Полный текст (5 319 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ عَلَيْهِ دَلِيلًا ظَنِّيًّا فَهَلْ كُلِّفَ الْإِنْسَانُ بِطَلَبِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ فَإِنْ أَخْطَأَهُ تَعَيَّنَ التَّكْلِيفُ إِلَى مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَهُوَ قَوْلٌ أَوْ لَمْ يُكَلَّفْ بِطَلَبِهِ لِخَفَائِهِ وَهُوَ قَول كَافَّة الْفُقَهَاء مِنْهُم الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة ﵃ وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ عَلَيْهِ دَلِيلًا قَطْعِيًّا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ مَأْمُورٌ بِطَلَبِهِ وَقَالَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ إِنَّ أَخْطَأَهُ اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ يُنْقَضُ قَضَاءُ الْقَاضِي إِذَا خَالَفَهُ قَالَ الْأَصَمُّ يُنْقَضُ وَقَالَ الْبَاقُونَ لَا يُنْقَضُ وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَقَالَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ وَمُخَالِفُهُ مَعْذُورٌ وَالْقَضَاءُ لَا يُنْقَضُ لَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ الشَّرَائِعَ لِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ الْخَالِصَةِ أَوِ الرَّاجِحَةِ أَوْ دَرْءِ الْمَفَاسِدِ الْخَالِصَةِ أَوِ الرَّاجِحَةِ وَيَسْتَحِيلُ وُجُودُهَا فِي النَّقِيضَيْنِ فَيَتَّحِدُ الْحُكْمُ احْتَجُّوا بِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّبِعَ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَلَوْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ وَكَذَلِكَ مَنْ قَلَّدَهُ وَلَا نَعْنِي بِحُكْمِ اللَّهِ إِلَّا ذَلِكَ فَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَتَكُونُ ظُنُونُ الْمُجْتَهِدِينَ تَتْبَعُهَا الْأَحْكَامُ كَأَحْوَالِ الْمُضْطَرِّينَ وَالْمُخْتَارِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَيْتَةِ فَيَكُونُ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ حَلَالًا حَرَامًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصَيْنِ كالميتة
الْفَصْل السَّابِع فِي نقض الِاجْتِهَاد
أَمَّا فِي الْمُجْتَهِدِ فِي نَفْسِهِ فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَّقَ طَلَاقَهَا الثَّلَاثَ عَلَى الْمِلْكِ بِالِاجْتِهَادِ فَإِنْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لَمْ يُنْقَضْ وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ نُقِضَ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ إِمْسَاكُ الْمَرْأَةِ
стр. 142
وَأَمَّا الْعَامِّيُّ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمُفْتِي ثمَّ تغير اجْتِهَاده فَالصَّحِيح أَنه تَجِبُ الْمُفَارَقَةُ قَالَهُ الْإِمَامُ وَكُلُّ حُكْمٍ اتَّصَلَ بِهِ قَضَاءُ الْقَاضِي اسْتَقَرَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَضَاءُ مِمَّا يُنْقَضُ فِي نَفْسِهِ
الْفَصْلُ الثَّامِن فِي الاستفتاء
إِذَا اسْتُفْتِيَ مُجْتَهِدٌ فَأَفْتَى ثُمَّ سُئِلَ ثَانِيَةً عَنْ تِلْكَ الْحَادِثَةِ فَإِنْ كَانَ ذَاكِرًا لِاجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ أَفْتَى وَإِنْ نَسِيَ اسْتَأْنَفَ الِاجْتِهَادَ فَإِنْ أَدَّاهُ إِلَى خِلَافِ الْأَوَّلِ أَفْتَى بِالثَّانِي قَالَ الْإِمَامُ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُعَرِّفَ الْعَامِّيَّ لِيَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الِاسْتِفْتَاءُ إِلَّا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الَّذِي يَسْتَفْتِيهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ فَإِنِ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ فِي الْفَتْوَى فَقَالَ قَوْمٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فِي أَعْلَمِهِمْ وَأَوْرَعِهِمْ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ قَوْمٌ لَا يَجِبُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْكُلَّ طُرُقٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ عَلَى الْعَوَامِّ فِي عَصْرٍ تَرْكَ النَّظَرِ فِي أَحْوَالِ الْعُلَمَاءِ وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْأَوَّلِ فَإِنْ حَصَلَ ظَنُّ الِاسْتِوَاءِ مُطْلَقًا فَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ كَمَا قِيلَ فِي الْأَمَارَاتِ وَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ يَسْقُطُ عَنْهُ التَّكْلِيفُ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَإِنْ حَصَلَ ظَنُّ الرُّجْحَانِ مُطْلَقًا تَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ وَإِنْ حَصَلَ مِنْ وَجْهٍ فَإِنْ كَانَ فِي الْعِلْمِ وَالِاسْتِوَاءِ فِي الدِّينِ فَمِنْهُمْ مَنْ خَيَّرَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ الْأَخْذَ بِقَوْلِ الْأَعْلَمِ قَالَ الْإِمَامُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ وَلِذَلِكَ قُدِّمَ فِي إِمَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ فِي الدِّينِ وَالِاسْتِوَاءِ فِي الْعِلْمِ فَيَتَعَيَّنُ الْأَدْيَنُ
стр. 143
فَإِنْ رُجِّحَ أَحَدُهُمَا فِي دِينِهِ وَالْآخَرُ فِي عِلْمِهِ فَقِيلَ يَتَعَيَّنُ الْأَدْيَنُ وَقِيلَ الْأَعْلَمُ قَالَ وَهُوَ الْأَرْجَحُ كَمَا مَرَّ
الْفَصْلُ التَّاسِعُ فِيمَنْ يتَعَيَّن عَلَيْهِ الاستفتاء
الَّذِي تَنْزِلُ بِهِ الْوَاقِعَةُ إِنْ كَانَ عَامِّيًّا وَجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْتَاءُ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ قَالَ فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِفْتَاءُ وَإِنْ بَلَغَ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ وَكَانَ قَدِ اجْتَهَدَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُكْمٌ فَاتَّفَقُوا عَلَى تَعَيُّنِهِ فِي حَقِّهِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَجْتَهِدْ فَأَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ﵏ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَقِيلَ يَجُوزُ لِلْعَالِمِ تَقْلِيدُ الْأَعْلَمِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَقِيلَ يَجُوزُ فِيمَا يَخُصُّهُ دُونَ مَا يُفْتِي بِهِ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ إِنْ ضَاقَ وَقْتُهُ عَنِ الِاجْتِهَادِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ لَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ وَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي أُصُولِ الدِّينِ لِمُجْتَهِدٍ وَلَا لِلْعَوَامِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَلِعِظَمِ الْخَطَرِ فِي الْخَطَأِ فِي جَانِبِ الرُّبُوبِيَّةِ بِخِلَافِ الْفُرُوعِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا كَفَرَ فِي الْأَوَّلِ ويثاب فِي الثَّانِي جزما
стр. 144
(الْبَابُ الْعِشْرُونَ فِي جَمِيعِ أَدِلَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ وَتَصَرُّفَاتِ الْمُكَلَّفِينَ)
وَفِيهِ فَصْلَانِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الْأَدِلَّةِ
وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ أَدِلَّةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا وَأَدِلَّةُ وُقُوعِهَا فَأَمَّا أَدِلَّةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا فَتِسْعَةَ عَشَرَ بِالِاسْتِقْرَاءِ وَأَمَّا أَدِلَّةُ وُقُوعِهَا فَلَا يَحْصُرُهَا عَدَدٌ فَلْنَتَكَلَّمْ أَوَّلًا عَلَى أَدِلَّةِ مَشْرُوعِيَّتِهَا فَنَقُولُ هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْقِيَاسُ وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ وَالْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ وَالِاسْتِصْحَابُ وَالْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ وَالْعَوَائِدُ وَالِاسْتِقْرَاءُ وَسَدُّ الذَّرَائِعِ وَالِاسْتِدْلَالُ وَالِاسْتِحْسَانُ وَالْأَخْذُ بِالْأَخَفِّ والعصمة وَإِجْمَاع أهل الْكُوفَة وَإِجْمَاع الْعشْرَة وَإِجْمَاعُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَأَمَّا الْخَمْسَةُ الْأُولَى فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا وَأَمَّا قَوْلُ الصَّحَابِيِّ فَهُوَ حجَّة عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ ﵇ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ
стр. 145
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ فَهُوَ حُجَّةٌ وَإِلَّا فَلَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ حُجَّةٌ دُونَ غَيْرِهِمَا وَقِيلَ قَوْلُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ حُجَّةٌ إِذَا اتَّفَقُوا
الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ
وَالْمَصَالِحُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى شَهَادَةِ الشَّرْعِ لَهَا بِالِاعْتِبَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ الَّذِي تَقَدَّمَ وَمَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ نَحْوَ الْمَنْعِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ لِئَلَّا يُعْصَرَ مِنْهُ الْخَمْرُ وَمَا لَمْ يَشْهَدْ لَهُ بِاعْتِبَارٍ وَلَا بِإِلْغَاءٍ وَهُوَ الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ وَهِيَ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ حُجَّةٌ وَقَالَ الْغَزَّالِيُّ إِنْ وَقَعَتْ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ أَوِ التَّتِمَّةِ فَلَا تُعْتَبَرُ وَإِنْ وَقَعَتْ فِي مَحَلِّ الضَّرُورَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهَا اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ وَمِثَالُهُ تَتَرُّسُ الْكُفَّارِ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَوْ كَفَفْنَا عَنْهُمْ لَصَدَمُونَا وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْنَا وَقَتَلُوا الْمُسْلِمِينَ كَافَّةً وَلَوْ رَمَيْنَاهُمْ لَقَتَلْنَا التُّرْسَ مَعَهُمْ قَالَ فَيُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ أَنْ تَكُونَ كُلِّيَّةً قَطْعِيَّةً ضَرُورِيَّةً فَالْكُلِّيَّةُ احْتِرَازٌ عَمَّا إِذَا تَتَرَّسُوا فِي قَلْعَةٍ بِمُسْلِمِينَ فَلَا يَحِلُّ رَمْيُ الْمُسْلِمِينَ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ تِلْكَ الْقَلْعَةِ فَسَادٌ عَامٌّ وَالْقَطْعِيَّةُ احْتِرَازٌ عَمَّا إِذَا لَمْ يُقْطَعْ بِاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ عَلَيْنَا إِذَا لَمْ نَقْصِدِ التُّرْسَ وَعَنِ الْمُضْطَرِّ يَأْكُل قِطْعَة من فَخذه والضرورية احْتِرَاز عَن الْمُنَاسِبِ الْكَائِنِ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ وَالتَّتِمَّةِ
стр. 146
لَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا بَعَثَ الرُّسُلَ لِتَحْصِيلِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ عَمَلًا بِالِاسْتِقْرَاءِ فَمَهْمَا وَجَدْنَا مَصْلَحَةً غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ لِلشَّرْعِ
الِاسْتِصْحَابُ
وَمَعْنَاهُ أَنَّ اعْتِقَادَ كَوْنِ الشَّيْءِ فِي الْمَاضِي أَوِ الْحَاضِرِ يُوجِبُ ظَنَّ ثُبُوتِهِ فِي الْحَالِ أَوِ الِاسْتِقْبَالِ وَهَذَا الظَّنُّ عِنْدَ مَالِكٍ وَالْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالْمُزَنِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ خِلَافًا لِجُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ لَنَا أَنَّهُ قَضَاءٌ بِالطَّرَفِ الرَّاجِحِ فَيَصِحُّ كَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَاتِّبَاعِ الشَّهَادَاتِ
الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ
وَهِيَ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ الْعَقْلِ فِي عَدَمِ الْأَحْكَامِ خِلَافًا للمعتزلة والأبهري وَأبي الْفرج منا وَثُبُوت عَدَمِ الْحُكْمِ فِي الْمَاضِي يُوجِبُ ظَنَّ عَدَمِهِ فِي الْحَالِ فَيَجِبُ الِاعْتِمَادُ عَلَى هَذَا الظَّنِّ بَعْدَ الْفَحْصِ عَنْ رَافِعِهِ وَعَدَمِ وُجُودِهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ
الْعَوَائِدُ
وَالْعَادَةُ غَلَبَةُ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي عَلَى النَّاسِ وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الْغَلَبَةُ فِي سَائِرِ الْأَقَالِيمِ كَالْحَاجَةِ لِلْغِذَاءِ وَالتَّنَفُّسِ فِي الْهَوَاءِ وَقَدْ تَكُونُ خَاصَّةً بِبَعْضِ الْبِلَادِ كَالنُّقُودِ وَالْعُيُوبِ وَقَدْ تَكُونُ خَاصَّةً بِبَعْضِ الْفِرَقِ كَالْأَذَانِ لِلْإِسْلَامِ وَالنَّاقُوسِ لِلنَّصَارَى فَهَذِهِ الْعَادَةُ يُقْضَى بِهَا عِنْدَنَا لِمَا تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِصْحَابِ
الِاسْتِقْرَاءُ
وَهُوَ تَتَبُّعُ الْحُكْمِ فِي جُزْئِيَّاتِهِ عَلَى حَالَةٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ فِي صُورَةِ
стр. 147
النِّزَاعِ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ كَاسْتِقْرَائِنَا الْفَرْضَ فِي جزئياته بِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي على الرحلة فَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْوَتْرَ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَمَا أُدِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَهَذَا الظَّنُّ حُجَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ
سَدُّ الذَّرَائِعِ
