتزهد، وكان سيء الْخُلُق مع أصحاب الحديث. وقال عبد الله بن أحمد: كان أبي إذا رَضِي عن إنسان، وكان عنده ثقة حدث عنه، وهو حَيّ، فحدثنا عن الهيثم بن خارجة وهو حي. وقال معاوية بن صالح: قال لي أحمد: اكتُبْ عنه. وقال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن قانع ثقة. وقال الخليلي: ثقة متفق عليه.
وقال البخاري: مات في ذي الحجة سنة سبع وعشرين ومائتين. وفيها أَرَّخَه غير واحد. وقال محمد بن إسحاق السَّرّاج عن حاتم بن الليث الجوهري، وإسماعيل بن أبي الحارث: رأينا الهيثم بن خارجة أبيض الرأس واللحية، ومات ببغداد في المحرم سنة ثمان وعشرين.
قال الحافظ: لعله مات في آخر يوم من ذي الحجة، وكان ذلك اليوم هو أول المحرم، فإن ابن أبي خيثمة قال في "تاريخه": مات في آخر ذي الحجة سنة سبع.
تفرّد به البخاريّ، والنسائيّ، والمصنّف، وله عنده حديث واحد يأتي برقم (١٢٢١) فقط، وهو حديث عائشة ﵂، مرفوعًا: "من أصابه قيء، أو رُعاف، أو قَلَس، أو مذي، فلينصرف، وليتوضأ" الحديث (١). وأما هذا الأثر فإنه من زيادات أبي الحسن القطّان، وليس من رواية المصنّف، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنَ عَيَّاشٍ) بن سُلَيم الْعَنْسيّ -بالنون- أبو عُتْبة الحمصيّ، صدوق في روايته عن أهل بلده، مُخَلِّطٌ في غيرهم [٨].
стр. 940
روى عن محمد بن زياد الأَلْهَانيّ، وصفوان بن عمرو، وضَمْضَم بن زُرْعة، وعبد الرحمن بن جُبير بن نُفَير، والأوزاعيّ، وهشام بن الغاز، وغيرهم.
وروى عنه محمد بن إسحاق، والثوريّ، والأعمش، والليث بن سعد، وبقيّة، والوليد بن مسلم، ومعتمر بن سليمان، وغيرهم.
قال عباس الدُّوري: سمعت يحيى بن معين يقول: إسماعيل بن عياش ثقة، وكان أحب إلى أهل الشام من بقية. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: هو ثقة، والعراقيون يكرهون حديثه. قيل ليحيى: أيما أثبت، بقيّة، أو إسماعيل؟ قال: صالحان. وقال البخاريّ: ما روى عن الشاميين أصح.
وقال عمرو بن عليّ: إذا حدث عن أهل بلاده فصحيح، وإذا حدث عن أهل المدينة، مثل هشام بن عروة، ويحيى بن سعيد، وسهيل بن أبي صالح، فليس بشيء. وقال يعقوب بن سفيان: كنت أسمع أصحابنا يقولون: علم الشام عند إسماعيل بن عياش، والوليد بن مسلم. قال يعقوب: وتكلم قوم في إسماعيل، وهو ثقة، عدل، أعلم الناس بحديث الشام، ولا يدفعه دافع، وأكثر ما تكلموا، قالوا: يُغْرِب عن ثقات المكيين والمدنيين. وقال يحيى بن معين: إسماعيل ثقة فيما روى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز، فإن كتابه ضاع، فخلط في حفظه عنهم. وقال أبو حاتم: هو لين، يكتب حديثه، ولا أعلم أحدا كَفّ عنه، إلا أبا إسحاق الفزاريّ. وقال الترمذيّ: قال أحمد: هو أصلح من بقية، فإن لبقية أحاديث مناكير.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أشبعت الكلام في ترجمة إسماعيل بن عيّاش هذا في "شرح مقدّمة صحيح مسلم"، وأن أعدل الأقوال فيه أنه حجة في أحاديث الشاميين، وأما أحاديث الحجازيين، والعراقين، فليس فيها بحجة، والله تعالى أعلم.
قال محمد بن عون: كان مولده سنة (١٠٢). وقال بقية: وُلد سنة (٥). وقال زيد ابن عبد ربه: وُلد سنة (٦)، وكذا قال ابن عيينة، وأحمد بن حنبل، وقال أحمد وجماعة: مات سنة (١٨١). وقال محمد بن سعد، وخليفة، وأبو عبيد: مات سنة (٨٢).
