← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

مثقال حبة من خردل من إيمان" (١)، "والإيمان بضع وسبعون شعبة" (٢). وبه قال من الصحابة: عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وابن عباس، وابن عمر، وعمّار، وأبو هريرة، وحُذيفة، وسلمان، وعبد الله بن رواحة، وأبو أمامة، وجندب بن عبد الله البجليّ، وعمير بن خماشة، وعائشة ﵃. ومن التابعين: كعب الأحبار، وعروة بن الزبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وابن مليكة (٣)، وميمون بن مِهْران، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، والحسن، والزهريّ، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، ويونس، وابن عون، وسليمان التيميّ، وإبراهيم النخعيّ، وأبو البختريّ، سعيد بن فيروز، وعبد الكريم بن مالك الجزريّ، وزُبيد بن الحارث، والأعمش، ومنصور، والحكم، وحمزة الزيات، وهشام بن حسّان، ومَعْقِل بن عبد الله الجزريّ. ومن الفقهاء: مالك بن أنس، والأوزاعيّ، وسفيان الثوريّ، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وابن جريج، وسفيان بن عيينة، والفضيل بن عياض، ونافع بن عمرو، ومحمد بن مسلم الطائفيّ، والشافعيّ، وسعيد بن عبد العزيز، ومحمد بن أبي ليلى، وشريك بن عبد الله، والحسين (٤) بن صالح بن حيّ، ومعمر، ومالك بن مِغْوَل، ومفضّل بن مهَلْهَل، وأبو إسحاق الفزاريّ، وزائدة، وجرير بن عبد الحميد، وأبو شهاب عبد ربه بن نافع، وأبو

стр. 947

زُبيد عبثر بن القاسم، والمثنّى بن الصبّاح. ومن الطبقة الثالثة من البصريين: حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ويحيى بن سعيد القطّان، وعبد الرحمن بن مهديّ، وعبد الوهاب الثقفيّ، وابن المبارك، ووكيع. وممن يليهم: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، ومحمد بن إسماعيل البخاريّ، وعبد الله بن عبد الرحمن السَّمَرْقنديّ، ومحمد بن يحيى الذهليّ، ومحمد بن أسلم الطوسيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود السجستانيّ. انتهى كلام اللالكائيّ ﵀ باختصار (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ في "العقيدة الواسطيّة": ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب، واللسان، والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة، ويَنقُص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يُكفّرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج، بل الأُخُوّة الإيمانيِّة ثابتة مع المعاصي، كما قال : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الآية [الحجرات: ٩]، ولا يسلبون الفاسق الإسلام بالكلية، ولا يُخلّدونه في النار، كما تقول المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية [النساء: ٩٢]، وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق، كما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن ... " الحديث، ونقول هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، فلا يُعطى الاسم المطلق، ولا يُسلب مطلق الاسم. انتهى

стр. 948

كلامه (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن مذهب أهل السنة والجماعة، الذي جاءت النصوص من الكتاب والسنة على وفقه أن الإيمان قول وفعل، ويزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وأن ما خالف هذا المذهب فهو ضلال مبين، فاحذر منه، تسلم، وتغنم، والله تعالى وليّ التوفيق، وهو الهادي لأقوم طريق. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 949

١٠ - (بابٌ في القَدَرِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنّف بهذا الباب إثبات القدر، وبيان وجوب الإيمان به. مسائل تتعلّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): في ضبط القدر، وبيان معناه: (اعلم): أن "القدَر" -بفتحتين، أو بفتح فسكون-: القضاء والحكم، وهو ما يُقَدِّرُهُ الله ، من القضاء، ويَحكُم به من الأمور. وقال اللحيانيّ: القدَر -أي بفتحتين- الاسم، والقَدْر -أي بفتح، فسكون- المصدر، وأنشد [من الخفيف]: كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى أخِيكَ مَتَاعٌ ... وَبِقَدْرٍ تَفَرُّقٌ وَاجْتِمَاعُ وأنشد في المفتوح [من الكامل]: قَدَرٌ أَحَلَّكَ ذَا النَّخِيلِ وَقَدْ أَرَى ... وَأَبِيكَ مَا لَكَ ذُو النَّخِيلِ بِدَارِ قال ابن سِيدَهْ: هكذا أنشده بالفتح، والوزن يَقبَل الحركة والسكون. ذكره في "اللسان" (١). وقال ابن الأثير: وقد تكرّر ذكر "القدر" في الحديث، وهو عبارة عما قضاه الله، وحكم به من الأمور، وهو مصدرُ قَدَرَ يَقْدِرُ قَدَرًا، وقد تُسكّن داله. انتهى (٢). وقال في "الفتح": "القدر": مصدرٌ، تقول: قَدَرتُ الشيءَ -بتخفيف الدال، وفتحها- أقدِرُهُ -بالكسر، والفتح- قَدَرًا وقَدْرًا: إذا أحطت بمقداره. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، قال الراغب: القدر بوضعه يدل على القدرة، وعلى المقدور الكائن بالعلم، ويَتَضَمَّن الإرادة عقلا والقول نقلا وحاصله وجود شيء في وقت وعلى حال بوفق العلم والإرادة والقول، وقَدَّر الله الشيءَ

стр. 950

بالتشديد: قضاه، ويجوز بالتخفيف. وقال ابن القطاع: قدر الله الشيءَ: جعله بقَدَر، والرزقَ صنعه، وعلى الشيء ملكه. وقال الكرماني: المراد بالقدر حكم الله، قال العلماء: القضاء: هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله (١). والمراد أن الله تعالى عَلِمَ مقادير الأشياء، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجَدُ، فكل مُحدَث صادر عن علمه وقدرته وإرادته، هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية، وعليه كان السلف من الصحابة، وخيار التابعين، إلى أن حَدَثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة. وقد روى مسلم القصة في ذلك من طريق كهمس، عن ابن بُرَيدة، عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة مَعْبَدٌ الجهني، قال: فانطلقت أنا وحميد الحميري، فذكر اجتماعهما بعبد الله بن عمر، وأنه سأله عن ذلك، فأخبره بأنه برىء ممن يقول ذلك، وأن الله لا يقبل ممن لم يؤمن بالقدر عَمَلًا. وقد حَكَى المصَنِّفون في المقالات عن طوائف من القدرية إنكار كون البارىء عالمًا بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يَعلَمها بعد كونها. قال القرطبي وغيره: قد انقرض هذا المذهب، ولا نَعرِف أحدًا يُنسَب إليه من المتأخرين، قال: والقدرية اليوم مُطبِقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم، وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أخفّ من المذهب الأول، وأما المتأخرون منهم، فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد فرارًا من تعلق القديم بالمحدث، وهم مخصومون بما قال الشافعي: إن سَلَّمَ القدري العلم خُصِمَ -يعني يقال له: أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم، فإن مَنَعَ وافق قول أهل السنة، وإن أجاز لزمه نسبة الجهل

стр. 951

تعالى الله عن ذلك (١). وقال أبو المظفر بن السمعاني: سبيلُ معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة، دون محض القياس والعقل، فمن عَدَل عن التوقيف فيه ضَلَّ، وتاه في بحار الْحَيْرة لم يبلغ شفاء العين، ولا ما يطمئن به القلب؛ لأن القدر سر من أسرار الله تعالى، اختَصَّ العليم الخبير به، وضرب دونه الأستار، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم؛ لما عَلِمَه من الحكمة، فلم يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب. وقيل: إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف لهم قبل دخولها. انتهى. وقد أخرج الطبراني بسند حسن من حديث ابن مسعود ﵁ رفعه: "إذا ذُكِر القدر فأمسكوا". وأخرج مسلم من طريق طاوس: "أدركت ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: "كلُّ شيء بقدر". وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "كلُّ شيء بقدر، حتى العجز والكيس". قال الحافظ ﵀: و"الْكَيْسُ" -بفتح الكاف-: ضد العجز، ومعناه: الْحِذْق في الأمور، ويتناول أمور الدنيا والآخرة، ومعناه: أن كل شيء لا يقع في الوجود إلا وقد سبق به علم الله ومشيئته، وإنما جعلهما في الحديث غايةً لذلك؛ للإشارة إلى أن أفعالنا، وإن كانت معلومة لنا، ومرادةَ منا فلا تقع مع ذلك منا إلا بمشيئة الله. وهذا الذي ذكره طاوس مرفوعا وموقوفا مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، فإن هذه الآية نص في أن الله خالق كل شيء، ومُقَدِّره، وهو أنصّ من قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. واشتهر على ألسنة السلف والخلف أن هذه الآية نزلت في القدرية. وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: "جاء مشركو قريش يخاصمون النبي ﷺ في القدر،

стр. 952

فنزلت. قال: ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] انتهى (١) .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): قسم شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ القدريّة ثلاثة أقسام: (القسم الأول): القدريّة المشركة، وهم الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي، وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٨]، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [النحل: ٣٥]، ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ الآية [الزخرف: ٢٠]. فهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع، والأمر والنهي، مع الاعتراف بالربوبيّة العامّة لكل مخلوق، وأنه ما من دائة إلا ربي آخذ بناصيتها، وهو الذي يُبتَلَى به كثيرًا، إما اعتقادًا، وإما حالًا طوائفُ من الصوفيّة والفقراء حتى يخرج من يخرج منهم إلى الإباحة للمحرّمات، وإسقاط الواجبات، ورفع العقوبات، وإن كان ذلك لا يستتبّ لهم، وإنما يفعلونه عند موافقة أهوائهم، كفعل المشركين من العرب. ثم إذا خولف هوى أحد منهم قام في دفع ذلك متعدّيًا للحدود، غير واقف عند حدّ، كما كان يفعل المشركون أيضًا؛ إذ هذه الطريقة تتناقض عند تعارض إرادات البشر، فهذا يريد أمرًا، والآخر يريد ضدّه، وكلّ من الإرادتين مقدّرة، فلا بدّ من ترجيح إحداهما أو غيرهما، أو كلّ منهما من وجه، وإلا لزم الفساد. وقد يغلوا أصحاب هذا الطريق حتى يجعلوا عين الموجودات هي الله، ويتمسّكون بموافقة الإرادة القدرية في السيئات الواقعة منهم ومن غيرهم، كقول الحريريّ: أنا كافر برب يُعصى، وقول بعض أصحابه لما دعاه مكّاس، فقيل له: هو مكّاس، فقال: إن كان قد عصى الأمر فقد أطاع الإرادة، وكقول ابن إسرائيل:

стр. 953

أَصْبَحْتُ مُنْفَعِلًا لِمَا يَخْتَارُهُ ... مِنِّي فَفِعلي كُلُّهُ طَاعَةُ وقد يسمّون هذا حقيقةً باعتبار أنه حقيقة الربوبية، والحقيقة الموجودة الكائنة، أو الحقيقة الخبريّة، ولمّا كان في هؤلاء شَوْبٌ من النصارى، والنصارى لهم شوبٌ من الشرك تابعوا المشركين فيما كانوا عليه من التمسّك بالقدر المخالف للشرع، هذا مع أنهم يعبدون غير الله الذي قدّر الكائنات كما أن هؤلاء فيهم شوب من ذلك. وإذا اتسع زنادقتهم الذين هم رؤساؤهم قالوا: ما نعبد إلا الله؛ إذ لا موجود غيره، وقال رئيس لهم: إنما كفر النصارى لأنهم خصّصوا، فيشرعون عبادة كل موجود بهذا الاعتبار، ويقررون ما كان عليه المشركون من عبادة الأوثان والأحجار، لكنهم يستقصرونهم حيث خصّصوا العبادة ببعض المظاهر والأعيان. ومعلوم أن هذا حاصل في جميع المشركين، فإنهم متفنّنون في الآلهة التي يعبدونها، وإن اشتركوا في الشرك، هذا يعبد الشمس، وهذا يعبد القمر، وهذا يعبد اللات، وهذا يعبد العزى، وهذا يعبد مناة الثالثة الأخرى، فكل منهم يتخذ إلهه هواه، ويعبد ما يستحسن، وكذلك في عبادة قبور البشر كلّ يعلق على تمثال من أحسن به الظنّ. (القسم الثاني القدرية المجوسيّة) الذين يجعلون لله شركاء في خلقه، كما جعل الأولون شركاء في عبادته، فيقولون: خالق الخير غير خالق الشرّ، ويقول من كان منهم في ملّتنا: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله تعالى، وربّما قالوا: ولا يعلمها أيضًا، ويقولون: إن جميع أفعال الحيوان واقع بغير قدرته، ولا صنعه، فيجحدون مشيئته النافذة، وقدرته الشاملة، ولهذا قال ابن عبّاس: القدر نظام التوحيد، فمن وحّد الله، وآمن بالقدر تمّ توحيده، ومن وحّد الله، وكذّب بالقدر نقض تكذيبه قدره. ويزعمون أن هذا هو العدل، ويضمون إلى ذلك سلب الصفات، ويسمّونه التوحيد، كما يسمّى الأولون التلحيد التوحيد، فيُلحِد كلّ منهما في أسمائه وصفاته، وهذا يقع كثيرًا، إما اعتقادًا، وإما حالًا في كثير من المتفقّهة والمتكلّمة، كما وقع اعتقاد