الذَّرِيعَةُ الْوَسِيلَةُ لِلشَّيْءِ وَمَعْنَى ذَلِكَ حَسْمُ مَادَّةِ وَسَائِلِ الْفَسَادِ دَفْعًا لَهُ فَمَتَى كَانَ الْفِعْلُ السَّالِمُ مِنَ الْمَفْسَدَةِ وَسِيلَةً إِلَى الْمَفْسَدَةِ مَنَعْنَا مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ تَنْبِيهٌ يُنْقَلُ عَنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ مِنْ خَوَاصِّهِ اعْتِبَارَ الْعَوَائِدِ وَالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةَ وَسَدِّ الذَّرَائِعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَمَّا الْعُرْفُ فَمُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ وَمَنِ اسْتَقْرَأَهَا وَجَدَهُمْ يُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ فِيهَا وَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ فَغَيْرُنَا يُصَرِّحُ بِإِنْكَارِهَا وَلَكِنَّهُمْ عِنْدَ التَّفْرِيعِ تَجِدُهُمْ يُعَلِّلُونَ بِمُطْلَقِ الْمَصْلَحَةِ وَلَا يُطَالِبُونَ أَنْفُسَهُمْ عِنْدَ الْفَوَارِقِ وَالْجَوَامِعِ بِإِبْدَاءِ الشَّاهِدِ لَهَا بِالِاعْتِبَارِ بَلْ يَعْتَمِدُونَ عَلَى مُجَرَّدِ الْمُنَاسَبَةِ وَهَذَا هُوَ الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ وَأَمَّا الذَّرَائِعُ فَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا مُعْتَبَرٌ إِجْمَاعًا كَحَفْرِ الْآبَارِ فِي طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِلْقَاءِ السُّمِّ فِي أَطْعِمَتِهِمْ وَسَبِّ الْأَصْنَامِ عِنْدَ مَنْ يُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَسُبُّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَئِذٍ وَثَانِيهَا مُلْغًى إِجْمَاعًا كَزِرَاعَةِ الْعِنَبِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ خَشْيَةَ الْخَمْرِ وَالشَّرِكَةِ فِي سُكْنَى الْآدَرِ خَشْيَةَ الزِّنَا وَثَالِثُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَبُيُوعِ الْآجَالِ اعْتَبَرْنَا نَحْنُ الذَّرِيعَةَ فِيهَا وَخَالَفَنَا غَيرنَا
стр. 148
فَحَاصِلُ الْقَضِيَّةِ أَنَّا قُلْنَا بِسَدِّ الذَّرَائِعِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِنَا لَا أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِنَا وَاعْلَمْ أَنَّ الذَّرِيعَةَ كَمَا يَجِبُ سَدُّهَا يَجِبُ فَتْحُهَا وَيُكْرَهُ وَيُنْدَبُ وَيُبَاحُ فَإِنَّ الذَّرِيعَةَ هِيَ الْوَسِيلَةُ فَكَمَا أَنَّ وَسِيلَةَ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمَةٌ فَوَسِيلَةُ الْوَاجِبِ وَاجِبَة كالسعي للمجمعة وَالْحَجِّ وَمَوَارِدُ الْأَحْكَامِ عَلَى قِسْمَيْنِ مَقَاصِدُ وَهِيَ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ فِي أَنْفُسِهَا وَوَسَائِلُ وَهِيَ الطُّرُقُ الْمُفْضِيَةُ إِلَيْهَا وَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا أَفْضَتْ إِلَيْهِ مِنْ تَحْرِيمٍ أَوْ تَحْلِيلٍ غَيْرَ أَنَّهَا أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنَ الْمَقَاصِدِ فِي حُكْمِهَا فَالْوَسِيلَةُ إِلَى أَفْضَلِ الْمَقَاصِدِ أَفْضَلُ الْوَسَائِلِ وَإِلَى أَقْبَحِ الْمَقَاصِدِ أَقْبَحُ الْوَسَائِلِ وَإِلَى مَا هُوَ مُتَوَسِّطٍ مُتَوَسِّطَةٌ وَيُنَبِّهُ عَلَى اعْتِبَارِ الْوَسَائِلِ قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ فَأَثَابَهُمْ عَلَى الظَّمَأِ وَالنَّصَبِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ فِعْلِهِمْ لِأَنَّهُمَا حَصَلَا لَهُمْ بِسَبَبِ التَّوَسُّلِ إِلَى الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ وَسِيلَةٌ لِإِعْزَازِ الدِّينِ وَصَوْنِ الْمُسْلِمِينَ فَالِاسْتِعْدَادُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْوَسِيلَةِ
قَاعِدَةٌ
كُلَّمَا سَقَطَ اعْتِبَارُ الْمَقْصِدِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْوَسِيلَةِ فَإِنَّهَا تَبَعٌ وَقَدْ خُولِفَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي الْحَجِّ فِي إِمْرَارِ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِ مَنْ لَا شَعْرَ لَهُ مَعَ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى إِزَالَةِ الشَّعْرِ فَيَحْتَاجُ إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ تَنْبِيهٌ قَدْ تَكُونُ وَسِيلَةُ الْمُحَرَّمِ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ إِذَا أَفْضَتْ إِلَى مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ
стр. 149
كَالتَّوَسُّلِ إِلَى فِدَاءِ الْأَسْرَى بِدَفْعِ الْمَالِ إِلَى الْعَدُوِّ الَّذِي حَرُمَ عَلَيْهِمُ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِكَوْنِهِمْ مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَنَا وَكَدَفْعِ مَالٍ لِرَجُلٍ يَأْكُلُهُ حَرَامًا حَتَّى لَا يَزْنِيَ بِامْرَأَةٍ إِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا بِهِ وَكَدَفْعِ الْمَالِ لِلْمُحَارِبِ حَتَّى لَا يَقْتَتِلَ هُوَ وَصَاحِبُ الْمَالِ وَاشْتَرَطَ مَالِكٌ فِيهِ الْيَسَارَةَ وَمِمَّا يُشَنَّعُ بِهِ عَلَى مَالِكٍ ﵀ عَلَيْهِ مُخَالَفَتُهُ لِحَدِيثِ بَيْعِ الْخِيَارِ مَعَ رِوَايَتِهِ لَهُ وَهُوَ مَهْيَعٌ مُتَّسِعٌ وَمَسْلَكٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فَلَا يُوجَدُ عَالِمٌ إِلَّا وَقَدْ خَالَفَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَدِلَّةً كَثِيرَةً وَلَكِنْ لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ عَلَيْهَا عِنْدَ مُخَالِفِهَا وَكَذَلِكَ تَرَكَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ عِنْدَهُ وَهُوَ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَلَيْسَ هَذَا بَابًا اخْتَرَعَهُ وَلَا بِدْعًا ابْتَدَعَهُ وَمِنْ هَذَا الْبَاب مَا يروي عَن الشَّافِعِي ﵁ أَنَّهُ قَالَ إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي أَوْ فَاضْرِبُوا بِمَذْهَبِي عُرْضَ الْحَائِطِ فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ مَعَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ فَهَذَا مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً وَلَيْسَ خَاصًّا بِهِ وَإِنْ كَانَ مَعَ وُجُودِ الْمُعَارِضِ فَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ خَاصًّا بِمَذْهَبِهِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ
الِاسْتِدْلَالُ
وَهُوَ مُحَاوَلَةُ الدَّلِيلِ الْمُفْضِي إِلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِنْ جِهَةِ الْقَوَاعِدِ لَا مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمَنْصُوبَةِ وَفِيهِ قَاعِدَتَانِ
الْقَاعِدَةُ الْأُولَى فِي الْمُلَازَمَاتِ
وَضَابِطُ الْمَلْزُومِ مَا يَحْسُنُ فِيهِ لَوْ وَاللَّازِمُ مَا يَحْسُنُ فِيهِ اللَّامُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لفسدتا﴾ وَكَقَوْلِنَا إِنْ كَانَ هَذَا الطَّعَامُ مُهْلِكًا فَهُوَ حَرَامٌ تَقْدِيرُهُ لَوْ كَانَ مُهْلِكًا لَكَانَ حَرَامًا
стр. 150
فَالِاسْتِدْلَالُ إِمَّا بِوُجُودِ الْمَلْزُومِ أَوْ بِعَدَمِهِ أَوْ بِوُجُودِ اللَّازِمِ أَوْ بِعَدَمِهِ فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ مِنْهَا اثْنَانِ مُنْتِجَانِ وَاثْنَانِ عَقِيمَانِ فَالْمُنْتِجَانِ الِاسْتِدْلَالُ بِوُجُودِ الْمَلْزُومِ عَلَى وُجُودِ اللَّازِمِ وَبِعَدَمِ اللَّازِمِ عَلَى عَدَمِ الْمَلْزُومِ فَكُلُّ مَا أَنْتَجَ وُجُودُهُ فَعَدَمُهُ عَقِيمٌ وَكُلُّ مَا أَنْتَجَ عَدَمُهُ فَوُجُودُهُ عَقِيمٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّازِمُ مُسَاوِيًا لِلْمَلْزُومِ فَتُنْتِجُ الْأَرْبَعَةُ نَحْوَ قَوْلِنَا لَوْ كَانَ هَذَا إِنْسَانًا لَكَانَ ضَاحِكًا بِالْقُوَّةِ ثُمَّ الْمُلَازَمَةُ قَدْ تَكُونُ قَطْعِيَّةً كَالْعِشْرَةِ مَعَ الزَّوْجِيَّةِ وَظَنِّيَّةً كَالنَّجَاسَةِ مَعَ كَأْسِ الْحَجَّامِ وَقَدْ تَكُونُ كُلِّيَّةً كَالتَّكْلِيفِ مَعَ الْعَقْلِ فَكُلُّ مُكَلَّفٍ عَاقِلٌ فِي سَائِرِ الْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ فَكُلِّيَّتُهَا بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ لَا بِاعْتِبَارِ الْأَشْخَاصِ وَجُزْئِيَّةً كَالْوُضُوءِ مَعَ الْغُسْلِ فَالْوُضُوءُ لَازِمٌ لِلْغُسْلِ إِذَا سَلِمَ مِنَ النَّوَاقِضِ حَالَ إِيقَاعِهِ فَقَطْ فَلَا جَرَمَ لَمْ يَلْزَمْ مِنِ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ الَّذِي هُوَ الْوُضُوءُ انْتِفَاءُ الْمَلْزُومِ الَّذِي هُوَ الْغُسْلُ لِأَنَّه لَيْسَ كُلِّيًّا بِخِلَافِ انْتِفَاءِ الْعَقْلِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ انْتِفَاءَ التَّكْلِيفِ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ
الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ
أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَنَافِعِ الْإِذْنُ وَفِي الْمَضَارِّ الْمَنْعُ بِأَدِلَّةِ السَّمْعِ لَا بِالْعَقْلِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَقَدْ تَعْظُمُ الْمَنْفَعَةُ فَيَصْحَبُهَا النَّدْبُ أَوِ الْوُجُوبُ مَعَ الْإِذْنِ وَقَدْ تَعْظُمُ الْمَضَرَّةُ فَيَصْحَبُهَا التَّحْرِيمُ عَلَى قَدْرِ رُتْبَتِهَا فَيُسْتَدَلُّ عَلَى الْأَحْكَامِ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ
الِاسْتِحْسَانُ
قَالَ الْبَاجِيُّ هُوَ الْقَوْلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُجَّةً إِجْمَاعًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَقِيلَ هُوَ الْحُكْمُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَهَذَا اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى فَيَكُونُ حَرَامًا إِجْمَاعًا
стр. 151
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ هُوَ الْعُدُولُ عَمَّا حُكِمَ بِهِ فِي نَظَائِرِ مَسْأَلَةٍ إِلَى خِلَافِهِ لِوَجْهٍ أَقْوَى مِنْهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْعُدُولُ عَنِ الْعُمُومِ إِلَى الْخُصُوصِ اسْتِحْسَانًا وَمِنَ النَّاسِخِ إِلَى الْمَنْسُوخِ وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ هُوَ تَرْكُ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الِاجْتِهَادِ غَيْرِ شَامِلٍ شُمُولَ الْأَلْفَاظِ لِوَجْهٍ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ فِي حُكْمِ الطَّارِئِ عَلَى الْأَوَّلِ فَبِالْأَوَّلِ خَرَجَ الْعُمُومُ وَبِالثَّانِي خَرَجَ ترك الْقيَاس الْمَرْجُوح للْقِيَاس الرَّاجِح لعدم طريانه عَلَيْهِ وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ منا وَأنْكرهُ الْعِرَاقِيُّونَ
الْأَخْذ بالأخف
هُوَ عِنْد الشَّافِعِي ﵀ حُجَّةٌ كَمَا قِيلَ فِي دِيَةِ الْيَهُودِيِّ إِنَّهَا مُسَاوِيَةٌ لِدِيَةِ الْمُسْلِمِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَهُوَ قَوْلُنَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ ثُلُثُهَا أَخْذًا بِالْأَقَلِّ فَأَوْجَبَ الثُّلُثَ فَقَطْ لِأَنَّه مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَمَا زَادَ مَنْفِيٌّ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ
الْعِصْمَةُ
وَهِيَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيٍّ أَوْ لِعَالِمٍ احْكُمْ فَإِنَّكَ لَا تَحْكُمُ إِلَّا بِالصَّوَابِ فَقَطَعَ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَقَطَعَ جُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ بِامْتِنَاعِهِ وَتَوَقَّفَ الشَّافِعِي فِي امْتِنَاعِهِ وَجَوَازِهِ وَوَافَقَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ ﵀
إِجْمَاعُ أَهْلِ الْكُوفَةِ
ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ لِكَثْرَةِ مَنْ وَرَدَهَا مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ كَمَا قَالَ مَالِكٌ فِي إِجْمَاعِ الْمَدِينَةِ فَهَذِهِ أَدِلَّةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْأَحْكَامِ
стр. 152
قَاعِدَةٌ
يَقَعُ التَّعَارُضُ فِي الشَّرْعِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَالْبَيِّنَتَيْنِ وَالْأَصْلَيْنِ وَالظَّاهِرَيْنِ وَالْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ وَيَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. فَالدَّلِيلَانِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي الْمِلْكِ وَقَوله ﴿وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ﴾ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْجَمْعِ مُطْلَقًا وَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ ﵁ حَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَأَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَل يخبر بَيْنَهُمَا أَوْ يَسْقُطَانِ؟ وَالْبَيِّنَتَانِ نَحْوَ شَهَادَةٍ بَيِّنَةٍ بِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِزَيْدٍ وَشَهَادَةٍ أُخْرَى بِأَنَّهَا لِعَمْرٍو فَهَلْ تَتَرَجَّحُ إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ؟ خِلَافٌ وَالْأَصْلَانِ نَحْوَ رَجُلٍ قَطَعَ رَجُلًا مَلْفُوفًا نِصْفَيْنِ ثُمَّ نَازع أولياؤه فِي أَنَّهُ كَانَ حَيًّا حَالَةَ الْقَطْعِ فَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنَ الْقِصَاصِ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَفْيِ الْقِصَاصِ وَثُبُوتِهِ أَوِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلْفُوفًا فِي ثِيَابِ الْأَمْوَاتِ أَوِ الْأَحْيَاءِ وَنَحْوَ الْعَبْدِ إِذَا انْقَطَعَ خَبَرُهُ فَهَلْ تَجِبُ زَكَاةُ فِطْرِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حَيَاتِهِ أَوْ لَا تَجِبُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ خِلَافٌ وَالظَّاهِرَانِ نَحْوَ اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَإِنَّ الْيَدَ ظَاهِرَةٌ فِي الْمِلْكِ وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا يَد فسوى الشَّافِعِي بَيْنَهُمَا وَرَجَّحْنَا نَحْنُ أَحَدَهُمَا بِالْعَادَةِ