стр. 941
أخرج له البخاريّ في "جزء رفع اليدين"، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٤٧) حديثًا.
٤ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ) بن جبر المكيّ المخزوميّ مولاهم، متروك، وكذّبه الثوريّ [٧].
روى عن أبيه، وعطاء، وروى عنه إسماعيل بن عياش، وبكر ابن الشَّرُود الصنعاني، وسُليم بن مسلم المكي، وعبد الرزاق، وعبد الوهاب الثقفي، وعبد الوهاب الْخَفّاف، والمعلى بن هلال، وعثمان بن الهيثم.
كذبه سفيان الثوريّ. وقال وكيع: كانوا يقولون: إنه لم يسمع من أبيه. وقال أحمد: ليس بشيء، ضعيف الحديث. وقال الجوزجانيّ: غير مُقْنِع. وقال ابن معين، وأبو حاتم: ضعيف. وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يُتَابَع عليه. وقال المِزّيّ: لم أقف على رواية ابن ماجه له.
قال الحافظ: هي موجودة في بعض النسخ في كتاب "السنة".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قال الحافظ في "التهذيب" ٢/ ٦٤٠، وهو سهو منه، فإنه قد سبق أن وافق المزّيّ في كون هذا الأثر من زيادات أبي الحسن القطان، لا من رواية المصنّف، فكان عليه أن ينبّه على ذلك هنا، والله تعالى أعلم.
وقال علي بن المدينيّ، ويحيى بن معين: لا يُكتَب حديثه، وليس بشيء. وذكره يعقوب بن سفيان في "باب من يُرغَب عن الرواية عنهم". وقال الدارقطني: ليس بشيء ضعيف. وقال الأزدي: لا تحل الرواية عنه. وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث.
وقال الحاكم: روى أحاديث موضوعة. وقال ابن الجوزي: أجمعوا على ترك حديثه.
وليس له في الكتب الستة شيء، إلا هذا الأثر هنا من زيادات ابن القطّان.
٥ - (مُجَاهِدٍ) بن جَبْر -بفتح الجيم، وسكون الموحّدة- أبو الحجّاج المخزوميّ مولاهم المكيّ، المقريء، مولى السائب بن أبي السائب، ثقة، إمام في التفسير، وفي العلم [٣].
стр. 942
روى عن علي، وسعد بن أبي وقاص، والعبادلة الأربعة، ورافع بن خَديج، وأسيد بن ظهير، وأبي سعيد الخدري، وعائشة، وأم سلمة، وجويرية بنت الحارث، وأبي هريرة، وأم هاني بنت أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وخلق كثير.
وروى عنه أيوب السختياني، وعطاء، وعكرمة، وابن عون، وعمرو بن دينار، وفطر بن خليفة، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو الزبير المكي، ويونس بن أبي إسحاق، وقتادة، وعبيد الله بن أبي يزيد، وأبان بن صالح، وبكير بن الأخنس، وحبيب بن أبي ثابت، والحسن بن عمرو الفقيمي، والحسن بن مسلم بن يناق، وخلق كثير.
قال عبد السلام بن حرب، عن مصعب: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد، وبالحج عطاء. وقال الفضل بن ميمون: سمعت مجاهدا يقول: عَرَضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وقال أبو نعيم: قال يحيى القطان: مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء، وكذا قال الآجري عن أبي داود. وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال الثوري عن سلمة بن كهيل: ما رأيت أحدًا أراد بهذا العلم وجه الله تعالى إلا عطاء، وطاوسًا، ومجاهدًا. وقال الأعمش عن مجاهد: لو كنت قرأت على قراءة ابن مسعود، لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن.
وعن مجاهد قال: قرأت القرآن على ابن عباس ثلاث عَرَضَات، أقف عند كل آية أسأله فيم نزلت؟، وكيف كانت؟. وقال إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد: قال: ربما آخُذُ لابن عمر بالركاب. وقال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد. وقال أبو بكر بن عياش: قلت للأعمش: ما لهم يقولون: تفسير مجاهد؟ قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب. وقال علي بن المديني: لا أُنكر أن يكون مجاهد لَقِي جماعة من الصحابة، وقد سمع من عائشة. انتهى. لكن وقع التصريح بسماعه منها في "صحيح البخاريّ". وقال ابن سعد: كان ثقة فقيهًا عالمًا، كثير الحديث. وقال ابن حبان: كان فقيهًا ورعًا عابدًا متقنًا. وقال أبو جعفر الطبري: كان قارئًا عالمًا. وقال العجلي: مكي تابعيّ ثقة. وقال الذهبي في آخر ترجمته: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد، والاحتجاج به.