стр. 954

ذلك في المعتزلة والشيعة المتأخرين، وابتُلي ببعض ذلك طوائف من المتقدّمين من البصريين والشاميين، وقد يُبتلى به حالًا، لا اعتقادًا بعض من يغلب عليه تعظيم الأمر والنهي من غير ملاحظة للقضاء والقدر. ولِمَا بين الطائفتين من التنافي تجد المعتزلة أبعد الناس عن الصوفيّة، ويميلون إلى اليهوديّة، وينفرون عن النصارى، ويجعلون إثبات الصفات هو قول النصارى بالأقانيم، ولهذا تجدهم يذمّون النصارى أكثر، كما يفعل الجاحظ وغيره، كما أن الأولين يميلون إلى النصارى أكثر. ولهذا كان هؤلاء في الحروف، والكلام المبتدع، كما كان الأولون في الأصوات، والعمل المبتدع، كما اقتسم ذلك اليهود والنصارى، واليهود غالبهم قدرية بهذا الاعتبار، فإنهم أصحاب شريعة، وهم معرضون عن الحقيقة القدريّة، ولهذا تجد أرباب الحروف والكلام المبتدع كالمعتزلة يوجبون طريقتهم، ويحرمون ما سواها، ويعتقدون أن العقوبة الشديدة لا حقة من خالفها، حتى إنهم يقولون بتخليد فسّاق أهل الملل، ويكفّرون من خرج عنهم من فرق الأمة، وهذا التشديد، والآصار، والأغلال شبه دين اليهود. وتجد أرباب الصوت والعمل المبتدع لا يوجبون، ولا يحرّمون، وإنما يستحبّون، ويَكرهون، فيعظّمون طريقهم، ويفضلونه، ويرغّبون فيه، حتى يرفعوه فوق قدره بدرجات، فطريقهم رغبة بلا رهبة إلا قليلًا، كما أن الأول رهبةٌ في الغالب برغبة يسيرة، وهذا يُشبه ما عليه النصارى من الغلوّ في العبادات التي يفعلونها مع انحلالهم من الإيجاب والاستحباب، لكنهم يتعبّدون بعبادات كثيرة، ويبقون أزمانًا كثيرةً على سبيل الاستحباب، والفلاسفة يغلب عليهم هذا الطريق، كما أن المتكلّمين يغلب عليهم الطريق الأول. (القسم الثالث القدريّة الإبليسيّة): الذين صدّقوا بأن الله صدر عنه الأمران، لكن عندهم تناقض، وهم خصماء الله، كما جاء في الحديث، وهؤلاء كثير في أهل

стр. 955

الأقوال والأفعال، من سفهاء الشعراء، ونحوهم من الزنادقة. قال: فتدبّر كيف كانت الملل الصحيحة الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى، والصابئون ليس فيها في الأصل قدريّة، وإنما حدثت القدريّة من الملّتين الباطلتين: المجوس، والذين أشركوا. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀ (١)، وهو كلام نفيس، وبحثٌ أنيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): قد أجاد شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في الردّ على أحد علماء الذميين، حيث أورد أبياتًا فيها استشكالات في القدر، فقال [من الطويل]: أيَا عُلَمَاءَ الدِّينِ ذِمِّيُّ دينكم ... تَحَيَّرَ دُلُّوهُ بِأَوْضَح حُجَّةِ إِذَا مَا قَضَى رَبِّي بِكُفْرِي بِزَعْمِكُمْ ... وَلَمْ يَرْضَهُ مِنِّي فَمَا وَجْهُ حِيلَتِي دَعَانِي وَسَدَّ الْبَابَ عَنِّي فَهَلْ إِلَى ... دُخُولِي سبِيلٌ بَيِّنُوا لِي قَضِيَّتِي قَضَى بِضَلَالِي ثُمَّ قَالَ ارْضَ بِالْقَضَا ... فَمَا أَنَا رَاضٍ بِالَّذِي فِيهِ شِقْوَتِي فَإِنْ كنْتُ بِالمقْضِيِّ يَا قَوْمُ رَاضِيًا ... فَرَبِّيَ لَا يَرْضَى بِشُؤْمِ بَلِيَّتِي فَهَلْ لِي رِضًا مَا لَيْسَ يَرْضَاهُ سَيِّدِي ... فَقَدْ حِرْتُ دُلُّونِي عَلَى كشْفِ حَيْرَتِي إِذَا شَاءَ رَبِّي الْكُفْرَ مِنِّي مَشِيئَةً ... فَهَلْ أَنَا عَاصٍ في اتِّبَاع الْمَشِيئَةِ؟ وَهَلْ لِي اخْتِيَارٌ أَنْ أُخَالِفَ حُكْمَهُ؟ ... فِبِاللَّه فَاشْفُوا بِالْبَرَاهِينِ غُلَّتِي فأجاب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مرتجلًا، فقال: سُؤَالُكَ يَا هَذَا سُؤَالُ مُعَانِدٍ ... مُخَاصِمِ رَبِّ الْعَرْشِ بَارِي الْبَرِيَّةِ فَهَذَا سُؤَالٌ خَاصَمَ الْمَلأَ الأَعْلَى ... قَدِيمًا بِهِ إِبْلِيسُ أَصْلُ الْبَلِيَّةِ وَمَنْ يَكُ خَصْمًا للمهيمن يَرْجِعَنْ ... عَلَى أُمِّ رَأْسٍ هَاوِيًا في الْحفِيرَةِ وَيُدْعَى خُصُومُ اللَّه يَوْمَ مَعَادِهِمْ ... إِلَى النَّارِ طُرًّا مَعْشَرُ الْقَدَرِيَّة

стр. 956

سَوَاءٌ نَفَوْهُ أَوْ سَعَوْا لِيُخَاصِمُوا ... بِهِ اللَّهَ أَوْ مَا رَوْا بِهِ لِلشَّرِيعَة وَأَصْلُ ضَلَالِ الخُلْقِ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ... هُوَ الْحَوْضُ في فِعْلِ الإِلَهِ بِعِلَّةِ فَإِنَّهُمُوا لَمْ يَفْهَمُوا حِكْمَةً لَهُ ... فَصَارُوا عَلَى نَوْع مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ جَمِيعَ الْكَوْنِ أَوْجَبَ فِعْلَهُ ... مَشِيئَةُ رَبِّ الْخَلْقِ بَارِي الخُلِيقَةِ وَذَاتُ إِلَهِ الْخَلْقِ وَاجِبَة بِمَا ... لهَا مِنْ صِفَاتِ وَاجِبَاتٍ قَدِيمَةِ مَشِيئَتُهُ مَعْ عِلْمِهِ ثُمَّ قُدْرَةٍ ... لَوَازِمُ ذَاتِ اللَّه قَاضِي الْقَضِيَّةِ وَإِبْدَاعُهُ مَا شَاءَ مِنْ مُبْدَعَاتِهِ ... بِهَا حِكْمَةٌ فِيهِ وَأَنْوَاعُ رَحْمَةِ وَلَسْنَا إِذَا قُلْنَا جَرَتْ بِمَشِيئَةٍ ... مِنَ المُنْكِرِي آيَاتِهِ المُسْتَقِيمَةِ بَلِ الحقُّ أَنَّ الْحُكْمَ للَّه وَحْدَهُ ... لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ الَّذِي في الشَّرِيعَةِ هُوَ الْمَلِكُ الْمَحْمُودُ في كُلِّ حَالَةٍ ... لَهُ الْمُلْكُ مِنْ غَيْرِ انْتِقَاصٍ بِشِرْكَةِ فَمَا شَاءَ مَوْلانَا الإِلَهُ فَإِنَّهُ ... يَكُونُ وَمَا لَا لَا يَكُونُ بِحِيلَةِ وَقُدْرَتُهُ لَا نَقْصَ فِيهَا وَحُكْمُهُ ... يَعُمُّ فَلا تَخْصِيصَ في ذِي الْقَضِيِّةِ أُرِيدُ بِذَا أَنَّ الحوَادِثَ كُلَّهَا ... بِقُدْرَتِهِ كَانَتْ وَمَحْضِ الْمَشِيئَةِ وَمَالِكُنَا في كلِّ مَا قَدْ أَرَادَهُ ... لَهُ الْحَمْدُ حَمْدًا يَعْتَلي كُلَّ مِدْحَةِ فَإِنَّ لَهُ في الْخَلْقِ رَحْمَتُهُ سَرَتْ ... وَمِنْ حِكَمِ فَوْقَ الْعُقُولِ الْحَكِيمَةِ أُمُورًا يَحَارُ الْعَقْلُ فِيهَا إِذَا رَأَى ... مِنَ الْحِكَم الْعُلْيَا وَكُلِّ عَجِيبَةِ فَنُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ بِقُدْرَةٍ ... وَخَلْقٍ وَإِبْرَامِ لحُكْمِ المَشِيئَةِ فَنُثْبِتُ هَذَا كُلَّهُ لإِلَهِنَا ... وَنُثْبِتُ مَا في ذَاكَ مِنْ كُلِّ حِكْمَةِ وَهَذَا مَقَامٌ طَالمَا عَجَزَ الأُولَى ... نَفَوْهُ وَكَرُّوا رَاجِعِين بِحَيْرَةِ وَتَحْقِيقُ مَا فِيهِ بِتَبْيِينِ غَوْرِهِ ... وَتَحْرِيرِ حَقِّ الْحَقِّ في ذِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْمَطْلَبُ الأَقْصَى لِوُرَّادِ بَحْرِهِ ... وَذَا عَسِرٌ في نَظْم هَذِي الْقَصِيدَةِ