стр. 153
وَنَحْوَ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ مُنْفَرِدَيْنِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَالسَّمَاءِ مُصْحِيَةٌ فَظَاهِرُ الْعَدَالَةِ الصِّدْقُ وَظَاهِرُ الصَّحْوِ اشْتِرَاكُ النَّاسِ فِي الرُّؤْيَةِ فَرَجَّحَ مَالِكٌ الْعَدَالَةَ وَرَجَّحَ سَحْنُونٌ الصَّحْوَ وَالْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ كَالْمَقْبَرَةِ الْقَدِيمَةِ الظَّاهِرِ تَنْجِيسُهَا فَتَحْرُمُ الصَّلَاةُ فِيهَا وَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّجَاسَةِ وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ الزَّوْجَيْنِ فِي النَّفَقَةِ ظَاهِرُ الْعَادَةِ دَفعهَا وَالْأَصْل بَقَاؤُهَا فغلبنا نَحن الأول وَالشَّافِعِيّ الثَّانِيَ وَنَحْوَ اخْتِلَافِ الْجَانِي مَعَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي سَلَامَةِ الْعُضْوِ أَوْ وُجُودِهِ الظَّاهِرُ سَلَامَةُ أَعْضَاءِ النَّاسِ وَوُجُودُهَا وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَاتَّفَقُوا عَلَى تَغْلِيبِ الْأَصْلِ عَلَى الْغَالِبِ فِي الدَّعَاوَى فَإِنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَالْغَالِبُ الْمُعَامَلَاتُ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمُدَّعِي مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْوَرَعِ وَاتَّفَقُوا عَلَى تَغْلِيبِ الْغَالِبِ عَلَى الْأَصْلِ فِي الْبَيِّنَةِ فَإِنَّ الْغَالِبَ صِدْقُهَا وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَائِدَةٌ الْأَصْلُ أَنْ يَحْكُمَ الشَّرْعُ بِالِاسْتِصْحَابِ أَوْ بِالظُّهُورِ إِذَا انْفَرَدَ عَنِ الْمُعَارِضِ وَقَدِ اسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ أُمُورٌ لَا يُحْكَمُ فِيهَا إِلَّا بِمَزِيدِ تَرْجِيحٍ يُضَمُّ إِلَيْهِ أَحَدُهَا ضَمَّ الْيَمِينِ إِلَى النُّكُولِ فَيَجْتَمِعُ الظَّاهِرَانِ وَثَانِيهَا تَحْلِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَجْتَمِعُ اسْتِصْحَابُ الْبَرَاءَةِ مَعَ ظُهُورِ الْيَمِينِ وَثَالِثُهَا اشْتِبَاهُ الْأَوَانِي وَالْأَثْوَابُ يُجْتَهَدُ فِيهَا عَلَى الْخِلَافِ فَيَجْتَمِعُ الْأَصْلُ مَعَ ظُهُورِ الِاجْتِهَادِ وَيُكْتَفَى فِي الْقِبْلَةِ بِمُجَرَّدِ الِاجْتِهَادِ لِتَعَذُّرِ
стр. 154
انْحِصَارِ الْقِبْلَةِ فِي جِهَةٍ حَتَّى يَسْتَصْحِبَ فِيهَا فَهَذِهِ أَدِلَّةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْأَحْكَامِ وَتَفَاصِيلُ أَحْوَالِهَا وَأَمَّا أَدِلَّةُ وُقُوعِ الْأَحْكَامِ بَعْدَ مَشْرُوعِيَّتِهَا فَلَا تُعَدُّ وَلَا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ فَهِيَ أَدِلَّةُ وُقُوعِ أَسْبَابِهَا وَحُصُولِ شُرُوطِهَا وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهَا وَهِيَ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ وَهِيَ إِمَّا مَعْلُومَةٌ بِالضَّرُورَةِ كَدَلَالَةِ زِيَادَةِ الظِّلِّ عَلَى الزَّوَالِ أَوْ كَمَالِ الْعِدَّةِ عَلَى الْهِلَالِ وَإِمَّا مَظْنُونَةٌ كَالْأَقَارِيرِ وَالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ وَالنُّكُولَاتِ وَالْأَيْدِي على الْأَمْلَاك وشعائر الْإِسْلَام عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي الْمِيرَاثِ وَشَعَائِرِ الْكُفْرِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَانِعٌ مِنَ الْمِيرَاثِ وَهَذَا بَابٌ لَا يُعَدُّ وَلَا يُحْصَى
الْفَصْلُ الثَّانِي فِي تَصَرُّفَاتِ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْأَعْيَانِ
وَهِيَ إِمَّا نَقْلٌ أَوْ إِسْقَاطٌ أَوْ قَبْضٌ أَوْ إِقْبَاضٌ أَوِ الْتِزَامٌ أَوْ خَلْطٌ أَوْ إِنْشَاءُ مِلْكٍ أَوِ اخْتِصَاصٌ أَوْ إِذْنٌ أَوْ إِتْلَافٌ أَوْ تَأْدِيبٌ وَزَجْرٌ
النَّقْلُ
يَنْقَسِمُ إِلَى مَا هُوَ بِعِوَضٍ فِي الْأَعْيَانِ كَالْبيع وَالْقَرْض أَو فِي الْمَنَافِع كَالْإِجَارَةِ وتندرج فِيهَا الْمُسَاقَاةُ وَالْقِرَاضُ وَالْمُزَارَعَةُ وَالْجَعَالَةُ وَإِلَى مَا هُوَ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْهَدَايَا وَالْوَصَايَا وَالْعُمْرَى وَالْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالزَّكَوَاتِ وَالْغَنِيمَةِ وَالْمَسْرُوقِ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ
الْإِسْقَاطُ
إِمَّا بِعِوَضٍ كَالْخَلْعِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ وَالْكِتَابَةِ وَبَيْعِ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ وَالصُّلْحِ عَلَى الدَّيْنِ وَالتَّعْزِيرِ فَجَمِيعُ هَذِهِ تُسْقِطُ الثَّابِتَ وَلَا تَنْقُلُهُ إِلَى الْبَاذِلِ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ كالإبراء من الدُّيُون وَالْقصاص والتعزيز وحد الْقَذْف
стр. 155
وَالطَّلَاق والعناق وَإِيقَافِ الْمَسَاجِدِ فَجَمِيعُ هَذِهِ تُسْقِطُ الثَّابِتَ وَلَا تَنْقُلُهُ
الْقَبْضُ
وَهُوَ إِمَّا بِإِذْنِ الشَّرْعِ وَحْدَهُ كَاللُّقَطَةِ وَالثَّوْبِ إِذَا أَلْقَتْهُ الرِّيحُ فِي دَارِ إِنْسَانٍ وَمَالِ اللَّقِيطِ وَقَبْضِ الْإِمَامِ الْمَغْصُوبَ مِنَ الْغَاصِبِ وَأَمْوَالِ الْغَائِبِينَ وَأَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ وَالزَّكَوَاتِ أَوْ بِإِذْنِ غَيْرِ الشَّرْعِ كَقَبْضِ الْمَبِيعِ بِإِذْنِ البَائِع والمستام وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالرُّهُونِ وَالْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْعَوَارِي وَالْوَدَائِعِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنٍ لَا مِنَ الشَّرْعِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ كَالْغَصْبِ الْإِقْبَاضُ كَالْمُنَاوَلَةِ فِي الْعُرُوضِ وَالنُّقُودِ وَبِالْوَزْنِ وَالْكَيْلِ فِي الْمَوْزُونَاتِ وَالْمَكِيلَاتِ وَبِالتَّمْكِينِ فِي الْعَقَارِ وَالْأَشْجَارِ وَبِالنِّيَّةِ فَقَطْ كَقَبْضِ الْوَالِدِ وَإِقْبَاضِهِ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ لِوَلَدِهِ الِالْتِزَامُ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالنُّذُورِ وَالضَّمَانِ بِالْوَجْهِ أَوْ بِالْمَالِ الْخَلْطُ إِمَّا بِشَائِعٍ وَإِمَّا بَيْنَ الْأَمْثَالِ وَكِلَاهُمَا شَرِكَةٌ إِنْشَاءُ الْأَمْلَاكِ فِي غَيْرِ مَمْلُوكٍ كَإِرْقَاقِ الْكُفَّارِ وَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَالِاصْطِيَادِ وَالْحِيَازَةِ فِي الْحَشِيشِ وَنَحْوِهِ الِاخْتِصَاص بالمنافع كالإقطاع والسبق إِلَى المباحثات وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ وَالْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ النُّسُكِ كَالْمَطَافِ وَالْمَسْعَى وَعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَمَرْمَى الْجِمَارِ وَالْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَالْأَوْقَافِ الْإِذْنُ إِمَّا فِي الْأَعْيَانِ كَالضِّيَافَاتِ أَوْ فِي الْمَنَائِحِ أَوْ فِي الْمَنَافِعِ كَالْعَوَارِي وَالِاصْطِنَاعِ بِالْحَلْقِ وَالْحِجَامَةِ أَوْ فِي التَّصَرُّفِ كَالتَّوْكِيلِ وَالْإِيصَاءِ
стр. 156
الْإِتْلَافُ إِمَّا لِلْإِصْلَاحِ فِي الْأَجْسَادِ وَالْأَرْوَاحِ كَالْأَطْعِمَةِ وَالْأَدْوِيَةِ وَالذَّبَائِحِ وَقَطْعِ الْأَعْضَاءِ الْمُتَآكِلَةِ أَوْ لِلدَّفْعِ كَقَتْلِ الصَّوَالِّ وَالْمُؤْذِي مِنَ الْحَيَوَانِ أَوْ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى كَقَتْلِ الْكُفَّارِ لِمَحْوِ الْكُفْرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَإِفْسَادِ الصُّلْبَانِ أَوْ لِنَظْمِ الْكَلِمَةِ كَقِتَالِ الْبُغَاةِ أَوْ لِلزَّجْرِ كَرَجْمِ الزُّنَاةِ وَقَتْلِ الْجُنَاةِ. التَّأْدِيبُ وَالزَّجْرُ إِمَّا مُقَدَّرٌ كَالْحُدُودِ أَوْ غَيْرُ مُقَدّر كالتعزيز وَهُوَ مَعَ الْإِثْمِ فِي الْمُكَلَّفِينَ أَوْ بِدُونِهِ فِي الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَالدَّوَابِّ. فَهَذِهِ أَبْوَابٌ مُخْتَلِفَةُ الْحَقَائِقِ وَالْأَحْكَامِ فَيَنْبَغِي لِلْفَقِيهِ الْإِحَاطَةُ بِهَا لِتَنْشَأَ لَهُ الْفُرُوقُ وَالْمَدَارِكُ فِي الْفُرُوعِ. وَهَذَا تَمَامُ الْمُقدمَة وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل.
стр. 157
صفحه فارغه
стр. 158
(كِتَابُ الطَّهَارَةِ)
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الطَّهَارَةِ)
الطَّهَارَةُ فِي اللُّغَةِ التَّبْرِئَةُ مِنَ الْأَدْنَاسِ وَيُقَالُ طَهُرَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِهَا طَهَارَةً فِيهِمَا وَالطُّهْرُ وَهُوَ أَيْضًا ضِدُّ الْحَيْضِ وَالْمَرْأَةُ طَاهِرَةٌ مِنَ الدَّنَسِ وَالْعُيُوبِ وَطَاهِرٌ مِنَ الْحَيْضِ بِالتَّاءِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَالْمَطْهَرَةُ الْإِدَاوَاتُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَتُسْتَعْمَلُ الطَّهَارَةُ مَجَازًا فِي التَّنَزُّهِ عَنِ الْعُيُوبِ فَيُقَالُ قَلْبٌ طَاهِرٌ وَعِرْضٌ طَاهِرٌ تَشْبِيهًا لِلدَّنَسِ الْمَعْلُومِ بِالدَّنَسِ الْمَحْسُوسِ. وَأَمَّا الطَّهَارَةُ فِي الشَّرْعِ فَلَيْسَتْ شَيْئًا مِنْ أَنْوَاعِ الْعِلَاجِ بِالْمَاءِ وَلَا بِغَيْرِهِ لِجَزْمِنَا بِطَهَارَةِ بُطُونِ الْجِبَالِ وَتُخُومِ الْأَرْضِ بَلْ هِيَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ قَدِيمٌ وَهِيَ إِبَاحَةٌ فَالْمَعْنَى بِطَهَارَةِ الْعَيْنِ إِبَاحَةُ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ مُلَابَسَتَهَا فِي صَلَوَاتِهِمْ وَأَغْذِيَتِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَتُطْلَقُ عَلَى الْعِلَاجِ بِالْمَاءِ وَغَيْرِهِ مَجَازًا وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ طَهَارَةُ حَدَثٍ وَطَهَارَةُ خَبَثٍ وَالنَّجَاسَةُ فِي اللُّغَةِ مُلَابَسَةُ الْأَدْنَاسِ وَتُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي الْعُيُوبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ تَشْبِيهًا لِلدَّنَسِ الْمَعْلُومِ بِالْمَحْسُوسِ وَيُقَالُ نَجِسَ الشَّيْءُ بِكَسْرِ الْجِيمِ يَنْجَسُ بِفَتْحِهَا نَجَسًا بِفَتْحِهَا أَيْضًا فَهُوَ نَجِسٌ بِكَسْرِهَا. وَهِيَ فِي الشَّرْعِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ قَدِيمٌ وَهِيَ تَحْرِيمٌ فَمَعْنَى نَجَاسَةِ الْعَيْنِ تَحْرِيمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ مُلَابَسَتَهَا فِي صَلَوَاتِهِمْ وَأَغْذِيَتِهِمْ وَنَحْوِهَا ثُمَّ يُطْلَقُ عَلَى الْمَعْفُوِّ عَنْهُ أَنَّهُ نَجِسٌ نَحْوَ دَمِ الْجِرَاحِ السَّائِلَةِ وَبَوْلِ السَّلَسِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ جِنْسِهَا
стр. 159
عَلَيْهَا مَجَازًا وَلِأَجْلِ هَذَا التَّحْدِيدِ لَا تَكُونُ الْعَذِرَةُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ نَجِسَةً وَلَا طَاهِرَةً لِعَدَمِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْأَفْعَالِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ. تَتْمِيمٌ كُلُّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ وَسَبَبُ الطَّهَارَةِ عَدَمُ سَبَبِ النَّجَاسَةِ لِأَنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ عِلَّةٌ لِعَدَمِ الْمَعْلُولِ وَلَمَّا كَانَتْ عِلَّةُ النَّجَاسَةِ الِاسْتِقْذَارَ عَمَلًا بِالْمُنَاسَبَةِ وَالِاسْتِقْرَاءِ وَالدَّوَرَانِ وَكَانَتِ النَّجَاسَةُ تَحْرِيمًا كَانَ عَدَمُ الِاسْتِقْذَارِ عِلَّةً لِعَدَمِ ذَلِكَ التَّحْرِيمِ وَإِذَا عُدِمَ التَّحْرِيمُ ثَبَتَتِ الْإِبَاحَةُ وَهِيَ الطَّهَارَةُ كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ فِي الشَّرْعِ وَغَيْرِهِ فَكُلُّ عِلَّةٍ لِتَحْرِيمٍ يَكُونُ عَدَمُهَا عِلَّةً لِلْإِبَاحَةِ كَالْإِسْكَارِ لَمَّا كَانَ عِلَّةً لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ كَانَ عَدَمُهُ عِلَّةً لِإِبَاحَتِهَا. فَإِنْ قِيلَ تَعْلِيلُ النَّجَاسَةِ بِالِاسْتِقْذَارِ غَيْرُ مُطَّرِدٍ وَلَا مُنْعَكِسٍ أَمَّا الْأَوَّلُ فَبِدَلِيلِ الْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ وَالْعَرَقِ الْمُنْتِنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهَا مُسْتَقْذَرَةٌ وَلَيْسَتْ نَجِسَةً وَأَمَّا الثَّانِي فَلِنَجَاسَةِ الْخَمْرِ وَلَيْسَتْ مُسْتَقْذَرَةً. قُلْنَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَمُسْتَثْنَى لِضَرُورَةِ الْمُلَابَسَةِ وَأَمَّا الثَّانِي فَالْعَكْسُ غَيْرُ لَازِمٍ فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَنَّ بَعْضَهَا يَخْلُفُ بَعْضًا وَنَجَاسَةُ الْخَمْرِ مُعَلَّلَةٌ بِالْإِسْكَارِ وَبِطَلَبِ الْإِبْعَادِ وَالْقَوْلُ بِنَجَاسَتِهَا يُفْضِي إِلَى إِبْعَادِهَا وَمَا أَفْضَى إِلَى الْمَطْلُوبِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ فَيَكُونُ التَّنْجِيسُ مَطْلُوبًا. وَقُدِّمَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ تَكْمِيلًا لِفَائِدَةِ الْكَلَامِ عَلَى لَفْظِ الطَّهَارَةِ وَالِاكْتِفَاءِ بِهِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى النَّجَاسَةِ. وَهَذَا الْكِتَابُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَقَاصِدَ وَوَسَائِلَ لِتِلْكَ الْمَقَاصِدِ وَالْوَسَائِلُ يَتَقَدَّمُ فِعْلُهَا شَرْعًا فَيَجِبُ تَقَدُّمُ الْكَلَامِ عَلَيْهَا وَضْعًا. فَأَوَّلُ الْوَسَائِلِ مَحَلُّ الْمَاءِ وَلَمَّا كَانَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي الْأَعْضَاءِ يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهَارَتِهَا حَتَّى يُلَاقِيَ الْمَاءُ الطَّهُورُ الْأَعْضَاءَ الطَّاهِرَةَ وَجَبَ بَيَانُ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ مَا هِيَ ثُمَّ كَيْفِيَّةُ إِزَالَتِهَا فَهَذِهِ أَرْبَعُ وَسَائِلَ.