стр. 943
قال الهيثم بن عدي: مات سنة مائة. وقال يحيى بن بكير: مات سنة إحدى، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة. وقال أبو نعيم: مات سنة اثنتين. وقال سعيد بن عفير وأحمد: مات سنة ثلاث. وقال ابن حبان: مات بمكة سنة اثنتين أو ثلاث ومائة، وهو ساجد، وكان مولده سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر. وقال يحيى القطان: مات سنة أربع ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٦) حديثًا، منها للمصنّف (٤٥)، وواحد لأبي الحسن القطّان، وهو هذا الأثر. والله تعالى أعلم.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله البحر الحبر ﵄ تقدم في ٣/ ٢٧.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم في ١/ ١، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الأثر مما انفرد به المصنّف، أخرجه هنا بهذا السند، وبالسند التالي، وهو ضعيف؛ لأن في سنده عبد الوهّاب بن مجاهد، وهو متروك، بل كذّبه الثوريّ، وهو من رواية إسماعيل بن عيّاش، وهو ضعيف في الحجازيين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٧٥ - (حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمانَ الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنِ الْحَارِثِ، أَظُنَّهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: "الْإِيمَانُ يَزْدَادُ وَيَنْقُصُ").
رجال هذا الأثر: سبعة:
تقدّموا في السند الماضي، سوى ثلاثة:
١ - (حريز -بفتح الحاء المهملة، وكسر الراء، آخره زاي- ابن عثمان) بن جَبْر بن أبي أحمر بن أسعد، الرَّحَبيّ -بفتح الراء، والحاء المهملة، بعدها موحّدة- ورحبة في حمير، أبو عثمان، ويقال: أبو عون الحمصيّ، قَدِم بغداد زَمَنَ المهدي، ثقة ثبتٌ، رُمي بالنصب [٥].
روى عن عبد الله بن بسر المازني الصحابي، وحبيب بن عبيد، وحِبّان بن زيد،
стр. 944
وخالد بن مَعْدان، وأزهر بن راشد، وحبيب بن صالح، وغيرهم.
وروى عنه ثور بن يزيد الرحبي، والوليد بن مسلم، وإسماعيل بن عياش، وبقية، وعيسى بن يونس، ويحيى بن سعيد القطان، ويزيد بن هارون، وغيرهم.
قال معاذ بن معاذ: حدثنا حريز بن عثمان، ولا أعلم أني رأيت بالشام أحدًا أُفَضِّله عليه. وقال الآجري عن أبي داود: شيوخ حريز كلهم ثقات. قال: وسألت أحمد ابن حنبل عنه، فقال: ثقة ثقة. وقال أيضًا: ليس بالشام أثبت من حريز، إلا أن يكون بَحِير. وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: حريز، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وابن أبي مريم، هؤلاء ثقات. وقال ابن المديني: لم يزل من أدركناه من أصحابنا يوثقونه. وقال دُحَيم: حمصي جيد الإسناد، صحيح الحديث. وقال أيضًا: ثقة. وقال المفضل بن غَسّان: ثبت. وقال أحمد بن أبي يحيى عن أحمد: حريز صحيح الحديث، إلا أنه يَحمِل على عليّ.
قال يزيد بن عبد ربه: مولده سنة (٨) ومات سنة (١٦٣). وقال محمد بن مصفى: مات سنة (٢) وقال غيره سنة (٨) والأول أصح.
أخرج له البخاري حديثان فقط، والباقون سوى مسلم، وذكر اللالكائي أن مسلمًا رَوَى له، وذلك وَهَمٌ منه (١). وله عند المصنّف أربعة أحاديث، برقم ٤٤٢ و ٤٥٧ و ١٦٠٤ و ٢٧٠٧. وهذا الأثر من زيادات أبي الحسن القطّان. والله أعلم.
٢ - (الحارث) لم أعرفه.