стр. 957

لحِاجَتِهِ إِلَى بَيَانٍ مُحَقِّقٍ ... لأَوْصَافِ مَوْلانَا الإِلَهِ الْكَرِيمَة وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَأَحْكَامِ دِينِهِ ... وَأَفْعَالِهِ في كُلِّ هَذِي الخَلِيقَةِ وَهَذَا بِحَمْدِ اللَّه قَدْ بَانَ ظَاهِرًا ... وَإِلْهَامُهُ لِلْخَلْقِ أَفْضَلُ نِعْمَةِ وَقَدْ قِيلَ في هَذَا وَخَطِّ كتَابِهِ ... بَيَانُ شِفَاءٍ للنُّفُوسِ السَّقِيمَةِ فَقَوْلُكَ لمْ قَدْ شَاءَ مِثْلُ سُؤَالِ مَنْ ... يَقُولُ فَلِمْ قَدْ كَانَ في الأَزَليَّةِ وَذَاكَ سُؤَالٌ يُبْطِلُ الْعَقْلُ وَجْهَهُ ... وَتَحْرِيمُهُ قَدْ جَاءَ في كُلِّ شِرْعَةِ وفِي الْكَوْنِ تَخْصِيصٌ كَثِيرٌ يَدُلُّ من ... لَهُ نَوْعُ عَقْلٍ أَنَّهُ بِإِرَادَةِ وَإِصْدَارُهُ عَنْ وَاحِدٍ بَعْدَ وَاحِدٍ ... أَوْ الْقَول بِالتَّجْوِيزِ رَمْيَةُ حَيْرَةِ وَلَا ريْبَ في تَعْلِيقِ كُلِّ مُسَبَّبٍ ... بَما قَبْلَهُ مِنْ عِلَّةٍ مُوجِبَيَّةِ بَلُ الشَّأْنُ في الأَسْبَابِ أَسْبَابِ مَا تَرَى ... وَإِصْدَارُهَا عَنْ حُكْمِ مَحْضِ الْمَشِيئَة وَقَوْلُكَ لِم شَاءَ الإِلَهُ هُوَ الَّذِي ... أَزَلَّ عُقُولَ الخَلْقِ في قَعْرِ حُفْرَةِ فَإِنَّ الْمَجُوسَ الْقَائِلِينَ بِخَالِقٍ ... لِنَفْعِ وَرَبِّ مُبْدِعِ لِلْمَضَرَّةِ سُؤَالهُمُ عَنْ عِلَّةِ السِّرِّ أَوْقَعَتْ ... أَوَائِلَهُمْ في شُبْهَةِ الثَّنَوِيَّةِ وَإِنَّ مَلَاحِيدَ الْفَلَاسِفَةِ الأُولَى ... يَقُولُونَ بِالْفِعْلِ الْقَدِيمِ لِعِلَّةِ بَغَوْا عِلَّة لِلْكَوْنِ بَعْدَ انْعِدَامِهِ ... فَلَمْ يَجِدُوا ذَاكُمْ فَضَلُّوا بِضِلَّةِ وَإِنَّ مَبَادِي الشَّرِّ في كُلِّ أُمَّةِ ... ذَوِي مِلَّةِ مَيْمُونَةٍ نَبَويَّةِ بَخَوْضِهِمُ في ذَاكُمُ صَارَ شِرْكهُمْ ... وَجَاءَ دُرُوسُ الْبَيِّنَاتِ بِفَتْرَةِ وَيَكْفِيكَ نَقْضًا أَنَّ مَا قَدْ سَأَلْته ... مِنَ الْعُذْرِ مَرْدُودٌ لَدَى كُلِّ فِطْرَةِ فَأنْتَ تَعِيبُ الطَّاغِينَ جَمِيعَهُمْ ... عَلَيْكَ وَتَرْمِيهِمْ بِكُلِّ مَذَمَّةِ وَتَنْحَلُ مَنْ وَالَاكَ صَفْوَ مَوَدَّةٍ ... وَتُبْغِضُ مَنْ نَاواكَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةِ وَحَالهُمُ في كُلِّ قَوْلٍ وِفَعْلَةٍ ... كَحَالِكَ يَا هَذَا بِأَرْجَح حُجَّةِ

стр. 958

وَهَبْكَ كفَفْتَ اللَّوْمَ عَنْ كُلِّ كَافِرٍ ... وَكُلِّ غَوِيٍّ خَارِج عَنْ مَحَجَّةِ فَيَلْزَمُكَ الإِعْرَاضُ عَنْ كُلِّ ظَالِم ... عَلَى النَّاسِ في نَفْسٍ وَمَالٍ وَحُرْمَةِ وَلَا تُبْغِضَنْ يَوْمًا عَلَى سَافِكٍ دَمَا ... وَلَا سَارِقٍ مَالًا لِصَاحِبِ فَاقَةِ وَلَا شَاتِمِ عِرْضًا مَصُونًا وَإِنْ عَلَا ... وَلَا نَاكِح فَرْجًا عَلَى وَجْهِ غَيَّةِ وَلَا قَاطِع لِلنَّاسِ نَهْجَ سَبِيلِهِمْ ... وَلَا مُفْسِدٍ في الأَرْضِ في كُلِّ وِجْهَةِ وَلَا شَاهِدٍ بِالزُّورِ إِفْكًا وَفِرْيَةً ... وَلَا قَاذِفٍ لِلْمُحْصَنَاتِ بِزَنْيَةِ وَلَا مُهْلِكٍ لِلْحَرْثِ وَالنَّسْلِ عَامِدًا ... وَلَا حَاكِمِ لِلْعَالمَينَ بِرِشْوَةِ وَكُفَّ لِسَانَ اللَّوْمِ عَنْ كُلِّ مُفْسِدٍ ... وَلَا تَأْخُذَنْ ذَا جَرْمَةٍ بِعُقُوبَةِ وَسَهِّلْ سَبِيلَ الْكَاذِبِينَ تَعَمُّدًا ... عَلَى رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ جَاءٍ بِفِرْيَةِ وَإِنْ قَصَدُوا إِضْلَالَ مَنْ يَسْتَجِيبُهُمْ ... بِرَوْمِ فَسَادِ النَّوْع ثُمَّ الرِّيَاسَةِ وَجَادِلْ عَنِ الْمَلْعُونِ فِرْعَوْنَ إِذْ طَغَى ... فَأُغْرِقَ في الْيَمِّ انْتِقَامًا بِغَضْبَةِ وَكُلِّ كَفُورٍ مُشْرِكٍ بِإِلَهِهِ ... وَآخَرَ طَاغِ كَافِرٍ بِنُبُوَّةِ كَعَادٍ وَنُمْرُوذٍ وَقَوْمِ لِصَالِح ... وَقَوْمِ لِنُوح ثُمَّ أَصْحَاب الأَيْكَةِ وَخَاصِمْ لِمُوسَى ثُمَّ سَائِرِ مَنْ أَتَى ... مِنَ الأَنبِيَاءِ مُحْيِيًا لِلشَّرِيعَةِ عَلَى كَوْنِهِمْ قَدْ جَاهَدُوا النَّاسَ إِذْ بَغَوْا ... وَنَالُوا مِنَ الْعَاصِي بَلِيغَ الْعُقُوبَةِ وَإِلَّا فَكُلُّ الْخَلْقِ في كُلِّ لَفْظَةٍ ... وَلَحْظَةِ عَيْنٍ أَوْ تَحَرُّكِ شَعْرَةِ وَبَطْشَةَ كَفٍّ أَوْ تخَطِّي قُدَيْمَةٍ ... وَكُلِّ حِرَاكٍ بَلْ وَكُلِّ لسَكِينَةِ هُمُ تَحْتَ أَقْدَارِ الإِلَهِ وَحُكْمِهِ ... كَمَا أَنْتَ فِيمَا قَدْ أَتَيْتَ بحُجَّةِ وَهَبْكَ رَفَعْتَ اللَّوْمَ عَنْ كُلِّ فَاعِلٍ ... فِعَالِ رَدًى طَرْدًا لهِذِي الْمَقِيسَةِ فَهَلْ ممكن رَفْعُ الْمُلَامِ جَمِيعِهِ ... عَنِ النَّاسِ طُرًّا عِنْدَ كُلِّ قَبِيحَةِ وَتَرْكُ عُقُوبَاتِ الَّذِينَ قَدِ اعْتَدَوْا ... وَتَرْكُ الْوَرَى الإِنْصَافَ بَيْنَ الرَّعِيَّةِ

стр. 959

فَلَا تُضْمَنَنْ نَفْسٌ وَمَالٌ بِمِثْلِهِ ... وَلَا يُعْقَبَنْ عَادٍ بِمِثْلِ الْجَرِيمَةِ وَهَلْ في عُقُولِ النَّاسِ أَوْ في طِبَاعِهِمْ ... قَبُولٌ لِقَوْلِ النَّذْلِ (١) مَا وَجْهُ حِيلَتِي وَيَكْفِيكَ نَقْضًا مَا بِجِسْمِ ابْنِ آدَمِ ... صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَكُلِّ بَهِيمَةِ مِنَ الأَلم الْمَقْضِيِّ في غَيْرِ حِيلَةٍ ... وَفِيمَا يَشَاءُ اللَّهُ أَكْمَلُ حِكْمَةِ إِذَا كَانَ في هَذَا لَهُ حِكْمَةٌ فَمَا ... يُظَنُّ بِخَلْقِ الْفِعْلِ ثُمَّ الْعُقُوبَةِ وَكَيْفَ وَمِنْ هَذَا عَذَابٌ مُوَلَّدٌ ... عَنِ الْفِعْلِ فِعْلِ الْعَبْدِ عِنْدَ الطَّبِيعَةِ كَآكِلِ سُمٍّ أَوْجَبَ الْمَوْتَ أَكْلُهُ ... وَكُلٌّ بِتَقْدِيرٍ لِرَبِّ الْبَرِيَّةِ فَكُفْرُكَ يَا هَذَا كَسُمٍّ أَكَلْتَهُ ... وَتَعْذِيبُ نَارٍ مِثْلُ جُرْعَةِ غُصَّةِ أَلسْتَ تَرَى في هَذِهِ الدَّارِ مَنْ جَنَى ... يُعَاقَبُ إِمَّا بِالْقَضَا أَوْ بِشِرْعَةِ وَلَا عُذْرَ لِلْجَانِي بِتَقْديرِ خَالِقٍ ... كَذَلِكَ في الأُخرَى بِلَا مَثْنَوِيَّةِ وَتَقْدِيرُ رَبِّ الْخَلْقِ لِلذَّنْبِ مُوجِبٌ ... لِتَقْدِيرِ عُقْبَى الذَّنْبِ إِلَّا بتَوْبَةِ وَمَا كَانَ مِنْ جِنْسِ المتَابِ لِرَفْعِهِ ... عَوَاقِبَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ الخَبِيثَةِ كَخَيْرٍ تُمْحَى بِهِ الذُّنُوبُ وَدَعْوَةٍ ... تُجَابُ مِنَ الجَانِي وَرُبَّ شَفَاعَةِ وَقَوْلُ حَلِيفِ الشِّرِّ إِنِّي مُقَدَّرٌ ... عَلَيَّ كَقَوْلِ الذِّئْبِ هَذِي طَبِيعَتِي وَتَقْدِيرُهُ لِلْفِعْلِ يَجْلُبُ نِقْمَةً ... كتَقْدِيرِهِ الأَشْيَاءَ طُرًّا بِعِلَّةِ فَهَلْ يَنْفَعَنْ عُذْرُ الْمَلُومِ بِأَنَّهُ ... كَذَا طَبْعُهُ أَمْ هَلْ يُقَالُ لِعْثْرَةِ أَمِ الذَّمُّ وَالتَّعْذِيبُ أَوْكَدُ لِلَّذِي ... طَبِيعَتُهُ فِعْلُ الشُّرُورِ الشَّنِيعَةِ فَإِنْ كُنْتَ تَرْجُو أَنْ تُجَابَ بِما عَسَى ... يُنَجِّيكَ مِنْ نَارِ الإِلَهِ الْعَظِيمَةِ فَدُونَكَ رَبَّ الخَلْقِ فَاقْصِدْهُ ضَارِعًا ... مُرِيدًا لأَنْ يَهْدِيكَ نَحْوَ الْحَقِيقَةِ وَذَلِّلْ قِيَاد النَّفْسِ لِلْحَقِّ وَاسْمَعَنْ ... وَلَا تُعْرِضَنْ عَنْ فِكْرَةٍ مُسْتَقِيمَةِ