стр. 160
الْوَسِيلَةُ الْأُولَى مَحَلُّ الْمَاءِ وَهُوَ الْإِنَاءُ وَهُوَ فِي اللُّغَة مُشْتَقّ من أَنى يأنى إِنَّا وَهُوَ التَّنَاهِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إناه﴾ أَي انتهاءه ﴿عين آنِية﴾ أَي متناه حَدهَا و ﴿حميم آن﴾ أَيْ مُتَنَاهٍ حَرُّهُ وَلَمَّا كَانَ الْإِنَاءُ لَا بُد أَن يتناهى خرطه أَو حرزه أَوْ سَبْكُهُ عَلَى حَسَبِ جَوْهَرِهِ فِي نَفْسِهِ سُمِّيَ إِنَاءً لِذَلِكَ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الْجُلُودِ وَفِي الْجَوَاهِرِ وَلَا بُدَّ فِي اسْتِعْمَالِهَا مِنْ طَهَارَتِهَا وَلِطَهَارَتِهَا سَبَبَانِ: السَّبَبُ الْأَوَّلُ الذَّكَاةُ مُطَهِّرَةٌ لِسَائِرِ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ وَجِلْدِهِ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِي إِبَاحَةِ أَكْلِهِ كَالْحُمُرِ وَالْكِلَابِ وَالسِّبَاعِ عَلَى رِوَايَتَيِ الْإِبَاحَةِ وَالْمَنْعِ لِإِزَالَةِ الذَّكَاةِ الْفَضَلَاتِ الْمُسْتَقْذَرَةَ الْمُوجِبَةَ لِلتَّنْجِيسِ عَلَى سَائِرِ الْوُجُوهِ عَلَى الْحَيَوَانِ إِلَّا الْخِنْزِيرَ لقَوْله تَعَالَى ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لحم خِنْزِير فَإِنَّهُ رِجْس﴾ وَالرِّجْسُ فِي اللُّغَةِ الْقَذَرُ فَكَمَا أَنَّ الْعَذِرَةَ لَا تَقْبَلُ التَّطْهِيرَ فَكَذَلِكَ الْخِنْزِيرُ لِأَنَّه سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّمِ وَلَحْمِ الْمَيْتَةِ وَهُمَا لَا يَقْبَلَانِ التَّطْهِيرَ فَكَذَلِكَ هُوَ. وَلِأَنَّ الذَّكَاةَ فِي الشَّرْعِ سَبَبٌ لِحُكْمَيْنِ إِبَاحَةِ الْأَكْلِ وَالطَّهَارَةِ وَالذَّكَاةُ لَا تُفِيدُ الْإِبَاحَةَ فِيهِ إِجْمَاعًا فَكَذَلِكَ الطَّهَارَةُ وَلِهَذَا الْمدْرك منع ابْن حبيب تطهيرالذكاة لما لم يُؤْكَل لَحْمه وَوَافَقَهُ الشَّافِعِي وَلِابْنِ حَبِيبٍ أَيْضًا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْعَادِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَزَاد أَبُو حنيفَة عَلَيْنَا بِطَهَارَةِ اللَّحْمِ مَعَ الْجِلْدِ وَإِنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ أَكْلِهِ. وَمَنَعَ مَالِكٌ ﵀ الصَّلَاةَ عَلَى جُلُودِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَإِنْ ذُكِّيَتْ وَتَوَقَّفَ
стр. 161
فِي الْكِيمُخْتِ فِي الْكِتَابِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَرُوِيَ عَنْهُ الْجَوَازُ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ فَلَا تُؤَثِّرُ الذَّكَاةُ فِيهَا كَالْخِنْزِيرِ أَوْ مَكْرُوهَةٌ فَتُؤَثِّرُ كَالسِّبَاعِ وَالْكِيمُخْتُ يَكُونُ مِنْ جُلُودِ الْحُمُرِ وَمِنْ جُلُودِ الْبِغَالِ قَالَ وَقَدْ أَبَاحَهُ مَرَّةً وَأَجَازَ الصَّلَاةَ فِيهِ عَلَى مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ. السَّبَبُ الثَّانِي الدِّبَاغُ فِي الْجَوَاهِرِ وَهُوَ اسْتِعْمَالُ مَا فِيهِ قَبْضٌ وَقُوَّةٌ عَلَى نَزْعِ الْفَضَلَاتِ وَهُوَ مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ غِلَظِ الْجِلْدِ وَرِقَّتِهِ وَلِينِهِ وَصَلَابَتِهِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَلَا يَكْفِي التشميس وَهُوَ مطهر لِجُمْلَةِ الْجُلُودِ إِلَّا الْخِنْزِيرَ لِلْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلِأَنَّ الذَّكَاةَ أَقْوَى مِنَ الدِّبَاغِ لِاقْتِضَائِهَا إِبَاحَةَ الْأَكْلِ مَعَ التَّطْهِيرِ وَلِنَزْعِهَا الْفَضَلَاتِ مِنْ مَعَادِنِهَا قَبْلَ تَشَبُّثِهَا بِأَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ وَغِلَظِهَا وَقَدْ سَقَطَ اعْتِبَارُهَا فِي الْخِنْزِيرِ فَكَذَلِكَ الدِّبَاغُ. وَطَهَارَةُ غَيْرِ الْخِنْزِيرِ مَخْصُوصَةٌ عِنْدَهُ بِالْمَاءِ وَالْيَابِسَاتِ دُونَ الْمَائِعَاتِ وَالصَّلَاةِ وَالْبَيْعِ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵇ أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ مُطْلَقٌ فِي الطَّهَارَةِ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي الْأُهُبِ وَالْأَصْلُ فِي الْمَيْتَةِ النَّجَاسَةُ فَيَتَعَيَّنُ الْمَاءُ لِمُطْلَقِ الطَّهَارَةِ لِقُوَّتِهِ وَالْيَابِسَاتُ لِعَدَمِ مُخَالِطِهَا وَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى الْأَصْلِ. وَعَنْهُ أَنَّهَا عَامَّةٌ لِزَوَالِ السَّبَبِ الْمُنَجِّسِ وَهُوَ الْفَضَلَاتُ الْمُسْتَقْذَرَةُ وَلِأَنَّ الدِّبَاغَ يَرُدُّ الْأَشْيَاءَ إِلَى أُصُولِهَا قَبْلَ الْمَوْتِ وَالْحَيَوَانَاتُ عِنْدَنَا طَاهِرَةٌ قَبْلَهُ فَكَذَلِكَ بَعْدَهُ بِالدِّبَاغِ وَلِهَذَا الْمَدْرَكِ قَالَ الشَّافِعِي ﵁ لَا يُطَهَّرُ الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ بِالدِّبَاغِ لِأَنَّهُمَا نَجِسَانِ قَبْلَ الْمَوْتِ عِنْدَهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَدَاوُدُ يُؤَثِّرُ الدِّبَاغُ فِي جِلْدِ الْخِنْزِيرِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ لَا يُؤَثِّرُ إِلَّا فِيمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ يُشَبَّهُ الدِّبَاغُ بِالْحَيَاةِ أَوْ بِالذَّكَاةِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا.
стр. 162
قَاعِدَةٌ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ تَارَةً تَكُونُ بِالْإِزَالَةِ كَالْغَسْلِ بِالْمَاءِ وَتَارَةً بِالْإِحَالَةِ كَالْخَمْرِ إِذَا صَارَ خَلًّا أَوِ الْعَذِرَةَ إِذَا صَارَتْ لَحْمَ كَبْشٍ وَتَارَةً بِهِمَا كَالدِّبَاغِ فَإِنَّهُ يُزِيلُ الْفَضَلَاتِ وَيُحِيلُ الْهَيْئَاتِ أَوْ لِأَنَّه يَمْنَعُهُ مِنَ الْفَسَادِ كَالْحَيَاةِ. الْفَصْلُ الثَّانِي الْعِظَامُ وَكُلُّ عَظْمٍ طَاهِرٍ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي الْوَسِيلَةِ الثَّالِثَةِ. الْفَصْلُ الثَّالِثُ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَفِي الْجَوَاهِرِ مُحَرَّمَةُ الِاسْتِعْمَالِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِقَوْلِهِ ﵇ الَّذِي يَشْرَبُ مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ وَعِلَّتُهُ السَّرَفُ أَوِ الْخُيَلَاءُ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوِ الْأَمْرَانِ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلَانِ فِي الذَّهَبِ الْمُمَوَّهِ بِالرَّصَاصِ أَوْ غَيْرِهِ وَإِلْحَاقُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ أَوَانِيَ الْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَعَدَمُ إِلْحَاقِ أَبِي الْوَلِيدِ لَهَا لِأَنَّ الْمُفَاخَرَةَ بِهَا خَاصَّةً بِالْخَوَاصِّ وَكَرَاهَةُ ابْنِ سَابِقٍ لِذَلِكَ لِوُجُودِ جُزْءِ الْعلَّة. فرعان: الأول قَالَ اسْتِعْمَال المضبب والشعوب وَالَّذِي فِيهِ حَلْقَةُ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ مِنْ مِرْآةٍ أَوْ آنِيَةٍ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُ وَمَمْنُوعٌ عِنْدَ أَبِي الْوَلِيدِ وَغَيْرُ مَمْنُوعٍ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ نَظَرًا إِلَى وُجُودِ الْمُحَرَّمِ فَيُمْنَعُ أَوْ إِلَى الْيَسَارَةِ فَلَا يُمْنَعُ أَوْ إِلَيْهِمَا فَيُكْرَهُ. الثَّانِي قَالَ تَحْرِيمُ اقْتِنَاءِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَنِ ابْنِ الْجَلَّابِ لِأَنَّه وَسِيلَةٌ لِاسْتِعْمَالِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ لَوْ لَمْ يَجُزِ الِاتِّخَاذُ لَفُسِخَ بَيْعُهَا وَقَدْ أَجَازَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسَائِلَ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَابِقٍ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ بَاطِلٌ لِجَوَازِ مِلْكِهِا إِجْمَاعًا بِخِلَافِ اتِّخَاذِهَا وَإِنَّمَا يَظْهَرُ الْخِلَافُ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى عَمَلِهَا وَالضَّمَانِ عَلَى مُفْسِدِ صَنْعَتِهَا وَالْمُخَالِفُ يُجِيزُ ذَلِكَ أَيْضا.
стр. 163
الْوَسِيلَة الثَّانِيَة المَاء وَهُوَ إِمَّا مُطَهِّرٌ أَوْ مُنَجِّسٌ أَوْ لَا مُطَهِّرٌ وَلَا مُنَجِّسٌ أَوْ مُخْتَلِطٌ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ الْمُطَهِّرُ وَهُوَ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ مِنَ السَّمَاءِ أَوِ الْأَرْضِ أَوِ الْبَحْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طهُورا﴾ وَقَوله ﴿ليطهركم بِهِ﴾ وَقَوْلِهِ ﵇ فِي الْمُوَطَّأِ لَمَّا سَأَلَهُ رَجُلٌ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا مِنْهُ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ قَالَ ﵇ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ. قَاعِدَةٌ فَعُولٌ عِنْدَ الْعَرَبِ يَكُونُ صِفَةً نَحْوَ غَفُورٍ وَشَكُورٍ وَيَكُونُ لِلَّذِي يُفْعَلُ بِهِ الْفِعْلُ نَحْوَ الْحَنُوطِ وَالسَّحُورِ والبخور لما يتحنط بِهِ ويتسحر بِهِ ويبتخر بِهِ فَالطَّهُورُ عِنْدَنَا لِلَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ مُتَعَدٍّ خلافًا ح فَإِنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ طَاهِرٌ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ كَوْنُهُ سَبَبَ الطَّهَارَةِ عِنْدَنَا فَيَنْحَصِرُ الْمُطَهِّرُ فِيهِ بِسَبَبِ تَخْصِيصِ الشَّرْعِ لَهُ بِالذِّكْرِ وَمَنْعِ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَاب وَلَو سلم الْمَنْع هَهُنَا لكَونه ذرع الْجَامِع الَّذِي هُوَ عِلّة فِي الأَصْل وَالْأَصْل هَهُنَا لَيْسَ مُعَلِّلًا لِوُجُوبِ تَطْهِيرِ مَا هُوَ فِي غَايَةِ النَّظَافَةِ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ النَّبِيذِ وَغَيْرِهِ عَنْ مَقَامِ التَّطْهِيرِ أَوْ لَيْسَ سَبَبًا فَيُشَارِكُهُ فِي الطَّاهِرِيَّةِ غَيْرُهُ فَلَا يَخْتَصُّ التَّطْهِيرُ بِهِ لَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿ليطهركم بِهِ﴾ وَهُوَ نَصٌّ فِي الْبَابِ وَلَوْ صَحَّ مَا ذَكَرُوهُ لَمَا صَحَّ جَوَابُهُ ﵇ فِي مَاءِ الْبَحْرِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ وَلَبَطَلَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرَابُهَا طَهُورًا لِأَنَّ طَهَارَةَ التُّرَابِ لَمْ تَخْتَصَّ بِهِ ﵇ وَإِنَّمَا الَّذِي اخْتصَّ بِهِ المطهر بِهِ.