٣ - (أبو الدرداء) هو: عُويمر بن مالك، وقيل: ابن عامر، وقيل: غير ذلك الصحابيّ الشهير ﵁، تقدّم في ١/ ٥.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الأثر ضعيف كسابقه؛ لأن شيخ حَرِيز لم يُعرف، وفيه انقطاع؛ لأن مجاهدًا لا يُمكن أن يسمع من أبي الدرداء؛ لأن المشهور أنه
стр. 945
مات بالشام سنة (٣٢) ومجاهد وُلد سنة (٢١)(١) في خلافة عمر ﵁، وهو مكيّ، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: هذان الأثرن، وإن قلنا بضعفهما بسبب ضعف إسناديهما، لكنهما ثابتان عن السلف ﵃، فإنهم كانوا يقولون: الإيمان يزيد وينقص، وقد ساق الحافظ أبو القاسم اللالكائيّ ﵀ في كتابه "أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" الآيات والأحاديث التي تدلّ على أن الإيمان يزيد وينقص، وما روي عن الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، فقال:
ما دَلَّ أو فُسّر من الآيات من كتاب الله، وسنّة رسول الله ﷺ ، وما روي عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء أئمة الدين أن الإيمان يزيد بالطاعة، ويَنقُص بالمعصية.
فأما من نصّ كتاب الله، فقوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ الآيتين [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. وقال ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]. وقال: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]. وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقال: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. قال: يزداد إيماني.
وقال النبيّ ﷺ : "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" (٢). وفي حديث الشفاعة: "أخرجوا من كان في قلبه حبّة خردل من إيمان" (٣). "ولا يدخل النار من كان في قلبه
стр. 946
مثقال حبة من خردل من إيمان" (١)، "والإيمان بضع وسبعون شعبة" (٢).
وبه قال من الصحابة:
عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وابن عباس، وابن عمر، وعمّار، وأبو هريرة، وحُذيفة، وسلمان، وعبد الله بن رواحة، وأبو أمامة، وجندب بن عبد الله البجليّ، وعمير بن خماشة، وعائشة ﵃.
ومن التابعين:
كعب الأحبار، وعروة بن الزبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وابن مليكة (٣)،
وميمون بن مِهْران، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، والحسن، والزهريّ، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، ويونس، وابن عون، وسليمان التيميّ، وإبراهيم النخعيّ، وأبو البختريّ، سعيد بن فيروز، وعبد الكريم بن مالك الجزريّ، وزُبيد بن الحارث، والأعمش، ومنصور، والحكم، وحمزة الزيات، وهشام بن حسّان، ومَعْقِل بن عبد الله الجزريّ.
ومن الفقهاء:
مالك بن أنس، والأوزاعيّ، وسفيان الثوريّ، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وابن جريج، وسفيان بن عيينة، والفضيل بن عياض، ونافع بن عمرو، ومحمد بن مسلم الطائفيّ، والشافعيّ، وسعيد بن عبد العزيز، ومحمد بن أبي ليلى، وشريك بن عبد الله، والحسين (٤) بن صالح بن حيّ، ومعمر، ومالك بن مِغْوَل، ومفضّل بن مهَلْهَل، وأبو إسحاق الفزاريّ، وزائدة، وجرير بن عبد الحميد، وأبو شهاب عبد ربه بن نافع، وأبو
стр. 947
زُبيد عبثر بن القاسم، والمثنّى بن الصبّاح.
ومن الطبقة الثالثة من البصريين:
حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ويحيى بن سعيد القطّان، وعبد الرحمن بن مهديّ، وعبد الوهاب الثقفيّ، وابن المبارك، ووكيع.
وممن يليهم:
أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، ومحمد بن إسماعيل البخاريّ، وعبد الله بن عبد الرحمن السَّمَرْقنديّ، ومحمد بن يحيى الذهليّ، ومحمد بن أسلم الطوسيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود السجستانيّ. انتهى كلام اللالكائيّ ﵀ باختصار (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ في "العقيدة الواسطيّة": ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب، واللسان، والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة، ويَنقُص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يُكفّرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج، بل الأُخُوّة الإيمانيِّة ثابتة مع المعاصي، كما قال : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الآية [الحجرات: ٩]، ولا يسلبون الفاسق الإسلام بالكلية، ولا يُخلّدونه في النار، كما تقول المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية [النساء: ٩٢]، وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق، كما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن ... " الحديث، ونقول هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، فلا يُعطى الاسم المطلق، ولا يُسلب مطلق الاسم. انتهى
стр. 948
كلامه (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن مذهب أهل السنة والجماعة، الذي جاءت النصوص من الكتاب والسنة على وفقه أن الإيمان قول وفعل، ويزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وأن ما خالف هذا المذهب فهو ضلال مبين، فاحذر منه، تسلم، وتغنم، والله تعالى وليّ التوفيق، وهو الهادي لأقوم طريق.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 949
١٠ - (بابٌ في القَدَرِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنّف بهذا الباب إثبات القدر، وبيان وجوب الإيمان به.