стр. 960

وَمَا بَانَ مِنْ حَقٍّ فَلَا تَتْرُكنَّهُ ... وَلَا تَعْصِ مَنْ يَدْعُو لأَقْوَمِ شِرْعَةِ وَدَعْ دِينَ ذَا الْعَادَاتِ لَا تَتْبَعَنَّهُ ... وَعُجْ عَنْ سَبِيلِ الأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ وَمَنْ ضَلَّ عَنْ حَقٍّ فَلَا تَقْفُوَنَّهُ ... وَزِنْ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ بِالْمَعْدِلِيَّةِ هُنَالِكَ تَبْدُو طَالِعَاتٌ مِنَ الْهُدَى ... تُبَشِّرُ مَنْ قَدْ جَاءَ بِالْحَنِيفِيَّةِ بِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ذَاكَ إِمَامُنَا ... وَدينِ رَسُولِ اللهِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ فَلَا يَقْبَلُ الرَّحْمَنُ دِينًا سِوَى الَّذِي ... بِهِ جَاءَتِ الرُّسْلُ الْكِرَامُ السَّجِيَّةِ وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْحَاشِرُ الْخَاتِمُ الَّذِي ... حَوَى كُلَّ خَيْرٍ في عُمُومِ الرِّسَالَةِ وَأَخْبَرَ عَنْ رَبِّ الْعِبَادِ بِأَنَّ مَنْ ... غَدَا عَنْهُ في الأُخْرَى بِأَقْبَح خَيْبَةِ فَهَذِي دَلَالَاتُ الْعِبَادِ لِحَائِرٍ ... وَأَمَّا هُدَاهُ فَهْوَ فِعْلُ الرُّبُوبَةِ وَفَقْدُ الْهُدَى عِنْدَ الْوَرَى لَا يُفِيدُ مَنْ ... غَدا عَنْهُ بَلْ يُجْزَى بِلَا وَجْهِ حُجَّةِ وَحُجَّةُ مُحْتَجٍّ بِتَقْدِيرِ رَبِّهِ ... تَزِيدُ عَذَابًا كَاحْتِجَاجِ مَرِيضَةِ وَأَمَّا رِضَانَا بِالْقَضَاءِ فَإِنَّمَا ... أُمِرْنَا بِأَنْ نَرْضَى بِمِثْلِ المُصِيبَةِ كَسُقْمِ وَفَقْرٍ ثُمَّ ذُلٍّ وَغُرْبَةٍ ... وَمَا كَانَ مِنْ مُؤْذٍ بِدُونِ جَرِيمَةِ فَأَمَّا الأَفَاعِيلُ الَّتِي كُرِهَتْ لنَا ... فَلَا نَرْتَضِي مَسْخُوطَةً لمِشِيئَةِ وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أُولِي الْعِلْم لَا رِضَا ... بِفِعْلِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ الْكَبِيرَةِ وَقَالَ فَرِيقٌ نَرْتَضِي بِقَضَائِهِ ... وَلَا نَرْتَضِي المقْضِيَّ أَقْبَحِ خَصْلَةِ وَقَالَ فَرِيقٌ نَرْتَضِي بِإِضَافَةٍ ... إِلَيْهِ وَمَا فِينَا فَنَلْقَى بِسَخْطَةِ كَمَا أَنَّهَا لِلرَّبِّ خَلْقٌ وَأَنَّهَا ... لمِخْلُوقِهِ لَيْسَتْ كَفِعْلِ الْغَرِيزَةِ فَنَرْضَى مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ خَلْقُهُ ... وَنَسْخَطُ مِنْ وَجْهِ اكْتِسَابِ الْخَطِيئَةِ وَمَعْصِيَةُ الْعَبْدِ المكَلَّفِ تَرْكُهُ ... لِمَا أَمَرَ الْمَوْلَى وِإِنْ بِمَشِيئَةِ فَإِنَّ إِلَهَ الْخَلْقِ حَقٌّ مَقَالُهُ ... بِأَنَّ الْعِبَادَ في جَحِيمِ وَجَنَّةِ

стр. 961

كَمَا أَنَّهُمْ في هَذِهِ الدَّارِ هَكَذَا ... بَلِ الْبُهْمُ في الآلَام أَيْضًا وَنِعْمَةِ وَحِكْمَتُهُ الْعُلْيَا اقْتَضتْ مَا اقْتَضَتْ مِنَ ... فِرُوقِ بِعِلْم ثُمَّ أَيْدٍ وَرَحْمَةِ يَسُوقُ أُولِي التَّعْذِيبِ بِالسَّبَبِ الَّذِي ... يُقَدِّرُهُ نَحْوَ الْعَذَابِ بِعِزَّةِ وَيَهْدِي أُولِي التَّنْعِيم نَحْوَ نَعِيمِهِمْ ... بِأَعمالِ صِدْقٍ في رَجَاءٍ وَخَشْيَةِ وَأَمْرُ إِلَهِ الْخَلْقِ بَيَّنَ مَا بِهِ ... يَسُوقُ أُولِي التَّنْعِيمِ نَحْوَ السَّعَادَةِ فَمَنْ كانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ أَثَّرَتْ ... أَوَامِرُهُ فِيهِ بِتَيْسِيرِ صَنْعَةِ وَمَنْ كانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ لَمْ يَنَلْ ... بِأَمْرٍ وَلَا نَهْي بِتَقْدِيرِ شِقْوَةِ وَلَا مَخْرَجٌ لِلْعَبْدِ عَمَّا بِهِ قَضَى ... وَلَكِنَّهُ مُخْتارُ حُسْنٍ وَسَوْأَةِ فَلَيْسَ بِمَجْبُورٍ عَدِيمِ الإِرَادَةِ ... وَلَكِنَّهُ شَاءٍ بخَلْقِ الإِرَادَةِ وَمِنْ أَعْجَبِ الأَشْيَاءِ خَلْقُ مَشِيئَةٍ ... بَهَا صَارَ مُخْتَارَ الْهُدَى بِالضَّلَالَةِ فَقَوْلُكَ هَلْ أَخْتَارُ تَرْكًا لحِكْمَةٍ ... كَقَوْلكَ هَلْ أَخْتَارُ تَرْكَ الْمَشِيئَةِ وَأَخْتَارُ أَنْ لا اخْتَارَ فِعْلَ ضَلَالَةٍ ... وَلَوْ نِلْتُ هَذَا التَّرْكَ فُزْتُ بتَوْبَةِ وَذَا مُمكنٌ لَكِنَّهُ مُتَوَقِّفٌ ... عَلَى مَا يَشَاءُ اللَّهُ مِنْ ذِي الْمَشَيئَةِ فَدُونَكَ فَافْهَمْ مَا بِهِ قَدْ أَجَبْتُ مِنْ ... مَعَانٍ إِذَا انْحَلَّتْ بِفَهْمِ غَرِيزَةِ أَشَارَتْ إِلَى أَصْلٍ يُشِيرُ إِلَى الْهُدَى ... وَللَّه رَبِّ الْخَلْقِ أَكْمَلُ مِدْحَةِ وَصَلَّى إِلَهُ الخلْقِ ﷻ ... عَلَى الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ انتهت قصيدة شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ في الردّ على سؤال في قصيدة وجهها بعض الذميين معترضًا على القدر، فأجابه ﵀ بهذه القصيدة الجامعة الفاذّة، فأجاد وأفاد، جزاه الله عن دفاعه عن الإسلام خير الجزاء (١)، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 962

وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٧٦ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. (ح) وحَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُوُل اللَّه ﷺ ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ، أَنَّهُ يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ في بَطنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّه إِلَيْهِ الْمَلَكَ، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كلِمَاتٍ، فَيَقُولُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَأَجَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجنَّةِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنه وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنه وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجنَّةِ فَيَدْخُلُهَا"). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن إسحاق الطَّنَافسيّ، ثقة عابدٌ [١٠] تقدّم في ٩/ ٥٧. ٢ - (عِليُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ) العطّار، ثقة [١٠] تقدم في ٩/ ٥٩. ٣ - (وَكيعٌ) بن الجرّاح الرؤاسيّ الكوفيّ، ثقة حافظ عابد [٩] تقدّم في ١/ ٣. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غَزْوَان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوق، رُمي بالتشيّع [٩] تقدم في ٢/ ٢١. ٥ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] تقدّم في ١/ ٣. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ) بن أبي أُميّة -واسمه عبد الرحمن، ويقال: إسماعيل- الطَّنَافسيّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأحدب، ثقة حافظٌ [١١] (١).

стр. 963

رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وعبيد الله بن عمر، وهشام بن عروة، وابن إسحاق، ووائل بن داود، ويزيد بن كيسان، وجماعة. ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، ويحيى بن معين، وابنا أبي شيبة، وأبو خَيْثمة، ومحمد ابن عبد الله بن نمير، وأحمد بن منيع، وهارون بن عبد الله، وغيرهم. قال الأثرم: وسألته -يعني أحمد بن حنبل- عن عُمر بن عبيد، ومحمد بن عبيد، ويعلى بن عبيد، فوثقهم. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سمعت يحيى بن معين -وسئل عن وَلَدِ عبيد: محمد، وعُمر، ويعلى- فقال: كانوا ثقات، وأثبتهم يعلى. وقال المفضل الغلابي عن يحيى: بنو عُبيد ثقات. وقال ابن عمار: كلهم ثبت، وأحفظهم يعلى، وأبصرهم بالحديث محمد، وعمر شيخهم، وكان الأخ الرابع لا يُحسِن قليلًا ولا كثيرًا. وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان عثمانيا، وكان حديثه أربعة آلاف يحفظها. وقال الآجري عن أبي داود: حدث محمد بن عبيد عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يَضْرِب ولده على اللحن، فقال له رجل: لو أخذناك بهذا ما رفعنا عنك العصا. وقال النسائي: ثقة. وقال الدارقطني: محمد، وعُمر، ويعلى، وإدريس، وإبراهيم بنو عُبيد، كلهم ثقات، وأبوهم ثقة حدث أيضًا. وقال عباس الدُّوريّ عن ابن معين: أتيناه، وكان لا يجترىء على قراءة كتابه، حتى نُعينه عليه، أو نحو هذا، قاله يحيى، وما ذكره إلا بخير. وقال الدوري: سمعت محمد بن عبيد يقول: خير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ويقول: اتّقوا، لا يَخْدَعكم هؤلاء الكوفيون. وقال حرب عن أحمد: كان محمد رجلًا صدوقًا، وقال: يعلى أثبت منه. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: كان محمد يُظهر السنة، وكان يخطىء، ولا يرجع عن خطئه. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، صاحب سنة. وقال يعقوب بن شيبة: مات قبل أخيه يعلى، سنة أربع ومائتين، سمعت علي بن المديني يقول: كان كَيِّسًا. وقال خليفة، ومطين: مات سنة خمس. وقال ابن قانع، وابن

стр. 964

حبان: مات سنة ثلاث. وقيل: سنة خمس. وقال الخطيب: كان مولده سنة أربع وعشرين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. ٧ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكوفيّ، ثقة ثبت عابد يدلس [٥] تقدّم في ١/ ١. ٨ - (زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ) الْجُهَنيّ، أبو سليمان الكوفيّ، مخضرم ثقة جليلٌ، لم يُصب من قال: في حديثه خَلَلٌ [٢]. رَحَلَ إلى النبي ﷺ ، فقبض وهو في الطريق، ورَوَى عن عمر، وعثمان، وعليّ، وأبي ذرّ، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، وإسماعيل بن أبي خالد، والحْكَم بن عُتيبة، والأعمش، ومنصور، وحُصين، وعبد العزيز بن رُفيع، وسَلَمَة بن كُهيل، وطلحة بن مُصَرِّف، وحبيب بن أبي ثابت، وحماد بن أبي سليمان، وعَدِيّ بن ثابت، وعبد الملك ابن ميسرة، وجماعة. قال زهير عن الأعمش: إذا حدثك زيد بن وهب عن أحد، فكأنك سمعته من الذي حدثك عنه. وقال ابن معين: ثقة: وقال ابن خِرَاش: كوفي ثقة، دخل الشام، وروايته عن أبي ذر صحيحة. وقال العجلي: ثقة. وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب": وابن مندهْ: أسلم في حياة النبي ﷺ وهاجر إليه، فلم يدركه. وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه خلل كثير (١). وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، تُوفي في ولاية الحجاج بعد الجماجم. وقال أبو بكر بن منجويه: مات سنة ست وتسعين. وكذا قال ابن حبان في "الثقات". قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تعقّب الإمام الذهبيّ رحمه الله تعالى قول

стр. 965

يعقوب بن سفيان: في حديثه خلل كثير، فأجاد وأفاد، ونصّه في "ميزان الاعتدال": زيد بن وهب من أجلة التابعين وثقاتهم، متفق على الاحتجاج به، إلا ما كان من يعقوب الفسوي، فإنه قال في "تاريخه": في حديثه خلل كثير، ولم يصب الفسوي، ثم إنه ساق من روايته قول عمر: "يا حذيفة بالله أنا من المنافقين"، قال: وهذا محُال أخاف أن يكون كذبًا، قال: ومما يُستَدَلُّ به على ضعف حديثه روايته عن حذيفة: "إن خَرَج الدجال تبعه من كان يحب عثمان"، ومن خلل روايته قوله: حدثنا والله أبو ذر بالرَّبَذَة قال: "كنت مع النبي ﷺ ، فاستقبلنا أحد ... " الحديث. فهذا الذي استنكره الفسوي من حديثه، ما سُبِق إليه، ولو فتحنا هذه الوساوس علينا، لرددنا كثيرًا من السنن الثابتة بالوهم الفاسد، ولا نفتح علينا في زيد بن وهب خاصّة باب الاعتزال، فردوا حديثه الثابت عن ابن مسعود، حديث الصادق المصدوق، وزيد سيد، جليل القَدْر. انتهى المقصود من كلام الذهبي ﵀، وهو كلام نفيسٌ جدًّا (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث برقم ٧٦ و ٣٤٦ و ٣٢٣٨ و ٣٣٥١ و ٣٩٥٦ و ٤٠٥٣. ٩ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ) الصحابيّ الجليل ﵁ تقدّم في ٢/ ١٩، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀ بالنسبة للسند الأول، ومن خماسيّاته بالنسبة للثاني، فهو عالٍ بدرجة. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن أبا معاوية أحفظ من روى عن الأعمش، إلا أن يكون الثوريّ.