стр. 164
احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ وَلَيْسَ فِي الْجَنَّةِ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ وَبِقَوْلِ جرير: … ... … ...
(عَذَاب الثنايا ريقهن طهُور … )
والريق لَا يطهر وَلِأَن الأَصْل فِي فعول أَن يجْرِي على فَاعل فِي تعديته وقصره وطاهر قَاصِر فطهور مثله. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَجَازٌ لِلْمُبَالَغَةِ لِأَنَّ الَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ أَفْضَلُ أَنْوَاعِ الْمَاءِ فَاسْتُعِيرَ لِشَرَابِ الْجَنَّةِ تَرْغِيبًا فِيهِ وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي وَعَنِ الثَّالِثِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الطّهُور هَهُنَا جَار على طَاهِر بل معزل عَنْهُ وَيُوَضِّحُهُ اسْتِحَالَةُ قَبُولِ الطَّهَارَةِ لِلزِّيَادَةِ فِي الْمَطَر وَالْبَحْر فَلَا يُمكن إِلْحَاقه بصبور وشكور ثُمَّ إِنَّا لَوْ سَلَّمْنَا إِمْكَانَ الْقِيَاسِ عَلَى الْمَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى طَاهِرٍ لَانْدَفَعَ الْقِيَاسُ بِالْفَارِقِ وَهُوَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْمَاءُ مِنَ الرِّقَّةِ وَاللَّطَافَةِ. فَإِنْ قَالُوا الْخَلُّ وَمَاءُ اللَّيْمُونِ أَلْطَفُ مِنْهُ. قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِمَا أَحَسَّ مِنَ الْمُمَانَعَةِ لِيَدِهِ مَا لَا يُحِسُّ فِي الْمَاءِ وَلِأَنَّ أَجْزَاءَ الْخُبْزِ لَا يُفَرِّقُهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِخِلَافِهِ وَلِأَنَّ مَاءَ اللَّيْمُونِ إِذَا اسْتُعْمِلَ لِزَوَالِ الْعَرَقِ سَدَّ الْمَسَامَّ وَمَنَعَ انْبِعَاثَ الْعَرَقِ وَأَمَّا إِحَالَةُ الْأَلْوَانِ فَلَيْسَ لِرِقَّتِهِ وَإِنَّمَا هُوَ بِإِحَالَتِهِ لَهَا. إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا الْبَحْث فَيلْحق بِالطَّهُورِ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ وَالْأَصَالَةِ الْمُتَغَيِّرُ بِجَرْيهِ عَلَى الْمَعَادِنِ أَوْ بِطُولِ الْمُكْثِ وَالطُّحْلُبُ وَالطِّينُ الْكَائِنُ فِيهِ وَكُلُّ مَا هُوَ مِنْ قَرَارِهِ مِنَ التَّبْصِرَةِ وَمَا يَكُونُ عَنِ الْبَرَدِ وَالْجَلِيدِ وَالنَّدَى وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا تَغَيَّرَ بِالْمَعَادِنِ الْجَارِي عَلَيْهَا وَالْآنِيَةِ الْمَصْنُوعَةِ مِنْهَا وَقَدْ فَرَّقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بَيْنَهُمَا وَلَا فَرْقَ وَقَدْ كَانَ ﵇ يَتَوَضَّأُ مِنَ الصُّفْرِ وَلَمْ يَكْرَهْ أَحَدٌ الْوُضُوءَ مِنَ الْحَدِيدِ
стр. 165
مَعَ سُرْعَةِ التَّغْيِيرِ فِيهِمَا لَا سِيَّمَا فِي الْبِلَاد الحارة وَكَانَ عمر ابْن عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵄ يُسَخَّنُ لَهُ الْمَاءُ فِي الصُّفْرِ. فُرُوعٌ أَحَدَ عَشَرَ: الْأَوَّلُ فِي الْجَوَاهِرِ التُّرَابُ الْمَطْرُوحُ عَمْدًا فِي الْمَاءِ لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ إِلْحَاقًا لِلطَّارِئِ بِالْأَصْلِيِّ وَقِيلَ لَا يَلْحَقُ بِهِ لِفَارِقِ الضَّرُورَةِ. الثَّانِي الْمِلْحُ مُلْحَقٌ بِالتُّرَابِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَبِالْأَطْعِمَةِ عَن الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ وَقِيلَ الْمَعْدِنِيُّ كَالتُّرَابِ نَظَرًا إِلَى الْأَصْلِ وَالْمَصْنُوعُ كَالطَّعَامِ لِإِضَافَةِ غَيْرِهِ إِلَيْهِ غَالِبًا. الثَّالِثُ قَالَ الْمُلَازِمُ لِلْمَاءِ إِذَا اخْتَصَّ بِبَعْضِ الْمِيَاهِ قِيلَ لَيْسَ يُطَهِّرُ لِعَدَمِ الْعُمُومِ وَقِيلَ مُطَهِّرٌ لِعَدَمِ الِانْفِكَاكِ. الرَّابِعُ قَالَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ إِذَا وَقَعَ فِيهِ طَاهِرٌ لَمْ يُغَيِّرْهُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ يَسْلُبُهُ التَّطْهِيرَ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي النَّجَاسَةِ مَعَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ. الْخَامِسُ مِنَ الطَّرَّازِ الْمُسَخَّنُ بالشمس مَكْرُوه وَقَالَهُ ش خلافًا ح وَذَلِكَ من وجهة الطِّبِّ لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ﵁ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُ ﵇ دَخَلَ عَلَيْهَا وَقَدْ سَخَّنَتْ مَاءً فِي الشَّمْسِ فَقَالَ ﵇ لَا تَفْعَلِي هَذَا يَا حُمَيْرَاءُ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ وَنَحْوِهِ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ حَدِيثٌ قَالَ الْغَزَّالِيُّ يَخْرُجُ مِنَ الْإِنَاءِ فِي الشَّمْسِ مِثْلُ الْهَبَاءِ بِسَبَبِ التَّشْمِيسِ فِي النُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ فَيَعْلَقُ بِالْأَجْسَامِ فَيُورِثُ الْبَرَصَ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِصَفَائِهِمَا وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُسَخَّنُ بِالنَّارِ وَالشَّمْسِ كَغَيْرِهِ.
стр. 166
السَّادِسُ قَالَ فِي الْكِتَابِ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَا يَقَعُ الْبُصَاقُ فِيهِ وَالْمُخَاطُ وَخَشَاشُ الْأَرْضِ مِثْلُ الزُّنْبُورِ وَالْعَقْرَبِ وَالصَّرَّارِ وَبَنَاتِ وَرْدَانَ مِنَ التَّنْبِيهَاتِ الْخَشَاشُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا وَضَمِّهَا وَتَخْفِيفِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ صِغَارُ دَوَابِّ الْأَرْضِ وَالزُّنْبُورِ بِضَمِّ الزَّايِ وَالْخُنْفُسَاءِ بِضَمِّ الْخَاءِ مَمْدُودَةً وَالصَّرَّارُ بِالصَّادِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْأَوْلَى سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَا يُسْمَعُ مِنْ صَوْتِهِ فَإِنْ لَمْ تُفَرَّقْ أَجْزَاءُ ذَلِكَ أَوْ يَطُولُ مُكْثُهُ فَمَا وَقَعَ فِيهِ طَاهِرٌ فَإِنْ تَفَرَّقَ أَوْ طَالَ مُكْثُهُ فَالْمَاءُ مُضَافٌ وَقَالَ أَشْهَبُ يُنَجَّسُ. وَأَمَّا الطَّعَامُ فَإِنْ تَفَرَّقَ فِيهِ أَوْ غَلَبَ فَلَا يُؤْكَلُ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى الذَّكَاةِ وَقِيلَ يُؤْكَلُ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إِلَيْهَا عَلَى الْخِلَافِ. السَّابِعُ قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ إِذَا شُكَّ فِيمَا يُفْسِدُ الْمَاءَ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ عَلَى الطَّهُورِيَّةِ وَقَدْ نَهَى مَالِكٌ ﵀ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْبِئْرِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْمَرَاحِيضِ فَقَالَ تُتْرَكُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَإِنْ طَابَتْ وَإِلَّا تُرِكَتْ وَوَجْهُهُ أَنَّ الظَّاهِرَ إِضَافَةُ التَّغَيُّرِ إِلَى الْمَرَاحِيضِ. الثَّامِنُ مِنَ الطَّرَّازِ إِذَا رَاعَيْنَا وَصْفَ الْمَاءِ دُونَ مُخَالِطِهِ وَكَانَ مَعَهُ دُونَ المَاء الْكَافِي فَكَلمهُ بِمَاءِ رَيْحَانٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ فَهَلْ يُتَطَهَّرُ بِهِ لِعَدَمِ التَّغَيُّرِ أَوْ لَا يُتَطَهَّرُ بِهِ لِكَوْنِهِ مُتَطَهِّرًا بِغَيْرِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ جَزْمًا وَهُوَ الطَّاهِرُ وَفَرَّقَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَا إِذَا خُلِطَ بِمَا يَكْفِيهِ مَائِعًا لَمْ يُغَيِّرْهُ وَتَوَضَّأَ بِهِ وَفَضَلَ قَدْرُ ذَلِكَ الْمَائِعِ أَنَّهُ يُجْزِيهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُجْزِئُ قَالَ صَاحِبُ تَهْذِيبِ الطَّالِبِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ إِذَا دَهَنَ الدَّلْوَ الْجَدِيدَ بِالزَّيْتِ وَاسْتَنْجَى مِنْهُ لَا يَجْزِيهِ فَيَغْسِلُ مَا أَصَابَ مِنْ ثِيَابِهِ لِأَنَّ الْمُضَافَ عِنْدَهُ لَا يُجْزِئُ فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ يُعِيدُ الِاسْتِنْجَاءَ دُونَ غَسْلِ ثِيَابِهِ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْمُضَافِ قَالَ وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ هَلْ يُزِيلُ الْمُضَافُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ أَوْ عَيْنَهَا فَقَطْ وَهُوَ
стр. 167
الصَّوَابُ لِأَنَّه لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ وَمَنْ أَزَالَ بِهِ حُكْمَ النَّجَاسَةِ فَلِضَعْفِهَا لِإِزَالَتِهَا بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَالِاخْتِلَافُ فِي وُجُوبِهَا مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي الْمُضَافِ هَلْ يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَمْ لَا وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ يُنَجِّسُ الثِّيَابَ بِبَلِّ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ إِذَا زَالَ عَيْنُهَا فَبَعِيدٌ لِأَنَّ الْبَاقِيَ فِي الْمَوْضِعِ حُكْمٌ لَيْسَ لِعَيْنٍ فَلَا يُنَجِّسُ إِنَّمَا تُنَجِّسُ الْأَعْيَانُ. التَّاسِعُ مِنْهُ أَيْضًا الْقَطِرَانُ تَبْقَى رَائِحَتُهُ فِي الْوِعَاءِ وَلَيْسَ لَهُ جِسْمٌ يُخَالِطُ الْمَاءَ لَا بَأْسَ بِهِ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ فِي الْبَوَادِي. الْعَاشِرُ مِنْهُ أَيْضًا الْحَشِيشُ وَوَرَقُ الشَّجَرِ يَتَسَاقَطُ فِي الْمَاءِ فَيُغَيِّرُهُ لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ مِنَّا. الْحَادِيَ عَشَرَ قَالَ إِذَا وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ نَجَاسَةٌ أَوْ عَيْنٌ طَاهِرَةٌ وَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ فَهُوَ مُطَهِّرٌ وَلَا يشْتَرط وُصُوله الْقلَّتَيْنِ خلافًا ش لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ وَإِنْ صَحَّحْنَاهُ فَهُوَ بِالْمَفْهُومِ وَاسْتِدْلَالُنَا بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَحَدِيثِ بِئْرِ بُضَاعَةَ اسْتِدْلَالٌ بِالْمَنْطُوقِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ إِجْمَاعًا وَإِذا ظهر بطلَان مَذْهَب الشَّافِعِي فمذهب أبي حنيفَة بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فِي قَوْلِهِ إِنَّ الْمَاءَ وَإِنْ كَانَ فَوْقَ الْقُلَّتَيْنِ وَيُمْكِنُ وُصُولُ النَّجَاسَةِ إِلَى أَجْزَائِهِ بِالْحَرَكَةِ فَهُوَ نَجِسٌ لِأَنَّ أَدِلَّتَنَا وَأَدِلَّةَ الشَّافِعِي تَرُدُّ عَلَيْهِ ﵃ أَجْمَعِينَ. الْقِسْمُ الثَّانِي المنجس وَهُوَ مَا تغير لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ بِنَجَسٍ وَفِي الْجَوَاهِرِ خَالَفَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الرَّائِحَةِ وَقِيلَ قَوْلُهُ مُنَزَّلٌ عَلَى الْمُجَاوَرَةِ دُونَ الْحُلُولِ لِمَا فِي التِّرْمِذِيِّ قِيلَ لَهُ ﵇ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحَيْضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتَنُ فَقَالَ ﵇
(إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ)
يَعْنِي إِلَّا مَا غَيَّرَهُ وَقَالَ فِيهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرَوَى فِيهِ الْبَغْدَادِيُّونَ إِلَّا مَا غُيِّرَ لَوْنُهُ أَو طعمه أَو رِيحه وَجه قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ الثِّيَابَ لَا تُنَجَّسُ بِرَوَائِحِ النَّجَاسَاتِ فَكَذَلِكَ الْمَاءُ لِأَنَّه أَقْوَى فِي الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ وَلِأَنَّ الرَّائِحَةَ لَوْ كَانَ
стр. 168