مسائل تتعلّق بهذه الترجمة:
(المسألة الأولى): في ضبط القدر، وبيان معناه:
(اعلم): أن "القدَر" -بفتحتين، أو بفتح فسكون-: القضاء والحكم، وهو ما يُقَدِّرُهُ الله ، من القضاء، ويَحكُم به من الأمور. وقال اللحيانيّ: القدَر -أي بفتحتين- الاسم، والقَدْر -أي بفتح، فسكون- المصدر، وأنشد [من الخفيف]:
كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى أخِيكَ مَتَاعٌ ... وَبِقَدْرٍ تَفَرُّقٌ وَاجْتِمَاعُ
وأنشد في المفتوح [من الكامل]:
قَدَرٌ أَحَلَّكَ ذَا النَّخِيلِ وَقَدْ أَرَى ... وَأَبِيكَ مَا لَكَ ذُو النَّخِيلِ بِدَارِ
قال ابن سِيدَهْ: هكذا أنشده بالفتح، والوزن يَقبَل الحركة والسكون. ذكره في "اللسان" (١).
وقال ابن الأثير: وقد تكرّر ذكر "القدر" في الحديث، وهو عبارة عما قضاه الله، وحكم به من الأمور، وهو مصدرُ قَدَرَ يَقْدِرُ قَدَرًا، وقد تُسكّن داله. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": "القدر": مصدرٌ، تقول: قَدَرتُ الشيءَ -بتخفيف الدال، وفتحها- أقدِرُهُ -بالكسر، والفتح- قَدَرًا وقَدْرًا: إذا أحطت بمقداره. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، قال الراغب: القدر بوضعه يدل على القدرة، وعلى المقدور الكائن بالعلم، ويَتَضَمَّن الإرادة عقلا والقول نقلا وحاصله وجود شيء في وقت وعلى حال بوفق العلم والإرادة والقول، وقَدَّر الله الشيءَ
стр. 950
بالتشديد: قضاه، ويجوز بالتخفيف. وقال ابن القطاع: قدر الله الشيءَ: جعله بقَدَر، والرزقَ صنعه، وعلى الشيء ملكه.
وقال الكرماني: المراد بالقدر حكم الله، قال العلماء: القضاء: هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله (١).
والمراد أن الله تعالى عَلِمَ مقادير الأشياء، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجَدُ، فكل مُحدَث صادر عن علمه وقدرته وإرادته، هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية، وعليه كان السلف من الصحابة، وخيار التابعين، إلى أن حَدَثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة.
وقد روى مسلم القصة في ذلك من طريق كهمس، عن ابن بُرَيدة، عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة مَعْبَدٌ الجهني، قال: فانطلقت أنا وحميد الحميري، فذكر اجتماعهما بعبد الله بن عمر، وأنه سأله عن ذلك، فأخبره بأنه برىء ممن يقول ذلك، وأن الله لا يقبل ممن لم يؤمن بالقدر عَمَلًا. وقد حَكَى المصَنِّفون في المقالات عن طوائف من القدرية إنكار كون البارىء عالمًا بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يَعلَمها بعد كونها.
قال القرطبي وغيره: قد انقرض هذا المذهب، ولا نَعرِف أحدًا يُنسَب إليه من المتأخرين، قال: والقدرية اليوم مُطبِقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم، وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أخفّ من المذهب الأول، وأما المتأخرون منهم، فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد فرارًا من تعلق القديم بالمحدث، وهم مخصومون بما قال الشافعي: إن سَلَّمَ القدري العلم خُصِمَ -يعني يقال له: أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم، فإن مَنَعَ وافق قول أهل السنة، وإن أجاز لزمه نسبة الجهل