стр. 966

٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد السابقين إلى الإسلام، جمّ المناقب، وقد سبق بعضها في الباب الماضي، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الجهنيّ ﵀، أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْعُودٍ) ﵁، ووقع عند البخاريّ من طريق آدم بن أبي إياس، عن شعبة، حدّثنا الأعمش، سمعت زيد بن وهب، سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ حدثنا رسول الله ﷺ ... " (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ) قال الطيبي: يحتمل أن تكون الجملة حالية، ويحتمل أن تكون اعتراضية، وهو أولى لتعم الأحوال كلها، وأن ذلك من دَأْبه وعادته. وقوله: "الصادق": أي الكامل في الصدق، أو الظاهر كونه صادقًا بشهادة المعجزات الباهرات، وليس المراد أنه الصادق دون غيره. و"المصدوق": أي الذي جاءه الصدق من ربّه، وليس معناه: المُصَدَّق -بفتح الدال المشدّدة- أي الذي صَدَّقه المؤمنون، وإن كان هو في الواقع موصوفًا بكونه مُصَدَّقًا أيضًا. قاله السنديّ ﵀ (١). وقال في "الفتح": "الصادق" معناه: المخبر بالقول الحق، ويُطلق على الفعل، يقال: صدق القتال، وهو صادق فيه. و"المصدوق" معناه: الذي يُصدَق له في القول، يقال: صدقته الحديث: إذا أخبرته به إخبارًا جازمًا، أو معناه: الذي صَدَقَهُ الله تعالى وَعْدَه. وقال الكرماني: لمّا كان مضمون الخبر أمرًا مخالفًا لما عليه الأطباء، أشار بذلك إلى بطلان ما ادّعوه. ويحتمل أنه قال ذلك تلذذًا به، وتبركًا، وافتخارًا، ويؤيده وقوع هذا اللفظ بعينه في حديث أنس وليس فيه إشارة إلى بطلان شيء يخالف ما ذُكر، وهو ما أخرجه أبو داود من حديث المغيرة بن شعبة، سمعت الصادق المصدوق يقول: "لا تُنزع الرحمة إلا

стр. 967

من شقي". وفي "صحيح البخاريّ"، في "علامات النبوة"، من حديث أبي هريرة ﵁، سمعت الصادق المصدوق يقول: "هلاكُ أمتي على يدي أُغيلمة من قريش". قاله في "الفتح" (١). (أَنَّهُ) بفتح الهمزة، وهو الظاهر، وكسرها على الحكاية، ولفظ البخاريّ: "أنّ أحدكم". قال أبو البقاء في "إعراب المسند": لا يجوز في أنّ إلا الفتح؛ لأنها وما عملت فيه معمول "حدثنا"، فلو كُسِرت لصار مستأنفًا منقطعا عن قوله: "حدثنا". [فإن قلت]: اكسِرْ، واحمل "حدّثنا" على "قال". [قيل]: هذا خلاف الظاهر، ولا يُترك الظاهر إلى غيره، إلا لدليل مانع من الظاهر، ولو جاز مثل هذا من غير أن يثبت به النقل لجاز في مثل قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] الكسر؛ لأن معنى "يعدكم" يقول لكم، وقد اتفق القراء على أنها بالفتح. وقال الزركشيّ: وردّ عليه القاضي شمس الدين الخوبيّ، وقال الكسر واجب؛ لأنه الرواية، ووجهه على الحكاية، كقول الشاعر: سَمِعْتُ النَّاسُ يَنْتَجِعُونَ غَيْثًا (٢) برفع "النّاسُ". وجزم النووي في "شرح مسلم" بـ "إنه" بالكسر على الحكاية، وجوز الفتح، وقد جزم ابن الجوزي بأنه في الرواية بالكسر فقط. قال الخوبي: ولو لم تجيء به الرواية لمَا امتنع جوازًا على طريق الرواية بالمعنى، وأجاب عن الآية بأن الوعدَ مضمون الجملة، وليس بخصوص لفظها، فلذلك اتفقوا على الفتح، فأما هنا فالتحديث يجوز أن يكون

стр. 968

بلفظه وبمعناه. انتهى (١). (يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ في بَطْنِ أُمِّهِ) هكذا رواية المصنّف، وفي رواية عند البخاريّ: "إن أحدكم يُجمَع في بطن أمه"، وفي رواية له: "إن خلق أحدكم يُجمَع في بطن أمه"، وفي رواية: إن أحدكم يُجمَع خلقه في بطن أمه". والمراد بالجمع ضم بعضه إلى بعض بعد الانتشار. وفي قوله: "خلقُ" تعبيرٌ بالمصدر عن الجُثّة، وحَمْل على أنه بمعنى المفعول، كقولهم: هذا درهمٌ، ضَرْبُ الأميرِ: أي مضروبُهُ، أو على حذف مضاف: أي ما يقوم به خلق أحدكم، أو أُطْلِق مبالغةً، كقوله: "وإنما هي إقبال وإدبار"، جعلها نفس الإقبال والإدبار؛ لكثرة وقوع ذلك منها. قال القرطبي في "المفهم": المراد أن المنيّ يَقَع في الرحم حين انزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة مبثوثًا متفرقًا، فيجمعه الله في محل الولادة من الرحم في هذه المدّة. انتهى (٢). (أَرْبَعِينَ يَوْمًا) زاد في رواية عند البخاريّ: "أو أربعين ليلةً"، قال في "الفتح": وكذا لأكثر الرواة عن شعبة بالشك، وفي رواية يحيى القطان، ووكيع، وجرير، وعيسى ابن يونس: "أربعين يوما" بغير شك، وفي رواية سلمة بن كهيل: "أربعين ليلةً"، بغير شك. ويُجمَع بأن المراد يوم بليلته، أو ليلة بيومها، ووقع عند أبي عوانة، من رواية وهب بن جرير، عن شعبة زيادة: "نُطْفَة" بين قوله: "أحدكم"، وبين قوله: "أربعين"، فَبَيَّن أن الذي يُجمَع هو النطفة، والمراد بالنطفة المنيُّ، وأصله الماء الصافي القليل، والأصل في ذلك أن ماء الرجل إذا لاقى ماء المرأة بالجماع، وأراد الله أن يخلُق من ذلك

стр. 969

جَنِينًا هيّأ أسباب ذلك؛ لأن في رحم المرأة قوتين: قوة انبساط عند ورود مني الرجل، حتى ينتشر في جسد المرأة، وقوةُ انقباض بحيث لا يسيل من فرجها، مع كونه منكوسًا، ومع كون المني ثقيلا بطبعه، وفي مني الرجل قوة الفعل، وفي مني المرأة قوة الانفعال، فعند الامتزاح يَصِير مني الرجل كالإِنفَحة للبن، وقيل: في كل منهما قوة فعل وانفعال، لكن الأول في الرجل أكثر، وبالعكس في المرأة. وزعم كثير من أهل التشريح أن مني الرجل لا أثر له في الولد إلا في عقده، وأنه إنما يتكون من دم الحيض، وأحاديث الباب تُبطِل ذلك، وما ذُكِر أولا أقرب إلى موافقة الحديث. والله أعلم. وقال ابن الأثير في "النهاية": يجوز أن يُريد بالجمع مكث النطفة في الرحم: أي تَمْكثُ النطفة أربعين يومًا تُخَمَّر فيه حتى تتهيأ للتصوير، ثم تخلق بعد ذلك. وقيل: إن ابن مسعود ﵁ فسره بأن النطفة إذا وقعت في الرحم، فأراد الله أن يخلُق منها بشرًا طارت في جسد المرأة، تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين يومًا، ثم تَنْزِل دمًا في الرحم، فذلك جمعها. قال الحافظ: هذا التفسير ذكره الخطابي، وأخرجه ابن أبي حاتم في "التفسير" من رواية الأعمش أيضا، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود ﵁. وقوله: "فذلك جمعها" كلام الخطابي، أو تفسير بعض رواة حديث الباب، وأظنه الأعمش، فظن ابن الأثير أنه تَتِمَّة كلام ابن مسعود ﵁، فأدرجه فيه، ولم يتقدم عن ابن مسعود في رواية خيثمة ذِكْرُ الجمع حتى يفسره. وقد رجح الطيبي هذا التفسير، فقال: الصحابي أعلم بتفسير ما سَمِعَ، وأحقّ بتأويله، وأولى بقبول ما يَتَحَدّث به، وأكثر احتياطًا في ذلك من غيره، فليس لمن بعده أن يَتَعّقب كلامه. وقد وقع في حديث مالك بن الحويرث ﵁ رَفَعَهُ ما ظاهره يخالف التفسير المذكور، ولفظه: "إذا أراد الله خلق عبد، فجامع الرجل المرأة، طار ماؤه في كل عِرْقٍ

стр. 970

وعضو منها، فإذا كان يوم السابع جمعه الله، ثم أحضره كل عِرْقٍ له دون آدم، في أيِّ صورة ما شاء ركبه"، وفي لفظ: "ثم تلا: ﴿في أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨]، وله شاهد من حديث رَبَاحٍ اللَّخْمِيّ، لكن ليس فيه ذكر يوم السابع. وحاصله أن في هذا زيادةً تدل على أن الشَّبَهَ يَحصُل في اليوم السابع، وأن فيه ابتداء جمع المني، وظاهر الروايات الأخرى أن ابتداء جمعه من ابتداء الأربعين. وقد وقع في رواية عبد الله بن ربيعة، عن ابن مسعود: أن النطفة التي تُقضى منها النفس، إذا وقعت في الرحم، كانت في الجسد أربعين يومًا، ثم تحادرت دمًا، فكانت عَلَقَةً. وفي حديث جابر ﵁ "أن النطفة إذا استقرت في الرحم أربعين يومًا أو ليلة، أذن الله في خلقها"، ونحوه في حديث عبد الله بن عمرو، وفي حديث حذيفة بن أسيد من رواية عكرمة بن خالد، عن أبي الطفيل عنه: "أن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة، ثم يتسور عليها الملك" وكذا في رواية يوسف المكي، عن أبي الطفيل عند الفريابي، وعنده وعند مسلم من رواية عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل: "إذا مُرَّ بالنطفة ثلاث وأربعون"، وفي نسخة "ثنتان وأربعون ليلة"، وفي رواية ابن جريج، عن أبي الزبير، عند أبي عوانة: "ثنتان وأربعون"، وهي عند مسلم، لكن لم يسق لفظها، قال: بمثل حديث عمرو بن الحارث، وفي رواية ربيعة بن كلثوم، عن أبي الطفيل عند مسلم أيضا: "إذا أراد الله أن يخلقَ شيئًا يأذن له لبضع وأربعين ليلةً". وفي رواية عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل: "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين، أو خمس وأربعين"، وهكذا رواه ابن عيينة، عن عمرو عند مسلم، ورواه الفريابي من طريق محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو، فقال: "خمسة وأربعين ليلة"، فجزم بذلك. فحاصل الاختلاف أن حديث ابن مسعود ﵁ لم يَختَلِف في ذكر الأربعين، وكذا في كثير من الأحاديث، وغالبُها كحديث أنس عند البخاريّ لا تحديد فيه، وحديث