تَغَيُّرُهَا مُعْتَبَرًا لَذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ مِنَ التَّبْصِرَةِ إِنْ كَانَتِ الرَّائِحَةُ عَنِ الْمُجَاوَرَةِ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الطَّهُورِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ عَمَّا حَلَّ فِيهِ مِنَ الطِّيبِ كَانَ مُضَافًا وَكَذَلِكَ الْبَخُورُ لِأَنَّ النَّارَ تَصْعَدُ بِأَجْزَائِهِ وَيُوجَدُ طَعْمُهُ فِيهِ وَلِهَذَا قِيلَ لَا يُؤْكَلُ الْمَطْبُوخُ بِالْمَيْتَةِ وَوَافَقَهُ صَاحِبُ الطَّرَّازِ عَلَى ذَلِكَ. فَرْعَانِ: الْأَوَّلُ مِنْ شَرْحِ التَّلْقِينِ تَثْبُتُ النَّجَاسَةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إِذَا بَيَّنَهَا أَوْ كَانَ مَذْهَبُهُ كَمَذْهَبِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَعْتَقِدَ مَا لَيْسَ نَجِسًا نَجِسًا وَلَا تُشْتَرَطُ الشَّهَادَةُ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ﵁ سَأَلَ صَاحِبَ الْحَوْضِ هَلْ تَرِدُ حَوْضَكَ السِّبَاعُ فَلَوْلَا أَنَّ خَبَرَهُ يُقْبَلُ لَمَا سَأَلَهُ. الثَّانِي فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ قَالَ مَالِكٌ ﵀ فِي الْكِتَابِ مُطَهِّرٌ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ السَّابِقِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ يَتَيَمَّمُ وَيَتْرُكُهُ وَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى وَلَمْ يَعْلَمْ أَعَادَ فِي الْقُوت فَحَمَلَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلَهُ عَلَى التَّنْجِيسِ لِإِبَاحَتِهِ التَّيَمُّمَ وَالْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ مُرَاعَاةٌ لِلْخِلَافِ وَحَمَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِتَخْصِيصِهِ الْإِعَادَةَ بِالْوَقْتِ وَالتَّيَمُّمِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ يُجْتَنَبُ وَفِي السُّنَنِ سُئِلَ ﵇ عَنِ الْمَاءِ وَمَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ فَقَالَ ﵇ إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ مَفْهُومُهُ أَنَّ مَا دُونُ ذَلِكَ يَحْمِلُ الْخَبَثَ وَلِأَنَّ النُّفُوسَ تَعَافُ الْقَلِيلَ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ وَمَا لَمْ يَرْضَهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ أَوْلَى أَلَّا يَرْضَاهُ لِرَبِّهِ وَالْكَرَاهَةُ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَالْمَدَنِيِّينَ وَقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ هُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ طَهُورٌ وَلَا نَجِسٌ لِتَعَارُضِ الْمَآخِذِ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ لِيَخْرُجَ عَنِ الْعُهْدَةِ إِجْمَاعًا. فَرْعٌ فِي الْجَوَاهِرِ عَلَى هَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ وَأَبُو الْحَسَنِ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي أَوَّلًا ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي صَلَاةً أُخْرَى لِيَسْلَمَ أَوَّلًا مِنَ النَّجَاسَة المتوهمة
стр. 169
وَقِيلَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيُصَلِّي صَلَاةً وَاحِدَةً لِعَدَمِ تَحَقُّقِ النَّجَاسَةِ فَإِنْ أَحْدَثَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَصَلَّى وَاحِدَةً عَلَى الْقَوْلَيْنِ لِحُصُولِ مُلَاقَاةِ الْمَاءِ لِلْأَعْضَاءِ أَوَّلًا. مِنَ التَّبْصِرَةِ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ وَفَرَّعْنَا عَلَى أَنَّهُ يُصَلِّي صَلَاتَيْنِ ثُمَّ حَضَرَتْ صَلَاةٌ أُخْرَى تَيَمَّمَ وَصَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً. وَالْمَاءُ الْقَلِيلُ كَالْجَرَّةِ وَالْإِنَاءِ وَالْبِئْرِ الْقَلِيلَةِ الْمَاءِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ الْمَاءُ الَّذِي لَا يُطَهِّرُ وَلَا يُنَجِّسُ وَهُوَ مَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِطَاهِرٍ غَيْرِ لَازِمٍ لَهُ وَخَالَفَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الرَّائِحَةِ وَكَذَلِكَ مِيَاهُ النَّبَاتِ كَمَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ. فَرْعَانِ: الْأَوَّلُ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدَثِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَعْضَاءِ نَجَاسَةٌ وَلَا وَسَخٌ قَالَ مَالِكٌ ﵀ فِي الْكِتَابِ لَا يُتَوَضَّأُ بِمَاءٍ تُوُضِّئَ بِهِ مَرَّةً قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ تَوَضَّأَ. مِنَ التَّنْبِيهَاتِ حَمَلَ قَوْلَ مَالِكٍ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِنَا عَلَى وُجُودِ غَيْرِهِ فَإِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ فَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَهُمَا مُتَّفِقَانِ وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُخْتَصِرِينَ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ هُمَا مُخْتَلِفَانِ وَقَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْقَصَّارِ يَتَيَمَّمُ مَنْ لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ مُطَهِّرٌ مَكْرُوهٌ لِلْخِلَافِ فِيهِ وَقِيلَ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ عَدَمُ سَلَامَتِهِ مِنَ الْأَوْسَاخِ وَدُهْنِيَّةُ الْبَدَنِ الثَّانِي أَنَّهُ أُدِّيَتْ بِهِ عِبَادَةٌ فَلَا تُؤَدَّى بِهِ عِبَادَةٌ كَالرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ وَلَا يَلْزَمُ الثَّوْبَ الَّذِي صَلَّى بِهِ فَإِنَّ مَصْلَحَتَهُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ الثَّالِثُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ لَمْ يَجْمَعُوا مَا سَقَطَ عَنْ أَعْضَائِهِمْ فِي أَسْفَارِهِمْ مَعَ شِدَّةِ ضَرُورَاتِهِمْ لِقِلَّةِ الْمَاءِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ قَالَ ابْنُ شَاسٍ وَيُصَلِّي صَلَاة وَاحِدَة.
стр. 170
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ الْمَجْمُوعُ عَنِ الْأَعْضَاءِ لَا الَّذِي يَفْضُلُ فِي الْإِنَاءِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ وَلَا الْمُسْتَعْمَلُ فِي بَعْضِ الْعُضْوِ إِذَا جَرَى لِلْبَعْضِ الْآخَرِ تَحْرِيرٌ إِذَا قُلْنَا بِسُقُوطِ الطَّهُورِيَّةِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ سَبَبُهُ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا كَوْنُهُ أُدِّيَتْ بِهِ عِبَادَةٌ وَالثَّانِي إِزَالَتُهُ الْمَانِعَ فَإِنِ انْتَفَيَا مَعًا كَالرَّابِعَةِ فِي الْوُضُوءِ فَلَا مَنْعَ وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ احْتَمَلَ الْخِلَافَ كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ أَوْ فِي التَّجْدِيدِ فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَانِعًا وَإِنْ أُدِّيَتْ بِهِ عِبَادَةٌ وَغُسْلُ الذِّمِّيَّةِ مِنَ الْحَيْضِ أَزَالَ مَانِعَ وَطْئِهَا لِزَوْجِهَا الْمُسْلِمِ وَلَمْ تؤدبه عِبَادَةٌ وَفِي قَوْلِ مَالِكٍ ﵀ نَصٌّ صَرِيحٌ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ وَلَا يُتَوَضَّأُ بِمَا توضىء بِهِ مَرَّةً إِشَارَةً لِلْعِبَادَةِ وَإِزَالَةِ الْمَانِعِ مَعًا وَنقل صَاحب الطّراز عِنْد التَّفْرِقَة بَين الْحَدث والتجديد قَالَ وَسوى أَبُو حنيفَة فِي الْمَنْعِ وَيُرَدُّ عَلَى مَنْ قَالَ بِنَجَاسَتِهِ أَن السّلف الصَّالح كَانُوا يتوضؤن وَالْغَالِبُ تَطَايُرُ الْبَلَلِ عَلَى ثِيَابِهِمْ وَالْتِصَاقُ ثِيَابِهِمْ بِأَعْضَائِهِمْ وَهِيَ مَبْلُولَةٌ وَمَا نُقِلَ عَنْهُمُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى طَهَارَتِهِ الْفَرْعُ الثَّانِي مِنَ التَّبْصِرَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْبِئْرِ يَقَعُ فِيهَا سَعَفُ النَّخْلِ وَوَرَقُ الزَّيْتُونِ فَيَتَغَيَّرُ لَوْنُ الْمَاءِ إِنْ تَوَضَّأَ بِهِ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ لِأَنَّه لَا يَتَغَيَّرُ إِلَّا وَقَدْ تَغَيَّرَ طَعْمُهُ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْغَدِيرِ تَرِدُهُ الْمَاشِيَةُ فَتُغَيِّرُهُ بِرَوْثِهَا مَا يُعْجِبُنِي وَلَا أُحَرِّمُهُ وَالْمَعْرُوفُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ الْقِسْمُ الرَّابِعُ الْمُخْتَلِطُ مِنَ الطَّهُورِ وَغَيْرِهِ وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا إِنَّ الْبَاقِيَ عَلَى خِلْقَتِهِ طَهُورٌ وَغَيْرَ الْبَاقِي غَيْرُ طَهُورٍ بِأَنْ يَكُونَ مُتَغَيِّرًا بِقَرَارِهِ أَوْ لَازِمِهِ إِلَى لَوْنِ نَجَاسَةٍ وَقَعَتْ فِي بَعْضِهِ فَالْتَبَسَ بِالْبَعْضِ الْآخَرِ أَوْ بِصَيْرُورَةِ مَاءِ بَعْضِ النَّبَاتِ كَمَاءِ الْوَرْدِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى صِفَةِ الطَّهُورِ ثُمَّ يَلْتَبِسُ بِالطَّهُورِ وَفِي الْجَوَاهِرِ فَإِنْ وَجَدَ مَا يَتَيَقَّنُ طَهُورِيَّتَهُ لَمْ يَجْتَهِدْ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلِلْأَصْحَابِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ يَتَوَضَّأُ بِالْإِنَاءَيْنِ وُضُوءَيْنِ وَيُصَلِّي صَلَاتَيْنِ وَيَغْسِلُ أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ مِنَ الْإِنَاءِ الثَّانِي قَبْلَ وُضُوئِهِ مِنْهُ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا نَجِسًا لِإِمْكَانِ
стр. 171
الْوُصُولِ إِلَى الْيَقِينِ كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ قَالَ الْأَصْحَابُ وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِقَوْلِ مَالِكٍ ﵀ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِثْلَهُ إِلَّا الْغَسْلَ مِنَ الْإِنَاءِ الثَّانِي قَبْلَ الْوُضُوءِ لِعَدَمِ تَيَقُّنِ النَّجَاسَةِ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَتَحَرَّى أَحَدَهُمَا فَيَتَوَضَّأُ بِهِ كَمَا يُصَلِّي إِلَى جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ عِنْدَ الْتِبَاسِ جِهَةِ الْكَعْبَةِ فَرْعٌ عَلَى هَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الِاجْتِهَادُ فِي الْأَوَانِي يَخْتَصُّ بِالْبَصِيرِ وَقِيلَ لَا يَخْتَصُّ بَلْ يَصِحُّ مِنَ الْأَعْمَى لِإِدْرَاكِهِ الطَّعْمَ وَالرَّائِحَةَ وَزِيَادَةَ الْإِنَاءِ بَعْدَ نَقْصِهِ وَقَالَ سَحْنُونٌ أَيْضًا يَتَيَمَّمُ وَيَتْرُكُهَا وَلَا يُشْرَعُ لَهُ التَّحَرِّي كَأُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعِ إِذَا اخْتَلَطَ بِأَجْنَبِيَّةٍ قَالَ الطَّرْطُوشِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ بِخِلَافِ الثِّيَابِ الْمُشْتَبِهَةِ فَإِنَّهُ لَا بَدَلَ لَهَا وَهَهُنَا بَدَلٌ وَهُوَ التَّيَمُّمُ وَقَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِذَا أَصَابَتِ النَّجَاسَةُ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ وَجُهِلَ لَا يُصَلِّي فِيهِمَا حَتَّى يَغْسِلَهُمَا وَإِنَّمَا يَتَحَرَّى فِيهِمَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَلَوْ شَكَّ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الثَّوْبِ وَتَيَقَّنَ الْإِصَابَةَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ غَسَلَ الْمُتَيَقَّنَ وَنَضَحَ الْمَشْكُوكَ وَإِذَا قُلْنَا بِالتَّحَرِّي فِي الثَّوْبَيْنِ فَلَا يَتَحَرَّى فِي جِهَاتِ الثَّوْبِ إِذَا اخْتَلَطَ عَلَيْهِ النَّجِسُ بِالطَّاهِرِ مِنَ الْجِهَتَيْنِ وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّحَرِّيَ فِي الثَّوْبَيْنِ يُوجِبُ الصَّلَاةَ فِي أَحَدِهِمَا بِغَيْرِ غَسْلٍ وَلَا بُدَّ مِنَ الْغَسْلِ فِي الثَّوْبِ نَعَمْ لَوْ لَمْ يَجِدْ مِنَ الْمَاءِ مَا يَعُمُّ الثَّوْبَ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَ الثَّوْبِ وَضَاقَ الْوَقْتُ تَحَرَّى وَفِي الْجَوَاهِرِ يَتَحَرَّى بَيْنَ الثَّوْبَيْنِ وَلَمْ يَشْتَرِطِ الضَّرُورَةَ قَالَ وَقِيلَ إِنَّهُ يُصَلِّي بِكُلِّ وَاحِدٍ صَلَاةً قَالَ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ قَالَ فَلَوْ أَصَابَ بَعْضَ ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يَجُزِ التَّحَرِّي وَلَوْ قَسَمَهُ بِنِصْفَيْنِ لَمْ يَجُزِ التَّحَرِّي بَيْنَهُمَا لِجَوَازِ انْقِسَامِ النَّجَاسَةِ فِيهِمَا وَلَوْ أَصَابَتْ أَحَدَ الْكُمَّيْنِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ جَازَ الِاجْتِهَادُ كَالثَّوْبَيْنِ بِاخْتِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ قَالَ فَإِنْ فَصَلَهُمَا جَازَ الِاجْتِهَادُ إِجْمَاعًا بَيَانٌ النَّضْحُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ يَنْطَلِقُ عَلَى الْغَسْلِ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْبَعِيرُ الَّذِي
стр. 172