стр. 971

حذيفة بن أَسِيد اختَلَفت ألفاظ نقلته، فبعضهم جزم بالأربعين، كما في حديث ابن مسعود، وبعضهم زاد ثنتين، أو ثلاثًا، أو خمسًا، أو بضعًا، ثم منهم من جزم، ومنهم من تردد، وقد جمع بينها القاضي عياض بأنه ليس في رواية ابن مسعود بأن ذلك يقع عند انتهاء الأربعين الأولى، وابتداء الأربعين الثانية، بل أطلق الأربعين، فاحتمل أن يريد أن ذلك يقع في أوائل الأربعين الثانية. ويحتمل أن يُجمَع الاختلاف في العدد الزائد على أنه بحسب اختلاف الأجنة، وهو جيد، لو كانت مخارج الحديث مختلفة، لكنها متحدة، وراجعة إلى أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد، فدل على أنه لم يَضبِط القدر الزائد على الأربعين، والخطب فيه سهل، وكلُّ ذلك لا يدفع الزيادة التي في حديث مالك بن الحويرث في إحضار الشَّبَه في اليوم السابع، وأن فيه يبتدىء الجمع بعد الانتشار، وقد قال ابن منده: إنه حديث متصل على شرط الترمذي والنسائي، واختلاف الألفاظ بكونه في البطن، وبكونه في الرحم، لا تأثير له؛ لأنه في الرحم حقيقة، والرحم في البطن، وقد فَسَّرُوا قوله تعالى: ﴿في ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: ٦] بأن المراد ظلمة المَشِيمَة، وظلمة الرحم، وظلمة البطن، فالمشيمة في الرحم، والرحم في البطن (١). (ثُمَّ يَكُونُ) أي يصير خَلْقُ أحدكم، أي مادّةُ خلقه، وهي النطفة (عَلَقَةً) بفتحتين: أي دمًا جامدًا غليظًا، وسُمّي بذلك للرطوبة التي فيه، وتَعَلُّقه بما مَرّ به (مِثْلَ ذَلِكَ) أي مثل الزمن المذكور، وهو الأربعون. ووقع في رواية مسلم بلفظ: "ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك"، قال القرطبيّ: "ذلك" الأول إشارة إلى المحلّ الذي اجتمعت فيه النطفة، وصارت علقةً، و"ذلك" الثاني إشارة إلى الزمان الذي هو الأربعون. انتهى (٢).

стр. 972

وقال في "الفتح": و "تكون" هنا بمعنى "تصير"، ومعناه أنها تكون بتلك الصفة مدة الأربعين، ثم تنقلب إلى الصفة التي تليها، ويحتمل أن يكون المراد تصييرها شيئًا فشيئًا، فيخالط الدم النطفة في الأربعين الأولى بعد انعقادها وامتدادها، وتجري في أجزائها شيئًا فشيئًا، حتى تتكامل عَلَقَةً في أثناء الأربعين، ثم يخالطها اللحم شيئًا فشيئًا إلى أن تشتد، فتصير مضغةً، ولا تسمى عَلَقَة قبل ذلك ما دامت نطفةً، وكذا ما بعد ذلك من زمان العلقة والمضغة. وأما ما أخرجه أحمد من طريق أبي عبيدة قال: قال عبد الله رفعه: "إن النطفة تكون في الرحم أربعين يومًا على حالها لا تتغير"، ففي سنده ضعف وانقطاع، فإن كان ثابتا حُمِل نفي التغير على تمامه: أي لا تنتقل إلى وصف العلقة إلا بعد تمام الأربعين، ولا ينفي أن المني يستحيل في الأربعين الأولى دمًا إلى أن يصير علقة. انتهى. وقد نقل الفاضل علي بن المهذّب الحمويّ الطبيب اتفاق الأطباء على أن خلق الجنين في الرحم يكون في نحو الأربعين، وفيها تتميز أعضاء الذكر دون الأنثى؛ لحرارة مزاجه وقُواه، وأُعيد إلى قوام المنيّ الذي تتكون أعضاؤه منه ونضجه، فيكون أقبل للشكل والتصوير، ثم يكون عَلَقَة مثل ذلك، والْعَلَقة قطعة دم جامد، قالوا: وتكون حركة الجنين في ضِعْفِ المدة التي يُخلَق فيها، ثم يكون مضغة مثل ذلك، أي لحمةً صغيرةً، وهي الأربعون الثالثة، فتتحرك، قال: واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر. وذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم أن داخل الرحم خَشِنٌ كالسفنج، وجعل فيه قبولا للمنيّ كطلب الأرض العطشى للماء، فجعله طالبًا مشتاقًا إليه بالطبع، فلذلك يمسكه، ويشتمل عليه، ولا يُزْلِقُهُ، بل ينضم عليه؛ لئلا يفسده الهواء، فيأذن الله لملك الرحم في عقده وطبخه أربعين يومًا، وفي تلك الأربعين يُجمَع خلقه، قالوا: إن المنيّ إذا اشتمل عليه الرحم، ولم يَقذِفه استدار على نفسه، واشتد إلى تمام ستة أيام، فينقط فيه ثلاث نقط، في مواضع القلب، والدماغ، والكبد، ثم يظهر فيما بين تلك النقط خطوط

стр. 973

خمسة إلى تمام ثلاثة أيام، ثم تنفذ الدموية فيه إلى تمام خمسة عشر، فتتميز الأعضاء الثلاثة، ثم تمتد رطوبة النخاع إلى تمام اثني عشر يومًا، ثم ينفصل الرأس عن المنكبين، والأطراف عن الضلوع، والبطن عن الجنين، في تسعة أيام، ثم يتم هذا التمييز بحيث يظهر للحس في أربعة أيام، فيكمل أربعين يومًا، فهذا معنى قوله ﷺ : "يُجمَع خلقه في أربعين يومًا"، وفيه تفصيل ما أُجمل فيه. ولا ينافي ذلك قوله: "ثم تكون علقة مثل ذلك"، فإن العلقة وإن كانت قطعة دم لكنها في هذه الأربعين الثانية تنتقل عن صورة المني، ويظهر التخطيط فيها ظهورًا خفيا على التدريج، ثم يتصلب في الأربعين يومًا بتزايد ذلك التخليق شيئًا فشيئًا حتى يصير مضغة مخلقة، ويظهر للحس ظهورا لا خفاء به، وعند تمام الأربعين الثالثة، والطعن في الأربعين الرابعة يُنفخ فيه الروح كما وقع في هذا الحديث الصحيح، وهو ما لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي، حتى قال كثير من فضلاء الأطباء، وحُذّاق الفلاسفة إنما يُعرَف ذلك بالتوهم والظن البعيد، واختلفوا في النقطة الأولى أيها أسبق، والأكثر نقط القلب، وقال قوم: أول ما يُخلق منه السرة؛ لأن حاجته من الغذاء أشد من حاجته إلى آلات قواه، فإن من السرة ينبعث الغذاء، والحجب التي على الجنين في السرة كأنها مربوط بعضها ببعض، والسرة في وسطها، ومنها يتنفس الجنين، ويتربى وينجذب غذاؤه منها. (ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ) أي مثل مدة الزمان المذكور في الاستحالة، و"المضغةُ": قطعة اللحم، سُمِّيت بذلك لأنها قدرُ ما يَمْضَغُ الماضغ. (ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّه إِلَيْهِ الْمَلَكَ) وفي رواية البخاريّ: "ثم يبعث الله ملكًا"، وفي رواية له: "ثم يُبْعَثُ إليه ملكٌ"، ولمسلم بلفظ: "ثم يُرسل الله". أي يبعث الله إليه الملك في الطور الرابع حينما يتكامل بنيانه، وتتشكّل أعضاؤه، فيعيّن، ويُنقش فيه ما يليق به من الأعمال والأعمار والأرزاق حسبما اقتضته حكمته، وسبقت كلمته، فمن وجده مستعدّا لقبول الحقّ واتّباعه، ورآه أهلا للخير، وأسباب الصلاح، متوجّهًا إليه أثبته في عِداد السعداء، وكتب له أعمالًا صالحةً تناسب ذلك،

стр. 974

ومن وجده جافيًا، قاسي القلب، ضاريًا بالطبع، متنائيًا عن الحقّ أثبت ذكره في ديوان الأشقياء الهالكين، وكتب له ما يُتَوَقَّع منه من الشرور والمعاصي، هذا إذا لم يعلم من حاله وقوع ما يَقتضي تغيّر ذلك، وإن علم من ذلك شيئًا كتب له أوائل أمره وأواخره، وحكم عليه وفقَ ما يَتمّ به عمله؛ فإن مِلاك العمل خواتمه، وهو الذي يسبق إليه الكتاب، فيعمل عمل أهل الجنّة. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (١). وقال في "الفتح": واللام فيه -أي الملك- للعهد، والمراد به عهد مخصوص، وهو جنس الملائكة الموكلين بالأرحام، كما ثبت في رواية حُذيفة بن أَسِيد من رواية ربيعة بن كلثوم: "أن ملكا موكلا بالرحم"، ومن رواية عكرمة بن خالد: "ثم يَتَسَوَّر عليها الملك الذي يُخَلِّقها"، وهو بتشديد اللام، وفي رواية أبي الزبير عند الفريابي: "أتى ملكُ الأرحام"، وأصله عند مسلم، لكن بلفظ: "بعث الله ملكًا"، وفي حديث ابن عمر: "إذا أراد الله ان أن يخلُق النطفة، قال ملك الأرحام"، وفي حديث أنس عند البخاريّ: "وكّل الله بالرحم ملكًا". وقال الكرماني: إذا ثبت أن المراد بالملك مَن جُعل إليه أمرُ تلك الرحم، فكيف يُبْعَث، أو يُرسل؟. وأجاب بأن المراد أن الذي يُبْعَث بالكلمات غير الملك الموكل بالرحم الذي يقول: "يا رب نُطفة الخ"، ثم قال: ويحتمل أن يكون المراد بالبعث أنه يؤمر بذلك. قال الحافظ: وهو الذي ينبغي أن يُعَوَّل عليه، وبه جزم القاضي عياض وغيره. وقد وقع في رواية يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن الأعمش: "إذا استقرت النطفة في الرحم أخذها الملك بكفه، فقال: أي رب أذكر أو أنثى ... " الحديث، وفيه: فيقال: انطلق إلى أم الكتاب، فإنك تجد قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد ذلك"، فينبغي أن يفسر الإرسال المذكور بذلك.

стр. 975

[تنبيه]: اختُلف في أول ما يتشكل من أعضاء الجنين، فقيل: قلبه؛ لأنه الأساس، وهو معدن الحركة الغريزية، وقيل: الدماغ؛ لأنه مَجْمَع الحْوَاسّ، ومنه ينبعث، وقيل: الكبد؛ لأن فيه النموّ والاغتذاء الذي هو قِوَام البدن، ورجّحه بعضهم بأنه مقتضى النظام الطبيعي؛ لأن النمو هو المطلوب أولًا، ولا حاجة له حينئذ إلى حِسّ، ولا حركة إرادية؛ لأنه حينئذ بمنزلة النبات، وإنما يكون له قوة الحس والإرادة عند تعلق النفس به، فيقدم الكبد، ثم القلب، ثم الدماغ. قاله في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن مثل هذا الاختلاف مما لا ينبغي الاشتغال به؛ لأنه لا يعتمد على نصّ صحيح، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ) أي بأربع قضايا مقدرة، فكل قضية تسمى كلمة قولًا كان أو فعلًا، ووقع عند البخاريّ بلفظ: "فيؤمر بأربعة"، في رواية: "بأربع"، وكلاهما صحيحٌ؛ لأن المعدود إذا حُذف جاز تذكير العدد وتأنيثه، والمعنى أنه يؤمر بكتب أربعة أشياء من أحوال الجنين. (فَيَقُولُ) أي (اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَأَجَلَهُ، وَرِزْقَهُ) ووقع في رواية لمسلم: "فيؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه ... الخ"، وضبط بكتب بوجهين أحدهما بموحدة مكسورة وكاف مفتوحة، ومثناة ساكنة، ثم موحدة على البدل، والآخر بتحتانية مفتوحة بصيغة الفعل المضارع، وهو أوجه؛ لأنه وقع في رواية: "فيؤذن بأربع كلمات، فيكتب ... "، وكذا في رواية أبي داود وغيره. والمراد من كتابة عمله هل هو صالح، أو فاسد، وبالأجل هل هو طويلٌ، أو قصير، وبالرزق تقديره قليلًا أو كثيرًا، وصفته حرامًا أو حلالًا. (وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ) بالرفع خبر مبتدإ محذوف، أي هو، والجملة عطف على مفعول "اكتُب"؛ لأنه أريد بها لفظها باعتبار الوجود الْكَتْبيّ، دون اللفظيّ، فإن اللفظ

стр. 976

لا يكون لفظًا إلا بالتلفّظ، لا بالكتابة، ثم الترديد في الحكاية، لا في المحكيّ، وإنما جاءت الحكاية على لفظ الترديد نظرًا إلى التوزيع والتقسيم على آحاد المولود، فمنهم شقيّ وسعيد. قاله السنديّ (١). وقال في "الفتح": والمراد أنه يُكتب لكل أحد إما السعادة، وإما الشقاء، ولا يكتبهما لواحد معًا، وإن أمكن وجودهما منه؛ لأن الحكم إذا اجتمعا للأغلب، وإذا ترتبا فللخاتمة، فلذلك اقتصر على أربع، وإلا لقال: "خمس". ووقع لأبي داود من رواية شعبة والثوري جميعا عن الأعمش: "ثم يكتب شقيا أو سعيدًا". ومعنى قوله: "شقيّ أو سعيدٌ" أن الملك يكتب إحدى الكلمتين، كأن يكتب مثلًا أجل هذا الجنين كذا، ورزقه كذا، وعمله كذا، وهو شقيّ باعتبار ما يُختَم له، وسعيد باعتبار ما يختم له، كما دل عليه بقية الخبر، وكان ظاهر السياق أن يقول: ويكتب شقاوته وسعادته، لكن عدل عن ذلك؛ لأن الكلام مسوق إليهما، والتفصيل وارد عليهما، أشار إلى ذلك الطيبي. ووقع في حديث أنس ﵁: "إن الله وكل بالرحم ملكًا، فيقول: أي رب أذكر أو أثنى؟ " وفي حديث عبد الله بن عمرو: "إذا مكثت النطفة في الرحم أربعين ليلة، جاءها ملك، فقال: اخلُقْ يا أحسن الخالقين، فيقضي الله ما شاء، ثم يُدفَع إلى الملك، فيقول: يا رب أسقط أم تام؟، فيبين له، ثم يقول: أواحد أم توأم؟، فيبين له، فيقول: أذكر أم أنثى؟، فيبين له، ثم يقول: أناقص الأجل أم تام الأجل؟ فيبين له، ثم يقول: أشقي أم سعيد؟ فيبين له، ثم يقطع له رزقه مع خلقه، فيهبط بهما". ووقع في غير هذه الرواية أيضًا زيادة على الأربع، ففي رواية عبد الله بن ربيعة، عن ابن مسعود: "فيقول اكتب رزقه، وأثره، وخلقه، وشقي أو سعيد". وفي رواية

стр. 977

خصيف، عن أبي الزبير، عن جابر من الزيادة: "أي رب مصيبته، فيقول: كذا وكذا". وفي حديث أبي الدرداء عند أحمد والفريابي: "فَرَغَ الله إلى كل عبد من خمس: من عمله، وأجله، ورزقه، وأثره، ومضجعه". وأما صفة الكتابة فظاهر الحديث أنها الكتابة المعهودة في صحيفته، ووقع ذلك صريحًا في رواية لمسلم، في حديث حُذيفة بن أَسِيد: "ثم تُطْوَى الصحيفة، فلا يزاد فيها ولا ينقص". وفي رواية الفريابي: "ثم تُطوَى تلك الصحيفة إلى يوم القيامة". ووقع في حديث أبي ذرّ: "فيَقضِي الله ما هو قاض، فيُكتَب ما هو لاقٍ بين عينيه، وتلا أبو ذر خمس آيات من فاتحة سورة التغابن"، ونحوه في حديث ابن عمر في "صحيح ابن حبان" دون تلاوة الآية، وزاد: "حتى النَّكبَة يُنكَبها"، وأخرجه أبو داود في "كتاب القدر" المفرد. [تنبيه]: حديث ابن مسعود ﵁ بجميع طرقه يدل على أن الجنين يتقلب في مائة وعشرين يومًا في ثلاثة أطوار، كلُّ طور منها في أربعين، ثم بعد تكملتها يُنفخ فيه الروح، وقد ذكر الله تعالى هذه الأطوار الثلاثة من غير تقييد بمدة في عِدة سور، منها في "سورة الحج" قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الآية [الحج: ٥] ودلت هذه الآية على أن التخليق يكون للمضغة، وبَيّن الحديثُ أن ذلك يكون فيها إذا تكاملت الأربعين، وهي المدة التي إذا انتهت سُمِّيت مضغة، وذكر الله النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة في سور أخرى، وزاد في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ بعد المضغة: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ الآية [المؤمنون: ١٤]، ويؤخذ منها، ومن حديث الباب أن تصيير المضغة عظامًا بعد نفخ الروح. ووقع في آخر رواية أبي عبيدة المتقدم ذكرها قريبا بعد ذكر المضغة: "ثم تكون عظامًا أربعين ليلة، ثم يكسو الله العظام لحمًا". وقد رَتَّبَ الأطوار في الآية بالفاء؛ لأن المراد أنه لا يتخلل بين الطورين طور

стр. 978

آخر، ورتبها في الحديث بـ "ثُمَّ" إشارةً إلى المدة التي تتخلل بين الطورين ليتكامل فيها الطور، وإنما أتى بـ "ثم" بين النطفة والعَلَقة؛ لأن النطفة قد لا تتكون إنسانًا، وأتى بـ "ثم" في آخر الآية عند قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ الآية [المؤمنون: ١٤] ليدل على ما يتجدد له بعد الخروج من بطن أمه، وأما الإتيان بـ "ثم" في أول القصة بين السُّلالة والنطفة، فللإشارة إلى ما تخلل بين خلق آدم وخلق ولده. ووقع في حديث حُذيفة بن أَسيد عند مسلم ما ظاهره يخالف حديث ابن مسعود، ولفظه: "إذا مَرّ بالنطفة ثلاث وأربعون"، وفي نسخة: "ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكًا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحميها وعظمها، ثم قال: أي رب أذكر أم أنثى، فيَقضِي ربك ما شاء، ويَكتُب الملك، ثم يقول: يا رب أجله ... " الحديث، هذه رواية عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن حُذيفة بن أَسِيد في مسلم، ونسبها عياض في ثلاثة مواضع من شرح هذا الحديث إلى رواية ابن مسعود، وهو وَهَمٌ، وإنما لابن مسعود في أول الرواية ذِكْرُ قوله: "الشقيُّ من شَقِيَ في بطن أمه، والسعيدُ من وُعِظ بغيره"، فقط، وبقية الحديث إنما هو لحذيفة بن أَسيد، وقد أخرجه جعفر الفريابي من طريق يوسف المكيّ، عن أبي الطفيل عنه بلفظ: "إذا وقعت النطفة في الرحم، ثم استقرت أربعين ليلةً، قال: فيجيء ملك الرحم فيدخل، فيصور له عظمه ولحمه وشعره وبشره وسمعه وبصره، ثم يقول: أي رب أذكر أو أنثى؟ ... " الحديث. قال القاضي عياض: وحمل هذا على ظاهره لا يصح؛ لأن التصوير بأثر النطفة وأولِ العَلَقة في أول الأربعين الثانية غير موجود ولا معهود، وإنما يقع التصوير في آخرِ الأربعين الثالثة، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ الآية [المؤمنون: ١٤]، قال: فيكون معنى قوله: "فصوّرها الخ": أي كتب ذلك، ثم يفعله بعد ذلك، بدليل قوله بعدُ: "أذكر أو أنثى؟ "، قال: وخلقه جميعَ الأعضاء، والذكوريةُ والأنثوية، يقع في وقت

стр. 979

متفق، وهو مُشَاهَد فيما يوجد من أجنة الحيوان، وهو الذي تقتضيه الخلقة، واستواء الصورة، ثم يكون للملك فيه تصور آخر، وهو وقت نفخ الروح فيه، حين يكمل له أربعة أشهر، كما اتفق عليه العلماء أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة اشهر. انتهى ملخصًا. وقد بسطه ابن الصلاح في "فتاويه"، فقال: ما مُلَخَّصه: أعرض البخاري عن حديث حُذيفة بن أَسيد إما لكونه من رواية أبي الطفيل عنه، وإما لكونه لم يره ملتئما مع حديث ابن مسعود، وحديثُ ابن مسعود لا شك في صحته، وأما مسلم فأخرجهما معًا، فاحتجنا إلى وجه الجمع بينهما، بأن يُحمَل إرسال الملك على التعدد، فمرة في ابتداء الأربعين الثانية، وأخرى في انتهاء الأربعين الثالثة لنفخ الروح، وأما قوله في حديث حذيفة في ابتداء الأربعين الثانية: "فصوّرها"، فان ظاهر حديث ابن مسعود أن التصوير إنما يقع بعد أن تصير مُضغة، فيحمل الأول على أن المراد أنه يصورها لفظًا وكَتْبًا لا فعلًا، أي يذكر كيفية تصويرها ويكتبها، بدليل أن جعلها ذكرا أو أنثى إنما يكون عند المضغة. قال الحافظ: وقد نوزع في أن التصوير حقيقةً إنما يقع في الأربعين الثالثة، بأنه شوهد في كثير من الأجنة التصوير في الأربعين الثانية، وتمييز الذكر على الأنثى، فعلى هذا فيحتمل أن يقال: أول ما يبتدي به الملك تصوير ذلك لفظًا وكَتْبًا، ثم يشرع فيه فعلًا عند استكمال العَلَقة، ففي بعض الأجنة يتقدم ذلك، وفي بعضها يتأخر، ولكن بقي في حديث حُذيفة بن أسيد أنه ذكر العظم واللحم، وذلك لا يكون إلا بعد أربعين العلقةِ، فيقوى ما قال عياض ومن تبعه. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون الملك عند انتهاء الأربعين الأولى يَقْسِم النطفة إذا صارت عَلَقَة إلى أجزاء بحسب الأعضاء، أو يَقسِم بعضها إلى جلد، وبعضها إلى لحم، وبعضها إلى عظم، فيقدر ذلك كله قبل وجوده، ثم يتهيأ ذلك في آخر الأربعين الثانية، ويتكامل في الأربعين الثالثة.