يَسْتَقِي نَاضِحًا وَيَنْطَلِقُ عَلَى الرَّشِّ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى مَا يَكْثُرُ صَبُّ الْمَاءِ فِيهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿عينان نضاختان﴾ وَقيل ينْطَلق على مَا يفور مِنَ السُّفْلِ كَالْفَوَرَانِ فَرْعٌ إِذَا قُلْنَا يُصَلِّي بِكُلِّ إِنَاءٍ صَلَاةً فَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا قَلَّ وَبَيْنَ مَا كَثُرَ كَمَا فَرَّقْنَا فِي تَرْتِيبِ الصَّلَوَاتِ أَشَارَ الطَّرْطُوشِيُّ إِلَى الْفَرْقِ قَاعِدَةٌ الْأَصْلُ أَلَّا تُبْنَى الْأَحْكَامُ إِلَّا عَلَى الْعِلْمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ علم﴾ لَكِنْ دَعَتِ الضَّرُورَةُ لِلْعَمَلِ بِالظَّنِّ لِتَعَذُّرِ الْعِلْمِ فِي أَكْثَرِ الصُّوَرِ فَتَثْبُتُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ لِنُدْرَةِ خَطَئِهِ وَغَلَبَةِ إِصَابَتِهِ وَالْغَالِبُ لَا يُتْرَكُ لِلنَّادِرِ وَبَقِيَ الشَّكُّ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ إِجْمَاعًا ثُمَّ شَرْطُ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ اقْتِبَاسُهُ مِنَ الْأَمَارَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا ثُمَّ حَيْثُ ظَفِرْنَا بِالْعِلْمِ لَا نَعْدِلُ عَنْهُ إِلَى الظَّنِّ كَتَحْصِيلِ صَلَاةٍ مِنْ خَمْسٍ بِفِعْلِ الْخَمْسِ وَحَيْثُ لَمْ نَظْفَرْ بِهِ اتَّبَعْنَا الظَّنَّ ثُمَّ الظَّنُّ قَدْ يَنْشَأُ عَنْ أَمَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَتَتَعَدَّدُ مَوَارِدُهُ فَيُتَخَيَّرُ كَإِخْبَارِ بَيِّنَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِمَا يُسْتَفَادُ مِنَ الشَّهَادَةِ وَقَدْ لَا تَتَعَدَّدُ مَوَارِدُهُ بل تَنْحَصِر جِهَة الظَّن الناشىء عَنِ الْأَمَارَةِ فِي مَوْرِدٍ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْنَا اتِّبَاعُ ذَلِكَ الْمَوْرِدِ كَجِهَةِ الْكَعْبَةِ فَإِنَّ الْمَظْنُونَ عَنِ الْأَمَارَةِ فِيهَا لَيْسَ إِلَّا جِهَةً وَاحِدَةً وَمَا عَدَا تِلْكَ الْجِهَةَ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُ كَوْنِ الْكَعْبَةِ فِيهَا وَقَدْ لَا يَنْشَأُ عَنْ أَمَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَلَا يُعْتَبَرُ شَرْعًا وَإِنْ كَانَ أرجح فِي النَّفس من الناشىء عَنِ الْأَمَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ كَشَهَادَةِ أَلْفٍ مِنْ عُبَّادِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِفَلَسٍ فَإِنَّا لَا نَتَّبِعُ هَذَا الظَّنَّ وَلَا يَثْبُتُ الْفَلَسُ وَإِنْ قَوِيَ فِي أَنْفُسِنَا صِدْقُهُمْ وَكَذَلِكَ الْأُخْتُ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ لَمَّا لَمْ يَنْصُبِ الشَّرْعُ عَلَيْهَا أَمَارَةً وَجَبَ التَّوَقُّفُ وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَتَخَرَّجُ مَسْأَلَةُ الْأَوَانِي وَكَثِيرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْمَذْهَبِ
стр. 173
فُرُوعٌ أَرْبَعَةٌ الْأَوَّلُ لَوْ صَلَّى بِمَا يَغْلِبُ على طنه طَهُورِيَّتُهُ ثُمَّ تَيَقَّنَ نَجَاسَتَهُ غَسَلَ أَعْضَاءَهُ وَتَوَضَّأَ وَأعَاد وَإِن ظن ذَلِك فَقَوْلَانِ مبينان عَلَى نَقْضِ الظَّنِّ بِالظَّنِّ كَالْمُصَلِّي إِلَى الْقِبْلَةِ يَظُنُّ خَطَأَ فِعْلِهِ الثَّانِي قَالَ يَتَرَتَّبُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ إِذَا تَوَضَّأَ بِالْإِنَاءَيْنِ وَصَلَّى وَحَضَرَ صَلَاةً أُخْرَى وَطَهَارَتُهُ بَاقِيَةٌ وَالَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ ثَانِيًا مَعْلُومٌ صَلَّى بِطَهَارَتِهِ وَغَسَلَ أَعْضَاءَهُ مِنَ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَوَّلًا وَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَصَلَّى وَإِنْ لَمْ تَكُنْ طَهَارَتُهُ بَاقِيَةً أَوْ كَانَتْ لَكِنَّهُ لَا يَعْلَمُ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ آخِرًا تَوَضَّأَ بِالْإِنَاءَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ الثَّالِثُ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يُعْتَقَدُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِنَجَسٍ وَلَوْ كَثُرَتِ الْأَوَانِي وَالْمُجْتَهِدُونَ قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ إِذَا اخْتَلَفَ ثَلَاثَةٌ فِي ثَلَاثَةِ أَوَانٍ نَجِسٍ وَطَاهِرَيْنِ تَوَضَّأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّا يَرَاهُ طَاهِرًا وَيَؤُمُّ أَحَدُهُمْ ثُمَّ الثَّانِي وَلَا يَؤُمُّهُمُ الثَّالِثُ لِأَنَّ إِمَامَةَ الْأَوَّلِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّجِسُ مَعَ أَحَدِ الْمَأْمُومَيْنِ أَوْ مَعَهُ وَالثَّانِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ الثَّالِثُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّجِسُ وَقَعَ فِي حَقِّي فَصَلَاةُ إِمَامِي صَحِيحَةٌ وَإِمَامَةُ الثَّالِثُ تَتَعَيَّنُ النَّجَاسَةَ لَهُ فَلَمْ تَجُزْ وَمَتَى زَادَ عَدَدُ الْأَوَانِي أَوْ عَدَدُ الرِّجَالِ إِذَا بَقِيَ وَاحِدٌ طَاهِرٌ جَازَتِ الْإِمَامَةُ أَبَدًا حَتَّى يَبْقَى وَاحِدٌ مِنْهَا فَيَمْتَنِعُ فَإِنْ كَانَتِ الْأَوَانِي اثْنَتَيْنِ وَأَمَّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ الثَّانِي عِنْدَ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَّا أباثور لِعَدَمِ تَيَقُّنِ الْخَطَأِ وَلِأَنَّ الْمَأْمُومَ يَرَى أَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ صَحِيحَةٌ فِي حَقِّهِ فَيَجُوزُ لَهُ اتِّبَاعُهَا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى تَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ كَمَا قَالَ فقد قَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ مُطْلَقًا لِأَجْلِ الشَّكِّ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الصَّلَاةُ الْأُولَى صَحِيحَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِي اقْتِدَائِهِ وَفِي الِاقْتِدَاءِ الثَّانِي تَبْطُلُ إِحْدَى صَلَاتَيْهِ فَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُمَا لِيَخْرُجَ عَنِ الصَّلَاةِ بِيَقِينٍ وَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ الِاقْتِدَاءُ الثَّانِي فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ بَاطِلٌ لِأَنَّ فِيهِ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ النَّجَاسَةِ
стр. 174
الرَّابِعُ قَالَ حَيْثُ قُلْنَا بِالِاجْتِهَادِ بَيْنَ الْمَاءَيْنِ فَقَدْ خَرَّجَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ جَوَازَ الِاجْتِهَاد بَين المَاء وَالْبَوْل خلافًا ش وح لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِاجْتِهَادِ تُمَيِّزُ الْحَقَّ عَنِ الْبَاطِلِ وَهَهُنَا كَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ هُوَ الَّذِي تَقْتَضِيه أصولنا وَبِه أَقُول الْوَسِيلَة الثَّانِيَة تَمْيِيزُ النَّجِسِ مِنْ غَيْرِهِ وَالْعَالَمُ إِمَّا جَمَادٌ أَوْ نَبَاتٌ أَوْ حَيَوَانٌ وَفِي الْجَوَاهِرِ وَالْأَوَّلَانِ طَاهِرَانِ إِلَّا الْمُسْكِرَاتِ لِلْإِسْكَارِ لِأَنَّهَا مَطْلُوبَةُ الْإِبْعَادِ وَالْقَوْلُ بِتَنْجِيسِهَا يُفْضِي إِلَى إِبْعَادِهَا وَالْمُفْضِي إِلَى الْمَطْلُوبِ مَطْلُوبٌ وَالْحَيَوَانُ فِيهِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ الْأَوَّلُ فِي أَقْسَامِهِ وَالثَّانِي فِي أَجْزَائِهِ وَالثَّالِثُ فِيمَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ وَالرَّابِعُ فِيمَا يُلَابِسُهُ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي أقسامة وَهِي خَمْسَة الأول وَفِي الْجَوَاهِرِ الْحَيُّ كُلُّهُ طَاهِرٌ عَمَلًا بِالْأَصْلِ وَلِأَنَّ الْحَيَاةَ عِلَّةُ الطَّهَارَةِ عَمَلًا بِالدَّوَرَانِ فِي الْأَنْعَام فَإِنَّهَا حَال حَيَاتهَا حَيَّة ظَاهِرَة وَحَالَ مَوْتِهَا لَيْسَتْ حَيَّةً وَلَا طَاهِرَةً وَالدَّوَرَانُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ الْمَدَارُ الدَّائِرُ فَيَلْحَقُ بِهِ مَحَلُّ النِّزَاعِ كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنْ قِيلَ الْأَنْعَامُ الْمُذَكَّاةُ طَاهِرَةٌ فَبَطَلَ الدَّوَرَانُ قُلْنَا عِلَلُ الشَّرْعِ تَخْلُفُ بَعْضَهَا وَالذَّكَاةَ عِلَّةٌ مُطَهِّرَةٌ إِجْمَاعًا الثَّانِي قَالَ الْمَيْتَةُ حَتْفَ أَنْفِهَا كُلُّهَا نَجِسَةٌ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْفَضَلَاتِ الْمُسْتَقْذَرَةِ إِلَّا مَيْتَةَ الْبَحْرِ لِقَوْلِهِ ﵇ فِي الْمُوَطَّأِ
هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ
وَالْحِلُّ دَلِيلُ الطَّهَارَةِ الثَّالِثُ قَالَ مَيْتَةُ مَا لَيْسَتْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ طَاهِرَةٌ لِعَدَمِ الدَّمِ مِنْهُ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ الِاسْتِقْذَارِ لِقَوْلِهِ ﵇ فِي الْبُخَارِيِّ
إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ
وَلَوْ كَانَ يَنَجَسُ بِالْمَوْتِ مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ مَوْتُهُ لَكَانَ
стр. 175
عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ بِإِفْسَادِ الطَّعَامِ وَقَالَ أَشْهَبُ وَالشَّافِعِيّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَنَجَسُ لِأَنَّ الْمَوْتَ عِنْدَهُمَا عِلَّةُ التَّنْجِيسِ دُونَ احْتِقَانِ الدَّمِ لِقِلَّتِهِ وَوَافَقْنَاهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَنْعَامَ إِذَا قُطِعَتْ مِنْ أَوْسَاطِهَا وَخَرَجَتْ دِمَاؤُهَا أَنَّهَا نَجِسَتْ بِالْمَوْتِ مَعَ انْتِفَاءِ الدَّمِ فَإِذَا اسْتَدْلَلْنَا نَحْنُ بِالذَّكَاةِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الصُّورَةِ وجوابنا عَنْهُ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُسَلِّطْنَا عَلَى الْحَيَوَانِ إِلَّا بِشَرْطِ انْتِفَاعِنَا بِهِ وَأَنْ نَسْلُكَ أَقْرَبَ الطُّرُقِ فِي ذَلِكَ وَأَقْرَبُ الطُّرُقِ هُوَ الذَّكَاةُ فِي الْمَوْضِعِ الْمَخْصُوصِ فَمَنْ عَدَلَ عَنْهُ لَمْ يُرَتِّبِ الشَّرْعُ عَلَى فِعْلِهِ أَثَرًا فَسَوَّى بَيْنِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَبَيْنَ الَّتِي احْتَقَنَتْ فِيهَا الْفَضَلَاتُ زَجْرًا لَهُ فَرْعَانِ الْأَوَّلُ لِلْمَازِرِيِّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ أَلْحَقَ ابْنُ الْقَصَّارِ الْبُرْغُوثَ بِمَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ لِوُجُودِ الدَّمِ فِيهِ وَأَلْحَقَهُ سَحْنُونٌ بِمَا لَا نفس لَهُ وَألْحق أَبُو حنيفَة الْبَعُوضَ بِالْجَرَادِ مَعَ وُجُودِ الدَّمِ فِيهِ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ النَّظَرُ إِلَى أَصَالَةِ الدَّمِ أَوْ طُرُوِّهِ الثَّانِي مِنَ الطَّرَّازِ إِذَا مَاتَ الْبُرْغُوثُ أَوِ الْقَمْلَةُ فِي الطَّعَامِ أَلْحَقَهُ ابْنُ الْقَصَّارِ بِمَا لَهُ نَفْسٌ وَخَالَفَهُ سَحْنُونٌ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا دَمٌ فَإِنْ كَانَ وَافَقَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ابْنَ الْقَصَّارِ فِي التَّنْجِيسِ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ لَا يُؤْكَلُ طَعَامٌ مَاتَ فِيهِ أَحَدُهُمَا لِأَنَّ عَيْشَهُمَا مِنْ دَمِ الْحَيَوَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى بِنَجَاسَةِ الْقَمْلَةِ لِكَوْنِهَا مِنَ الْإِنْسَانِ تُخْلَقُ بِخِلَافِ الْبُرْغُوثِ فَإِنَّهُ مِنَ التُّرَابِ وَلِأَنَّهُ وَثَّابٌ فَيَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ كَشْفٌ لِلنَّفْسِ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ يُقَالُ لِذَاتِ الشَّيْءِ نَحْوَ جَاءَ زَيْدٌ نَفْسُهُ وَلِلرُّوحِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا﴾ وَلِلدَّمِ كَقَوْلِ ابْنِ دُرَيْدٍ
(خَيْرُ النُّفُوسِ السَّائِلَاتُ جَهْرَةً … عَلَى ظُبَاةِ الْمُرْهَفَاتِ وَالْقَنَا)
وَمِنْهُ سُمِّيَتِ النُّفَسَاءُ لِخُرُوجِ الدَّمِ مِنْهَا
стр. 176
فَقَوْلُ الْعُلَمَاءِ مَا لَيْسَتْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ احْتِرَازٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَإِلَّا فَكُلُّ دَمٍ يَسِيلُ فَلَا مَعْنَى لِلتَّقْيِيدِ حِينَئِذٍ الرَّابِعُ الْآدَمِيُّ إِذَا مَاتَ طَاهِر عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِغُسْلِهِ وَإِكْرَامِهِ يَأْبَى تَنْجِيسَهُ إِذْ لَا مَعْنَى لِغُسْلِ الْمَيْتَةِ الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْعَذِرَةِ وَلِمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ ﵇ صَلَّى عَلَى سَهْلِ بْنِ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا مَا فَعَلَ ﵇ ذَلِكَ الْخَامِسُ الْكَلْبُ فِي الْجَوَاهِرِ أَطْلَقَ سَحْنُونٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ عَلَيْهِ التَّنْجِيسَ وَكَذَلِكَ الْخِنْزِيرُ إِمَّا لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِمَا وَإِمَّا لِمُلَابَسَتِهِمَا النَّجَاسَةَ فَيُرْجَعُ إِلَى نَجَاسَةِ السُّؤْرِ وَقَدْ قَالَ ﵇ فِي الْمُوَطَّأِ
إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا
وَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَتَخَرَّجُ فُرُوعُ الْمَذْهَبِ فَنَذْكُرُهَا فِي أَثْنَاءِ فقهه وَالْكَرم عَلَى أَلْفَاظِهِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إِذَا وَلَغَ هَلْ يخْتَص بِالْمَاءِ علا بِالْغَالِبِ أَوْ يَعُمُّ الْمَاءَ وَالطَّعَامَ لِحُصُولِ السَّبَبِ فِي الْجَمِيعِ قَوْلَانِ وَقَوْلُهُ الْكَلْبُ هَلْ يَخْتَصُّ بِالْمَنْهِيِّ عَنِ اتِّخَاذِهِ فَتَكُونَ اللَّامُ لِلْعَهْدِ أَوْ يَعُمُّ الْكِلَابَ لِعُمُومِ السَّبَبِ قَوْلَانِ وَإِذَا قُلْنَا بِالْعُمُومِ فَوَلَغَ فِي الْإِنَاءِ جَمَاعَةُ كِلَابٍ أَوْ كَلْبٌ مِرَارًا هَلْ تَتَدَاخَلُ مُسَبَّبَاتُ الْأَسْبَابِ كَالْأَحْدَاثِ أَوْ يُغْسَلُ لِكُلِّ كَلْبٍ سَبْعًا وَلِلْكَلْبِ كَذَلِكَ قَوْلَانِ وَقَوْلُهُ فَلْيَغْسِلْهُ هَلْ يُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ أَوِ الْوُجُوبِ قَوْلَانِ إِمَّا لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ لَكِن هَهُنَا قَرَائِنُ صَرَفَتْهُ عَنْهُ وَإِمَّا لِلْخِلَافِ فِي صِيغَةِ الْأَمْرِ وَهَلْ هَذَا الْأَمْرُ تَعَبُّدٌ لِتَقْيِيدِهِ بِالْعَدَدِ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَدَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَى طَهَارَةِ الْحَيَوَانِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ هُوَ مُعَلَّلٌ بِدَفْعِ مَفْسَدَةِ الْكَلْبِ عَنْ بَنِي آدَمَ لِأَنَّ الْكَلْبَ فِي أول مُبَاشرَة
стр. 177
الْمَاءِ يَعْلَقُ لُعَابُهُ بِالْإِنَاءِ وَهُوَ سُمٌّ وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَمْرُهُ ﵇ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ بِاسْتِعْمَالِ التُّرَابِ لِزَوَالِ اللُّزُوجَةِ الْحَامِلَةِ لِلسُّمِّ وَأَمَّا عدد لسبع فمناسب بِخُصُوصِيَّةٍ لِدَفْعِ السُّمُومِ وَالْأَسْقَامِ قَالَ ﵇ فِي مَرَضِهِ
أَهْرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لم تحلل أَو كيتهن
وَقَالَ ﵇
مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَة يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ
وَلِذَلِكَ أَمَرَ بِالرُّقَى سَبْعًا فِي قَوْلِهِ
أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا نَجِدُ
وَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ سَلَامٌ مِنَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ هُوَ مُعَلَّلٌ بِنَجَاسَتِهِ لِقَوْلِهِ ﵇
طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا
وَالطَّهَارَةُ ظَاهِرَةٌ فِي النَّجَاسَةِ وَيَخْرُجُ عَلَى هَذَا هَلْ يُغْسَلُ بِالْمَاءِ الَّذِي فِي الْإِنَاءِ لِطَهَارَتِهِ أَوْ لَا يُغْسَلُ لِنَجَاسَتِهِ قَوْلَانِ وَهَلْ يُؤْكَلُ الطَّعَامُ أَوْ يُطْرَحُ قَوْلَانِ وَهَلْ يَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ عَلَى الْكَلْبِ لِأَنَّه تَعَبُّدٌ أَوْ يَلْحَقُ بِهِ الْخِنْزِيرُ بِجَامِعِ الِاسْتِقْذَارِ قَوْلَانِ وَهَلْ هَذَا الْأَمْرُ عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّه تَعَبُّدٌ وَالْعِبَادَاتُ لَا تُؤَخَّرُ أَوْ لَا يتعيين غسله إِلَّا عِنْد إِرَادَته اسْتِعْمَالَهُ بِنَاءً عَلَى نَجَاسَتِهِ قَوْلَانِ؟ وَاخْتَارَ عَبْدُ الْحَقِّ وَسَنَدٌ التَّأْخِيرَ فُرُوعٌ أَرْبَعَةٌ مِنَ الطَّرَّازِ الْأَوَّلُ الْأَمْرُ بِالْغَسْلِ مُخْتَصٌّ بِالْإِنَاءِ فَلَوْ وَلَغَ من حَوْض أَو نهر لَا يَتَعَدَّى الْحُكْمُ إِلَيْهِ لِأَنَّه تَعَبُّدٌ الثَّانِي الْحُكْمُ مُخْتَصٌّ بِوُلُوغِهِ فَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ أَوْ رجله فَلَا أثر لذَلِك خلافًا ش الثَّالِثُ إِذَا اسْتُعْمِلَ الْإِنَاءُ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ قَبْلَ غَسْلِهِ هَلْ يُعْتَدُّ بِهِ أَوْ يُغْسَلُ سَبْعًا بَعْدَ ذَلِكَ يَتَخَرَّجُ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي غَسْلِهِ قَالَ الْبَاجِيُّ لَا
стр. 178
تُشْتَرَطُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُشْتَرَطَ قِيَاسًا عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي النَّضْحِ وَيُحْتَمَلُ الْفَرْقُ فَإِنَّ الْغَسْلَ مِمَّا يُزِيلُ اللُّعَابَ وَالنَّضْحَ لَا يُزِيلُ شَيْئًا فَكَانَ تَعَبُّدًا بِخِلَافِ إِنَاءِ الْكَلْبِ الرَّابِعُ هَلْ يُشْتَرَطُ الدَّلْكُ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ لِجَامِعِ التَّعَبُّدِ بِهِ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ وَيَكْفِي إِمْرَارُ الْمَاءِ عَلَيْهِ؟ لَيْسَ فِي ذَلِكَ نَصٌّ وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يُشْتَرَطَ لِأَنَّ غَسْلَهُ خَرَجَ عَنِ الْمُتَعَارَفِ وَإِمْرَارُ الْمَاءِ قَدْ يُسَمَّى غَسْلًا وَقَدْ قَدَّمْتُ الْمَشْهُورَ عَنْ مَالِكٍ ﵀ فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ عَلَى الْعَادَةِ فِي الْكِتَابِ تَحْقِيقٌ قَالَ فِي الْكِتَابِ وَقَدْ كَانَ يُضَعِّفُهُ وَقَالَ قَدْ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا أَدْرِي مَا حَقِيقَتُهُ مِنَ التَّنْبِيهَاتِ قِيلَ يَضْعُفُ الْعَمَلُ بِهِ تَقْدِيمًا لِلْكِتَابِ وَالْقِيَاسِ عَلَيْهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ أَكْلَ مَا أَمْسَكَ الْكِلَابُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ غَسْلًا وَالْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْحَيَوَانِ وَقِيلَ يَضْعُفُ الْعَدَدُ وَقِيلَ إِيجَابُهُ لِلْغَسْلِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَمَا أَدْرِي مَا حَقِيقَتُهُ أَيْ مَا الْمُرَادُ بِهِ مِنَ الْحُكْمِ وَيُقَالُ وَلَغَ يَلَغُ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا مِنَ الطَّرَّازِ يُضَعِّفُ عِلَّةَ الْحُكْمِ حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهِ الْخِنْزِير الْفَصْل الثَّانِي فِي أَجزَاء الْحَيَوَان وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ لَحْمِهِ فِي الْجَوَاهِرِ وَالْعَظْمُ وَالْقَرْنُ وَالظِّلْفُ وَالسِّنُّ كَاللَّحْمِ لِحُلُولِ الْحَيَاةِ فِيهَا وَانْحِصَارِ فَضَلَاتِهَا فِيهَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَتَكُونُ نَجِسَةً وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ لَا تَنْجَسُ بِالْمَوْتِ لِقِلَّةِ فَضَلَاتِهَا بِخِلَافِ اللَّحْمِ وَهَلْ تَلْحَقُ أَطْرَافُ الْقُرُونِ وَالْأَظْلَافُ بِأُصُولِهَا أَوْ بِالشُّعُورِ لِعَدَمِ حُلُولِ الْحَيَاةِ فِيهَا قَوْلَانِ وَالْأَصْوَافُ وَالْأَوْبَارُ وَالشُّعُورُ طَاهِرَةٌ قَالَهُ فِي الْكتاب وَوَافَقَهُ أَبُو حنيفَة وَتردد قَول الشَّافِعِي
стр. 179
حُجَّتُنَا أَنَّهَا طَاهِرَةٌ قَبْلَ الْمَوْتِ فَتَكُونُ طَاهِرَةً بَعْدَهُ عَمَلًا بِالِاسْتِصْحَابِ وَاسْتَحْسَنَ فِي الْكِتَابِ غَسْلَهَا لِأَنَّ الْجِلْدَ قَدْ يَعْرَقُ بَعْدَ الْمَوْتِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ مَا نُتِفَ مِنْهَا فَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ وَفِي شَعْرِ الْخِنْزِيرِ خِلَافٌ فَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ كَشُعُورِ الْمَيْتَةِ وَمَذْهَبُ أَصْبَغَ أَنَّهُ كَالْمَيْتَةِ وَنَابُ الْفِيلِ نَجِسٌ لِتَعَذُّرِ ذَكَاةِ الْفِيلِ غَالِبًا فَيَكُونُ كَعِظَامِ الْمَيْتَةِ وَقِيلَ طَاهِرٌ لِشَبَهِهِ بِالْقَرْنِ وَالْأَظْلَافِ وَقَالَ مُطَرِّفٌ إِنْ صُلِقَ فَهُوَ طَاهِرٌ كَالْمَدْبُوغِ مِنَ الْجُلُودِ الْمَيِّتَةِ وَإِلَّا فَلَا وَشَعْرُ الرِّيشِ كَالصُّوفِ وَعَظْمُهُ إِنْ حَلَّ فِيهِ الدَّمُ كَالْعَظْمِ وَإِنْ لَمْ يَحُلَّ فِيهِ الدَّمُ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي طَرَفِ الْقَرْنِ وَالظِّلْفِ وَالْجِلْدُ بِخِلَافِ اللَّحْمِ فِي تَطْهِيرِ الذَّكَاةِ لَهُ فِي السِّبَاعِ إِمَّا بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ وَإِمَّا لِأَنَّ الدِّبَاغَ يَعْمَلُ فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ دُونَ لَحْمِهَا فَكَانَ أَخَفَّ وَكُلُّ شَيْءٍ أُبِينَ عَنْ حَيٍّ مِمَّا تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ فَهُوَ مَيِّتٌ لِأَنَّه ﵇ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يحتذون أَسْنِمَةَ الْإِبِلِ وَأَلْيَاتِ الْغَنَمِ فَقَالَ مَا أُبِينَ عَنِ الْحَيِّ فَهُوَ مَيِّتٌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْمُنْفَصِلِ عَنِ الْحَيَوَانِ وَفِي الْجَوَاهِرِ مَا لَيْسَ لَهُ مَقَرٌّ كَالدَّمْعِ وَالْعَرَقِ فَطَاهِرٌ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ﵇ اسْتَقْبَلَهُمْ عَلَى فَرَسٍ عَرِيٍّ وَفِي الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ؟ قَالَ ﵇ نَعَمْ وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ وَلِأَنَّ الْحَيَاةَ عِلَّةُ الطَّهَارَةِ فَتَكُونُ أَجْزَاءُ الْحَيِّ طَاهِرَةً إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ الدَّلِيلُ وَالْمِسْكُ وَفَأْرَتُهُ طَاهِرَانِ لِأَنَّه ﵇ كَانَ يَتَطَيَّبُ بِهِ
стр. 180
وَالدَّمُ الْمَسْفُوحُ نَجِسٌ إِجْمَاعًا وَغَيْرُ الْمَسْفُوحِ طَاهِرٌ على الْأَصَح بقوله تَعَالَى ﴿أَو دَمًا مسفوحا﴾ فَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَا لَيْسَ بِمَسْفُوحٍ مُبَاحُ الْأَكْلِ فَيَكُونُ طَاهِرًا وَالْأَعْيَانُ النَّجِسَةُ كَالْبَوْلِ وَالدَّمِ وَنَحْوِهِمَا لَا يُقْضَى عَلَيْهَا بِنَجَاسَةٍ فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ لِصِحَّةِ صَلَاةِ حَامِلِ الْحَيَوَانِ الْحَيِّ كَمَا وَرَدَتِ السُّنَّةُ صَلَّى بِصَبِيٍّ وَلَوْ حَمَلَ الْإِنْسَانُ عُصْفُورًا وَصَلَّى بِهِ لَمْ أَعْلَمْ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ خِلَافًا وَالدِّمَاءُ كُلُّهَا سَوَاءٌ حَتَّى دَمُ الْحِيتَانِ طَرْدًا لِلْعِلَّةِ وَخَصَّصَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ ذَكَاتَهُ وَلِمَالِكٍ فِي دَمِ الذُّبَابِ وَالْقُرَادِ قَوْلَانِ كَمَا سَبَقَ وَعَفَا مَالِكٌ ﵀ مَرَّةً عَنْ يَسِيرِ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ كَيَسِيرِ الدَّمِ وَأَلْحَقَهُ مَرَّةً بِالْبَوْلِ لِمَزِيدِ اسْتِقْذَارِهِ عَلَى الدَّمِ وَفِي الطَّرَّازِ الْقَيْءُ وَالْقَلْسُ طَاهِرَانِ إِنْ خَرَجَا عَلَى هَيْئَةِ طَعَامٍ وَالْمَعِدَةُ عِنْدَنَا طَاهِرَةٌ لِعِلَّةِ الْحَيَاةِ وَالْبَلْغَمُ وَالصَّفْرَاءُ وَمَرَائِرُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَالدَّمُ وَالسَّوْدَاءُ نَجِسَانِ فَإِذَا خَالَطَ الْقَيْءُ أَوِ الْقَلْسُ أَحَدَهُمَا أَوْ عَذِرَةً تَنْقَلِبُ إِلَى جِهَةِ الْمَعِدَةِ تَنَجَّسَ وَالْبَوْلُ وَالْعَذِرَةُ نَجِسَانِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَقِيلَ إِلَّا مِمَّنْ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ أُمَّ قَيْسٍ أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَيْهِ ﵇ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا ﵇ بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ وَقِيلَ ذَلِكَ فِي الذَّكَرِ دُونَ الْأُنْثَى لِأَنَّه تَمِيلُ النُّفُوسُ إِلَيْهِ فَيُحْمَلُ بِخِلَافِهَا وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ غِذَاءَ الْجَنِينِ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ وَهُوَ نَجِسٌ إِجْمَاعًا وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَالنَّضْحُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى إِتْبَاعِهِ بِالْمَاءِ وَهُوَ طَرِيٌّ فَذَهَبَتْ أَجْزَاءُ الْمَاءِ بِأَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّطْهِيرِ مِنَ التَّبْصِرَةِ وَلَا خِلَافَ فِي نَجَاسَةِ ثُفْلِهِمَا وَإِنْ لَمْ يَأْكُلَا فِي الْجَوَاهِرِ وَهُمَا طَاهِرَانِ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ مُبَاحِ الْأَكْلِ مَكْرُوهَانِ من
следующие страницы →