стр. 980

وقال بعضهم: معنى حديث ابن مسعود أن النطفة يغلب عليها وصف المني في الأربعين الأولى، ووصف العلقة في الأربعين الثانية، ووصف المضغة في الأربعين الثالثة، ولا ينافي ذلك أن يتقدم تصويره، والراجح أن التصوير إنما يقع في الأربعين الثالثة. وقد أخرج الطبري من طريق السُّدِّيّ في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ في الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦] قال عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وذكر أسانيد أخرى قالوا: إذا وقعت النطفة في الرحم، طارت في الجسد أربعين يومًا، ثم تكون عَلَقة أربعين يومًا، ثم تكون مضغة أربعين يومًا، فإذا أراد الله أن يخلقها بعث ملكا فصورها كما يؤمر، ويؤيده حديث أنس عند البخاريّ حيث قال بعد ذكر النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة: "فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي رب أذكر أم أنثى؟ " ... الحديث. ومال بعض الشراح المتأخرون إلى الأخذ بما دل عليه حديث حُذيفة بن أُسيد من أن التصوير والتخليق يقع في أواخر الأربعين الثانية حقيقة، قال: وليس في حديث ابن مسعود ما يدفعه، واستند إلى قول بعض الأطباء: إن المنيّ إذا حصل في الرحم حصل له زبدية، ورغوة في ستة أيام أو سبعة من غير استمداد من الرحم، ثم يستمد من الرحم، ويبتدىء فيه الخطوط بعد ثلاثة أيام أو نحوها، ثم في الخامس عشر ينفذ الدم إلى الجميع، فيصير عَلَقة، ثم تتميز الأعضاء، وتمتد رطوبة النخاع، وينفصل الرأس عن المنكبين، والأطراف عن الأصابع تمييزا يظهر في بعض، ويخفى في بعض، وينتهي ذلك إلى ثلاثين يومًا في الأقل، وخمسة وأربعين في الأكثر، لكن لا يوجد سِقْط ذكر قبل ثلاثين، ولا أنثى قبل خمسة وأربعين، قال: فيكون قوله: "فيكتب" معطوفا على قوله: "يُجمَع". وأما قوله: "ثم يكون علقة مثل ذلك"، فهو من تمام الكلام الأول، وليس المراد أن الكتابة لا تقع إلا عند انتهاء الأطوار الثلاثة، فيحمل على أنه من ترتيب الإخبار، لا

стр. 981

من ترتيب المخبر به، ويحتمل أن يكون ذلك من تصرف الرواة برواياتهم بالمعنى الذي يفهمونه. قال الحافظ: كذا قال، والحمل على ظاهر الأخبار أولى، وغالب ما نُقِل عن هؤلاء دَعَاوي لا دلالة عليها. قال ابن العربي ﵀: الحكمة في كون الملك يكتب ذلك، كونه قابلًا للنسخ، والمحو، والإثبات، بخلاف ما كتبه الله تعالى، فإنه لا يتغير، انتهى. [تنبيه]: سقط هنا في هذه الرواية قوله: "ثم يُنفخ فيه الروح"، وقد ثبت في رواية البخاريّ، ووقع في رواية مسلم بلفظ: "ثم يُرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات"، وظاهره قبل الكتابة. قال الحافظ ﵀: ويجمع بأن الرواية الأولى صريحةٌ في تأخير النفخ للتعبير بقوله: "ثم"، والرواية الأخرى محتملة، فترد إلى الصريحة؛ لأن الواو لا ترتب، فيجوز أن تكون معطوفة على الجملة التي تليها، وأن تكون معطوفة على جملة الكلام المتقدم: أي يُجمع خلقه في هذه الأطوار، ويؤمر الملك بالكتب، وتوسط قوله: "يُنفخ فيه الروح" بين الجُمَل، فيكون من ترتيب الخبر على الخبر، لا من ترتيب الأفعال المخبر عنها. ونقل ابن الزملكاني عن ابن الحاجب في الجواب عن ذلك أن العرب إذا عَبّرت عن أمر بعده أمور متعددة، ولبعضها تعلق بالأول حسن تقديمه لفظا على البقية، وإن كان بعضها متقدما عليه وجودًا، وحسن هنا لأن القصد ترتيب الخلق الذي سيق الكلام لأجله. وقال عياض: اختلفت ألفاظ هذا الحديث في مواضع، ولم تَخْتَلِف أن نفخ الروح فيه بعد مائة وعشرين يومًا، وذلك تمام أربعة أشهر ودخولِهِ في الخامس، وهذا موجود بالمشاهدة، وعليه يُعَوّل فيما يُحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق عند التنازع، وغير ذلك بحركة الجنين في الجوف. وقد قيل: إنه الحكمة في عدة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وهو الدخول

стр. 982

في الخامس، وزيادة حذيفة بن أَسِيد مُشعرة بأن الملك لا يأتي لرأس الأربعين بل بعدها، فيكون مجموع ذلك أربعة أشهر وعشرًا، وهو مصرح به في حديث ابن عباس: "إذا وقعت النطفة في الرحم مكثت أربعة أشهر وعشرًا، ثم يُنفخ فيها الروح". وما أشار إليه من عدة الوفاة جاء صريحًا عن سعيد بن المسيب، فأخرج الطبري عنه أنه سئل عن عدة الوفاة، فقيل له: ما بال العشرة بعد الأربعة أشهر؟ فقال: يُنفخ فيها الروح. وقد تمسك به من قال كالأوزاعي وإسحاق: إن عدة أم الولد مثل عدة الحرة، وهو قويّ؛ لأن الغرض استبراء الرحم، فلا فرق فيه بين الحرة والأمة، فيكون معنى قوله: "ثم يُرسل إليه الملك": أي لتصويره وتخليقه، وكتابة ما يتعلق به، فينفخ فيه الروح إثر ذلك، كما دلت عليه رواية البخاري وغيره. ووقع في حديث علي بن عبد الله عند ابن أبي حاتم: "إذا تمت للنطفة أربعة أشهر، بعث الله إليها ملكًا فَيَنفُخ فيها الروح، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وسنده منقطع. وهذا لا ينافي التقييد بالعشر الزائدة، ومعنى إسناد النفخ للملك أنه يفعله بأمر الله، والنفخ في الأصل إخراج ريح من جوف النافح ليدخل في المنفوخ فيه، والمراد بإسناده إلى الله تعالى أن يقول له: كن فيكون. وجمع بعضهم بأن الكتابة تقع مرتين، فالكتابة الأولى في السماء، والثانية في بطن المرأة. ويحتمل أن تكون إحداهما في صحيفة، والأخرى على جبين المولود. وقيل: يختلف باختلاف الأجنة، فبعضها كذا، وبعضها كذا، والأول أولى (١). (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ) ولفظ البخاريّ: "فوالله إن أحدكم"، وفي لفظ: "فإن أحدكم"، ومثله لأبي داود، وفي لفظ: "فإن الرجل منكم ليعمل"، وفي رواية

стр. 983

مسلم، والترمذي وغيرهما: "فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل". لكن وقع عند أبي عوانة، وأبي نعيم في "مستخرجيهما" من طريق يحيى القطان، عن الأعمش قال: "فوالذي لا إله غيره"، وهذه محتملة لأن يكون القائل النبي ﷺ ، فيكون الخبر كله مرفوعًا، ويحتمل أن يكون بعض رواته. ووقع في رواية وهب بن جرير، عن شعبة بلفظ: "حتى إن أحدكم ليعمل"، ووقع في رواية زيد بن وهب ما يقتضي أنه مدرج في الخبر من كلام ابن مسعود، لكن الإدراج لا يثبت بالاحتمال، وأكثر الروايات يقتضي الرفع، إلا رواية وهب بن جرير فبعيدة، من الإدراج، فأخرج أحمد، والنسائي، من طريق سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود، نحو حديث الباب، وقال بعد قوله: "اكتبه شقيا أو سعيدًا، ثم قال: والذي نفس عبد الله بيده إن الرجل ليعمل كذا"، وقع مفصلا في رواية جماعة عن الأعمش، منهم المسعودي، وزائدة، وزهير بن معاوية، وعبد الله بن إدريس، وآخرون، فيما ذكره الخطيب. وقد روى أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أصل الحديث بدون هذه الزيادة، وكذا أبو وائل، وعلقمة، وغيرهما عن ابن مسعود، وكذا اقتصر حبيب بن حسان، عن زيد بن وهب، وكذا وقع في معظم الأحاديث الواردة عن الصحابة، كأنس، وحذيفة بن أسيد، وابن عمر، وكذا اقتصر عبد الرحمن بن حميد الرؤاسيّ، عن الأعمش على هذا القدر. نعم وقعت هذه الزيادة مرفوعةً في حديث سهل بن سعد عند البخاريّ، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم، وفي حديث عائشة عند أحمد، وفي حديث ابن عمر، والْعُرْس بن عَمِيرة في البزار، وفي حديث عمرو بن العاص، وأكثم بن أبي الجون في الطبراني. لكن وقعت في حديث أنس من وجه آخر قويٍّ مفردةً من رواية حميد، عن الحسن البصري عنه، ومن الرواة من حَذَف الحسن بين حميد وأنس، فكأنه كان تاما عند

стр. 984

أنس، فحَدّث به مُفَرَّقًا، فحفظ بعض أصحابه ما لم يحفظ الآخر عنه، فيقوى على هذا أن الجميع مرفوع، وبذلك جزم المحب الطبري، وحينئذ تُحمَل رواية سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب على أن عبد الله بن مسعود لتحقق الخبر في نفسه أقسم عليه، ويكون الإدراج في القسم، لا في المقسم عليه، وهذا غاية التحقيق في هذا الموضع، ويؤيد الرفع أيضا أنه مما لا مجال للرأي فيه، فيكون له حكم الرفع. [تنبيه]: قد اشتملت جملة "فوالذي نفسي بيده الخ" على أنواع من التأكيد، منها: التأكيد بالقسم، ووصف المقسم به، وبـ "إنّ"، وباللام، والأصل في التأكيد أنه يكون لمخاطبة المنكِر، أو المستبعِد، أو من يُتَوَهّم فيه شيء من ذلك، وهنا لمّا كان الحكم مستبعدًا، وهو دخول مَنْ عمل الطاعة طول عمره النارَ، وبالعكس حَسُنَ المبالغة في تأكيد الخبر بذلك. والله أعلم. (إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ) الباء زائدة، والأصل ليعمل عملَ أهل الجنة؛ لأن قوله: "عَمَلَ" إما مفعول مطلق، وإما مفعول به، وكلاهما مُستَغنٍ عن الحرف، فكان زيادة الباء للتأكيد، أو ضُمِّن "يعمل" معنى يَتَلَبّس في عمله بعمل أهل الجنة. يعني أنه عمل أهل الجنة من الطاعات الاعتقادية، والقولية، والفعلية، ثم يحتمل أن الحفظة تكتب ذلك، ويُقبل بعضها، ويرد بعضها، ويحتمل أن تقع الكتابة، ثم تمحى، وأما القبول فيتوقف على الخاتمة. (حَتَّى مَا يَكُونَ) قال الطيبي: "حتى" هنا هي الناصبة، و"ما" نافية، ولم تَكُفَّ "حتى" عن العمل في "يكون"، فهو منصوب بـ "حتى". وأجاز غيره أن تكون "حتى" ابتدائية، فـ "يكون" على هذا بالرفع، وهو مستقيم أيضًا. (بَيْنه وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ) كناية عن غاية القرب. ووقع عند البخاريّ بلفظ: "غير ذراع، أو باع"، وفي رواية: "باع أو ذراع"، وفي رواية: "إلا ذراع"، من دون شكّ. قال في "الفتح": والتعبير بالذراع تمثيل بقرب حاله من الموت، فيحال من بينه

стр. 985

وبين المكان المقصود بمقدار ذراع أو باع من المسافة، وضابطُ ذلك الحسيّ الغرغرة التي جُعلت علامةً لعدم قبول التوبة. وقد ذَكَر في هذا الحديث أهلَ الخير صِرْفًا، وأهل الشر صِرْفًا إلى الموت، ولا ذكر للذي خَلَطُوا، وماتوا على الإسلام؛ لأنه لم يُقصَد في الحديث تعميم أحوال المكلفين، وإنما سيق لبيان أن الاعتبار بالخاتمة. انتهى. (فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ) وفي رواية للبخاريّ: "كتابه" قال الطيبيّ: الفاء للتعقيب على حصول السبق بلا مُهلة، وضَمّن "يسبق" معنى يَغْلِب فعدّاه بـ "على": أي يغلب عليه الكتاب، وما قُدّر عليه سبقًا بلا مُهلة، فعند ذلك يعمل بعمل أهل الجنّة، أو أهل النار. انتهى كلام الطيبيّ ببعض تصرّف (١). وقال في "الفتح": قوله: "عليه" في موضع نصب على الحال: أي يسبق المكتوب واقعًا عليه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الطيبيّ من التضمين أوضح. والله تعالى أعلم. (فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا) قال في "الفتح": ظاهره أنه يعمل بذلك حقيقةً، ويُختم له بعكسه، وثبت في حديث سهل بلفظ: "ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس"، وهو محمول على المنافق والمرائي، بخلاف حديث الباب، فإنه يتعلق بسوء الخاتمة. قال: والمراد بسبق الكتاب سبق ما تضمنه على حذف مضاف، أو المراد المكتوب، والمعنى أنه يتعارض عمله في اقتضاء السعادة، والمكتوب في اقتضاء الشقاوة، فيتحقق مقتضى المكتوب، فعبر عن ذلك بالسبق؛ لأن السابق يحصل مراده دون المسبوق، ولأنه لو تمثل العمل والكتاب شخصين ساعيين، لظفر شخص الكتاب، وغُلِب شخص
следующие страницы →